← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.

стр. 8961

[النازعات: ١١] ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ﴾ [يس: ٧٨]. والإفراد لأنه اسم (١) جنس، فأفرد كما أفرد (٢) المصادر (٣) وغيرها من الأجناس نحو: الإنسان والدرهم والشاء والبعير (٤). قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا﴾ قال ابن عباس: يعني نفخ الروح فيه (٥). وهو قول السدي، ومجاهد، والشعبي، وعكرمة، والربيع، وأبي العالية (٦)، وابن زيد (٧). واختيار القتيبي (٨). وقال قتادة: هو نبات الشعر والأسنان (٩). وهو قول الضحاك (١٠).

стр. 8962

وروي (١) عن ابن عمر أنه قال: هو استواء الشباب (٢). وهو قوله مجاهد (٣) في بعض الروايات (٤) وحكى الزجاج قولاً آخر وهو: أن جُعل ذكرًا وأنثى (٥). واختار صاحب النظم القول الأول، وقال (٦): قوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا﴾ إلى قوله: ﴿لَحْمًا﴾ قصة واحدة، ثم قال ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ﴾ فجاء به على نظم سوى اللفظ الأول الذي درج عليه ما قبله من قوله خلقنا وخلقنا، والإنشاء هو الابتداء، فدل هذا على أنه أراد به نفخ الروح؛ لأنه لا يحتمل أن يكون خلقًا آخر إلا بأن يزول عن كيفيته (٧) الأولى وهي أنه كان لحمًا وعظمًا

стр. 8963

مواتًا، فلما حصل فيه الروح صار خلقًا آخر، حيوانًا بعد أن كان مواتًا. قال: وفي هذا دليل على أن الجنين إذا استوى عظمه ولحمه على العظم فقد صار إنسانًا تكون به الأمة أم ولد، والجنين ولدًا (١) إن شاء الله. قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ أي استحق التعظيم والثناء بأنه (٢) لم يزل ولا يزال. والكلام في هذا مما قد (٣) سبق (٤). قوله: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ أي: المصورين والمقدرين. والخلق في اللغة: التقدير. والعرب تقول: قدرت الأديم وخلقته، إذا قسِته (٥) لتقطع منه مزادة أو قربة أو خُفًا (٦) (٧). وقال مجاهد: وتصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين (٨). قال الليث: رجل خالق، أي: صانع. وهن الخالقات، للنساء (٩). وقال مقاتل بن سليمان: يقول: هو أحسن خَلْقًا من الذين يخلقون التماثيل وغيرها التي لا يتحرك منها شيء (١٠).

стр. 8964

ومعنى يخلقون: يصنعون. ١٥ - قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بعد (١) ما ذكرنا من تمام الخلق. قال مقاتل (٢). ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ (٣) عند آجالكم. ١٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ قال المفسرون (٤) وأهل اللغة (٥) كلهم: يعني: سبع سموات، كل سماء طريقه. قيل: سميت طريقة لتطارقها، وهو أن بعضها فوق بعض (٦). قال الليث: السموات السبع والأرضون السبع طرائق بعضها فوق بعض (٧). يقال: طارق الرجل نعليه، إذا أطبق نعلًا على نعل. وطارق الرجل بين ثوبين، إذا لبس ثوبًا على ثوب، وهو الطِّرَاق (٨). وقال أبو عبيدة: كل شيء فوقه مثله، فهو طريقة (٩).

стр. 8965

وقال ابن قتيبة: إنما سميت طرائق؛ لأن بعضها فوق بعض، ويقال: ريش طراق (١). قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ قال مقاتل: يعني خلق السماء وغيره (٢). وقال الزجاج: أي لم يكن ليغفل عن حفظهن. كما قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] (٣). وهذا معنى قول الفراء: عما خلقنا غافلين: يقول: كنا له حافظين (٤). وهذا الذي ذكراه (٥) هو ما قاله (٦) المفسرون: وما كنا عن (٧) خلقنا غافلين من أن تسقط السموات عليهم، بل أمسكنا السماء بقدرتنا لكيلا (٨) تسقط على الخلق فتهلكهم (٩). قال الزجاج: ويجوز أن يكون المعنى: إنا لِحِفْظِنَا إياهم خلقنا السموات (١٠).

стр. 8966

أي لم نغفل عن الخلق إذ (١) بنينا فوقهم سماء أطلعنا فيها الشمس والقمر والكواكب، التي بها ينتفعون، وأنزلنا منها عليهم الماء. وكأن هذا أقوى الوجوه. وهو معنى قول الحسن، يعني: ننزل (٢) عليهم ما يحييهم من المطر (٣). ١٨ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ أي: بقدر يعلمه الله. وقال مقاتل: بقدر ما يكفيهم للمعيشة (٤). قال ابن عباس: يريد النيل. وعلى هذا القول الماء المذكور في الآية مخصوص (٥). وقال الكلبي: هو المطر. وعلى هذا معنى ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ يريد ما يبقى في الغُدران والمستنقعات والدُّحلان (٦)، أقر الله الماء فيها لينتفع به الناس في الصيف وعند انقطاع الأمطار. وقال آخرون (٧): هو العيون والينابيع التي يخرج الماء منها، وذلك

стр. 8967

من ماء السماء أودعه الله الأرض. وهذا معنى قول مقاتل بن سليمان، فقد قال: يعني العيون (١). وقال أبو إسحاق: هو دجلة والفرات وسيحان وجيحان، فقد روي أن هذه الأنهار الأربعة من الجنة (٢). ومعنى ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) جعلناه ثابتًا فيها لا يزول (٤). قوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أنه سيغيض ويذهب. يعني النيل. وعلى هذا كأن الله تعالى وعد أنه يذهب النيل حتى ينقطع (٥).

стр. 8968

وعلى (١) قول الكلبي معناه: وإنا لقادرون على أن لا ننزل عليكم المطر، حتى تهلكوا وتهلك حروثكم وأنعامكم. وقال مقاتل: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ فتغور العيون في الأرض فلا يقدر عليه (٢). ٢٠ - قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ﴾ عطف على (جنات) في قوله: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ﴾ (٣). وأجمع المفسرون كلهم على أن هذه شجرة الزيتون (٤). وخصت هذه الشجرة بالذكر؛ لأنه لا يتعاهدها أحد بالسقي ولا يراعيها (٥) أحد من العباد. وهي تخرج الثمرة التي يكون منها الدهن الذي (٦) تعظم به الفائدة وتكثر (٧) المنفعة، فذكرت للنعمة (٨) فيها والمن بها (٩). قوله: ﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ مضى الكلام في الطور (١٠). واختلفوا في ﴿سَيْنَاءَ﴾ فقال ابن عباس - في رواية عطاء: يريد الجبل الحسن (١١).

стр. 8969

[وهو قول قتادة (١). وقال الضحاك: وهو بالنبطية (٢) (٣). وقال عكرمة: بالحبشية (٤) وقال مقاتل: كل جبل يحمل الثمار فهو سيناء، يعني: الحسن] (٥) (٦). وقال الكلبي: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾: الجبل المشتجر (٧). وقيل: معنى ﴿سَيْنَاءَ﴾ البركة، كأنه قيل: جبل البركة. وهذا قول ابن عباس في رواية عطية (٨). وقال مجاهد: ﴿سَيْنَاءَ﴾ حجارة (٩). يعني أن سيناء اسم حجارة بعينها أضيف الجبل إليها لوجودها عنده. والأصح في هذا أن يقال: ﴿سَيْنَاءَ﴾ اسم ذلك المكان الذي به هذا

стр. 8970

الجبل؛ لأن سيناء لا تعرف في العربية (١). وهذا قول ابن زيد. قال: هو الجبل الذي نودي منه موسى ﵇ وهو بين مصر وأيلة (٢). ونحو هذا روى الضحاك عن ابن عباس (٣). واختار (٤) الزجاج أنه اسم المكان (٥). وخُص هذا الجبل بنبات الزيتون فيه، لأن أول ما نبت الزيتون نبت هناك. قاله مقاتل (٦). واختلف القراء في قوله (٧) ﴿سَيْنَاءَ﴾ فقرئ بفتح السين وكسرها (٨) (٩). قال أبو إسحاق: من قال (سَيْنَاء)، فهو على وزن صحراء، لا ينصرف، ومن قال (١٠) بكسر السين فليس في الكلام فعلاء نحو:

стр. 8971

عِلباء (١)، غير منصرف، إلا أن سيناء هاهنا اسم للبقعة ولا (٢) ينصرف (٣). وشرح أبو علي هذا الفصل فقال: من فتح السين لم ينصرف الاسم (٤) عنده في المعرفة ولا النكرة؛ لأن الهمزة في هذا البناء لا تكون إلا للتأنيث ولا تكون للإلحاق، ألا ترى أن فَعْلَالَا (٥) لا يكون إلا في المضاعف نحو: الزَّلزال، والقَلْقَال (٦)، وإذا اختص هذا البناء هذا الضرب (٧) لم يجز أن يُلحق به شيء. وأمَّا من كسر السين فالهمزة فيه منقلبة عن الياء (٨) كعِلباء وحِرباء، وهي الياء (٩) التي ظهرت في نحو: درحاية (١٠) لما بنيت على التأنيث،

стр. 8972

وإنما لم ينصرف على (١) هذا القول وإن (٢) كان غير مؤنث؛ لأنه جعل اسم بقعة أو أرض، فصار بمنزلة امرأة سميت بجعفر (٣). قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ وقرئ: تُنبت (٤). قال الزجاج: يقال: نبت الشجر وأنبت في معنى واحد، قال زهير: رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينًا لهم حتى إذا أنبت البَقْل (٥) (٦)

стр. 8973

قال (١) أبو علي: قد قالوا أنبت في معنى: نبت، وكأن الهمزة في أنبت مرة للتعدي ومرة لغيره، يكون من باب: أحال وأجرب وأقطف، أي: صار ذا حيال وجرب، والأصمعي ينكر أنبت، ويزعم أن قصيدة زهير التي فيها: [حتى إذا] (٢) أنبت البقل، متهمة. وإذا (٣) جاء الشيء مجيئًا كان للقياس فيه مسلك وروته الرواة لم يكن بعد ذلك موضع مطعن (٤). وأما وجه القراءة (٥)، فمن قرأ ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ احتمل وجهين: أحدهما: أن يجعل الجار زائدًا، يريد: تنبت الدهن (٦). ولحقت الباء كما لحقت في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] أي: لا تلقوا أيديكم، يدلك على ذلك قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ٨] (٧) (٨). وقد زيدت هذه الباء مع الفاعل كما زيدت مع المفعول، وزيادتها مع

стр. 8974

المفعول به أكثر، وذلك نحو قوله (١): ألم يأتيك والأنْبَاء تَنْميِ ... بما لاقَتْ لَبُون بني زياد وقد زيدت مع هذه (٢) الكلمة بعينها قال:

стр. 8975

بِوَادٍ يَمَانٍ يُنْبِتُ الشَّثَّ (١) صَدْرُه (٢) ... وأسفله بالمرخ والشِّمبُهان (٣) أي: المرخ (٤). ويجوز أن يكون الباء متعلقًا بغير هذا الفعل الظاهر، ويقدر (٥) مفعولاً

стр. 8976

محذوفًا تقديره: وينبت جناها أو ثمرها وفيها دهن وصبغ (١). قال أبو الفتح الموصلي في شرح هذا الوجه الثاني: ذهب كثير من الناس إلى أن الباء في قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ زائدة، وأن تقديره: تنبت الدهن. وهذا عند حذاق أصحابنا على غير وجه الزيادة، وتأويله عندهم: تنُبْت ما تنبته والدهن فيه، كما تقول: خرج زيد بثيابه، أي: وثيابه عليه، وركب الأمير بسيفه، أي: وسيفه معه، كما أنشده الأصمعي (٢): وَمُسْتَنّةٍ كاسْتِنان الخَرُو ... ف قَدْ قَطَعَ الحَبْلَ بِالمِرْوَدِ أي: قطع الحبل ومروده فيه (٣). وأنشد أبو علي في هذا الوجه فقال (٤):

стр. 8977

يَعْثُرْنَ في حَدِّ الظُّبَاتِ (١) كَأنَّما ... كُسِيَتْ بُرُودَ بني يَزِيدَ الأذْرُعُ (٢) أراد يعثرن مطعونات، فالجار (٣) والمجرور في موضع الحال، ويكون الوجه في الآية على أن المفعول محذوف والباء للحال، والتقدير: تنبت ثمرة بالدهن (٤)، [فحذف المفعول، و (بالدهن) في موضع الحال كأنه نبت وفيه دهن] (٥) (٦).

стр. 8978

وذكر أبو علي (١) وجهين آخرين (٢): أحدهما: أن الآية من باب حذف المضاف، فيكون (٣) معنى ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ أي: بذي الدهن أي: تنبت ما فيه دهن. والوجه الثاني: أن يكون أنبت بمعنى نبت، وتكون الباء للتعدي (٤). كما أنها لو كانت في (٥) نبت فكان كذلك (٦). ومن قرأ ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ جاز (٧) أن يكون الجار فيه للتعدي أنبته ونبت به (٨)، ويجوز أن يكون الباء في موضح حال كما كان في القراءة الأولى، ولا تكون للتعدي ولكن: تنبت وفيها دهن (٩) (١٠).

стр. 8979

قوله: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ وصبغ للآكلين) قال الليث: الصبغ والصباغ: ما يصطبغ به من الأدم (١). وقال غيره: الأصل (٢) في الصبغ (٣) والصباغ: هو ما يلون (٤) به الثياب، فشبه به ما يصطبغ به. وذلك أن الخبز (٥) يُلون بالصبغ إذا غمر فيه، والاصطباغ بالزيت الغَمْس فيه للائتدام به (٦). والمراد بالصبغ: الزيت. في قول ابن عباس. فإنه يُدَّهن به ويؤتدم (٧). وهو اختيار الفراء (٨). جعل الصبغ الزيت. وقال مقاتل: جعل الله في هذه الشجرة أدمًا ودهنًا (٩). وعلى هذا الأدم: الزيتون، والدهن: الزيت. وهو اختيار الزجاج، قال: يعني بالصبغ: الزيتون (١٠). ٢١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾

стр. 8980

مفسرة (١) في سورة النحل (٢). ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ في ظهورها، وألبانها، وأوبارها، وأصوافها، وأشعارها. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ قال ابن عباس: من لحومها وأولادها والكسب عليها (٣). قوله: ﴿وَعَلَيْهَا﴾ قال ابن عباس: يريد الإبل خاصة (٤). ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ قال الكلبي: أما في البحر فالسفن، وأما في البر فالإبل (٥). وهذه الآية تدل على أنه يجوز أن يذكر أشياء، ثم يكنى (٦) عن بعضها، فتعود الكناية إلى البعض لا إلى الجميع، وذلك أن الأنعام اسم للإبل والبقر والغنم، ولسنا نحمل على شيء منها إلا الإبل، فعادت الكناية إليها من جملة الأنعام. والبقر منهي عن ركوبها في الحديث الذي ورد: "أن رجلاً ركب بقرة، فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحراثة". والحديث مشهور (٧).

стр. 8981

ونظير هذه الآية في تذكير النعمة بالحمل على الإبل والسفن قوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠]. ٢٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ﴾ قال ابن عباس: يعزي نبيه ﷺ بأن غير أمته قد كذبوا أنبياءهم وجحدوا بالبعث (١) (٢). ﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ قال ابن عباس: أطيعوا الله. وقال مقاتل: وحدوا الله (٣). ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ما غيره لكم رب ومعبود. ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أو لا تتقونه بالطاعة والتوحيد. قال ابن عباس: يريد: أفلا تخافون الله (٤). ٢٤ - قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد أن يرأسكم ويسودكم (٥). والمعنى: يريد أن يصير له الفضل عليكم فيكون متبوعًا، وأنتم له تبع (٦). ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أن لا نعبد (٧) شيئًا سواه ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ لأرسل ملائكة فكانوا (٨) رسله، ولم يرسل بشرًا آدميًّا. ﴿مَا سَمِعْنَا﴾ الذي يدعونا إليه نوح من التوحيد.

стр. 8982

﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ قال ابن عباس: في الأمم الماضية (١). والباء قوله ﴿بِهَذَا﴾ (٢) زائدة (٣)، و ﴿فِي﴾ ظرف لمحذوف. كأنه قيل: ما سمعنا بهذا سابقًا أو كائنًا في آبائنا الأولين. ٢٥ - قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي حالة جنون، وهي غمرة تغطي العقل وتستره (٤). وقال الفراء: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ أي إلى وقت ما. ولم يعنوا بذلك وقتًا معلومًا، وهو كقول القائل: دعه إلى يوم ما (٥). ٢٦ - قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ قال ابن عباس ومقاتل: انصرني بتحقيق قولي في العذاب أنه نازل بهم في الدنيا على من لم يطعني ولم يسمع رسالتي (٦). ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي بتكذيبهم إياي. والمعنى: انصرني بإهلاكهم

стр. 8983

جزاء لهم بتكذيبهم. قال أهل المعاني: وهذا دعاء عليهم بالإهلاك (١) من أجل التكذيبة (٢) ٢٧، ٢٨ - قوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ مفسر في سورة هود إلى قوله. ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ﴾ (٣). قوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ أي ادخل في سفينتك. وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢]. ٢٩ - قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ المنزل يجوز أن يكون مصدرًا بمنزلة: أنزلني إنزالاً مباركًا، وعلى هذا يجوز أن يعلى الفعل إلى مفعول آخر. ويجوز أن يكون المنزل موضعًا للإنزال كأنه قيل: أنزلني مكانًا أو موضعًا. وعلى هذا الوجه قد استوفى الإنزال مفعوليه. وقرأ أبو بكر عن عاصم (مَنزِلًا) بفتح الميم وكسر الزاي (٤). ويجوز على هذه القراءة الوجهان، أحدهما: أن يكون موضع نزول. والآخر أن يكون مصدرًا. ودل (أنزلني) على أنزل (٥) فانتصب (منزلًا) على أنه مصدر. وعلى الوجه الأول على أنه محل (٦).

стр. 8984

والمفسرون على أنه أُمر أن (١) يقول عند استوائه على الفلك: الحمد لله، وعند نزوله منها (٢) ﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ (٣). قال مجاهد (٤): [قال نوح] (٥) حين خرج من السفينة ﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ (٦). وقال مقاتل: يعني بالبركة أنهم توالدوا وأكثروا (٧) (٨). وهذا يدل على أن هذا الدعاء كان عند الهبوط. وقال الكلبي: منزلا مباركًا بالماء والشجر. وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ يريد من السفينة، مثل قوله: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ [هود: ٤٨] (٩). وذهب بعض أهل المعاني إلى أن المنزل المبارك هو السفينة؛ لأنها كانت سبب النجاة (١٠).

стр. 8985

٣٠ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني في أمر نوح والسفينة وهلاك أعداء الله. ﴿لَآيَاتٍ﴾ لدلالات على قدرة الله ووحدانيته، وعبرًا لمن اعتبر. ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ وما كنا إلا مختبرين إياهم بإرسال نوح ووعظه وتذكيره (١). ٣١ - ٣٥ - قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ يعني عادًا قوم هود، [وأراد (٢) بقوله] (٣): ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ هودًا. والباقي ظاهر إلى قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ الآية. قال الفراء: أعيدت (أَنَّكُمْ) مرتين ومعناهما واحد، إلا أن ذلك حسن لما فرق بينهما بإذا، وهي في قراءة عبد الله (أيعدكم إذا مُتم وكنتم ترابا وعظامًا أنكم مخرجون) (٤). وقال أبو إسحاق: ﴿أَنَّكُمْ﴾ موضعها نصبٌ على معنى: أيعدكم بأنكم إذا متم. وموضع (أن) الثانية عند قوم كموضع الأولى، وإنما ذكرت توكيدًا. والمعنى على هذا القول: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. فلما بعد ما بين (أن) الأولى والثانية بقوله (إذا متم وكنتم تربًا وعظامًا) أعيد ذكر (أن) كما قال : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣] المعنى: فله نار جهنم (٥).

стр. 8986

قال أبو علي الفارسي: لا يخلو (أن) الثانية في قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ الآية، وفي (١) قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ﴾ الآية، وفي قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) [الأنعام: ٥٤] من أن يكون: بدلاً من الأول (٣)، أو يكون مكررًا (٤) للتأكيد وطول الكلام، أو يكون زائدًا غير معتد (٥) به كما في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ (٦)، أو يكون مرتفعًا بالظرف. فمذهب (٧) سيبويه (٨): أن الثانية بدل من الأولى، ومذهب أبي العباس (٩) وأبي عمر الجرمي أنه مكرر للتأكيد، ومذهب أبي الحسن (١٠) أنه مرتفع بالظرف (١١)،

стр. 8987

ولم يقل أحد أنه زائد غير معتد به (١). قال سيبويه (٢): مما جاء مبدلًا قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ ...﴾ الآية، فكأنه (٣) قال: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. وذلك أريد بها ولكنه إنما قدمت (أن) الأولى. ليعلم بعد أي شيء الإخراج. قال ت وزعم الخليل أن مفعل ذلك قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾. قال أبو على: لا يجوز عندي (٤) أن تكون (أن) الثانية في شيء من الآي بدلاً من الأولى، وذلك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن تبدل (أن) من (أن) (٥) وحدها من غير أن تتم بصلتها، وإما أن تبدل منها (٦) بعد تمامها بصلتها. فلا يجوز أن تبدل منها من غير أن تتم بصلتها (٧)؛ لأنها قبل أن تتم بصلتها حرف؛ ولم (٨) نرهم أبدلوا الحرف من الحروف كما أبدلوا (٩) الاسم من الاسم والفعل من الفعل. ولا يجوز أن يكون مبدلًا منها في الآية بعد تمام الصلة؛ لأن صلة الأولى لم تتم، وإنما تتم اسمًا إذا استوفت صلتها تامة. وصلتها يكون اسمًا كان مبتدأ قبل دخولها عليه مع خبره،

стр. 8988

وقوله: ﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ لا يكون خبرًا لاسم (أن) كما لا يجوز أن يكون خبرًا له قبل دخول (أن)، ألا ترى أنك لو قلت: أنتم (١) إذا متم، لم يجز؛ لأن الظرف من الزمان لا يكون خبرًا عن الجثث (٢)، فكذلك (٣) لا يجوز أن تكون (إذا) خبرًا لاسم (أن) من قوله: ﴿أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ﴾، وإذا لم يجز أن يكون خبرًا له فقد ثبت أن ﴿أَنَّكُمْ﴾ الأولى لم تستوف صلتها، وإذا لم تستوف صلتها لم يجز البدل منها؛ لأن الاسم المبدل منه حكمه أن يكون تامًا. وكذلك لا يجوز أن تكون الثانية بدلاً من الأولى في قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ﴾ لأن الشرط وحده دون الجزاء لا يكون خبرًا لاسم (أن)، كما لم يجز أن يكون خبرًا للمبتدأ (٤). وأبو العباس يذهب إلى أن الثانية مكررة توكيدًا، ولست تريد بها إلا ما أردت بالأولى. قال (٥): وهذا أحسن الأقاويل عندي في هذه الآية (٦). قال أبو علي: قول أبي العباس (٧) لا يجوز عندي أيضًا، لأنه لا يخلو من أن يقع التكرير للتأكيد في (أن) وحدها دون صلتها أو مع صلتها. فلا يجوز التكرير (٨) فيها وحدها، كما لا تكرر سائر الموصولات دون

стр. 8989

صلاتها، ولو كررت اسمًا موصولاً نحو: ضربت الذي في الدار [الذي في الدار] (١)، لم تكرره إلا مستوفيًا لصلته [فلا يجوز أن يكون (أن) أيضًا مكررًا مفردًا من صلتها غير مستوفية لها] (٢). فلا يجوز في شىِء من الآي الثلاث التكرير؛ لأن الأولى لم تستوف صلتها في واحدة منها. فقد بان الدخل في هذا القول أيضًا. وهو عندي أشبه من القول الأول. وإذا بان فساد القولين ثبت أنها مرتفعة بالظرف الظاهر الذي هو (إذا) كأنه (٣) في التقدير: أيعدكم أنكم إذا متم إخراجكم. كما تقول: وقت موتكم إخراجكم. فموضع (إذا متم) إلى قوله (مخرجون) رفع، لكون ذلك جملة ووقوعه (٤) كله خبرًا لـ (أن) الأولى. فأما موضع (٥) (إذا) فنصبٌ من حيث انتصب مثل: يومَ الجمعة القتالُ، واليومَ الإخراج. وحكم هذا أن تُضمر للمرفوع خبرًا (٦) يكون إياه في المعنى، أو يكون له (٧) فيه ذكر؛ لأن يوم الجمعة ليس بالقتال ولا له فيه ذكر، وذلك الخبر المُضْمَر: كائن أو حادث أو يحدث، وما أشبه (٨) ذلك. فإذا أضمر هذا لعلما: الذي لابد من إضماره عمل في الظرف. ولا يجوز أن يكون العامل في الظرف الإخراج نفسه من جهة أن الكلام لا

стр. 8990

يتم ولا يكون له خبر، فيحتاج إلى ما يصير خبرًا له ثم يحذف هذا (١) الخبر الذي ذكرت لك أنه لابد من إضماره (٢)، ويدل على حذفه هذا المنتصب. وكذلك (إذا) في الآية حكمه حكم قولك: غدًا الرحيل. كأن التقدير في الأصل: إذا متم إخراجكم كائن أو حادث أو يحدث، فـ (إذا) منتصب (٣) بالخبر المقدر انتصاب غد (٤)، وحذف الخبر كما حذف من غد، ثم قام (إذا) مقام الخبر المحذوف فصار فيه ضميره كما صار في سائر الظروف، ثم قام مقام الفعل فرفع (٥) كما رفع قوله غدًا الرحيل. فـ (غدًا) و (إذا)، و (في الدار)، وما أشبه ذلك من الظروف كان أصله ما عرفتك من الانتصاب بالفعل الذي تقدم (٦) أو ما يقوم مقامه، ثم يختزل فتقوم هي مقام المختزل، فتصير مواضعها لذلك (٧) رفعًا نحو: زيد في الدار، ونحو: القتال إذا أتيت زيدًا، فيرفع (٨) الظاهر كما يرفع المضمر (٩)، فإذا قدم الظرف (١٠) لم يكن له موضع من الإعراب، كما أنه ليس لقولك مبتدئًا:

стр. 8991

(قام زيد) موضع من الإعراب يخالف لفظه [كما أن لقولك عندك (١) من قولك: زيد عندك موضع يخالف لفظه] (٢) وهو الرفع لوقوعه موضع خبر الابتداء، فكذلك (٣) حكم (إذا) في الآية، إلا أنه لما وقع موضع الخبر مع ما بعده قلنا إن الجملة بأسرها معها في موضع رفع، وأنها إذا كانت متقدمة (٤) مرتفعًا بها الاسم لا موضع لها (٥) من الإعراب مخالفًا للفظها (٦) من حيث لم يكن لقولك (٧): في الدار، وعندك -من قولك: في الدار زيد، وعندك عمرو- موضع من الإعراب لقيامهما (٨) مقام ما لا موضع له، فعلى هذا حكم هذه الظروف في قيامها (٩) مقام الفعل. وأبو العباس يقول- في هذه الآية: إن ارتفاعه بالظرف حسن جميل. هذا كله كلام أبي علي في كتاب (١٠) الإصلاح (١١). وقال في كتاب "الحجة": من قدر [في] (١٢) (أنَّ) الثانية البدل فإنه

стр. 8992

ينبغي أن يقدر محذوفًا ليتم بذلك الكلام فيصح البدل، إذ لا يبدل من الاسم إلا بعد تمام الكلام فيكون التقدير: أيعدكم أن إخراجكم إذا متم، فيكون خبرًا لـ (أنَّ) وهو اسم الزمان، والإخراج حدث واسم الزمان يصح أن يكون خبرًا عن الأحداث. وإذا لم يقدر هذا المحذوف لم يتم الكلام؛ لأن قوله: ﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ لا يصح أن يكون خبرًا عن المخاطبين بقوله: ﴿أَنَّكُمْ﴾ لأنهم أعيان (١)، وأسماء الزمان لا يصح أن تكون خبرًا عن الأشخاص، وإذا (٢) قدرت هذا التقدير صح أن يكون (أَنَّكُم) الثانية بدلاً من الأولى. ومن قدر في الثانية التكرير لم يحتج إلى تقدير محذوف (٣). قال: فأما (٤) قول أبي إسحاق ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ إن موضع (أنَّ) الأولى نصبٌ على معنى: أيعدكم بأنكم فإن (٥) وعدت تتعدى إلى مفعولين، وتعديه إلى المفعول الثاني بغير حرف، ولا حاجة إلى تقدير الباء ألا ترى أن ما جاء في التنزيل من هذا بغير الباء فمن ذلك قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ﴾ [الفتح: ٢٠] ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ﴾ [طه: ٨٠] وجانب مفعول ثان ولا يكون ظرفًا لاختصاصه ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] و ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ [الفتح: ٢٩] و ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فلم يتعد وعدت في كل هذا إلى المفعول الثاني بالباء، وكذلك ينبغي أن يكون المفعول الثاني في ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ لا

стр. 8993

تحتاج فيه إلى تقدير حرف الخفض (١). ٣٦ - قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ معنى (هيهات): بَعُدَ الأمرُ جدًّا حتى امتنع. وهو صوت بمنزلة صَهْ ومَهْ، إلا أن هذه الأصوات الأغلب عليها الأمر والنهي، وهذا في الخبر، ونظيره شتان، أي: بعد ما بينهما جدًا. وهذا الذي ذكرنا هو معنى ما ذكره أبو علي في كتاب "الإيضاح". فإنه ذكر فيه باب الأسماء التي سميت بها الأفعال فذكر فيه (رويد) بمعنى: أروِد أي: أمهل، و (إيه) بمعنى: حدث، وصَه ومَهْ بمعنى: أُسكت. وقال: أكثر ما تستعمل هذه الأسماء في الأمر والنهي، وقد جاء شيء من ذلك في الخبر، وذلك قولهم: شتان زيد وعمرو، فهذا بمنزلة: بعد زيد وعمرو، وقالوا: سرعان ذا إهالة (٢)، بمعنى: سَرُع، وقالوا (٣): هيهات زيد،

стр. 8994

يريدون: بعد. هذا كلامه (١). وقد ثبت أن هيهات اسم سمي به الفعل وهو بعد في الخبر لا في الأمر كما عليه أكثر بابه، وتفسير هيهات: بَعُدَ، وليس له اشتقاق؛ لأنه بمنزلة الأصوات، وفيه زيادة معنى ليس في بَعُدَ، وهي أن المكلم بهيهات يخبر عن اعتقاده استبعاد ذلك الشيء الذي يخبر عن بُعْدِه، وكأنه بمنزلة أن تقول: بعد جدًّا وما أبعده، لا على أن يعلم المخاطب مكان ذلك الشيء في البعد فـ[حسب، كما لو قال: بعد زيد، يفهم من هذا أنه يخبر عن مكانه في البعد] (٢). ففي هيهات زيادة معنى على بعد وإن كنا (٣) نفسره ببعد. قال الفراء - في قوله: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾: لو لم تكن اللام في (ما) كان صوابًا. ودخول اللام عربي، ومثله في الكلام: هيهات لك، وهيهات أنت منا، وهيهات لأرضك. وأنشد (٤):

стр. 8995

فَهَيْهات هيهات الحقيقُ وأهلُه (١) ... وهيهات خِلُّ بالعقيق نُوَاصِلُه فمن لم يدخل اللام رفع الاسم. ومعنى هيهات: بعيد (٢) كأنه قال: بعيد (٣) العقيق وأهله، ومن أدخل اللام قال (هيهات) أداة ليست (٤) بمأخوذة من فعل [فأدخلت لها اللام كما يقال: هَلُمَّ لك، إذْ لم تكن مأخوذة] (٥) من فعل (٦). وقال أبو إسحاق: ﴿هَيْهَاتَ﴾ موضعها الرفع، وتأويلها (٧): البعد لما توعدون. قال: ويقال: هيهات ما قلت، وهيهات لما قلت، فمن قال: هيهات لما قلت فمعناه البعد لقولك (٨)، ومن نون هيهات جلها نكرة، ويكون المعنى: بُعدًا (٩) لما توعدون (١٠). قال أبو علي: فيما أصلح (١١) عليه قوله في هيهات [أن موضعه] رفع

стр. 8996

وإجراؤه (١) إياها (٢) مجرى البعد في أن موضعه رفع، كما أن البعد رفع في قولك: "البعد لزيد" خطأ، وذلك أن هيهات اسم [سُمي به الفعل فهو اسم لبعد (٣) كما أن شتان كذلك، وهيهات] (٤) أشبه الأصوات نحو: مَه وصه وما لا حظ في الإعراب، وكما لا يجوز أن يحكم لشتان بموضع من الإعراب -من حيث كان اسمًا للفعل فلا موضع له من الإعراب كما لا موضع لقام من قولنا: قام زيد، وما أشبهه- كذلك لا يجوز أن يحكم لهيهات بأن موضعه رفع، ولو جاز أن يكون موضعه رفعًا لدلالته على معنى البعد لكان شتان أيضًا مرتفعًا لدلالته على ذلك، وليس (٥) للاسم الذي سُمي (٦) به الفعل موضع من الإعراب، كما لم يكن للفعل الذي جعل هذا اسمًا له موضع، فإذا ثبت أنه اسم سمي به الفعل كشتان لم يجز أن يخلو من فاعل ظاهر أو مضمر كما أن الفعل لا يخلو من ذلك، ولولا أن شتان وهيهات كبعد قولك: شتان زيد وهيهات العقيق لما تم الكلام به وبالاسم، فلما تم الكلام به علمنا أنه بمنزلة الفعل وأن الاسم مرتفع به، إذ لا يخلو من أن يكون بمنزلة الفعل أو بمنزلة المبتدأ، فلا يجوز أن يكون بمنزلة المبتدأ (٧)؛ لأن المبتدأ هو الخبر في المعنى أو يكون له فيه ذكر وليس

стр. 8997

هيهات العقيق (١) ولا شتان يزيد (٢) ولو كان هيهات اسمًا للمصدر لما وجب بناؤه لأن المعنى الواحد قد يسمى بعدة أسماء ويكون ذلك كله معربًا، وأيضًا فإنك تقول: هيهات المنازل وهيهات الديار، فلو (٣) كان هيهات مبتدأ لوجب أن يجمع، إذ لا يكون المبتدأ واحدًا والخبر جمعًا. وأظن الذي حمل أبا إسحاق على أن قال: (هيهات: معناه البعد، وموضعه رفع كما أنك لو قلت: البعد لزيد كان البعد رفعًا). أنه لم ير (٤) في قوله: ﴿هَيْهَاتَ﴾ فاعلا ظاهرًا مرتفعًا فحمله على أن موضعه رفع كالبعد. والقول في هذا أن في (هيهات) ضميرًا مرتفعًا، وذلك الضمير عائد إلى قوله: ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ الذي هو بمعنى الإخراج، كأنهم لما قالوا -مستبعدين للوعد بالبعث ومنكرين له- ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ فكان قوله: ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ بمعنى الإخراج وصار (٥) في (هيهات) ضمير له، والمعنى: هيهات إخراجكم للوعد، أي (٦): بعد إخراجكم للوعد إذ كان الوعد إخراجكم بعد موتكم ونشركم بعد إضمحلالكم، فاستبعد أعداء الله إخراجهم ونشرهم لما كانت العِدة به بعد الموت، إغفالاً منهم للتدبر وإهمالاً (٧) للتفكر في قوله:

стр. 8998

﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ففاعل هيهات هو هذا الضمير العائد إلى ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ التي هو بمعنى الإخراج كما أن فاعل هيهات في قول الشاعر: فهيهات هيهات العقيق الاسم الظاهر: وإنما كرر (١) هيهات في الآية والبيت للتأكيد. وأما (٢) قوله: (ويقال: هيهات ما قلت وهيهات لما قلت، فمن قال هيهات ما قلت فمعناه البعد ما قلت ومن قال لما قلت فمعناه البعد لقولك) فقد ذكرنا أن هيهات لا يجوز أن يكون كالبعد وأنه اسم سمي به الفعل فإجازته في هيهات ما قلت (٣) على أنه البعد ليس بجائز وإنما ما قلت يرتفع بهيهات كما يرتفع ببعد، أما (٤) إجازته هيهات لما قلت فإنما قاسه على قوله (٥) ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ وليس قولك مبتدئًا: (هيهات لما قلت) مثل الآية، لأن التي في الآية فيها ضمير كما أعلمتك ولا ضمير فيها مبتدأ (٦). فبان (٧) أن قولك: (هيهات لما قلت) ليس كما قاسه عليه (٨)؛ لأنه

стр. 8999

حال (١) من ضمير الفاعل، فإن قال: هيهات لقولك، وكانا (٢) في هيهات (٣) كما في الآية جاز وإلا امتنع. وقوله: (فأما من نون هيهات فجعلها نكرة ويكون المعنى: بعدًا لما قلت منه اختلاف) (٤). قيل: إنه إذا نُوَّن كان نكرة، ووجه هذا القول أن هذه التنوين (٥) في الأصوات [إنما تُثْبت] (٦) علمًا للتنكير وتحذف علمًا للتعريف، كقولهم: عَاقِ وعاقٍ، وإيه وإيهٍ، ونحو ذلك، فجائز أن يكون المراد بهيهات إذا نون التنكير. وقيل: إنه إذا نون أيضًا كان معرفة كما كان قبل التنوين كذلك، وذلك أن التنوين في (مسلمات) ونحوه نظير النون في (مسلمين)، فهي إذا ثبتت لم تدل على التنكير كما تدل عليه في (عاق)؛ لأنه بمنزلة ما لا يدل على تنكير (٧) ولا تعريف، فهو على تعريفه الذي كان عليه قبل دخول التنوين، إذ ليس التنوين فيه كالذي في (عاق). قال أبو العباس في هذا الوجه: هو قول قوي. انتهى كلام أبي علي (٨). وحصل في معنى هيهات ثلاثة أقوال:

стр. 9000

أحدهما. أنه بمنزلة الصفة كقولك (١) بعيد. وهو قول الفراء. والثاني: أنه بمنزلة البُعد. وهو قول الزجاج وابن الأنباري. والثالث (٢): أنه بمنزلة بَعُدَ. وهو قول أبي علي وغيره من حذاق النحويين. فهو إذن على هذه الأقوال تكون بمنزلة الصفة والمصدر (٣) والفعل. وفيه لغات: فتح التاء بلا تنوين. قال الفراء: إنهما أداتان (٤) جمعتا فصارتا بمنزلة خمسة عشر (٥). قال: ويجوز أن يكون نصبها (٦) كنصب قولك: رُبت وتُمت، وأنشد (٧):
следующие страницы →