← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8996–9035 · переход к 9001.

стр. 8996

وإجراؤه (١) إياها (٢) مجرى البعد في أن موضعه رفع، كما أن البعد رفع في قولك: "البعد لزيد" خطأ، وذلك أن هيهات اسم [سُمي به الفعل فهو اسم لبعد (٣) كما أن شتان كذلك، وهيهات] (٤) أشبه الأصوات نحو: مَه وصه وما لا حظ في الإعراب، وكما لا يجوز أن يحكم لشتان بموضع من الإعراب -من حيث كان اسمًا للفعل فلا موضع له من الإعراب كما لا موضع لقام من قولنا: قام زيد، وما أشبهه- كذلك لا يجوز أن يحكم لهيهات بأن موضعه رفع، ولو جاز أن يكون موضعه رفعًا لدلالته على معنى البعد لكان شتان أيضًا مرتفعًا لدلالته على ذلك، وليس (٥) للاسم الذي سُمي (٦) به الفعل موضع من الإعراب، كما لم يكن للفعل الذي جعل هذا اسمًا له موضع، فإذا ثبت أنه اسم سمي به الفعل كشتان لم يجز أن يخلو من فاعل ظاهر أو مضمر كما أن الفعل لا يخلو من ذلك، ولولا أن شتان وهيهات كبعد قولك: شتان زيد وهيهات العقيق لما تم الكلام به وبالاسم، فلما تم الكلام به علمنا أنه بمنزلة الفعل وأن الاسم مرتفع به، إذ لا يخلو من أن يكون بمنزلة الفعل أو بمنزلة المبتدأ، فلا يجوز أن يكون بمنزلة المبتدأ (٧)؛ لأن المبتدأ هو الخبر في المعنى أو يكون له فيه ذكر وليس

стр. 8997

هيهات العقيق (١) ولا شتان يزيد (٢) ولو كان هيهات اسمًا للمصدر لما وجب بناؤه لأن المعنى الواحد قد يسمى بعدة أسماء ويكون ذلك كله معربًا، وأيضًا فإنك تقول: هيهات المنازل وهيهات الديار، فلو (٣) كان هيهات مبتدأ لوجب أن يجمع، إذ لا يكون المبتدأ واحدًا والخبر جمعًا. وأظن الذي حمل أبا إسحاق على أن قال: (هيهات: معناه البعد، وموضعه رفع كما أنك لو قلت: البعد لزيد كان البعد رفعًا). أنه لم ير (٤) في قوله: ﴿هَيْهَاتَ﴾ فاعلا ظاهرًا مرتفعًا فحمله على أن موضعه رفع كالبعد. والقول في هذا أن في (هيهات) ضميرًا مرتفعًا، وذلك الضمير عائد إلى قوله: ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ الذي هو بمعنى الإخراج، كأنهم لما قالوا -مستبعدين للوعد بالبعث ومنكرين له- ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ فكان قوله: ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ بمعنى الإخراج وصار (٥) في (هيهات) ضمير له، والمعنى: هيهات إخراجكم للوعد، أي (٦): بعد إخراجكم للوعد إذ كان الوعد إخراجكم بعد موتكم ونشركم بعد إضمحلالكم، فاستبعد أعداء الله إخراجهم ونشرهم لما كانت العِدة به بعد الموت، إغفالاً منهم للتدبر وإهمالاً (٧) للتفكر في قوله:

стр. 8998

﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ففاعل هيهات هو هذا الضمير العائد إلى ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ التي هو بمعنى الإخراج كما أن فاعل هيهات في قول الشاعر: فهيهات هيهات العقيق الاسم الظاهر: وإنما كرر (١) هيهات في الآية والبيت للتأكيد. وأما (٢) قوله: (ويقال: هيهات ما قلت وهيهات لما قلت، فمن قال هيهات ما قلت فمعناه البعد ما قلت ومن قال لما قلت فمعناه البعد لقولك) فقد ذكرنا أن هيهات لا يجوز أن يكون كالبعد وأنه اسم سمي به الفعل فإجازته في هيهات ما قلت (٣) على أنه البعد ليس بجائز وإنما ما قلت يرتفع بهيهات كما يرتفع ببعد، أما (٤) إجازته هيهات لما قلت فإنما قاسه على قوله (٥) ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ وليس قولك مبتدئًا: (هيهات لما قلت) مثل الآية، لأن التي في الآية فيها ضمير كما أعلمتك ولا ضمير فيها مبتدأ (٦). فبان (٧) أن قولك: (هيهات لما قلت) ليس كما قاسه عليه (٨)؛ لأنه

стр. 8999

حال (١) من ضمير الفاعل، فإن قال: هيهات لقولك، وكانا (٢) في هيهات (٣) كما في الآية جاز وإلا امتنع. وقوله: (فأما من نون هيهات فجعلها نكرة ويكون المعنى: بعدًا لما قلت منه اختلاف) (٤). قيل: إنه إذا نُوَّن كان نكرة، ووجه هذا القول أن هذه التنوين (٥) في الأصوات [إنما تُثْبت] (٦) علمًا للتنكير وتحذف علمًا للتعريف، كقولهم: عَاقِ وعاقٍ، وإيه وإيهٍ، ونحو ذلك، فجائز أن يكون المراد بهيهات إذا نون التنكير. وقيل: إنه إذا نون أيضًا كان معرفة كما كان قبل التنوين كذلك، وذلك أن التنوين في (مسلمات) ونحوه نظير النون في (مسلمين)، فهي إذا ثبتت لم تدل على التنكير كما تدل عليه في (عاق)؛ لأنه بمنزلة ما لا يدل على تنكير (٧) ولا تعريف، فهو على تعريفه الذي كان عليه قبل دخول التنوين، إذ ليس التنوين فيه كالذي في (عاق). قال أبو العباس في هذا الوجه: هو قول قوي. انتهى كلام أبي علي (٨). وحصل في معنى هيهات ثلاثة أقوال:

стр. 9000

أحدهما. أنه بمنزلة الصفة كقولك (١) بعيد. وهو قول الفراء. والثاني: أنه بمنزلة البُعد. وهو قول الزجاج وابن الأنباري. والثالث (٢): أنه بمنزلة بَعُدَ. وهو قول أبي علي وغيره من حذاق النحويين. فهو إذن على هذه الأقوال تكون بمنزلة الصفة والمصدر (٣) والفعل. وفيه لغات: فتح التاء بلا تنوين. قال الفراء: إنهما أداتان (٤) جمعتا فصارتا بمنزلة خمسة عشر (٥). قال: ويجوز أن يكون نصبها (٦) كنصب قولك: رُبت وتُمت، وأنشد (٧):

стр. 9001

مَاويّ ياربتما غارةٍ ... شَعْواءَ كاللَّذْعَةِ بِالميسَمِ ونحو هذا ذكر أبو إسحاق فقال: من فتحها فلأنها بمنزلة الأصوات وليست مشتقة من فعل فبنيت هيهات كما بنيت (١) ذَيَّة (٢) (٣). ويجوز التنوين مع الفتح. قال ابن الأنباري: من قال هيهاتًا بالتنوين (٤) شبهه بقوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] (٥). يعني أن هيهاتًا بمنزلة بعيدًا. ويجوز هيهات بكسر التاء. قال الفراء: هو بمنزلة دَرَاكِ ونَظَارِ (٦). يعني أن دراك اسم للأمر بمعنى

стр. 9002

أدرك مبني على الكسر، كذلك هيهات اسم لبَعُدَ مبني على الكسر. ويجوز التنوين مع الكسر. قال (١) ابن الأنباري: من نون مع (٢) الكسر شبه بالأصوات كقولهم: غاقٍ وطاقٍ (٣). قال: ويجوز الرفع بغير تنوين وبتنوين (٤)، ومن العرب من يقول: أيْهات في هذه اللغات كلها، ومنهم من يقول: (أيْهان) بالنون، ومنهم من يقول: (أيها) بلا نون، ومن قال (أيها) حذف التاء كما حذف الياء من حاشَى فقيل (٥): حاش لله. وأنشد (٦): ومن دُونِي الأعْراضُ والقِنْعُ (٧) كلُّه ... وكُتْمانُ أيْها ما أشَتَّ وأبْعَدا قال: والمستعمل من هذه اللغات كلها استعمالًا غالبًا (٨) الفتح بلا تنوين (٩).

стр. 9003

قال الأزهري. واتفق أهل اللغة على أن تاء هيهات ليست بأصلية أصلها هاء. قال أبو عمرو بن العلاء: إذا وصلت [هيهات فدع التاء (١) على] (٢) حالها، وإذا وقفت فقل: هيهاه (٣). ويدل على هذا ما روي [عن سيبويه أنه قالما هي بمنزلة علقاه (٤). يعني في] (٥) التأنيث (٦). وإذا كان كذلك كان الوقف [بالهاء. قالما الفراء: كان الكسائي يختار الوقوف على الهاء] (٧) وأنا أختار [التاء في] (٨) الوقوف على [هيهات (٩). وعنده] (١٠) أن هذه التاء ليست بهاء تأنيث. وأما (١١) ما ذكره المفسرون في هذا: فقال ابن عباس -في رواية

стр. 9004

عطاء- في هذه الآية: يعنون أنَّ ذلك لا يكون (١). وقال الكلبي: يقول بعيدًا بعيدًا ما يعدكم ليوم البعث. وروي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: هي كلمة بَعُد (٢). ٣٧ - قوله: ﴿إِنْ هِيَ﴾ (هي) كناية عن الحياة، ودل عليها قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ كأنهم قالوا: ما الحياة إلا ما نحن فيه لا الحياة الآخرة التي يَعِدُ بعد البعث. ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ قال مجاهد: أي نهلك نحن ويبقى أبناؤنا، ويهلك أبناؤنا ويبقى أبناؤهم (٣). ونحو هذا قال الكلبي (٤) ومقاتل (٥). وقال آخرون: أي يموت قوم منا ويحيا آخرون (٦). ٣٨ - قوله تعالى: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي في ذكره البعث. ٣٩ - قوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ تقدم تفسيره هاهنا.

стр. 9005

٤٠ - قوله: ﴿قَلِيلٍ﴾ أي قال الله تعالى للنبي الذي دعاه بالنصرة ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ أي عن قليل من الزمان والوقت. قال ابن عباس: يريد بعد الموت. ويجوز أن يحمل على وقت نزول العذاب بهم في الدنيا لأنهم يندمون عند معاينة العذاب. قوله: ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾ هذه اللام لام القسم على معنى: والله ليصبحن نادمين (١). قال الكلبي وغيره: على التكذيب والكفر (٢). ٤١ - قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ قال المفسرون: صاح بهم جبريل صيحة واحدة ماتوا عن آخرهم بتصدع قلوبهم (٣). وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي باستحقاقهم العذاب بكفرهم (٤). وهو معنى قول ابن عباس: يريد حيث كذبوا. يعني: أن العذاب نزل بهم بتكذيبهم. وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ الغثاء: ما جاء به السيل من نبات قد يبس. وقياس جمعه أغثيـ[ـة وأغْثَاء] (٥) قال امرؤ القيس: من السَّيْلِ والأغْثَاءِ فَلْكَةُ مِغْزَ [ل (٦).

стр. 9006

وكل ما يحمله السيل] (١) على رأس الماء من قصب وحشيـ[ش وعيدان شجر ونحو ذلك فهو غثاء (٢). وقال أبو زيد:] (٣) غثاء الماء يَغْثُو [وغُثَاء، إذا كثر فيه البَعَرُ والورق والقصب (٤). قال المفسرون:] (٥) صيرناهم هلكى (٦). قال الكلبي: [يبسوا كما يبس الغثاء من نَبْت الأرض فهمدوا. وقال] (٧) مقاتل: جعلناهم كالشيء البالي من نبت (٨) الأرض يحمل

стр. 9007

السيل، شبَّه أجسادهم بالشيء اليابس البالي (١). وقوله: ﴿فَبُعْدًا﴾ أي بُعدًا لهم من الرحمة، وهي كاللعنة التي هى إبعاد من رحمة الله (٢). والمعنى على: ألزمهم الله (٣) بُعدًا لهم. وقال مقاتل: فبعدًا في الهلاك (٤). وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ [هود: ٩٥] الآية. قوله: ﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يعني المكذبين. وقال مقاتل: يعني المشركين (٥). ٤٢ - قوله: ﴿قُرُونًا آخَرِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد بني إسرائيل (٦). وقيل: يعني جماعات مثل قوم صالح ولوط وشعيب وسائر الأنبياء (٧). ٤٣ - ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي أمة (٨) من هذه القرون. ﴿أَجَلَهَا﴾ الوقت (٩) الذي حدد لهلاكها. ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ (١٠) عن

стр. 9008

الوقت الذي قدر لهلاكهم. وهذا الآية مما قد (١) سبق تفسيره (٢). ٤٤ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ اختلفوا في تترى، فأكثر القراء على ترك التنوين فيها (٣) (٤)؛ لأنها فَعْلى من المواترة، وفعلى لا يُنون كالتقوى والدعوى. قال أبو علي: والأقيس أن لا يصرف لأن المصادر تلحق أواخرها ألف التأنث كالدعوى والعدوى والذكرى والشورى (٥). وقال الفراء: أكثر العرب على ترك التنوين يُنزل بمنزلة تقوى (٦). وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (تَتْرَا) منونة. وهذا القراءة تحتمل وجهين: أحدهما: أن تترى بمنزلة فعلا (٧)، والألف فيه بمنزلتها في رأيت زيدًا وعَمرًا. والآخر: أن تكون الألف للإلحاق نحو أرطى (٨) ومعزى.

стр. 9009

وهذان (١) الوجهان ذكرهما الفراء وأبو علي. أما الفراء فإنه يقول: من نون جعل الألف كألف الإعراب (٢). يعني التي في (زيدًا) و (عمرًا). قال: وإن شئت جعلت (٣) كأنها أصلية فتكون بمنزلة المعزى، ويكون الوقف (٤) عليها حينئذ بالياء وإشارة إلى الكسر، وإن جعلتها ألف إعراب لم تُشر إلى الكسر، لأنك لا تشير إلى ألفات الإعراب بالكسر، لأنك لا تقول: رأيت زيدًا (٥) ولا عَمْرا (٦). وقال أبو علي: من قرأ (تَتْرا) أمكن أن يريد به فعلا (٧) من المواترة فتكون الألف بدلاً من التنوين، وإن (٨) كان في الخط بالياء كان للإلحاق، والإلحاق في غير المصادر ليس بالقليل نحو: أرطى ومعزى، فإن كان في الخط ياء لزم أن يحمل على فعلى دون فعل (٩). ومن قال: تترى وأراد به فعلا فحكمه أن يقف بالألف مفخمًا، ولا يميلها إلا في قول من قال:

стр. 9010

رأيت عنتًا (١)، وهذا ليس بالكثير، ولا تحمل عليه القراءة ومن جعل الألف للإلحاق أو التأنيث أمال الألف إذا وقف عليها (٢). والزجاج وأبو العباس يختاران (٣) أن تكون الألف في قراءة من قرأ بالتنوين ألف الإعراب. قال أبو العباس: من قرأ (تترى) بغير تنوين فهو مثل شكوى غير منونة، ومن قرأ تترًا (٤) مثل شكوت شكوى (٥). وقال أبو الفتح: من نون جعل ألفها للإلحاق بمنزلة ألف أرطى ومعزى، ومن لم ينون جعل ألفها للتأنيث بمنزلة ألف سكرى وغضبى (٦). وعلى القراءتين التاء الأولى بدل من الواو وأصلها: (وترى) و (وترا) (٧)، فأبدل التاء من الواو كما قالوا: تولج وأصله وولج من ولج. وأنشد أبو إسحاق (٨): فإن يَكُنْ أمْسَى البِلَى تَيْقُورِي أي: وْيقُوري فَيْعُول من الوقار (٩).

стр. 9011

والمعنى: إن يكن أمسى الكبر وقاري، أي صوت وقورًا لبلاي وكبري (١). فقوله ﴿تترى﴾ فعلى أو فعلا من المواترة. قال الأصمعي: واترت الخبر: أتبعت بعضه بعضًا، وبين الخبرين هُنَيْهة (٢). وقال أبو عبيدة: (تترى) بعضها في أثر بعض، يقال: جاءت كتبه تترى (٣). وقال غيرهما: المواترة: المتابعة. أصل هذا كله من الوِتْر وهو الفرد (٤)، ومعنى واترت: جعلت كل واحد بعد صاحبه فردًا فردًا. حكاه الزجاح (٥) والأزهري (٦). وقال محمد بن سلّام: سألت يونس عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ فقال (٧): متقطعة (٨) متفاوتة، وجاءت الخيل تترى (٩) إذا جاءت

стр. 9012

متقطعة، وكذلك الأنبياء بين كل نبيين دهر طويل (١). وقال أبو هريرة: لا بأس بقضاء رمضان تترى (٢)، [أي متقطعًا] (٣). وكلا المعنيين قريب من السواء؛ لأن أصل (٤) المعنى من الإفراد، فإذا جاء الشيء فردًا فردًا (٥) يقال فيه: تترى، سواء اتصل أو انقطع. وفي الآية المراد إرسال الرسل بعضها في إثر بعض غير متصلين كما قال يونس. ونحو هذا ذكر المفسرون في تفسير (تَتْرَا). فقال ابن عباس: يريد بعضها خلف بعض (٦). وقال السدي ومقاتل (٧): بعضهم في أثر بعض. وقال مجاهد: أتبع بعضها بعضًا (٨). وتترى في القراءتين مصدر أو اسم أقيم مقام الحال؛ لأن المعنى متواترة.

стр. 9013

قوله: ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ قال ابن عباس: فأهلكنا الأول والآخر. والمعنى: أهلكنا الأمم بعضهم (١) في أثر بعض. وقال مقاتل: فأتبعنا بعضهم بعضًا في العقوبات والإهلاك (٢). ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد لمن بعدهم من الناس يتحدثون بأمرهم وشأنهم (٣). والأحاديث جمع أحدوثة، وهي ما يتحدث به (٤). والمعنى: أنهم يتحدث بهم على طريق المثل في الشر (٥)، ولا يقال: جعلته (٦) حديثًا في الخير (٧) (٨). ٤٥ - قوله تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يعني الدلائل التي كانت لها من الجراد والقُمَّل وأخواتهما (٩). ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ قال ابن عباس: وحُجَّة بينة (١٠).

стр. 9014

قال مقاتل: يعني اليد والعصا (١). ٤٦ - قوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ قال ابن عباس: عن عبادة الله. وقال الكلبي ومقاتل (٢): تكبروا (٣) عن الإيمان بالله. ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ قاهرين للناس بالبغي والتطاول عليهم. وهو معنى قول ابن عباس. علوا (٤) علوًا على بني إسرائيل علوًا كبيرًا. قال المبرد: يقال: علا فلان، إذا ترفع وطغى وتجاوز، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ [النمل: ٣١] أي لا تطغوا ولا تتكبروا (٥) علي، ومنه قوله: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] يعني استعلاءً بالباطل وبما لا يجب، وهو من تعدى الحق تجبرًا وتكبرًا (٦). وقال مقاتل: يعني متكبرين عن توحيد الله (٧). ٤٧ - وذكر تفسير هذا العلوّ فيما (٨) بعد وهو قوله: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أنصدّق إنسانين مثلنا من لحم ودم ليس (٩) لهما علينا فضل (١٠). ﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ يعني بني إسرائيل.

стр. 9015

﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾ قال ابن عباس: مطيعون (١) (٢). قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان لملك عابدًا له، ومن ذلك قيل (٣) لأهل الحيرة (٤): العباد؛ لأنَّهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم (٥). وقال المبرد: العابد: المطيع والخاضع، ومنه اشتق العبد. ومنه قوله: ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم: ٤٤] أي: لا تطعه (٦) (٧). ٤٩ - قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ قال الكلبي ومقاتل (٨): يعني التوراة جملة واحدة.

стр. 9016

﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ لكي يهتدوا به (١) من الضلالة. قال مقاتل: يعني بني إسرائيل؛ لأن التوراة أنزلت بعد هلاك فرعون وقومه (٢). ٥٠ - وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي دلالة على قدرتنا وعبرة يعتبر بها ويتوصل (٣) بها إلى العلم بتوحيدنا وقدرتنا. هذا معنى قول المفسرين (٤). قال أبو إسحاق: لم يقل آيتين لأن المعنى فيها (٥) آية واحدة (٦). وهي ولادة من غير أبْ، فكانت الآية فيها واحدة (٧). قال: ولو قيل آيتين لجاز؛ لأنَّهما قد كان في كل واحد منهما ما لم يكن في ذكر ولا أنثى، من أن مريم ولدت من غير فحل وعيسى كان روحًا من الله ألقاه (٨) إلى مريم ولم يكن هذا في أحد قط (٩). قوله تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي جعلناهما يأويان إلى ربوة، وهي المكان المرتفع من الأرض (١٠). وقد مر في سورة

стр. 9017

البقرة (١). واختلفوا في هذه الربوة: فقال عبد الله بن سلام: هي دمشق (٢). وهو قول سعيد بن المسيب (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، ومقاتل (٥)، ورواية عكرمة عن ابن عباس (٦). وقال الحسن والضحاك: هي غُوطَة دمشق (٧). وقال ابن عباس -في رواية عطاء-: يريد بيت المقدس (٨). وهو قول قتادة (٩)، وكعب وقال: (١٠) هو أقرب الأرض إلى السماء

стр. 9018

بثمانية عشر ميلًا (١). وهذا القول يروى أيضًا عن سعيد بن جبير (٢)، وعكرمة (٣)، والحسن (٤). وروي عن أبي هريرة أنّه قال: هي الرَّمْلة (٥). وقال السدي عن أصحابه: أنها أرض فلسطين من الشام (٦) قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ أي مستوية يستقر عليها. قال ابن عباس: هي أرض مستوية مرتفعة منبسطة (٧).

стр. 9019

وقال قتادة: ذات ثمار (١). ذهب إلى أنّه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها (٢). و"قرار": مصدر يراد به موضع قرار كقوله: ﴿مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] وقد مر. قوله: ﴿وَمَعِينٍ﴾ قال ابن عباس -في رواية عكرمة-: يعني أنها دمشق (٣). وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: المعين: الماء (٤). وروى جابر (٥)، عنه أنه: الماء البخاري (٦)، وهو قول مقاتل (٧). وروى سفيان، عنه أنه قال: المعين: الماء الظاهر (٨) (٩).

стр. 9020

وهذا قول عكرمة، وسعيد (١)، والسدي. واختلفوا في اشتقاق معين: فقال الفَرَّاء: لك (٢) أن تجعل المعين مفعولًا من العين (٣)، وأن تجعله فعيلًا من الماعون، يكون أصله المَعْن، والمعن: الاستقامة (٤). واختار الزَّجَّاج وابن قتيبة القول الأول. واستبعد (٥) الزَّجَّاج أن يكون فعيلًا من المعن وقال: هذا بعيد؛ لأنَّ المعن في اللغة: الشيء القليل، ومعين: ماء جار من العيون (٦). وقال ابن قتيبة: ﴿وَمَعِينٍ﴾ ظاهر من الماء، وهو مفعول من العين، كأنَّ أصله معيون، كما يقال: ثوبٌ مخيط، وبرٌ مكيل (٧). واختار أبو علي القول الثاني، وزيف القول الأول، وقال: ليس المعن في اللغة الشيء القليل، ولكنَّه السهل الذي ينقاد ولا يعتاص (٨)،

стр. 9021

ومن هذا يقال: أمعن بحقِّه إذا أقرَّ، ومعنان (١) الماء: مسايله ومجاريه. والماعون: ما يسهل على معطيه من غير أن يكرثه، كالكلأ والماء والنار وسمي الزكاة ماعونًا لهذا (٢). وروى أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابي: معن الماء يمعن إذا جرى. [وأمعن أيضًا] (٣)، وأمعنته أنا، ومياه معنان (٤). ومعنان (٥): جمع معين، كقضيب وقضبان (٦). قال (٧): ويدلك على (٨) أن الميم فيه فاء [وليس من العين (٩)] (١٠) أن أبا الحسن قال (١١): قد حكي في قوله: ﴿وَمَعِينٍ﴾: معن يمعن معانة.

стр. 9022

فمعين فعيل من هذا، لا يتجه على غير ذلك. فأما من ذهب فيه (١) إلى أنه من العين فما أرى قوله لا بعيدًا من الصواب ممتنعًا، ألا ترى أنه لا يقال: عين الماء إذا رؤى جاريًا من العين، وإنّما يقال: عين، إذا أصيب بعين، وله عندنا وجيه (٢) ضعيف، وذلك أنَّ أبا زيد حكى أنهم يقولون للجبان: مفؤود، ولا فعل (٣) له. وحكى أبو زيد أيضًا أنهم يقولون: مُدَرْهَمٌ (٤) ولم (٥) يقولوا دُرْهِمَ، فيجوز على قياس هذا الذي حكاه أبو زيد أن يكون معين مفعولاً، وإن لم يقل: عين. والقياس على هذا الشَّاذ النادر لا يراه سيبويه (٦)، وليس ينبغي أن يؤخذ بهذا لضعفه، مع (٧) فُشوّ (٨) الأول وكثرته وظهور المعنى الذي وصفناه (٩). ثم ذكر (١٠) بإسناد له (١١) عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير في

стр. 9023

قوله: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ قال: سائح (١). وذكر بعض أصحاب المعاني أن معينًا فعيل من أمعن إذا أسرع. فهو فعيل بمعْنى مفعل (٢). ٥١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا﴾ اختلفوا في هذا الخطاب: فذهب قوم إلى أنه خطاب لجميع الرسل، كأنَّه إخبار عمل قيل لهم. وهذا قول الضحاك، ومعنى قول ابن عباس- في رواية عطاء (٣). ويدل على هذا حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ "وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] الحديث (٤).

стр. 9024

وهذا يدل على أن الله تعالى عمَّ المرسلين بهذه الآية. وقال الحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والكلبي (١)، ومقاتل (٢): يعني: محمدًا ﷺ وحده. واختاره الفراء، والقتيبي، والزَّجَّاج. قال الفراء: أراد النبيَّ ﷺ فجمع كما يقال في الكلام للرجل الواحد: أيها القوم كُفُّوا عنا أذاكم. قال: ومثله ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ (٣) وهو (٤) نعيم بن مسعود، كان رجلاً من أشجع (٥).

стр. 9025

وقال الزَّجَّاج: إنّما خوطب بهذا رسول الله ﷺ ، قيل: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ﴾، وتضمن هذا الخطاب أن الرسل جميعًا كذا أمروا (١). وقال ابن قتيبة: خوطب به النبي ﷺ وحده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد مخاطبة الجميع (٢). وذهب أخرون إلى أن هذا إخبار عما قيل لعيسى ﵇ وهذا الخطاب له (٣). واختار محمد بن جرير هذا القول، واحتج بحديث أبي إسحاق السبيعي (٤)، عن عمرو (٥) بن شرحبيل في هذه الآية قال: كان عيسى يأكل من غزل أمّه (٦).

стр. 9026

وروي هذا القول مرفوعًا أن النبي ﷺ قال في هذه الآية: "ذاك عيسى ابن مريم كان يأكل من غزل أمه" (١). قوله: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ قال الضحّاك: أمرهم أن لا يأكلوا إلا حلالاً طيبًا (٢)، كلهم أمرهم بذلك (٣). والمعنى: كلوا من الحلال. قاله ابن عباس. قال الزَّخَّاج: وكل مأكول حلال مستطاب (٤). ويقول قوم: إذا قلنا إنَّ هذا خطاب لمحمد ﷺ فالمراد بالطيبات الغنائم وأنها ما أحلت إلا لرسول الله ﷺ (٥). قال الزَّجَّاج: وأطيب الطيبات الغنائم (٦). ومضى الكلام في الطيبات عند قوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٧). قوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ أي اعملوا (٨) بما أمركم الله به، وأطيعوه في أمره ونهيه. ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ لا يخفى عليَّ شيء من أعمالكم.

стр. 9027

٥٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ في "إنَّ" ثلاثة أوجه من القراءة: أحدها: فتح الألف مع تشديد النّون (١) (٢). قال الفراء: الفتح على قوله: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وبأن هذه (٣) أمتكم، فموضعها خفض لأنها مردودة على (ما). قال: وإن شئت كان منصوبًا بفعل مُضْمرَ كأنك قلت: واعلمْ هذا. هذا (٤) كلامه (٥). والوجه في هذه القراءة ما ذكره أبو إسحاق وشرحه (٦) أبو علي. قال أبو إسحاق -في قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ -: أي فاتقون لهذا (٧). قال أبو علي: المعنى في هذه القراءة في قول الخليل وسيبويه (٨) أنّه محمول على الجار، التقدير: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون. أي اتقون (٩) لهذا. ومثل ذلك عندهم قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] أي لأن المساجد لله لا تدعوا معه غيره.

стр. 9028

وكذلك عندهما قوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] [كأنَّه فليعبدوا ربَّ هذا البيت لإيلاف قريش] (١)، أي: ليقابلوا هذه النّعمة بالعبادة للمنعم عليهم بها (٢). الوجه الثاني من القراءة: فتح الألف مع تخفيف "أن" (٣). ومعنى هذه القراءة على تقدير الأولى. ألا ترى أنّ "أنَّ" إذا خُفِّفت اقتضت ما يتعلق به (٤) اقتضائها وهي غير مخفّفة (٥). قال أبو علي: والتخفيف حسن في هذا؛ لأنَّه لا فعل بعدها ولا شيء مما يلي (٦) أن، وإذا كان كذلك كان تخفيفها حسنًا، ولو (٧) كان بعدها فعل

стр. 9029

لم يحسن حتى تُعوّض السّين أو سوف أو (لا) إذا كان في نفي. فإذا لم يكن فعل بعدها (١) ساغ التخفيف، ومثله قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] (٢). الوجه الثالث: كسر الألف مع التشديد (٣)، على الاستئناف (٤). ومعنى الآية: أنتم أهل دعوة واحدة ونصرة؛ فلا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا (٥). قال مقاتل: يقول: هذه ملتكم التي أنتم عليها يعني ملة الإسلام ملة واحدة. عليها كانت الأنبياء والمؤمنون الذين نجوا من العذاب الذين ذكرهم الله في هذه السورة (٦). ومضى الكلام في تفسير هذه الآية في سورة الأنبياء [آية: ٩٢]. وأعلم الله (٧) أن قومًا جعلوا دينهم أديانًا فقال (٨): ٥٣ - ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ﴾ قال مجاهد: هؤلاء أهل الكتاب (٩).

стр. 9030

وقال الكلبي: يعني مشركي العرب واليهود (١)، والنصارى تفرّقوا أهواءً وأحزابًا (٢). والكلام في هذا قد سبق في نظيرتها (٣) في سورة الأنبياء [آية: ٩٣]. قوله: ﴿زُبُرًا﴾ قال مجاهد وقتادة: كتبًا (٤). قال أبو إسحاق: وتأويله جعلوا دينهم كتبًا مختلفة جمع زبور (٥). وهي كتب أحدثوها- يحتجون فيها لمذاهبهم (٦). وقرئ (زبرًا) بفتح الباء (٧). ومعناه: قطعًا. جمع زُبْرة كقوله: ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦] (٨). قال ابن عباس: يريد فِرقًا (٩). وقال السدي ومقاتل: قِطعًا فرقًا، فصاروا أديانًا: يهودًا ونصارى وصابئين ومجوسًا وأصنافًا شتى كثيرة (١٠).

стр. 9031

وقال الفراء: المعنى في زُبُر وزُبَر واحد (١). يعني أن الزُبْرة بمعنى القطعة تجمع على زُبُر وزُبَر، وعلى هذا ليس للكتب في الآية معنى، ويدل على هذا أنّ الذين قالوا من المفسرين في الآية فرقًا وقطعًا لم يقولوه في قراءة من قرأ بفتح الباء، وإنَّما فسروه على قراءة العوام. وقد قال المبرد: ﴿زُبَرًا﴾ أي فرقًا مختلفة وأحدها زَبُور. والزُّبَر واحدها زُبْرة وهي القطعة (٢). وعلى هذا الزبور الفرقة والطائفة. وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد بما عندهم من خلاف النبي ﷺ مسرورون. وقال مقاتل: يقول: كل أهل ملة بما عندهم من الدين راضون (٣). ومضى الكلام في الفرح عند قوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]. وقال الفراء: يقول معجبون بدينهم يرون أنهم على الحق (٤). ٥٤ - قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ قال مقاتل: يعني كفار مكة، يقول: خل عنهم في غفلتهم (٥). وقال ابن عباس: يريد في ضلالتهم (٦). وهو قول قتادة (٧).

стр. 9032

وقال ابن زيد: عماهم (١). وقال الفراء: في جهالتهم (٢). وقال الزَّجَّاج: في عمايتهم وحيرتهم (٣). ومعنى الغمرة في اللغة: هي ما يغمرك ويعلوك ويغطي عليك. يقال: ما أشد غمرة هذا النهر، أي: يغطي على من دخله (٤). ثم الجهالة والضلالة والحيرة مما يغطي على قلب الإنسان وعقله، فيقال لها: غمرة. وذكرنا (٥) الكلام فيها عند قوله: ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣]. وقوله: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ قال ابن عباس: يريد نزول العذاب بالسيف أو بالموت (٦). ٥٥، ٥٦ - قوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ قال الفراء: (ما) في موضع الذي، وليست بحرف واحد: يقول: أيحسبون أنَّ ما نعطيهم في هذه الدنيا من الأموال والبنين أنّا جعلناه لهم ثوابًا (٧).

стр. 9033

وقال الزجاج: تأويل الآية: أيحسبون أنّ إمداد الله لهم بالمال والبنين مجازاة لهم؟ وإنَّما هو استدراج لهم من الله -وهو معنى قوله: ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ (١) - و (ما) في معنى الذي، المعنى: أيحسبون أنّ الذي غرهم به (٢) من مال وبنين نسارع (٣) لهم في الخيرات (٤). ومثل هذا ذكر صاحب النظم فقال: انتظام الآيتين بإضمار الباء على تأويل: نسارع لهم به في الخيرات (٥) كما قال : ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٦)

стр. 9034

[أي: يؤمرون] (١) به وكما (٢) قال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] بالله غيره. قال ابن قتيبة: ﴿نُسَارِعُ﴾ بمعنى (٣): نُسرع (٤). والمعنى: [أيحسبون أنَّا تقدم لهم ثواب أعمالهم لرضانا عنهم. وقال ابن عباس] (٥): أيحسبون أن الذي بسطت لهم في الرزق فأغنيتهم وأكثرت أموالهم (٦) وأولادهم إن ذلك خير لهم بل هو شر لهم ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ لا يعلمون غيبي (٧). وقال مقاتل: يقول: لا يشعرون أن الذي أعطاهم من المال والبنين هو شر لهم كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] (٨).

стр. 9035

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي سلسلة الرسائل الجامعية - ١١٠، ١١١ - التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من آية (٥٧) من سورة المؤمنون إلى آخر سورة النور سورة الفرقان تحقيق د. سليمان بن إبراهيم الحصين أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي الجزء السادس عشر
следующие страницы →