← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 9066–9105 · переход к 9071.

стр. 9066

وتقدير الآية: مستكبرين به سامرين هاجرين. غير أن الحال ترد بعبارات (١) فتكون أحسن، كما تقول: رأيت فلانًا راكبا يحدث وهو غضبان. [فتغير عبارات الحال، ويكون أحسن (٢) من أن تقول: رأيته راكبًا محدثًا غضبان] (٣). واختلفوا في موضع الوقف في هذه الآية: فالأكثرون على أن الوقف في آخرها؛ لأنّه منتهى ذكر الأحوال، ولا يحسن الوقف في أثنائها (٤) (٥). وقال أبو حاتم (٦): يحسن الوقف على قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ ثم يبتدئ ﴿بِهِ سَامِرًا﴾ (٧) وهذا مذهب النحاس وابن الأنباري. قال النحاس: ﴿بِهِ﴾ أي بالبيت ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ آياتي أو تهذون (٨). وقال ابن الأنباري: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ وقف حسن، ثم تبتدئ ﴿بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ على معنى: بالبيت العتيق تهجرون النبي ﷺ والقرآن في وقت سمركم. قال: ويجوز أن يكون معنى ﴿تَهْجُرُونَ﴾ تهذون (٩).

стр. 9067

وقال العباس بن الفضل (١): الوقف الكافي ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ (٢). وعلى هذا يكون قوله: (سامرًا) حالا مؤخرة في التقدير، أي: تهجرون سامرين بالليل. ٦٨ - قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ أي: أفلم يتدبروا القرآن فيعرفوا ما فيه من العبر والآيات الدالة على صدق محمد ﷺ . وذكرنا معنى التدبّر عند قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]. وقوله: ﴿أَمْ جَاءَهُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس: يريد: أليس قد أرسلنا نوحًا وإبراهيم والنبيين إلى قومهم؟ فكذلك بعثنا محمدًا ﷺ (٣). وهذا استفهام يتضمن الإنكار. وكذلك ما بعده من قوله: ٦٩ - ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ قال ابن عباس: أليس هو محمد بن عبد الله؟ يعرفونه صغيرًا وكبيرًا، صادق اللسان يفي بالعهد ويؤدي الأمانة (٤). وفي هذا توبيخ لهم وإنكار عليهم بالإعراض عنه بعد ما عرفوا نسبه وصدقه وأمانته.

стр. 9068

قال سفيان، وأبو صالح في هذه الآية: بلى، قد عرفوه (١) ولكنهم (٢) حسدوه. ٧٠ - قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: يريد: وأيّ جنون يرون به؟. ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ بالتنزيل الذي هو الحق. يعني القرآن في قول ابن عباس (٣). وقال مقاتل: يعني بالتوحيد (٤). ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ للقرآن أو التوحيد (٥) ﴿كَارِهُونَ﴾. ٧١ - قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ﴾ قال أبو صالح (٦)، وابن جريج (٧)، ومقاتل (٨)، والسدي (٩)، والكلبي (١٠): الحق هو الله. والمعنى: لو جعل مع نفسه كما يحبون شريكًا لفسدت السموات والأرض.

стр. 9069

وقال الفراء والزجاج: ويجوز أن يكون المراد بالحق -هاهنا-: التنزيل، أي: نزل بما (١) يريدون ويحبون (٢). يعني (٣) من جَعْل (٤) شريك وإثبات آلهة. ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. وقد مرَّ. وقال بعض أهل المعاني: الحقّ لما كان يدعو إلى المحاسن والأهواء تدعو إلى المقابح؛ فلو أَتبع الحق داعي الهوى لدعى إلى المقابح التي فيها الفساد والاختلال (٥)، فكان يوجد بطلان الأدلة وامتناع الثقة بالمدلول عليه، فكان (٦) ينقلب الأمر ويكثر الفساد (٧). قوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: جاء فيه فخرهم وشرفهم. قال ابن عباس: هو كقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا﴾ [الأنبياء: ١٠]: وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] (٨).

стр. 9070

وقوله: ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ قال: يريد تولوا عما جاء به من شرف الدنيا والآخرة (١). ٧٢ - قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا﴾. قال ابن عباس: يريد مالا يعطونك. وقال مقاتل: يعني لم يسألهم محمدٌ أجرًا على الإيمان بالقرآن (٢). وقال أبو إسحاق: أي لم تسألهم على ما أتيتهم به أجرا (٣). قوله: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ قال ابن عباس: فعطاء ربك خير (٤). وقال مقاتل: فأجر ربك أفضل من خراجهم (٥). والمعنى: أنّ أجر ربك وثوابه خير لك. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ أفضل من أعطى وأجزل (٦) وآجر. وقال أهل المعاني: قد دلت الآية على أن غير الله يرزق، ولولا ذلك لم يجز ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٧). ويقال: رزق الأمير جنده فارتزقوا ارتزاقا (٨). ٧٣ - ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَتَدْعُوهُمْ﴾ يعني كفار قريش ﴿إِلَى صِرَاطٍ

стр. 9071

مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو دين الإسلام. ٧٤ - قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: بالبعث والثواب والعقاب ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ عن الدين لعادلون (١). وقال الفراء: لمعرضون عن الدين (٢). يقال: نكب فلان عن الطريق تنكب نكوبًا، إذا عدل عنه، والنعت منه: ناكب. ويقال: نكَّبَ عن الصَّواب تنكيبًا، ونكَّب غيره، يتعدّى ولا يتعدّى (٣). وفي الحديث (٤): "نكَّبْ عنا ابن (٥) أم عبد" أي: نَحِّه عنا. ويقال: تنكب عنا فلان تنكبا، أي: مال عنا (٦). وينشد قول سعد بن ناشب (٧):

стр. 9072

وَنَكَّبَ عَنْ ذِكْر العَوَاقِبِ جَانِبًا (١) [على اللزوم] (٢). وقال الطُّهَوي (٣):

стр. 9073

فَنَكَّبَ عَنْهمُ دَرْأ الأعاَدِي (١) يُروى بالوجهين (٢).

стр. 9074

ويقال أيضا: نكب ينكب (١) إذا مال، والنعت منه أنكب (٢) ونكباء (٣). ٧٥ - ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ قال المفسرون: يعني الجوع الذي أصابهم بمكة سبع سنين (٤). قوله: ﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ لتمادوا في ضلالتهم يترددون. يقال: لجَّ فلان يلج ويلج لغتان (٥). قال: لججنا ولجت هذه في التغضّب (٦) قال الفراء: يقال: لَجَجْت -بالفتح والكسر- لَجاجَة ولَجَجَا (٧). ٧٦ - قوله: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ قال ابن عباس: يريد بالأمراض والحاجة (٨).

стр. 9075

وقال مقاتل: يعني الجوع (١). قال أبو إسحاق: والذي أُخذوا به الجوع (٢). ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أي ما تواضعوا. يقال: أكانه يكينه إكانة إذا أخضعه (٣) حتى استكان وأدخل عليه من الذل ما أكانه (٤). وقال ابن عباس: يريد ما رجعوا عن معاصي الله. وقال الكلبي: لم يذلوا ولم تذل قلوبهم. وقال مقاتل: يقول: فما استسلموا، يعني الخضوع (٥) ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ يقول: وما يرغبون إلى الله في الدعاء (٦). ٧٧ - قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قال ابن عباس -في رواية الوالبي-: ذاك يوم بدر (٧).

стр. 9076

وهو قول مجاهد (١). واختيار الزجاج (٢). وقال -في رواية عطاء- يريد الموت (٣). وقال مقاتل وغيره: يعني الجوع (٤). وقال السدي: هو فتح مكة (٥). ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ قال: أُبلسوا يومئذ تغيرت ألوانهم حين نظروا إلى أصنامهم تُنكّس على وجوهها. ومعنى ﴿مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من كل خير. وتقدم [لكلام في] (٦) معنى المبلس في سورة الأنعام (٧).

стр. 9077

٧٨ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ﴾ خلق ﴿لَكُمُ السَّمْعَ﴾ الذي تسمعون به ﴿وَالْأَبْصَارَ﴾ الذي تبصرون بها ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ القلوب التي بها يعقلون. ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ قال مقاتل: يعني أنهم لا يشكرون رب هذه النعم فيوحدونه (١). وذكر نا الكلام في مثل هذا عند قوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. [البقرة: ٨٨]. ٨٠ - قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ قال ابن عباس: يولد المولود حيًا ثم يمته ثم يبعثه. ﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قال الفراء: هو الذي جعلهما مختلفين، كما تقول في الكلام: لك الأجر والصلة، أي أنك تصل وتؤجر (٢). وفسرنا اختلاف الليل والنهار في سورة البقرة (٣). قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [قال ابن عباس: حيث تجعلون لي شريكًا من خلقي. وقال مقاتل: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾] (٤) توحيد ربكم فيما ترون من صنعه فتعتبرون (٥). ثم عَيَّرهم بقولهم وأخبر عنهم أنهم قالوا مثل من كان قبلهم فقال: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾ قال الكلبي: بل كذبت قريش

стр. 9078

حين (١) أخبرتهم (٢) بالبعث مثل ما كذب الأولون رسلهم. ٨٤ - ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ﴾ قال الكلبي: لما كذبوه أتاه جبريل فقال: يا محمد قل لأهل مكة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ من خلق (٣) ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ من خالقها ومالكها (٤). ٨٥ - ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (٥) قال ابن عباس: يريد إقرارهم له بالربوبية، ﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ قال: يريد: أفلا تتعظون حيث تجعلون لإله السماء والأرض شريكًا. المعنى: أنكم لو تذكرتم وتفكرتم لعلمتم أن من قدر على خلق ذلك ابتداءً فهو قادرٌ على إحيائهم بعد موتهم (٦). ٨٦ - قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ وقرئ (الله) (٧)، وكذلك ما بعده. فمن قرأ (الله) فهو على ما يقتضيه اللفظ من جواب السؤال لأنّك إذا قلت: من رب السموات؟ فالجواب: الله. ومن قرأ (لله) فعلى المعنى (٨)،

стр. 9079

وذلك أنه إذا قال: من مالك هذا الدار؟ فقال في جوابه: لزيد. إجابة على المعنى دون ما يقتضيه اللفظ؛ لأن معنى من صاحب هذه الدار؟: لمن هذه الدار. والذي (١) يقتضيه اللفظ أن يقال في جوابه: زيد ونحوه، وإنّما استقام أن يقال في الجواب: لزيد؛ لأن معنى من مالك هذه الدر؟ ولمن (٢) هذه الدار؟ واحد. فلذلك حملت تارة على اللفظ وتارة على المعنى. وهذا الذي ذكرنا هو معنى كلام الفراء (٣) والزَّجَّاج (٤) وأبي علي (٥). وأنشد الفراء فقال: أعْلم أنني سأكون رَمْسًا ... إذا سار النَّواجعُ لا يسير فقال السائلون لمن حفرتم ... فقال المخبرون لهم: وزير (٦)

стр. 9080

فأجاب المخفوض (١) بمرفوع (٢)؛ لأن معنى الكلام: فقال السائلون: من الميت؟ فقال المخبرون: الميت وزير (٣). قال أبو علي: والجواب على اللفظ هو الوجه (٤). قوله: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ قال ابن عباس: أفلا تخافون حيث جعلتم لي ما تكرهون لأنفسكم، زعمتم أن الملائكة بناتي وكرهتم لأنفسكم البنات (٥). وقال الكلبي: أفلا تتقون عبادة غير الله (٦). ٨٨ - قوله: ﴿قُلْ﴾ لهم كما محمد ﴿مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: يريد السموات وما فوقها وما بينها (٧) والأرضين وما تحتها وما بينها وما لا يعلمه أحدٌ غيره (٨).

стр. 9081

قال أهل اللغة: معنى الملكوت: عظم الملك. وفعلوت (١) من صفة المجالغة نحو جبروت ورحموت ورهبوت (٢) (٣). والذي ذكره [ابن عباس] (٤) في تفسير الملكوت موافق لهذا المعنى لأنّه أخبر عن عظيم (٥) ملكه. وقال مجاهد: ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ خزائن كل شيء (٦). وهذا أيضًا راجع إلى المعنى الذي ذكرنا. قوله: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يقال أجرت فلانًا إذا استغاث بك فحميته. وأجرت عليه، إذا حميت عنه من يَرُومه (٧). ومعنى الآية: أنّه يمنع من السوء من يشاء، ولا يمكن منع من أراده بسوء (٨) منه (٩). قال مقاتل: يُؤَمِّن ولا يؤمِّن عليه أحد (١٠).

стр. 9082

وقال الزَّجَّاج: يجير من عذابه ولا يجير (١) عليه أحدٌ من عذابه (٢). ٨٩ - قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ قال الفراء (٣) والزجاج (٤) وابن قتيبة (٥): تصرفون عن الحق وتخدعون. والمعنى: كيف يخيل لكم الحق باطلا والصحيح فاسدًا (٦). ٩٠ - قوله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ قال الكلبي: فقال لهم رسول الله ﷺ ذلك الذي أمره الله به في هذه الآية فكذبوه (٧)، وقالوا: بل الملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه، فنزل فيهم ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾ يعني بالقرآن (٨). وقال مقاتل: بالتوحيد (٩). ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك (١٠). ثم نفى الولد والشريك عن نفسه فقال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ قال مقاتل: يعني الملائكة (١١).

стр. 9083

﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ قال ابن عباس: ولا له شريك (١). ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ هذا جواب لكلام مضمر (٢) التقدير: لو كانت معه آلهة إذن لذهب كل إله بما خلق، أي لاعتزل وانفرد بخلقه (٣)، فلا يرضى أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره، ومنع (٤) الإله الآخر عن (٥) الاستيلاء على ما خلق (٦). قوله: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ دليل آخر على (٧) نفي الشريك معطوف على الأول. قال الفراء: بغى بعضهم على بعض (٨). وقال الزجاج: طلب بعضهم مغالبة بعض (٩). وهذا معنى قول ابن عباس والمفسرين: لقاتل بعضهم بعضًا كما يفعل الملوك في الدنيا يقاتل هذا هذا (١٠).

стр. 9084

قال أهل العلم في هذه الآية: ذكر الله تعالى في أول الآية نفي الولد ونفي الشريك، ثم ذكر الدليل على نفي الشريك واقتصر عليه ولم يذكر الدليل على نفي الولد؛ لأن الدليل على نفي الشريك يتضمن نفي الولد، وذلك أن الولد ينازع الأب في الملك منازعة الأجانب، فلو كان لله ولد لأظهر المنازعة كما يكون بين الإلهين (١)، والملكين (٢). ثم نزّه عما وصفوه به فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. ٩٢ - قوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ قرئ (عَالِمُ الْغَيْبِ) (٣) رفعًا وجرًا (٤). قال الأخفش: الجر أجود ليكون الكلام من وجه واحد، وأما الرفع فعلى أن يكون خبر ابتداء محذوف. قال: ويقوي (٥) ذلك (٦) أن الكلام الأول قد انقطع (٧). واختار الفراء الرفع، فقال: وجه الكلام الرفع بالاستئناف، الدليل (٨) على ذلك دخول الفاء في قوله: ﴿فَتَعَالَى اللهُ﴾ ولو خفضت لكان وجه الكلم

стр. 9085

أن يكون "وتعالى" بالواو لأنه إذا خفض أراد: سبحان الله عالمِ الغيب والشهادة وتعالى، فدخول (١) الفاء دليلٌ على أنه أراد: هو عالمُ الغيب والشهادة فتعالى؛ ألا ترى أنك تقول: مررت بعبد الله المحسنِ وأحسنت إليه. فلو رفعت "المحسنُ" لم يكن بالواو لأنك تريد: هو المحسنُ فأحسنت إليه. قال: وقد (٢) يكون الخفض في ﴿عَالِمِ﴾ تتبعه ما قبله وإن كان بالفاء؛ لأن العرب قد (٣) تستأنف بالفاء كما يستأنفون بالواو (٤). ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا﴾ قال صاحب النظم: "ما" قد تكون شرطًا كقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] و"إمَّا" إنَّما هو [إنْ ما، فـ] (٥) "إنْ" شرط و"ما" (٦) أيضًا شرط؛ فجمع بين الشرطين توكيدًا، فلما وكّد الشرط أدخل النون الثقيلة في الفعل توكيدًا، لأن النون الثقيلة تجيء (٧) توكيدًا للأفعال (٨).

стр. 9086

وقوله: ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾ قال ابن عباس: من النقمة فيهم. وقال مقاتل: يعني القتل ببدر (١). ٩٤ - ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي﴾ قال الفراء: هذه الفاء جواب لقوله: ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي﴾ اعترض النداء بينهما كما تقول: إن تأتني كما زيد فعجّل (٢)، ولو لم يكن قبله جزاء لم يجز أن تقول: يا زيد فقم، ولا أن تقول: يا رب فاغفر لي؛ لأن النداء مستأنف، [وكذلك الأمر بعده مستأنف] (٣) لا تدخله الفاء ولا الواو (٤). قوله تعالى: ﴿فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال الكلبي: يعني مع (٥) الفئة الباغية (٦). قال أبو إسحاق: أي إن أنزلت بهم النقمة كما رب فاجعلني خارجًا عنهم (٧). قال مقاتل: وذلك أنَّ النبي ﷺ أراد أن يدعو على كفار مكة (٨). ٩٥ - فعلّمه الله كيف يدعو، وأخبر أنه قادر على إنزال العذاب بهم بقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. ثم أمره بالصبر إلى أن ينقضي الأجل المضروب للعذاب فقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال المفسرون: يعني الإعراض والصفح

стр. 9087

﴿السَّيِّئَةَ﴾ (١) وهي أذى المشركين إيّاه (٢). والمعنى: ادفع بالخلّة التي هي أحسن -وهي الصبر والصفح- أذاهم وجفاهم (٣). وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم (٤). وقال أهل المعاني: إذا ذكروا المنكر فاذكر الحجَّة في فساده والموعظة التي تصرف عنه إلى ضدّه من الحق بتلطّف في الدعاء إليه والحث عليه (٥).

стр. 9088

وروي عن مجاهد وعطاء أنهما قالا في قوله: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: السلام يسلم عليهم إذا لقيهم (١). ولا أدري هل كان يسلم على المشركين أم لا؟ فإنَّه ﷺ نهانا أن نبدأهم بالسلام (٢). قوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد بما يقولون من الشرك (٣). وقال مقاتل: بما يقولون من الكذب (٤). ومعنى ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ﴾ إنَّا (٥) نجازيهم بما يستحقون (٦) من الجزاء في الوقت الذي يصلح للأخذ بالعقوبة. أي (٧): فليس يخفى علينا ما يقولون، ولسنا نغفل عن مجازاتهم.

стр. 9089

ثم أمره أن يتعوذ من الشيطان ليسلم في دينه فقال: ٩٧ - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ﴾ أي اطلب الاعتصام بك ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ الهمزات جمع همزة كقوله: تمرات (١) وتمرة. ومعنى الهمز في اللغة: الدفع (٢). روى أبو عبيد عن الكسائي: همزته ولمزته ولهزته (٣) ونهرته إذا دفعته (٤). وكان رسول الله ﷺ يقول: "اللهمَّ إني أعوذ بك من هَمزْ الشيطان ونَفثه ونفخه" فقيل: كما رسول الله ما همزه ونفثه ونفخه؟ قال: "أما همزه فالموتة، وأما نفثه فالشِّعْرُ، وأما نفخه فالكبر" (٥).

стр. 9090

قال أبو عبيد (١): والموتة: المجنون. وإنَّما سمّاه همزًا؛ لأنَّه جعله من النخس والغمز، وكل شيء دفعته (٢) فقد همزته (٣). وعلى هذا معنى (٤) ﴿هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ دفعهم بالإغواء إلى المعاصي. وهو معنى قول ابن عباس والحسن: نزغات الشياطين ووساوسهم (٥). وذلك أنّه إنما يدفع الناس إلى (٦) المعاصي بما يوسوس إليهم من التسويل والتَّمنية (٧).

стр. 9091

وقد يكون الهمز في اللغة بمعنى: العيب (١). ومنه قوله : ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] وهو الذي يهمز أخاه في قفاه من خلفه (٢) أي (٣): يغتابه ويعيبه (٤). قال المبرد: والهمز في كلام العرب: إنما هو أن (٥) يهمز الرجل بقول قبح من حيث لا يسمع، وسميت مكايدة (٦) الشيطان همزًا؛ لأن مكايدته خفيّة بالنزغة والوسوسة (٧). ومن هذا قول مجاهد في تفسير الهمزات: نفخهم ونفثهم (٨). وذلك أن الشطان ينفخ في الإنسان عند الغضب وغيره، وينفث فيه من حيث لا يشعر به. وقد يكون الهمز في اللغة بمعنى: العصر. يقال: همزت رأسه،

стр. 9092

وهمزت الجوز بكفي. ومنه: ومن همزنا رأسه تهشَّما (١) وهذا معنى قول ابن زيد في هذه الآية ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ قال: خنقهم الناس (٢). ومعنى قول (٣) أبي إسحاق في تفسير الهمزات أنها مس الشيطان (٤). وذكرنا معنى مسّ الشيطان عند قوله: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ٩٨ - قوله تعالى: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ قال ابن زيد: يحضروني (٥) في أموري (٦) (٧). وقال الكلبي: عند تلاوة القرآن (٨). وقال عكرمة: عند النزع والسياق (٩).

стр. 9093

قال صاحب النظم: هذا من باب الإيماء؛ لأن معنى قوله: ﴿أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ إيماءً إلى أن يصيبوني بسوء، ومنه قولهم: حضر فلان، إذا دنى موته. ويقال: اللبن (١) محضور ومحتضر، أي: يصاب منه، وكذا (٢) الحُشُوش والكُنُف (٣) مُحْتَضَرة، أي يصاب الناس (٤) فيها، ومنه قوله- : ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] أي مصاب منه يصيب صاحبه. هذا كلامه. والصحيح أن يقال: المعنى: وأعوذ بك ربِّ (٥) أن يحضرون بسوء، بحذف ذكر السوء اختصارًا على أنه مفهوم المعنى، وذلك قولهم اللبن محتضر (٦) فغط إناك، يعنون: تحتضره الدابة وغير ذلك من أهل الأرض (٧)، والكُنُف تحتضره الشياطين والجن، وقوله: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ باحتضار صاحبه. وهذا معنى ما ذكره صاحب النظم من قوله: أن يصيبوني بسوء؛ لأنهم إذا حضروه بسوء أصابوه به (٨). وحذف ذكر السوء؛ لأن الشيطان لا يحضر

стр. 9094

ابن آدم إلا بسوء (١)، فلذا (٢) أمر أن يتعوذ من أن يأتيه الشيطان أو يقربه. ٩٩ - ثم أعلم -تعالى ذكره- أن هؤلاء الذين ذكروا قبل هذا الموضع ودفعوا البعث يسألون المرجع إلى الدنيا عند معاينة الموت فقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ قال مقاتل: يعني (٣) الكفار (٤). ﴿الْمَوْتُ﴾ قال الكلبي ومقاتل (٥): يعني ملك الموت. وقال غيرهما: يعني (٦) أسباب الموت ومقدماته كقوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ (٧) [إبراهيم: ١٧]. وقد مرّ. ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد إلى الدنيا (٨). قال الفراء، والزجاج، وجميع أصحاب العربية: قوله: ﴿ارْجِعُونِ﴾ وهو يريد الله وحده (٩)، فجاء الخطاب في المسألة على لفظ الإخبار، لأن الله قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ [ق: ٤٣] وهو وحده يحيي، وهذا لفظ تعرفه العرب للجليل الشأن يخبر عن نفسه بما يخبر به (١٠) الجماعة، فكذلك جاء الخطاب في ﴿ارْجِعُونِ﴾ (١١).

стр. 9095

وروي عن ابن جريج أنه قال -في هذه الآية-: إنّهم استغاثوا (١) بالله أولاً ثم رجعوا إلى مسألة الملائكة المرجع (٢) إلى الدنيا (٣). واختار المبرد هذا الوجه فقال: ﴿ارْجِعُونِ﴾ خطاب للملائكة بعد أن قال: رب، مستغيثا. ومثل هذا يكثر (٤) في الكلام عن العرب أن يخاطبوا أحدًا ثم يصرف المخاطبة إلى غيره، لأنَّ المعنى مشتمل على ذلك. وأنشد

стр. 9096

للأحوص (١): يا دارُ غَيَّرها البلى تغييرا (٢) ... وسفت (٣) عليها الريح بعدك مورا (٤) فدعا الدار، ثم أخبر عنها، ثم خاطب صاحبها (٥). قال: وذلك قول (٦) النابغة (٧):

стр. 9097

يا دار ميَّة بالعلياء فالسند (١) ... أقوت (٢) وطال عليها سالف الأبد فدعا أولاً ثم حدث عنها. ١٠٠ - قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ قال ابن عباس: يريد أشهد أن لا إله إلا الله (٣). وقال مقاتل: يعني الإيمان (٤). وقال قتادة: إما والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا عشيرة، ولكنه تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا أمنية الكافر فاعملوا فيها (٥). قوله تعالى: ﴿فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ قال ابن عباس: فيما مضى من عمري (٦). وقال الكلبي: فيما كذّبت. وقال غيره: فيما ضيعت (٧). قال الله تعالى ﴿كَلَّا﴾ قال ابن عباس: يقول لا ترجع إلى الدنيا ﴿إِنَّهَا﴾ إن مسألته الرجعة ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ يريد لابد أن يقولها عند الموت حين (٨) يعاين عذاب الله (٩). ونحو هذا ابن زيد (١٠).

стр. 9098

وقال آخرون (١): ﴿كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ يعني أن سؤاله الرجعة كلام يقوله (٢) ولا فائدة له؛ لأنّه لا يجاب إلى ما يسأل، فهو كلام يقوله ولا فائدة له، كقوله: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠] [وقوله: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]] (٣). وقوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾ قال أبو عبيدة: ومن أمامهم (٤). وهذا مما يجوز أن يكون المراد به: ومن بين أيديهم، كما قال أبو عبيدة، ويجوز أن يكون المراد به (٥): ومن خلفهم، كما ذكرنا في قوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ (٦) [إبراهيم: ١٦]. وقد مرّ. قوله تعالى: ﴿بَرْزَخٌ﴾ معنى البرزخ في اللغة: الحاجز بين الشيئين كيفما (٧) كان من عين أو معنى، نحو المسافة والجدار والأيام والعداوة وغير ذلك (٨). وهذا معنى قول الفراء، قال: البرزخ والحاجز والمهلة (٩) متقاربات في المعنى وذلك أنك تقول: بينهما حاجز أن يتزاورا، فتنوي بالحاجز (١٠)

стр. 9099

المسافة وتنوي الأمر المانع (١)، مثل اليمين والعداوة، فصار المانع من المسافة كالمانع من الحوادث فوقع عليهما البرزخ (٢). ومنه حديث علي ﵁ أنه صلى بقوم فأسْوى (٣) برزخا (٤). أي أسقط، وأراد بالبرزخ ما بين الموضع الذي [أسقط منه إلى الموضع الذي] (٥) انتهى إليه. قاله أبو عبيد (٦) (٧). وبرازخ الإيمان ما بين اليقين والشك. والبرزخ: ما بين كل شيئين. ومنه قيل للميت: هو في البرزخ؛ لأنّه بين الدنيا والآخرة (٨). وقال أبو إسحاق: البرزخ في اللغة: الحاجز، وهو هاهنا ما بين موت الميت وبعثه (٩).

стр. 9100

وهذا قول الضحاك وابن زيد: ما بين الموت إلى البعث (١) (٢). وروي عن ابن عباس: ([بَرْزَخٌ]: حجاب (٣). وقال السدي ومقاتل: أجل (٤). وقال مجاهد: حجاب بينهم وبين (٥) الرجوع إلى الدنيا وهم فيه إلى يوم يبعثون (٦). وقال قتادة: بقية الدنيا (٧). يعني (٨) أنهم يكونون في البرزخ إلى أنْ تفنى الدنيا فيبعثوا. والكناية (٩) في قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ كالكناية في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ﴾. وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿يَوْمِ﴾ مضاف إلى (يُبْعَثُونَ) لأن أسماء الزمان تضاف إلى الأفعال (١٠). ١٠١ - ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ قال ابن عباس- فيما روى عنه سعيد بن

стр. 9101

جبير-: هي النفخة الأولى، نفخ (١) في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله (٢). قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي لا يتناسبون (٣) في ذلك الوقت ليعرف (٤) بعضهم بعضًا لاشتغال كل أحد بنفسه عن غيره، ولا يسأل بعضهم بعضًا عن حاله أو لا يتعاطفون بالإنساب (٥). وقال -في رواية عطاء-: هي (٦) النفخة الثانية ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ قال: يريد لا تفاخر بينهم كما كانوا يتفاخرون في الدنيا ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ كما تسأل العرب في الدنيا من أي قبيلة أنت؟ (٧).

стр. 9102

وهذا قول ابن مسعود ومقاتل: أن المراد بقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ النفخة الثانية (١). قال ابن مسعود: الخلق يومئذ أشد تعلقًا بعضهم ببعض منهم في الدنيا، الأب بابنه والابن بأبيه والأخ بأخته والأخت بأخيها والزوج بامرأته والمرأة بزوجها. وتلا هذه الآية (٢). ولابد من تقدير محذوف في الآية على تأويل: فلا أنساب يومئذٍ يتفاخرون بها ويتعاطفون بها؛ لأن الأنساب لا تنقطع يومئذ إنما يرتفع التواصل والتعاطف والتفاخر بها والتَّساؤل. وهذه الآية لا تنافي قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] لأن للقيامة أحوالًا، ومواطن، منها ما يشغلهم عظم الأمر الذي ورد عليهم عن المسألة، ومنها حال يفيقون فيها فيتساءلون. وهذا معنى قول ابن عباس -في رواية المنهال بن عمرو- لما سئُل عن

стр. 9103

الآيتين فقال: هذه تارات (١) يوم القيامة (٢). وأجاب في رواية سعيد بن جبير يحمل آية التساؤل على أن ذلك في الجنة فقال: إنهم لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون (٣). قال أبو علي: لا يجوز أن يكون "إذا" نصبا بـ"نُفِخَ" ولا بقوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ لأن ما بعد "لا" لا يعمل فيما قبلها، فإذا لم يجز نصبه على هذين انتصب بفعل مضمر يُفسره ويدل عليه قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾، على تقدير: تنقطع الأنساب إذا نفخ في الصور، أو لا تنفع الأنساب وما أشبه ذلك. وشرح هذه المسألة أن يذكر عند قوله: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٧] الآية.

стр. 9104

١٠٢ - قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ هذه والآية (١) التي بعدها ذكرنا تفسيرهما في أوائل سورة الأعراف (٢). ١٠٤ - قوله تعالى. ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ معنى اللفح: الإحراق. يقال: لفحته (٣) النار والسموم، إذا أحرقته (٤). وقال الزجاج: تلفح وتنفح بمعنى واحد، إلا أن اللفح أنهم تأثيرًا (٥) من النفح (٦). قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ الكلوح: بدو الأسنان (٧) عند العبوس. يقال: كلح كلوحًا، وأكلحه (٨) كذا (٩). ويقال: دَهْرٌ كالح وبردٌ كالح. إذا كان شديدًا (١٠) (١١).

стр. 9105

وقال الزَّجَّاج: الكالح: الذي قد شمرت شفتاه عن أسنانه، نحو ما ترى [من] (١) رؤوس الغنم إذا برزت الأسنان وتشمرت الشفاه (٢). قال ابن مسعود -في هذه الآية-: ألم تر إلى الرأس المشيَّط (٣) بالنار، وقد (٤) بدت أسنانه وقلصت (٥) شفتاه (٦).
следующие страницы →