← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 9101–9140 · переход к 9106.

стр. 9101

جبير-: هي النفخة الأولى، نفخ (١) في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله (٢). قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي لا يتناسبون (٣) في ذلك الوقت ليعرف (٤) بعضهم بعضًا لاشتغال كل أحد بنفسه عن غيره، ولا يسأل بعضهم بعضًا عن حاله أو لا يتعاطفون بالإنساب (٥). وقال -في رواية عطاء-: هي (٦) النفخة الثانية ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ قال: يريد لا تفاخر بينهم كما كانوا يتفاخرون في الدنيا ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ كما تسأل العرب في الدنيا من أي قبيلة أنت؟ (٧).

стр. 9102

وهذا قول ابن مسعود ومقاتل: أن المراد بقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ النفخة الثانية (١). قال ابن مسعود: الخلق يومئذ أشد تعلقًا بعضهم ببعض منهم في الدنيا، الأب بابنه والابن بأبيه والأخ بأخته والأخت بأخيها والزوج بامرأته والمرأة بزوجها. وتلا هذه الآية (٢). ولابد من تقدير محذوف في الآية على تأويل: فلا أنساب يومئذٍ يتفاخرون بها ويتعاطفون بها؛ لأن الأنساب لا تنقطع يومئذ إنما يرتفع التواصل والتعاطف والتفاخر بها والتَّساؤل. وهذه الآية لا تنافي قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] لأن للقيامة أحوالًا، ومواطن، منها ما يشغلهم عظم الأمر الذي ورد عليهم عن المسألة، ومنها حال يفيقون فيها فيتساءلون. وهذا معنى قول ابن عباس -في رواية المنهال بن عمرو- لما سئُل عن

стр. 9103

الآيتين فقال: هذه تارات (١) يوم القيامة (٢). وأجاب في رواية سعيد بن جبير يحمل آية التساؤل على أن ذلك في الجنة فقال: إنهم لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون (٣). قال أبو علي: لا يجوز أن يكون "إذا" نصبا بـ"نُفِخَ" ولا بقوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ لأن ما بعد "لا" لا يعمل فيما قبلها، فإذا لم يجز نصبه على هذين انتصب بفعل مضمر يُفسره ويدل عليه قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾، على تقدير: تنقطع الأنساب إذا نفخ في الصور، أو لا تنفع الأنساب وما أشبه ذلك. وشرح هذه المسألة أن يذكر عند قوله: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٧] الآية.

стр. 9104

١٠٢ - قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ هذه والآية (١) التي بعدها ذكرنا تفسيرهما في أوائل سورة الأعراف (٢). ١٠٤ - قوله تعالى. ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ معنى اللفح: الإحراق. يقال: لفحته (٣) النار والسموم، إذا أحرقته (٤). وقال الزجاج: تلفح وتنفح بمعنى واحد، إلا أن اللفح أنهم تأثيرًا (٥) من النفح (٦). قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ الكلوح: بدو الأسنان (٧) عند العبوس. يقال: كلح كلوحًا، وأكلحه (٨) كذا (٩). ويقال: دَهْرٌ كالح وبردٌ كالح. إذا كان شديدًا (١٠) (١١).

стр. 9105

وقال الزَّجَّاج: الكالح: الذي قد شمرت شفتاه عن أسنانه، نحو ما ترى [من] (١) رؤوس الغنم إذا برزت الأسنان وتشمرت الشفاه (٢). قال ابن مسعود -في هذه الآية-: ألم تر إلى الرأس المشيَّط (٣) بالنار، وقد (٤) بدت أسنانه وقلصت (٥) شفتاه (٦).

стр. 9106

وروى الخدري، عن رسول الله ﷺ في هذه الآية قال: "تشويه النار فتقلص (١) شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتشترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته" (٢).

стр. 9107

ويقال له: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي﴾ قال مقاتل والكلبي: يعني القرآن (١). ﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد: ألم تخوفوا بها (٢). ﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ فكنتم في الدنيا تكذبون القرآن ومحمدًا ﵇ بالنار وعذابها. ١٠٦ - ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ وتقرأ "شقاوتنا" (٣) ومعناها واحد، وهما مصدران. فالشقاوة (٤) كالسعادة، والشقوة كالردة والفطنة (٥). قال الكلبي: غلبت علينا شقاوتنا في الدنيا فلم نهتد (٦). وقال القرظي (٧)، ومجاهد (٨)، ومقاتل (٩): غلبت علينا شقاوتنا التي كتبت علينا. ١٠٧ - ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ قال الكلبي: من النار (١٠).

стр. 9108

قال ابن عباس: سألوا الرجعة إلى الدنيا (١). ﴿فَإِنْ عُدْنَا﴾ إلى الكفر والتكذيب والمعاصي ﴿فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾. ١٠٨ - قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. قال عبد الله بن عمرو (٢): إنهم لا يجابون إلا بعد مُضي مثل عُمر الدنيا ثم يجابون بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ (٣). وقال مقاتل: يرد عليهم بعد مقدار الدنيا منذ يوم (٤) خلقت إلى أن تفنى سبع مرات (٥). ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ قال الكلبي ومقاتل: اصغوا في النار (٦) (٧). قال المبرد: الخسأ: إبعاد بمكروه (٨). وقال الزجاج: تباعدوا تباعد سخط. وقال: ابعدوا بعد الكلب (٩).

стр. 9109

وذكرنا الكلام في الخسأ عند قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قال الكلبي: لا تسألون (١) الخروج منها. وقيل: لا تكلمون في رفع العذاب عنكم (٢). والمفسرون على أن هذا نهيٌ لهم عن جميع أجناس الكلام (٣). قال عبد الله بن عمرو: فلم ينبس (٤) القوم بعد ذلك بكلمة، إنْ كان إلا الزَّفير والشهيق (٥). وقال مقاتل: فلا يتكلم أهل النار بعد هذا غير أن لهم فيها زفيرًا وشهيقا (٦). وقال قتادة: صوت الكافر في النار مثل صوت الحمار، أوله زفير وآخره شهيق (٧) (٨).

стр. 9110

وقال ابن عباس -في رواية عطاء-: يصير لهم همهمة كنباح الكلاب (١). وقال القرظي: إذا (٢) قيل لهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ انقطع عند ذلك رجاؤهم ودعاؤهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، وأطبقت عليهم (٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾ الآية. يعني المؤمنين. وقال ابن عباس: يريد المهاجرين (٤). ١١٠ - ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ وقرئ بكسر السين هاهنا وفي سورة "ص". وأجمعوا على الضم في سورة الزخرف (٥). قال الليث: السُّخْرِيّ والسُّخْرِيَّة مصدران. يقال: سخر منه وبه سُخْرِيَّة وسُخْرِيّا (٦). وزاد أبو زيد: سَخرَا (٧). ومنه قوله:

стр. 9111

لا عجيب منها ولا سَخَر (١) قال: ويكون نعتًا كقولك: هم لك سخري وسخرية (٢). قال القراءة الضم أجود (٣). وقال الزجاج: كلاهما جيد (٤). وحكى الكسائي اللغتين جميعًا، قال: وسمعت العرب تقول: بَحْرٌ لُجّي ولجي، ودري ودري، وكرسي وكرسي (٥). وذهب قوم إلى الفرق (٦) بينهما. قال يونس (٧): سُخريا من السُّخْرة مضموم، ومن الهُزء سُخري (٨).

стр. 9112

وقال أبو عبيدة: سِخريًّا يسخرون منهم، وسُخريًّا يسخرونهم (١). وهذا قول الحسن وقتادة، قالا: ما كان من العُبُودة (٢) فهو بالضم، وما كان من الهزء فهو بالكسر (٣). وذكر الزجاج أن الضم والكسر واحد في معنى الهزء (٤). وقال -من عند نفسه-: الكسر أحسن لاتباع الكسر (٥). قال أبو علي: القراءة بكسر السين أرجح من قراءة من ضَمّ؛ لأنه من الهزء، والأكثر في الهُزء كسر السين فيما حكوه. ونرى (٦) أنَّه إنّما كان أكثر لأنَّ السَّخّر مصدر سَخِرْتُ. حكاه أبو زيد (٧). وفَعَلٌ وفعلٌ يكونان بمعنى، نحو: المثل والمثل والشَّبَه والشَّبْه، فكذلك السَّخَر والسّخْر إلا أنَّ المكسورة أُلزمت ياء النسب دون المفتوحة كما اتفقوا في القسم على الفتح في: لعمر (٨) الله، ولم يخرج مع إلحاق ياء

стр. 9113

النسب عن حكم المصدر، يدلك على ذلك قوله: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ (١) فأفرد (٢)، وقد جرى على الجمع كما تفرد المصادر، فكأنَّ ياء النسب لم يقع بها (٣) اعتداد في المعنى، كما لم يُعتدّ بها (٤) ولم يكن حكم للنسب في نحو: أحمر وأحْمري ودؤاري (٥)، فكانت ياء النسب في حكم الزيادة كـ (لا) في قوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]. وقال الأخفش: سخري إذا أردت من سخرتُ به ففيه لغتان: الضم والكسر (٦). والتي يراد بها السُّخْرة فالضم لا غير، ومن ثمَّ اتفقوا على الضم في التي في الزخرف. وقولهم (٧): اتخذت فلانا سُخريّا وسُخْرة السُّخري مصدر وسُخْرة (٨) ليست بمصدر في الهزء ولكنه كقولهم: ضُحْكَةٌ وهُزْأةٌ إذا كان يُضْحك منه. وأما وجه الضم إذا كان من الهزء فإن سَخَرًا فَعَل، وفَعَل وفُعْل (٩) يتعاقبان علي الكلمة كالحزن والحزن والبخل والبخل (١٠)، كما كان فَعَلٌ وفِعْلٌ كذلك، إلا أنَ المضموم خُصَّ (١١) بالنسب كما خُصَّ

стр. 9114

المكسور به وبقي على حكم المصدر كما بقي عليه المكسور. وإذا ثبت هذا فقوله (سخريا) في القراءتين جميعًا مصدر وصف به ولذلك أفْرد (١). قال ابن عباس -في هذه الآية-: يريد يستهزئون بهم. وقال مقاتل: إنّ رؤوس كفار قريش كانوا يستهزئون من بلال وعمار وخَبَّاب وصهيب وسالم وفقراء العرب، ازْدَرَوْهُم (٢). قوله: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ﴾ يريد تركتم موعظتي. وقال مقاتل: ترككم الاستهزاء لا تؤمنون بالقرآن (٣). قال أبو علي: ﴿أَنْسَوْكُمْ﴾ يجوز (٤) أن يكون منقولًا من الذي بمعنى الترك، ويمكن أن يكون (من) (٥) الذي هو خلاف الذكر، واللفظ على أنهم فعلوا بكم النسيان، والمعنى: أنكم أنها المتخذون عبادي سُخْريا نسيتم ذكري باشتغالكم باتخاذكم إيّاهم سخريا وبالضحك منهم. أي: تركتموه من أجل ذلك، فنسب الإنساء إلى عبادِه المخلصين وإن لم يفعلوه لما كانوا كالسبب لإنسائهم، وهذا كقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] فنسب الإضلال إلى الأصنام لما كانت سببًا في الإضلال (٦).

стр. 9115

١١١ - قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بما صبروا على أذاكم واستهزائكم (١). ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ وقرئ (٢) "إنَّهم" بالكسر (٣). فمن فتح كان على معنى: جزيتهم لأنَّهم هم الفائزون. ويجوز أن يكون "أنَّهم" (٤) في موضع المفعول الثاني لجزيت؛ لأنَّ جزيت يتعدّى إلى مفعولين، قال الله تعالى ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢]. والتقدير: جزيتهم اليوم بصبرهم الفوز. ومن كسر استأنف وقطعه (٥) مما قبله، والمعنى: إنِّي جزيتهم اليوم بما صبروا، ثم أخبر فقال: ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. ومثل هذا في الكسر والاستئناف والاتباع لما قبله: لبيك إن الحمد والنعمة لك وإن الحمد (٦). وهذا الذي ذكرنا معنى قول الفراء والزجاج (٧).

стр. 9116

ومعنى ﴿الْفَائِزُونَ﴾ الذين نالوا ما أرادوا. والمفسرون يقولون: الناجون (١). ١١٢ - وقوله: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ قال الله تعالى للكفار يوم البعث توبيخًا لهم على إنكار (٢) البعث: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني في القبور ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾. قال الزجاج: (كم) في موضع نصب بقوله: (لبثتم) و (عَدَدَ سِنِينَ) منصوب بـ (كم) (٣). وقرئ: (قل كم لبثتم) (٤)، وهذا له معنيان: أحدهما: قل أيها الكافر المسؤول عن قدر لبثه ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٥).

стр. 9117

والآخر: أن هذا أمرٌ (١) لمن يسألهم يوم البعث (٢) عن قدر مكثهم. والمعنى: قل أيها السائل عن لبثهم (٣). ١١٣ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ قال ابن عباس: وذلك أن الله أنساهم ما كانوا فيه من العذاب (٤). وقال مقاتل: استقلوا ذلك، يرون أنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا يومًا أو بعض يوم (٥). قال المفسرون: نسوا لعظم ما هم فيه من العذاب مدة مكثهم في الدنيا (٦). وقوله: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ قال ابن عباس: يريد العارفين بالحساب (٧). وقال قتادة ومقاتل: سل الحُسّاب (٨). قال مجاهد: هم الملائكة (٩).

стр. 9118

قال مقاتل: يعني ملك الموت وأعوانه (١). وقال الكلبي: فأسأل الملائكة الذين كانوا معنا في الدنيا (٢). قوله: (قَالَ) أي قال الله تعالى، أو قال الذي سألهم عن قدر لبثهم. وقرئ (قل) (٣) وهو أمرٌ للذي سألهم عن قدر لبثهم، ولا يجوز (٤) أمرًا للكافر كما قلنا في قوله: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾، ولهذا فصل ابن كثير بينهما، فقرأ الأولى (قل) على الأمر وهاهنا (قال) (٥). ١١٤ - قوله: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: ما لبثتم في الأرض إلا قليلاً. قال الكلبي: لأنَّ كل ما هو آت قريب. يعني أن مكثهم في القبور وإن طال فإنه قليل لأنه متناه، ويجوز أن يكون قليلاً عند طول مكثهم في عذاب جهنم لأنّه خلود لا يتناهى.

стр. 9119

قوله ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي قدر لبثكم. وقال مقاتل: لو أنكم كنتم تعلمون إذن لعلمتم أنكم لم تلبثوا إلا قليلًا (١). ١١٥ - قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ العبث في اللغة: اللعب. يقال: عبث يعبث عبثا فهو عابث لاعبٌ بما لا يعنيه وليس من باله (٢). واختلفوا في انتصابه: فمذهب سيبويه وقطرب أنه في موضع الحال (٣). أي: عابثين. والمعنى أفحسبتم أنّما خلقناكم باطلاً لغير شيء، وهذا استفهام يتضمن الإنكار، أي ما خلقناكم عابثين بل خلقناكم لنثيب المحسن ونعاقب المسيء. وقال أبو عبيدة: هو نصبٌ على المصدر (٤). ويكون التقدير: عبثنا (٥) بخلقكم عبثًا. ويكون المعنى كما ذكرنا في الحال.

стр. 9120

وعلى هذا المعنى بل كلام مقاتل (١). وقال آخرون: هو مفعولٌ له. أي للعبث (٢). وهو اختيار الأزهري (٣). وعليه دلّ كلام ابن عباس لأنه قال: يريد كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عذاب عليها، مثل قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أي يهمل كما تهمل البهائم (٤). والمعنى على هذا القول: أفحسبتم أنكم خلقتم للعبث فتعبثوا ولا تعملوا بطاعة الله (٥). وهذا المعنى أراد علي ﵁ في قوله: يا أيها الناس اتقوا الله (٦)، فما خلق امرؤ عبثًا فيلهو، ولا أهمل سدى فيلغو (٧). وهذا الوجه هو الاختيار لقوله: ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (٨) أي: وحسبتم أنكم إلينا لا ترجعون في الآخرة للجزاء. ١١٦ - قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ قال مقاتل: ارتفع أن يكون خلق (٩) شيئًا عبثا، ماخلق شيئًا إلا لشيء (١٠).

стр. 9121

وقال غيره: تعالي عمّا يصفه به الجهال من الشركاء واتخاذ الأولاد (١). قال أهل المعاني: تعالى الله بأن كل شيء سواه يصغر مقداره عن معنى صفته، ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي الذي يحق له الملك بأنّه ملك غير مُمَلَّك، وكل مُلْك غيره فملكه مستعار لأنه يملّك (٢) ما ملَّكه الله (٣). ثم وحّد نفسه فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ قال الكلبي: هو السرير الحسن (٤). وذكرنا أن الكريم في صفة الجماد بمعنى الحسن (٥). وارتفع (٦) قوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ﴾ لأنه صفة قوله: ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾. ١١٧ - ثم أوعد من أشرك به فقال: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ لا بيّنة ولا حجة ولا شهادة له. قاله ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل (٧). وقوله: ﴿لَا بُرْهَانَ﴾ من صفة النكرة -أي إلهًا لم ينزل بعبادته كتاب،

стр. 9122

ولا بعث بها رسول- وليس من جواب الشرط، وجواب الشرط قوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (١). وهذا وعيد، أي أنّ حساب عمله عند ربه فهو- يجازيه بما يستحقّهُ كما قال ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦]. ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ قال ابن عباس: لا يسعد من كذب وجحد ما جئت به وكفر نعمتي (٢). ١١٨ - ثم أمر رسوله (٣) أن يستغفر للمؤمنين ويسأل لهم الرحمة فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ قال ابن عباس: يريد لمن صدقني. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ يريد أفضل من رحم. قال مقاتل: أي هو أفضل رحمة من الذين يرحمون (٤).

стр. 9123

سورة النور

стр. 9124

سورة النور بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ قال أبو عبيدة والأخفش: ﴿سُورَةٌ﴾ رفع بالابتداء، وخبرها في ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ (١). وهذا القول اختيار صاحب النظم. وأنكر الفراء والمبرد والزجاج هذا القول. فقال الفراء: ترفع السورة بإضمار هذه سورة أنزلناها. ولا ترفعها (٢) براجع ذكرها (٣)؛ لأن النكرات لا يبتدأ بها قبل أخبارها، إلا أن يكون ذلك جوابًا، ألا ترى أنك لا تقول: رجل قام، إنما الكلام أن تقول: قام رجلٌ.

стр. 9125

والنكرة (١) إنما توصل ثم يخبر عنها بخبر سوى الصلة. قال: رجل (٢) أعجب إليّ رجل لا يقوم. ويقبح أن تقتصر على صلتها وتجعلها الخبر كقولك: رجل ضربته؛ إذ (٣) كنت كالمنتظر بعد الصلة ويحسن في الجواب؛ لأنَّ القائل يقول لك: من في الدار؟ فتقول: رجل (٤). وقال المبرّد: ﴿سُوَرُةُ﴾ رفع على خبر الابتداء، لا على الابتداء لأنَّها نكرة، وتأويله: هذه سورة أنزلناها، ونظير ذلك قولك: رجلٌ والله، أي هذا رجلٌ، وذلك إذا قلت: خير، عند قول القائل: ما أمرك؟ فإنما التقدير: هو خير، أو: أمري خير. وذلك قول القائل عند شدة البرد والحر: برد شديد وحر شديد (٥). وقال الزَّجاج: وجه الرفع: هذه سورة أنزلناها. ورفعها بالابتداء قبيح، لأنها نكرة و ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ صفة لها (٦). قوله ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد (٧). قال أبو إسحاق: من خفف فمعناها: ألزمناكم العمل بما فرض فيها.

стр. 9126

ومن قرأ بالتشديد فهو على التكثير على معنى: إنما فرضنا فيها فروضًا. ويجوز أن يكون على معنى: بينَّا وفصلنا ما فيها من الحلال والحرام (١). وذكرنا معنى الفرض في اللغة عند قوله ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقال أبو علي: معنى ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ فرضنا فرائضها أي الفرائض المذكورة فيها (٢) فحذف المضاف. والتخفيف يصلح للقليل والكثير، ومن حجة التخفيف قوله ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥]، والمعنى: أحكام القرآن وفرائض القرآن، كما أن التي في هذه السورة كذلك. والتثقيل في ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ لكثرة ما فيها من الفرائض (٣). قال ابن عباس في رواية مجاهد في قوله ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾: بيناها (٤) (٥).

стр. 9127

وهو قول مقاتل (١). وقال في رواية عطاء: يريد: وحددناها. وقال مجاهد: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ يعني الأمر بالحلال والنهي عن الحرام (٢) . وهذا يعود إلى معنى: أوجبناها. ويجوز أن تكون بمعنى التبيين. والنكتة في التفسير ما ذكره أبو علي من أن هذا من باب حذف المضاف (٣). ٢ - قوله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ذكرنا الكلام في وجه ارتفاع الزانية عند قوله ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية [المائدة: ٣٨] (٤). ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ معنى الجلد في اللغة: ضرب الجلد. يقال: جلده؛ إذا ضرب جلده. كما تقول: رأسه وبطنه، إذا ضرب رأسه وبطنه (٥). وليس حكم (٦) الآية على ظاهرها (٧)؛ لأن جلد المائة ليس

стр. 9128

حدَّ كل زان على الإطلاق، إنّما هو حدّ الزاني إذا كان حرًا (١) بالغًا بكرًا غير محصن، وكذلك الزانية تجلد مائة إذا كانت بهذه الصفة. فالمراد بالزانية والزاني المذكورين في هذه الآية. هما اللذان جمعا هذه الأوصاف، وجلدهما يجب بنص الكتاب، وتغريب عام يجب بالسنة (٢). قوله ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ يقال: رؤف (٣) يرؤف رأفة ورآفةً، مثل النشأة والنشاءة (٤). قال أبو زيد: رأف يرأف، وكل من كلام العرب (٥). وقرأ ابن كثير ﴿رَأْفَةٌ﴾ هاهنا بفتح الهمزة (٦).

стр. 9129

قال أبو علي: ولعل التي قرأها ابن كثير لغة (١). ولم يقرأ التي في سورة الحديد وهي قوله ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً﴾ [الحديد: ٢٧] مفتوحة الهمز (٢)؛ لأن العرب لا تجمع بين أكثر من ثلاث فتحات (٣)، ولو فتح الهمز في الحديد لاجتمع أربع فتحات. وذكر قولان في معنى هذه الآية: أحدهما: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ فتعطلوا الحد ولا تقيموه رحمة عليهما وشفقة. وهو قول مجاهد في رواية ابن أبي نجيح (٤)، والكلبي (٥)، وعطاء (٦)،

стр. 9130

ومقاتل (١)، وسعيد بن جبير (٢)، والشعبي (٣)، وابن زيد، وسليمان بن يسار، وأبي مجلز، قالوا (٤) في هذه الآية: ليس للسلطان إذا رفعوا إليه أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم عليهم الحد (٥). وهو اختيار الفراء وأبي علي. قال الفراء: يقول: لا ترأفوا بالزاني والزانية فتعطلوا حدود الله (٦). وقال أبو علي: كأنه نهى عن رحمتهما؛ لأن رحمتهما قد تؤدي إلى تضييع لحد وترك إقامته عليهما (٧). القول الثاني: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ فتخففوا الضرب ولا توجعوهما. وهو قول الحسن، وسعيد بن المسيب، والزهري، وإبراهيم، وقتادة، كل هؤلاء قالوا (٨): يوجع الزاني ضربًا ولا يخفف رأفة.

стр. 9131

قال الزهري وقتادة: يجتهد في حد الزانين ولا يخفف كما يخفف في الشرب. وجلد ابن عمر جارية له (١) قد أحدثت (٢). قال نافع (٣): فقلت له: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾! قال: أو أخذني بها رأفة؟ إنَّ الله لم يأمرني أن أقتلها ولا أن أجعل جلدها في رأسها، وقد أوجعت حين ضربت (٤).

стр. 9132

وذكر الزجاج القولين جميعًا (١). قوله ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: في حكم الله، كقوله ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] أي في: حكمه (٢). وقال مقاتل: في أمر الله (٣).

стр. 9133

﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قال مقاتل: يعني إن كنتم تصدقون بتوحيد الله وبالبعث الذي فيه جزاء الأعمال فلا تعطلوا الحد (١). وهذا يقوّي القول الأول؛ لأن قوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾ كالوعيد في ترك الحد، ومثل هذا الوعيد لا يلحق في التخفيف. قوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾ أي: وليحضر ضرب الزانيين. ﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) رجل فما فوقه إلى ألف (٣). وهو قول ابن عباس في رواية الكلبي عن أبي صالح (٤)، وإبراهيم (٥). وقال عطاء: رجلان فصاعدًا (٦). وهو قول عكرمة (٧)، ومقاتل بن سليمان قال: يعني رجلين فصاعدًا، يكون ذلك نكالًا لهما (٨). وقال الزهري: ثلاثة فصاعدًا (٩).

стр. 9134

وقال ابن زيد: أربعة بعدد من تقبل شهادته على الزنا (١). وقال الحسن: ﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي عشرة (٢). وقال قضادة: نفرٌ من المسلمين (٣) . وروي عن ابن عباس: أربعة إلى أربعين (٤). قال أبو إسحاق: أمّا من قال: واحد. فهو على غير ما عند أهل اللغة؛ لأنّ الطائفة في معنى جماعة، وأقل الجماعة اثنان. فأقل ما يجب في الطائفة عندي اثنان. والذي ينبغي أن يتحزى في شهادة عذاب الزنا (٥) أن يكونوا جماعة؛ لأن الأغلب على الطائفة الجماعة (٦). ٣ - قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. كثر الاختلاف من المفسرين والعلماء وأهل المعاني في معنى الآية

стр. 9135

وسبب نزولها وتأويلها، وسأذكر فيها بعون الله تعالى ما يفتح الغَلَق ويُسيغ الشرق (١). روى القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو في هذه الآية قال: كانت نساء بالمدينة بغايا، فكان الرجل المسلم يتزوج المرأة منهن لتنفق عليه، فنهوا عن ذلك (٢). وقال الزهري: كان في الجاهلية بغايا معلوم ذلك منهن، فأراد ناسٌ من المسلمين نكاحهن، فأنزل الله هذه الآية (٣). وقال القاسم بن أبي بزَّة: كان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية التي قد علم ذلك منها يتخذها مأكلة، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة فنهوا عن ذلك (٤).

стр. 9136

وروى الكلبي بإسناد عن ابن عباس في نزول هذه الآية: أن المهاجرين لما قدموا المدينة لم يكن لهم مساكن ينزلونها ولا عشائر يؤوونهم وكان في المدينة بغايا متعالمات بالفجور، ولهن علامات كعلامات البياطرة (١)، وكنَّ مخاصيب (٢) الرِّحال، فقال أولئك الذين ليس لهم مساكن ولا عشائر: لو أنا تزوجنا من هؤلاء فسكنا معهن في منازلهن، ونصيب من طعامهن وكسوتهن، فأتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له من شأنهم. فنزلت هذه الآية (٣). ونحو هذا روى العوفي (٤) وشعبة (٥) مولى ابن عباس، عنه.

стр. 9137

وهو قول عكرمة، ومجاهد، وعطاء بن أي رباح (١)، ومقاتل بن حيان (٢)، ومقاتل بن سليمان (٣)، والشعبي (٤)، وأكثر أهل

стр. 9138

التفسير (١)، واختيار الفراء والزَّجاج (٢). وعلى هذا القول حرم على المؤمنين أن يتزوجوا تلك البغايا المعلنات بزناهن وذكر أن من فعل ذلك وتزوج واحدة منهن فهو زان. والآية خاصة في تحريم نكاح المعلنة بزناها. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٣). وروى عطاء عن ابن عباس -في هذه الآية- قال: يريد لا يحل لمؤمن أن يتزوج زانية مشهورة بالزنّا ولا عابد صنم، ولا يحل لمؤمنة أن تتزوج مشركًا من عبدة الأصنام ولا مشهورًا بالزنا. ومذهب مجاهد -في هذه الآية- أنَّ التحريم لم يكن إلا على أولئك خاصة دون الناس (٤). ومذهب سعيد بن المسيب: أن هذه الآية منسوخة، نسختها التي بعدها وهي قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] قال: فيقال إن الزواني من أيامى المسلمين (٥).

стр. 9139

قال أبو عبيد: فمذهب (١) سعيد ومجاهد في تأويلها هو الرخصة في تزويج البغي، إلا أن سعيدًا أراد أن التحريم كان عامًا ثم نسخته الرخصة، وأراد مجاهد أن التحريم لم يكن إلا على أولئك خاصة دون الناس (٢). وقد جاءت أخبار فيها دلائل على جواز تزوج الزانية: وهي ما رُوي أن رجلاً ضاف رجلاً، فافتض أخته، فرفع إلى أبي بكر ﵁ فسألهما، فاعترفا، فجلدهما مائة مائة، ثم زوّج أحدهما من الآخر مكانه، ونفاهما سنة (٣). وروي أنّ غلامًا فجر بجارية، فسئلا، فاعترفا، فجلدهما عمر بن الخطاب، ثم حرص على أن يجمع بينهما فأبى الغلام (٤). وروي عن ابن مسعود: أنه سئل عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يريد أن يتزوجها؟ قال: لا بأس بذلك (٥).

стр. 9140

وقال جابر بن عبد الله في مثل هذا: أوله حرام وآخره حلال (١). وبين ابن عباس فيما روى عنه عكرمة لهذا تمثيلًا حسنًا فقال: إنَّما مثل ذلك مثل رجل أتى حائطًا فسرق منه، ثم أتى صاحبه فالشترى منه (٢)، فما سرق حرام وما اشترى حلال (٣) والإجماع اليوم على هذا، وهو أن تزوج الزانية يصح (٤)، وإن زنت لم يفسد النكاح (٥). قال الضحاك: إذا فجرت لم يفرق بينهما، كما أنه لو فجر لم يفرق بينهما (٦). قال أبو عبيد: فهذا مذهب من رأى أن الآية منسوخة غير معمول بها، ولهذا ترخصوا في تزويج البغايا وإمساكهن. وهي عند آخرين من العلماء
следующие страницы →