← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.

стр. 9136

وروى الكلبي بإسناد عن ابن عباس في نزول هذه الآية: أن المهاجرين لما قدموا المدينة لم يكن لهم مساكن ينزلونها ولا عشائر يؤوونهم وكان في المدينة بغايا متعالمات بالفجور، ولهن علامات كعلامات البياطرة (١)، وكنَّ مخاصيب (٢) الرِّحال، فقال أولئك الذين ليس لهم مساكن ولا عشائر: لو أنا تزوجنا من هؤلاء فسكنا معهن في منازلهن، ونصيب من طعامهن وكسوتهن، فأتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له من شأنهم. فنزلت هذه الآية (٣). ونحو هذا روى العوفي (٤) وشعبة (٥) مولى ابن عباس، عنه.

стр. 9137

وهو قول عكرمة، ومجاهد، وعطاء بن أي رباح (١)، ومقاتل بن حيان (٢)، ومقاتل بن سليمان (٣)، والشعبي (٤)، وأكثر أهل

стр. 9138

التفسير (١)، واختيار الفراء والزَّجاج (٢). وعلى هذا القول حرم على المؤمنين أن يتزوجوا تلك البغايا المعلنات بزناهن وذكر أن من فعل ذلك وتزوج واحدة منهن فهو زان. والآية خاصة في تحريم نكاح المعلنة بزناها. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٣). وروى عطاء عن ابن عباس -في هذه الآية- قال: يريد لا يحل لمؤمن أن يتزوج زانية مشهورة بالزنّا ولا عابد صنم، ولا يحل لمؤمنة أن تتزوج مشركًا من عبدة الأصنام ولا مشهورًا بالزنا. ومذهب مجاهد -في هذه الآية- أنَّ التحريم لم يكن إلا على أولئك خاصة دون الناس (٤). ومذهب سعيد بن المسيب: أن هذه الآية منسوخة، نسختها التي بعدها وهي قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] قال: فيقال إن الزواني من أيامى المسلمين (٥).

стр. 9139

قال أبو عبيد: فمذهب (١) سعيد ومجاهد في تأويلها هو الرخصة في تزويج البغي، إلا أن سعيدًا أراد أن التحريم كان عامًا ثم نسخته الرخصة، وأراد مجاهد أن التحريم لم يكن إلا على أولئك خاصة دون الناس (٢). وقد جاءت أخبار فيها دلائل على جواز تزوج الزانية: وهي ما رُوي أن رجلاً ضاف رجلاً، فافتض أخته، فرفع إلى أبي بكر ﵁ فسألهما، فاعترفا، فجلدهما مائة مائة، ثم زوّج أحدهما من الآخر مكانه، ونفاهما سنة (٣). وروي أنّ غلامًا فجر بجارية، فسئلا، فاعترفا، فجلدهما عمر بن الخطاب، ثم حرص على أن يجمع بينهما فأبى الغلام (٤). وروي عن ابن مسعود: أنه سئل عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يريد أن يتزوجها؟ قال: لا بأس بذلك (٥).

стр. 9140

وقال جابر بن عبد الله في مثل هذا: أوله حرام وآخره حلال (١). وبين ابن عباس فيما روى عنه عكرمة لهذا تمثيلًا حسنًا فقال: إنَّما مثل ذلك مثل رجل أتى حائطًا فسرق منه، ثم أتى صاحبه فالشترى منه (٢)، فما سرق حرام وما اشترى حلال (٣) والإجماع اليوم على هذا، وهو أن تزوج الزانية يصح (٤)، وإن زنت لم يفسد النكاح (٥). قال الضحاك: إذا فجرت لم يفرق بينهما، كما أنه لو فجر لم يفرق بينهما (٦). قال أبو عبيد: فهذا مذهب من رأى أن الآية منسوخة غير معمول بها، ولهذا ترخصوا في تزويج البغايا وإمساكهن. وهي عند آخرين من العلماء

стр. 9141

على غير ذلك يرونها محكمة قائمة، ويفسدون النكاحَ فجورُها (١). روي أن عليًّا ﵁ فرّق بين زوجين بزنا أحدهما (٢). وروي مثل هذا عن الحسن (٣) وإبراهيم (٤). قال أبو عبيد: إذا عاين منها الفجور لم يكن ذلك تحريمًا بينهما ولا طلاقًا، غير أنَّه يؤمر بطلاقها أمرًا ويخاف عليه الإثم في إمساكها (٥)؛ لأنَّ الله تعالى إنما اشترط على المؤمنين نكاح المحصنات فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]. ومع هذا لا يأمنها أن توطئ فراشه غيره، فتلحق به نسبًا ليس منه فيرث ماله، ويطلع على حرمته، فأي ذنب أعظم من هذا؟ بأن (٦) يكون لها (٧) معينًا بإمساكها. ولا أحسب الذين ترخصوا في ذلك بعد الفجور إلا بالتوبة (٨) تظهر منها، كالذي يحدث به عن ابن عباس: أنه سئل عن رجل أراد أن ينكح امرأة قد زنا بها؟ فقال: ليردها على الزنا فإن فعلت

стр. 9142

فلا ينكحها، وإن أبت فلينكحها (١) قال (٢): وقد تسهَّل قوم في نكاحها، وإن لم تظهر منها توبة، واحتجوا بحديث الذي قال للنبي ﷺ : إنَّ امرأته لا ترد يد لامس. فأمره النبي ﷺ بالاستمتاع منها (٣) وإمساكها (٤) (٥).

стр. 9143

وتأولوا قوله: "لا تمنع يد لامس" على البغاء. وهذا عندنا بخلاف الكتاب والسنة؛ لأن الله تعالى إنَّما أذن في نكاح المحصنات خاصة، ثم

стр. 9144

أنزل في القاذف لامرأته آية اللعان، وسن رسول الله ﷺ التفريق بينهما فلا يجتمعان أبدًا. فكيف يأمره (١) بالإقامة على عاهرة لا تمتنع ممن أرادها؟ وفي حكمة أن يلاعن بينهما ولا يقره قاذفًا على حاله. هذا (٢) لا وجه له عندنا، والذي يُحمل (٣) عليه وجه الحديث أنَّه ليس يثبت عن النبي ﷺ ، إنما يحدثه هارون بن رئاب (٤) عن عبد الله بن عبيد، ويحدثه عبد الكريم الجزري، عن أبي الزبير (٥). وكلاهما يرسله (٦). فإن كان له أصل، فإن معناه: أن الرجل وصف امرأته بالخُرق (٧) وضعف الرأي وتضييع ماله، فهي لا تمنعه [من طالب] (٨)، ولا تحفظه من سارق (٩).

стр. 9145

هذا عندنا مذهب الحديث. وإن كان الآخر مقولًا (١).

стр. 9146

وهو (١) أشبه بالنبي ﷺ ، وأحرى أن يظن بحديثه. ولو كان في الحديث أنها لا تمنع لامسًا أو فرج لامس؛ كان اللمس محمولًا على الجماع، ولكنه قال: يد لامس. ويحمل على ما تأوّلنا، وقد وجدنا له شاهدًا في أشعار العرب، قال جرير بن الخطفى: ألستم لئامًا إذ ترومون جاركم (٢) ... ولولاهم لم يدفعوا كفَّ لامس (٣)

стр. 9147

أراد أنكم لا تمنعون ظالمًا ولا أحدًا يريد أموالكم. انتهى كلامه (١). وعلى ما ذكرنا المراد بالنكاح في الآية: التزويج. [وروي عن] (٢) ابن عباس -في هذه الآية- طريق آخر، وهو ما روى سعيد (٣) بن جبير -في هذه الآية- قال: ليس هذا في التزويج، إنما هو في الجماع، لا يجامعها إلا زان أو مشرك، قال: الزاني لا يزني إلا بزانية (٤). ونحو هذا روى سلمة (٥) عن الضحاك -في تفسير هذه الآية- قال: لا يزني حين يزني إلا بزانية مثله، ولا تزني حين تزني إلا بزان مثلها (٦).

стр. 9148

وروي عن يزيد بن هارون أنه قال: هذا عندي إن جامعها وهو (١) مستحل فهو مشرك، وإن (٢) جامعها وهو محرِّم فهو زان (٣). وهذا التأويل لا يعترض النسخ على الآية. قال أبو عبيد: يذهب (٤) ابن عباس في رواية سعيد بن جبير (٥) إلى أن قوله ﴿لَا يَنْكِحُ﴾ إنما هو الجماع، ولا يذهب به إلي التزويج، والكلمة محتملة للمعنيين جميعًا في كلام العرب، والله أعلم (٦). وقال أبو إسحاق: قول من قال: إنَّ معنى النكاح هاهنا: الوطء يبعد؛ لأنه لا يعرف شيء من ذكر النكاح في كتاب الله إلا على معنى التزويج كقوله ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ [النور: ٣٢] ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولو كان المعنى على الوطء لما كان في الكلام فائدة؛ لأن القائل إذا قال: "الزانية لا تزني إلا بزان، والزاني لا يزني إلا بزانية" فليست فيه فائدة إلا على وجهة التغليظ للأمر، كما تقول للرجل الذي قد عرف بالكذب: هذا كذاب، تريد به تغليظ (٧) أمره، والذي فيه الفائدة وتوجيه اللغة أنَّ المعنى معنى التزويج (٨). وروي عن الحسن أنه قال -في تفسيره هذه الآية- الزاني إذا أقيم عليه

стр. 9149

الحدّ لا يزوج إلا بامرأة قد أقيم عليها الحد، وذلك المرأة إذا أقيم عليها الحد لا تزوج إلا برجل مثلها (١). هذا معنى قول الحسن في تفسير الآية، وقد حملها على المحدود والمجلود. وهذا الذي ذكرنا هو ما روي عن الأئمة والمتقدمين في هذه الآية. والاختيار هو القول الأول الذي منع المسلمون من مناكحة أولئك الزواني والمشركات المعلنات بالزنا. ومعنى قوله ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] أن من تزوج زانية أو مشركة من أولئك فهو زان؛ لأن ذلك النكاح فاسد وحكمه حكم السفاح، وذكر بلفظ التأكيد وليس المعنى على ظاهر اللفظ؛ لأن الزاني يجوز أن يتزوج غير زانية ولا مشركة، ولكن المعنى أنّ من تزوج واحدة منهن فهو زان، كأنه قيل: لا ينكح الزانية والمشركة إلا زان. فقلت الكلام، ثم ذكر غير مقلوب إعادة للبيان والتأكيد وهو قوله ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]. قوله ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] أي (٢) ذلك النكاح. وقيل: حرم الزنا على المؤمنين. وهذا معنى (٣) قول مجاهد (٤) وابن عباس (٥) -في

стр. 9150

رواية عطاء-: أن الآية خاصة في تحريم أولئك الزواني المعروفة. وتخبط صاحب النظم في هذه الآية، وأتى بكلام مستكره (١) لم يفد في شيء منه إلا في وجه بعيد ذكره من القلب على غير ما ذكرنا، وهو أنه قال: يعرض في هذه الآية بعض القلب كما عرض في قوله ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] [على تأويل: ما كان الله ليتخذ من ولد] (٢) فيكون التأويل في قوله ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] أي الناكح (٣) زانية أو مشركة لا يكون إلا زانيًا؛ بمعنى: من نكح زانية أو مشركة فهو زان؛ لأنَّه لا ينكح زاينة إلا وهو راض بزناها، ولا يكون راضيًا بزناها إلا وهو أيضًا يزني، وذلك لا ينكح مشركة إلا وهو راض بالزنا، لأن المشركة محرمة عليه. وذلك المرأة إذا نكحت زانيًا أو مشركًا فقد رضيت بذلك، ولا تكاد ترضى به إلا وهي تفعله. هذا [كلامه] (٤) . ٤ - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ القول في محل (الذين) من الإعراب كالقول في محل (الزانية والزاني) في قوله ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ الآية (٥). قال الكلبي: ﴿يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ يقذفون بالفرية الحراير المسلمات العفايف عن الفواحش (٦). وهذا قول المفسرين (٧).

стр. 9151

قال أبو إسحاق: ومعنى ﴿يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي: بالزنا، ولكنه لم يقل: بالزنا؛ لأن فيما تقدم من (١) ذكر الزانية والزاني دليلًا على أن المعنى ذلك (٢). قال ابن الأعرابي: يقال: رمى فلان فلانًا بأمر قبيح، أي: قذفه، ومنه قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، معناه القذف (٣). واعلم أن الإحصان المشروط في المقذوف (٤) أو المقذوفة حتى يجب الحد على القاذف خمسة أوصاف: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، والعفة عن الزنا (٥). فإن فقد وصف من هذه الأوصاف لم يجب حد القذف على (٦) القاذف، وعليه التعزيز، وما كان تعزيرًا فلا يكون فرضًا. ويشترط في القاذف لوجوب حد القذف شرطين: البلوغ والعقل. فإذا انضم إليهما الحرية كمل الحد ثمانين جلدة، وإذا كان مملوكًا فعليه أربعون جلدة (٧).

стр. 9152

قال مقاتل: يجلد بين الضربين على ثيابه (١). وقال قتادة: يخفف في حد الشراب والفرية (٢). وقال حمّاد: يحد القاذف والشارب وعليهما ثيابهما (٣). قوله تعالى ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا﴾ على ما رموهن به ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾. قال المفسرون: عدول يشهدون عليهن أنهن رأوهن يفعلن (٤) ذلك (٥) . ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ يعني الذين يرمون بالزنا ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ المحدود في القذف لا تقبل شهادته. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال ابن عباس: الكاذبون (٦). وقال مقاتل: العاصون في مقالتهم (٧). ٥ - ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الآية. اختلف العلماء والمفسرون في حكم هذا الاستثناء: فذهب كثير (٨) منهم إلى أنَّ هذا الاستثناء راجع إلى رد الشهادة والفسق، وقالوا: إذا تاب قبلت شهادته وزال فسقه. وذهب كثير منهم إلى أن الفسق يزول بالتوبة، وأما الشهادة فلا تقبل أبدًا.

стр. 9153

روى عطاء الخراساني عن ابن عباس في هذه الآية قال: فتاب عليهم من الفسق، فأما الشهادة فلا تجوز (١). وهذا قول شريح، وإبراهيم، والحسن، وقتادة، وسعيد بن المسيب (٢).

стр. 9154

وهذا قول من رأى أن التوبة إنما نسخت الفسق وحده (١)، وقالوا: إنه قضاء من الله أن (٢) لا تقبل شهادته أبدًا، وإنما توبته فيما بينه وبين الله. وقد رأى آخرون أنها نسخت الفسق وإسقاط الشهادة معًا (٣). روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ قال: فمن تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله تقبل (٤). وروى محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن

стр. 9155

عمر بن الخطاب ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة، وهم: أبو بكرة (١)، وشبل بن معبد (٢)، ونافع بن الحارث بن كلدة (٣). ثم قال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل ومن لم يفعل لم أجز شهادته. فأكذب شبل نفسه ونافع وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل فكان لا تقبل شهادته (٤). وهذا قول الزهري (٥)، والقاسم بن

стр. 9156

محمد (١)، وسالم بن عبد الله (٢)، ومحارب بن دثار (٣)، وحبيب بن أبي ثابت (٤)، وابن أبي نجيح (٥)، وعطاء (٦)، وطاووس (٧)،

стр. 9157

والشعبي (١)، وعكرمة (٢)، ومجاهد (٣)، وعبد الله (٤) بن عتبة (٥)،

стр. 9158

والضحاك (١): وقول أهل الحجاز جميعًا (٢)، واختيار الشافعي ﵁ (٣). والأول قول أهل العراق (٤)، واختيار أبي حنيفة ﵁ (٥). قال أبو عبيد: وكلا الفريقين إنما تأوّل الآية (٦)، فالذي لا يقبلها يذهب إلى أن الكلام انقطع من عند قوله ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ ثم استأنف فقال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فأوقع التوبة على الفسق خاصة دون الشهادة، وأما الآخرون فذهبوا إلى أن الكلام معطوف بعضه على بعض فقال ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، ثم أوقعوا الاستثناء في التوبة على كل الكلام ورأوا (٧) أنَّه منتظم له.

стр. 9159

قال أبو عبيد: والذي يُختار هذا القول؛ لأن من قال به أكثر وأعلى، منهم عمر بن الخطاب فمن وراءه، مع أنه في النظر على هذا (١)، ولا يكون المتكلم بالفاحشة أعظم جرمًا من راكبها، ألا ترى أنهم لا يختلفون في العاهر أنه مقبول الشهادة إذا تاب، فراميه بها أيسر جرمًا إذا نزع عما قال وأكذب نفسه؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا قبل الله التوبة من عبده كان العباد بالقبول أولى. مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن؛ من ذلك: قوله ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤] فليس يختلف المسلمون أن هذا الاستثناء ناسخ للآية من أولها، وأن التوبة لهؤلاء جميعًا بمنزلة واحدة. وكذلك قوله في الطهور حين قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] فصار التيمم لاحقًا بمن وجب عليه الاغتسال كما (٢) لحق من وجب عليه الوضوء، كذلك قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ إلى آخر الآية كلام واحد بعضه معطوف على بعض وبعضه تابع بعضًا، ثم انتظمه الاستثناء وأحاط به. انتهى كلامه (٣). واختار أبو إسحاق هذا القول أيضًا، فقال: إذا استثنوا من الفاسقين خاصة (٤) فقد وجب قبول شهادتهم أيضًا؛ لأنهم قد زال عنهم اسم

стр. 9160

الفسق (١). قال: والقياس أيضًا هذا؛ لأن الله يقول في الشهادات ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فليس القاذف بأشد جرمًا من الكافر، فحقّه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته، كما أن الكافر إذا أسلم وأصلح قبلت شهادته. فإن قال قائل: فما الفائدة في قوله ﴿أَبَدًا﴾؟ قيل: الفائدة أن الأبد لكل إنسان مقدار مدته في حياتهن ومقدار مدته فيما يتصل بقصته، فتقول: الكافر لا تقبل منه (٢) شيئًا أبدًا، معناه: ما دام كافرًا فلا تقبل منه شيئًا (٣)، وكذلك إذا قلت: القاذف لا تقبل منه شهادة أبدًا، فمعناه: ما دام قاذفًا، فإذا زال عنه الكفر فقد زال عنه أبده، وإذا زال عنه الفسق (٤) فقد زال أبده، لا فرق بينهم في ذلك (٥). وهذا الذي ذكره معنى قول الشافعي ﵁: وإذا قبلتم توبة الكافر والقاتل عمدًا فكيف لا تقبلون شهادة القاذف وهو أحسن دينا! وقد قال الشعبي: يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته (٦).

стр. 9161

واختلفوا في كيفية توبته: فقال طاووس: توبته أن يكذب نفسه (١). وقال عامر: توبته أن يقوم مثل مقامه يكذب (٢) نفسه (٣). وقال آخرون: التوبة منه كالتوبة من سائر الذنوب يندم على ما قال، ويستغفر منه، ويترك العود فيما بقي من العمر (٤). هذا كله إذا حدَّ بقذفه. فأما إذا لم يحد بعفو المقذوف عنه أو بموته قبل أن يطالب القاذف بحدٍّ أو لم يرفع إلى السلطان فإن شهادته تقبل. بهذا احتج الشافعي -رحمة الله عليه (٥) - فقال: هو قبل أن يحد شر منه [حين يحد] (٦) لأن الحدود كفارات فكيف تردونها في أحسن حاليه (٧). يعني بعد الحد والتوبة. قوله ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ قال ابن عباس: يريد إظهار التوبة (٨).

стр. 9162

وقال مقاتل: وأصلحوا العمل فليسوا بفساق (١). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال ابن عباس: ﴿غَفُورٌ﴾ لذنبهم، يعني لقذفهم ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم حيث تابوا (٢). "فلما نزلت هذه الآية قرأها النبي ﷺ على الناس في خطبة (٣) يوم الجمعة، فقال عاصم بن عدي الأنصاري (٤) - للنبي ﷺ : جعلني الله فداك، لو أن رجلاً منا وجد على بطن امرأته رجلاً (٥)، فتكلم وأخبر بما رأى جلد (٦) ثمانين جلدة، وسماه المسلمون فاسقًا، ولا تقبل له شهادة أبدًا، فكيف لأحدنا عند ذلك بأربعة شهداء؟ إلى أن يلتمس أربعة شهداء فقد فرغ الرجل من حاجته! فقال النبي ﷺ : "كذلك أنزلت يا عاصم بن عدي". فخرج عاصم سامعًا مطيعًا، فلم يصل إلى منزله حتى استقبله هلال بن أمية يسترجع، فقال: ما وراءك؟ فقال: شر! وجدت شريك بن السحماء (٧) على

стр. 9163

بطن امرأتي خولة (١) يزني بها!. وهي (٢) خولة بنت (٣) عاصم (٤). قال: هذا - والله (٥) سؤالي النبي ﷺ أنفًا. فرجع إلى النبي ﷺ وأخبره (٦) هلال بن أمية بالذي كان، فبعث إليها، فقال: "ما يقول زوجك"؟ فقالت: يا رسول الله إنّه رآني وشريكًا نطيل السهر ونتحدث، فلا أدري أدركته المغيرة أو بخل علي بالطعام؟ فأنزل الله آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. وهذا قول ابن عباس في رواية جويبر، عن الضحاك، عنه (٧).

стр. 9164

وقال مقاتل (١)، وآخرون (٢): الذي وجد امرأته مع شريك بن

стр. 9165

السحماء (١): عويمر (٢) ابن عم لعاصم بن عدي، وامرأته خولة بنت قيس بن محصن (٣). وكان عويمر وخولة وشريك كلهم بني عم عاصم. وأما قصة هلال بن أمية: فروى عكرمة، عن ابن عباس قال: لمَّا نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قال سعد بن عبادة: أهكذا نزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "يا معشر الأنصار ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم"؟ فقال سعد: والله -يا رسول الله- إني لأعلم (٤) أنها حق وإنّها من الله. ثم ذكر نحو حديث عاصم لرسول الله ﷺ ، فما لبثوا إلا (٥) يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية -وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم- فقذف امرأته بشريك بن عبدة، وأمه السحماء، فقال رسول الله ﷺ : "البينة وإلا حد في ظهرك". فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن في أمري ما يبرئ ظهري من الحد. فنزلت آية اللعان (٦).

стр. 9166

وقال الكلبي: الذي وجد امرأته مع شريك هو عاصم بن عدي، رجع يومًا إلى أهله فوجده على بطن امرأته، فأتى النبي ﷺ وأخبره بما رأى فنزل آية اللعان (١). وهذه ثلاثة أقوال في الواجد امرأته مع رجل: أحدها (٢): أنه هلال بن أمية. والثاني: أنه عويمر العجلاني. والثالث: أنه عاصم (٣).

стр. 9167

واتفقوا على أن الموجود زانيًا هو شريك. والأظهر أن الواجد كان عويمر لكثرة ما روي أن النبي ﷺ لاعن بين العجلاني وامرأته (١). ٦ - فأما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ أي بالزنا ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ يشهدون على صحة ما قالوا ﴿إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ وتقرأ (أربع شهادات) بالنصب (٢). قال أبو إسحاق: من قرأ بالرفع فعلى خبر الابتداء، المعنى: فشهادة أحدهم التي تدرأ حدّ القاذف أربع، والدليل على هذا قوله ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا

стр. 9168

الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾. ومن نصب أربعًا فالمعنى: فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات، [وعلى معنى: فالذي يدرأ عنهم (١) العذاب أن يشهد أحدهم أربع شهادات] (٢). بالله. هذا كلامه (٣). وشرحه أبو علي -وزاد فيه- فقال: من نصب قوله (أربع شهادات) نصبه بالشهادة، وينبغي أن يكون قوله ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ مبنيًّا على ما يكون مبتدأ (٤) تقديره: فالحكم أو فالفرض (٥) أن يشهد أحدهم أربع شهادات، أو فعليهم أن يشهدوا. وإن شئت حملته على المعنى؛ لأن المعنى: يشهد أحدهم، فقوله (باللهِ) يجوز أن يكون من صلة الشهادة ومن صلة الشهادات إذا نصبت الأربع، وقياس من أعمل الثاني. يعني حيث يجتمع فعلان لا في هذه الآية (٦). أن يكون قوله (باللهِ) من صلة شهادات وحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، كما تقول: ضربت وضربني زيد. ومن رفع فإن الجار والمجرور من صلة شهادات، ولا يجوز أن يكون من صلة شهادة لأنك إن وصلتها بالشهادة فقد فصلت بين الصلة والموصول ألا ترى أنَّ الخبر الذي هو أربع شهادات يفصل (٧). وقوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في قول من نصب (أربع شهادات) يجوز

стр. 9169

أن يكون من صلة (شهادة أحدهم)، فتكون الجملة التي هي من ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في موضع نصب؛ لأن الشهادة كالعلم فتتعلق بها (إنَّ) كما تتعلق بالعلم، والجملة في موضع نصب بأنه مفعول به، و (أربع شهادات) تنتصب انتصاب المصدر. ومن رفع (أربع شهادات) لم يكن قوله (١) ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في موضع نصب إلَّا من صلة شهادات دون صلة شهادة؛ لأنك إن جعلته من صلة شهادة) فصلت بين الصلة والموصول (٢). وأما تفسير قوله: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨]: فروى عكرمة، عن ابن عباس: أن هلال بن أمية لما قذف زوجته بشريك بن السحماء أراد رسول الله ﷺ أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي، فقال: "أبشر يا هلال قد جعل الله لك فرجًا ومخرجًا". فقال هلال: قد كنت أرجو ذاك من ربي. فقال رسول الله ﷺ : "أرسلوا إليها" فأرسلوا إليها فجاءت، فتلاها رسول الله ﷺ عليهما، وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا. فقال هلال (٣): والله يا رسول الله لقد صدقت عليها: فقالت: كذب. فقال رسول الله ﷺ : "إنّ الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ " فقال هلال: صدقت (٤)، وما قلت إلَّا حقًّا. فقال رسول الله ﷺ : "لاعنوا بينهما"، فقيل لهلال: اشهد. فشهد أربع

стр. 9170

شهادات بالله إنه لمن الصادقين فلما كان في الخامسة قيل لهلال (١): يا هلال، اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإنّ هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب. فقال: والله لا يعذبني (٢) عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله ﷺ فشهد الخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم قيل لها: اشهدي فشهدت أربع شهادات إنه لمن الكاذبين. فلما كانت الخامسة قيل لها: اتقي الله. كما قيل لهلال، فتلكأت ساعة، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر (٣) اليوم، فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرّق رسول الله ﷺ بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، ولا ترمى هي ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد. [قال عكرمة] (٤): فكان بعد ذلك أميرًا على مصر ولا يدعى لأب (٥).

стр. 9171

وأما من قال إن القاذف زوجته بالزنا هو عويمر بن أمية، قال: لما نزلت (١) آيات (٢) اللعان قال رسول الله ﷺ للزوج والمرأة: "قوما فاحلفا بالله"، فقام الزوج عند المنبر في صلاة العصر يوم الجمعة قال: أشهد بالله إن خولة لزانية، وإني لمن الصادقين، وقال في الثانية: أشهد بالله إني رأيت شريكًا على بطنها وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثالثة: أشهد بالله إنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين، ثم قال في الرابعة: أشهد بالله أني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإنّي (٣) لمن الصادقين، ثم قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر إن كان من الكاذبين عليها في قوله. ثم قامت خولة مقام زوجها فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن زوجي لمن الكاذبين، أشهد بالله أنه (٤) ما رأى شريكًا على بطني وإنه لمن الكاذبين، أشهد الله إنّي حبلى منه وإنّه لمن الكاذبين، أشهد بالله أنه ما رآني على فاحشة قط وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الخامسة: غضب الله على خولة إن كان من الصادقين. ففرّق رسول الله ﷺ بينهما (٥). ٧ - قوله تعالى ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ قال ابن عباس: وذلك أن الرجل يذكر أنه رأى مع امرأته رجلاً أربع مرات، ثم

стр. 9172

يقول في الخامسة: اللهم ألعنه إن كان كذب عليها. وقرأ نافع (أن) مخففة (لعنة الله) بالرفع (١). قال أبو الحسن: لا أعم الثقيلة إلا أجود في العربية؛ لأنك إذا خففت فالأصل عندك التثقيل فتخفف وتضمر، فأن تجيء بما عليه في المعنى ولا تكون أضمرت ولا حذفت شيئاً أجود، وكذلك ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ١٠] وجميع ما في القرآن مما يشبه هذا (٢). قال أبو علي: فأمّا قراءة نافع فقال سيبويه (٣): لا تخفف (أن) في الكلام أبدًا وبعدها الأسماء إلا وأنت تريد الثقيلة على إضمار القصة فيها كقوله: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وعلى هذا قول الأعشى (٤):

стр. 9173

أن هالك كل من يحفى وينتعل وإنما خففت الثقيلة المفتوحة على إضمار القصة والحديث (١). وقد ذكرنا هذا في مواضع. قال ابن عباس: فإذا قال الرجل ذلك وقع العذاب عليها [إلا أن تحلف أربع مرات كما حلف إنه لمن (٢) الكاذبين عليّ، فذلك قوله] (٣). ٨ - ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [أي ويدفع عنها الحد] (٤) ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ تقول المرأة أربع مرات (٥): أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما قذفني به (٦)؛ وتقول في الخامسة: علي غضب الله إن كان من الصادقين، فذلك قوله: ٩ - ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.

стр. 9174

وقرأ حفص عن عاصم (وَالْخَامِسَةَ) نصبًا (١) بالحمل على ما في الكلام من معنى الفعل كأنه: ويشهد الخامسة، يضمر هذا الفعل لأن في الكلام دلالة عليها. ولم يختلفوا في (وَالْخَامِسَةَ) الأولى أنها مرفوعة، وذلك أنه لا يخلو من أن يكون ما قبله من قوله ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ مرفوعًا أو منصوبًا. فإن كان مرفوعًا أتبع الرَّفع ويكون محمولًا على ما قبلها من الرفع. وإن كان منصوبًا قطع عنه ولم يحمل على النصب، وحمل الكلام على المعنى، لأن معنى (٢) قوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾: عليهم أربع شهادات وحكمهم أربع شهادات والخامسة فتحمله على هذا، كما أنَّ قوله: إلاَّ رواكد جمرهن هباء (٣).

стр. 9175

معناه: ثم رواكد. فحمل قوله: ومشجج أما سواء قذاله (١). عليه ويجوز في القياس نصب (الخامسة) الأولى رفع (أربع شهادات) أو نُصب. فإن نصب فبالعطف على المنصوب، وإن رفع فعلى المعنى، لأن معنى ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ يشهد أحدهما أربع شهادات ويشهد الخامسة. فتنصبه (٢) بما في الكلام من الدلالة على هذا الفعل (٣). وقرأ نافع (أن) مخففة (غضب الله) على الفعل (٤). و (أن) هاهنا هي المخففة من الثقيلة، وأهل العربية يستقبحون أن تلي الفعل حتى يفصل
следующие страницы →