← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.

стр. 9171

وأما من قال إن القاذف زوجته بالزنا هو عويمر بن أمية، قال: لما نزلت (١) آيات (٢) اللعان قال رسول الله ﷺ للزوج والمرأة: "قوما فاحلفا بالله"، فقام الزوج عند المنبر في صلاة العصر يوم الجمعة قال: أشهد بالله إن خولة لزانية، وإني لمن الصادقين، وقال في الثانية: أشهد بالله إني رأيت شريكًا على بطنها وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثالثة: أشهد بالله إنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين، ثم قال في الرابعة: أشهد بالله أني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإنّي (٣) لمن الصادقين، ثم قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر إن كان من الكاذبين عليها في قوله. ثم قامت خولة مقام زوجها فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن زوجي لمن الكاذبين، أشهد بالله أنه (٤) ما رأى شريكًا على بطني وإنه لمن الكاذبين، أشهد الله إنّي حبلى منه وإنّه لمن الكاذبين، أشهد بالله أنه ما رآني على فاحشة قط وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الخامسة: غضب الله على خولة إن كان من الصادقين. ففرّق رسول الله ﷺ بينهما (٥). ٧ - قوله تعالى ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ قال ابن عباس: وذلك أن الرجل يذكر أنه رأى مع امرأته رجلاً أربع مرات، ثم

стр. 9172

يقول في الخامسة: اللهم ألعنه إن كان كذب عليها. وقرأ نافع (أن) مخففة (لعنة الله) بالرفع (١). قال أبو الحسن: لا أعم الثقيلة إلا أجود في العربية؛ لأنك إذا خففت فالأصل عندك التثقيل فتخفف وتضمر، فأن تجيء بما عليه في المعنى ولا تكون أضمرت ولا حذفت شيئاً أجود، وكذلك ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ١٠] وجميع ما في القرآن مما يشبه هذا (٢). قال أبو علي: فأمّا قراءة نافع فقال سيبويه (٣): لا تخفف (أن) في الكلام أبدًا وبعدها الأسماء إلا وأنت تريد الثقيلة على إضمار القصة فيها كقوله: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وعلى هذا قول الأعشى (٤):

стр. 9173

أن هالك كل من يحفى وينتعل وإنما خففت الثقيلة المفتوحة على إضمار القصة والحديث (١). وقد ذكرنا هذا في مواضع. قال ابن عباس: فإذا قال الرجل ذلك وقع العذاب عليها [إلا أن تحلف أربع مرات كما حلف إنه لمن (٢) الكاذبين عليّ، فذلك قوله] (٣). ٨ - ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [أي ويدفع عنها الحد] (٤) ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ تقول المرأة أربع مرات (٥): أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما قذفني به (٦)؛ وتقول في الخامسة: علي غضب الله إن كان من الصادقين، فذلك قوله: ٩ - ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.

стр. 9174

وقرأ حفص عن عاصم (وَالْخَامِسَةَ) نصبًا (١) بالحمل على ما في الكلام من معنى الفعل كأنه: ويشهد الخامسة، يضمر هذا الفعل لأن في الكلام دلالة عليها. ولم يختلفوا في (وَالْخَامِسَةَ) الأولى أنها مرفوعة، وذلك أنه لا يخلو من أن يكون ما قبله من قوله ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ مرفوعًا أو منصوبًا. فإن كان مرفوعًا أتبع الرَّفع ويكون محمولًا على ما قبلها من الرفع. وإن كان منصوبًا قطع عنه ولم يحمل على النصب، وحمل الكلام على المعنى، لأن معنى (٢) قوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾: عليهم أربع شهادات وحكمهم أربع شهادات والخامسة فتحمله على هذا، كما أنَّ قوله: إلاَّ رواكد جمرهن هباء (٣).

стр. 9175

معناه: ثم رواكد. فحمل قوله: ومشجج أما سواء قذاله (١). عليه ويجوز في القياس نصب (الخامسة) الأولى رفع (أربع شهادات) أو نُصب. فإن نصب فبالعطف على المنصوب، وإن رفع فعلى المعنى، لأن معنى ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ يشهد أحدهما أربع شهادات ويشهد الخامسة. فتنصبه (٢) بما في الكلام من الدلالة على هذا الفعل (٣). وقرأ نافع (أن) مخففة (غضب الله) على الفعل (٤). و (أن) هاهنا هي المخففة من الثقيلة، وأهل العربية يستقبحون أن تلي الفعل حتى يفصل

стр. 9176

بينها (١) وبين الفعل شيء. ويقولون: يستقبح أن تخفف ويحذف ما تعمل فيه وأن تلي ما لم تكن تليه من الفعل بلا حاجز بينهما، فتجتمع هذه الاتساعات فيها. فإن فصل بينها وبين الفعل بشيء لم يستقبحوا ذلك، كقوله ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل: ٢٠]، ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾ [طه: ٨٩]، وعلمت أن قد قام. فإذا فصل بشيء من هذا النحو بينه وبين الفعل زال بذلك أن تلى ما لم يكن حكمها أن تليه. فإن قلت: فقد جاءت ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وجاء ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٨]؟ فإن "ليس" تجري مجرى "ما" ونحوا مما ليس بفعل. وأما ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ﴾ فإن قوله (بُورِكَ) على معنى الدعاء فلم يجز دخول "لا" ولا "قد" ولا "السين" ولا شيء مما يصح دخوله في (٢) الكلام فيصح به الفصل. وهذا مثل (٣) ما (٤) حكى سيبويه (٥) من قولهم: أما أن جزاك الله خيرًا. فلم يدخل شيء من هذه الفواصل من حيث لم يكن موضعًا لها، وغير الدعاء في هذا ليس كالدعاء. ووجه قراءة نافع أنَّ ذلك قد جاء في الدعاء ولفظه الخبر، وقد يجيء في الشعر من غير الفصل (٦).

стр. 9177

وأما أحكام اللعان: فاعلم أن اللعان يعتمد القذف، فلا يتصور لعان ما لم يتقدم قذف، ولا فرق بين أن يكون ذلك القذف بصريح الزنا على جهة المطاوعة، وبين (١) أن يكون بوطء شبهة أو بوطء كانت مستكرهة فيه لأن ذلك كله وطء حرام؛ فإذا قذف زوجته لزمه الحد وله التخلص منها بإقامة البينة أو باللعان. فإن (٢) أقام البيّنة على زناها لزمها الحد، وإن التعيين لزمها الحد أيضًا، ولها التخلص منه باللعان (٣). ولا يكون اللعان إلا مغلّظا بالزمان والمكان، فإن كان بمكة فعند (٤) المقام، وإن كان بالمدينة فعلى المنبر، وكذلك في كل بلدة، وينبغي أن يكون بعد العصر يوم الجمعة أو [في أي] (٥) وقت من الأوقات الشريفة (٦).

стр. 9178

ولا يجزئ اللعان إلا بين يدي سلطان أو نائب عن السلطان (١). وتكون البداية بالزوج كما ذكر الله في كتابه (٢). وكل زوج كان من أهل الطلاق كان من أهل اللعان، عبدًا كان أو حرًا، ذميًّا كان (٣) أو مسلمًا، محدودًا في القذف أو غير محدود؛ لأن اللعان عند الشافعي أيمان وإن كان فيها شوب (٤) شهادة (٥). ويؤمر الزوج فيصعد المنبر والمرأة جالسة، فيقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به فلانة بنت فلان هذه (٦) -ويشير إليها- من الزنا بفلان بن فلان. فيسقط عنه حد قذف فلان إذا ذكره في اللعان، ثم يعيد الشهادة أربع مرات (٧). وإن كان بها حمل فالصحيح من مذهب الشافعي أن يذكر الحمل في اللعان فينتفي (٨). وكانت امرأة العجلاني حاملًا فلاعنها [على الحمل] (٩)

стр. 9179

وانتفى النسب. فإذا انتهى إلى ذكر اللعنة في الخامسة خوفه القاضي وعرَّفه أنها موجبة، وأمر بعض من يحضر بوضع اليد على فمه إذا أراد أن يمضي على اللعنة (١). والسنة أن يكون بمحضر خلق؛ فإن الصبيان حضروا على عهد رسول الله ﷺ (٢). وإن نكل عن اللعان ولم يتمم وجب عليه حد القذف إن (٣) كانت محصنة. ولا تقوم أكثر كلمات اللعان مقام الجميع (٤). وإن أكمل توجَّه (٥) عليها حدّ الزنا كما يتوجه بالبينة إلا أن يعارض اللعان باللعان فتدفع بذلك حدّ (٦) الزنا عن نفسها. هذا معنى قوله ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، ثم يذكر الغضب في الخامسة. وإن نكلت عن كلمة من كلمات اللعان فكأنها نكلت عن جميع اللعان. وأيهما نكل فاشتغلنا بإقامة الحد وأقمنا فقال: دعوني ألتعن، كان ممكنًا من اللعان بخلاف النكول عن الأيمان لا يعود حق اليمين بعد ما تحقق من النكول. وهذا من شوب (٧) الشهادات في اللعان، والشهادة

стр. 9180

مسموعة مقبولة (١) متى ما أقيمت (٢). ولا يحبس واحد منهما إذا نكل ليلتعن، ولكن يعاقب هذا بحد القذف وهذه بحد الزنا (٣). وإذا تكامل لعان الزوج اندفع عنه حد القذف، وانتفى نسب الولد المذكور في اللعان مولودًا كان أو حملاً، وارتفع الفراش، ولا حاجة إلى تطليق القاضي وتفريقه (٤). ثم لا يجتمعان بعد ذلك أبدًا. قال رسول الله: "المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا" (٥).

стр. 9181

وإن أكذب الزوج نفسه فإنما يؤثر تكذيبه فيما عليه، وهو عود النسب ووجوب الحد، ولا يؤثر فيما له وهو ارتفاع التحريم وعود الفراش (١). ولا يتعلق بلعان المرأة إلا سقوط الحد عنها (٢). وإن أغفل ذكر الولد في اللعان استأنف (٣) اللعان (٤). وإن قذفها بزنا قبل النكاح فعليه الحد ولا لعان (٥). وإن ارتفع النكاح بطلاق رجعي فالقذف واللعان في عدة الرجعية حكمها حكم ما يكون في صلب النكاح، وأما القذف بعد البينونة فإنه موجب للحد ولا لعان، إلا أن يكون ولد فله اللعان عند الشافعي لنفي النسب (٦). وكذلك اللعان في النكاح الفاسد يجري لنفي الولد (٧). وإذا قذف أربع زوجات فجمعهن في اللعان ورضين بذلك كان

стр. 9182

جائزًا (١) وفرقة اللعان فسخ (٢)؛ لأنه جاء بفعل من قبل المرأة. وقال أبو حنيفة: اللعان (٣) تطليقة بائنة لأنه من قبل الرجل بدأ (٤). والله أعلم. ١٠ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ قال الفراء: (لولا) هاهنا متروك الجواب؛ لأنه معلوم المعنى. وكذلك كل ما كان معلوم الجواب فإن العرب تكتفي بترك جوابه، ألا ترى أن الرجل ليشتم صاحبه فيقول المشتوم: أما والله لولا أبوك، فيعلم أنه يريد لشتمتك، فمثل هذا يترك جواب، وقد قال بعد ذلك فبيّن جواب وهو قوله ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤] ﴿مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [النور: ٢١] فذلك يبين لك المتروك (٥). وقال المبرد: تأويله -والله أعلم- لهلكتم، أو لم يبق لكم باقية، أو لم يصلح لكم أمر، أو ما أشبه ذلك من الوعيد المرجع، فحذف لأنه (٦) لا يشكل (٧). وأنشد لجرير فقال:

стр. 9183

كذب العواذل لو رأين مناخنا ... بحزيز رامة والمطيُّ سوامي (١) وقد ذكرنا هذا مستقصى فيما تقدم. وقال أبو إسحاق: المعنى والله أعلم: لولا فضل الله عليكم لنال الكاذب منكم عذاب عظيم (٢). وهذا مما ذكره المبرّد لأن هذه الآية (٣) من تمام قصة اللعان فتقدير الجواب بما قدره أبو إسحاق أليق (٤) بما تقدم مما قدره المبرّد، وإن كان ذلك جائزًا (٥). قال ابن عباس: ولولا ستر الله عليكم ورحمته. قال مقاتل: (ونعمته) لأطلع على الكاذب منهما (٦).

стр. 9184

يعني: لولا أنّه ستر بفضله ورحمته لبيَّن الكاذب من الزوجين فيقام عليه الحد. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ يعود على من رجع عن معاصي الله إلى ما يجب بالرحمة. ﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه فيما فرض من الحدود. قاله ابن عباس. وقال مقاتل: ﴿حَكِيمٌ﴾ حكم بالملاعنة (١). ١١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ قال ابن عباس (٢) والمفسرون (٣): يعني بالكذب على عائشة أم المؤمنين ﵂. قال المبرد: الإفك أسوأ الكذب وأقبحه. وهو مأخوذ من أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه (٤). ومعنى القلب في هذا الحديث أن عائشة كانت تستحق الثناء بما كانت عليه من الحصانة وشرف السبب والنسب لا الرمي والقذف، فالذين رموها

стр. 9185

بالسوء قد (١) قلبوا الأمر عن وجهه (٢)، فهو (٣) إفك قبيح وكذب ظاهر. ومثله الأفيكة، والعرب تقول عند العجب من كذب إنسان: يا للأفيكة بكسر اللام وفتحها (٤). وقوله: ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ أي: جماعة منكم أيها المؤمنون. والذين ذكروا منهم مسمَّى في الآثار (٥): حسَّان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة (٦)، وحمنة بنت جحش (٧) أخت عبد الله بن جحش الأسدي، والمنافق عبد الله بن أبي.

стр. 9186

ذكرت عائشة ﵂ هؤلاء (١)، وذكرهم المفسرون: فقال ابن عباس: أربعة منكم (٢). وسمّاهم مقاتل بأسمائهم (٣). وقوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ لا تحسبوا الإفك شرًا لكم. قال مقاتل: لأنكم تؤجرون على ما قيل لكم من الأذى (٤). ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لأن الله يأجركم ويُظهر (٥) براءتكم. والمخاطب بقوله (٦) (لَّكُمْ) عائشة وصفوان (٧) فيما ذكر أهل التفسير (٨). وعلى هذا خوطبا مخاطبة الجمع.

стр. 9187

وقال أبو إسحاق: قوله (لَّكُمْ) يعني هي وصفوان ومن بسببها (١) من النبي ﷺ وأبي بكر (٢). ويكون الخطاب لكل من رُمي بسبب، وذلك أن من سبّ عائشة فقد سبَّ النبي ﷺ وسب أبا بكر. وهذا هو قول ابن عباس في رواية عطاء فقال: يريد خيرٌ لرسول الله، وبراءة لسيدة النساء أم المؤمنين، وخير لأبي بكر الصديق ﵁ وأم عائشة (٣)، ولصفوان بن المعطل (٤). وقوله ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ يعني من العصبة الكاذبة ﴿مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ جزاء ما اجترح من الذنب (٥). قال مقاتل: على قدر ما خاض فيه من أمر عائشة وصفوان (٦). وقوله ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ قال الفراء (٧): اجتمع القراء على كسر

стр. 9188

الكاف، وقرأ حميد الأعرج بضم الكاف (١)، وهو وجه جيِّد؛ لأن العرب تقول: تولى فلان عظم كذا، يريدون أكبره (٢) (٣). قال الأزهري: قاس (٤) الفراء الكبر على العظم، وكلام العرب على غيره، أخبرني المنذري، عن الحرَّاني، عن ابن السكيت قال: كبر الشيء معظمه بالكسر، وأنشد (٥) لقيس بن الخطيم: تنام عن كبر شأنها فإذا ... قامت رويدًا تكادُ تنغرف (٦)

стр. 9189

ومن أمثالهم: "كبر سياسة الناس في المال". قال (١): وأما الكبر بالضمَّ فهو أكبر (٢) ولد (٣) الرجل. يقال: الولاء للكبر (٤). ونحو هذا قال أبو عمرو بن العلاء، وخطَّأ من (ضمَّ) الكاف (٥). وقال الكسائي: الذي سمعناه بكسر الكاف، وأظن الضَّم لغة (٦). وقال أبو عبيدة: الكِبْر -بالكسر-: مصدر الكبير، وكبره معظمه. وبالضم مصدر الكبير في السن، فرقوا بينهما فقالوا: كبر قومه بالضم. وجعلها قوم بالضَّم (٧). وقال الليث: الكِبْر: الإثم الكبير، وكبر كل شيء عظمه (٨). فمن قرأ (كبره) قال: إثمه وخطاه، ومن قرأ بالضم قال: عظم هذا

стр. 9190

القذف (١). واختار الزَّجَّاج هذا القول وحكاه (٢). ومعنى ﴿تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ استبد بمعظمه وانفرد به. قال الضحاك: قام بإشاعة الحديث وإذاعته (٣). وهو معنى (٤) قول ابن عباس في رواية عطاء (٥). والذي تولى كبره مختلف فيه: فقال عطاء، عن ابن عباس: هو عبد الله بن أبي (٦). وهو قول مجاهد (٧)، ومقاتل (٨)، والسدي (٩). ورواية عروة عن

стр. 9191

عائشة، روى عنها في حديث الإفك أنَّها قالت: ثم ركبتُ، وأخذ صفوان بالزمام، فمررنا بملأ من المنافقين -وكانت عادتهم أن ينزلوا مُنْتَبِذين (١) من الناس- فقال عبد الله بن أبي رئيسهم: من هذه؟ قالوا: عائشة. قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقود بها. قالت: وهو الذي تولى كبره (٢). وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ يعني من العصبة الكاذبة. ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد في الدنيا الجلد. جلده رسول الله ﷺ ثمانين جلدة وفي الآخرة يُصيره الله إلى النار (٣).

стр. 9192

وقال قوم الذي تولى كبره هو (١) حسان بن ثابت (٢). روي عن مسروق قال: كنت عند عائشة فدخل حسان بن ثابت فألقي له وسادة فلما خرج قلت لعائشة: تدعين هذا الرجل يدخل عليكم وقد قال

стр. 9193

ما قال وأنزل الله فيه ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾! فقالت: وأي عذاب أشد من العمى؟ ولعل الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره. وقالت: إنّه كان يدفع عن رسول الله ﷺ (١). والقول هو الأول؛ لما روي عن الشَّعبي: أنه قيل لعائشة: إن حسان بن ثابت هو الذي تولى كبره؟. فقالت (٢): [معاذ الله] (٣)! سمعت رسول الله ﷺ يقول (٤): "إن الله ليؤيد حسان بروح القدس في شعره" (٥).

стр. 9194

١٢ - ثم أنكر على الذين خاضوا في الإفك فقال: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ هلّا إذ سمعتم أيها العصبة الكاذبة قذف عائشة بصفوان ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ من العصبة الكاذبة يعني حمنة وحسان ومسطحا. ﴿بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ قال الحسن (١): بأهل دينهم، لأنَّ المؤمنين كنفس واحدة، ألا ترى إلى قوله ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. قال الزجاج: وكذلك يقال للقوم الذين يقتل بعضهم بعضًا: إنَّهم يقتلون أنفسهم (٢). وهذا معنى قول مقاتل: ألا (٣) ظن بعضهم ببعض خيرًا بأنهم لا يزنون؟ (٤). على هذا المعنى (٥): ظن المؤمنون والمؤمنات بالمؤمنين الذين هم كأنفسهم (٦) خيرًا (٧). وهذا معنى قول ابن قتيبة: بأمثالهم من المسلمين (٨). وقال المبرد: ومثله قوله ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، [وقوله:

стр. 9195

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] (١). وروي عن بعض الأنصار: أن امرأة أبي أيوب قالت له: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب. أكنت يا أم أيوب فاعلة أنت (٢) ذلك؟ قالت: لا والله. قال: فعائشة -والله- خير منك. فلما نزل قوله ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] عرف أنه يعني أبا أيوب حين قال لأم أيوب ما قال (٣). وعلى (٤) هذا المعنى: ظنوا بأنفسهم خيرًا فيقولون (٥): نحن ما نأتي ما ترمى به عائشة وصفوان فهما أولى أن لا يأتيانه كما ظن أبو أيوب وامرأته وقالوا: هذا إفك مبين، كما قال أبو أيوب. وهذا معنى قول الكلبي: لولا إذ سمعتموه ظننتم بعائشة ظنكم بأنفسكم وعلمتم أنَّ أمكم لا تفعل ذلك، وقلتم: ﴿هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ أي: هذا القذف كذب بيّن. ١٣ - وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ هلّا جاء العصبة الكاذبة على قذفهم عائشة بأربعة شهداء يشهدون بأنهم عاينوا منها ما رموها

стр. 9196

به. وهذا يدل على أنَّ الزنا لا يثبت بأقل من أربعة شهود (١). ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ أي في حكم الله هم كاذبون. فدلّ هذا على أن القاذف إذا عجز عن إقامة البينة حكم بكذبه (٢). وسئل أحمد بن يحيى (٣) عن هذه الآية، وقيل: إذا رأى الرجل مع امرأته رجلًا وتيقّن الفاحشة ثم أخبر الإمام بذلك وعجز عن إقامة البينة فحدَّ أيكون عند الله كاذبًا؟ فقال: تأويل ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ في حكم الله، وقد فرض علينا أن نجريه مجرى الكاذبين وإن كان في معلوم الله أنه صادق، فإن صدقه مغيب عنّا، والغيب لا يعلمه إلا الله. ١٤ - ثم ذكر الذين قذفوا عائشة فقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ قال ابن عباس: يريد لولا ما منّ الله به عليكم وستركم (٤). ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ لأصابكم ([فِي مَا أَفَضْتُمْ] (٥) فِيهِ) فيما أخذتم فيه وخضتم فيه من الكذب والقذف. ويقال: أفاض القوم في الحديث إذا أخذوا فيه وأكثروا (٦).

стр. 9197

وذكرنا معاني الإفاضة عند قوله ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] وقوله ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]. وقوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في الدنيا والآخرة. ١٥ - قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. قوله (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ) "إذ" من صلة قوله (لَمَسَّكُمْ) (١)، وتقدير الكلام: لمسّكَم ذلك الوقت حين تلقَّونه بألسنتكم. قال مجاهد (٢)، ومقاتل (٣): إذ يرويه (٤) بعضكم عن بعض. وهو قول الكلبي، قال (٥): وذلك أنَّ الرجل منهم يلقى الرجل فيقول: بلغني كذا وكذا، يتلقَّونه تلقيا (٦). وقال الزَّجَّاج: معناه إذ يلقيه بعضكم إلى بعض (٧). وقال الفراء: كان الرجل يلقى الرجل فيقول: أما بلغك كذا وكذا، فيذكر قصة عائشة ﵂ لتشيع الفاحشة (٨).

стр. 9198

وقال ابن قتيبة: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ أي تقبلونه (١). وذكرنا معنى التلقي عند قوله ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ﴾ [البقرة: ٣٧]. قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ قال ابن عباس: أي ما يعلم الله خلافه (٢). وقال مقاتل: يقول (٣): من غير أن تعلموا أن الذي قلتم من القذف حق (٤). ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ وتظنون أنَّ القذف سهل لا إثم عليكم فيه (٥). ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ في الوزر (٦). قال ابن عباس: رموا سيدة النساء وأم (٧) المؤمنين وزوج رسول الله ﷺ فبهتوها بما لم يكن فيها، ولم يقع في قلبها قط، والله خلقها طيّبة، وعصمها من كل قبيح (٨). ١٦ - ثم زاد في الإنكار عليهم وقال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ وهلّا إذ سمعتم (٩) القذف لعائشة ﵂ ﴿قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا﴾ ما يحل وما

стр. 9199

ينبغي لنا ﴿أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾. ﴿سُبْحَانَكَ﴾ قال مقاتل: ألا نزّهتم الربّ عن أن يُعصَى (١). وقال غيره (٢): ﴿سُبْحَانَكَ﴾ (٣) -هاهنا (٤) - معناه: التَّعجب، كقول الأعشى: سبحان من علقمة الفاخر (٥) (٦)

стр. 9200

﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ قال ابن عباس: افتراء عظيم (١). وذكرنا معنى البهتان فيما تقدم (٢). ثم وعظ الذين خاضوا في الإفك: ١٧ - ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ قال ابن عباس -في رواية مِقْسَم (٣) -: يحرم الله عليكم أن تعودوا لمثله (٤). [ونحو هذا قال الكلبي. وقال مجاهد: ينهاهم الله أن يعودوا لمثله (٥)] (٦). وقال غيره: يحذركم الله (٧). وكل هذا معاني الوعظ، فإنَّ فيه التحذير والنهي والمنع. قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني أن من شرط الإيمان ترك قذف المحصنة، فإن آمنتم فلا تعودوا لمثل ما قلتم (٨). ١٨ - ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ قال ابن عباس: يعني التي أنزلها في

стр. 9201

عائشة وبراءتها (١). وقال الكلبي: ويبين الله لكم الآيات بالأمر والنهي (٢). ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما في قلوبكم من الندامة فيما خضتم فيه ﴿حَكِيمٌ﴾ حكم في القذف ثمانين جلدة. قاله ابن عباس (٣). وقال غيره: ﴿عَلِيمٌ﴾ بأمر عائشة وصفوان ﴿حَكِيمٌ﴾ حكم ببراءتهما (٤) (٥). ثم هدَّد القاذفين فقال: ١٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ أي: تفشو (٦). يقال: شاع الشيء شيُوعًا وشيعًا وشيعانًا وشيعوعة، إذا ظهر وتفرّق. والدم يقطر في الماء فيشيع فيه، أي: يتفرّق (٧). قال مقاتل: يعني أن يظهر الزنا، أحبّوا ما شاع لعائشة من الثناء

стр. 9202

السيىءّ (١). قوله ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عباس: يريد المحصنين والمحصنات (٢). والمعنى: يحبون أن تشيع الفاحشة فيهم بأن ينسبوها إليهم ويقذفوهم بها، ويشيعوا فيما بين الناس أنهم أتوها. وقال مقاتل: ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في صفوان وعائشة (٣). ويحتمل أن يكون ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي فيما بين المؤمنين بأن يذكروها في مجالسهم حتى تفشو فيما بينهم. وعلى هذا لا يكون المراد بالذين آمنوا المقذوفين والمقذوفات كما كان في القول الأول. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ يعني الجلد ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ عذاب النار. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ قال ابن عباس: يعلم شر ما دخلتم فيه وما فيه من شدة سخط الله ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤). ثم ذكر فضله ومنّته عليهم بتأخير العقوبة فقال: ٢٠ - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ لولا ما تفضل الله به عليكم ورحمكم لعاقبكم (٥) فيما قلتم لعائشة. قاله مقاتل (٦).

стр. 9203

﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يعني رؤوف بكم رحمكم فلم يعاقبكم في أمر عائشة. قال ابن عباس: يريد مسطحًا وحمنة وحسان (١) (٢). ٢١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قال مقاتل: يعني تزيين الشيطان في قذف عائشة (٣). ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ قال ابن عباس: بعصيان الله وكل ما يكره الله (٤). وقال مقاتل (٥)، والكلبي: بالمعاصي وما لا يعرف (٦) في شريعة ولا في سنَّة. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ ما صلح. قاله مقاتل، وأبو زيد (٧). والزكاة تكون (٨) بمعنى الصلاح، ومنه رجل زكي تقي. يقال: زَكَا يَزْكُو زكاءً (٩).

стр. 9204

وقال ابن قتيبة: ما طهر (١). وأجرى بعضهم هذه الآية على العموم وقال: معناها أن الله تعالى يخبر أنَّه لولا فضله ورحمته (٢) ما اهتدى أحد ولا صلح (٣). والآخرون يقولون: المراد بهذا الخطاب الذين خاضوا في حديث الإفك. وهو معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، قال- في قوله: ﴿مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ -: ما قبل توبة أحد منكم أبدًا (٤) (٥). والمعنى: ما طهر (٦) من هذا الذنب وما صلح أمره بعد الذي فعل. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ قال ابن عباس: يريد: فقد شئت أن أتوب عليكم (٧). وقال الكلبي: يصلح من يشاء (٨). وقال غيره (٩): يطهر من يشاء من

стр. 9205

الإثم والذنب بالرحمة والمغفرة فيوفقه للتوبة. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: ﴿سَمِيعٌ﴾ لقولكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في نفوسكم من الندامة والتوبة (١). ٢٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ قال ابن عباس (٢)، وجماعة المفسرين (٣): ولا يحلف. ويقال للحلف: الأليَّة، والألوة، والألوة والإلوة، بسكون اللام في اللغات الثلاث (٤). قال الشاعر (٥): قليل الألايا حافظ ليمينه ... فإن سبقت منه الألية برَّت والفعل: آلى يؤلي (٦) إيلاءً، وتألَّى يتألَّى (٧) تأليَّا، وائتلى يأتلي ائتلاء (٨).

стр. 9206

وقد مرَّ عند قوله: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وهذا قول العامة (١). وقال أبو عبيدة: لا يأتل: هو لا يفتعل من ألوت أن أفعل كذا (٢). وما (٣) آلو جهدًا، أي: ما أقصرَّ (٤). يقال: ائتلى، أي: قصرَّ. وهو مؤتل (٥). قال امرؤ القيس: نصيح على تعذاله غير مؤتل (٦) ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ يعني: أولو الغنى والسعة في المال وهو أبو بكر الصدّيق ﵁ في قول جميع المفسرين (٧).

стр. 9207

قال مجاهد: حلف أبو بكر أن لا ينفع يتيمًا كان في حجره أشاع ذلك الحديث (١)، فلما نزلت هذه الآية قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ولأكونن ليتيمي خير ما كنت قطّ (٢). وقال مقاتل بن سليمان: كان مسطح بن أثاثة -وأمه أسماء بنت جندل بن نهشل (٣) - ابن خالة أبي بكر، وكان يتيمًا في حجره، فلما بيّن عذر عائشة وكان مسطح فيمن خاض في أمرها، حلف أبو بكر أن (٤) لا يصله بشيء أبدًا؛ لأنه أذاع على عائشة أمر القذف، وكان مسطح من المهاجرين الأولين، فأنزل الله في أبي بكر ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] (٥).

стр. 9208

﴿أَنْ يُؤْتُوا﴾ قال الزَّجَّاج (١)، وابن قتيبة (٢): أن لا يؤتوا فحذف (لا). وعلى قول أبي عبيدة (٣) لا يحتاج إلى إضمار لا. ﴿أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني مسطحًا ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ يعني وليتركوا وليتجاوزوا عن مسطح (٤). قال ابن عباس: يريد فقد جعلت فيك يا أبا بكر الفضل، وجعلت عندك السعة والمعرفة بالله وصلة الرحم، فتعطف على مسطح، فله قرابة، وله هجرة، وله مسكنة، ومشاهد رضيتها منه يوم بدر (٥). ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال مقاتل بن سليمان: فقال النبي ﷺ لأبي بكر: "أما تحب أن يغفر الله لك"؟ قال: بلى. قال: "فاعف واصفح". فقال أبو بكر: قد عفوت وصفحت لا أمنعه معروفًا بعد

стр. 9209

اليوم، قد جعلت له مثلي ما كان قبل اليوم (١). وقال مقاتل بن حيان: حلف أبو بكر وأناس معه من أصحاب النبي ﷺ بالله الذي لا إله إلا هو لا ينفع رجلاً من الذين قالوا لعائشة ما قالوا، ولا نصلهم ولا نبرهم، وكان مسطح بينه وبين أبي بكر قرابة من قبل النساء، فأقبل مسطح إلى أبي بكر ليعتذر فقال: جعلني الله فداك، والله الذي أنزل الكتاب على محمد ما قذفتها ولا تكلمت بشيء مما قيل لها أي خال -وكان أبو بكر خاله- فقال أبو بكر: قد أعجبك الذي قيل لها! قال: قد كان (٢) بعض ذلك، فأنزل الله في شأنه هذه الآية، وأمر أبا بكر والذين معه أن ينفقوا على مسطح، فقال أبو بكر وأصحابه: والله يا مسطح ما (٣) نمنعك

стр. 9210

سؤالًا أبدًا، ولا نلومك في الذي قلت أبدًا بعد ما أنزل الله فيك ما أنزل (١). وقال الكلبي: كان مسطح وأصحابه من ذوي قرابة أبي بكر، فأقبلوا إليه ليصيبوا من طعامه، ويأووا إليه كما كانوا يفعلون فيما مضى، فقال لهم أبو بكر: قوموا عني (٢) فلست منكم ولستم مني في شيء (٣)، ولا يدخلن علي منكم رجل أبدًا. فقال مسطح: أنشدك الله والإسلام، وأنشدك بالقرابة والرحم، وأنشدك فقرنا وجهدنا أن تحوجنا إلى أحد، فإنا -والله- من خوض القوم براء، ولقد ساءنا ما كان وما سمعنا مما قال حسّان، وما كان لأحد منا فيه ذنب، فنزلت هذه الآية (٤). ٢٣ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ العفايف (٥) ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ عن الفواحش كغفلة عائشة عما قيل فيها (٦) ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المصدقات بتوحيد الله وبرسوله (٧) (٨). ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا﴾ عذبوا (٩) بالجلد ثمانين ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ يعذبون
следующие страницы →