← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 9206–9245 · переход к 9211.

стр. 9206

وقد مرَّ عند قوله: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وهذا قول العامة (١). وقال أبو عبيدة: لا يأتل: هو لا يفتعل من ألوت أن أفعل كذا (٢). وما (٣) آلو جهدًا، أي: ما أقصرَّ (٤). يقال: ائتلى، أي: قصرَّ. وهو مؤتل (٥). قال امرؤ القيس: نصيح على تعذاله غير مؤتل (٦) ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ يعني: أولو الغنى والسعة في المال وهو أبو بكر الصدّيق ﵁ في قول جميع المفسرين (٧).

стр. 9207

قال مجاهد: حلف أبو بكر أن لا ينفع يتيمًا كان في حجره أشاع ذلك الحديث (١)، فلما نزلت هذه الآية قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ولأكونن ليتيمي خير ما كنت قطّ (٢). وقال مقاتل بن سليمان: كان مسطح بن أثاثة -وأمه أسماء بنت جندل بن نهشل (٣) - ابن خالة أبي بكر، وكان يتيمًا في حجره، فلما بيّن عذر عائشة وكان مسطح فيمن خاض في أمرها، حلف أبو بكر أن (٤) لا يصله بشيء أبدًا؛ لأنه أذاع على عائشة أمر القذف، وكان مسطح من المهاجرين الأولين، فأنزل الله في أبي بكر ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] (٥).

стр. 9208

﴿أَنْ يُؤْتُوا﴾ قال الزَّجَّاج (١)، وابن قتيبة (٢): أن لا يؤتوا فحذف (لا). وعلى قول أبي عبيدة (٣) لا يحتاج إلى إضمار لا. ﴿أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني مسطحًا ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ يعني وليتركوا وليتجاوزوا عن مسطح (٤). قال ابن عباس: يريد فقد جعلت فيك يا أبا بكر الفضل، وجعلت عندك السعة والمعرفة بالله وصلة الرحم، فتعطف على مسطح، فله قرابة، وله هجرة، وله مسكنة، ومشاهد رضيتها منه يوم بدر (٥). ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال مقاتل بن سليمان: فقال النبي ﷺ لأبي بكر: "أما تحب أن يغفر الله لك"؟ قال: بلى. قال: "فاعف واصفح". فقال أبو بكر: قد عفوت وصفحت لا أمنعه معروفًا بعد

стр. 9209

اليوم، قد جعلت له مثلي ما كان قبل اليوم (١). وقال مقاتل بن حيان: حلف أبو بكر وأناس معه من أصحاب النبي ﷺ بالله الذي لا إله إلا هو لا ينفع رجلاً من الذين قالوا لعائشة ما قالوا، ولا نصلهم ولا نبرهم، وكان مسطح بينه وبين أبي بكر قرابة من قبل النساء، فأقبل مسطح إلى أبي بكر ليعتذر فقال: جعلني الله فداك، والله الذي أنزل الكتاب على محمد ما قذفتها ولا تكلمت بشيء مما قيل لها أي خال -وكان أبو بكر خاله- فقال أبو بكر: قد أعجبك الذي قيل لها! قال: قد كان (٢) بعض ذلك، فأنزل الله في شأنه هذه الآية، وأمر أبا بكر والذين معه أن ينفقوا على مسطح، فقال أبو بكر وأصحابه: والله يا مسطح ما (٣) نمنعك

стр. 9210

سؤالًا أبدًا، ولا نلومك في الذي قلت أبدًا بعد ما أنزل الله فيك ما أنزل (١). وقال الكلبي: كان مسطح وأصحابه من ذوي قرابة أبي بكر، فأقبلوا إليه ليصيبوا من طعامه، ويأووا إليه كما كانوا يفعلون فيما مضى، فقال لهم أبو بكر: قوموا عني (٢) فلست منكم ولستم مني في شيء (٣)، ولا يدخلن علي منكم رجل أبدًا. فقال مسطح: أنشدك الله والإسلام، وأنشدك بالقرابة والرحم، وأنشدك فقرنا وجهدنا أن تحوجنا إلى أحد، فإنا -والله- من خوض القوم براء، ولقد ساءنا ما كان وما سمعنا مما قال حسّان، وما كان لأحد منا فيه ذنب، فنزلت هذه الآية (٤). ٢٣ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ العفايف (٥) ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ عن الفواحش كغفلة عائشة عما قيل فيها (٦) ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المصدقات بتوحيد الله وبرسوله (٧) (٨). ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا﴾ عذبوا (٩) بالجلد ثمانين ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ يعذبون

стр. 9211

بالنار (١). ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد إخراجهم من الإيمان (٢) واختلف المفسرون في حكم هذه الآية: فقال مقاتل بن سليمان: هذه الآية خاصَّة في عبد الله بن أُبي المنافق ورميه عائشة (٣) (٤). وقال سعيد بن جبير: هذه الآية (٥) خاصّة فيمن [يقذف عائشة، فمن] (٦) قذفها كان من هذه الآية (٧). وقال الضحاك (٨)، والكلبي (٩): هذه الآية في عائشة وأزواج

стр. 9212

رسول الله ﷺ خاصة دون سائر المؤمنات. وروى العوَّام بن حوشب (١)، عن شيخ من بني كاهل، عن ابن عباس قال: هذه في شأن عائشة وأزواج رسول الله ﷺ خاصة (٢)، وهي مبهمة ليس فيها توبة، ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة، ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ قال: فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة. قال رجلٌ في المجلس: فهممت [أن أقوم فـ] (٣) أقبّل رأسه من حسن ما فسّر (٤). وروي عن أبي حمزة الثمالي (٥): أنها نزلت في مشركي مكّة، كانت

стр. 9213

المرأة إذا خرجت مهاجرة قالوا: خرجت لتفجر، فنزلت الآية فيهم (١). وقال الزجاج: قيل إن الأصل فيه أمر عائشة -رحمها الله- ثم صار لكل من رمى المؤمنات. قال: ولم يقل -هاهنا- والمؤمنين استغناء بأنه إذا رمى المؤمنة فلابد أن يرمي معها مؤمنًا، فدل ذكر المؤمنات على المؤمنين كما قيل: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] (٢). وعلى هذا حكم الآية فيمن قذف مؤمنة ولم (٣) يتب فإنه يعذب في الدنيا بالجلد وفي الآخرة بالنار، فإن تاب كان ممن ذكر حكمه في قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذه الآية ذكرت بعد رمي [المحصنةِ وقد مرت] (٤) في هذه السورة. والصحيح أن الآية خاصة في قذف عائشة وأزواج النبي ﷺ (٥) لقوله:

стр. 9214

٢٤ - ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ يوم القيامة وهو ظرف لقوله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قوله ﴿أَلْسِنَتُهُمْ﴾ قال الكلبي: تشهد عليهم يوم القيامة ألسنتهم بما تكلّموا به من الفرية في قذف عائشة (١). وقيل: تشهد ألسنة بعضهم على بعض من المنافقين الذين رموا عائشة بالبهتان (٢). وقوله ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ قال ابن عباس: إن الله تعالى ختم على الألسنة، فتكلمت الجوارح، ونطقت بما عملوا في الدنيا (٣). وهذه الآية دليل على أن الأولى واردة في قذف أزواج رسول الله ﷺ ، لأن شهادة الجوارح غير مذكورة في جميع القرآن إلا في صفات المشركين، فمن قذفهن من المنافقين فهو من أهل هذه الآية، وإن قذفهن غير منافق عوقب بسلب الإيمان فيصير من أهلها. ٢٥ - قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ قال ابن عباس (٤)، وغيره (٥): يريد يوم القيامة يجازيهم الله جزاءهم الحق. أي (٦): جزاءهم الواجب. وقال مقاتل: يعني حسابهم العدل (٧).

стр. 9215

﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [قال ابن عباس: وذلك أن عبد الله بن أبيّ يشك في الدين، وكان رئيس المنافقين، فيعلم يوم القيامة أن الله هو الحق المبين] (١)، فينقطع (٢) الشك عنه، ويستيقن حيث لا ينفعه (٣). قال مقاتل: ﴿الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ العدل البيّن (٤). ٢٦ - قوله : ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ قال مجاهد (٥)، وأكثر المفسرين (٦): ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من الكلام والقول ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الناس، ﴿وَالْخَبِيثُونَ﴾ من الناس ﴿لِلْخَبِيثَاتِ﴾ من الكلام، ﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾ من الكلام ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ من الناس، ﴿وَالطَّيِّبُونَ﴾ من الناس ﴿لِلطَّيِّبَاتِ﴾ من الكلام. وهذا يحتمل معنيين:

стр. 9216

أحدهما: أن معنى الآية: الخبيثات من القول إنما يليق بالخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس يليق بهم الخبيثات من القول (١). يعني أنّ كلّ (٢) كلام إنما يحسن في أهله فيضاف سيء (٣) القول إلى من يليق به ذلك، وكذلك الطيب من القول، وعائشة ﵂ لا يليق بها الخبيثات من الكلام، فلا يصدق فيها؛ لأنها طيبة فيضاف إليها طيبات الكلام من الثناء الحسن وما يليق بها. قال مقاتل بن سليمان: ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ يعني قذف عائشة ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال (٤) الذين قذفوها ﴿وَالْخَبِيثُونَ﴾ من الرجال والنساء [﴿لِلْخَبِيثَاتِ﴾ يعني السيئ (٥) من الكلام، لأنه يليق بهم الكلام السيئ و ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ يعني الحسن من الكلام ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ من الرجال والنساء،] (٦) يعني: الذين ظنّوا بالمؤمنين والمؤمنات خيرا ﴿وَالطَّيِّبُونَ﴾ من الرجال والنساء ﴿لِلطَّيِّبَاتِ﴾ يعني: الحسن (٧) من الكلام، لأنَّه يليق بهم الكلام الحسن (٨). وعلى هذا المعنى (٩): ذمُّ القذفة بالخبث، ومدحُ الذين برَّؤا عائشة بالطهارة.

стр. 9217

والكاشف لهذا ما ذكره الزجاج فقال: أي لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء، ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء، قال: ويجوز أن يكون معنى هذا (١): الكلمات الخبيثات إنّما تلصق بالخبيثات من النساء، والرجال، فأما الطاهرات الطيبات فلا يلصق بهن السب (٢) (٣). وهذا هو (٤) بيان المعنى الأول الذي ذكرنا قبل حكاية قول (٥) مقاتل. وهذا (٦) الذي ذكرنا قول أكثر أهل التفسير والمعاني (٧). وقال الحكم (٨)، وابن زيد (٩): ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من النساء ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال ﴿وَالْخَبِيثُونَ﴾ من الرجال ﴿لِلْخَبِيثَاتِ﴾ من النساء ﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾ من النساء ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ من الرجال ﴿وَالطَّيِّبُونَ﴾ من الرجال ﴿لِلطَّيِّبَاتِ﴾ من النساء. وهذا معنى قول ابن عباس -في رواية عطاء- قال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ يعني يريد أمثال عبد الله بن أبيّ ومن يشك في الله تعالى،

стр. 9218

﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾ يريد عائشة طيبها الله لرسول الله (١) ﷺ أتاه بها جبريل في سرَقَة (٢) من حرير، فقال هذه عائشة بنت أبي بكر زوجتك في الدنيا وزوجتك في الآخرة (٣) عوضًا من (٤) خديجة، فسر بها رسول الله ﷺ وقرّ بها عينًا ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ يريد رسول الله ﷺ طيّبه الله لنفسه، وجعله سيد ولد آدم ﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ يريد لعائشة. انتهى كلامه (٥). وفي هذا ذمّ للمنافقين وأزواجهم بالخبث ومدح لرسول الله ﷺ وعائشة بالطهارة، وكأنه قيل: المنافقون والمنافقات هم الذين بالصفّة التي رَمَوا (٦) بها عائشة وصفوان، لا عائشة والنبي ﷺ . قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ قال مقاتل: يعني الطيبات

стр. 9219

والطيبون مبرؤون مما يقول (١) القاذفون (٢). قال الفراء: يعني عائشة وصفوان فذكر الاثنين بلفظ الجمع كقوله ﴿فَإِن (٣) كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] يريد (٤): أخوين، وقوله ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] يريد داود وسليمان (٥). وقال الزَّجَّاج: كل من قُذف من المؤمنين والمؤمنات مبرؤن مما يقول أهل الخبث القاذفون (٦). وهذا معنى ما ذكرنا من قول مقاتل. و ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى الطيبين والطيبات. وعلى قول الفراء إشارة إلى عائشة وصفوان. وهذان هما الوجهان الصحيحان في معنى الآية. وذُكر قولان (٧) آخران: أحدهما: رواه ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ قال: فمن كان طيبًا فهو مبرأ من كل قول (٨) [خبيث يقوله يغفره (٩) الله له. ومن كان خبيثًا فهو مبرأ من كل] (١٠) قول صالح يقوله، يردّه

стр. 9220

الله عليه ولا يقبله (١) منه كلٌّ برئ مما ليس له بحقّ من الكلام (٢). وعلى هذا الإشارة بقوله ﴿أُولَئِكَ﴾ تعود إلى (٣) الخبيث والطّيب من الفريقين و ﴿يَقُولُونَ﴾ خبرٌ عنهم لا عن غيرهم. القول الثاني: رواه طلحة بن عمرو، عن عطاء موقوفًا عليه (٤)، وروي مرفوعًا عنه إلى ابن عباس (٥): ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾: ألا ترى أنّك تسمع الكلمة الخبيثة من الرجل الصالح فتقول: غفر الله لفلان ما (٦) هذا من شيمته ولا من خلقه ولا مما يقول! ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أن يكون ذلك من أخلاقهم ومن شيمتهم (٧)، ولكن الرجل قد يكون منه الزلل. وعلى هذا الإشارة بقوله ﴿أُولَئِكَ﴾ تعود إلى الطيب من الفريقين،

стр. 9221

والمعنى: نفي الكلمة الخبيثة عنهم، وإنْ بدرت منهم بادرة (١) فهم مبرؤن منها؛ لأن الله يغفرها لهم بأنها ليست من شيمتهم ولا من أخلاقهم. قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ قال ابن عباس (٢)، ومقاتل (٣): رزق حسن في الجنّة. ٢٧ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. روى عدي بن ثابت (٤) أن امرأة [من الأنصار] (٥) جاءت إلى رسول الله (٦) ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحدٌ (٧) لا والد ولا ولد، فيأت الأب فيدخل علي، ولا يزال يدخل عليّ رجل من أهل بيتي وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟ فنزلت هذه الآية (٨).

стр. 9222

وقوله: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ قال ابن عباس: يعني بُيوتًا ليست لكم (١) ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قال: يريد: حتى تستأذنوا (٢). وهو قول عكرمة (٣)، ومقاتل (٤)، وقتادة (٥)، والسدي (٦). قال أبو إسحاق: معنى ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ في اللغة: تستأذنوا. وكذلك هو في التفسير. والاستئذان: الاستعلام. يقول: آذنته بكذا: أعلمته، وكذلك آنست منه كذا، أي: علمت منه. ومنه قوله ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء:

стр. 9223

٦] أي: إن علمتم، فمعنى (حَتَّى (١) تَسْتَأْنِسُوا): حتى تستعلموا، أيريد أهلها أن تدخلوا أم لا؟ (٢). وقال ابن قتيبة: الاستئناس: أن يُعلم من في الدار يقال: استأنست فما رأيت أحدًا، أي: استعلمت (٣) وتعرّفت (٤) (٥). وقال الفراء: الاستئناس في كلام العرب: النظر. يقال: اذهب فاستأنس هل ترى أحدًا؟ فيكون معناه: انظر من في الدار (٦). وقول النابغة: بذي الجليل (٧) على مستأنس وحد (٨) (٩).

стр. 9224

أراد على ثرر وحشي أحسّ بما (١) رابه فهو يستأنس، أي: يتبصرَّ ويتلفَّت هل يرى أحدًا (٢). وعلى هذا معنى ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ حتى تنظروا وتتعرفوا هل في البيت أحد. وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قال: إنّما هو (حتى تستأذنوا) ولكنّه وَهَم من الكاتب (٣).

стр. 9225

وفسر مجاهد (١) والكلبي الاستئناس هنا بالتنحنح والتنخّم وهو نوع من الاستعلام. وقوله ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [قال ابن عباس وجميع المفسرين. هذا على التقديم والتأخير، حتى تسلّموا على أهلها] (٢) وتستأذنوا (٣). وكذا هو في مصحف عبد الله مستقيم كقوله ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣] وقد مرّ، وقوله ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]. والاستئذان شرع (٤) مشروع، فلا يجوز لأحد الدُّمور (٥) في بيت غيره (٦) لأمر الله تعالى

стр. 9226

بالاستئذان في هذه الآية. والسنة فيه أن يقول: السلام عليكم أأدخل (١) (٢). قال قتادة -في هذه الآية- كان يقال: الاستئذان ثلاث مرات، من لم يؤذن له فيهن فليرجع. أما الأولى فيسمع الحي، وأما الثانية فيأخذوا حذرهم، وأما الثالثة فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردّوا، ولا تقعدن (٣) على باب قوم ردّوك عن بابهم؛ فإن للناس حاجات، والله أعلم (٤) بالعذر (٥). وقد روى أبو موسى، عن النبي ﷺ قال: "الاستئذان ثلاثة، فإن أذنوا وإلَّا فارجع" (٦). قوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس: أزكى لكم وأعظم لأجوركم.

стр. 9227

وقال مقاتل: أفضل لكم من أن تدخلوا بغير إذن (١). ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أن السلام والاستئذان خيرٌ فتأخذون به. وقال ابن عباس: يريد كي تتعظوا. ٢٨ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ ظاهر التفسير إلى قوله: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾. قال مقاتل: يقول (٢): الرجوع خيرٌ لكم من القيام والقعود على أبوابهم ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ إن دخلتم بإذن أو بغير إذن، فمن دخل بيتًا بغير إذن أهله قال له ملكاه (٣) اللذان يكتبان عليه: أفّ لك عَصَيت (٤) وآذيت. يعني: عصيت الله وآذيت أهل البيت. فلما نزلت آية الاستئذان قال أبو بكر الصديق ﵁ للنبي ﷺ : فكيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام على ظهر الطريق ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله: ٢٩ - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ (٥). قال ابن عباس (٦)، ومقاتل (٧): ليس فيها ساكن بغير إذن ولا تسليم،

стр. 9228

يعني الخَانَات والفنادق (١). وقال مجاهد: هي البيوت التي ينزلها السَّفر (٢) لا يسكنها أحد (٣). قوله ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ منافع (٤) لعلكم تتقون بها البرد والحر. قاله ابن عباس (٥)، ومقاتل (٦). وقال السدي: بلاغٌ لكم إلى حاجتكم (٧). وقال أبو بكر الهذلي (٨): يستمتع بالمنزل ثم يرتحل منه (٩). قال أبو إسحاق: وقيل إنّه يعني الخرابات التي يدخلها الرجل لبول أو غائط، ويكون (١٠) ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ بمعنى (١١): إمتاع، أي: تتفرّجون بها

стр. 9229

ممّا بكم (١). وهذا الذي ذكره هو قول عطاء، قال: هي البيوت الخربة، والمتاع: قضاء الحاجة فيها من الخلال والبول (٢). ٣٠ - ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ يقال: غضّ بصره يغضُّه غضّا، ومثله أغضى (٣). قال جرير: فغضّ الطَّرف إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغت ولا كلابا (٤)

стр. 9230

قال ابن عباس: يريد: لا ينظروا إلى ما لا يحل لهم (١). وهذا قول المفسرين (٢). وقالوا: إنّ (من) هاهنا صلة. وهو قول مقاتل، وسفيان (٣). وقيل (٤): إنّ (من) هاهنا لتبعيض (٥) الغض، وهو الغض عمّ لا يحل

стр. 9231

النظر إليه، فأمّا (١) ما يحل فلا يجب الغض عنه. وقوله ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أي عن الفواحش وعمَّن لا يحل. وهذا قول عامة (٢) المفسرين (٣). وروى الربيع (٤)، عن أبي العالية قال: كل آية في القرآن يذكر فيها حفظ الفرج فهو من الزنا إلاَّ هذه الآية. قال: يحفظوا فروجهم ألاّ يراها أحد (٥). ونحو هذا قال ابن زيد (٦). ويدل على صحّة هذا التأويل إسقاط (من) هاهنا على قول من يجعله للتبعيض (٧).

стр. 9232

وقوله (ذَلِكَ) قال مقاتل: ذلك الغض من البصر والحفظ للفرج (١). ﴿أَزْكَى لَهُمْ﴾ خيرٌ لهم عند الله وأعظم لأجورهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ في الفروج والأبصار (٢). وقال ابن عباس: خبير بأعمالهم. ٣١ - قوله: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ﴾ مفسّر في الآية التي قبلها إلى قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، قال المقاتلان (٣): حدّث جابر بن عبد الله: أن أسماء بنت مرشدة (٤) كانت في نخل (٥) لها في بني حارثة، فجعلت النساء يدخلن عليها غير متأزِّرات (٦)، فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخل (٧)، وتبدو صدورهن وذَوَائِبهُن (٨) فقالت أسماء: ما أقبح هذا. فأنزل الله تعالى هذه الآية (٩).

стр. 9233

واختلفوا في الزينة الظاهرة التي استثنى الله بقوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: فروي عن ابن مسعود بطرق مختلفة أنَّه قال: هو الثياب: الجلباب والرداء لا يبدين قُرطًا ولا سوارًا ولا خلخالًا ولا قلادة (١).

стр. 9234

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9235

وهو قول الحسن (١)، وماهان الحنفي (٢)، ورواية الحكم (٣) عن أبي

стр. 9236

وائل عن ابن عباس (١). وقال (٢) في رواية سعيد بن جبير: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ كفّها ووجهها (٣). وهو قول ابن مسعود في رواية سعيد بن جبير.

стр. 9237

وقول الضحاك في رواية جويبر (١). وبه قال مقاتل بن سليمان (٢)، وإبراهيم (٣)، ومكحول، والأوزاعي.

стр. 9238

ونحو هذا روى جابر [بن زيد] (١) عن ابن عباس قال: هو رقعة الوجه وباطن الكفّ (٢). وقال في رواية عطاء: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يريد الكحل لأنه لا تقدر أن تغطي عينها. وزاد سعيد بن جبير عنه في رواية مسلم الملائي (٣) عن سعيد: الخاتم (٤). ونحو هذا روى مجاهد عن ابن عباس: أنه الكحل والخاتم (٥). وهو قول أنس بن مالك (٦)، وأبي صالح، وعكرمة (٧)؛ وزاد مجاهد:

стр. 9239

الخضاب (١). وروي عن عائشة أنها قالت وسئلت عن الزينة الظاهرة؟: هي القُلب والفتخة (٢) ووضعت كفها على كوعها (٣). وهو قول السدي: الخاتم والقُلب (٤). وقول قتادة: المسكتَان (٥) والخاتم والكحل (٦). وقوله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ الخُمُر: جمع الخِمَار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها، وقد تخمَّرت المرأة واختمرت، وهي حسنةُ الخِمْرَة والخُمْرة (٧). والجيوب: جمع الجَيْب، وهو موضع القطع من الدرع والقميص (٨)،

стр. 9240

والجَوْب: القطع كما يجاب الجيب (١)، ومنه قول طَرَفَة: رَحِيب (٢) قِطَابُ (٣) الجيب (٤) منها رفيقة (٥) ... بجس (٦) النَّدامى بضَّة (٧) المتجرَّد (٨) (٩) وقال: أجببت القميص إذا أخرجت رأسك من جيبه هذا هو الأصل، ثم صار الاجتباب اسمًا للبس، يقال: اجتاب الشيء، إذا لبسه وإن اشتمل به (١٠). قال المقاتلان في تفسير (جُيُوبِهِنَّ): صدورهن (١١).

стр. 9241

وعلى هذا المعنى: على مواضع جيوبهن؛ لأنَّ مواضع الجيوب الصدور. والمعنى: وليُلقين (١) مقانعهن (٢) على جيوبهن؛ ليسترن بذلك شعورهن وقرطهن (٣) وأعناقهن، كما قال ابن عباس: تُغطي شعرها وصدرها وترائبها (٤) وسوالفها (٥) وكل ما زيّن وجهها مما لا يصلح أن يراه إلا زوجها وكل ذي محرم منها (٦). وقال الكلبي: يقول: ليُرخين خمرهن (٧) على الصدر (٨) والنحر، وكنّ النساء قبل هذه الآية إنَّما يسدلن (٩) خمرهن (١٠) سدلا من ورائهن كما يصنع (١١) القبط (١٢) فلما نزلت هذه الآية شددن الخمر على النَّحر

стр. 9242

والصدر (١). وقوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ يعني الزينة الباطنة وهي التي سوى ما ظهر منها. قال ابن عباس (٢)، ومقاتل (٣): يعني ولا يضعن الجلباب وهو القناع فوق الخمار إلا لأزواجهن أو من ذكر بعدهم. قال عكرمة: في هذه الآية (٤) لم يذكر العم والخال لأنهما ينعتان لأبنائهما، قال: ولا تضع خمارها عند العم والخال (٥). قال المفسرون (٦) في الزينة الثانية: إنَّها الخفيَّة (٧) التي لا يجوز لهن كشفها في الصلاة. وجملة القول في هذه الآية: أن الرجل يحرم عليه النظر إلى الحرّة

стр. 9243

الأجنبية، ويحرم عليها أن تنظر إليه، وأن تبدي له شيئًا من زينتها سوى الزينة الظاهرة على (١) الاختلاف المذكور، وإن أراد أن يتزوجها وأمن (٢) على نفسه الفتنة فله أن ينظر إليها غير متأمل على الاستقصاء، وينبغي أن ينظر إليها وهي لا تعلم لما روى أبو حميد الساعدي، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا خطب أحدكم المرأة فلا بأس أن ينظر إليها وهي لا تعلم" (٣). وكذلك (٤) الشاهد العفيف ينظر لتحمّل الشهادة، والطبيب العفيف ينظر للمعالجة عند الضرورة (٥). وقد جمع الله في هذه الآية بين البعولة والمحارم وبينهما (٦) في هذا الحكم فرق (٧)، وهو أنَّ البعل له أن ينظر إلى جميع بدن امرأته غير الفرج لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك ولقوله: "إنَّ ذلك يورث العمى" (٨).

стр. 9244

وأمَّا المحارم المذكورون (١) في الآية فليس لهم أن ينظروا إلى ما بين سرتها وركبتها ولهم أن ينظروا إلى ما سوى ذلك (٢). وأمَّا الأمة فما بين سرتها وركبتها من عورتها وليس شعرها ولا رقبتها من عورتها (٣).

стр. 9245

وقوله ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قال المفسرون (١): يعني النساء المؤمنات كلهن، فلا يحل لامرأة مؤمنة أن تتجرّد بين يدي امرأة مشركة إلا أن تكون أمة لها. قال ابن عباس: لا يحل لهن أن يراهن يهوديات ولا نصرانيات لئلا يصفنهن لأزواجهن (٢).
следующие страницы →