← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 9241–9280 · переход к 9246.

стр. 9241

وعلى هذا المعنى: على مواضع جيوبهن؛ لأنَّ مواضع الجيوب الصدور. والمعنى: وليُلقين (١) مقانعهن (٢) على جيوبهن؛ ليسترن بذلك شعورهن وقرطهن (٣) وأعناقهن، كما قال ابن عباس: تُغطي شعرها وصدرها وترائبها (٤) وسوالفها (٥) وكل ما زيّن وجهها مما لا يصلح أن يراه إلا زوجها وكل ذي محرم منها (٦). وقال الكلبي: يقول: ليُرخين خمرهن (٧) على الصدر (٨) والنحر، وكنّ النساء قبل هذه الآية إنَّما يسدلن (٩) خمرهن (١٠) سدلا من ورائهن كما يصنع (١١) القبط (١٢) فلما نزلت هذه الآية شددن الخمر على النَّحر

стр. 9242

والصدر (١). وقوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ يعني الزينة الباطنة وهي التي سوى ما ظهر منها. قال ابن عباس (٢)، ومقاتل (٣): يعني ولا يضعن الجلباب وهو القناع فوق الخمار إلا لأزواجهن أو من ذكر بعدهم. قال عكرمة: في هذه الآية (٤) لم يذكر العم والخال لأنهما ينعتان لأبنائهما، قال: ولا تضع خمارها عند العم والخال (٥). قال المفسرون (٦) في الزينة الثانية: إنَّها الخفيَّة (٧) التي لا يجوز لهن كشفها في الصلاة. وجملة القول في هذه الآية: أن الرجل يحرم عليه النظر إلى الحرّة

стр. 9243

الأجنبية، ويحرم عليها أن تنظر إليه، وأن تبدي له شيئًا من زينتها سوى الزينة الظاهرة على (١) الاختلاف المذكور، وإن أراد أن يتزوجها وأمن (٢) على نفسه الفتنة فله أن ينظر إليها غير متأمل على الاستقصاء، وينبغي أن ينظر إليها وهي لا تعلم لما روى أبو حميد الساعدي، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا خطب أحدكم المرأة فلا بأس أن ينظر إليها وهي لا تعلم" (٣). وكذلك (٤) الشاهد العفيف ينظر لتحمّل الشهادة، والطبيب العفيف ينظر للمعالجة عند الضرورة (٥). وقد جمع الله في هذه الآية بين البعولة والمحارم وبينهما (٦) في هذا الحكم فرق (٧)، وهو أنَّ البعل له أن ينظر إلى جميع بدن امرأته غير الفرج لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك ولقوله: "إنَّ ذلك يورث العمى" (٨).

стр. 9244

وأمَّا المحارم المذكورون (١) في الآية فليس لهم أن ينظروا إلى ما بين سرتها وركبتها ولهم أن ينظروا إلى ما سوى ذلك (٢). وأمَّا الأمة فما بين سرتها وركبتها من عورتها وليس شعرها ولا رقبتها من عورتها (٣).

стр. 9245

وقوله ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قال المفسرون (١): يعني النساء المؤمنات كلهن، فلا يحل لامرأة مؤمنة أن تتجرّد بين يدي امرأة مشركة إلا أن تكون أمة لها. قال ابن عباس: لا يحل لهن أن يراهن يهوديات ولا نصرانيات لئلا يصفنهن لأزواجهن (٢).

стр. 9246

وقوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يعني المماليك والعبيد، للمرأة أن ظهر لمملوكها إذا كان عفيفًا ما تظهر لمحارمها، وكذلك مكاتبها ما لم يعتق بالأداء أو بالإبراء. قال رسول الله ﷺ : "إذا وجد مكاتب إحداكن وفاء فلتحتجب عنه" (١). وقوله ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ أكثر القراء على خفض (غَيْرِ) (٢) بالصفة للتابعين، وجاز وصف التابعين بـ (غير)؛ لأنَّهم غير مقصودين بأعيانهم فأجري ذلك مجرى النكرة. وقد قيل: إنّما جاز أن يوصفوا بـ (غير) في هذا النحو لقصر الوصف على شيء بعينه، فإذا قصر على شيء بعينه زال الشياع عنه فاختص. والتابعون ضربان: ذو إربة، وغير (٣) ذي إربة، وليس ثالث. فإذا كان كذلك جاز لاختصاصه أن يجرى وصفًا على المعرفة (٤).

стр. 9247

وقد أحكمنا هذه المسألة عند قوله ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]. ومن نصب (غير) احتمل أمرين: أحدهما: أن يكون استثناء التقدير: يبدين (١) زينتهن للتابعين إلاَّ ذا الإربة منهم، فإنَّهن لا يبدين زينتهن لمن كان منهم ذا إربة. والآخر: أن يكون حالاً. المعنى: والذين يتبعوهن عاجزين عنهن، وذو الحال ما في التابعين من الذكر (٢). والإربة معناها في اللغة: الحاجة (٣). قال أبو عبيد: الإربة والإرب: الحاجة (٤). ومنه قول عائشة ﵂: كان النبي ﷺ أملككم لإربه (٥). وقد أرِبَ الرّجل إذا احتاج إلى الشيء وطلبه، يأربُ أربًا (٦).

стр. 9248

وقال الفراء (١): الإربة مثل الجلسة والمشية، وهو من الحاجة. يقال: أربت (٢) لكذا فأنا آربٌ له أربا بفتح الهمزة والراء. والمآرب: الحوائج. ومنه قوله : ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] (٣). وقد مرَّ. وأما التفسير: فقال مجاهد: هو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء (٤). [وهو قول عكرمة وعلقمة والشعبي (٥)، قالوا: هو الذي لا حاجة له

стр. 9249

في النساء] (١) ولا يحمله أربه على أن يراود النساء. وقال ابن عباس: هو الذي لا يستحي منه النساء (٢). وقال في رواية عطاء: هو الرجل المسن الصالح الذي إذا قعدت وعنده امرأة غض بصره عنها (٣). وقال عطاء: الذي لا يهمّه إلا بطنه (٤). وهو قول مجاهد في رواية ابن أبي نجيح (٥). وقال بُسر بن سعيد (٦): هو الكبير الذي لا يطيق النساء (٧).

стр. 9250

وقال قتادة: هو الذي يتبعك يصيب من طعامك، ولا همَّ له في النساء (١). وقال مقاتل (٢): يعني الشيخ الهرم، والعِنِّين (٣)، والخصي، والمجنون، ونحوه (٤). وقال الحسن: هم قوم طُبِعُوا على التخنيث، فكان (٥) الرجل منهم يتبع الرجل يخدمه بطعامه وينفق عليه، ولا (٦) يستطيعون غشيان النساء، ولا يشتهونه (٧). وهذا قول الحكم (٨)، قال: هو المخنَّث الذي لا يقوم زُبُّه.

стр. 9251

وقال ابن زيد: هو الذي يتبع القوم حتى كأنّه منهم، ونشأ فيهم، وليس له في نسائهم (١) إربة، وإنما يتبعهم لإرفاقهم (٢) إيّاه (٣). وروى ليث، عن مجاهد: أنه الأبله الذي لا يعرف أمر النساء (٤) وقال سعيد بن جبير: هو المعتُوه (٥) (٦). وقوله ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ قال المبرد: الطفل في هذا الموضع يعني به الجماعة من الأطفال، ومجازه مجاز المصدر، وكذلك ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]. والمصدر يقع على الفعل (٧) نحو العلم والحلم (٨).

стр. 9252

وقوله ﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾ قال الفراء: يقول: لم يبلغوا أن يطيقوا النساء، وهو كما تقول: صارع فلان فلانًا فظهر عليه، أي: أطاقه (١) وغلبه (٢). وقال أبو علي الفارسي: ﴿لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ أي: لم يقووا عليها ومنه قوله ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] (٣). والعورة: سوءة الإنسان. وكل أمر يستحى منه فهو عورة (٤). قال مجاهد: لم يدروا ما هن من الصغر قبل الحلم (٥). قال ابن عباس: لم يبلغ الحنث (٦) ولم يشتق إلى النساء. وقال بُسر (٧) بن سعيد (٨): هو الغلام الذي لم يبلغ الحلم (٩). وهذا قول جماعة المفسرين (١٠).

стр. 9253

قالوا: ولا يجوز (١) للمرأة أن تضع الجلباب إلا عند هؤلاء الذين سماهم الله تعالى. وقوله ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ قال ثابت (٢) البناني (٣): كانت المرأة تتخذ الودع (٤) في رجليها فإذا مرّت بالقوم ضربت إحدى رجليها بالأخرى، فأنزل الله تعالى في كتابه: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (٥). وروى السدي، عن أبي مالك قال: كان في أرجلهن خرَزَ (٦) فكنّ إذا مررن بالمجلس حرّكن أرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن (٧).

стр. 9254

وقال ابن عباس: يريد: ولا تضرب المرأة برجليها (١) إذا مشت ليسمع صوت خلخالها أو يتبيّن لها خلخال (٢). وهذا قول عامة المفسرين (٣). وقال أبو إسحاق: كانت المرأة ربّما اجتازت وفي رجلها الخلخال، وربما كان فيها الخلاخل، فإذا ضربت برجلها عُلم (٤) أنها ذات خلخال وزينة، وهذا يحرّك من الشهوة فنهي عنه، كما أُمرن (٥) أن لا يبدين زينتهن؛ لأن إسماع (٦) صوته بمنزلة إبدائه (٧). وقوله ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ قال ابن عباس: عما كنتم تعلمون في الجاهلية (٨). وقال مقاتل: من الذنوب التي أصابوها مما نهي عنه من أول هذه السورة إلى هذه الآية (٩).

стр. 9255

والمعنى: راجعوا طاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه (١). قوله تعالى ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قرأ ابن عامر (أيّه) بضم الهاء (٢)، ومثله ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ [الزخرف: ٤٩] ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]. قال أبو علي: وهذا لا يتجه لأن آخر الاسم هو الياء الثانية من (أيّ)، فينبغي وأن يكون المضموم آخر الاسم، ولو جاز أن يضم هذا من حيث كان مقترنًا بالكلمة لجاز أن يضم الميم في (٣) (اللهم)؛ لأنَّه آخر الكلمة. ووجه الإشكال في ذلك والشبهة (٤) أنَّ وجد هذا الحرف قد صار في بعض المواضع التي يدخل فيها بمنزلة ما هو من نفس الكلمة، نحو: مررت بهذا الرجل. وليست (يا) وغيرها من الحروف التي يُنبهُ بها كذلك، فلما وجدها في أوائل المبهمة كذلك وفي الفعل في قول أهل الحجاز: هَلم، جعله في الآخر أيضًا بمنزلة شيء من نفس الكلمة، كما كان في الأول كذلك، واستجاز حذف الألف اللاحق للحرف لما رآه قد حذف في قولهم: هلم، فأجرى عليه الإعراب لما كان كالشيء الذي من نفس الكلمة. فإن قلت: فإنّه قد حرك الياء التي قبلها بالضمّ في (يا أيه)، فإنّه يجوز أن يقول (٥): إنَّ ذلك في هذا الوضع كحركات الأتباع نحو: امرؤ وامرئ ونحو ذلك. فهذا لعلَّه (٦) وجه شبهته (٧)،

стр. 9256

وينبغى أن لا يقرأ بذلك (١)، ولا يؤخذ به. هذا كلامه (٢).

стр. 9257

وقال (١) ابن مجاهد: كلهم يقف بالهاء على قوله ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ و ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ إلا أبا عمرو والكسائي فإنَّهما يقفان بالألف. قال: ولا ينبغي أن يتعمد الوقف على الهاء؛ لأن الألف سقطت في الوصل لسكونها وسكون اللام (٢). قال أبو علي: الوقف على (أيها) بالألف لأنَّها إنما كانت سقطت لسكونها وسكون لام المعرفة كما قال أحمد (٣)، فإذا وقف عليها زال التقاء الساكنين؛ فظهرت الألف كما أنك لو وقفت على (مُحلّي) من قوله: ﴿غَيْرَ (٤) مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١] لرجعت الياء المحذوفة لسكونها وسكون اللام. وإذا (٥) كان حذف الألف من (ها) التي للتنبيه حذف (٦) لهذا، فلا وجه لحذفها للوقف (٧)، ومما يضعف الحذف أنَّ الألف في الحرف (٨)، والحروف لا يحذف منها إلا أن تكون مضاعفة (٩).

стр. 9258

قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد: لكي تسعدوا في الدنيا وتبقوا في الجنة (١). ٣٢ - ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ قال ابن السكيت: فلانة أيّم، إذا لم يكن لها زوج بكرًا كانت أو ثيبًا. والجميع: أيامى، والأصل أيايم، فقلبت (٢). ورجل أيّم: لا امرأة له. وقد آمت المرأةُ تئيم أيمةً وأيمًا. وقد تأيّمت المرأة زمانًا، وتأيَّم الرجل زمانًا، إذا مكث أيامًا لا يتزوج (٣). والحرب مأيمةٌ، أي: تقتل الرّجال فتبقى النساء بلا أزواج (٤). وقال ابن الأعرابي: يقال للرجل الذي (٥) لم يتزوج: أيّم، وللمرأة أيّمة، قال: والأيّم: البكر والثيب، وآم الرجل يئيم أيمةٌ، إذا لم تكن له زوجة وكذلك المرأة إذا لم يكن لها زوج (٦).

стр. 9259

ومنه الحديث: أن النبي ﷺ كان يتعوذ من الأيمة. وهو طول العُزبة (١) (٢). وقال صاحب النظم: (الْأَيَامَى) هاهنا من الرجال والنساء الذين لا أزواج لهم كان قد تزوج قبل ذلك أو (٣) لم يتزوج. والأيّم في كلام العرب: كل ذكر لا أنثى معه، وكل أنثى لا ذكر معها. ولذلك سميت الحيّة أيِّمًا بالتشديد والتخفيف لأنَّها لا تكاد تكون في جحرها إلا وحدها، وأنشد الهذلي (٤): إلَّا عواسر كالمراط معيدة (٥) ... بالليل مورد أيِّم متغضِّف (٦)

стр. 9260

والتشديد والتخفيف اللذان ذكرهما صاحب النَّظم في الأيّم الذي هو الحيّة صحيح؛ فقد ذكرهما النَّضر بن شميل (١). وقوله: (مِنكُمْ) ليس من صلة الإنكاح، وإنّما هو من صلة (الْأَيَامَى) كأنه قيل (٢): وانكحوا أيامكم يعني: أيامى المسلمين؛ لذلك قال: ﴿الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾. قال السدِّي: من لم يكن له زوج من امرأة أو رجل فهو أيّم. وقال ابن عباس: كل من ليس لها زوج وإن كانت بكرًا فهي أيِّم (٣). قال مقاتل بن سليمان: يعني من لا زوج له (٤) [من رجل (٥)] (٦) أو امرأة وهما حرّان، أمر الله تعالى أن يزوجا (٧).

стр. 9261

وقال مقاتل بن حيان: يعني الأيامى من الرجال والنساء من الأحرار (١). والمعنى: زوّجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم (٢)، وهذا أمر ندب واستحباب (٣)، وفيه دليل على أنّ النكاح لا يصح إلا بولي؛ لأن الله تعالى قال (وَأَنكِحُوا) فما (٤) لم تُنكح المرأة ولم تُزوَّج لم يكن لها أن تنكح وتتزوَّج (٥). قوله ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ قال مقاتل: يقول: وزوّجوا المؤمنين من عبيدكم وولائكم فإنّه أغض للبصر وأحفظ للفرج (٦). فمعنى الصلاح هاهنا: الإيمان، وفي هذا دليل على أن العبد لا يتزوج إلا بإذن سيده، وكذلك الأمة (٧). ثم رجع إلى الأحرار فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ﴾ لا سعة لهم في التزويج ﴿يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فوعدهم أن يوسّع عليهم عند التزويج ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ لخلقه ﴿عَلِيمٌ﴾ بهم. قاله مقاتل بن سليمان (٨). قال أبو إسحاق: حثّ الله على النكاح وأعلم أنّه سبب لنفي

стр. 9262

الفقر، ويروى عن عمر ﵁ أنه قال: عجبت لامرئ لم يلتمس الغنى في الباءة بعد قول الله تعالى ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١). وقد قال رسول الله ﷺ : "التمسوا الرزق بالكاح" (٢).

стр. 9263

٣٣ - ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ أي: وليطلب العفّة عن الزنا والحرام من لا يجد ما (١) ينكح به من صداق ونفقة. والمعنى: الذين لا يجدون طول (٢) نكاح وقدرة نكاح فحذف المضاف. وقال صاحب النظم: النكاح هاهنا: الشيء الذي ينكح به من مهر ونفقة وما لا بد للرجل والمرأة منه إذا تناكحا، وهو مثل قولهم لما يلتحف به: لحاف، ولما يرتدي به: رداء، ولما يلبس: لباس، فكذلك (٣) النكاح:

стр. 9264

هو ما ينكح به مما لا بدّ للمنكوحة به مما لا بدّ للمنكوحة منه (١). وعلى هذا إن صحّ فلا حذف في الآية. وقوله ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي يوسّع عليهم من رزقه. وقال ابن عباس: يريد بالحلال عن الحرام. وجملة القول في هذا أنّ من استغنى عن النكاح بعزوف نفسه عن التوقان إليه فالأولى به التفرد والتخلي لعبادة (٢) الله (٣) ليكون ممن يغبط بخفّة الحاذ (٤) (٥)؛ فإن النبي ﷺ فسر خفيف الحاذّ بالذي لا أهل له ولا ولد (٦).

стр. 9265

ومن تاقت نفسه إلى النكاح ووجد الطول فالمستحب له والمندوب إليه أن يتزوّج لقوله تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية. وإن لم يجد الطول فعليه بالصيام والاستعفاف ما أمكن. وقوله ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ أي يطلبون المكاتبة (١) ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي من عبيدكم ومماليككم. و (ما) هاهنا بمعنى: من، والكتاب مصدر كالمكاتبة يقال: كاتب الرجل عبده أو أمته مكاتبةً وكتابًا فهو مكاتب. والعبد مكاتب، وهو أن يقول الرجل: كاتبتك على أن تعطيني كذا وكذا في نجوم (٢) معلومة، فإذا أدّى ذلك فالعبد حرّ (٣).

стр. 9266

قال الأزهري: وسُمّي مكاتبة لما يكتب للعبد (١) على السيد من العتق إذا أدّى ما تراضيا عليه من المال، وما يكتب (٢) للسيد (٣) على العبد من النجوم التي (٤) يؤديها. وقال صاحب النظم: قد (٥) وضع الناس موضع الكتاب من المكاتبة: الكتابة. والكتابة إنّما هي مصدر من كتبت (٦) الكتاب، ولا يقال من المكاتبة إلَّا الكتاب كما في الآية، والمكاتبة مأخوذة من كتبت (٧) الشيء إلي الشيء إذا ضممته إليه ليجتمع، وإنَّما قيل كاتب الرجل عبده، لأنَّ معناه فعل منهما جميعًا، فالعبد يجمع نجومه إلى مولاه يضم بعضها إلى بعض إلى أن يجتمع ما هو شرط (٨) عتقه، والمولى يضم ما يؤديه إليه عبده ليجتمع كمال الشرط لعتق العبد (٩). وهذه الآية دليل على أصل عقد الكتابة وهو عقد من عقود الإسلام، وشرطه أن يقول السيد كاتبتك على كذا وكذا على أنك إذا أدّيت هذا المال فأنت حر، أو ينوي الحرية بقلبه إن لم يذكرها بلسانه (١٠). ولا بدّ من

стр. 9267

التنجيم، وأقلّه نجمان فصاعدًا، ولا تصح حالّه لأنها حينئذ تخلوا من التنجيم (١). وقال أبو حنيفة: تصح حالّه، ولم يشترط التنجيم (٢). والآية دليل قال صاحب النظم: ذكرنا أن أصل الكتاب من الكتب بمعنى الجمع والضم، وأقلّ ما يقع عليه الضمّ والجمع نجمان فصاعدًا، ولا يقع على نجم واحد لأنه لا يقال فيه جمعته، ويقال في النجمين جمعت نجمًا إلى نجم، فإذا لم يكن في شرط المكاتبة ما أقله نجماه لم يقع عليه معنى الكتابة، إذ ليس فيه معنى جمع ولا ضم. وإلى هذا ذهب الشافعي ﵀ عليه فلم يجز الكتاب على أقل من نجمين. انتهى كلامه. ودلت الآية أيضًا على أنَّه إنما يصح كتابة العبد البالغ العاقل، ولا تصح كتابة المجنون والصبي (٣).

стр. 9268

وعند أبي حنيفة تصح كتابة العبد إذا كان مراهقًا مميزًا (١). قال الشافعي: والابتغاء لا يكون من الأطفال والمجانين (٢). يعني أن الله تعالى قال في ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ وهذان ليسا من أهل الابتغاء. وقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ أمر ندب واستحباب في قول الجمهور (٣). وقال قوم: إنّه أمر إيجاب فإذا سأل العبد الذي علم منه خيرًا أن يكاتبه على ما هو قيمته أو أكثر لزمه ذلك. وهو قول عمرو (٤) بن دينار وعطاء، ورواية العوفي عن ابن عباس، وإليه (٥) ذهب أهل الظاهر (٦). وقوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد قوة على الكسب وأداء للمال (٧) (٨).

стр. 9269

وهذا اختيار الشافعي ﵁ فإنه قال: أظهر معاني الخير هذه الآية الاكتساب مع الأمانة (١). وكثير من المفسرين ذهب إلى أن المراد بالخير هاهنا المال. وهو قول مجاهد (٢)، وعطاء (٣)، والضحاك (٤)، وطاووس (٥)، والمُقاتلين (٦).

стр. 9270

وهو رواية العوفي عن ابن عباس (١). وروى ابن جريج (٢)، عن عطاء، عن ابن عباس في هذه الآية قال الخير: المال (٣). روى (٤) هشيم، عن يونس قال: كنّا عند الحسن، وأخوه سعيد (٥) عنده فتذاكرنا هذه الآية، فقال سعيد: إن كان عنده مال فكاتبه، وإن لم يكن عنده مال فلا تعلقه صحيفة يغدو بها على الناس ويروح، فيسألهم فيحرجهم ويؤثمهم (٦). وروي أن عبدًا لسلمان قال له: كاتبني. قال له (٧): لك مال؟ قال: لا قال: تطعمني أوساخ الناس. فأبى عليه (٨).

стр. 9271

والأظهر هو القول الأول؛ لأنَّه لو كان المراد بالخير المال لقيل: إن علمتم لهم (١) خيرًا وهذا الاعتراض يحكى عن الخليل (٢) فلما قيل ﴿فِيهِمْ خَيْرًا﴾ كان الأظهر الاكتساب والوفاء والأداء والأمانة. وهذا أيضًا قول ابن عمر وابن زيد ومالك بن أنس (٣)، واختيار الفراء وأبي إسحاق. قال الفراء: يقول وإن رجوتم (٤) عندهم وفاء وتأدية للكتابة (٥). وقال أبو إسحاق: إن علمتم أنّهم يكسبون (٦) ما يؤدونه (٧). وقول من فسر الخير بالمال الوجه أن يحمل ذلك على الكسب والمكتسب كذي المال من حيث أنه يقدر على المال [إذا شاء] (٨). وقال الحسن وأبو صالح في قوله (خَيْرًا) (٩): أداء وأمانة (١٠).

стр. 9272

وقال عبيدة: وفاء وصدقا (١). وروى ابن سيرين، عنه قال: إذا أقاموا الصلاة (٢). وروى يونس، عن الحسن قال: الخير: الإسلام والقرآن (٣). وقال إبراهيم: صدقًا ووفاء (٤). وقال سعيد بن جبير: إن علمتم أنهم يريدون (٥) بذاك (٦) الخير (٧). وقال معمر (٨): وكان قتادة يكره إذا كاتب العبد ليست له حرفة ولا وجه في شيء [أن يكاتبه الرجل] (٩) لا يكاتبه إلا ليسأل الناس (١٠).

стр. 9273

وهذا يقوي أنّ المراد بالخير الاكتساب. قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّ هذا خطاب للموالي، أُمروا أن يحطوا عنهم من نجوم الكتابة شيئًا، وهو قول علي (١) ﵁ ومجاهد (٢)، والثوري (٣)، وكثير من الصحابة (٤). ثم اختلفوا في ذلك القدر: فقال علي ﵁: هو ربع المال (٥). وهو قول مجاهد (٦). وقال الآخرون: لا يتقدر بشيء يحط عنه ما أحبّ. وكان عمر ﵁ يحط من أول النجوم. وروى عكرمة، عن ابن عباس: أن عمر ﵁ كاتب عبدًا له يُكنى أبا أميّة (٧)

стр. 9274

فجاءه بنجمه حين حلّ (١)، فقال: يا أبا أمية استعن به في مكاتبتك. فقال: يا أمير المؤمنين لو تركته حتى يكون في آخر نجم. قال: إنِّي أخاف أن لا أدرك ذاك (٢) ثم قرأ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٣). وروى عبد الملك بن أبي بشير (٤) قال: حدثني فَضالة بن أبي أميّة (٥)، عن أبيه وكان غلامًا لعمر قال: كاتبني عمر على أواق (٦) قد سمّاها، ونجمها عليّ نجومًا، فلما فرغ من الكتاب أرسل إلى حفصة (٧) فاستقرض منها مائتي درهم، فأعطانيها وقالك استعن بها في نجومك؛ فقلت: ألا تجعلها في آخر مكاتبتي! قال: إنّي لا أدرى أدرك أم لا. قال سفيان: بلغني أنَّه كاتبه على مائة أوقية (٨).

стр. 9275

وعلى هذا قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ هو أن يؤتيه مما في يده شيئًا يستعين به على الكتابة لا أن يحطَّ عنه شيئًا. وهو رواية ليث، عن مجاهد قال: مما في يديك، ليس مما على رقبته (١). وروى جوبير، عن الضحاك في هذه الآية قال (٢): أن تعطيه [مما في يديك] (٣) من مالك أو تضع (٤) له بعض الذي كاتبه عليه (٥) (٦). وروى عبد الملك (٧) وحجاج عن عطاء في قوله ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ هو ما أخرج الله [لك] (٨) من مكاتبته تعطيه، ما طابت به

стр. 9276

نفسك وليس فيه شيء مؤقت (١). وقال سعيد بن جبير: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئًا من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع (٢) إليه صدقته، ولكنّه (٣) إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحبّ (٤). وعلي ما ذكرنا معنى الإيتاء: أن يحطّ من مكاتبته (٥) شيئًا أو يردّ عليه شيئًا، أو يعطيه مما في يده شيئًا. وهو واجب عند الشافعي ﵁ (٦). القول الثاني: أنَّ (٧) المعنى: وآتوهم سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات المفروضات. وهو قول ابن عباس في رواية عطاء قال: يريد سهم الرقاب يعطى منه المكاتبون (٨). ونحوه قال زيد (٩) وابنه (١٠).

стр. 9277

القول الثالث: أنَّ هذا حث للناس على إعطاء المكاتب وإعانته بما يمكنهم في (١) ثمن رقبته. وهو قول عكرمة (٢)، وإبراهيم (٣)، والكلبي (٤)، والمقاتلين (٥). قالوا: حضّ الناس (٦) جميعًا الموالي وغيرهم على أن يعطوا المكاتب، وأمر المؤمنين أن يعينوا في الرقاب. وقال الحسن: حث عليه المسلمين مولاه وغيره (٧). وعلى هذا القول هو أمر نَدْب. واختار (٨) صاحب النظم القول الثاني، وقال: قوله ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ خطاب للموالي، وقوله ﴿وَآتُوهُمْ﴾ خطاب لغيرهم من أصحاب الزكوات؛ لأنه لا يجوز للمكاتب أن يدفع فرض صدقته إلى مكاتب نفسه، فجاء الخطاب بنظم واحد وهما مختلفان كقوله ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا

стр. 9278

تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] الآية، فقد جاء الخطاب في التطليق والعضل بنظم واحد وهما مختلفان؛ لأن العضل من الأولياء، والتطليق من الأزواج، وكذلك قوله ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ أومئ به إلى غير المكاتبين الذين هم الموالي (١). وقال غيره (٢): يجوز أن يكون الموالي داخلين في هذا الخطاب على معنى: أن يؤتي بعضهم لمكاتب بعض لا لمكاتب نفسه. قال صاحب النظم: ولو كان المراد بالإيتاء الحطّ عنه لوجب أن يكون في عادة العربية: ضَعُوا عنهم أو قاصّوهم منه (٣)، فلما قال ﴿وَآتُوهُمْ﴾ دلّ على أنَّه أراد من الزكاة إذ هو مناولة وإعطاء (٤). وهذا الاعتراض لا يصح على قول من يجعل إيتاء المكاتب من مال نفسه، كما روينا عن عمر ﵁. فأما سبب نزول هذه (٥) الآية: فقال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في صُبيح (٦) القبطي، كان

стр. 9279

مملوكًا لحاطب بن أبي بَلْتَعة (١). وقال مقاتل بن سليمان وغيره: نزلت في حويطب (٢) بن عبد العزى وفي غلامه صبيح (٣) القبطي وقيل: صُبْح (٤) طلب إليه أن يكاتبه فأبي، فأنزل الله هذه الآية، فكاتبه على مائة دينار، ثم وضع عنه عشرين دينارًا، فأداها وعتق (٥).

стр. 9280

قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ يعني إماءكم وولائدكم على الزنا. قال جماعة من المفسرين (١): نزلت في عبد الله بن أبيّ كان يكره جواري له على الكسب بالزنا، فشكون ذلك إلى رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية. قال ابن عباس في رواية عطاء: وذلك أن عبد الله بن أبيّ! كانت له جاريتان يقال لإحداهما: مُعاذة، والأخرى: زينب، كانتا مؤمنتين فأكرههما على الزنا وهما لا يريدان (٢).
следующие страницы →