← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 9276–9315 · переход к 9281.

стр. 9276

نفسك وليس فيه شيء مؤقت (١). وقال سعيد بن جبير: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئًا من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع (٢) إليه صدقته، ولكنّه (٣) إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحبّ (٤). وعلي ما ذكرنا معنى الإيتاء: أن يحطّ من مكاتبته (٥) شيئًا أو يردّ عليه شيئًا، أو يعطيه مما في يده شيئًا. وهو واجب عند الشافعي ﵁ (٦). القول الثاني: أنَّ (٧) المعنى: وآتوهم سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات المفروضات. وهو قول ابن عباس في رواية عطاء قال: يريد سهم الرقاب يعطى منه المكاتبون (٨). ونحوه قال زيد (٩) وابنه (١٠).

стр. 9277

القول الثالث: أنَّ هذا حث للناس على إعطاء المكاتب وإعانته بما يمكنهم في (١) ثمن رقبته. وهو قول عكرمة (٢)، وإبراهيم (٣)، والكلبي (٤)، والمقاتلين (٥). قالوا: حضّ الناس (٦) جميعًا الموالي وغيرهم على أن يعطوا المكاتب، وأمر المؤمنين أن يعينوا في الرقاب. وقال الحسن: حث عليه المسلمين مولاه وغيره (٧). وعلى هذا القول هو أمر نَدْب. واختار (٨) صاحب النظم القول الثاني، وقال: قوله ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ خطاب للموالي، وقوله ﴿وَآتُوهُمْ﴾ خطاب لغيرهم من أصحاب الزكوات؛ لأنه لا يجوز للمكاتب أن يدفع فرض صدقته إلى مكاتب نفسه، فجاء الخطاب بنظم واحد وهما مختلفان كقوله ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا

стр. 9278

تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] الآية، فقد جاء الخطاب في التطليق والعضل بنظم واحد وهما مختلفان؛ لأن العضل من الأولياء، والتطليق من الأزواج، وكذلك قوله ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ أومئ به إلى غير المكاتبين الذين هم الموالي (١). وقال غيره (٢): يجوز أن يكون الموالي داخلين في هذا الخطاب على معنى: أن يؤتي بعضهم لمكاتب بعض لا لمكاتب نفسه. قال صاحب النظم: ولو كان المراد بالإيتاء الحطّ عنه لوجب أن يكون في عادة العربية: ضَعُوا عنهم أو قاصّوهم منه (٣)، فلما قال ﴿وَآتُوهُمْ﴾ دلّ على أنَّه أراد من الزكاة إذ هو مناولة وإعطاء (٤). وهذا الاعتراض لا يصح على قول من يجعل إيتاء المكاتب من مال نفسه، كما روينا عن عمر ﵁. فأما سبب نزول هذه (٥) الآية: فقال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في صُبيح (٦) القبطي، كان

стр. 9279

مملوكًا لحاطب بن أبي بَلْتَعة (١). وقال مقاتل بن سليمان وغيره: نزلت في حويطب (٢) بن عبد العزى وفي غلامه صبيح (٣) القبطي وقيل: صُبْح (٤) طلب إليه أن يكاتبه فأبي، فأنزل الله هذه الآية، فكاتبه على مائة دينار، ثم وضع عنه عشرين دينارًا، فأداها وعتق (٥).

стр. 9280

قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ يعني إماءكم وولائدكم على الزنا. قال جماعة من المفسرين (١): نزلت في عبد الله بن أبيّ كان يكره جواري له على الكسب بالزنا، فشكون ذلك إلى رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية. قال ابن عباس في رواية عطاء: وذلك أن عبد الله بن أبيّ! كانت له جاريتان يقال لإحداهما: مُعاذة، والأخرى: زينب، كانتا مؤمنتين فأكرههما على الزنا وهما لا يريدان (٢).

стр. 9281

وروى الزهري، عن عمر (١) بن ثابت الخزرجي قال: كانت معاذة جارية لعبد الله بن أبيّ وكانت مسلمة وكان يستكرهها على البغاء، فأنزل الله هذه الآية (٢). وقال مجاهد: كانوا يأمرون ولائدهم أن يُباغين، فكن يفعلن ذلك، فيُصبن، فيأتينهم بكسبهن، وكانت لعبد الله بن أُبي جارية فكانت تُباغي، وكرهت ذلك وحلفت لا تفعله، فأكرهها أهلها، فانطلقت فباغت ببرد (٣) أخضر فأتتهم به، فأنزل الله هذه الآية (٤). قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ قال ابن عباس: تعفّفا وتزويجًا (٥).

стр. 9282

وليس هذا بشرط في النهي عن الإكراه، وإنّما هو على موافقة حال النزول، وذلك أن تلك (١) الجواري التي كان ابن أُبيّ يكرههن على الزنا كن مسلمات يردن التحصّن، وهو كقوله ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] وليس من شرط استحقاق الثلثين أن يكن فوق اثنتين ولكن نزلت الآية (٢) في ثلاث بنات (٣) وقال أبو إسحاق: لا تكرهوهن على البغاء البتَّه، وليس المعنى: لا

стр. 9283

تكرهوهن إن أردن تحصنًا؛ لأنَّهن إن لم يردن فليس لنا أن نكرهن (١). وقوله ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ هذا الشرط متعلق بقوله ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] إن أردن تحصنا. فهذا على التقديم والتأخير، وهذا القول اختيار الحسين (٢) بن الفضل (٣). ويجوز أن يقال: إنما شرط (٤) إرادة التحصّن؛ لأنَّ الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة المكره التحصّن (٥)، فإن (٦) لم يرد التحصّن لا يتصور الإكراه؛ لأنَّه يأتي ذلك بالطبع، فلما ذكر النهي عن الإكراه شرط إرادة التحصّن؛ ليتبين (٧) معنى الإكراه؛ لأنَّه شرطٌ صحيح في المعنى (٨). وقوله تعالى ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني الغلَّة (٩) والضرائب التي كانت عليهن.

стр. 9284

وقال ابن عباس: يريد أن يولد له منهن ولد ليسترقَّ (١) الولدَ ويتبعه. وقال الكلبي: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من كسبهن وأولادهن (٢). وروى معمرٌ، عن الزُّهري: أنَّ رجلاً من قريش أُسر يوم بدر، فكان عند عبد الله بن أبي أسيرًا، وكان لعبد الله جارية يقال لها معاذة، وكان القرشي الأسير يريدها على نفسه، وكانت مسلمة فكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان عبد الله يكرهها على ذلك ويضربها رجاء أن تحمل للقرشي فيطلب فداء ولده، فأنزل الله هذه الآية (٣). وقوله تعالى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال ابن عباس (٤)، والمفسرون (٥): أي لهن غفور رحيم يعني للمكروهات (٦). وكان جابر يقرأ: ﴿فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم﴾ (٧).

стр. 9285

وقال الحسن في هذه الآية: لهن والله، لهن والله (١). وقال مجاهد: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ للمكروهات على الزنا (٢). وفي حرف عبد الله (٣) وقرأه جماعة من القراء (٤) ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ٣٤ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل (٥): يريد ما ذكر في هذه السورة من الحلال والحرام، وأمره ونهيه إلى هذه الآية، فهي تبين للناس ما أمروا به وما نهوا عنه. قوله: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قال مقاتل: يعني سنن العذاب في الأمم الخالية حين كذبوا رسلهم (٦). والمعنى: وأنزلنا مثلًا أي: شبهًا من حالهم بحالكم في تكذيب

стр. 9286

الرسل، وفي هذا تخويف للمكذبين بمحمد ﷺ أن يلحقهم ما لحق من قبلهم من الأمم حين كذبوا رسلهم. وقوله: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال الكلبي: يعني نهيًا للمتقين عن (١) الشرك والكبائر (٢). ٣٥ - وقوله تعالى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ معنى النور في اللغة: الضياء (٣). وهو ضد الظلمة (٤). قال ابن عباس في رواية عطاء: الله هادي أهل السموات وأهل الأرض (٥).

стр. 9287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9288

وهذا قول مقاتل (١)، والكلبي، وروي ذلك عن أنس (٢) ﵁. والنور من صفات الله جل ثناؤه ورد ذلك في الأسماء التسعة والتسعين (٣)، ونطق به القرآن في هذه الآية نصًا. وفسّره هؤلاء الذين ذكرناهم بالهادي، وحقيقته أن النَّور هو الذي يبيِّن الأشياء وُيري الأبصار حقيقتها (٤)، وعلى هذا المعنى ورد النّور في

стр. 9289

صفة الله تعالى (١)؛ لأنَّه هو الذي يهدي المؤمنين ويبيّن لهم ما يهتدون بها من الضَّلالة. وهذا معنى قول ابن قتيبة: أي: بنوره يهتدي من في السموات والأرض (٢). [وذكر السموات والأرض] (٣) والمراد أهلها كما ذُكرت القُرى والقرية في مواضع من القرآن والمراد أهلها وسكانها. ويحمل هذا على حذف المضاف. وقال مجاهد في هذه الآية: مدبّر الأمور في السموات والأرض (٤). واختار أبو إسحاق هذا القول فقال: أي مدبر أمرهما (٥) بحكمة بالغة وحجّة نيّرة (٦). وهذا كما يقال: فلان نور هذا الأمر ونور البلد، أي هو الذي يجريه (٧) ويجري أمره على سنن السَّداد (٨). وقال الضحاك والقرظي (٩): منوّر السموات والأرض.

стр. 9290

ففسر النور بالمنوّر وهذا (١) على المبالغة؛ لأنَّه لما كان خالق الأنوار والشمس والقمر والنجوم التي بها نور السموات والأرض وصف بأنَّه النور كما يقال: فلان جُود وفلان كرم، ويقال في ضده: فلان لُوم وبُخل. إذا بالغوا (٢) في وصفه بهذه الأشياء، ويقال: فلان رحمة وسخطة، وهو لا يكون في نفسه رحمة ولا سخطة وإنَّما يكونان منه (٣). وعلى هذا الوجه يتوجّه أيضًا قول من قال: مُزيِّن السموات بالشمس والقمر والنجوم، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء؛ لأنَّ معنى المزيّن هنا: المنوِّر. وهذا القول يروى عن أبي بن كعب وأبي العالية (٤) والحسن (٥). ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: مثل نوره الذي أعطاه المؤمن (٦). ونحو هذا قال الكلبي: مثل نور الله في قلب المؤمن. وعلى هذا القول الكناية عائدة إلى الله تعالى. والمراد: مثل نوره الذي يقذفه في قلب المؤمن ويهديه به.

стр. 9291

وروي عن أبي بن كعب أنه قال في هذه الآية: ثم ذكر نور المؤمن فقال ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ يقول مثل نور المؤمن وكان أُبيّ يقرؤها (مثل نور المؤمن) قال: وهو عبد قد جعل القرآن والإيمان في صدره (١). وهذا القول كما روى عطاء عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: مثل نور من آمن بالله (٢). وهذا قول عامر الشعبي (٣) (٤). وقال السدي: مثل نوره في قلب المؤمن [قال (٥): وهو قراءة ابن مسعود: (مثل نوره في قلب المؤمن)] (٦). وهذا كقول الكلبي في عود الكناية إلى اسم الله تعالى. وعلى القول الثاني عادت الكناية إلى غير مذكور وهو المؤمن (٧).

стр. 9292

قال الأخفش: مثل ما أنار من الحق في بيانه (١). قوله ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ قال أبو عبيدة (٢) والفراء (٣) والكسائي (٤): المشكاة: الكُوَّة ليست بنافذة. وأنشد أبو عبيدة (٥) لأبي زُبيد (٦): كأنَّ عينيه مشكاتان في حجر قيضا ... اقتياضًا (٧) بأطراف المناقير (٨)

стр. 9293

وروى أبو عمر (١) عن الكسائي الإمالة في (مشكاة) وهي غير ممتنعة (٢)؛ لأنَّ مشكاة إذا ثنّي انقلب ألفها ياء (٣) سواء كان الألف فيها منقلبة عن ياء أو واو، وإذا كان كذلك لم تمتنع الإمالة (٤). قال ابن عباس في رواية عطاء وسليمان [بن قتَّة (٥)] (٦): ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ يعني كُوَّة غير نافذة بلسان الحبش (٧).

стр. 9294

وهذا قول السدي، والكلبي، وقتادة (١)، وجميع المفسرين (٢). قالوا: هي الكُوَّة غير النافذة كما قال أهل اللغة، غير أنَّ بعضهم ذكر أنها بلغة الحبشة. وهو السُّدي، وعكرمة، والكلبي (٣)، وسعد (٤) بن

стр. 9295

عياض- وعطاء عن ابن عباس. وذكر محمد بن كعب القرظي المراد بالمشكاة فقال: هي موضع الفتيلة من القنديل (١). وذكره ابن أبي نجيح- عن مجاهد أيضًا فقال: هي القصبة التي في جوف القنديل (٢).

стр. 9296

قال الأزهري: شبّه الله سبحانه قصبة الزجاجة التي توضع فيها الفتيلة التي يستصبح (١) بها بكوّة غير نافذة ولذلك سمَّاه مشكاة (٢). قوله ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ المصباح (٣): السّراج، في قول أهل اللغة (٤) والتفسير (٥). قال الليث: وهو قُرطه (٦) الذي تراه في القنديل وغيره يضيء (٧). قال مقاتل: هو السراج التام الضوء (٨). قال أبو علي: قوله ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ صفة للمشكاة لأنها جملة فيها ذكر يعود إلى الموصوف (٩). وقوله ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ قال الفراء: اجتمع القراء على ضمّ

стр. 9297

الزاي (١) وقد يقال: زجاجة وزجاجة (٢). وروى أبو عبيد، عن الأموي (٣) قال: هو الزُّجاج والزَّجاج والزِّجاج للقوارير (٤). قال وأقلها الكسر (٥). والمراد بالزجاجة هاهنا القنديل (٦). قال أبو إسحاق: النور في الزّجاج. وضوء النار أبين منه في كل شيء، وضوؤه يزيد (٧) في الزجاج (٨). ثم وصف الزجاجة فقال: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ ودُريّ (٩) منسوب إلى أنَّه كالدُّر في صفائه وحسنه (١٠).

стр. 9298

قال أبو علي: ويجوز أن يكون فعيِّلًا من الدَّرء مخففة الهمزة انقلبت ياءً (١)، كما تنقلب في النسيء والنِّبي ونحوه إذا خفِّفت (٢) ياؤه (٣). قال أبو إسحاق: يقال للكوكب: درأ يدرأ إذا تدافع منقضًا، فتضاعف ضوؤه، وهي النجوم الدَّراري التي تدرأ. أي: ينحطُّ ويسير متدافعًا (٤). وقال الفراء: درأ الكوكب إذ انحطّ كأنه رُجم به الشيطان فيدفعه (٥)، والعرب تُسمّي الكواكب العظام التي لا تعرف أسماءها: الدَّراري بغير همز (٦). وهذا أيضًا على تخفيف الهمز؛ لأن الأصل الهمز من الدَّرء وهو الدفع. وذكرنا للدَّفع وجهين، أحدهما ذكره أبو إسحاق، والثاني ذكره الفراء. وذكر أبو علي وجهًا ثالثًا فقال: المعنى أنَّ (٧) الخفاء اندفع عنه لتلألئه في ظهوره فلم يخف كما خفي نحو السُّها (٨) وما لا يُحصى (٩) من الكواكب (١٠).

стр. 9299

[وقرأ أبو عمرو والكسائي: (درّيء) مكسورة الدال مهموزة (١)، وهو فعيِّل من الدَّرء الذي هو الدفع كما ذكرنا، ومثله السِّكِّير والفسيق. قال أبو عثمان (٢)، عن الأصمعي، عن أبي عمرو (٣) قال: مُذْ خرجت من الخندق لم أسمع أعرابيًا يقول إلا كأنّه كوكب درِّي بكسر الدال، من درأت النجوم تدرأ، إذا اندفعت، وهذا فعيِّل منه (٤). قال سيبويه: (درّي) بكسر الدال إذا كان مضيئًا فهو مشتق من درأ يدرأ إذا (٥) كان ضوؤه يدفع بعضه بعضًا من لمعانه (٦). وقال ابن الأعرابي: درأ علينا فلان، أي: هجم. قال: والدِّرِّئ: الكوكب المنقض يدرأ على الشيطان (٧). وقال خالد بن يزيد: درأ علينا فلان وطرأ إذا طلع فجأةً، ودرأ الكوكب دروءًا من ذلك (٨).

стр. 9300

وقال نُصير الرازي: دُرُوء الكوكب طلوعه، يقال: درأ علينا (١). وهذا القول في الكوكب الدّرّي غير الأوّل. وقال شمر: يقال: درأت النار إذا أضاءت (٢). وهذا قول ثالث. وقرأ حمزة (دُرِّيء) بضم الدال مهموزًا (٣). قال الفراء: ولا تُعرف [جهة] (٤) ضمّ أوله وهمزه؛ لأنَّه لا يكون في الكلام فعيل إلا عجميًا (٥). وقال أبو إسحاق: لا يجوز أن يُضم الدال وُيهمز؛ لأنَّه ليس في الكلام فعيِّل، [والنحويون أجمعون لا يعرفون الوجه في هذا؛ لأنَّه ليس في كلام العرب شيء على فعيِّل] (٦) (٧). وحكى أبو بكر، عن أبي العباس (٨) أنَّه قال: غلط من قرأ (دُرِّيء)؛ لأنَّه بناه على فعيِّل، وليس في كلام العرب فعيِّل، غير أن سيبويه (٩) قال عن أبي الخطاب: وكوب دُريء، وهذه أضعف اللغات، قال: وهو في معنى (دُرّي) مأخوذ من الضوء والتلألؤ وليس بمنسوب إلى الدر. قال أبو علي: وجه هذه القراءة معروف، وهو أنَّه (فُعيِّل) من الدرء

стр. 9301

الذي هو الدفع، وهو صفة، ونظيره من الأسماء غير الصفة قولهم: المرِّيق (١)، وقد حكاه سيبويه .. [قال سيبويه] (٢): ويكون الكلام على (فُعيِّل) وهو قليل في الكلام [قالوا] (٣): المريِّق، حدثنا أبو الخطاب عن العرب قالوا: كوكب دري وهو صفة (٤). هكذا قرأته (٥) على أبي بكر (٦) بالهمز. وقد صرَّح سيبويه بأنه فعيِّل، وأنه في الصفة مثل المرِّيق في الاسم. ويدلك أيضًا على أن (دُرّي) عنده (فعِّيل) ما قبله وما بعده في الكتاب من الفصول، فالذي قبله (فعَّيل) وهو (٧) [في] (٨) الاسم: السكين والبطِّيخ، والصفة: الفسِّيق (٩)، وبعده (فُعَّيْل) في الاسم: العليق والقبيط (١٠)، والصفة: الزُّميل والسكيَّت (١١) (١٢).

стр. 9302

فكما (١) أن ما (٢) بعد (٣) الياء في هذه الفصول لا مات، كذلك ما بعد الياء في (دري) لام، وقد ثبت الضم مع الهمز بحكاية سيبويه وإثبات أبي الحسن (٤) وغيره، وقول من زعم أن ذلك ليس في كلامهم مع ما حكيناه غلط، ومما يثبت ما حكيناه ويقويه قولهم: العُلِّيَّة (٥)، وهو فعيلة من [العلو إلَّا أن اللام انقلبت للياء الساكنة قبلها (٦)، ولا يجوز أن يكون فعيلة من] (٧) مضاعف (٨) العين واللام، لأن معنى العلو قائم فيه، فلا يحمل اللفظ إلى (٩) غير العلو مع وجود هذا المعنى فيه، وهذا قول الأخفش، ومثله: السرية (١٠) وهي فعيِّلة من السَّرو (١١)، ولأن صاحبها إذا أراد استيلادها لم يمتهنها ولم يبتذلها [كما يتبذل] (١٢) من لا يراد للاستيلاد ولا يكون فعيلة من السرِّ لأنَّ السرَّ لا يتجه فيها إلا أن يريد: [أنَّ] (١٣) المولى قد يسر بها

стр. 9303

عن حرِّية (١). ويجوز إن أخذتها من السرور لأن صاحبها يُسر بها (٢) أمران: أحدهما: أن يكون فعلية (٣) من السرور. والآخر: أن تكون فعيلة (٤) فأبدل من لام فعيلة للتضعيف حرف الليل وأدغم (٥) ياء فعيلة فيها فصارت سرِّية (٦). قال: ولا يكون فعيِّلة (٧) من السراة لأن السراة: الظهر، وهي لا تؤتى من ذلك المأتى، ومن رأى ذلك جاز عنده أن يكون فعيِّلة من السراة. هذا الذي حكينا كلامه ذكر بعضه في كتاب "إصلاح الإغفال" (٨) وبعضه في "الحجة" (٩) في وجه تصحيح قراءة حمزة. والقدماء من النحويين

стр. 9304

على إنكارها، ويقولون في المريق: إنَّه أعجمي ذكر ذلك أبو العباس المبرد وغيره. والله أعلم. وذكر أبو عبيد لهذه القراءة وجهاً آخر فقال: كان في الأصل دروء على فعول ثم استثقلت الضمات المجتمعة فرد بعضها إلى الكسر فقيل: درِّئ، وقد وجدنا العرب تفعل هذا في فعول وهو أخف من الأول، كقراءة من قرأ: (عِتيا) [مريم: ٨] بالكسر، فإذا كان التحريك ممكنًا في المثال الأخف فهو في الثقيل أحرى وأمكن (١). وحكى أبو إسحاق في هذا الحرف قراءة شاذة وهي (درّي) بالفتح من غير همز (٢). قال أبو علي: ولا يكون ذلك إلا على تغيير النسب، ألا ترى أنه ليس في الكلام شيء على فعيل إلا ما حكاه أبو زيد أن بعضهم قال: عليكم بالسَّكِّينة في السَّكِينة، وذلك نادر فإذا كان كذلك علمت أنه مثل قولهم في الإضافة إلى أمية: أموي (٣). قوله (يُوقَدُ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو (٤) بالتاء مفتوحة ونصب

стр. 9305

الدال (١)، على أن فاعل (تَوقَّد) المصباحُ، وهذه القراءة هي البيّنة لأنَّ المصباح هو الذي يتوقد. قال امرؤ القيس: سَمَوت إليها والنُّجوم كأنَّها ... مصابيح رهبان تُشبُّ لقفَّال (٢)

стр. 9306

وقرئ (يُوقد) بضم الياء وبالدال (١)، أي: المصباح. وهذه القراءة كالأولى في المعنى. وقرئ (تُوقدُ) (٢) أي الزجاجة. والمعنى على مصباح الزجاجة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه (٣). وقرئ (توقَّدُ) بفتح التاء (٤) وتشديد القاف وضم الدال (٥). وهذا أيضًا على حمل الكلام على الزجاجة والمعنى (تتوقَّد) فحذف التَّاء الثانية (٦). وقوله تعالى ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ قال أبو علي: أي من زيت شجرة، فحذف المضاف، يدلّك (٧) على ذلك قوله ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ (٨). روى أبو أسيد (٩)، عن النبي ﷺ أنه قال: "كلوا الزَّيت (١٠)

стр. 9307

وادَّهنُوا (١) به؛ فإنَّه من شجرة مباركة" (٢). وروى عبد الله بن جراد (٣) أنَّ النبي ﷺ قال: "اللهم بارك في الزيت والزيتون، اللهم بارك في الزيت والزيتون" (٤).

стр. 9308

ومن البركة في الزيت والزيتون (١) ما ذكره عطاء، عن ابن عباس قال: فيها أنواع من المنافع، فالزيت يُسرج به، وهو إدام، وهو دهان، وهو دباغ، وهو وقيد (٢) يوقد بحطبه وثفله (٣)، وليس منه شيء إلا وفيه (٤) منافع حتى الرَّماد يُغسل به الإبريسم (٥). ومن بركتها أنها أول شجرة نبتت بعد الطوفان، وهي تنبت في منازل الأنبياء والمرسلين والأرض المقدسة، ودعا لها سبعون نبيًا بالبركة منهم إبراهيم الخليل (٦) ﵇ (٧) ونبينا محمد ﷺ كما ذكرنا. وذكر الزجاج من بركتها أنَّ أغصانها تكون مورقة من أسفلها إلى أعلاها، وليس في الشجر شيء يورق غصنه من أوله إلى آخره مثل الزيتون والرمّان (٨).

стр. 9309

وكذلك قال أبو طالب في بعض القرشيين (١) وقد مات بغزَّة (٢) يرثيه: بُورك الميت الغريب كما بورك ... نضر (٣) الرمان والزيتون (٤)

стр. 9310

ولا يحتاج دهنه إلى عصّار يستخرجه (١) (٢). وهذه كلها من بركات هذه الشجرة. وقوله ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بدل من قوله ﴿شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٣). وخص الزيتونة من بين سائر الأشجار؛ لأن دهنها أضوى وأصفي (٤).

стр. 9311

قوله ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عكرمة: هي شجرة بالصحراء (١)، لا يظلها شجر ولا جبل ولا كهف، ولا يواريها شيء، وهو أجود لزيتها (٢). وقال السدي: يقول: ليست بشرقيّة يحوزها المشرق دون المغرب، وليست (٣) بغربيّة يحوزها المغرب دون المشرق، ولكنّها على رأس جبل في صحراء تصيبها الشمس النهار كله (٤). وقال الكلبي: هي بفلاة (٥) على تلعة (٦) من الأرض لا يصيبها ظل غرب ولا شرق، ولا يسترها من المشرق ولا من المغرب شيء، وهو أصفى الزيت (٧). وقال قتادة: هي شجرة لا يفي عليها ظل شرق ولا غرب (٨)، ضاحية

стр. 9312

للشمس (١). وزيتها أصفى الزيت (٢). ونحو هذا قال عكرمة (٣)، ومجاهد (٤)، وجويبر عن الضحاك (٥)، وأكثر المفسرين (٦). واختاره الفراء، والزجاج (٧). قال الفراء: الشَّرقية التي تأخذها الشمس إذا شرقت ولا تصبها [إذا غربت؛ لأن لها سترًا (٨). والغربية التي تصيبها الشمس بالعشي (٩) ولا تصيبها] (١٠) بالغداة، فلذلك قال ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ﴾ وحدها ﴿وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ وحدها ولكنها شرقية غربية، وهو (١١) كما تقول في الكلام: فلان لا مُسافر ولا مُقيم، إذا كان يسافر ويقيم، والمعنى أنه ليس بمنفرد بإقامة ولا سفر (١٢).

стр. 9313

ونحو هذا قال أحمد بن يحيى (١)، فقال: يقول: هي شرقية غربية، كما تقول: ليس هذا بأبيض ولا أسود، إذا كان له من كلا الأمرين قسط ونصيب. قال الفرزدق: بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم يكثر (٢) القتلى (٣) بها حين سلَّت (٤) يعني: شاموا سيوفهم وأكثروا بها من القتلى. وقال الزجاج: أي تصيبها الشمس بالغداة والعشي فهو أنضر لها وأجود لزيتها وزيتونها (٥). وفسر قوله ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ بضد التفسير الذي ذكرنا:

стр. 9314

قال أبو مالك في قوله ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾: هي شجرة بين (١) الأشجار، لا تصيبها الشمس في شرق ولا غرب (٢). وهذا قول أبي روق، والضحاك (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، قالوا: لا تصيبها الشمس لا شرقًا ولا غربًا. قال سعيد: وذاك أجود ما يكون من الزيت (٥). وهذا القول يروى عن أبيّ بن كعب ﵀ قال: هي شجرة التفَّ بها الشجر (٦) فهي خضراء ناعمة، لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت (٧). وروى الربيع بن أنس (٨)، عن أبي العالية قال: ليس هذا في الدنيا

стр. 9315

إنما هو مثل ضرب (١). ونحو هذا قال الحسن: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا، ولو كانت في الأرض لكانت شرقية أو غربية، وإنَّما هو مثل ضربه الله (٢). وقال ابن زيد: يعني أنها شامية؛ لأنَّ الشَّام لا شرقي ولا غربي (٣). والقول هو الأول. قوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا﴾ زيت الزيتونة يعني: الدهن ﴿يُضِيءُ﴾ المكان من ضيائه وصفائه (٤). ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ ولو لم تصبه النار. واختلفوا في المراد بهذا المثل. فروي عن أبي بن كعب أنه قال: هذا مثل لعبد قد جُعل الإيمان والقرآن في صدره، فالمشكاة: قلبه، والمصباح: هو الإيمان والقرآن، والزجاجة: صدره (٥).
следующие страницы →