← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 9311–9350 · переход к 9316.

стр. 9311

قوله ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عكرمة: هي شجرة بالصحراء (١)، لا يظلها شجر ولا جبل ولا كهف، ولا يواريها شيء، وهو أجود لزيتها (٢). وقال السدي: يقول: ليست بشرقيّة يحوزها المشرق دون المغرب، وليست (٣) بغربيّة يحوزها المغرب دون المشرق، ولكنّها على رأس جبل في صحراء تصيبها الشمس النهار كله (٤). وقال الكلبي: هي بفلاة (٥) على تلعة (٦) من الأرض لا يصيبها ظل غرب ولا شرق، ولا يسترها من المشرق ولا من المغرب شيء، وهو أصفى الزيت (٧). وقال قتادة: هي شجرة لا يفي عليها ظل شرق ولا غرب (٨)، ضاحية

стр. 9312

للشمس (١). وزيتها أصفى الزيت (٢). ونحو هذا قال عكرمة (٣)، ومجاهد (٤)، وجويبر عن الضحاك (٥)، وأكثر المفسرين (٦). واختاره الفراء، والزجاج (٧). قال الفراء: الشَّرقية التي تأخذها الشمس إذا شرقت ولا تصبها [إذا غربت؛ لأن لها سترًا (٨). والغربية التي تصيبها الشمس بالعشي (٩) ولا تصيبها] (١٠) بالغداة، فلذلك قال ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ﴾ وحدها ﴿وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ وحدها ولكنها شرقية غربية، وهو (١١) كما تقول في الكلام: فلان لا مُسافر ولا مُقيم، إذا كان يسافر ويقيم، والمعنى أنه ليس بمنفرد بإقامة ولا سفر (١٢).

стр. 9313

ونحو هذا قال أحمد بن يحيى (١)، فقال: يقول: هي شرقية غربية، كما تقول: ليس هذا بأبيض ولا أسود، إذا كان له من كلا الأمرين قسط ونصيب. قال الفرزدق: بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم يكثر (٢) القتلى (٣) بها حين سلَّت (٤) يعني: شاموا سيوفهم وأكثروا بها من القتلى. وقال الزجاج: أي تصيبها الشمس بالغداة والعشي فهو أنضر لها وأجود لزيتها وزيتونها (٥). وفسر قوله ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ بضد التفسير الذي ذكرنا:

стр. 9314

قال أبو مالك في قوله ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾: هي شجرة بين (١) الأشجار، لا تصيبها الشمس في شرق ولا غرب (٢). وهذا قول أبي روق، والضحاك (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، قالوا: لا تصيبها الشمس لا شرقًا ولا غربًا. قال سعيد: وذاك أجود ما يكون من الزيت (٥). وهذا القول يروى عن أبيّ بن كعب ﵀ قال: هي شجرة التفَّ بها الشجر (٦) فهي خضراء ناعمة، لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت (٧). وروى الربيع بن أنس (٨)، عن أبي العالية قال: ليس هذا في الدنيا

стр. 9315

إنما هو مثل ضرب (١). ونحو هذا قال الحسن: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا، ولو كانت في الأرض لكانت شرقية أو غربية، وإنَّما هو مثل ضربه الله (٢). وقال ابن زيد: يعني أنها شامية؛ لأنَّ الشَّام لا شرقي ولا غربي (٣). والقول هو الأول. قوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا﴾ زيت الزيتونة يعني: الدهن ﴿يُضِيءُ﴾ المكان من ضيائه وصفائه (٤). ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ ولو لم تصبه النار. واختلفوا في المراد بهذا المثل. فروي عن أبي بن كعب أنه قال: هذا مثل لعبد قد جُعل الإيمان والقرآن في صدره، فالمشكاة: قلبه، والمصباح: هو الإيمان والقرآن، والزجاجة: صدره (٥).

стр. 9316

وهذا قول الكلبي، والسدي، وقتادة (١) والحسن، وابن زيد (٢)، وقول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير (٣). قال ابن عباس في قوله ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾: يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى ونورًا على نور، كقول إبراهيم ﵇ قبل أن تجيئه المعرفة ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] من غير أن أخبره (٤) أحدٌ أن له ربًّا (٥)، فلما أخبره الله أنَّه ربه ازداد هدى على هدى (٦).

стр. 9317

قوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ قال مجاهد: النار على الزيت (١). وقال الكلبي: المصباح نور، والقنديل نور (٢). قال ابن عباس: وهو مثل لإيمان المؤمن وعمله (٣). وقال الحسن: يعني أن القرآن نور من الله لخلقه مع ما قد (٤) قام لهم الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن (٥). وقال أُبي بن كعب: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ يعني أن المؤمن يتقلَّب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة (٦). وقال السدي: نور الإيمان ونور القرآن (٧). وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ يعني محمدًا ﷺ (٨). قال أبو إسحاق: وذلك جائز أن يراد بالنور في قوله ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ محمد

стр. 9318

- ﷺ لأنَّه هو المرشد والمبيّن والناقل عن الله على ما هو نيّر بيّن (١). والمشكاة: قلبه، والمصباح: مثل لما في قلبه من الإيمان والنّور (٢) والنبوة والحكمة، والزجاج: مثل لصدره في الصفاء والحسن والنقاء، ثم قال: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ يقول: استنار نور محمد ﷺ من نور إبراهيم ﵇؛ لأنَّه من ولده وعلى دينه ومنهاجه وسنّته، ويعني بالزيتونة حسن طاعة إبراهيم لله تعالى في دار الدنيا، ثم قال في صفة الزيتونة ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ يقول: إن إبراهيم ﵇ لم يكن يصلي (٣) قبل المشرق ولا قبل المغرب أي: لم يكن يصلي قبلة اليهود ولا قبلة النصارى (٤) وقوله ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ يقول: لو أنَّ إبراهيم لم يكن نبيًا لأعطاه الله بحسن (٥) طاعته لله في الدنيا الثواب مع الأنبياء، ثم قال: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ يقول: استنار نور محمد ﷺ من نور إبراهيم. وهذا كلام ابن عباس في رواية عطاء (٦). ونحو هذا روي عن ابن عمر (٧) وكعب الأحبار (٨) في هذه الآية.

стр. 9319

قال القرظي: المشكاة: إبراهيم، والزجاجة: إسماعيل، والمصباح: محمد ﷺ ، والشجرة المباركة: إبراهيم؛ لأن أكثر الأنبياء كانوا من صلبه، ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا. وقوله ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ يقول: تكاد محاسن محمد ﷺ تظهر للناس قبل أن يوحى (١) إليه ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ نبي مرسل من نسل نبي مرسل (٢). وقال مقاتل: شبه عبد المطلب بالمشكاة، وعبد الله بالزجاجة، والنبي محمد ﷺ بالمصباح، فورث النبوة من أبيه إبراهيم ﵇، وهو قوله ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٣).

стр. 9320

قوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال ابن عباس: لدينه الإسلام (١). وإن شئت قلت للقرآن، وإن شئت لمحمد ﷺ على اختلاف التفسير في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾. ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ ويبيّن الله الأشباه للناس تقريبًا إلى الأفهام وتسهيلًا لسبل الإدراك (٢) ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ٣٦ - ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ اختلفوا في المتصل به من قوله ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ فذكر الزجاج (٣) والفراء (٤) قولين: أحدهما: أنَّه من صلة المشكاة على تقدير: كمشكاة فيها مصباح في بيوت [فيكون قوله ﴿فِي بُيُوتٍ﴾] (٥) وصفًا للنكرة كما كان قوله ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وصفًا لها. وهذا القول اختيار أبي علي، قال: وفي قوله ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ ضمير مرفوع يعود إلى الموصوف، لأن الظرف في الصفة مثله في الصلة (٦).

стр. 9321

القول الثاني: أنَّ (فِي) متصلة بقوله (يُسَبِّحُ لَهُ) ويكون (١) (فِيهَا) تكرارًا على التوكيد كقولك: في الدار قام زيد فيها. وهذا القول إنّما هو على قراءة العامة (٢). [وعلى قراءة] (٣) من قرأ (يسبَّح) بفتح الباء لا تكون (في) من صلة التسبيح. وذكر غيرهما (٤) أن (٥) (في) من صلة (توقد). هذا الذي ذكرنا معنى قول أهل المعاني. والاختيار أن لا تجعل هذه الآية متصلة بما قبلها؛ لأنَّ الآية الأولى في (٦) ضرب المثل لنور المؤمن بالمشكاة التي فيها مصباح يُزهر بزيت (٧) مضيء. ولا فائدة في وصف المصباح بكونه في بيوت أو في غيرها، ولا تأكيد لضوئها بأن تُوصف (٨) أنَّها في بيوت يذكر فيها اسم الله، وأيضًا فإنَّه وحدّ المشكاة وجمع البيوت، ولا تكون مشكاة في بيوت (٩)، فإذن الأولى أن يقال: قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ ابتداء كلام في وصف مساجد المؤمنين (١٠)

стр. 9322

الذين يذكرون الله فيها ويعبدونه وُيصلّون له. وأما معنى البيوت: فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد المساجد (١). وهو قول أبي صالح (٢)، ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح (٣)، ومقاتل (٤)، وعكرمة (٥)، والحسن (٦) وأكثر المفسرين (٧). وعلى هذا الآية عامة في جميع المساجد. قال ابن عباس فيما روى عنه سعيد بن جبير: المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تُضيء لأهل السَّماء (٨) كما (٩) تضيء النُّجوم لأهل الأرض (١٠).

стр. 9323

ومنهم من خصَّص البيوت هاهنا، فقال: هي أربعة مساجد لم يبنهنَّ إلا نبي: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل، وبيت (١) أريحا بناه داود وسليمان، ومسجد المدينة ومسجد قُباء بناهما النبي ﷺ . وهذا قول ابن بريدة. وقال السدي: هي بيوت المدينة (٢). وإنَّما خصَّ بيوت المدينة لأنها كانت يُصلّى فيها، ويذكر الله فيها حين نزلت هذه الآية. وروى ليث عن مجاهد قال: هي بيوت النبي ﷺ (٣). وقد روي مرفوعًا أنَّ النبي ﷺ قرأ هذه الآية، فسئل أي بيوت هذه؟ فقال: "بيوت الأنبياء" (٤).

стр. 9324

والقول هو الأول. وقوله ﴿أَذِنَ اللَّهُ﴾ قال مقاتل: أمر الله (١). ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ قال ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، ومقاتل (٤)، وغيرهم (٥): أن تبنى، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾ [البقرة: ١٢٧]. وقال الحسن: (ترْفَعَ) أي: تُعظَّم (٦).

стр. 9325

والمعنى: لا يتكلم فيها بالخنا (١). قال أبو علي: قوله ([أذن الله] (٢) أن ﴿تُرْفَعَ﴾) صفة للبيوت، والعائد منها إلى البيوت الذكر الذي في قوله ﴿تُرْفَعَ﴾ (٣). قوله ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال مقاتل: يوحّد الله فيها (٤).

стр. 9326

﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ يُصلى لله في تلك البيوت. ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ يعني الصَّلوات المفروضة في قول المفسرين (١). ٣٧ - ﴿رِجَالٌ﴾ وهي ترتفع بقوله ﴿يُسَبِّحُ﴾. وقرأ ابن عامر (يُسَبَّحُ) بفتح الباء (٢)، وهذا على أنَّه أقام الجار والمجرور مقام الفاعل، ثم فسر من يُسبّح؟ فقال: (رجال) أي: يسبّح له فيها رجال (٣)، فرفع رجالًا بهذا المضمر الذي دلّ عليه قوله: (يسبح)؛ لأنه إذا قال (يُسَبّح) دلّ على فاعل التسبيح، ومثل هذا قول الشاعر (٤):

стр. 9327

ليبك يزيد ضارع لخصومة لما قل: ليبك (١) يزيد دلّ على فاعل للبكاء كأنَّه قيل: من يبكه (٢)؟ فقيل: يبكه ضارع. والوجه قراءة الجمهور، فيكون فاعل يُسبِّح (رجال) الموصوفون (٣) بقوله: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾ (٤) أي: لا تشغلهم تجارة (٥).

стр. 9328

قال مقاتل: يعني الشراء (١). وبنحوه قال الواقدي. وعندهما أنَّ التجارة اسم للشراء هاهنا خاصة لقوله ﴿وَلَا بَيْعٌ﴾ فذكر البيع مفردًا. وقال الفراء: التجارة لأهل الجَلَب، والبيع ما باعه الرجل على يديه، كذا جاء في التفسير (٢). وهذا القول أولى؛ لأن التجارة اسم للبيع والشراء فيبعد أن يخصّ بأحدهما (٣). وخُصّت التجارة بالذكر من بين الشواغل عن الصلوات (٤)؛ لأنَّها أعظم ما يشغل بها الإنسان عن الصلاة وأعمها (٥). قوله ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال المقاتلان: يعني الصلوات المفروضة (٦). وقال عطاء: عن شهود الصلاة المكتوبة (٧).

стр. 9329

قال ابن عباس: يريد أنهم إذا حضر (١) وقت الصلاة لم يلههم حب الربح أن يأخروا الصلاة عن وقتها (٢). وقال الثوري: كانوا يشترون ولا يدعُون الصلاة في الجماعات في المساجد (٣). وقوله ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ قال الكلبي: يعني: وإتمام الصلاة (٤). والمعنى: لا تشغلهم عن أدائها وإقامتها لوقتها (٥). وفائدة قوله ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ بعد قوله ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ والمراد به الصلاة المفروضة إقامتها لوقتها (٦). قال الزجاج: يقال: أقمت الصلاة إقامة. وكان أصلها: إقوامًا (٧)، ولكن قلبت الواو ألفًا؛ فاجتمعت ألفان، فحذفت إحداهما وهي المنقلبة لالتقاء الساكنين، وأدخلت الهاء عوضًا من المحذوف، وقامت الإضافة هاهنا مقام الهاء المحذوفة (٨). وزاد الفراء بيانًا فقال: ومثله مما سقط بعضه فجعلت فيه الهاء

стр. 9330

قولهم: وعدته عدةً، ووزنته زنةً، ووجدت من المال جدةً. لمَّا أسقطت الواو من أوله كثِّر بالهاء في آخره، وإنّما أستجيز سقوط الهاء من قوله ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾؛ لإضافتهم إياها. وقالوا (١): الخافض وما (٢) خفض بمنزلة الحرف الواحد، فلذلك أسقطوها (٣) في الإضافة، وأنشد: إن الخليط أجدُّوا (٤) البين فانجردوا (٥) ... وأخلفوك عد (٦) الأمر الذي وعدوا (٧) يريد: عدة الأمر فاستجاز إسقاط الهاء حين أضافها (٨). وقوله: ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ قال ابن عباس: إذا حضر وقت الزكاة (٩) لم يحبسوها. هذا قوله في رواية عطاء (١٠). وهو قول الحسن، قال: [يعني الزكاة الواجبة في المال (١١).

стр. 9331

وروي عن ابن عباس أنه قال:] (١) يعني بالزكاة (٢): طاعة الله والإخلاص (٣). وعلى هذا المعنى أنهم يبذلون من أنفسهم الطاعة الخالصة لله، ولعل الأقرب هذا؛ فإنه ليس كل المؤمنين من أهل الزكاة الواجبة في المال، بل عامتهم فقراء لا تجب عليهم الزكاة فلا يحسن إخراجهم عن هذه الجملة، كيف وقد قال مقاتل (٤) في هذه الآية: نزلت في أصحاب الصفُّة، وهم كانوا من أفقر الناس وأزهدهم في الدنيا. وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ ذكروا فيه ثلاثة (٥) أقوال: أحدها: أن القلوب زالت عن أماكنها من الصدور، فنشبت (٦) في الحلوق عند الحناجر، والأبصار تزرق (٧) فتكون زرقًا. قاله مقاتل بن سليمان (٨).

стр. 9332

ونحوه قال الضحاك: يُحشر الكافر وبصره حديد، فترزق [عيناه] (١)، ثم يعمى، وينقلب فلبه في جوفه يريد أن يخرج فلا يجد مخلصًا، حتى يقع في الحنجرة، فذلك قوله ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر: ١٨] (٢). القول الثاني: أن القلوب تتقلب من الطمع في النجاة والخوف من الهلاك، والأبصار تتقلب من أين يؤتون كتبهم؟ أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل؟ (٣). القول الثالث: ذكره الفراء، والزجاج، وابن قتيبة. وهو: أنَّ من كان قلبه مؤمنًا بالبعث والقيامة ازدافى بصيرة ورأى ما وعد به، ومن كان قلبه (٤) على غير ذلك رأى ما يوقن معه بأمر القيامة والبعث؛ فعلم بقلبه وشاهد ببصره، فذلك تقلب القلوب والأبصار. هذا كلام أبي إسحاق (٥)، وهو معنى قول الفراء (٦). وقال ابن قتيبة: يريد أنَّ القلوب يوم القيامة تعرف الأمر يقينًا فتنقلب عما كانت عليه من الشك والكفر، والأبصار ترى يومئذ ما كانت مغطاة عنها فتنقلب عما كانت عليه، ونحوه قوله ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢] (٧).

стр. 9333

والوجه قول أبي إسحاق لدخول قلوب المؤمنين والكافرين فيما ذكر من التفسير (١). ٣٨ - قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ اللام تتعلق (٢) بقوله ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ أي: يسبحون له تعالى ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ (٣).

стр. 9334

قال مقاتل: يعني الذي (١) عملوا من الخير ولهم مساوئ فلا يجزيهم بها (٢). والمعنى: ليجزيهم بحسناتهم؛ والمراد بالأحسن: جميع الحسنات، وهي موصوفة في مقابلة الذنوب بأنَّها أحسن (٣). قوله تعالى ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس: تفضّلا منه عليهم. وقال مقاتل: فضلا على أعمالهم (٤). والمعنى أنه يزيدهم ما لا يستحقوه بأعمالهم (٥). ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ مفسر فيما مضى (٦). ثم ذكر الكفّار وضرب المثل لأعمالهم ٣٩ - فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ قال الفراء: السَّراب ما لصق بالأرض، والآل الذي يكون ضحى كالماء بين السماء والأرض (٧). وقال ابن السكيت: السَّراب الذي يجري على وجه الأرض كأنَّه

стр. 9335

الماء، وهو يكون نصف النهار وهو (١) الذي يلصق بالأرض (٢). وقال أبو الهيثم: سمَّي السراب سرابًا؛ لأنه يسرب سربًا، أي: يجري جريًا. يقال: سرب الماء يسرب سروبًا (٣). وقال الفراء: القيعة (٤): جمع القاع، كما قالوا: جاز وجيزة. والقاع: ما انبسط من الأرض، وفيه (٥) يكون السراب نصف النهار (٦). وقال الليث: القاع، أرض واسعة قد انفرجت عنها (٧) الجبال والآكام. يقال: قاعٌ وأقوع وأقواع وقيعة وقيعان، وهو ما استوى من الأرض، لا حصى فيها ولا حجارة، ولا ينبت الشجر، وما حواليه أرفع منه، وهو مصبُّ المياه (٨). قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ وهو الشديد العطش. يقال ظمئ يظمأ ظمأً فهو ظمآن (٩). وقوله ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ قال أبو إسحاق (١٠): أي: حتى

стр. 9336

إذا جاء إلى السَّراب وإلى موضعه رأى أرضًا لا ماء فيها (١). وهو معنى (٢) ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾. قال المبرد: أي شيئًا مما حسب (٣). وقال غيره: أي شيئًا على ما قدَّر (٤). قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: أعمال الكفّار إذا احتاجوا إليها مثل السراب إذا رآه الرجل وقد احتاج إلى الماء، فأتاه فلم يجده شيئًا، فذلك مثل عمل الكافر يرى أن له ثوابًا وليس له ثواب (٥). وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله لعمل الكافر [يحسب أنّه في شيء كما يحسب السراب ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وكذلك الكافر] (٦) إذا مات لم يجد عمله شيئًا (٧). وقال مجاهد: عمل الكافر [إذا جاءه لم يجده شيئًا، وإتيانه إياه (٨): موتُه وفراقه الدنيا (٩).

стр. 9337

وروى الربيع، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب في هذه الآية قال: كذلك (١) الكافر] (٢) يجيء يوم القيامة وهو يحسب أنّ له عند الله خيرًا فلا يجده ويدخله الله النار (٣). مقاتل: يقول: هكذا الكفار حتى إذا انتهى الواحد منهم إلى عمله يوم القيامة وجده لم يغن (٤) عنه شيئًا، كما لم يجد العطشان السراب شيئًا، حتى انتهى إليه فمات من العطش وهلك (٥)، فكذا (٦) الكافر يهلك يوم القيامة (٧). وقال أبو إسحاق: أعلم الله أن الكافر الذي يظن أن عمله قد نفعه عند الله ظنُّه كظن الذي يظن أن السَّراب ماء (٨). وقال ابن قتيبة: الكافر يحسب ما قدم من عمله نافعه كما يحسب العطشان السراب من البعد ماءً يرويه ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾ أي مات لم يجد عمله شيئًا لأنَّ الله قد أبطله بالكفر ومحقه (٩). وقوله ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ قال مقاتل: وجد الله بالمرصاد عند عمله ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ يقول جازاه بعمله (١٠).

стр. 9338

وقال الفراء: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ عند عمله يقول: قدم على الله فوفاه حسابه (١). وقال صاحب النظم في هذه الآية: هذا نظم غامض؛ لأنَّه وصف أعمال الكفار التي يريدون بها البرَّ في الدنيا بأنَّها (٢) تبطل في الآخرة ولا تنفعهم شيئًا، فشبهها بالسراب الذي يحسب الظمآن أنه ماء فإذا جاءه لم يجده شيئًا، كذلك الكفار في أعمالهم لا تنفعهم ولا تُقبل منهم فهي كأنَّها لا شيء، وقوله ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ﴾ متصل بالظمآن دون الكفار، إلا أنَّه لما جعل الظمآن والسَّراب مثلًا للكفار في بُطول أعمالهم، أقامه (٣) مقامهم فيما يصير إليه عاقبة أمورهم، فقال ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ فجاء بذكر الظمآن على التوحيد، والمعني (٤) به الكفّار؛ لأنَّ الظمآن هاهنا مثل لا عين يقصد بالخبر، والعين المقصود بالخبر هم الكفّار، وهم يُوفَّون الحساب، يدلك (٥) على ذلك قوله: ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [وهذا لا يحتمل اتصاله بالظمآن: لأنَّه لا يكون هنالك حساب، وإنّما الحساب في الآخرة. هذا كلامه. ومعنى هذا أن قوله ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ في الظاهر خبر عن الظمآن، والمراد به الخبر عن الكفار، ولكن لما ضرب الظمآن مثلًا للكفار جعل الخبر عنه كالخبر عنهم.

стр. 9339

قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١) قال مقاتل: يخوفهم بالحساب كأنَّه قد جاء (٢). والمعنى على هذا أنَّه عن قريب يحاسب الكفَّار. وهذا الوجه سوى ما ذكرنا الوجوه في معنى ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٣) في سورة البقرة (٤). ٤٠ - ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ قال أبو إسحاق: أعلم الله أن أعمال الكفار إن مثِّلت بما يوجد فمثلها مثل السراب، وإن مثِّلت بما يُرى فهي كهذه (٥) الظلمات التي وصف في قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ الآية (٦). ومعنى قوله (بما يوجد وبما يرى) يعني بالعين وبالأثر (٧). فالتشبيه بالسراب تشبيه بعين، والتشبيه بالظلمات تشبيه بأثر وحدث. وقال صاحب النظم: الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار، ثم رجع إلى ذكر كفرهم فقال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ يعني كفرهم، ولم يذكر الكفر هاهنا

стр. 9340

إنَّما نسقه على أعمالهم لأن الكفر أيضًا من أعمالهم فشبَّهه (١) بالظلمات كما قال : ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] أي من الكفر إلى الإيمان يدل على ذلك قوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ يعني به الإيمان (٢). وقال أبو علي الفارسي: قوله ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ معناه: أو كذي ظلمات، ويدلُّ على حذف المضاف قوله: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ﴾ فالضمير الذي أضيفت إليه يده يعود إلى المضاف المحذوف. ومعنى ذي ظلمات: أنَّه في ظلمات] (٣)، ومثل (٤) حذف المضاف هنا حذفه في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩] تقديره: أو كذوي صيّب، أو أصحاب صيّب فحذف المضاف (٥). فعلى قول أبي إسحاق، التمثيل وقع لأعمال الكافر. وهو قول عامة المفسرين (٦)، وعلى قول صاحب النظم، التمثيل وقع لكفر الكافر، وعلى قول أبي علي، التمثيل وقع للكافر (٧). وهو قول ابن عباس في رواية عطاء قال: هذا مثل للمشرك.

стр. 9341

ونحو هذا قال قتادة: هو (١) مثل ضربه الله للكافر وأف يعمل في ظلمة وحيرة (٢). وهو قول أبي بن كعب (٣). وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: هذا مثل قلب الكافر (٤). وهو قول السُّدي (٥)، ومقاتل (٦)، والكلبي، والفراء (٧). قوله تعالى: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ قال أبو عبيدة: (لُجيّ) مضاف إلى اللُّجَة، وهو معظم البحر (٨). وقال الليث: بحر لجيّ: واسع اللُّجة (٩). وقال الفراء: بحر لُجيّ ولجيّ، كما يُقال (١٠): سُخريّ وسخري (١١).

стр. 9342

وقال المبرد: اللُّجي: العظيم اللُّجة. ومعناه: كثرة الماء. ولجج فلانٌ إذا توسَّط، ولجَّة البحر: معظم مائه حيث لا يُرى أرض ولا جبل (١). وقال ابن عباس: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ يريد: عميق. وهو قول قتادة (٢)، ومقاتل (٣). ومعنى ﴿لُجِّيٍّ﴾ له لجَّة، ولجتُه حيث يبعد عمقه، فهو بمعنى العميق، كما ذكره أهل التفسير. قال مقاتل: والبحر إذا كان عميقًا كان أشد لظلمته (٤). وقوله ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ أي يعلو ذلك البحر اللجّي موج. ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ قال ابن عباس: يريد موجًا من فوق الموج (٥). ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ من فوق الموج] (٦) ﴿سَحَابٌ﴾. ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ يعني ظُلمة البحر، وظلمة الموج، [وظلمة

стр. 9343

الموج] (١) فوق الموج، وظلمة السحاب. و ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ (٢) خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذه ظلمات بعضها فوق بعض (٣). ومن قرأ (٤) (سحابٌ) بالتنوين (ظلمات) بالكسر والتنوين جعلها بدلاً من الظلمات الأولى. ومن قرأ (٥) (سحابُ ظلمات) فأضاف السحاب إلى الظلمات، فالظلمات هي الظلمات التي تقدّم ذكرها، وأضاف السحاب إليها لاستقلال السحاب وارتفاعه في ذلك الوقت وهو وقت كون هذه الظلمات كما تقول: سحاب رحمة، وسحاب مطر، إذا ارتفع في الوقت الذي يكون فيه المطر والرحمة (٦).

стр. 9344

فمن قال: هذا مثل لأعمال الكافر، فالمعنى أنه يعمل في حيرة لا يهتدي لرشد، فهو في جهله وحيرته كمن في هذه الظلمات. قال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلمات: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار (١). ومن قال: هذا مثل لكفر (٢) [الكافر فكفره عمله كما بيَّناه. ومن قال: هذا مثل للكافر] (٣)، فالكافر من عمله وكلامه متقلّب في ظلمات وجهالة. ومن قال هذا مثل لقلب الكافر، وهو قول عامة المفسرين (٤)، فقال الكلبي: شبّه قلب الكافر بالبحر، يغشى ذلك البحر موج من فوق ذلك الموج موج. يعني ما يغشى قلبه من الشك والجهل والحيرة والرين والختم والطبع (٥).

стр. 9345

وقال السدي: يعني ظلمة القلب (١)، وظلمة الصدر، وظلمة الجوف (٢). وهذا غير مرضي من القول، لأنَّ كل واحد بهذه الصفة لا ينفذ الضوء إلى جوفه وصدره وقلبه. إلاَّ أن يراد بظلمة قلبه أنَّه لا يُبصر نور الإيمان، ولا يعقل، ثم يبقى عليه ظلمة الصدر والجوف، فيحمل على ما قال مقاتل: قلب مظلم في صدر مظلم، وجسد مظلم لا يبصر نور الإيمان كما أن صاحب البحر إذا أخرج يده في الظلمة لم يكد يراها (٣). فبين أن هذه الظلمات مثل لظلمات الجهل والحيرة. وقوله ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ تأكيد لشدة هذه الظلمات. وهذا اللفظ يحتمل (٤) معنيين: أحدهما: رآها (٥) من بعد أن كان لا يراها من شدة الظلمة. والثاني: لم يرها ولم يكد. قال الفراء: والأول (٦) وجه العربية (٧)؛ والثاني هو معنى الآية: لأنَّ

стр. 9346

أقل من هذه الظلمات التي وصفها لا يرى فيها الناظر كفّه (١). ونحو هذا قال الزجاج سواء (٢)، وهو قول مقاتل (٣) والمفسرين (٤)، قالوا: معناه: لم يرها ألبتَّه. قال الحسن: لم يرها ولم يقارب الرؤية (٥). قال المبرّد: لم يقارب أن يراها، ومعنى ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾: نفي المقاربة (٦) من الرؤية (٧). وقال الأخفش: إذا قلت: (لم يكد يفعل) كان المعنى: لم يقارب الفعل ولم يفعل، على صحّة الكلام، وهكذا معنى الآية. إلَّا أنَّ اللغة قد أجازت (لم يكد يفعل) وقد فعل بعد شدة (٨)، وليس هذا صحة الكلام؛

стр. 9347

لأنه إذا قال: (كاد يفعل) فإنما يعني قارب الفعل، وإذا قال: (لم يكد يفعل) يقول: لم يقارب الفعل. هذا كلامه (١). فعند الأخفش والمبرّد إذا قلت: لم يكد يفعل، نفي للفعل والمقاربة منه. وقال ابن الأنباري: قال اللغويون: (كدت أفعل) معناه [عند العرب: قاربتُ الفعل ولم أفعل، و (ما كدت أفعل) معناه] (٢): فعلت بعد إبطاء، وشاهده قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] معناه: فعلوا بعد إبطاء، لتعذَّر وجدان البقرة عليهم. قال: وقد يكون (ما كدت أفعل) بمعنى: ما فعلت ولا قاربت، إذ أُكِّد الكلام بأكاد وجعل صلة (٣). وعلى ما ذكره (يكد) صلة في الآية وتأكيد، والمعنى: لم يرها. وأنشد: سريعٌ إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما إن يكادُ قرنهُ يتنفس (٤)

стр. 9348

أراد: ما إن يتنفس. وأنشد لحسان (١): وتكاد تكسل (٢) أن تجيء فراشها قال: أراد: وتكسل أن تجيء قال: ويقال معنى قوله ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾: لم يُرد أن يراها؛ لأن تلك الظلمات آيسته من تأمل يده فيكد بمعنى: يُرد، وأراد: أن يراها، فحذف (أن) وارتفع الفعل كقوله ﴿تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]. وقيل في قوله ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦]: كذلك أردنا (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ قال ابن عباس: من لم يجعل الله له دينًا فما له من دين (٤). وقال السدي: ومن لم يجعل الله له إيمانًا فما له من إيمان (٥).

стр. 9349

وقال مقاتل: يعني هدى، وهو الإيمان (١). وقال الزجاج: من لم يهده الإسلام لم يهتد (٢). ٤١ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مضى تفسير هذا في سورة الحج (٣)، وعند قوله ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقوله: ﴿وَالطَّيْرُ﴾ عطف على (من) (٤). وخص بالذكر؛ لأنَّها تكون في الجوّ بين السماء والأرض فهي خارجة عن جملة ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٥). وقوله ﴿صَافَّاتٍ﴾ يعني باسطات أجنحتها في الهواء (٦). وقوله ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ قال مجاهد: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه (٧).

стр. 9350

وذكر الفراء (١) والزجاج (٢) وصاحب النظم في هذا تقديرات ثلاثًا (٣): أحدها: أن يعود الضمير في الصلاة والتسبيح على لفظ (كلّ) أي أنَّهم يعلمون بما يجب عليهم من الصلاة والتسبيح. والثاني: أن تكون الهاء راجعة على (٤) ذكر الله بمعنى: كلُّ قد علم صلاة الله وتسبيحه الواجبين عليه. والثالث: أن يكون الذي يعلم (٥) هو الله ، يعلم صلاة الكل منهم وتسبيحه. واختار (٦) الزَّجّاج هذا القول، فقال: والأجود أن يكون: كلَّ قد علم الله صلاته وتسبيحه، ودليل ذلك قوله ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (٧). وعلى هذا قال النَّحاس: كان من حكم النظم أن يكون (وهو عليم بما يفعلون) ولكن إظهار المضمر أفخم، وأنشد سيبويه (٨):
следующие страницы →