← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 9346–9385 · переход к 9351.

стр. 9346

أقل من هذه الظلمات التي وصفها لا يرى فيها الناظر كفّه (١). ونحو هذا قال الزجاج سواء (٢)، وهو قول مقاتل (٣) والمفسرين (٤)، قالوا: معناه: لم يرها ألبتَّه. قال الحسن: لم يرها ولم يقارب الرؤية (٥). قال المبرّد: لم يقارب أن يراها، ومعنى ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾: نفي المقاربة (٦) من الرؤية (٧). وقال الأخفش: إذا قلت: (لم يكد يفعل) كان المعنى: لم يقارب الفعل ولم يفعل، على صحّة الكلام، وهكذا معنى الآية. إلَّا أنَّ اللغة قد أجازت (لم يكد يفعل) وقد فعل بعد شدة (٨)، وليس هذا صحة الكلام؛

стр. 9347

لأنه إذا قال: (كاد يفعل) فإنما يعني قارب الفعل، وإذا قال: (لم يكد يفعل) يقول: لم يقارب الفعل. هذا كلامه (١). فعند الأخفش والمبرّد إذا قلت: لم يكد يفعل، نفي للفعل والمقاربة منه. وقال ابن الأنباري: قال اللغويون: (كدت أفعل) معناه [عند العرب: قاربتُ الفعل ولم أفعل، و (ما كدت أفعل) معناه] (٢): فعلت بعد إبطاء، وشاهده قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] معناه: فعلوا بعد إبطاء، لتعذَّر وجدان البقرة عليهم. قال: وقد يكون (ما كدت أفعل) بمعنى: ما فعلت ولا قاربت، إذ أُكِّد الكلام بأكاد وجعل صلة (٣). وعلى ما ذكره (يكد) صلة في الآية وتأكيد، والمعنى: لم يرها. وأنشد: سريعٌ إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما إن يكادُ قرنهُ يتنفس (٤)

стр. 9348

أراد: ما إن يتنفس. وأنشد لحسان (١): وتكاد تكسل (٢) أن تجيء فراشها قال: أراد: وتكسل أن تجيء قال: ويقال معنى قوله ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾: لم يُرد أن يراها؛ لأن تلك الظلمات آيسته من تأمل يده فيكد بمعنى: يُرد، وأراد: أن يراها، فحذف (أن) وارتفع الفعل كقوله ﴿تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]. وقيل في قوله ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦]: كذلك أردنا (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ قال ابن عباس: من لم يجعل الله له دينًا فما له من دين (٤). وقال السدي: ومن لم يجعل الله له إيمانًا فما له من إيمان (٥).

стр. 9349

وقال مقاتل: يعني هدى، وهو الإيمان (١). وقال الزجاج: من لم يهده الإسلام لم يهتد (٢). ٤١ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مضى تفسير هذا في سورة الحج (٣)، وعند قوله ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقوله: ﴿وَالطَّيْرُ﴾ عطف على (من) (٤). وخص بالذكر؛ لأنَّها تكون في الجوّ بين السماء والأرض فهي خارجة عن جملة ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٥). وقوله ﴿صَافَّاتٍ﴾ يعني باسطات أجنحتها في الهواء (٦). وقوله ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ قال مجاهد: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه (٧).

стр. 9350

وذكر الفراء (١) والزجاج (٢) وصاحب النظم في هذا تقديرات ثلاثًا (٣): أحدها: أن يعود الضمير في الصلاة والتسبيح على لفظ (كلّ) أي أنَّهم يعلمون بما يجب عليهم من الصلاة والتسبيح. والثاني: أن تكون الهاء راجعة على (٤) ذكر الله بمعنى: كلُّ قد علم صلاة الله وتسبيحه الواجبين عليه. والثالث: أن يكون الذي يعلم (٥) هو الله ، يعلم صلاة الكل منهم وتسبيحه. واختار (٦) الزَّجّاج هذا القول، فقال: والأجود أن يكون: كلَّ قد علم الله صلاته وتسبيحه، ودليل ذلك قوله ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (٧). وعلى هذا قال النَّحاس: كان من حكم النظم أن يكون (وهو عليم بما يفعلون) ولكن إظهار المضمر أفخم، وأنشد سيبويه (٨):

стр. 9351

لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغَّص الموت ذا الغنى والفقيرا (١) (٢) وعلى التقديرين الأولين قوله ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ [بِمَا يَفْعَلُونَ]﴾ (٣) استئناف، والمعنى: لا يخفى عليه طاعتهم وصلاتهم وتسبيحهم. ٤٢ - قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد لا يملكها أحدُ غيره. وقال الكلبي: يعني خزائن السموات والأرض: المطر والرزق والنَّبات (٤). قوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ مرجع العباد بعد الموت [والله أعلم] (٥).

стр. 9352

٤٣ - ﴿يُزْجِي سَحَابًا﴾ قال المفسرون (١) وأهل اللغة (٢): يسوق سحابًا. قال الليث: هو السَّوق الرقيق (٣). وقال المبرد: يسوقه سوقًا عاجلاً؛ لأنَّ المزجى: الخفيف (٤). وذكرنا معنى الإزجاء عند قوله ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨]. قوله: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ الأصل في التأليف: الهمز، فتقول (يؤلِّف) (٥) بالهمز، وإذا خففت أبدلت منها الواو، وهو قراءة ورش، كما تقول: التُّودة، في التؤدة (٦)، فالتَّحقيق (٧) والتخفيف حسنان ولا يختلف النحويون في قلب هذه الهمزة واوًا إذا خففت (٨). ومعنى التأليف: ضمُّ بعض الشيءُ إلى بعض (٩).

стр. 9353

قال أبو إسحاق: أي يجعل القطع المتفرقة من السحاب قطعة واحدة (١). قال الفراء: (بين) لا يصلح إلا [مضافًا إلى] (٢) اثنين (٣) فما زاد، وفي الآية ﴿يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ لأنَّ السحاب واحد في اللفظ ومعناه جمع، ألا ترى قوله ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢]، وواحدته: سَحَبة، وهو بمنزلة: (نخلة ونخل) و (شجرة وشجر)، وأنت قائل: فلان بين الشَّجر وبين النَّخل، والذي لا يصلح من ذلك قولك: (المال بين زيد)، فهذا خطأ حتى تقول: بين زيد وعمرو، وإن نويت يزيد أنَّه اسم لقبيلة جاز ذلك، كما تقول: (المال بين [تميم) (٤). وقال الزجاج: يجوز أن يكون السحاب جمع سحابه ويكون ﴿بَيْنَهُ﴾ أي: بين] (٥) جميعه. ويجوز أن يكون السحاب واحد إلا أنَّه قال ﴿بَيْنَهُ﴾ لكثرته (٦)، كما تقول: ما زلت أدور بين الكوفة؛ لأن الكوفة اسم ينتظم أمكنة كثيرة (٧). وقوله ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ قال اللَّيث: الرَّكم: جمعك شيئًا فوق شيء حتى تجعله مركومًا ركامًا (٨).

стр. 9354

وذكرنا الكلام في هذا عند قوله ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ [الأنفال: ٣٧]. والمعنى: يجعل بعض السحاب يركب بعضًا (١). قوله ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ يعني: القطر والمطر، في قول المفسرين (٢). قال الليث: الودقُ: المطر كلُّه شديده وهيّنه. يقال: سحابةٌ وادقة (٣)، وقيل ما يقولون: ودقت تدقُ (٤). وأنشد أبو عبيدة (٥):

стр. 9355

فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها وقال المبرد: الودقُ: المطر. سمي ودقًا لخروجه من السحاب يقال: ودقت سرته إذا خرجت (١). وقوله: ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾ خَلَلُ (٢) السَّحاب: مخارج القطر، والجميع: الخلال (٣) (٤). قال أبو إسحاق: خلال: جمع خَلَل، مثل جَبَل وجبال (٥). وقوله: ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾ من أضعافه (٦). وذكرنا معنى الخلال عند قوله ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء: ٥]. وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ ذكر الفراء والزَّجاج في هذا تقديرين: أحدهما: وهو قول الفراء: أن الجبال في السَّماء من برد خلقة مخلوقة، كما تقول في الكلام: الآدمي من لحم ودم، فـ (من) هاهنا تسقط فتقول: الآدمي لحم ودم، والجبال برد، وكذا سمعت تفسيره (٧). وقال أبو إسحاق: المعنى: من جبال برد فيها كما تقول: (هذا خاتم

стр. 9356

في يدي من حديد)، المعنى: هذا حاتم حديد في يدي (١). قال أبو علي: مفعول الإنزال على هذا التقدير محذوف، حذف للدلالة عليه والتقدير: وينزل من السماء من جبال برد فيها بردًا، فاستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه كما قال تعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. قال: ويجوز أن يكون (٢) ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ في موضع نصب على قول أبي الحسن (٣) في زيادة (من) في الإيجاب كما تقول: أكلت من طعام. فيكون البرد منزلًا على هذا (٤). ويكون ذكر الجنس الذي منه الجبال محذوفًا إذا جعلت ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ في موضع المفعول به. واختار المبرد هذا التقدير، وقال (٥): أي من جبال في السماء، وتلك الجبال من برد. وهذا (٦) قول ابن عباس قال: أخبر الله تعالى أن في السَّماء جبالًا من برد (٧).

стр. 9357

وهذا القول هو الذي عليه (١) التفسير (٢)، وأصل العربية (٣). وقالوا: (من) الأولى لابتداء الغاية؛ لأن ابتداء الإنزال من السماء. والثانية: للتبعيض؛ لأن ما ينزله (٤) الله تعالى بعض تلك الجبال التي في السماء. والثالثة لتبين الجنس؛ لأن الجنس تلك الجبال جنس البرد (٥).

стр. 9358

وعلى هذا القول الذي يقول المفعول محذوف، لا على قول أبي الحسن. التقدير (١) الثاني: قال الفراء: وينزل من السماء من أمثال جبال ومقاديرها من البرد (٢). وقال أبو إسحاق: ويكون معنى ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ من مقدار جبال من برد، كما نقول: عند فلان جبال مال (٣)، تريد: مقدار جبال من كثرته (٤). قال أبو علي: الجبال في هذا التقدير معناه: التكثير والتعظيم، لا التي هي خلاف السهل كما قال ابن مقبل: إذا متّ عن ذكر القوافي فلن ترى ... لها شاعرًا مني (٥) أطب وأشعرا وأكثر بيتا شاعرًا ضربت (٦) به ... بطون جبال الشعر حتى تيسرا (٧)

стр. 9359

وأما تقدير مفعول الإنزال فعلى ما ذكرنا في التقدير الأول. وأما البرد: فإن اللَّيث (١) زعم أنَّه مطرٌ جامد. قال: وسحاب بردٌ (٢): ذو برد؛ وقد برد القوم، إذا أصابهم البرد (٣). وقوله ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال مقاتل: يصيب بالبرد من يشاء فيضره في زرعه وثمرته، ويصرفه عمن يشاء فلا يضره في زرعه وثمرته (٤). ونحو هذا قال ابن عباس والمفسرون (٥). وقوله: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ السنَّا: الضوء. مثل سنا النار، وسنا البدر، وسنا البرق (٦).

стр. 9360

قال الليث: وقد أسنى البرقُ: إذا دخل سناه عليك بيتك، أو وقع إلي الأرض، أو طار في السَّحاب (١). وقال ابن السكيت: السَّنا: سنا البرق، وهو ضوؤه، يكتب بالألف ويثنَّى سنوان، ولم يعرف الأصمعي له فعلًا (٢). وذكر الكسائي جمع السَّنا فقال: والجماع: سُنيّ وسني، بضم السين وكسرها، والنون مكسورة، والياء مشدَّدة (٣). وقال المبرّد (٤): السَّنى مقصور وهو اللَّمع، فإذا كان من الشرف والحسب فهو ممدود. والأصل واحد؛ لأن معناهما الإشراق، تقول: ما (٥) رأيت سنى ناره، أي: التماعها كما قال الشاعر: يكاد سناها في السماء يطير (٦) قال السدي: يكاد ضوء برقه يلتمع البصر فيذهب به (٧).

стр. 9361

٤٤ - وقوله: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ قال السدي (١)، والكلبي، ومقاتل (٢): يأتي بالليل ويذهب بالنهار، ويأتي بالنهار ويذهب بالليل (٣). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ التقلب (٤) ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ لدلالة لأهل (٥) العقول والبصائر على قدرة الله وتوحيده (٦). ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ يعني كل [حيوان من] (٧) مميز وغيره مما

стр. 9362

يشاهد في الدنيا (١). ولا يدخل الجن والملائكة في هذا؛ لأنَّا لا نشاهدهم ولم يثبت أنهم خلقوا من ماء (٢)، يدل على صحة هذا أن المفسرين قالوا في هذه الآية: من نطفة (٣). وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد الحيّات (٤). وقال مقاتل: يعني الهوام (٥). ويدخل في هذا الجنس الحيتان والديدان. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنسان والطير (٦) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ كالبهائم والأنعام (٧). قال أبو إسحاق: لما كان قوله: ﴿كُلَّ دَابَّةٍ﴾ لما يعقل ولما لا يعقل قيل: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي﴾. ولما خلط الجماعة وقيل (٨): (منهم)؛ جعلت

стр. 9363

العبارة بـ (من) (١) فقيل: ﴿مَنْ يَمْشِي﴾ (٢). وهذا معنى ما ذكره الفراء (٣). وقال المبرّد: قوله: ﴿كُلَّ دَابَّةٍ﴾ للناس وغيرهم، وإذا اختلط النوعان حُمل الكلام على الأغلب كما تقول: جاءني أخواك، وأنت تريد: أخاه وأخته وهذا الوجه المستقيم، وقد يخلط بينهما وهما في الحكم (٤) سواء ليس أحدهما أغلب من الآخر كما قال: يا ليت زوجك قد غدا ... متقلدًا سيفًا ورمحًا (٥) والرمح لا يتقلد، ولكنه لما كان محمولًا كالسيف سوى (٦) بينهما. ومنه قول الآخر: شرَّاب ألبان وتمر (٧) وأقط (٨)

стр. 9364

لأن الكل في باب الدخول في الحلق واحد (١). وقال أبو عبيدة في قوله ﴿يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾: لا يكون المشي إلاَّ لما له قوائم، فإذا خُلط ما لا قوائم له مع ماله قوائم جاز أن تقول: يمشي، كما تقول: أكلت خبزًا ولبنًا (٢). وهذا ضد ما قال الزجاج في هذه الآية: كل سائر كان (٣) له رجلان أو أربع أو لم يكن له قوائم يقال له (٤): ماشٍ وقد مشى. ويقال لكل مستمر (٥): ماشٍ، وإن لم يكن من الحيوان، حتى يقال: قد مشى هذا الأمر (٦). والصحيح هذا لا ما قاله أبو عبيدة. وباقي الآية والذي بعدها ظاهر. قال ابن عباس (٧): ثم ذكر أهل النفاق وشكّهم في الله تعالى فقال: ٤٧ - ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ قال مقاتل: صدقنا بتوحيد الله وبالرسول محمد أنَّه من الله ﴿وَأَطَعْنَا﴾ قولهما، يعني المنافقين يقولون هذا بألسنتهم ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ ثم يعرض عن طاعتهما طائفة منهم ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ من بعد قولهم أمنا (٨).

стр. 9365

قال مقاتل وغيره (١): نزلت في بشر المنافق كان يخاصم يهوديًّا في أرض، فجعل اليهودي يجره إلى رسول الله ﷺ ، وجعل المنافق يجره إلى كعب بن الأشرف، ويقول: إن محمدًا يحيف علينا. فقال الله ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني الذي يعرضون عن حكم الله ورسوله. ٤٨ - ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى كتاب الله ﴿وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الرسول فيما اختصموا فيه ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢) عما يُدعون إليه من حكم الله ورسوله. وقال الفراء: إنَّما قال: ﴿لِيَحْكُمَ﴾، ولم يقل: ليحكما؛ لأن المعنى: للرَّسول، وإنَّما بُدئ (٣) بذكر الله إعظامًا لله (٤). وذكرنا مثل هذا فيما تقدم (٥). ٤٩ - ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ قال ابن عباس (٦)،

стр. 9366

ومقاتل (١): مسرعين. وقال الكلبي: طائعين (٢). وقال الزَّجَّاج: الإذعان في اللغة: الإسراع مع الطَّاعة. تقول: قد أذعن لي بحقي، أي: طاوعني لما كنت التمسه منه، وصار يسرع إليه (٣). وقال ابن الأعرابي: مذعنين: مقِّرين خاضعين (٤). وقال المبرد: طائعين غير ممتنعين كما تقول: أذعن فلان بحقي، إذا أقرَّ به ولم يمتنع (٥). أخبر الله تعالى أنَّ المنافقين يعرضون عن حكم الرسول لعلمهم بأنه (٦) يحكم بالحق ولا يداهن، فإذا كان الحق لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه لثقتهم بأنَّه كما يحكم عليهم بالحق يحكم لهم أيضًا بالحق وينتصف لهم ممَّن لهم الحق عليه. قال ابن عباس: ثم أخبر بما في قلوبهم من المرض والشك فقال: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال مقاتل: يعني الكفر (٧).

стр. 9367

﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ أم شكوا في القرآن. وإنَّما جاء بلفظ الاستفهام؛ لأنَّه أشد في الذم والتوبيخ، أي أنَّ هذا أمرٌ قد ظهر حتى لا يحتاج فيه إلى البيّنة (١)، كما جاء في نقيضه على طريق الاستفهام لأنَّه أشد مبالغة وهو قول جرير: ألستم خير من ركب المطايا (٢) أي أنتم كذلك (٣). وبنحو (٤) هذا فسر ابن عباس فقال: أخبر الله تعالى بما في قلوبهم من المرض والشك. فجعل معنى هذا الاستفهام: الإخبار. قوله تعالى: ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ قال ابن عباس والمفسرون (٥): أن يجور الله عليهم.

стр. 9368

والحيف: الميلُ في الحكم. وحيفُ النَّاحل أن يعطي بعض أولاده دون بعض (١). وقال المبرد: يقال: حاف علي فلانٌ في القضية، أي جار علي وألزمني ما لا يلزم (٢). ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: لا يظلم الله ورسوله في الحكم، بل هم الذين يظلمون أنفسهم بالكفر والإعراض عن حكم رسول الله ﷺ (٣). قال مقاتل: ثم نعت الصادقين في إيمانهم فقال: ٥١ - ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية (٤). قال الفراء: ليس هذا بخبر (٥) ماض يخبر (٦) عنه (٧)، كما تقول: إنما كنت صبيًّا، ولكن معناه: إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دعوا أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وهو أدب من الله تعالى. قال: وكذا جاء في التفسير (٨). وقال مقاتل: يقولوا سمعنا قول النبي وأطعنا أمره (٩).

стр. 9369

وقال ابن عباس: وإن كان ذلك فيما يكرهون (١) ويضرّ بهم (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال ابن عباس: فيما ساءه وسرّه (٣). وقال مقاتل: في أمر الحكم ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ في ذنوبه التي عملها ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما تعبد (٤) فلم يعص الله (٥). والمعنى: يتقي عذاب الله بطاعته (٦). وفي (يتقه) وجوه من القراءات: أحدها: (يتَّقهي) موصولة بياء (٧)، وهو الوجه؛ لأن ما قبل الهاء متحرك، وحكمها إذا تحرك ما قبلها أن تتبعها الياء في الوصل. وروى قالون (٨)، عن نافع: بكسر الهاء ولا يبلغ بها الياء (٩). ووجهه

стр. 9370

أن الحركة قبل الهاء ليست تلزم، ألا ترى أنَّ الفعل إذا رفع دخلته الياء، وإذا دخل (١) الياء اختير حذف الياء بعد الهاء في الوصل مثل: (عليه) فلما كان الحرف المحذوف لا يلزم حذفه صار كأنَّه في اللفظ. وقرأ أبو عمرو: (ويتَّقه) جزمًا (٢). ووجهه أن ما يتبع هذه الهاء من الواو والياء زائد (٣) فردَّ إلى الأصل، وحذف ما يلحقه من الزيادة. وقد حكى سيبويه (٤) أنه سمع: (هذه أمة (٥) الله)، في الوصل والوقف، وهذه الهاء التي في هذه قد أجروها مجرى هاء الضمير، فلما (٦) استجازوا الحذف في هذه فكذلك يجوز في الهاء التي للضمير. وروى حفص عن عاصم (ويتقه) ساكنة القاف مكسورة الهاء مختلسه (٧). ووجهه أن (تقه) من (يتقه) بمنزلة: كتف، فكما (٨) يسكن (٩) كتف، كذلك سكَّن القاف من (تقه) (١٠) (١١). وقد تقدَّم لهذا نظائر واستشهادات.

стр. 9371

وقال ابن الأنباري (١): هذا على لغة من يسقط الياء ويسكن الحرف الذي قبلها في باب الجزم فيقول: لم أر زيدًا، ولم أشتر طعامًا، ولم يتَّق زيد. وهو من التوهم (٢)، والتقدير لما ذهبت الياء (٣) استوثقوا من الجزم بتسكين ما قبل الياء. أنشد الفراء (٤): ومن يتَّق فإنَّ الله معه ... ورزق الله منتاب (٥) وغاد وقال مقاتل بن سليمان وغيره (٦): لما بيَّن الله تعالى كراهية المنافقين لحكم النبي ﷺ أتوه فقالوا: والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فأنزل الله فيما حلفوا قوله

стр. 9372

تعالى: ٥٣ - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ قال مقاتل: من حلف بالله فقد اجتهد في اليمين (١). وقد مرّ (٢). ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ﴾ يا محمد ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ إلى الجهاد ومن أموالهم وديارهم (٣). ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾ قال ابن عباس: قل: لا تحلفوا فإنَّ الله لو بلغ منكم (٤) الجهد. لم تبلغوه. يعني: لو كلَّفكم (٥) ما تُقسمون عليه ما وفَّيتم بيمينكم (٦) (٧). وتمّ الكلام. ثم قال: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ قال مقاتل بن حيان: أمرهم أن لا يحلفوا على شيء، ولكن أمرهم أن تكون منهم طاعة معروفة للنبي ﵇ من غير أن يقسموا (٨).

стр. 9373

وقال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿لَا تُقْسِمُوا﴾ ولكن لتكن (١) منكم ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ يعني حسنة [النبي ﷺ (٢). وهذا معنى قول الكلبي، يقول: أطيعوه وقوله المعروف من الكلام. وفسَّر ابن عباس الطاعة المعروفة] (٣) -هاهنا- بأن يُضمروا في القلب طاعته بنيَّة خالصة (٤). وقال أبو إسحاق: تأويله: طاعة معروفة أمثل من قسمكم بما لا تصدقون فيه. فالخبر مُضمر وهو: "أمثل"، وحذف لأن في الكلام دليلًا (٥) عليه (٦). وقال مجاهد: أي هذه طاعة معروفة منكم بالقول دون الاعتقاد. أي أنَّكم تكذبون فيما تقولون: لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا خرجنا (٧). وذكر أبو عبيدة هذا الوجه فقال: أي هذه طاعة معروفة (٨). وعلى هذا معنى المعروفة أنها عرفت منهم، فهم يقولون ولا يفون بما يقولون.

стр. 9374

وقيل: طاعة معروفة منكم بالكذب (١) (٢). وقد حصل في ارتفاع الطاعة ثلاثة أقوال (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل (٤). وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد بأعمالكم وسرائركم. قال مقاتل: ثم أمرهم الله بطاعته وطاعة رسوله فقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٥). ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ قال الفراء: واجه القوم، ومعناه: فإن تتولَّوا، فهي في موضع جزم، ولو كانت لقوم غير مخاطبين كان فعلاً ماضيًا بمنزلة قولك: فإن قاموا، كما قال ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ١٢٩] هؤلاء غير مخاطبين، والجزاء يصلح فيه فَعَل ويفعل كهذه (٦) الآية والتي في هذه السورة، وأنت تعرفهما بالقراءة بعدهما؛ ألا ترى قوله: ﴿عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ

стр. 9375

وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ ولم يقل: عليهم، وقوله ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧] فهذا يدل على فعلوا. انتهى كلامه (١). وقد بان بما ذكر أن قوله ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ (٢) مخاطبة من الله تعالى لهم بعد أن أمر رسوله أن يخاطبهم بقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولو كان قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ من خطاب الرسول معهم لقال: فإنما علي ما حمل. قال ابن عباس: الذي حمِّل النبي ﷺ أن يبلغهم، وحملوا أن يطيعوه (٣). وقال مقاتل (٤)، والسدي (٥): يقول فإنما على محمد ما أمر من تبلغ الرسالة، وعليكم ما أمرتم من طاعتهما. ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ تصيبوا الحق (٦). ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ليس عليه إلاَّ أن يبلغ ويبين لكم. ٥٥ - ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ الآية، قال أبي بن كعب: لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا مع السلاح ولا يصبحون إلاَّ فيه، فقالوا: ترون أنَّا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله، فنزلت هذه الآية (٧).

стр. 9376

وقوله ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ قال الفراء، والزَّجَّاج (١): إنما جاءت اللام؛ لأنَّ العدة قولٌ يصلح فيها أن، ويصلح فيها جواب اليمين، تقول: وعدتك أن آتيك، ووعدتك لآتينك، ومثله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] وتقول: وعدته لأكرمنه، بمنزلة قلت؛ لأن الوعد لا ينعقد إلا بقول (٢). وقد فسرنا هذا في غير هذا الموضع. ومعنى ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ ليجعلنهم يخلفون من قبلهم. قال المفسرون: أي لنورثنهم أرض الكفّار من العرب والعجم فنجعلهم ملوكها وساستها وسكانها (٣). وعلى هذا الآية عامة في المؤمنين. وخصص بعضهم الآية بالخلفاء والولاة من أصحاب النبي ﷺ . وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، ومعنى قول مقاتل بن حيان. قال ابن عباس -في هذه الآية-: يريد أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ ومن

стр. 9377

ولي من أصحاب النبي ﷺ (١). وقال مقاتل: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني أرض المدينة (٢). وهذا يدل على أنه أراد استخلاف الخلفاء الثلاثة الذين ذكرهم ابن عباس؛ لأنَّهم كانوا في المدينة، ولم يرد تخصيص الأرض بالمدينة؛ لأن الله تعالى فتح عليهم الكثير من أرض الدنيا، وليس في أن يعدهم فتح أرض المدينة كبير (٣) نصرة ولا تمكين في الدين. كيف والآية نازلة بعد أن كانوا في المدينة، ولكن أراد: ليجعلهم خلفاء في المدينة يسكنونها. والآية على هذا التفسير دلالة على خلافة هؤلاء، وأنَّ الوعد من الله قد سبق (٤) باستخلافهم. [خلفاء في المدينة] (٥). والظاهر القول الأول (٦).

стр. 9378

قوله تعالي ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قال مقاتل: يعني بني إسرائيل (١). إذ أهلك (٢) الجبابرة بمصر وأورثهم أرضهم وديارهم. روى أبو بكر، عن عاصم: (استُخلف) بضم التاء وكسر اللام (٣). والوجه (استخلف) ألا ترى أنَّ (٤) اسم الله قد تقدم ذكره، والضمير في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ يعود إلى اسم الله؛ فكذلك في قوله ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾ والمعنى: يستخلفنهم استخلافًا كاستخلافه (٥) الذين من قبلهم. ووجه (استخلف) أنه مراد به ما أريد باستخلف (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى﴾ قال ابن عباس: يريد يوسع لهم في البلاد حتى يملكوها، ويظهر دينهم على جميع الأديان، ويملِّكهم على جميع الملوك (٧). قوله تعالى: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد

стр. 9379

في ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ (١). قال الفراء: وهما متقاربان. فإذا قلت للرجل: قد بُدَّلت. فمعناه. غيِّرت وغيرت حالك ولم يأت مكانك آخر، وكلُّ ما غيِّر عن حاله فهو مبدَّل بالتشديد. وقد يجوز مبدل -بالتخفيف- وليس بالوجه. وإذا جعلت الشيء مكان الشيء قلت: قد أبدلته (٢)، كقولك: أبدل هذا الدرهم، أي: أعطني مكانه (٣). وبدَّل جائز. فمن شدد فكأنه جعل سبيل الخوف أمنا، ومن خفف قال: الأمنُ خلاف الخوف، فكأنَّه قال: جعل مكان الخوف أمنا، أي: ذهب بالخوف وجاء بالأمن. وهذا من سعة العربية. وقال أبو النَّجم (٤):

стр. 9380

عَزْلُ الأمير للأمير المُبْدَل فهذا يوضح الوجهين جميعًا (١). وقال مقاتل بن سليمان: من بعد خوفهم من كفار مكة (٢). وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد من بعد خوف أبي بكر في الغار. والوجه: أنَّه على العموم في كل خوف كان لأصحاب رسول الله ﷺ . قال مقاتل بن حيان: فقد فعل الله بهم ذلك (٣)، وبمن كان بعدهم من هذه الأمة فمكَّن لهم (٤) في الأرض، وأبدلهم أمنا من بعد خوف، وبسط لهم في الأرض (٥)، ونصرهم على الأعداء، فقد أنجز الله موعده لهم (٦). قوله ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون في موضع الحال على معنى: وعد الله المؤمنين في حال عبادتهم بإخلاصهم لله ليفعلن بهم (٧).

стр. 9381

وهذا الوجه هو اختيار المبرد لأنَّه قال: أي عابدين لي غير مشركين. قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون استئنافًا على طريق الثناء عليهم وتثبيتًا كأنه قال: يعبدونني (١) المؤمنون لا يشركون بي شيئًا (٢). وهذا معنى قول ابن عباس: يريد عصمة مني لهم. يعني أعصمهم عن عبادة غيري والإشراك بي. قال مقاتل: لا يشركون بي شيئًا من الآلهة (٣). وهو قول العامة (٤). وروى [ليث، عن] (٥) مجاهد، عن ابن عباس: لا يخافون أحدًا غيري (٦).

стр. 9382

فجعل الإشراك في هذه الآية أن يخافوا أحدًا (١) غير الله. قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ يعني بهذه النعم (٢)، وليس يعني (٣) الكفر بالله؛ لأن الكافر بالله فاسق بعد هذا الإنعام وقبله، والله [تعالى يقول: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي جحد حق هذه النعم بعد إنْعام الله] (٤) بها. وهذا معنى قول الربيع، وأبي العالية (٥)، وأبيّ بن كعب (٦)، ومقاتل ابن حيان (٧).

стр. 9383

وقوله ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد العاصون لله (١). وهذا يدل على أن الكفر هاهنا كفر بالنعمة لا كفر بالله [ ] (٢) ٥٧ - قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ لا تحسبن يا محمد الكافرين. قال مقاتل: يعني أهل مكة يعجزوننا ويفوتوننا (٣). قال الزجاج: أي قدرة الله محيطة بهم. وقرئت (لا يحسبن) بالياء (٤) على حذف المفعول الأول من يحسبن [على معنى: لا يحسبن الذين كفروا إياهم معجزين، كما تقول: زيد حسبه (٥) قائمًا، تريد: حسب نفسه قائمًا (٦). وكأنَّه قيل: لا يحسبن] (٧) الذي كفروا أنفسهم معجزين، وهذا في باب ظننت، تطرح فيه النفس يقال: ظننتني أفعل، ولا يقال: ظننت نفسي. ولا يجوز ضربتني، استغني عنها بضربت نفسي.

стр. 9384

هذا كلامه (١). وقال أبو علي: من قرأ بالياء جاز أن يكون فاعل الحسبان أحد شيئين: إنما أن يكون قد أضمر (٢) ضمير النبي ﷺ كأنه قال: لا يحسبن النبي الذين كفروا معجزين (٣)، ويجوز أن يكون فاعل الحسبان: الذين كفروا، ويكون المفعول الأول محذوفًا تقديره: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم (٤). وهذا هو الوجه الذي ذكره أبو إسحاق. والوجه قراءة العامة بالتاء لظهور مفعولي الحسبان. قال مقاتل (٥)، والكلبي في هذه الآية: لا يحسبن الذين كفروا فايتين في الأرض هربًا حتى يخزيهم بكفرهم. وقوله: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [قال صاحب النظم: لا يحتمل أن يكون هذا متصلًا بقوله ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، [لأن ذلك نفيٌ، وقوله ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾] (٦) إيجاب لا نفي. فهو معطوف بالواو على مضمر قبله تقديره: لا يحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض]] (٧) بل مقدور عليهم ومحاسبون ومأواهم النار (٨).

стр. 9385

٥٨ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ الآية. قال الكلبي: بعث رسول الله ﷺ غلامًا من الأنصار يقال له: مُدلج (١) إلى عمر بن الخطاب ﵁ ظهيرة ليدعوه، فوجده نائمًا قد أغلق عليه الباب، فدفع الغلام الباب، وناداه ودخل، فاستيقظ عمر وجلس؛ فانكشف منه شيء، فرآه الغلام، وعرف عمر أنَّ الغلام رأى ذلك منه، فقال عمر: وَدِدْتُ -والله- أنَّ الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا هذه الساعات (٢) إلاَّ بإذن، ثم انطلق معه إلى رسول الله ﷺ فوجده وقد نزل عليه الوحي بهذه الآية (٣) (٤).
следующие страницы →