← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 9661–9700 · переход к 9666.

стр. 9661

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) [١٧]

стр. 9662

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 9663

سورة الشعراء

стр. 9664

تفسير سورة الشعراء (١)

стр. 9665

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿طسم﴾ قال الوالبي عن ابن عباس: ﴿طسم﴾ قسم، وهو من أسماء الله (١) وقال عكرمة عنه: عجزت العلماء عن علم تفسيرها (٢). وقال مجاهد: ﴿طسم﴾ اسم السورة (٣). وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن (٤). وقال محمد بن كعب: أقسم الله سبحانه بطوله وسنائه وملكه (٥)

стр. 9666

واختلف القراء في إخفاء النون وتبيينه من: سم (١). والوجه التبيين؛ لأن حروف الهجاء في تقدير الانفصال والانقطاع مما بعدها، وإذا كان كذلك وجب التبيين؛ لأنها إنما تخفى إذا اتصلت بحرف من حروف الفم، فإذا لم تتصل بها لم يكن شيء يوجب إخفاءها (٢) . ووجه إخفائها: أن همزة الوصل قد وصلت، ولم تقطع مع هذه الحروف، وهمزة الوصل إنما تذهب في الدَّرْج، فكما سقطت همزة الوصل في ﴿الم﴾ وهي لا تسقط إلا مع الدَّرْج، كذلك لا تُبين النون ويقدر فيها الاتصال بما قبلها ولا يقدر فيها الانفصال (٣). ٢ - وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ تفسيره قد تقدم في قوله:

стр. 9667

﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:١, ٢] (١)، وقوله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ في ابتداء سورة يوسف. ٣ - قوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قال أبو عبيدة: مهلك نفسك (٢). وقال المبرد: الباخع: المهلك، يقال: بخع زيد نفسه إذا أهلكها، وبخعه الحب إذا أهلكه وأذابه (٣). وأنشد أبو عبيدة: ألا أيُّهذا الباخعُ الوجْدُ نفسَه ... لشيءٍ نَحتْه عن يديه المقادرُ (٤) ومضى الكلام في تفسير الباخع في نظير هذه الآية: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ﴾ الآية, [الكهف: ٦]. قال المفسرون: لما كذبت قريش رسول الله ﷺ شق ذلك عليه، واشتد حتى أثر فيه، وكان يشتد حرصه على إيمانهم فأنزل الله هذه

стр. 9668

الآية (١)، وهي كالإنكار عليه شدة حرصه؛ وذلك أنه كان يعلم أن الله إن لم يهدهم لم يهتدوا فما يغني عنه (٢) حرصه على إيمانهم، واشتداد تكذيبهم عليه (٣). قال ابن عباس في قوله: ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾: قاتل نفسك (٤) . قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ قال أبو إسحاق: موضع (أن) نصب مفعول له، المعنى: لعلك (٥) قاتل نفسك لتركهم الإيمان (٦). ثم أعلم أنه لو أراد أن ينزل ما يضطرهم إلى الطاعة لقدر على ذلك إلا أنه تعبدهم بما يستوجبون به الثواب مع الإيمان, ولو نزل على كل من عَنَدَ عن الحق عذابٌ لخضع مضطرًّا، وآمن إيمان من لا يجد مذهبًا عن الإيمان (٧)، وهو قوله: ٤ - ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ قال ابن

стр. 9669

جريج: ولو شاء لأراهم أمرا من أمره لا يعمل أحد منهم بعده معصية (١). وقال قتادة: لو شاء الله لأنزل عليهم آية يذلون بها فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله (٢). قال أبو إسحاق: قوله ﴿فَظَلَّتْ﴾ معناه: فتظل، والجزاء يقع فيه لفظ الماضي بمعنى المستقبل، تقول: إن أتيتني أكرمتك، معناه: أكرمك (٣).

стр. 9670

وهذا الذي ذكره (١) مختصر مما بسطه الفراء؛ وهو أنه قال: لك ﴿إن﴾ تعطف على مجزوم الجزاء بفَعَل؛ لأن الجزاء يصلح في موضع يفعَل فعل (٢)، ألا ترى أنك تقول: إن زرتني زُرتك، وإن تزرني أزرك، والمعنى واحد، ولذلك صلح ﴿فَظَلَّتْ﴾ مردودة على يفعل، وأنشد: إن يسمعوا ريبةً طاروا بها فرَحًا (٣) بمعنى: يطيروا. قال أبو علي فيما أصلح على أبي إسحاق: اعلم أن الجزاء يكون على ثلاثة أضرب: يكون بالفعل وبالفاء وبإذا، فإذا كان بالفعل جاز أن يقع الماضي موضع المستقبل في الجزاء كما جاز أن يقع موقعه في الشرط؛ لأن الحرف يقلب المعنى إلى الاستقبال كما تفعل ذلك لم، في النفي، ولا، في قولك: واللهِ لا فعلت، فتقول على هذا: إن أتيتني أتيتك، تريد إن تأتني آتك، فتوقع الماضي موقع المستقبل في الجزاء، كما أوقعته في الشرط، وإن كان ذلك في الشرط أبين؛ لأن الحرف يخلص عمله في الفعل [الذي يلحق بشرط (٤)، ولا يخلص عمله في الجزاء، ألا ترى أن الجزاء لا يخلو

стр. 9671

من أن يكون معمولًا للحرف، والفعل أو] (١) للفعل (٢) دون الحرف وليس في القسمة أن يكون معمولًا لأن، فينجزم كما انجزم به الشرط (٣)، ولم نعلم أحدًا ذهب إلى ذلك إلا أن الجزاء قد جاز فيه من هذا ما جاز في الشرط من حيث صار كالجملة الواحدة، فأما ما بعد الفاء فمنقطع عن: إن، وعن أن يكون لها عمل (٤)، ألا ترى أن الفاء إنما تجتلب في جواب الشرط إذا كانت الجملة الموقعة في موضع الجزاء من مبتدأ وخبر، والمبتدأ أو الخبر لا يتعلق بأن لأنها من عوامل الأفعال، وما أخلص لها من دون الأسماء، فإذا كان كذلك لم تدخل عليها ولم تتعلق بها فاجتلبت الفاء وإذا ليُتوصل بها إلى كون الجملة التي من المبتدأ والخبر في موضع الجزاء كما يتوصل بالذي إلى وصف المعارف بالجمل وبذو، التي بمعنى: صاحب إلى (٥) [الوصف بالأجناس] (٦) ومن ثم كانت هذه الآي (٧) محمولة عند سيبويه على إرادة المبتدأ، وهو قوله: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا﴾ [الجن: ١٣] وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٢٦] ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] وكان موضع الفاء مع ما بعدها من الجملة جزمًا بدلالة قوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦]

стр. 9672

بالجزم (١)، ولهذا أيضًا حُمل: إنك إن يُصرعْ أخوك تصرعُ (٢) ونحوه على التقديم (٣)، فإذا كان حكم الفاء في الجزاء ما ذكرنا وكانت إذا بمنزلتها في قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] وقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨] بان أن عمل إن منقطع عما بعد الفاء من هذه الأفعال لخروج الفعل الذي بعدها [أن يكون جزاء] (٤) ووقوعه في موضع خبر المبتدأ يوضح ما ذكرنا أنك لو جئت بمثال المستقبل بعد الفاء لم يجزمه، لا تقول: إن تأتني فأكرمك كما تقول: إن تأتني أكرمك، وفي امتناع هذا دلالة على أن الفعل بعد الفاء منقطع عن عامل الجزم، فإذا انقطع عنه لم يجز أن يقع الماضي موقع المستقبل على حد ما كان يقع قبل أن تقطع الفاء وتحجز عمل الجازم، وإذا كان كذلك ثبت أنه على خلاف ما ذهب إليه أبو إسحاق،

стр. 9673

وتبينت الخلل في قول أبي إسحاق: معنى ﴿فَظَلَّتْ﴾ فتظل؛ لأن الجزاء يقع فيه لفظ الماضي موقع المستقبل (١)، وأن الماضي لم يقع موقع المستقبل هنا من حيث ذكره، ولكن كما يقع في غير هذا الماضي بمعنى الاستقبال (٢). وقال أبو علي (٣) في هذا الإصلاح: حيث جعل الفاء من ﴿فَظَلَّتْ﴾ جوابًا للشرط. والفاء في ﴿فَظَلَّتْ﴾ ليس جوابًا للشرط؛ بل هي للعطف على جواب الشرط؛ لأن جواب الشرط قد تقدم في قوله: ﴿نُنَزِّلْ﴾ ثم عطف عليه بالماضي، وعاد الكلام إلى ما قاله الزجاج والفراء. وقوله: ﴿أَعْنَاقُهُمْ﴾ كثير من المفسرين يجعلون الأعناق هاهنا جمع العنق التي هي العضو (٤). وعلى هذا قال: ﴿خَاضِعِينَ﴾ ولم يقل: خاضعة، كما قال: ﴿فَظَلَّتْ﴾ لأجل رؤوس الآي، وجاز ذلك؛ لأن المؤنث إذا أضيف إلى المذكر وكان بعضًا منه جاز تذكيره، وذلك أن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون، فتُرك الخبر عن الأعناق وأُخبر عن أربابها. وهذا قول الأخفش، والفراء، والزجاج، والمبرد، وجميع النحويين؛ قالوا: يجوز أن يُترك المضاف وُيخبر عن المضاف إليه، فيكون كالخبر عن المضاف (٥)، وأنشدوا:

стр. 9674

مشين كما اهتزت رماحٌ تسفهتْ ... أعاليها مرُّ الرياحِ النواسمِ (١) كأنه قال: تسفيها الرياح (٢)، وترك من الرياح النواسم. وقول آخر: لَمَا رأى مَتْنَ السماء انْقَدَّتِ (٣)

стр. 9675

وقول الأعشى: كما شَرِقَتْ صدْرُ القَنَاةِ من الدَّم (١) وقال جرير: رأت مَرَّ السنينَ أخذْنَ مِنِّي (٢) وأنشد أبو عبيدة: إذا بعضُ السنينَ تعرَّقتْنَا ... كفى الأيتامَ فقدَ أبي اليتيمِ (٣)

стр. 9676

تركوا المضاف وأخبروا عن المضاف إليه. قال الفراء: جعل الفعل أولاً للأعناق، ثم جعل خاضعين للرجال (١). وقال الأخفش: تجعل الخضوع مردودًا على المضمرة التي أضاف الأعناق إليها (٢). وقال الزجاج: لما لم يكن الخضوع إلا بخضوع الأعناق جاز أن يخبر عن المضاف إليه (٣). وذهب مجاهد في تفسير الأعناق إلى أنها الرؤساء والكبراء (٤). فصار معنى الآية: فظلت رؤساء القوم لها خاضعين (٥).

стр. 9677

ومن الناس من يفسر الأعناق بالجماعات وهو قول (١) كثير من المفسرين، يقال: جاء القوم عُنُقُا عُنُقُا إذا جاءوا فِرَقًا، كل جماعة منهم عنق (٢)، ومنه قول الشاعر: أنَّ العراق وأهله عنق ... إليك فهيت هيتا (٣) أراد أنهم مالوا إليك جميعاً. ويقال: هم عُنق واحد عليه، أي: جماعة (٤). وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي: العُنق: الجمع الكثير من الناس (٥). قال المبرد: وهذا قول أبي زيد في هذه الآية قال: أعناقهم: جماعاتهم (٦).

стр. 9678

وقال النضر: العنق: جماعة من الناس (١). وقال الأخطل: وإذا المئون تُؤوكِلتْ أعناقُها ... فاحملْ هُناك على فتًى حمَّالِ (٢) قال ابن الأعرابي: أعناقها: جماعتها (٣). وقال غيره: ساداتها (٤). والقولان في تفسير الأعناق: أنها الجماعات، والرؤساء؛ حكاهما الفراء والزجاج وذكراهما (٥) . ٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أي: وعظ وتذكير من الله، يعني: القرآن (٦) ﴿مُحْدَثٍ﴾ في الوحي والتنزيل (٧). قال الكلبي: كلما نزل شيء من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول (٨).

стр. 9679

وذكرنا هذا في أوائل سورة الأنبياء (١). ٦ - وقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ قال صاحب النظم: قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ بعد قوله: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ جعل إعراضهم تكذيبًا؛ لأن من أعرض عن شيء ترك قبوله، [وإذا ترك قبوله] (٢) فقد دل على تكذيبه به. وهذا من باب الإيماء. وقوله: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وعيد لهم (٣). قال ابن عباس: سوف يأتيهم عاقبة ما كذبوا واستهزؤا به (٤). قال الكلبي: فوقع بهم العذاب يوم بدر (٥). يعني: أن هذا الوعيد الذي أوعدوا به في هذه الآية لحقهم يوم بدر. قال أبو إسحاق: المعنى: فسيعلمون نبأ ذلك في القيامة، قال: وجائز أن يعجل لهم بعض ذلك في الدنيا نحو ما نالهم يوم بدر (٦). وقال صاحب النظم: جعل تكذيبهم استهزاء فدل ذلك على أن كل من كذب بحق فكأنه (٧) قد استهزأ به، ومن أعرض عنه ولم يقبله فقد كذبه. قال: وأنباؤه ظهوره على الأديان كلها، وإيمان الناس به كافة، قال: ويقال أمر له نبأ، أي: عاقبته محمودة. هذا كلامه.

стр. 9680

وتحقيق المعنى: فسيأتيهم أخبار ما كذبوا واستهزؤا به من اجتماع الناس عليه بالإيمان؛ على ما ذكره صاحب النظم. وعلى ما ذَكر المفسرون: أخبار عاقبة تكذيبهم بما كذبوا به واستهزائهم؛ وهي: العذاب والنِّقمة (١). ثم ذكر ما يدلهم على قدرته فقال: ٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ﴾ يعني هؤلاء المكذبين (٢) ﴿كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها. ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قال ابن عباس: من كل صنف من أصناف الفواكه وغير ذلك حسن طيب (٣). وقال الكلبي: من كل ضرب حسن في المنظر (٤). وقال مجاهد: من نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام (٥). وهذا كقوله: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥, ق: ٧]، قال الفراء: هو كما يقال للنخلة: كريمة إذا طاب حملها، أو كثر، وكما يقال للشاة والناقة: كريمة إذا غَزُرَتا (٦).

стр. 9681

وقال الزجاج: معنى ﴿زَوْجٍ﴾ نوع. ومعنى (١) ﴿كَرِيمٍ﴾ محمود فيما يحتاج إليه، والمعنى: من كل زوج نافع لا يقدر على إنباته وإنشائه إلا رب العالمين (٢). ٨ - وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ يعني: ما ذُكر من الإنبات في الأرض ﴿لَآيَةً﴾ لدلالة تدل على أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿لَآيَةً﴾ قال: علامة، كالعلامة تكون بين الرجل وأهله، يقول: هذا خاتمي (٣). يعني: كما يُستدل بالخاتم على ما أُعلم به عليه؛ كذلك بالإنبات من الأرض يُستدل على النشر والإحياء. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [قال الفراء ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾] (٤) في علم الله. يقول: قد سبق في علمي أن أكثرهم لا يؤمنون (٥). وقال أبو إسحاق: أي: قد علم الله أن أكثرهم لا يؤمن أبدًا، وهذا إعلام من الله تعالى أن أكثرهم لا يؤمن (٦).

стр. 9682

٩ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ قال ابن عباس: المنتقم (١) من أعدائه ﴿الرَّحِيمُ﴾ بأوليائه (٢). وقال ابن جريج: عزيز بالانتقام من أعدائه، رحيم بإنجاء المؤمنين بما يُهلك به أعداءه (٣). وفي هذا إشارة إلى أن الله تعالى ينتقم من أعداء النبي ﷺ بإهلاكهم وتعذيبهم وينجي المؤمنين (٤). ١٠ - قوله: ﴿وَإِذْ نَادَى﴾ قال الزجاج: موضع ﴿إِذْ﴾ نصب؛ على معنى: واتل هذه القصة فيما تتلو؛ ودليل ذلك قوله عطفا على هذه القصة: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩] (٥). ومعنى النداء: الدعاء بـ: يا فلان، فنادى الله موسى حين رأى الشجرة والنار (٦)، بأن قال له: يا ﴿مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٧) قال ابن

стр. 9683

عباس: يريد: المشركين (١). قال أهل المعاني: يعني الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، وظلموا بني إسرائيل بسومهم سوء العذاب (٢). قال ابن عباس: ثم أخبر عنهم فقال: ١١ - ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ (٣) قال الفراء: لو قرئ: ﴿أَلَا تتقون﴾ بالتاء (٤) كان صوابًا؛ لأن موسى أُمر بأن يقول لهم: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ فكانت التاء تجوز لخطاب موسى إياهم، وجازت الياء؛ لأن التنزيل قبل الخطاب، وهو بمنزلة قول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بالتاء والياء (٥). وقال أبو حاتم: قوله ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ وقف (٦)؛ لأن المعنى تام، وما بعده استئناف (٧).

стр. 9684

ومعنى: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ ألا يَصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته (١). ١٢ - قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ قال الكلبي: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ بالرسالة (٢). ١٣ - قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ أي بتكذيبهم إياي (٣) ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ أي: لا ينبعث بالكلام. يعني: للعلة التي كانت بلسانه (٤). [قال الفراء: ﴿وَيَضِيقُ﴾ مرفوعة؛ لأنها مردودة على ﴿أَخَافُ﴾ ولو نصبت بالرد على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾ كانت صوابًا، والوجه الرفع؛ لأنه أخبر أن صدره يضيق، وذَكر العلة التي كانت بلسانه] (٥) فتلك مما لا تَخاف؛ لأنها

стр. 9685

قد كانت (١). قوله: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ اجعله رسولاً لكَ معي بأن يُرسِل إليه جبريلَ بالوحي (٢). قال الكلبي: لكي يكون معي معينًا لي (٣). قال الفراء: ولم يذكر معونة ولا مؤازرة؛ لأن المعنى معلوم؛ كما تقول: لو أتاني مكروه لأرسلت إليك. ومعناه: لتعينني وتغيثني، وإذا كان المعنى (٤) معلومًا طرح للإيجاز (٥). ١٤ - قوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قال مجاهد وقتادة والمفسرون وابن عباس: يريد قتلت منهم قتيلًا (٦). يعني الرجل الذي وكزه فقضى عليه (٧)، والتقدير: ولهم علي دعوى ذنب فأخاف أن يقتلوني به، أي: بقتلي إياه (٨).

стр. 9686

١٥ - قال الله سبحانه: ﴿كَلَّا﴾ أي: لن يقتلوك، وهو ردع وزجر عن الإقامة علي هذا الظن (١)، كأنه قال: ارتدع عن هذا الظن وثق بالله (٢). قال ابن عباس: [يريد لا يقدرون على قتلك. وقال الكلبي: يعني لا أسلطهم على ذلك (٣). قوله ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ قال ابن عباس:] (٤) يريد نفسه (٥) ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ قال: يريد أسمع (٦) وأرى، كما قال في: طه [٤٦] ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. وقال أهل المعاني: قوله ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ مجاز من وجهين؛ أحدهما: الجمع، والآخر: مستمع؛ موضع: سامع؛ لأن الاستماع طلب السمع بالإصغاء، والله سامع مما يغني عن الاستماع، والمعنى يسمع ما يقولانه وما يجيبونكما به (٧)، وأراد بهذا تقوية قلبهما (٨).

стр. 9687

وقوله: ﴿مَعَكُمْ﴾ وفي سورة طه ﴿مَعَكُمَا﴾ لأنه أجراهما في هذه السورة مجرى الجماعة (١). ومضت لهذا نظائر. ١٦ - قوله: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مذهب أبي عبيدة، والأخفش، والمبرد، وجميع النحويين: أن الرسول هاهنا بمعنى الرسالة (٢)، وأنشدوا قول كُثَيِّر: لقد كَذَبَ الواشون ما بُحت عندهم ... بسرٍ ولا أرسلتهم برسول (٣) قالوا: يعني برسالة (٤). وقول عباس بن مرداس: ألا مَنْ مُبلغٌ عني خُفافًا ... رَسولًا بيتُ أهلِك منتهاها (٥)

стр. 9688

أراد رسالة، ولذلك أنث (١). وعلى هذا تقدير الآية: إنا ذو رسالة رب العالمين فحذف المضاف. وفيه قول آخر؛ وهو: أن الرسول هاهنا في معنى جمع (٢)؛ كقول الهذلي (٣): ألكني إليهما وخير الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر (٤) ومثلها العدو والصديق (٥)، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء:

стр. 9689

٧٧] وقال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] وقد مَرَّ (١). وذكر أبو علي القولين جميعًا بعبارة وجيزة، فقال: الرسول يستعمل على ضربين؛ أحدهما: [بمعنى المرسل، والآخر بمعنى: الرسالة، فقوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بمعنى: الرسالة،] (٢) وهو من باب حذف المضاف؛ لأن المعنى: إنا ذو رسالة رب العالمين. قال: ويجوز أن يكون الواحد وضع موضع التثنية، كما وضع موضع الجمع في قوله: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠]، ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ﴾ [النساء: ٩٢]، ونحو ذلك (٣). ١٧ - قوله تعالى: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ معناه: بأن، فحذف الجار، ومعنى الإرسال هاهنا: الإطلاق والتخلية؛ كما تقول: أرسلت الصيد من يدي، أي: أطلقته بعد التخلية. وإنما أمر بأن يُخلي عنهم برفع منعه لهم. قال مقاتل: أرسلهم معنا إلى أرض فلسطين، ولا تستعبدهم (٤). ١٨ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ في الكلام محذوف تقديره: فأتياه وأبلغا الرسالة، فقال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ (٥) [قال مقاتل: عرف فرعون موسى؛ لأنه رباه في بيته فلما أتاه قال له: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾] (٦)

стр. 9690

يعني: صبيًّا (١). وقال ابن عباس: صغيرًا (٢). والوليد: هو المولود، وموسى وُلِد فيهم ثم كان فيما بينهم حتى صار رجلاً، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد ثمان عشرة سنة (٣). وقال مقاتل: ثلاثين سنة (٤). وقال الكلبي: أربعين سنة (٥). ١٩ - وقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعني قتل القبطي الذي قتله موسى (٦). ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ فيه قولان؛ أحدهما: وأنت من الكافرين بإلهك، وكنت معنا على ديننا هذا الذي تعيب. وهذا قول الحسن والسدي (٧).

стр. 9691

والثاني: وأنت من الكافرين للنعم التي ذكرها؛ يعني: من التربية والإحسان إليه، يقول: ربيناك وأحسنا إليك وأقمت فينا سنين ثم كافأتنا بأن قتلت منا نفسًا، وكفرت بنعمتنا. وهذا قول ابن زيد ومقاتل وعطاء (١)، والعوفي، عن ابن عباس قال: إن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر بالربوبية (٢). واختاره الفراء فقال (٣): وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، أي: لتربيتي إياك (٤). قال أهل المعاني: هذا الجواب من فرعون لموسى استصغار لحال الداعي إلى الله بطرًا وتكبرًا، وتوجيه أمره إلى غير جهته. ٢٠ - ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي: فعلت تلك الفعلة وأنا إذ ذاك من الضالين. أي: من الجاهلين. قاله مجاهد ومقاتل وقتادة، والسدي (٥).

стр. 9692

قال الفراء: وكذا هو في حرف ابن مسعود: وأنا من الجاهلين (١). قال: والضالين والجاهلين يكونان بمعنى واحد؛ لأنك تقول: جهلت الطريق وضللته (٢). وهذا يحتمل تأولين، أحدهما: كنت جاهلاً لم يأتني عن الله شيء، وهذا قول أكثر المفسرين (٣). والثاني: كنت من الجاهلين أنها تبلغ القتل؛ وهذا قول قتادة قال: جهل نبي الله ولم يتعمد (٤). والأول معنى قول ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ عن نبوة ربي (٥). ٢١ - قوله: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ أي ذهبت (٦) من بينكم حذرًا

стр. 9693

على نفسىِ. قال مقاتل: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾ إلى مدين (١) لما خفتكم أن تقتلوني بمن قتلته (٢). ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ يعني: نبوة. قاله ابن عباس، والسدي (٣). وقال مقاتل: يعني العلم والفهم (٤). وقال ابن زيد: عقلاً. وقال الفراء: التوراة (٥). وهو بعيد؛ لأن التوراة أوتي (٦) بعد غرق فرعون. ٢٢ - قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال ابن السكيت: استعبده وعبَّده أي: أخذه عبدًا، وأنشد قول رؤبة: يَرضونَ بالتعبيدِ والتأمِّي (٧) قال: ويقال: تَعَبَّدت فلانًا، أي: اتخذته عبدًا، مثل: عَبَّدته سواء. وتأمَّيت فلانة: اتخذتها أمة (٨). وينشد على هذا (٩) التعبد، بمعنى: التعبيد،

стр. 9694

قول الشاعر: تعبدني نِمْر بن سعد .. البيت (١) وورمال أيضًا: أَعْبَدت الرجل بمعنى: عَبَّدته (٢)، قال الشاعر: علام يُعبِدني قومي وقد كثرت ... فيهم أباعِرُ مَا شاءوا وعُبْدانُ (٣) قال مجاهد، في قوله: ﴿عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قهرتهم واستعملتهم (٤). وقال قتادة في هذه الآية: يقول موسى لفرعون: أتمن علي أن اتخذت بني إسرائيل عبيدًا (٥). وقال السدي: تَمُن علي أن ربيتني فيك وليدًا (٦)، وأنت قد استعبدت بني إسرائيل فأرسلهم معي ولا تعذبهم.

стр. 9695

وقال الكلبي: يقول: تمن بها علي وتستعبد بني إسرائيل (١). وقال مقاتل: قال موسى: تمن علي إحسانك إلى خاصة فيما (٢) زعمت، وتركت (٣) إساءتك أن عبدت يعني: استعبدت بني إسرائيل (٤). هذا ما ذكره المفسرون في هذه الآية. وهو لا يفتح غُلقًا ولا يَحل مُشكلًا. وجملة القول في هذه الآية: أن أهل التأويل مختلفون فيها على قولين؛ أحدهما: أن موسى أنكر أن يكون ثَمَّ (٥) لفرعون عليه نعمة (٦). قال صاحب النظم: لا يحتمل قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ إلا أن يكون مستفهمًا به؛ بمعنى: أوَ تلك، على الإنكار بلفظ الاستفهام (٧)، ولا يحتمل أن يكون خبرًا؛ لأن تعبيد فرعون بني إسرائيل كيف يجعله موسى مِنَّة منه على نفسه؟ فالمعنى: ما ذهبنا إليه، وقد تستفهم العرب بلا ألف، ثم ذكر (٨) أبياتًا فيها (٩): أفرحُ أن أُرْزَأ الكِرامَ (١٠)

стр. 9696

قال: أراد: أأفرح؛ لأنه ينكر ذلك ولا يقبله. ومنها: بسبعٍ رمين الجمر .. (١) وهذا الذي ذكره هو قول الأخفش؛ قال: هذا استفهام كأنه قال: أوَ تلك نعمة تمنها؛ ثم فسر فقال: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فجعله بدلاً من النعمة (٢). قال أبو العباس: وهذا غلط لا يجوز أن يُلْقَى الاستفهام، وهو يُطلَب فيكون الاستفهام كالخبر، وقد استقبح ومعه (أمْ)، وهي دليل على الاستفهام، واستقبحوا قول امرئ القيس: تروحُ من الحيِّ أم تَبْتَكِرْ (٣)

стр. 9697

بمعنى: أتروح، فحذف الاستفهام واكتفى (١) بـ (أم)، فذهب الأكثرون إلى أن الأول خبر، والثاني استفهام، فأما وليس معه (أم) فلم يقله إنسان. انتهى كلامه (٢). ولتحقيق الإنكار وجه غير تقدير الاستفهام؛ قال محمد بن إسحاق بن يسار في هذه الآية: أقبل موسى على فرعون ينكر عليه ما ذكر من يده عنده فقال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: اتخذتهم عبيدًا تنزع أبناءهم من أيديهم فتسترق من شئت، وتقتل من شئت، أي: إنما صيرني إليك (٣) وإلى بيتك ذلك (٤). واختار الزجاج والأزهري هذا القول وشرحاه؛ قال الزجاج: المفسرون أخرجوا هذا على جهة الإنكار أن تكون تلك نعمة، كأنه قال:

стр. 9698

وأيُّ نعمة لك عليٍّ في أن عبدت بني إسرائيل، واللفظ لفظ خبر، قال: ويخرج المعش على ما قالوا أن لفظه لفظ الخبر، وفيه تبكيت للمخاطب، على معنى أنك لو كنت لا تقتل (١) أبناء بني إسرائيل، لكانت أمي مستغنية عن قذفي في اليم فكأنك تمنن علي بما كان بلاؤك سببًا له. انتهى كلامه (٢). وزاد الأزهري بيانًا لهذا القول؛ فقال: إن فرعون لما قال لموسى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ فاعتد عليه بأن رباه وليدًا منذ ولد إلى أن كبر، وكان من جواب موسى له: تلك نعمة تعتد بها عليَّ لأنك عبدت بني إسرائيل، ولو لم تعبدهم لكفلني أهلي، ولم يلقوني في اليم، فإنما صارت نعمة لِما أقدمت عليه مما حظره الله عليك. انتهى كلامه (٣). ونظير هذا من الكلام أن يَمنُن إنسانٌ على غيره تربيتَه فيقول له المخاطب: هذه النعمة حصلتْ لك علي بأن قتلت أبوي؛ ولو لم تقتلهما لربياني، فيكون في ذكر سبب تربيته إياه دفعًا لما ذَكر من النعمة عليه (٤)، كذلك لَمَّا ذَكر موسى تعبيده بني إسرائيل كان في ذلك إبانةً لسبب حاجة موسى إلى تربية فرعون، ودفعًا لِما ذَكر من النعمة عليه. وإلى هذا القول أشار (٥) المبرد؛ فقال: التربية كانت بالسبب الذي ذكره الله من التعبيد،

стр. 9699

فقال موسى: تربيتك إياي كانت لأجل التملك والقهر لقومي، فقوله: ﴿تِلْكَ﴾ ابتداء، و: ﴿نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ خبره، و: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾ بدل من النعمة، مبين لها، وتقديره: تعبيدك بني إسرائيل. هذا الذي ذكرنا وجه قول من قال بالإنكار. القول الثاني: أن موسى أقر بنعمة التربية. وهو قول الفراء (١)، ومذهب أبي العباس (٢)، ووجهه: أن فرعون لما قال لموسى: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: لنعمة تربيتي لك، أجاب موسى فقال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ الآية؛ يقول: هي لعمري نعمة إذ ربيتني ولم تستعبدني كاستعبادك بني إسرائيل، فـ ﴿أَن﴾ تدل على ذلك. ومثله في الكلام: أن تضرب أحد عبيدك وتترك الآخر، فيقول المتروك: هذه نعمة عليٍّ أنْ ضربت فلانًا وتركتني، ثم تحذف: وتركتني. والمعنى قائم معروف. هذا كله كلام الفراء؛ قال: وقد تكون ﴿أَن﴾ رفعًا ونصبًا، أما الرفع فعلى قولك: وتلك نعمة تمنها علي تعبيدك بني إسرائيل. والنصب: تَمَنَّها عليَّ لتعبيدك بني إسرائيل. انتهى كلامه (٣). ووجه هذا القول يصح في النظم بتقدير محذوف؛ كأنه قال: وتلك التي (٤) تذكر نعمة لك تمنها علي لأن عبدت بني إسرائيل. هذا وجه الإقرار بنعمة التربية. ومذهب المفسرين: الإنكار. وما حكينا من أقوالهم يدل على الإنكار.

стр. 9700

٢٣ - قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ قال محمد بن إسحاق: يستوصفه إلهه الذي أرسله إليه. أي: ما إلهك هذا؟ (١) فأجابه موسى بما هو دليل على الله مما خلق مما يُعجز المخلوقين عن أن يأتوا بمثله (٢). ٢٤ - فـ ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ قال ابن (٣) الأنباري: يقال: كيف استجاز موسى حين سأله فرعون أن يجيبه بأن يقول: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وهذا ليس بجواب لسؤاله؛ لأن من قيل له: ما زيد؟ لم يكن جوابه: زيد يملك خمسين دينارًا؛ لأن (ما) سبيلها أن تستفهم بها عن الأسماء من الأجناس، والأنساب، فإذا قال القائل: ما هذا؟ أُجيب بأحد جوابين؛ إما أن يُقال له: هاشمي، قرشي، إذا عَلم المخاطب أنه يعرف جنس الذي يستفهم عنه. وإما أن يُجاب بالجنس، فيقال: إنسان، بهيمة، حائط، فجواب موسى لم يقع على حسب سؤال فرعون؟. والجواب أن فرعون أحال في سؤاله، فسأل عن جنس من لا جنس له فاستجهله موسى، فأضرب عن سؤاله فلم يجبه عنه؛ بل أخبره من قدرة الله وعظيم ملكه وسلطانه بما يردعه عن جهله فيما كان سأل عنه. والدليل على أن موسى لم يجب عن سؤاله: أنه لما سمعه منه أقبل على جلسائه فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ إذ لم يجبني عن سؤالي! فلم يلتفت
следующие страницы →