← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 9696–9735 · переход к 9701.

стр. 9696

قال: أراد: أأفرح؛ لأنه ينكر ذلك ولا يقبله. ومنها: بسبعٍ رمين الجمر .. (١) وهذا الذي ذكره هو قول الأخفش؛ قال: هذا استفهام كأنه قال: أوَ تلك نعمة تمنها؛ ثم فسر فقال: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فجعله بدلاً من النعمة (٢). قال أبو العباس: وهذا غلط لا يجوز أن يُلْقَى الاستفهام، وهو يُطلَب فيكون الاستفهام كالخبر، وقد استقبح ومعه (أمْ)، وهي دليل على الاستفهام، واستقبحوا قول امرئ القيس: تروحُ من الحيِّ أم تَبْتَكِرْ (٣)

стр. 9697

بمعنى: أتروح، فحذف الاستفهام واكتفى (١) بـ (أم)، فذهب الأكثرون إلى أن الأول خبر، والثاني استفهام، فأما وليس معه (أم) فلم يقله إنسان. انتهى كلامه (٢). ولتحقيق الإنكار وجه غير تقدير الاستفهام؛ قال محمد بن إسحاق بن يسار في هذه الآية: أقبل موسى على فرعون ينكر عليه ما ذكر من يده عنده فقال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: اتخذتهم عبيدًا تنزع أبناءهم من أيديهم فتسترق من شئت، وتقتل من شئت، أي: إنما صيرني إليك (٣) وإلى بيتك ذلك (٤). واختار الزجاج والأزهري هذا القول وشرحاه؛ قال الزجاج: المفسرون أخرجوا هذا على جهة الإنكار أن تكون تلك نعمة، كأنه قال:

стр. 9698

وأيُّ نعمة لك عليٍّ في أن عبدت بني إسرائيل، واللفظ لفظ خبر، قال: ويخرج المعش على ما قالوا أن لفظه لفظ الخبر، وفيه تبكيت للمخاطب، على معنى أنك لو كنت لا تقتل (١) أبناء بني إسرائيل، لكانت أمي مستغنية عن قذفي في اليم فكأنك تمنن علي بما كان بلاؤك سببًا له. انتهى كلامه (٢). وزاد الأزهري بيانًا لهذا القول؛ فقال: إن فرعون لما قال لموسى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ فاعتد عليه بأن رباه وليدًا منذ ولد إلى أن كبر، وكان من جواب موسى له: تلك نعمة تعتد بها عليَّ لأنك عبدت بني إسرائيل، ولو لم تعبدهم لكفلني أهلي، ولم يلقوني في اليم، فإنما صارت نعمة لِما أقدمت عليه مما حظره الله عليك. انتهى كلامه (٣). ونظير هذا من الكلام أن يَمنُن إنسانٌ على غيره تربيتَه فيقول له المخاطب: هذه النعمة حصلتْ لك علي بأن قتلت أبوي؛ ولو لم تقتلهما لربياني، فيكون في ذكر سبب تربيته إياه دفعًا لما ذَكر من النعمة عليه (٤)، كذلك لَمَّا ذَكر موسى تعبيده بني إسرائيل كان في ذلك إبانةً لسبب حاجة موسى إلى تربية فرعون، ودفعًا لِما ذَكر من النعمة عليه. وإلى هذا القول أشار (٥) المبرد؛ فقال: التربية كانت بالسبب الذي ذكره الله من التعبيد،

стр. 9699

فقال موسى: تربيتك إياي كانت لأجل التملك والقهر لقومي، فقوله: ﴿تِلْكَ﴾ ابتداء، و: ﴿نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ خبره، و: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾ بدل من النعمة، مبين لها، وتقديره: تعبيدك بني إسرائيل. هذا الذي ذكرنا وجه قول من قال بالإنكار. القول الثاني: أن موسى أقر بنعمة التربية. وهو قول الفراء (١)، ومذهب أبي العباس (٢)، ووجهه: أن فرعون لما قال لموسى: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: لنعمة تربيتي لك، أجاب موسى فقال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ الآية؛ يقول: هي لعمري نعمة إذ ربيتني ولم تستعبدني كاستعبادك بني إسرائيل، فـ ﴿أَن﴾ تدل على ذلك. ومثله في الكلام: أن تضرب أحد عبيدك وتترك الآخر، فيقول المتروك: هذه نعمة عليٍّ أنْ ضربت فلانًا وتركتني، ثم تحذف: وتركتني. والمعنى قائم معروف. هذا كله كلام الفراء؛ قال: وقد تكون ﴿أَن﴾ رفعًا ونصبًا، أما الرفع فعلى قولك: وتلك نعمة تمنها علي تعبيدك بني إسرائيل. والنصب: تَمَنَّها عليَّ لتعبيدك بني إسرائيل. انتهى كلامه (٣). ووجه هذا القول يصح في النظم بتقدير محذوف؛ كأنه قال: وتلك التي (٤) تذكر نعمة لك تمنها علي لأن عبدت بني إسرائيل. هذا وجه الإقرار بنعمة التربية. ومذهب المفسرين: الإنكار. وما حكينا من أقوالهم يدل على الإنكار.

стр. 9700

٢٣ - قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ قال محمد بن إسحاق: يستوصفه إلهه الذي أرسله إليه. أي: ما إلهك هذا؟ (١) فأجابه موسى بما هو دليل على الله مما خلق مما يُعجز المخلوقين عن أن يأتوا بمثله (٢). ٢٤ - فـ ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ قال ابن (٣) الأنباري: يقال: كيف استجاز موسى حين سأله فرعون أن يجيبه بأن يقول: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وهذا ليس بجواب لسؤاله؛ لأن من قيل له: ما زيد؟ لم يكن جوابه: زيد يملك خمسين دينارًا؛ لأن (ما) سبيلها أن تستفهم بها عن الأسماء من الأجناس، والأنساب، فإذا قال القائل: ما هذا؟ أُجيب بأحد جوابين؛ إما أن يُقال له: هاشمي، قرشي، إذا عَلم المخاطب أنه يعرف جنس الذي يستفهم عنه. وإما أن يُجاب بالجنس، فيقال: إنسان، بهيمة، حائط، فجواب موسى لم يقع على حسب سؤال فرعون؟. والجواب أن فرعون أحال في سؤاله، فسأل عن جنس من لا جنس له فاستجهله موسى، فأضرب عن سؤاله فلم يجبه عنه؛ بل أخبره من قدرة الله وعظيم ملكه وسلطانه بما يردعه عن جهله فيما كان سأل عنه. والدليل على أن موسى لم يجب عن سؤاله: أنه لما سمعه منه أقبل على جلسائه فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ إذ لم يجبني عن سؤالي! فلم يلتفت

стр. 9701

موسى إلى ذلك من قوله، وأشاعَ تعظيم مُلْكَ ربه فقال: ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآية. والجواب الثاني: أن موسى علم أن قصده في السؤال معرفةُ من سأل عنه فأجاب بما يعلم من صفاته؛ لأن الذي يجب على المسؤول أن يُخبر بما يعلم، فكأن موسى أجاب عن معنى السؤال بما يَعرف، ولم يلتفتْ إلى ظاهره. وقيل: إن موسى عَلِم أن فرعون يعلم أن اللهَ ربُّه؛ وإن أظهر غير ما يعلم، فلما قال له: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ لم يقع في نفسه أنه يَسأل عن ربه ليُحدده، بل قَدَّر أنه يسأله عن مُلك ربه؛ فكأن التقدير: وما مُلك رب العالمين؟ فقال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ الآية. وغير ممتنع في اللغة أن يُجاب السائل في قوله (١) ما ملك ربك؟ بأن يقال: ربُّك مَلِك العراق وخراسان، ومالك أكثر الأرض. انتهى كلامه (٢). قال الكلبي: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أنه خلق ذلك (٣). وقال أهل المعاني: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أن ما تعاينونه كما تعاينونه (٤). يعني: إن كنتم تثبتون المشاهدات والمعقولات؛ لأن من أثبت المعقول لا يكاد يخفى عليه الخالق إذا شاهد المخلوق.

стр. 9702

٢٥ - قوله: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ قال أبو إسحاق: لما قال موسى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ تحير فرعون ولم يَرُدَّ جوابًا ينقض به هذا القول، فـ ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ (١) قال ابن عباس: يريد ألا تستمعون مقالة موسى (٢). فزاد موسى في البيان فقال (٣): ٢٦ - ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال الفراء: إنما لم يجبه الملأ، لأن موسى كان المراد بالجواب، فقال: الذي أدعوكم إلى عبادته ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٤). قال محمد بن إسحاق: الذي خلق آباءكم الأولين، وخلقكم من آبائكم (٥). فلم يجبه فرعون أيضًا بما ينقض قوله، وقال: ٢٧ - ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (٦). قال محمد بن إسحاق أي: ما هذا بكلام صحيح إذ يزعم أن له إلهًا غيري (٧). وقال أهل المعاني: كِلَا المقالتين من فرعون مقالة العاجز عن الاعتراض على الحجة (٨)؛ قوله: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ﴾ الآية، فلم يشتغل موسى بالجواب عما نسبه إليه من الجنون، ولكن اشتغل

стр. 9703

بتأكيد الحجة فأتبع ما سبق من الدليل دليلًا آخر زيادة في الإبانة فقال (١): ٢٨ - ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قال مقاتل: إن كنتم تعقلون توحيد الله (٢). وقال أهل المعاني: إن كنتم ذوي عقول لم يَخف عليكم ما أقول (٣)؛ كقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء٢٤]. قال أبو إسحاق: فلم يجبه في هذه الأشياء بنقيضٍ لحجته (٤)، وإنما قال: ٢٩ - ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ أي: [لأسجننك، و] (٥) لأحبسنك مع من حبسته في السجن (٦). قال الكلبي (٧): وكان سجنه أشد من القتل (٨).

стр. 9704

فقال موسى حسن توعده بالسجن: ٣٠ - ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ يعني: أتسجنني ولو جئتك بشيء مبين (١). قال محمد بن إسحاق: أي بأمر تعرف فيه صدقي وكذبك، وحقي وباطلك (٢). وهذه الآيات من هنا [٣١ - ٣٢] مفسرة في سورة الأعراف، إلى قوله: ٣٨ - ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ قال مقاتل: يعني

стр. 9705

لميعاد (١) يوم معلوم، وهو يوم عيدهم، وهو يوم الزينة (٢). ٣٩ - ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ﴾ يعني: لأهل مصر (٣) ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ إلى السحرة. وقيل: لتنظروا ما يفعل الفريقان، ولمن تكون الغلبة (٤). ٤٠ - ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ على أمرهم ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ لموسى ولأخيه. قاله مقاتل (٥). وإنما قالوا: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾؛ لأن السحرة لم يكونوا متبوعين، وإنما كانوا سحرة حشروا إليهم من مدائن صعيد مصر، فقالوا: إن غَلبوا موسى اتبعناهم (٦). وما بعد هذا [٤١ - ٤٣] مفسر إلى قوله: ٤٤ - ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: بقوته التي يمتنع بها من لَحاق الضيم (٧).

стр. 9706

قال مقاتل: يعني: بعظمة فرعون، كقوله لشعيب: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود ٩١] يعني: بعظيم (١). وهذا قَسَم غير مبرور (٢). والباقي [٤٥ - ٤٩] مفسر إلى قوله: ٥٠ - ﴿لَا ضَيْرَ﴾ أي: لا ضرر علينا فيما ينالنا في الدنيا مع أملنا للمغفرة. قاله الزجاج (٣). وقال مقاتل: ﴿لَا ضَيْرَ﴾ هل هو إلا أن يقتلنا (٤) ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ راجعون في الآخرة (٥). ٥١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾ مفسر في سورة طه (٦). ﴿أَنْ كُنَّا﴾ أي: لأن كنا (٧) ﴿أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الفراء: أول مؤمني

стр. 9707

أهل (١) زماننا (٢). وقال مقاتل: أول المصدقين بتوحيد الله من أهل مصر (٣). وقال الزجاج: زعم الفراء أنهم كانوا أول مؤمني أهل دهرهم (٤)! ولا أحسبه عرف الرواية في التفسير؛ لأنه جاء في التفسير: أن الذين كانوا مع موسى ستمائة ألف؛ وإنما المعنى: أن كنا أولَ من آمن في هذه الحال عند ظهور آية موسى (٥). وقال غيره: ﴿كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بآيات موسى ممن كان يعمل بالسحر (٦). ٥٢ - قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ مفسر في سورة طه (٧). ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ يتبعكم فرعون وقومه ليحولوا بينكم وبين الخروج من أرض مصر (٨).

стр. 9708

٥٣ - ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ يحشرون الناس لطلب موسى وهارون (١). أي: أرسَل من جَمع له الجيش (٢). ٥٤ - [قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ قال مقاتل: ثم قال فرعون: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعنى: بني إسرائيل. وقال أبو إسحاق:] (٣) معناه: فجمع جمعه فقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ والشرذمة في كلام العرب: القليل (٤). وقال المبرد: الشرذمة: القطعة من الناس غير الكثير، وجمعها: الشراذم (٥). ويقال للحلفاء إذا قلوا (٦): بنوا فلان شرذمة بني فلان. قال مقاتل في قوله: (شرذمة) عصابة (٧). وقوله: ﴿قَلِيلُونَ﴾ قال الفراء: يقال: عصبة قليلة، وقليلون، وكثيرون، جائز عربي؛ وإنما جاز لأن القلة تلزم جميعهم في المعنى فظهرت أسماؤهم، ومثله: أنتم حي واحد، وحي واحدون؛ قال الكُمَيْت: فَرَدَّ قواصي الأحياء منهم ... فقد رجعوا كحيٍّ واحِدينا (٨)

стр. 9709

ومعنى واحدون: واحد. ونحو هذا قال الزجاج (١). وكان الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف، في قول مجاهد، ومقاتل، وابن الهاد، وابن مسعود (٢). قال مجاهد: ولا يُحصى عدد أصحاب فرعون (٣). ٥٥ - وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ قال أبو إسحاق: يقال: غاظني فلان، وأغاظني، [والأول أفصح (٤). وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: غاظني فلان وأغاظني] (٥) وغيظني بمعنى واحد (٦). والغيظ: الغضب، ومنه قوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك ٨] والتغيظ والاغتياظ واقعان منه؛ قال الله تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا

стр. 9710

تَغَيُّظًا﴾ [الفرقان ١٢] وقد مر. والمغايظة بين اثنين. قال مقاتل: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ بقتلهم أبكارنا ثم هربهم منا (١). وقال آخرون: أي مما أخذوه من العواري التي استعاروها من أوللي، وخروجهم من أرضنا على مخالفة لنا (٢). ٥٦ - وقوله: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ وقرئ: (حذرون) (٣) قال الفراء: وكأن: الحاذر الذي يحذرك الآن. وكأن: الحَذِر المخلوق حَذِرًا لا تلقاه إلا حذرًا (٤). وقال الزجاج: الحاذر: المستعد. والحذر: المتيقظ (٥). وقال أبو عبيدة: رجل حَذِر وحَذُر (٦) وحاذر.

стр. 9711

قال ابن أحمر: هل أُنسأَنْ يومًا إلى غيره ... إنِّي حواليٌ وإنِّى حَذِر (١) قال: حوالي: ذو حيلة (٢). وأنشد أيضًا للعباس بن مرداس: وإني حاذرٌ أنْمِى سلاحي ... إلى أوصال ذَيَّال منيع (٣) قال أبو علي: يقال: حَذِر يَحذَر حَذَرًا، واسم الفاعل: حَذِر. فأما حاذر فإنه يراد به أنه يفعل الحذر فيما يَستقبل. وكذلك قوله: وإني حاذر، كأنه يريد: متحذر عند اللقاء (٤). وقال شمر: الحاذر: المُؤدِي الشاكُّ في السلاح (٥). وكذا جاء في

стр. 9712

التفسير؛ روى أبو إسحاق عن الأسود في قوله: ﴿حَاذِرُونَ﴾ قال: مُؤدُون مقوون (١). أي: ذووا أداة وقوة. ويروى عنه: مؤدون مستعدون. وقال الضحاك: شاكُّون في السلاح (٢). وقال مقاتل: مُؤدُون علينا السلاح (٣). وسأل شافع بن الأزرق، ابنَ عباس (٤)، عن قوله: ﴿حَاذِرُونَ﴾ ما هو؟ فقال: التامون (٥) السلاح. وأنشد قول النجاشي (٦):

стр. 9713

حنيفةُ في كتائبَ حاذراتٍ ... يقودهم أبو الشِّبل الهِزبرُ (١) وهذا الذي ذكره أهل التفسير معنى وليس بتفسير؛ وذلك أن من شأن من يحذر الشيء أن يستعد له، ويأخذ له الحذر، وإلا فكم من حذر لا سلاح معه. ومعنى الحَذَر في اللغة: اجتناب الشيء خوفًا منه؟ قال اليث في قوله: ﴿حَاذِرُون﴾ نَخاف شَرَّهم (٢). وذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء٧١] (٣). ٥٧ - قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾ يعني: فرعون وقومه (٤). ﴿مِنْ جَنَّاتٍ﴾ قال مقاتل: يعني البساتين ﴿وَعُيُونٍ﴾ يعني: أنهارًا جارية (٥). ٥٨ - ﴿وَكُنُوزٍ﴾ يعني: الأموال الظاهرة من الذهب والفضة (٦). وإنما سمي: كنزًا؛ لأنه لم يعط حق الله منها. وكل ما لا يعطى حقُّ الله منه فهو كنز وإن كان ظاهرًا (٧).

стр. 9714

ثم قال: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [يعني: المساكن الحسان (١). قال المفسرون في قوله: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾] (٢): هو المجلس الحسن (٣) من مجالس الأمراء والرؤساء التي كانت تَحفُّ بها الأتباع (٤). ٥٩ - وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما وصفنا (٥). وقال مقاتل: هكذا فعلنا بهم في الخروج من مصر، ومما كانوا منه من الخير (٦). وقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال الحسن: رجع بنوا إسرائيل إلى مصر بعد إهلاك فرعون (٧). وقال مقاتل: إن الله تعالى ردَّ بني إسرائيل بعد ما أغرق فرعون وقومه إلى مصر (٨). ٦٠ - ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾ قال عبد الله بن مسلم (٩): لحِقوهم مصبحين حين شرقت الشمس، أي: طلعت، يقال: أشرقنا، أي: دخلنا

стр. 9715

في الشروق (١). وقد مر (٢). والكلام في معنى: أتبع ذكرناه في قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] (٣). ٦١ - وقوله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ أي: تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه (٤)، وهو مفاعل من: الرؤية، كما يقال: ترآءَا الحزبان. قال مقاتل: عاين بعضهم بعضًا. والجمعان: جمع موسى، وجمع فرعون (٥). وجازت التثنية؛ لأنه يقع على صفة التوحيد فيقال: هذا جمع واحد، كقولك: جملة واحدة. ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قال الزجاج: أي: سيدركنا جمع فرعون هذا الكثير، ولا طاقة لنا بهم (٦). قال مقاتل: قالوا: هذا فرعون وجنوده قد لحقونا من ورائنا، وهذا البحر أمامنا قد غشيناه، ولا منقذٍ لنا منه (٧)؟ فقال موسى ثقة بنصر الله (٨): ٦٢ - ﴿كَلَّا﴾ أي: ارتدعوا وازدجروا فليسوا يدركوننا (٩) ﴿إِنَّ مَعِيَ

стр. 9716

رَبِى﴾ بنصره إباي (١) ﴿سَيَهْدِينِ﴾ سيدلني على طريق النجاة (٢). ٦٣ - قوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ أي: فضرب فانفلق (٣). قال مقاتل: فانشق الماء اثني عشر طريقًا يابسًا، كل طريق طوله: فرسخان (٤)، وقام الماء على يمين الطريق، وعن يساره كالجبل العظيم، فذلك قوله: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (٥) قال الزجاج: أي: كل جزء تفرق منه (٦). وقال المفسرون: كل قطعة من الماء (٧)، وكل طائفة من البحر ﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ كالجبل العظيم (٨). وجمعه: أطواد، ومنه قول الأسود: ماءُ الفُراتِ يجيءُ من أطوادِ (٩)

стр. 9717

٦٤ - قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ قال ابن عباس وقتادة: قربنا إلى البحر فرعون وقومه حتى أغرقناهم (١). وقال مقاتل: قربنا فرعون وجنوده (٢) في مسلك بني إسرائيل (٣). وقال أبو إسحاق: أي قربنا الآخرين من الغرق وهم أصحاب فرعون (٤). وقال أبو عبيدة: ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ جمعنا، قال: ومن ذلك سميت مزدلفة جمعًا (٥). وكلا القولين حسن؛ لأن جمعهم تقريب بعضهم من بعض، وأصل الزلفى في كلام العرب: القربى (٦). وقيل قربناهم إلى المنية يخطيء وقت هلاكهم (٧).

стр. 9718

قال الشراعر: وكل يوم مضى أو ليلة سلفت ... فيها النفوس إلى الآجال تزدلف (١) وقال ابن مسلم: يقال: أزلفك الله أي: قربك، وأزلفني كذا عند فلان، أي: قربني منه. والزُلَف: المنازل والمَراقي؛ لأنها تُدْني المسافر، والراقي إلى حيث يقصده، ومنه قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠] أي: أدنيت (٢). وقال الحسن في قوله: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ اهلكنا (٣). وهو معنى وليس بتفسير؛ وذلك أنه أدنى من الهلاك فهو إهلاك في المعنى (وثّمَّ) إشارة إلى المكان. وذكرنا معناه عند قوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. ٦٧ - قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ قال مقاتل: إن في هلاك فرعون وقومه عبرة لمن بعدهم (٤) ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يقول: لم يكن أكثر أهل مصر مصدقين بتوحيد الله، ولم يكن آمن من أهل مصر غير آسية امرأة فرعون، وحزقيل المؤمن، ومريم بنت ناموسا، التي دلت على عظام

стр. 9719

يوسف (١). ٦٨ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه من أعدائه حين انتقم منهم ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين حين أنجاهم من العذاب (٢).

стр. 9720

٦٩ - قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ قال ابن عباس: حدث قومك نجبر إبراهيم (١). وقال مقاتل: واتل على أهل مكة حديث إبراهيم (٢). وقال الكلبي: يقول أخبرهم بخبر إبراهيم كيف قال لقومه (٣)؛ يعني قوله: ٧٠، ٧١ - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ قال مقاتل: وكانت أصنامًا من ذهب وفضة وحديد ونحاس وخشب (٤) ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ فنقيم عليها عابدين مقيمين على عبادتها لا نعدل بها شيئًا. قاله ابن عباس ومقاتل (٥). ٧٢ - ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ قال أبو علي وغيره من النحويين:

стр. 9721

هل يسمعون دعاءكم، فحذف المضاف (١)؛ لأن سمعت إذا عُدِّي إلى زيد لم يكن له من مفعول مما سمع زيد، كقولك: سمعت زيدًا يقول ذلك، أو يشتم عمرًا. ونحو ذلك من المفعولات التي تُسمع، وهذا كقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] (٢). قال ابن عباس: هل يجيبونكم أو يسمعون دعاءكم (٣). وقال مقاتل: هل يجيبونكم إذ تدعوهم (٤). وتفسير السمع بالإجابة معنى؛ لأن من سمع أجاب. ومن هذا قيل: سمع الله لمن حمده. أي: أجاب (٥). وإذا فسرنا السمع بالإجابة لم يحتج إلى تقدير المضاف. ٧٣ - قوله تعالى: ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ قال ابن عباس: يريد هل يرزقونكم، أو يكشفون عنكم التفسير، أو يملكون لكم ضرَّا (٦). وقال الكلبي: هل ينفعونكم إن أطعتموهم، أو يضرونكم إن

стр. 9722

عصيتموهم (١). ونحو هذا قال مقاتل: هل ينفعونكم في شيء إذا عبدتموهم، أو يضرونكم بشيء إن لم تعبدوهم (٢). ٧٤ - ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: كما نفعل يفعلون. وهذا إخبار أنهم قلدوا آباءهم في عبادة الأصنام، وتركوا الحجة والاستدلال فلما أقروا على أنفسهم وآبائهم بعبادة الأصنام التي لا تسمع ولا تضر (٣) ولا تنفع (٤). قال لهم إبراهيم متبرئًا منهم: ٧٥، ٧٦ - ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ يعني الماضين الأولين. ٧٧ - ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ قال الكلبي: يقول أبرأ منهم (٥). وقال مقاتل: أنا بريء منهم (٦). ومعنى عداوة الأصنام له هو ما ذكره الفراء، أي: لو عبدتهم كانوا إلى يوم القيامة ضدًا وعدوًا (٧). وكأنه ذهب إلى معنى قوله: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ الآية (٨)، [مريم: ٨٢] وذكر ابن قتيبة هذه الآية في باب المقلوب؛ وقال: المعنى: فإني عدو لهم، فقلب؛ لأن كل من عاديته

стр. 9723

عاداك (١). ونحو هذا حكى بعض المتأخرين عن الفراء، ولم أر له ذلك (٢). والعدو: اسم يجوز إطلاقه على الجماعة، كما قال: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ﴾ [الكهف ٥٠] (٣) وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء ٩٢] وقد مرَّ (٤). وذلك أنه وضع موضع المصدر فلا يُثنى، ولا يُجمع، كما يوضع المصدر موضع الصفة؛ في نحو: رجل عدل، وتجوز تثنيته وجمعه؛ لأنه اسم (٥). وقوله: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ قال أبو إسحاق: قال النحويون: إنه استثناء ليس من الأول. أي: لكن رب العالمين أعبده، ولا أتبرؤ منه. قال: ويجوز أن يكونوا عبدوا مع الله الأصنام، فقال: إن جميع من عبدتم عدو لي إلا رب العالمين؛ لأنهم سَووَّا آلهتهم بالله فأعلمهم أنه قد تبرأ مما يعبدون إلا الله (٦). وهذا الذي ذكره هو مذهب مقاتل في هذه الآية؛ قال: إنهم كانوا يعلمون أن الله ربهم، وهو الذي خلقهم فإقرارهم بالله أنه خلقهم وهو ربهم عبادة منهم له (٧). وقال الكلبي: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: إلا أن يكون فيكم أحدٌ يعبد

стр. 9724

الله (١). واختار الحسين بن الفضل هذا القول، وقال: يعني إلا من عبد رب العالمين (٢). وهذا يتوجه على حذف المضاف، كأنه قال: إلا عابد رب العالمين، ويكون الاستثناء أيضًا لا من الأول. واختار صاحب النظم في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ القلب؛ وقال: لأن الأصنام لا تعادي أحدًا، والمعنى: فإني عدو لهم. ومعنى العداوة: البغض والبراءة، وترك الموافقة. وأصله: من عَدَوْتُ الشيء: إذا جاوزتُه وخلَّفته. وقال في قوله: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ إنه على التقديم والتأخي؛ على تقدير: أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وءابآؤكم الأقدمون إلا رب العالمين فإنهم عدو لي وتكون (إلا) بمعنى: (دون) و (سوى). أي: ما كنتم تعبدون من دون الله، وسوى الله، فيكون: (دون) و (سوى)، نعتًا للاسم الأول (٣). وهذا الذي ذكره فيه تعدٍّ واستكراه، ثم استبعد قول الذين قالوا: إنه استثناء ليس من الأول؛ بأن قال: يحتمل ذلك على بعدٍ فيه؛ لأنه يكون ادعى خبرًا على الله من غير علم، وهو تمدح وتفريط للنفس، وهما مكروهان، يعني: أن إبراهيم إذا قال: الأصنام أعدائي، لكن الله وليي يكون قد أخبر عن الله بأنه وليه، ومدح نفسه بولاية الله؛ لأنه إذا كان الله [هو أيضًا] (٤) وليه، كان هو أيضًا ولي الله. وهذا لا يقدح في قول النحويين؛ لأنه لم يُخبر بذلك عن غير علم؛ فإن النبي يعلم منزلته من الله. والنبوة فوق الولاية، فإذا عَلِم أنه نبي، عَلِم أنه ولي، وأن الله وليه.

стр. 9725

وقوله: إنه تمدح، هذا إنما لا يحسن بعد الأنبياء، أما الأنبياء فلهم أن يتمدحوا بمنزلتهم، ومكانهم من الله تعالى، كما أن لهم التحدي بالمعجزة، وقد قال نبينا ﷺ : "أنا سيد ولد آدم" (١). وقال: "آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة" (٢). وقال: "لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا اتباعي" (٣)، في أشباهٍ لهذا كثيرة لا تُحمل على مذهب التمدح المكروه. قال مقاتل: ثم ذكر إبراهيم نعم رب العالمين؛ فقال (٤): ٧٨ - ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ قال ابن عباس: يرشدني. وقال

стр. 9726

الكلبي: فهو يهدين إلى الدين (١). والمعنى: فهو الذي يهدين إلى الدين، والرشد، لا ما تعبدون من الأصنام. أخبر أن الذي يهدي هو الله الذي خلق (٢) لا غيره، وجاء هذا لأنهم كانوا يزعمون أن آلهتهم هي التي تهديهم. قال صاحب النظم: وجاءت الفاء دون الواو في (فهو) لأن الفاء تجعل ما بعدها متصلًا بما قبلها على الجواب له. ٧٩ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ قال صاحب النظم: صحول ﴿هُوَ﴾ دليل على أنه أعلم أنه لا يُطعم ولا يَسقي غيرُه، كما تقول في الكلام: زيد هو الذي فعل، أي: لم يفعله غيره (٣). ٨٠ - ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ قال: دخلت الفاء هاهنا كما دخلت في الخلق والهداية، وذلك أنهم كانوا يقولون: المرض منا، ومن الزمان، ومن الأغذية، والشفاء من الأطباء، ومن الأدوية. فأعلم إبراهيم أن الذي أمرض هو الذي يَشفي؛ وهو الله . هذا كلامه (٤). وكان يجب على ما قال أن يكون: وإذا أمرضني، وقد قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ فلم يُخبر عن الله بإمراض، إلا أن يقال: أراد: وإذا أمرضني، ولكن أخبر عن نفسه على العادة فإنه يقال: مرضت ولا يقال: أمرضني الله وإن كان المرض مخلوقًا لله بقضائه وقدره (٥).

стр. 9727

٨١ - وقوله: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي﴾ أي: في الدنيا ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ للبعث. قاله ابن عباس، والمفسرون (١). قال صاحب النظم: كانوا لا يدفعون الموت، إلا أنهم يجعلون له سببًا سوى الله، ويكفرون بالبعث، فأعلم إبراهيم أنه هو الذي يميت، ثم يحي (٢). ودخلت (ثم) للتراخي الذي بين الموت والحياة (٣). ٨٢ - وقوله: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي﴾ قال مقاتل: أرجو (٤) ﴿أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ قال مجاهد، ومقاتل، والكلبي، والحسن (٥)، هي قوله لسارة: أختي، وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وهي الكذبات الثلاث (٦).

стр. 9728

وزاد الكلبي والحسن قوله للكواكب: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ (١). وقال أبو إسحاق: معنى ﴿خَطِيئَتِي﴾ أن الأنبياء بشر، وقد يجوز أن تقع عليهم الخطيئة إلا أنهم لا تكون منهم الكبيرة؛ لأنهم معصومون (٢). وقال أهل المعاني في قوله: (أطمع) هذا تلطف من إبراهيم في حسن الاستدعاء، وخضوع لله (٣). قوله: ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ يريد يوم الجزاء. قاله ابن عباس (٤).

стр. 9729

وقال مقاتل: يعني يوم الحساب (١). ثم دعا إبراهيم ربه فقال: ٨٣ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ قال ابن عباس: معرفة بالله وبحدوده وأحكامه (٢). وقال مقاتل: يعني اللهم والعلم (٣). ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ قال ابن عباس: بأهل الجنة. وقال عطاء عنه: يريد النبيين قبله (٤). ٨٤ - ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وسفيان، والسدي، ومقاتل، والكلبي، والمفسرون يعني: ثناءً حسنًا (٥). ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ يعني: في الذين يأتون بعدي (٦).

стр. 9730

قال أبو إسحاق: معناه اجعل لي ثناء حسنًا باقيًا إلى آخر الدهر (١). قال المفسرون: وأعطاه الله ذلك، وكل أهل دين يتولونه ويثنون عليه (٢). وذكرنا أن اللسان قد يُذكر والمراد به القول (٣)، ومنه: إني أتتني لسانٌ ...... البيت (٤) والعرب إذا مدحت شيئًا أضافته إلى الصدق (٥)؛ كقوله تعالى: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢] وقد مر (٦).

стр. 9731

٨٥ - ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ قال ابن عباس: اجعل مصيرِي إلى جنة النعيم (١). وقال الكلبي: من الذين ذكروا في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١] والنعيم: نقيض البؤس (٢). ٨٦ - ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ قال مقاتل: من المشركين (٣). وهذا الاستغفار منه لأبيه إنما كان قبل أن يتبرأ منه (٤). وقد ذكرنا ذلك عند ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ الآية، [التوبة: ١١٤] (٥). ٨٧ - ﴿وَلَا تُخْزِنِي﴾ قال مقاتل والكلبي: لا تعذبني (٦) ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ يوم يبعث الخلق بعد الموت (٧). ثم فسر ذلك اليوم وأبدل منه؛ فقال:

стр. 9732

٨٨ - ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ [ومفعول النفع محذوف للعلم به كأنه قيل: لا ينفع مال ولا بنون أحدًا] (١). ٨٩ - ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ وفي هذا الاستثناء قولان؛ أحدهما: إنه استثناء من الأول على معنى: أن الكافر لا ينفعه ماله وإن تصدق به، ولا ابنوه يغيثونه، [فيكون قوله ﴿إِلَّا مَنْ﴾ استثناء ممن لا ينفعه بماله، وبنوه؛ وهو الكافر. القول الثاني: إن قوله: ﴿إِلَّا مَنْ﴾ استثناء ليس من الأول على معنى:] (٢) لكن من أتى الله بقلب سليم ينفعه ذلك، وهو سلامة قلبه (٣). واختلفوا في معنى القلب السليم؛ فقال ابن عباس: سليم من الشرك والنفاق. وهو قول مجاهد، والكلبي، ومقاتل، وقتادة، والحسن، وأكثر المفسرين؛ قالوا: القلب السليم، الذي سلم من الشرك، والشك، والنفاق (٤). وإذا كان سليمًا من هذه الأشياء كان موقنًا مخلصًا. وقال سعيد

стр. 9733

ابن المسيب: القلب السليم هو الصحيح وهو قلب المؤمن، وقلب الكافر والمنافق مريض، كما قال الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] (١) ٩٠ - قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال ابن عباس: قربت الجنة لأوليائي (٢). قال أبو إسحاق: تأويله أنه قرب دخولهم إياها ونظرهم إليها (٣). ٩١ - ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾ أي: أظهرت (٤). قال مقاتل: كشف الغطاء عيت الجحيم (٥) (للغاوين) للكافرين (٦)، وهم الضالون عن الهدى (٧).

стр. 9734

والغاوي: الضال (١). ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ في ذلك اليوم على وجه التوبيخ واللوم (٢). ٩٢، ٩٣ - ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ هل يمنعوفكم من العذاب ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ يمتنعون منه (٣). ثم يؤمر بهم فيُلقون في النار، فذلك قوله: ٩٤ - ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ قال ابن عباس، والسدي، والكلبي: جمعوا (٤). وقال مجاهد: دهوروا (٥). وقال مقاتل: قذفوا (٦). قال أبو إسحاق: معنى: (كبكبوا) طُرح بعضهم على بعض (٧). وحقيقة ذلك في اللغة: تكرير الانكباب كأنه إذا أُلقي يَنْكَبُّ مرة بعد مرة حتى يستقرَّ فيها (٨). وقال أبو عبيدة: نكسوا فيها، وهو من قولهم: كبَّه الله لوجهه (٩).

стр. 9735

قال ابن قتيبة: (كبكبوا) أُلقوا على رؤوسهم، وأصل الحرف: كُبِّبُوا، فأبدل من الباء الوسطى كافًا استثقالًا لاجتماع ثلاث باءات، [كما قالوا: كمكموا، من الكُمَّة، وهي: القَلَنْسوة، والأصل: كُمِّموا] (١). كما قالوا: ريح صرصر (٢)، ورقرقت العين بمعنى: دمعت، وله نظائر (٣). ومن قال في تفسير: (كبكبوا) جمعوا (٤)، أراد: جمعوا بطرح بعضهم على بعض في النار. وهذا الفعل للمعبودين من دون الله، أخبر الله تعالى أنهم يُطرحون في النار مع عابديهم، فقال: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد: هم وما يعبدون من دون الله (٥). وقال الكلبي: العابد والمعبود (٦). وقال السدي: جمعوا فيها الآلهة والمشركون (٧). وعلى هذا: ﴿الْغَاوُونَ﴾ هم عبدة الأصنام. وقال قوم: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ يعني الكفار ﴿وَالْغَاوُونَ﴾ كفرة الجن. وهو قول الكلبي (٨).
следующие страницы →