← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 9731–9770 · переход к 9736.

стр. 9731

٨٥ - ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ قال ابن عباس: اجعل مصيرِي إلى جنة النعيم (١). وقال الكلبي: من الذين ذكروا في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١] والنعيم: نقيض البؤس (٢). ٨٦ - ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ قال مقاتل: من المشركين (٣). وهذا الاستغفار منه لأبيه إنما كان قبل أن يتبرأ منه (٤). وقد ذكرنا ذلك عند ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ الآية، [التوبة: ١١٤] (٥). ٨٧ - ﴿وَلَا تُخْزِنِي﴾ قال مقاتل والكلبي: لا تعذبني (٦) ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ يوم يبعث الخلق بعد الموت (٧). ثم فسر ذلك اليوم وأبدل منه؛ فقال:

стр. 9732

٨٨ - ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ [ومفعول النفع محذوف للعلم به كأنه قيل: لا ينفع مال ولا بنون أحدًا] (١). ٨٩ - ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ وفي هذا الاستثناء قولان؛ أحدهما: إنه استثناء من الأول على معنى: أن الكافر لا ينفعه ماله وإن تصدق به، ولا ابنوه يغيثونه، [فيكون قوله ﴿إِلَّا مَنْ﴾ استثناء ممن لا ينفعه بماله، وبنوه؛ وهو الكافر. القول الثاني: إن قوله: ﴿إِلَّا مَنْ﴾ استثناء ليس من الأول على معنى:] (٢) لكن من أتى الله بقلب سليم ينفعه ذلك، وهو سلامة قلبه (٣). واختلفوا في معنى القلب السليم؛ فقال ابن عباس: سليم من الشرك والنفاق. وهو قول مجاهد، والكلبي، ومقاتل، وقتادة، والحسن، وأكثر المفسرين؛ قالوا: القلب السليم، الذي سلم من الشرك، والشك، والنفاق (٤). وإذا كان سليمًا من هذه الأشياء كان موقنًا مخلصًا. وقال سعيد

стр. 9733

ابن المسيب: القلب السليم هو الصحيح وهو قلب المؤمن، وقلب الكافر والمنافق مريض، كما قال الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] (١) ٩٠ - قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال ابن عباس: قربت الجنة لأوليائي (٢). قال أبو إسحاق: تأويله أنه قرب دخولهم إياها ونظرهم إليها (٣). ٩١ - ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾ أي: أظهرت (٤). قال مقاتل: كشف الغطاء عيت الجحيم (٥) (للغاوين) للكافرين (٦)، وهم الضالون عن الهدى (٧).

стр. 9734

والغاوي: الضال (١). ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ في ذلك اليوم على وجه التوبيخ واللوم (٢). ٩٢، ٩٣ - ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ هل يمنعوفكم من العذاب ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ يمتنعون منه (٣). ثم يؤمر بهم فيُلقون في النار، فذلك قوله: ٩٤ - ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ قال ابن عباس، والسدي، والكلبي: جمعوا (٤). وقال مجاهد: دهوروا (٥). وقال مقاتل: قذفوا (٦). قال أبو إسحاق: معنى: (كبكبوا) طُرح بعضهم على بعض (٧). وحقيقة ذلك في اللغة: تكرير الانكباب كأنه إذا أُلقي يَنْكَبُّ مرة بعد مرة حتى يستقرَّ فيها (٨). وقال أبو عبيدة: نكسوا فيها، وهو من قولهم: كبَّه الله لوجهه (٩).

стр. 9735

قال ابن قتيبة: (كبكبوا) أُلقوا على رؤوسهم، وأصل الحرف: كُبِّبُوا، فأبدل من الباء الوسطى كافًا استثقالًا لاجتماع ثلاث باءات، [كما قالوا: كمكموا، من الكُمَّة، وهي: القَلَنْسوة، والأصل: كُمِّموا] (١). كما قالوا: ريح صرصر (٢)، ورقرقت العين بمعنى: دمعت، وله نظائر (٣). ومن قال في تفسير: (كبكبوا) جمعوا (٤)، أراد: جمعوا بطرح بعضهم على بعض في النار. وهذا الفعل للمعبودين من دون الله، أخبر الله تعالى أنهم يُطرحون في النار مع عابديهم، فقال: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد: هم وما يعبدون من دون الله (٥). وقال الكلبي: العابد والمعبود (٦). وقال السدي: جمعوا فيها الآلهة والمشركون (٧). وعلى هذا: ﴿الْغَاوُونَ﴾ هم عبدة الأصنام. وقال قوم: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ يعني الكفار ﴿وَالْغَاوُونَ﴾ كفرة الجن. وهو قول الكلبي (٨).

стр. 9736

وقال قتادة، ومقاتل: يعني الشياطين (١). والقول هو الأول؛ لأن الشياطين ذكروا فيما بعد؛ وهو قوله: ٩٥ - ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ يعني: ذرية إبليس كلهم (٢). ٩٦ - ﴿قَالُوا﴾ يعني: الكفرة والغاوون ﴿وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ مع الشياطين والمعبودين (٣). ٩٧، ٩٨ - ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والله ما كنا إلا في ضلال] (٤) حيث سويناكم بالله فأعظمناكم، وعبدناكم، وعدلناكم به (٥). ٩٩ - ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ قال مقاتل: وما أضلنا عن الهدى إلا الشياطين (٦). وهو قول ابن عباس.

стр. 9737

وقال الكلبي: إلا أوَّلونا الذين اقتدينا بهم (١). ١٠٠ - ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ من يشفع لنا من الملائكة والنبيين (٢). قال ابن عباس: يريد النبي ﷺ (٣) والمؤمنين، حين يشفعون للموحدين. ١٠١ - ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ قال ابن عباس: ولا قريب من المؤمنين. وقال مقاتل: يعني: القريب الشفيق (٤). وقال الكلبي ﴿وَلَا صَدِيقٍ﴾ ذي قرابة يهمه أمرنا (٥). والحميم: القريب الذي توده ويودك (٦). قال ابن عباس: إن المؤمن يشفع يوم القيامة للمؤمنين المذنبين (٧). وروى جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الرجل ليقول في الجنة: رب (٨) ما فعل صديقي فلان، وصديقه في الجحيم، فيقول الله تعالى: أخرجوا له صديقه إلى الجنة، فيقول من بقي: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ " (٩).

стр. 9738

ومعنى (١) الحميم في اللغة: القريب، من قولهم: أَحَمَّ الأمر، وأَحَمَّ إذا قَرُب، ودنا (٢). وقال المبرد: حَميم الرجل من يخصه، وهو مأخوذ من: الحَامَّة، يقال: دُعِي فلانٌ في الحامَّة، لا في العامَّة (٣). ثم قالوا: ١٠٢ - ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ أي: رجعة إلى الدنيا (٤) ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اصدقين بالتوحيد (٥). أي: حتى تحل لنا الشفاعة كما حلت للمؤمنين (٦). ١٠٣ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني فيما أخبر من قصة إبراهيم ﴿لَآيَةً﴾ لعبرة لمن بعدهم. والباقي [١٠٣ - ١٠٤] مفسر فيما مضى من السورة إلى قوله:

стр. 9739

١٠٥ - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال أبو إسحاق: دخلت التاء و: ﴿قوم﴾ مذكرون؛ لأن المعنى: كذبت جماعة قوم نوح (١). وقوله: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل، والمفسرون: يعني نوحًا وحده (٢). وعلى هذا إنما جاز الجمع؛ لأن من كذب رسولاً واحدًا من رسل الله فقد كذب الجماعة، وخالفها؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل (٣). وهذا معنى قول الحسن؛ لما سئل عن هذا وأمثاله فقال: إن الآخِر جاء بما جاء به الأول، فإذا كَذبوا واحدًا فقد كذبوهم أجمعين (٤). وقال الكلبي ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ نوحًا، وما أخبرهم من مجيء المرسلين بعده (٥). قال الزجاج: وجائز أن يكونوا كذبوا جميع الرسل (٦). ١٠٦ - ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ﴾ قال ابن عباس: ابن أبيهم، يعني: أن الأخوة كانت من جهة النسب، لا من جهة الدين. وهو قول جميع المفسرين: أخوهم في النسب. يعني: أنه منهم، وليس بأخيهم في الدين (٧). قال الزجاج: كل رسول يأتي بلسان قومه، ليوضح لهم الحجة،

стр. 9740

ويكون أبين لهم (١)، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ الآية، [إبراهيم: ٤] وقوله: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ مفسر (٢) في هذه السورة. ١٠٧ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [قال ابن عباس: ائتمني الله على رسالته، وبعثني إليكم (٣). وهو قول مقاتل:] (٤) أمين على الرسالة فيما ينكم وبين ربكم (٥). وقال الكلبي: كان فيهم أمينًا قبل ذلك (٦). ١٠٨ - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بطاعته وعبادته ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به من الإيمان والتوحيد. ١٠٩ - ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ قال مقاتل: وذلك أنهم قالوا للأنبياء: إنكم تريدون أن تتملكوا علينا في أموالنا! فردت عليهم الأنبياء فقالوا: وما نسألكم عليه من أجرة يعني: على الإيمان جُعلا. ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ما جزائي وثوابي ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٧). ١١١ - وقوله: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ﴾ قال مقاتل: أنصدق بقولك (٨) ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ الواو هاهنا للحال، ومعها: قد، مضمرة؛ لأن واو الحال قَلَّ ما تصحب الأفعال، ولهذا قرأ من قرأ: (وأتْباعُك) قال الفراء:

стр. 9741

وهو وجه حسن (١). وقال الزجاج: هي في العربية جيدة؛ لأن واو الحال تصحب الأسماء أكثر في العربية؛ لأنك تقول: جئتك وأصحابك الزيدون، ويجوز: وصحبك، والأكثر: جئتك وقد صحبك الزيدون (٢). ومعنى ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾ هو كمعنى الأراذل وقد مر (٣). قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد المساكين بأنهم شرار الناس ليس لهم مال ولا عز (٤). وقال مقاتل، والكلبي: يعنون السفلة (٥). وكان آمن شرح بنوه، ونساؤه، وأُناس من ضعفاء قومه (٦).

стр. 9742

وروى الضحاك عن ابن عباس قال: الحاكة (١). وهو قول عكرمة، وزاد: الأساكفة (٢). قال أبو إسحاق: والصناعات لا تضر في باب الديانات (٣). وروي عن ابن عباس، في تفسير الأرذلين: الغلفة (٤). والصحيح: أنهم أرادوا بالأرذلين الذين مكاسبهم دنية؛ لقوله: ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. لما نسبوا أتباع نوح إلى دناءة المكاسب، أجابهم نوح بأن قال: ١١٢ - ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني: ما كنت أعلم أعمالهم، وصنائعهم، ولم (٥) أُكلف ذلك إنما كلفت أن أدعوهم (٦). وقال مقاتل: يقول: لم أكن أعلم أن الله يهديهم للإيمان من بينكم ويدعكم (٧). وهذا القول غير الأول، ومعناه: أن نوحًا قال لهم: لا أدري

стр. 9743

إيش عملوا حتى استحقوا الهداية من بينكم دونكم، كأنه يقول: لا يضرهم دناءة مكاسبهم إذ هداهم الله. والقول هو الأول؛ لقوله: ١١٣ - ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ أي: ما حسابهم فيما يعملون من صنائعهم ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ وليس عليَّ من حسابهم شيء ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ لو تعلمون ذلك (١). وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف على معنى: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. ونظير قوله: إن حسابهم إلا على ربهم، قوله في سورة: هود في قصة نوح: ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٩]. ١١٤ - وقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ قال مقاتل: يعني وما أنا بالذي لا أقبل الإيمان من الذين تزعمون أنهم الأرذلون عندكم (٢). قال الكلبي (٣) قال الأشراف لنوح: اطردهم يا نوح ونؤمن لك! فقال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ١١٥ - ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِين﴾ قال ابن عباس: أنذركم النار، وأبين لكم ما يقربكم من الله. قال مقاتل: ما أنا إلا رسول بين (٤). ١١٦ - ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ﴾ [عما تقول وتسكت] (٥) ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ

стр. 9744

الْمَرْجُومِينَ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل، والكلبي: من المقتولين (١). وقال الضحاك: من المشتومين (٢). وقال قتادة: المضروبين بالحجارة (٣). وذكرنا معاني الرجم فيما تقدم (٤). ١١٧، ١١٨ - ﴿قَالَ﴾ نوح ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ قال ابن عباس، والمفسرون: فاقض بيني وبينهم قضاء (٥). قال مقاتل: يعني بالعذاب (٦). ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من ذلك العذاب (٧). ١١٩ - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ مضى الكلام في تفسير الفلك، عند قوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤]. قال أبو إسحاق في هذه السورة: ﴿الْفُلْك﴾ السفن، واحدها: فَلَك،

стр. 9745

وجمعها: فُلْك، وزعم سيبويه أنها بمنزلة أَسَد، وأُسْد، قياس فَعْل، ألا ترى أنك تقول: قُفْل وأقفال، وجَمَل وأجمال، وكذلك: أَسَد وأُسْد وآسَاد، وفَلَك، وأفلاك وفُلْك في الجمع (١). قال أبو علي الفارسي، فيما أصلح عليه: لم نعلم أحدًا قال في واحد الفُلْك: فَلَك، ولكن الواحد: فُلْك، وكُسِّر على فُلْك (٢)، وقول سيبويه: إنه بمنزلة أَسَد وأُسْد، يريد: فُعَلا كسر على فُعْل، كما كسر فَعْل عليها (٣)، واجتمعا في التكسير على فعل كما اجتمعا في التكسير على أفعال؛ لأنهما يتعاقبان كثيرًا على الشيء الواحد، نحو: البُخل والبخال (٤)، والبَخل، والسُقم والسَقم، والعُجم والعَجم، والعُرب والعَرب، فلما كانا على هذا جاز اجتماعهما على هذا التكسير. ونظير هذا في أن لفظ التكسير جاء على لفظ الواحد قبل أن يُكَسَّر، قولهم: ناقة هَجَّانٌّ، وإبل هَجَّانٌ (٥)، ودِرعٌ دِلاص، وأدرعٌ دِلاص، وهجان في الجمع (٦)، على حد ظِرافٍ، وشِرَاقٍ، وليس على حد سنان

стр. 9746

وضناك (١). وأما ﴿الْمَشْحُون﴾ فقال الليث: الشحن مَلوُك السفينةَ وإتمامُك جَهازَها كلَّه (٢). قال ابن عباس: يريد بالمشحون الذي قد شحن وملئ (٣). وقال مجاهد: المشحون: المملوء (٤). وقال قتادة: المُحَمَّل (٥). وقال مقاتل: المُوقِر من الناس، والطير، والحيوان، كلها من كل صنف ذكر وأنثى (٦). والفلك هاهنا واحد لا جمع،

стр. 9747

لذلك قال: ﴿الْمَشْحُونِ﴾ وعلى ما قال الزجاج: الفُلْك جمع؛ وهو خطأ له هاهنا (١)؛ لأن سفينة نوح كانت واحدة (٢). ١٢٠ - وقوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ﴾ قال مقاتل: بعد أهل السفينة (٣). وقال غيره: بعد نجاة نوح ومن معه ﴿الْبَاقِينَ﴾ من بقي منهم ولم يركب السفينة (٤). ١٢١ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ في هلاك قوم نوح بالغرق (٥) ﴿لَآيَةً﴾ لعبرة لمن بعدهم (٦) ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ أكثر قوم نوح ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ مصدقين بتوحيد الله، ولو كان أكثرهم مؤمنين لم يعذبوا في الدنيا (٧). ١٢٢ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه منهم بالغرق (٨) ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين إذ أنجاهم من الغرق (٩). وفي ذكر (١٠) تكذيب الأمم الخالية وتعذيب الله إياهم تخويف لكفار مكة (١١).

стр. 9748

١٢٣ - وقوله: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ التأنيث بمعنى القبيلة والجماعة. ومضى الكلام في معنى جمع المرسلين في قصة نوح. والباقي [١٢٤ - ١٢٧] مفسر فيما سبق إلى قوله: ١٢٨ - ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ قال ابن السكيت: الرِّيع: المكان المرتفع، وذَكَرَ الآية. قال: وقال عُمارة: الرِّيع: الجبل (١). وقال أبو عبيدة: الريع: الارتفاع، جمع: رِيعة (٢). ونحو هذا قال المبرد، وابن قتيبة، وأنشدوا (٣) لذي الرمة فقال: طِرَاقُ الخوافي واقعٌ فوقَ رِيعةٍ ... ندى لَيله في ريشه يترقرقُ (٤) وقال الكسائي، والفراء: رِيع ورَيع بالكسر والفتح، لغتان؛ الواحدة: رِيعة ورَيعة، مثل: الرِّير والرَّيْر، وهو المكان المرتفع (٥).

стр. 9749

وقال الزجاج: هي في اللغة: الموضع من الأرض المرتفع. ومن ذلك: كم رَيْعُ أرضك؟ أي: كم ارتفاع أرضك (١). وقال ابن الأعرابي: الريع: مسيل الوادي من كل مكان مشرف، وجمعه: أرياع وريوع (٢). قال ابن قتيبة: والريع، أيضًا: الطريق (٣)، وأنشد للمسَيَّب بن عَلَس (٤)، وذكر ظُعُنًا، فقال: في الآلِ يخفضها ويرفعها ... رِيعٌ يلوحُ كأنه سَحْل (٥) شبه الطريق بالثوب الأبيض (٦). هذا كلام أهل اللغة في تفسير الرِّيع. وأما أهل التفسير فقال الوالبي عن ابن عباس: يعني: بكل شرف (٧). وقال قتادة: بكل طريق (٨). وهو لفظ مقاتل، والكلبي، والضحاك،

стр. 9750

وابن عباس، في رواية عطية (١)، وقال في رواية عطاء: بكل موضع. وهؤلاء الذين فسروا الريع بالطريق، والموضع، أرادوا الطريق والموضع المرتفع. وروى ابن أبي نجيح، وابن جريج، عن مجاهد: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾ قال: بكل فَجٍّ (٢). قال الزجاج: والفج: الطريق المنفرج في الجبل (٣). وقال عكرمة: بكل واد (٤). وهذا موافق لقول ابن الأعرابي (٥). قوله: ﴿آيَةً﴾ قال مقاتل، والكلبي: عَلمًا (٦). وعن ابن عباس: بنيانًا علمًا (٧). ﴿تَعْبَثُونَ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: تبنون ما لا تسكنون (٨). فعلى هذا أنكر هودٌ عليهم بناءهم ما يستغنون عنه، ولا يسكنونه، وجعل

стр. 9751

ذلك منهم عبثًا. وقال الكلبي: ﴿تَعْبَثُونَ﴾ بمن يمر بالطريق (١). وعلى هذا معنى الآية: تبنون بالمواضع المرتفعة كي تشرفوا على المارة والسائلة، فتسخروا منهم وتعبثوا بهم. وقال مقاتل: بل (٢) كانوا إذا سافروا لا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا القصور الطوال على الطرق عبثًا (٣). وروي عن سعيد بن جبير، ومجاهد أنهما قالا: هذا (٤) في بنيان الحَمَام (٥). وعلى هذا أنكر عليهم اتخاذهم بروجًا للحَمَام عبثًا. وهذه أوجه أربعة في معنى العبث المذكور هاهنا. وذكر بعض أهل المعاني وجهًا له؛ فقال: كانوا يبنون بالمكان المرتفع البناء العالي ليدلوا بذلك على زيادة قوتهم، وذلك عبث. ١٢٩ - قوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ قال الليث: المصنعة شبه صهريج عميق يُتخذ للماء، والجمع (٦) المصانع، والمصانع التي يتخذها الناس من الأبنية والآبار.

стр. 9752

قال لبيد: وما تَبْلى النجومُ الطوالعُ ... وتبلى الديارُ بعدنا والمصانعُ (١) وقال أبو عبيدة: كل بناء مَصْنَعة (٢). قال الأزهري: وقال بعضهم: هي أحباس تُتَّخذ للماء، كالزلَف، واحدها: مَصْنَعة، ومَصْنَع يحتفرها الناس فيملؤها ماءُ السماء فيشربونها. ويقال للقصور أيضًا: مصانع (٣). قال ابن عباس: هي الأبنية (٤). وقال مجاهد: قصورًا مشيدة، وبنيانًا مخلدًا (٥). وقال الكلبي: مصانع: منازل (٦). وقال مقاتل: يعني القصور (٧). وذكر قتادة القولين؛ أحدهما: القصور، والحصون. والثاني: مآخذ

стр. 9753

للماء (١). وقال سفيان: المصانع التي يكون فيها الماء (٢). وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد كي تخلدوا (٣). وهي اختيار الفراء والزجاج، وابن قتيبة؛ [قال الفراء: كيما يخلدوا (٤). وقال الزجاج: ومعنى ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أي: كي تخلدون، أي: وتتخذون مباني للخلود (٥). وقال ابن قتيبة] (٦): وكأنهم كانوا يستوثقون من البناء، والحصون، ويذهبون إلى أنها تحصنهم من قدر الله (٧). وقال ابن عباس وقتادة ومقاتل: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ كأنكم تخلدون (٨)

стр. 9754

في الدنيا لا تموتون (١). وهو قول الكلبي، وأكثر المفسرين؛ قالوا: يقول: كأنهم يخلدون (٢). و (لعل)، تأتي في الكلام بمعنى كأن؛ قال يونس في قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦] معناه: كأنك فاعلٌ ذلك إن لم يؤمنوا (٣). والمعنى على هذا: أنهم كانوا قد جاوزوا في اتخاذ المصانع إلى الإسراف كأنهم يخلدون فيها فلا يموتون. قال ابن الأنباري: وتكون: (لعل) بمعنى الاستفهام؛ كقولك: لعلك تشتمني، معناه: هل تشتمني (٤). وهذا مذهب ابن زيد في هذه الآية؛ قال: (لعل) (٥) استفهام يعني: فهل تخلدون حين تبنون هذه الأبنية (٦). ويجوز أن يكون معنى (لعل) هاهنا: الترجي للخلود، وكأنهم كانوا يرجون خلودهم في الدنيا لطول أعمارهم فاتخذوا الأبنية الشديدة (٧). ١٣٠ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ قال المفسرون: بطشتم بالسيف، والسوط (٨).

стр. 9755

قال ابن عباس: يريد الضرب بالسياط، والقتل بالسيف بغير حق (١). وقال مقاتل: يقولون: إذا أخذتم قتلتم بغير حق (٢). وقال ابن مسلم، يقول: إذا ضربتم ضربتم بالسياط، ضرب الجبارين، وإذا عاقبتم قتلتم (٣). قال أبو إسحاق: وإنما أنكر ذلك عليهم لأنه ظلم فأما في الحق فالبطش بالسوط (٤) والسيف جائز (٥). ومعنى الجبار هاهنا: القَتَّال بغير حق. وهو قول المفسرين (٦). ١٣٢ - قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أعطاكم ما تعلمون من الخير (٧). قال مقاتل: ثم أخبر بالذي أعطاهم فقال (٨): ١٣٣ - ١٣٥ - ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ إلي قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم﴾ قال ابن

стр. 9756

عباس: يريد إن عصيتموني ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم﴾ يريد الذي أهلكوا به (١). ونحو هذا قال مقاتل: يعني في الدنيا (٢). وقال الكلبي: يعني عذاب النار (٣). ١٣٦ - ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ قال مقاتل: وعظت بالعذاب أم تركت (٤). وقال الكلبي: نهيتنا أم لم تكن من الناهين لنا (٥). ١٣٧، ١٣٨ - وقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ قال ابن عباس، في رواية عطاء: ما هذا الذي نحن عليه إلا دين الأولين (٦). وهذا قول السدي: قال دين الأولين. وذكرنا الخَلْق بمعنى الدين عند قوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّه﴾ [النساء: ١١٩] (٧). وفيه قول آخر؛ قال مقاتل: ما هذا العذاب الذي تقول يا هود إلا كذب الأولين (٨).

стр. 9757

وهو قول ابن مسعود: قال: شيء اختلقوه (١). وقال مجاهد: كذبهم (٢). فالخَلْق على هذا معناه: الاختلاق والكذب (٣)، كقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧]، وقوله: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] أي: تختلقونه (٤). وفيه قول آخر وهو قول قتادة؛ قال: يقولون هكذا خِلْقَةُ الأولين، وهكذا يحيون، ويموتون (٥). قال الزجاج على هذا القول أي: خُلِقنا كما خُلِق مَنْ قبلنا نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا نبعث (٦). وقال أبو علي: فخَلْق على هذا مصدر، إن شئت قدرته تقدير الفعل المبني للمفعول، أي: خُلِقنا كما خلقوا. قال: ويجوز أن يكون المصدر مضافًا إلى المفعول به، ولا يقدَّر تقدير (٧) الفعل المبني للمفعول (٨).

стр. 9758

وقرئ ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِين﴾ بضم الخاء واللام (١). قال الفراء، والزجاج، وابن قتيبة، وأبو علي: عادة الأولين (٢). وله تأويلان؛ أحدهما: أنهم قالوا: ما هذا الذي نحن فيه إلا عادة الأولين مِنْ قبلنا يعيشون ما عاشوا ثم (٣) يموتون ولا بعث ولا حساب (٤). والثاني: ما هذا الذي أنكرتَ علينا من الشأن والبطش إلا عادة مَنْ قبلنا فنحن على ما كانوا عليه نقتدي بهم. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ على ما نفعل. قال ابن عباس: يريدون أنهم أمنوا مكر الله، فكذبوه بالعذاب في الدنيا (٥). ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ بالريح (٦). ١٤٦ - قوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ قال مقاتل: يعني فيما أعطاهم الله من الخير ﴿آمِنِين﴾ من الموت (٧).

стр. 9759

وقال الكلبي: آمنين من أن يعذبوا (١). قال مقاتل: ثم أخبر عن الخير فقال (٢): ١٤٧، ١٤٨ - ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ طلعها: ما يطلع منها يعني: ثمرها (٣). وأما الهضيم فروى سلمة عن الفراء قال: هضيم ما دام في كوافيره (٤). قال: والهضيم: اللين (٥)، والهضيم: اللطيف (٦)، والهضيم: النضيج (٧). وقال أبو العباس في قوله: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال: منهضم مدرِك. قال: وقال ابن الأعرابي: هضيم مريء، وهضيم ناعم (٨). وقال الزجاج: الهضيم الداخل بعضه في بعض، وهو فيما قيل إن رُطَبَه بغير نوى، وقيل: هو الذي يتهشم تهشمًا (٩). وقال الليث: هضيم مهضوم في جَوْف الجُفِّ، مُنهضمٌ فيه (١٠).

стр. 9760

وقال المبرد: الهضيم: اللاصق بعضه ببعض، وهو من قولك: هضمني حقي أي: نقصنى (١). وقال ابن قتيبة: الهضيم: الطلع قبل أن تنشق عنه القشرة وتنفتح، يريد أنه منضم مُكتَنِزٌ، ومنه قيل: رجل أهضم الكَشْحَين إذا كان مُنْضَمَهما (٢). قال ابن عباس: هضيم: لطيف مادام في كفراه (٣). [وقال عطاء، عنه: رُخْص (٤). وقال عطية عنه: يانع نضيج (٥). وقال الكلبي: لين لطيف (٦) ما دام في كفراه] (٧) فإذا خرج فليس

стр. 9761

بهضيم (١). وقال مقاتل: متراكب بعضه على بعض في الكثرة (٢). قال مجاهد: يتهشم تهشمًا (٣). وقال عكرمة: الهضيم الرَّخْص، الذي إذا مسسته تهشم (٤). وقال الحسن: هضيم ليس فيه نوى (٥). وقال: يزيد بن زيد: هو المُذَنِّب (٦). وهو قول زيد بن أرقم روي أن أكل رُطَبُا (٧) مُذنبًا وقال: هذا الهضيم (٨).

стр. 9762

هذا الذي ذكرنا هو قول أهل اللغة، والتفسير، في معنى الهضيم؛ وكله متقارب يرجع إلى معنى واحد؛ لأن الهضيم معناه في اللغة (١): كَسْرُ ما فيه رخاوة ولين. تقول: هضمته فانهضم كالقَصَبة المَهضُومة التي يُزْمَر بها (٢)، والهضيم بمعنى المهضوم فيدخل في هذا اللين، واللطيف، والرَّخْص، واليانع، والنضيج، والمنضم، والمتراكب؛ لأنه إذا تراكب صار كأن كلَّ واحدٍ قد نقصَ منه شيء، وكذلك: المنهشم. ويكون الهضيم بمعنى النقصان وهو نوع من الكسر، يقال: هَضَم له من حقه إذا كَسَر له منه. واللطيف في وصف الثمر هو: الرقيق الجسم؛ سمي هضيمًا لنقصانه (٣)، كما يقال: هضيم الحَشَا (٤). ١٤٩ - وقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: حاذقين بنحتها (٥). وكذلك قال الكلبي، ومقاتل، وأبو

стр. 9763

صالح، والفراء: فارهين حاذقين (١). وهو من قولهم. فَرُه الرجلُ فَرَاهة فهو فارِهٌ بَيَّنُ الفرَاهة والفراهية. وقرئ: (فرهين) (٢) قال ابن عباس: أشرين بطرين (٣). ونحو هذا قال أهل اللغة في تفسير الفَرَه؛ قال أبو عبيدة: فرهين: فرحين (٤). وقال الفراء: أشرين (٥). قال أبو الهيثم: من قرأ: (فرهين) فسروها: أشرين بطرين، والفَرِح في كلام العرب بالحاء: الأَشِر البَطِر، يقال: لا تفرح، أي: لا تأشَر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] فالهاء هاهنا قامت مقام الحاء (٦). وقال ابن قتيبة: يقال الهاء مبدلة من حاء، فذكر نحو قول أبي الهيثم، واحتج بالآية.

стр. 9764

وقد يقال في الفَرِه بمعنى الفَرِح: الفاره. كما يقال: الفارح (١). قال أبو عبيدة: يقال فرهين وفارهين، بمعنى مرحين، وأنشد فقال: لا أستكينُ إذا ما أزمةٌ أزَمتْ ... ولن تراني بخيرٍ فارِهَ اللَّبَبِ (٢) قال: أي لا تراني مرحًا. ونحو هذا ذكر المفسرون في تفسير الفرهين؛ فقال مجاهد: شرهين (٣). وقال قتادة: معجبين (٤). وقال السدي: متجبرين (٥). والشره، والإعجاب، والمرح، والتجبر كله نتائج الفرح والأشر. وروي عن عكرمة: ناعمين (٦). وهو وهم؛ لأن (٧) الذي هو بمعنى النعيم الراء فيه مقدم على الفاء من الرفاهية، وروي في فارهين، عن عطية، وعبد الله بن شداد، أنهما قالا: يتخيرون مواضع نحتها (٨). وهذا أيضًا يعود

стр. 9765

إلى الحذق، والعلم بالبحث. وقال ابن زيد: (فارهين) أقوياء (١). وشرط الحِذْق القوةُ على العمل. ١٥١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ قال ابن عباس: المشركين (٢). وقال الكلبي: المسرفين في الشرك (٣). وقال مقاتل: ولا تتبعوا قول المشركين. يعني: التسعة الذين عقروا الناقة، ثم نعتهم (٤) فقال (٥): ١٥٢ - ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعصون الله ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ ولا يطيعون الله (٦) فيما أمرهم (٧). ١٥٣ - ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ قال مجاهد: من المسحورين (٨). وهو قول قتادة (٩). قال الزجاج: مُسحَّرين: مفعلين من السَّحْر، أي: ممن سُحر مرة بعد مرة (١٠).

стр. 9766

وقال ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي: من المخلوقين (١)، المعللين بالطعام والشراب (٢) قال الفراء: أي إنك تأكل الطعام والشراب، وتسحر به وتعلَّل، وأنشد للبيد: فإن تسألينا فيمَ نحنُ فإننا ... عصافيرُ من هذا الأنامِ المُسَحَّرِ (٣) والمُسَحَّر: المُعَلل بالطعام والشراب مرة مرة، يقال: سَحَره أي: عَلله. والمعنى: إنما أنت بشر. وذكر الفراء قولًا آخر؛ فقال: المُسَحَّر: المجوف، كأنه والله أعلم من قولك: انتفخ سَحْرُه (٤). قالوا له: لست بمَلَك إنما أنت بشر مثلنا (٥). وعلى هذا سُمِّى المجوف مسحرًا تشبيهًا بالسحرة إذا انتفخ فصار مجوفًا على ما زعم الفراء. وذكر أبو عبيدة، والزجاج قولًا آخر في ﴿الْمُسَحَّرِينَ﴾ قال أبو عبيدة: أي ممن له سَحَر،

стр. 9767

وكل دابة مُسحَّرَة (١). وقال الزجاج: أي ممن له سَحْر، والسَّحْرُ: الرئة، أي: أنت بشر مثلنا (٢). وعلى هذا: المُسَحَّر ذو السَّحْر، وهو الذي خُلِق له سَحْر. قال مقاتل: قالوا: أنت بشر مثلنا لا تفضلنا في شيء لست بملَك ولا رسول (٣). ١٥٤ - ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أنك رسول الله إلينا (٤). وقال ابن عباس: إنهم سألوه فقالوا: إن كنت صادقًا فادع الله يخرجْ لنا من هذا الجبل ناقة حمراء عُشَراء فتضع ونحن ننظر، وتَرِد هذا الماء فتشرب، وتغدو علينا بمثله لبنًا! قال أبو الطفيل: لما قيل له ذلك خرج بهم إلى هَضبة من الأرض فإذا هي تَمْخَضُ كما تَمْخَضُ الحامل فانشقت عن الناقة (٥). ١٥٥ - فـ ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ﴾ الشِّرِب: الحظ والنصيب من الماء (٦). والمعنى: لها شِرب يوم ولكم شِرب يوم معلوم.

стр. 9768

قال قتادة: إذا كان يومُ شربها شربت ماءهم كله أول النهار، وتسقيهم اللبن آخر النهار، وإذا كان يوم شربهم كان لأنفسهم ومواشيهم وأراضيهم، ليس لهم في يوم وِرْدِها أن يشربوا من شربها شيئًا، ولا لها أن تشرب في يومهم من مائهم شيئًا (١). وقال مقاتل: كان للناقة يوم ولهم يوم، فإذا كان يوم الشرب للناقة (٢) كانوا (٣) في لبن ما شاءوا، وليس لهم ماء، وإذا كان يومهم لم يكن للناقة ماء (٤). والباقي [١٥٦ - ١٦٤] بعضه مفسر فيما مضى، وبعضه ظاهر، إلى قوله: ١٦٥ - ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ (٥) وهو جمع الذَّكَر، ضد الأنثى ويجمع على الذِّكارة والذُّكور والذُّكران والذُّكورة (٦). قال مقاتل: يعني نكاح الرجال (٧). وقوله: (من العالمين) يعني من بني آدم خاصة (٨). ١٦٦ - ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ يعني: فروج نسائهم (٩).

стр. 9769

وقال مجاهد: تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال (١). ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ظالمون معتدون الحلال إلى الحرام، والطاعة إلى المعصية (٢). ١٦٧ - ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ لئن لم تسكت (٣) يا لوط ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من بلدتنا وقريتنا كقولهم لشعيب: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨]. ١٦٨ - ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ قال مقاتل: يعني إتيان الرجال ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾ من الماقتين (٤). وقال ابن عباس: من المبغضين (٥). والقِلَى: البُغْض، قَلَيْته، أَقلِيه، قِلَى (٦). ثم دعا فقال: ١٦٩ - ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من عذاب ما يعملون، يدل عليه أن الاستجابة من الله كانت في نجاته من عذاب ذنوبهم. قال المفسرون: أي من عقوبة صنيعهم (٧). ١٧٠ - ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ قال مقاتل: من العذاب (٨).

стр. 9770

وقال ابن عباس: إن الله نجى لوطًا وبناته (١). ١٧١ - ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ يعني: امرأته (٢) ﴿فِي الْغَابِرِين﴾ يعني: في الباقين في العذاب (٣). ١٧٢ - ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ أهلكناهم بالخسف والحَصْب (٤). قال ابن عباس: [إن الله دمر] (٥) على جميع قومه؛ لأنه لم يصدقه أحد منهم ولم يؤمن بما جاء به. ١٧٣ - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ قال ابن عباس: أمطر الله عليهم حجارة من سماء الدنيا وأسماها: ﴿سِجِّيلٍ﴾ (٦) وقال مقاتل: خسف الله بقرى لوط، وأرسل الحجارة على من كان خارجًا من القرية (٧). وقوله: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ فبئس مطر الذين أنذروا بالعذاب (٨). قال صاحب النظم: (ساء)، مثل بئس في المعنى وهو يقتضي اسمين؛ معرفة ونكرة، ويجوز إفراده بأحد الاسمين كقوله: [﴿فَسَاءَ مَطَر
следующие страницы →