← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 9801–9840 · переход к 9806.

стр. 9801

وقال قتادة: هم الكهنة تسترق الجن السمع ثم يأتون (١) إلى أوليائهم من الإنس (٢). وقال أبو إسحاق: قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ ثم قال: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ كالمتصل بهذا. ثم أعلم أن الشياطين على من تنزل فقال: ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (٣). ٢٢٣ - قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ أي: يلقون ما سمعوه إلى الكهنة (٤). وقال الفراء: يلقون إلى كهنتهم السمع الذي سمعوا ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ (٥)؛ لأنهم يخلطون به كذبًا كثيرًا. وهذا كان قبل أن أوحي (٦) إلى النبي ﷺ وبعد ذلك: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩]. قال الكلبي: يستمعون إلى السماء فيأتون بما استمعوا إلى كهنتهم (٧).

стр. 9802

وقال مقاتل: إن الله تعالى إذا أراد أمرًا في الأرض عَلِم به أهل السموات من الملائكة، فتكلموا به، فتسمع الشياطين، وترميهم الملائكة بالشهب، فيخطفون الخطْفة، فذلك قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ قال: معناه: يلقون بآذانهم إلى كلام الملائكة (١). وهذا التفسير غير الأول في: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ (٢) ويشهد لهذا قوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] ومعناه: استمع. وقال في قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ يعني: الشياطين حين يخبرون الكهنة أنه يكون في الأرض كذا وكذا (٣). وذكر صاحب النظم قولًا آخر في: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾؛ وهو أنه قال: يعني (كل أفاك أثيم) وأخرج فعلهم مخرج الجماعة؛ لأن قوله: (كل أفاك) يتضمن الجمع، أي: يستمعون إلى الشياطين. وعلى هذا قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ من صفة: (كل أفاك أثيم). قال: وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ أي: الشياطين يخبرونهم بالكذب وهم يسمعون منهم فيقصون به، فجاء قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ وقوله: (كاذبون) كالمتصل بعضها ببعض وهما مختلفان لاختلاف الأسماء فيهما؛ يعني: أن قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ من صفة الكهنة، وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ من صفة الشياطين (٤).

стр. 9803

٢٢٤ - قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ (١) الشعراء جمع الشاعر، يقال: شَعَر يشعُر شِعرًا، وشِعرة إذا علم (٢)، والشعر: القَريض المحدود بعلامات لا يُجاوزها، وقائله شاعر؛ لأنه يَشعُر [ما لا يَشعُر] (٣) غيره (٤). وجمعه شعراء مثل: جاهل وجهلاء، وعالم وعلماء (٥).

стр. 9804

قال ابن عباس: يريد: المشركين ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ من الشياطين (١). قولى: يريد المشركين، يعني: الشعراء المشركين. وقد ذكر مقاتل أسماءهم؛ فقال: منهم: عبد الله بن الزَّبَعرى السهمي، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومُسافع بن عبد مناف الجُمحي، وأبو عزة عمرو بن عبد الله، كلهم من قريش، وأمية بن أبي الصلت الثقفي، تكلموا بالكذب والباطل وقالوا: نحن نقول مثل قول محمد، وقالوا: الشعر، واجتمع إليهم غواة من قومهم (٢) يسمعون أشعارهم، ويروون عنهم حين يهجون النبي ﷺ وأصحابه (٣). وقال عكرمة: تهاجا شاعران في الجاهلية مع كل واحد فئام (٤) من الناس فقال الله : ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ وهما ذانك الشاعران (٥). وهذا قول الضحاك في سبب النزول، وقال: الغواة: السفهاء (٦).

стр. 9805

وهي رواية العوفي عن ابن عباس (١). وقال عكرمة، والشعبي: ﴿الْغَاوُونَ﴾ عصاة الجن (٢). وهو معنى قول ابن عباس في رواية ابن بريدة؛ قال: هم الشياطين (٣). وهو قول قتادة، ومجاهد: ﴿الْغَاوُونَ﴾ الشياطين (٤). وروى عكرمة عنه: ﴿الْغَاوُونَ﴾ الرواة (٥). وهو قول الكلبي، قال: الرواة الذين يروون هِجاء النبي ﷺ ، وكانو ينحرون لهم الجُزُر (٦). وقال الفراء: نزلت في ابن الزبعرى وأشباهه؛ لأنهم كانوا يهجون النبي ﷺ والمسلمين (٧) يتبعهم غواتهم الذين كانوا يرون سب النبي ﷺ (٨). ٢٢٥ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ قال أبو عبيد: رجل هائم وهيوم وهو الذاهب على وجهه (٩). وأنشد:

стр. 9806

إلا طرقت مي هُيومًا بذكرها (١) يقال: هام يهيم هُيومًا وهَيَمامًا وهَيْمًا (٢). قال ابن عباس: في كل فنٍّ من الكذب يتكلمون (٣). وقال مجاهد: في كل فنٍّ يفتنون (٤). وقال مقاتل: في كل فنٍّ يأخذون (٥). وعن ابن عباس أيضًا في كل لغوٍ يخوضون (٦). وقال قتادة: يمدحون بباطل ويشتمون بباطل (٧). فالوادي مثلٌ لفنون الكلام وأساليبه، وهيمانهم فيه: خوضهم، وقولهم على الحيرة والجهل بما يقولون من لغو وباطل وغلو في مدح أو ذم (٨).

стр. 9807

وقال ابن الأعرابي: قال بعضهم: هو وادي الصحراء يخلو فيه العاشق والشاعر [يتفرجان فيه]. قال: ويقال هو وادي الكلام (١). والله أعلم. وقال الزجاج: ليس يعني أودية الأرض إنما هو مثل لقولهم وشعرهم (٢). ٢٢٦ - قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ قال مقاتل: يقولون: فعلنا وفعلنا وهم كذبة (٣).

стр. 9808

وقال أبو إسحاق: هذا دليل على تكذيبهم في قولهم. يعني: أن الله كذبهم فيما يقولون ثم استثنى شعراء المسلمين فقال (١): ٢٢٧ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال مقاتل والكلبي: هم عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وسائر شعراء المسلمين (٢). وقال ابن عباس: استثنى شعراء المهاجرين والأنصار (٣). وقال أبو إسحاق: هم الشعراء الذين مدحوا رسول الله ﷺ وردوا هجاءه، وهجاء المسلمين (٤). قوله: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله ، ولم يجعلوا الشعر همهم (٥).

стр. 9809

﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ قال مقاتل: وانتصروا من المشركين (١)؛ لأن المشركين بدؤوا بالهجاء (٢). وقال عطاء عن ابن عباس: يريد إخراج المشركين إياهم من مكة وبيعهم دورهم. وعلى هذا الظلم الذي نالهم ليس الهجاء، إنما هو: ما ذكره من الإخراج عن المنزل وبيع المساكن، وانتصارهم منهم: هجاؤهم إياهم (٣). ومَنْ أحق بأن يُهجَى (٤) ممن كذب الرسول ﷺ وهجاه (٥). قال مقاتل: ثم أوعد شعراء المشركين فقال: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني: أشركوا (٦). وقال الكلبي: هجوا النبي ﷺ (٧). وقال ابن عباس: ﴿ظُلِمُوا﴾ المهاجرين وأخرجوهم من ديارهم. وعلى هذا هو عام في مشركي مكة؛ وهو الأولى. ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد إلى جهنم والسعير.

стр. 9810

وقال أبو إسحاق: عني أنهم ينقلبون إلى نار جهنم مخلدون فيها، وأيَّ: منصوبة بقوله: ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ لا بقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾ لأن أيًا، وسائر أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها (١). وهذا مما تقدم الكلام فيه في مواضع من هذا الكتاب (٢).

стр. 9811

سورة النمل

стр. 9812

تفسير سورة النمل (١) ١ - (طس) قال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله ، أقسم الله به (٢).

стр. 9813

وقال قتادة: إنه اسم من أسماء القرآن (١). قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ تفسيره قد تقدم في أوائل سور (٢) . ٢ - وقوله: ﴿هُدًى﴾ قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون ﴿هُدًى﴾ في موضع نصب على الحال، المعنى: تلك آيات الكتاب هاديةً ومبشرةً، ويجوز أن يكون في موضع رفع من جهتين؛ أحدهما: على إضمار: هو هدى، وإن شئت على البدل من آيات؛ على معنى: تلك هدى وبشرى. قال: وفي الرفع وجه ثالث، وهو حسن؛ على أن يكون خبرًا بعد خبر، وهما جميعًا خبرٌ لتلك، كقولهم: هو حلو حامض، أي: قد جمع الطعمين، فيكون خبر (تِلْكَ): (آيَتُ) (٣) و: (هُدًى) أيضًا فتجمع أنها آيات، وأنها هادية ومبشرة (٤). قال ابن عباس ومقاتل والكلبي: بيان من الضلالة لأولياء الله، ولمن عمل به، وبشرى (٥) بما فيه من الثواب للمصدقين بالقرآن أنه من عند الله، وبالجنة لمن آمن بمحمد ﵇. ثم نعتهم فقال (٦): ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.

стр. 9814

٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ لا يصدقون بالبعث (١) ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني: ضلالتهم حتى رأوها حسنة (٢). وفي هذا تكذيب للقدرية حيث أضاف الله تزيين القبيح لهم إلى نفسه (٣). وقال أبو إسحاق: أي: جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه (٤) ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ يترددون فيها متحيرين (٥) . ٥ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ شدة العذاب (٦). وقال ابن عباس:

стр. 9815

أشد العذاب (١). قال مقاتل والكلبي: يعني في الآخرة (٢). وقال غيرهما: يعني في الدنيا؛ وهو القتل والأسر ببدر (٣). ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ قال ابن عباس: خسروا أنفسهم وأهليهم، وقرنوا بالشياطين. ٦ - ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ قال مجاهد ومقاتل: لتؤتى بالقرآن (٤). وقال السدي: يلقى عليك الوحي (٥). وقال الكلبي: لتعطى القرآن (٦). ومضى تفسير التلقية والتلقي عند قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ﴾ [البقرة: ٣٧] (٧). قال أبو إسحاق: أي يُلقى إليك القرآن وحيًا من عند الله أنزله بعلمه وحكمته (٨).

стр. 9816

٧ - قوله: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى﴾ قال الزجاج: موضع (إِذْ) نصب، المعنى: اذكر ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى﴾ أي: اذكر قصته (١). وقوله: (لأَهْلِهِ) قال مقاتل: لامرأته (٢) ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ مفسر في سورة: طه (٣). ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ أين الطريق، أي: بخبر عن الطريق؛ وقد كان تَحيَّر، وترك الطريق. قاله ابن عباس ومقاتل (٤) (أَوْءَاتِيكُم) أي: فإن لم أجد أحدًا يخبرني عن الطريق ﴿آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ (٥). قال ابن السكيت: الشهاب: العود الذي فيه نار (٦). وقال أبو الهيثم: الشهاب: أصل خشبة فيها نار ساطعة (٧). وقال الليث: الشهاب شُعلةٌ نارٍ ساطعة، والجمعُ: الشُّهب والشُّهبان (٨). وقال الزجاج: كل أبيض ذي نور فهو شهاب (٩).

стр. 9817

ويدخل في هذا النجم والنار والسنان (١)، وقد استعمل الشهاب في هذا كله. وقال أبو علي: الذي قاله أبو إسحاق لا أدري أقاله رواية أم استدلالًا (٢). وتفسير القبس قد سبق في سورة طه (٣). وقرئ قوله: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ بالتنوين، وبالإضافة (٤)، قال أبو إسحاق: فَمَنْ نَوَّن جعل قبس من صفة الشهاب (٥). ومن أضاف؛ فقال الفراء: هو مما يضاف إلى نفسه إذا اختلف الاسمان؛ كقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩] (٦).

стр. 9818

قال أبو علي: القبس يجوز أن يكون صفة، ويجوز أن يكون اسمًا غير صفة، فأما جواز كونه وصفًا فلأنهم يقولون: قَبَسْتُه أَقْبِسُه قَبْسًا، والقَبْسُ: اسم للشيء المقبوس، وكذلك الحَلْب قد يكون بمعنى: المحلوب، والقَبَس ما اقتبست، من قولهم: قَبَسْتُه نارًا إذا جئته بها. وإذا كان قوله: (قَبَسٍ) صفة فالأحسن التنوين؛ لأن الموصوف لا يضاف إلى صفة (١). وقال أبو الحسن: الإضافة أكثر وأجود في القراءة كما تقول: دار آجُرٍّ، وسوارُ ذهب، قال: ولو قلت: سوار ذهبٌ، ودارٌ آجرٌ كان عربيًا، والأكثر في كلام العرب الإضافة (٢). قال أبو علي: فأبو الحسن: جعل القبس غير صفة، ألا ترى أنه جعله بمنزلة الآجرِّ والذهب، وليس واحد منهما صفة (٣). وقال المفسرون: شعلة نار (٤)، ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ لكي تصطلوا، من البرد (٥). قال الكلبي: وكان ذلك في شدة الشتاء (٦).

стр. 9819

ويقال: صَلى بالنار واصطلى بها إذا استدفأ. واستقصاء تفسير هذه الآية قد تقدم في سورة طه. ٨ - وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ﴾ قال الفراء (أَن) في موضع نصب إذا أضمرت اسم موسى في (نُودِيَ) وإن لم تضمر اسم موسى كانت (أَن) في موضع رفع. ونحو هذا قال الزجاج (١). وقوله: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ قال الفراء: العرب تقول: باركه الله، وبارك عليه، وبارك فيه (٢)، قال الشاعر: فبوركت مولودًا وبوركت ناشئًا ... وبوركت عند الشيب إذ أنت أَشْيَبُ (٣) والمعنى: بورك فيمن في النار، أو على من في النار. وقال آخر: بورك الميتُ الغريبُ كما بورِكَ ... نَظْمُ الرُّمان والزيتون (٤) واختلفوا فيمن في النار؟ فالأحسن: أن الآية من باب حذف المضاف على تقدير: بورك من في طلب النار، وهو موسى ﵇، وكأنه تحية من الله لموسى بالبركة، كما حيا إبراهيمَ بالبركة على ألسنة

стр. 9820

الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] (١). وقال أبو علي: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ مَنْ في قرب النار ليس يراد به: متوغلها. وقال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة في قوله: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾: قُدِّس من في النار، وهو الله سبحانه؛ عني به نفسه (٢). وعلى هذا إسناد البركة إلى الله كقوله: تبارك الله، وقد ذكرناه.

стр. 9821

والمراد بالنار هاهنا: النور، وذلك أن موسى رأى نورًا عظيمًا فظنه نارًا لذلك ذكرها هنا بلفظ النار (١)، والمعنى: بورك الله الذي في النار، وحسن هذا؛ لأنه ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار (٢). وهذا كما روي أنه مكتوب في التوراة: جاء الله من سيناء يعني: بعث الله موسى من سيناء حتى يدعو الخلق إليه، ويعرفهم توحيده ودينه

стр. 9822

وشرائعه، فلما عرفوا بعثة موسى من سيناء قيل: جاء الله من سيناء، كذلك لما ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار، وصف بأنه في النار؛ على معنى: أنه عُرف منها (١). وقال بعضهم: على هذا القول تقدير الآية: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ سلطانه وقدرته، فحذف للإحاطة (٢). وروي عن مجاهد في هذه الآية أنه قال: معناه: وبوركت النار (٣). والتبرك عائد إلى النار. وهذا يكون على قراءة [أبيِّ، فإنه كان يقرأ: أن بوركت النار ومن حولها (٤).

стр. 9823

ولا يتوجه قول مجاهد على قراءة] (١) العامة. وقال السدي: كان في النار ملائكة (٢). فعلى هذا ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ الملائكة (٣). وروي أيضًا عن جماعة من أهل التفسير أنهم قالوا: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ نور الله (٤). وعلى هذا تكون: (مَن) بمعنى: ما، والله تعالى خلق نورًا في النار التي رآها موسى فكانت نارًا ونورًا (٥). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ هم الملائكة وموسى، في قول الجميع (٦).

стр. 9824

وذلك أنه كان حول ذلك النور الذي رأى موسى ملائكةٌ، لهم زَجَل بالتسبيح والتقديس (١). وقال أبو علي: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ومن لم يقرب منها قرب الآخذ فيها وهو موسى. يعني: أن موسى هو الآخذ منها، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ [التوبة: ١٠١] لم يَقرب المنافقدن الذين حولهم قرب المخالِطين لهم؛ حيث يحضرونهم ويشهدونهم في مشاهدهم (٢). ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: نزه نفسه (٣). ٩ - قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال مقاتل: إنَّ النور الذي رأيت ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤). [وقال الكلبي: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ﴾ إنَّ ذلك النور ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾] (٥) فجعلا الكناية في (إِنَّهُ) عن النور. وهو فاسد من وجهين؛ أحدهما: أن النور لا يجوز أن يكون الله تعالى. والثاني: أن المذكور في القرآن النار، وكني عنها بالتأنيث كقوله: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ [لقصص: ٣٠] وقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ فلو كان الأمر على ما ذُكر لقيل: إنها؛ والصحيح: أن الكناية في قوله:

стр. 9825

(إِنَّهُ) كناية عن الشأن والأمر، أراد: الشأن والأمر (أَنَا الله) وقد ذكرنا نظائر هذا عند قوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] وفي مواضع (١). وقال الفراء: هذه الهاء عماد، وهو اسم لا يظهر (٢). وعلى هذا الهاء ليست بكناية (٣)، ولكنها عماد تذكر تأكيدًا. ١٠ - قوله: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ في الآية محذوف؛ تقديره: فألقاها فصارت حية تهتز ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ وحذف فألقاها؛ لأنه ذُكِر في سورتين؛ الأعراف، والشعراء (٤). ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ قال الليث: الجانّ: حية بيضاء (٥). وقال ابن شميل: الجانّ حية أبيض دقيق أملس لا يضر أحدًا، وجمع الجانّ: جنان (٦). وفي الحديث: نهى عن قتل جنان البيوت؛ وهي حيات بيض تكون

стр. 9826

في البيوت، لا تضر ولا تؤذي (١). قال أبو إسحاق: المعنى: أن العصا صارت تتحرك كما يتحرك الجانّ حركة خفيفة وكانت في صورة ثعبان (٢). ونحو هذا قال ثعلب: شبهها في عظمها بالثعبان، وفي خفتها بالجانّ، فلذلك قال الله تعالى مرة: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ ومرة: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧، والشعراء: ٣٢] (٣) وقيل: الاختلاف في التشبيه لاختلاف الحالين؛ فالجانّ عبارة عن أول حالها ثم لا تزال تزيد وتربو حتى تصير ثعبانًا عظيمًا (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ قال مقاتل: من الخوف من الحية ﴿وَلَمْ

стр. 9827

يُعَقِّبْ﴾ يعني: ولم يرجع (١). يقال: عَقَّبَ فلان إذا رجع يقاتل بعد أن ولَّى (٢). وهذا قول مجاهد (٣)، وأهل اللغة (٤). قال شمر: وكل راجع مُعَقِّب (٥). وقال ابن عباس: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ لم يقف (٦). وقال قتادة: لم يلتفت (٧). وهذان معنى، وليس بتفسير. وروى شمر عن عبد الصمد عن سفيان: لم يمكث، قال: وهو من كلام العرب (٨). قوله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ قال ابن عباس: لا

стр. 9828

يخاف عندي من أرسلته برسالتي (١). والمعنى: لا يُخيف الله الأنبياء، أي: إذا أمنهم فلا يخافونه، فيكف يخاف الحية، فنهى عن الخوف من الحية، ونبه على أمن المرسلين عند الله ليعلم أن من أمنه الله من عذابه بالنبوة ودرجة الرسالة لا يستحق أن يخاف الحية (٢). ١١ - ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ يعني: أذنب (٣) ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾ أي: توبة وندمًا ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ عمله فإنه يخاف ويرجو ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعلى هذا الاستثناء صحيح من المرسلين؛ ويكون المعنى: إلا من ظلم نفسه [فيما فعل من صغيرة، فالاستثناء متصل. وفيه إشارة إلى أن موسى وإن ظلم نفسه] (٤) بقتل القبطي، وخاف من ذلك فإن الله يغفر له؛ لأنه ندم على ذلك وتاب منه (٥)؛ وهذا أحد قولي الفراء، واختيار ابن قتيبة (٦).

стр. 9829

القول الثاني: قال: هذا الاستثناء ليس من المرسلين، ولكنه من متروكٍ في الكلام على تقدير: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ إنما الخوف على غيرهم، ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ أي: أشرك، فهو يخاف عذابي (١) ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ يعني توحيدًا بعد شرك. أي: فتاب وعمل حسنًا فذلك مغفور له ليس بخائف (٢). قال ابن قتيبة: وهذا يبعد؛ لأن العرب إنما تحذف من الكلام ما يدل عليه ما يظهر، وليس في ظاهر الكلام دليل على هذا التأويل (٣). والقول الأول قول مقاتل (٤)، والثاني قول الكلبي (٥). قال ابن الأنباري: الذي استقبحه ابن قتيبة من قول الفراء عندي جيد غير قبيح؛ لأنه لما قال: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ كان معناه: يأمن المرسلون عندي ويخاف غيرهم، فاكتفى بالشيء من ضده، كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرّ﴾ [النحل: ٨١] (٦). وذهب قوم إلى أن هذا من الاستثاء المنقطع؛ المعنى: لكن من ظلم من العباد ثم تاب ﴿فَإِنِّي غَفُور

стр. 9830

رَحِيمٌ﴾ أي: فإني أغفر له، والمعنى: لا يخاف الأنبياء والتائبون. وهذا اختيار أبي إسحاق (١). وذهب آخرون إلى أن معنى (إِلا) هاهنا: ولا؛ كأنه قال: لا يخاف لدي المرسلون، ولا من ظلم ثم بدل حسنًا بعد سوء، فيكون المعنى في هذا الوجه كالمعنى في الاستثناء المنقطع، ولم يُجز الفراء هذا الوجه (٢). وذكرنا جواز كون (إِلا) بمعنى: ولا، عند قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٥٠] (٣).

стр. 9831

١٢ - قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ﴾ قال مجاهد: كفك في جيبك (١). قال المفسرون: كانت عليه مِدْرَعةٌ إلى بعض يده (٢)، ولو كان لها كُمٌّ أمره أن يُدخل يده في كُمِّه (٣). والجَيْب: حيث جِيبَ من القميص: أي قُطع (٤). قوله تعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى وأخرجها تخرج بيضاء. قال مقاتل: لها شعاع مثل شعاع الشمس ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ من غير برص (٥).

стр. 9832

وهذا مما فسرناه في سورة طه [٢٢] (١). قوله: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ قال أبو إسحاق: (في) من صلة قوله: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ﴾ والتأويل: وأظهر هاتين الآيتين ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ والمعنى من تسع آيات. كما تقول: خذ لي عشرة من الإبل فيها فحلان؛ والمعنى: منها فحلان (٢). وفسر الآيات التسع في سورة بني إسرائيل (٣).

стр. 9833

وقوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ قال الفراء: (إِلَى) من صلة الإرسال والبعث، المعنى: مرسلًا إلى فرعون أو مبعوثًا، فترك ذكر الإرسال والبعث؛ لأن شأن موسى في أنه كان مبعوثًا إلى فرعون معروف (١). ١٣ - قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي. بينة (٢) واضحة، كقوله: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] وقد مَرَّ (٣). قالوا هذا الذي تراه عيانًا ﴿لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ كقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨] وقد مر (٤).

стр. 9834

١٤ - قوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ أي: أنكروها، ولم يقروا بأنها من عند الله قال قتادة: الجحود لا يكون إلا من بعد المعرفة (١). وقال المبرد: لا يكون الجحود إلا لما قد علمه الجاحد، كما قال : ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] (٢). قال أبو عبيدة: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ جحدوها، والباء: زائدة، وأنشد: نضرب بالسيف ونرجو بالفرَج (٣) ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ أنها من الله (٤)، وأنها ليست بسحر (٥) ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ قال السدي: هذا من التقديم والتأخير. ونحو هذا قال مقاتل (٦). قال الزجاج: المعنى: وجحدوا بها ظلمًا، وعلوًا، ترفعًا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى، فجحدوا بها وهم يعلمون أنها من الله (٧).

стр. 9835

وقال مقاتل: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ شركًا وتكبرًا (١). وهذا يدل على أن اليقين بالقلب مع الجحود والإنكار باللسان لا ينفع ولا يكون إيمانًا. ﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمد ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ في الأرض بالمعاصي (٢). ١٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ قال ابن ىاس ومقاتل: علمًا بالقضاء، وبكلام الطير والدواب (٣) وتسبيح الجبال (٤). ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا﴾ أي: بالنبوة والكتاب، وإلانة الحديد، وتسخير الشياطين والجن، والإنس (٥)، والمُلْك الذي أعطاهما الله وفضلهما به (٦) ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧). ١٦ - وقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ قال ابن عباس: ورث منه النبوة. وقال السدي: ورث نبوته. وقال مقاتل: ورث سليمان علم داود وملكه (٨).

стр. 9836

وقال قتادة: كان لداود تسعة عشر ذكرًا فورث سليمان مُلْكه من بينهم ونبوته (١). فمعنى تخصيص سليمان بالوراثة هو هذا (٢). وذكر الفراء والزجاج معنى قول قتادة (٣).

стр. 9837

قوله: (وَقَال) أي: قال سليمان لبني إسرائيل (١) ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ (٢) وهذا كالتحدث من سليمان بما أنعم الله به عليه. قال الليث: كلام كل شيء منطقه، وتلا الآية (٣). وقال الأصمعي: صوت كل شيء منطقه، ونُطقُه، ومنه قولهم: مالَه صامت ولا ناطق؛ الناطق: الحيوان من الرقيق وغيره سمي ناطقًا لصوته (٤). قال الفراء: منطق الطير، يعني: كلام الطير، فجعله كمنطق الرجل إذ فُهِم، وأنشد لحميد بن ثور: عجبتُ لها أنى يكون غِناؤها ... فصيحًا ولم تفغرْ بمنطقها فما فجعله كالكلام لَمَّا ذهب به إلى أنها تغني (٥).

стр. 9838

وقال أبو علي الفارسي: القول والكلام والمنطق يستعمل كل واحد من ذلك في موضع الآخر، ويعبر بكل واحد منها عما عبر بالآخر، قال رؤبة: لو أنني أعطيت علم الحُكْل ... علمَ سليمانَ كلامَ النملِ (١) وقال الله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨] وقال إخبارًا عن الهدهد: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ﴾ [النمل: ٢٢] فذَكَر له القول. وأنشد الأخفش: صدَّها منطقُ الدجاجِ عن القصدِ ... وصوت الناقوس بالأسحار (٢) وأنشد أيضًا: فَصبَّحتْ والطيرُ لم تكلَّم فوضع كل واحد من الكلام والنطق موضع الصوت. وقال الراعي يصف ثورًا يحفر كِناسًا (٣) إلى الصباح:

стр. 9839

حتى إذا نطق العصفور وانكشفتْ ... عَمَايَة الليلِ عنه وهو مُعتمِدْ (١) ومعنى الآية: فهمنا ما يقول الطير. قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: يريد من أمر الدنيا والآخرة (٢). وقال مقاتل: يعني أُعطينا المُلك والنبوة والكتاب، في تسخير الرياح، وسُخِرت الجن والشياطين، ومنطق الطير (٣). وقال الزجاج: المعنى ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يجوز أن يؤتاه الأنبياء والناس. وكذلك قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] يؤتى مثلها. وعلى هذا جرى كلام الناس؛ يقول القائل: قد قصد فلانًا كلُّ أحد، أي: قَصَدَه كثير من الناس (٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ قال مقاتل: إن هذا الذي أعطينا (٥) ﴿لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ قال ابن عباس: مِن الله علينا (٦). ١٧ - قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾ وجُمع له ﴿جُنُودُهُ﴾ (٧)

стр. 9840

جموعه، وكل صنف من الخلق جند على حدة، يدل عليه قوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ (١) قال المفسرون والكلبي: كان سليمان إذا أراد سفرًا أمر فجمع له طوائف من هؤلاء الجنود على بساط له عظيم ثم يأمر الريح فتحملهم، فتجعلهم بين السماء والأرض (٢). وكان سليمان يعرف ألسنتهم ويقضي بينهم، فمعنى قوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾ أي في مسير له. وقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ معنى الوزع في اللغة: الكف (٣). وزَعْتُه، أَزَعُه، وَزْعًا، أي: كففته (٤). والشيب وازع؛ أي: مانع (٥). وتقول العرب: لأزعنكم عن الظلم (٦).
следующие страницы →