← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 9836–9875 · переход к 9841.

стр. 9836

وقال قتادة: كان لداود تسعة عشر ذكرًا فورث سليمان مُلْكه من بينهم ونبوته (١). فمعنى تخصيص سليمان بالوراثة هو هذا (٢). وذكر الفراء والزجاج معنى قول قتادة (٣).

стр. 9837

قوله: (وَقَال) أي: قال سليمان لبني إسرائيل (١) ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ (٢) وهذا كالتحدث من سليمان بما أنعم الله به عليه. قال الليث: كلام كل شيء منطقه، وتلا الآية (٣). وقال الأصمعي: صوت كل شيء منطقه، ونُطقُه، ومنه قولهم: مالَه صامت ولا ناطق؛ الناطق: الحيوان من الرقيق وغيره سمي ناطقًا لصوته (٤). قال الفراء: منطق الطير، يعني: كلام الطير، فجعله كمنطق الرجل إذ فُهِم، وأنشد لحميد بن ثور: عجبتُ لها أنى يكون غِناؤها ... فصيحًا ولم تفغرْ بمنطقها فما فجعله كالكلام لَمَّا ذهب به إلى أنها تغني (٥).

стр. 9838

وقال أبو علي الفارسي: القول والكلام والمنطق يستعمل كل واحد من ذلك في موضع الآخر، ويعبر بكل واحد منها عما عبر بالآخر، قال رؤبة: لو أنني أعطيت علم الحُكْل ... علمَ سليمانَ كلامَ النملِ (١) وقال الله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨] وقال إخبارًا عن الهدهد: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ﴾ [النمل: ٢٢] فذَكَر له القول. وأنشد الأخفش: صدَّها منطقُ الدجاجِ عن القصدِ ... وصوت الناقوس بالأسحار (٢) وأنشد أيضًا: فَصبَّحتْ والطيرُ لم تكلَّم فوضع كل واحد من الكلام والنطق موضع الصوت. وقال الراعي يصف ثورًا يحفر كِناسًا (٣) إلى الصباح:

стр. 9839

حتى إذا نطق العصفور وانكشفتْ ... عَمَايَة الليلِ عنه وهو مُعتمِدْ (١) ومعنى الآية: فهمنا ما يقول الطير. قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: يريد من أمر الدنيا والآخرة (٢). وقال مقاتل: يعني أُعطينا المُلك والنبوة والكتاب، في تسخير الرياح، وسُخِرت الجن والشياطين، ومنطق الطير (٣). وقال الزجاج: المعنى ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يجوز أن يؤتاه الأنبياء والناس. وكذلك قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] يؤتى مثلها. وعلى هذا جرى كلام الناس؛ يقول القائل: قد قصد فلانًا كلُّ أحد، أي: قَصَدَه كثير من الناس (٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ قال مقاتل: إن هذا الذي أعطينا (٥) ﴿لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ قال ابن عباس: مِن الله علينا (٦). ١٧ - قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾ وجُمع له ﴿جُنُودُهُ﴾ (٧)

стр. 9840

جموعه، وكل صنف من الخلق جند على حدة، يدل عليه قوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ (١) قال المفسرون والكلبي: كان سليمان إذا أراد سفرًا أمر فجمع له طوائف من هؤلاء الجنود على بساط له عظيم ثم يأمر الريح فتحملهم، فتجعلهم بين السماء والأرض (٢). وكان سليمان يعرف ألسنتهم ويقضي بينهم، فمعنى قوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾ أي في مسير له. وقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ معنى الوزع في اللغة: الكف (٣). وزَعْتُه، أَزَعُه، وَزْعًا، أي: كففته (٤). والشيب وازع؛ أي: مانع (٥). وتقول العرب: لأزعنكم عن الظلم (٦).

стр. 9841

قال الليث: والوازع في الحرب: الموكل بالصفوف يَزَع مَن تقدم بغير أمره، وقال الله : ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: يُكفون (١). قال الكلبي وأكثر أهل التفسير: يُحبس أولهم على آخرهم (٢). وقال قتادة: يُرَدُّ أولُهم على آخرهم (٣): يعني ليجتمعوا ويتلاحقوا (٤). وقال السدي: يُوقفون (٥). وقال الوالبي عن ابن عباس: ﴿يُوزَعُونَ﴾ يدفعون (٦). وقال ابن زيد ومقاتل: يساقون (٧). والدفع والسوق ضد: الوقف والكف. وقد ذكر المبرد وجه هذا؛ فقال: تأويل ذلك أنه يُدفع آخرهم على أولهم، وقولهم: وزعته بمعنى:

стр. 9842

كففته، كلمة عامة؛ تقول: وزعته أي: كففته عن الإبطاء، بمعنى: دفعته وسقته، وتكون بمعنى كففته عن الإسراع، أي: حبسته، ووقفته (١). فمن قال في تفسير: ﴿يُوزَعُونَ﴾ يدفعون ويساقون، أراد: أن الآخِرين يُمنعون عن الإبطاء والتوقف. وذكر أبو عبيدة الوجهين؛ فقال: يُدفع أخراهم، وُيحبس أولاهم (٢). يعني: إذا تقدم الأولون وسرعانهم وزعوا، وإذا توقف المتأخرون دفعوا ووزعوا عن الإبطاء. وهكذا يفعل الشُّرَط والوزعة للعساكر (٣). ١٨ - قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ أي: أشرفوا عليه (٤). ولهذا المعنى أُدخل (عَلَى) ولم يكن: أتوا وادي النمل. قال كعب: هو بالطائف (٥). وقال قتادة ومقاتل: هو بالشام (٦).

стр. 9843

﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ذكرنا أن القول والكلام والمنطق يستعمل كل واحد منهما مكان الآخر، ويعبر به عن الصوت، كقوله: حتى إذا نطق العصفور. أي: صاح (١). كذلك قوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ أي: صاحت بصوت خلق الله لها. ولما كان ذلك الصوت مفهومًا لسليمان ﵇، عبَّر عنه بالقول علي ما ذكر الفراء، في منطق الطير (٢). وهذان وجهان في قول النملة. قال الكلبي: وكانت نملة صغيرة مثل النمل (٣). وقال نوف الشامي وشقيق بن سلمة: كانت نمل ذلك الوادي كهيئة الذئاب في العظم (٤). وعن بريدة الأسلمي: أنها كانت كهيئة النعاج (٥). ولعل الأقرب قول

стр. 9844

الكلبي؛ لقوله: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ ولو كانت كالذئاب والنعاج، ما حطمت بالوطء ولا خافت ذلك (١). والنملة، جمعها: نَمْل، ونِمَال (٢)، ومنه قول الأخطل: دبيبُ نِمَالٍ في نَقًا يتهيّلُ (٣) ويقال: رجل نَمِل الأصابع، إذا كان خفيف الأصابع في العمل. وفرسٌ نَمِل القوائم؛ لا يكاد يستقر (٤). والنمل إذا خرجت من قريتها لا تُرى مُستقرة ثابتة، بل تتحرك وتعدُو يمنة ويسرة، وهي كثيرة الحركة. قال أهل المعاني: ومعرفة النملة سليمان معجزة له ألهمها الله تعالى معرفته حتى عرفت وحَذَّرت النملَ حَطْمَه، والنمل تعرف كثيرًا مما فيه نفعها وضرها؛ فمن ذلك: أنها تكسر الحبة بقطعتين لئلا تنبت، إلا الكُزْبَرَة (٥) فإنها تكسرها بأربع قطع؛ لأنها تنبت إذا كُسرت بقطعتين. فمَنْ هداها إلى هذا هو الذي ألهمها معرفة سليمان (٦).

стр. 9845

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: جاء لفظ: (ادْخُلُوا) كلفظ ما يعقل؛ لأن النمل هاهنا أجري مجرى الآدميين حين نطق كما نطق الآدميون (١). وذكرنا استقصاء هذا عند قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ﴾ الآية [يوسف: ٤] (٢). قوله تعالى: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ الحَطم: كسر الشيء، والحُطَام: ما يُحطم من ذلك (٣). ومعنى: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسرنكم (٤). قال مقاتل: لا يهلكنكم سليمان وجنوده (٥). وذكرنا وجه جواب الأمر بنون التأكيد عند قوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الآية، [الأنفال: ٢٥] وهذه الآية وتلك سواء (٦).

стр. 9846

وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: بحطمكم ووطئكم. قال مقاتل: لقد علمت النملة أنه مَلِك لا بغي فيه، ولا فخر، وأنه إن علم بها قبل أن يغشاها لم يتوطاها (١)، لذلك قالت: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٢). ثم وقف سليمان بمَنْ معه ليدخل النمل مساكنها (٣). وهذا يدل على

стр. 9847

أن سليمان وجنوده كانوا ركبانًا ومشاة على الأرض، ولم تحملهم الريح؛ لأن الريح لو حملتهم بين السماء والأرض ما خافت النمل أن تتوطَّأهم بأرجلهم (١). ولعل هذه القصة كانت قبل تسخير الله تعالى الريح لسليمان. قال المفسرون: طارت الريح بكلام النملة فأدخلته أذن سليمان (٢). قال ابن عباس: وذلك أن الله تعالى أعطى سليمان زيادة في ملكه، لا يذكره أحد من الخلق إلا حملت الريح ذلك الكلام إليه حتى يسمعه، فلما سمع كلام النملة تبسم (٣). وفي هذه الآية ذكر أنواعٍ من المعجزة لسليمان؛ وهي: معرفة النمل لسليمان وجنوده، وكلامُ النملة للنمل، وفَهْمُ النمل عنها ما حذرتهم من الحطم؛ لأنها لما سمعت كلام النملة دخلت المساكن، وسماعُ سليمان كلام النملة. ١٩ - قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ يقال: بَسَم يَبْسِم وابتَسَم وتبَسَّم يتَبَسَّم، إذا أبدى عن أسنانه، وكَشَّر للضحك (٤). قال أبو إسحاق: أكثر ضحك الأنبياء التبسم، و ﴿ضَاحِكًا﴾ حال مؤكدة؛ لأن تبسم بمعنى: ضحك، هذا كلامه (٥). ومعناه: أن التبسم عبارة

стр. 9848

عن ابتداء الضحك، والضحك عبارة جامعة للابتداء والانتهاء، فمعنى تبسم ضاحكًا: تبسم مبتسمًا، أو ضحك ضاحكًا، فَذِكرُ لفظ التبسم دلالة علي أن ضحكه كان تبسمًا. وذِكرُ الحال بلفظ الضحك؛ ليكون الكلام اْحسن، وليس المراد بلفظ الضحك هاهنا أكثر من التبسم (١)، ونحوهذا قيل في قول كُثَيِّر: غَمرُ الرِّداءِ إذا تبسَّمَ ضاحكًا (٢) وقالوا: إن أكثر ضحك الملوك تبسم. وسبب ضحك سليمان من قول النملة: التعجب؛ وذلك أن الإنسان إذا رأى ما لا عهد له به تعجب وضحك (٣). قال مقاتل: ثم حمد ربه حين علمه منطق كل شيء، فسمع كلام النملة (٤) ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي: ألهمني. ونحو هذا قال ابن عباس، والمفسرون، وأهل المعاني، في تفسير ﴿أَوْزِعْنِي﴾ (٥).

стр. 9849

قال الزجاج: وتأويله في اللغة: كفني عن الأشياء، إلا عن شكر نعمتك (١). ولهذا يقال في تفسير المُوزَع: إنه المُولَع، ومنه الحديث: "كان رسول الله ﷺ موزعًا بالسواك" (٢) أي: مولعًا به، كأنه كُفَّ ومُنِع إلا منه. قوله: ﴿فِي عِبَادِكَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد مع عبادك (٣). وعلى هذا في الكلام محذوف تقديره: مع عبادك الصالحين الجنة، فحُذِف للعلم به. وقال آخرون: معناه: وأدخلني في جملتهم. يعني: أثبت اسمي مع أسمائهم واحشرني في زمرتهم (٤). قال ابن عباس: يريد مع إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ومَنْ بعدهم من النبيين (٥). ٢٠ - قوله: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ التفقد: تَطَلُّبُ ما غاب عنك من شيء (٦). وأصله: تَتَبُّع الشيء المفقود وتَطَلُّبه هل هو

стр. 9850

مظفور به. وكل شيء غاب عنك ثم تَتَبَّعْته طالبًا له قلت: تَفَقَّدته، بُنِي على: تفعل؛ لأنه تكلف الطلب، كما تقول: تعرفتُ الشيء إذا تتبعتَه تطلب معرفته. والطير: اسم جامع، والواحد طائر (١). والمراد بالطير هاهنا: جنس الطير وجماعتها، وكانت تصحبه في سفره تظله بأجنحتها (٢). فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُد﴾ هذا استفهام عن حال نفسه. والمراد به الاستفهام عن حمال الهدهد. على تقدير: ما للَّهدهد لا أراه، ولكنه من القلب الذي يوضحه المعنى. تقول العرب: ما لي أراك كئيبًا؟ معناه: مالَك (٣)؟ والهُدهُد: طير معروف، وهَدْهَدتُه صوتُه (٤). قال مجاهد: سُئل ابن عباس كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟ قال: إن سليمان نزل منزلًا ولم يَدرِ ما بُعد الماء، وكان الهدهد مهتديًا، فأراد أن يسأله عنه. قال: قلت كيف يكون مهتديًا والصبي يضع له الحِبَالَة (٥) فيصيده؟! قال: إذا جاء القدر حال دون البصر (٦).

стр. 9851

وروى مجالد عنه قال: بينما سليمان ذات يوم في مسيره إذ تفقد الطير، ففقد الهدهد فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُد﴾ قال عطاء عنه: وكان الهدهد يدله على الماء إذا أراد أن ينزل، فلما فقده سأل عنه (١). قال الكلبي: ولم يكن معه في سيره ذلك إلا هدهد واحد. هذا قول أكثر المفسرين: إن السبب في تفقد الطير كان طلب الماء (٢)، وكان الهدهد مهندسَ الماء، وإنما كان يعرف سليمان قُرب الماء وبُعده من جهته؛ وذلك أنه كان يرى الماء في الأرض كما يُرى الماءُ في الزجاجة (٣). قال عبد الله بن شداد: الهدهد ينظر إلى الماء كما ينظر بعضنا إلى بعض (٤).

стр. 9852

وروي عن ابن عباس، في سبب تفقد الطير: أنها كانت تظله، فوقعت نفحة من الشمس على رأسه، فنظر وتفقد الطير، فإذا موضح الهدهد خالٍ، فذلك قوله: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ (١) قال أبو إسحاق: معناه: بل كان من الغائبين (٢). قال مقاتل: والميم هاهنا صلة (٣) كقوله: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١، القلم: ٤٧] (٤). ونحو هذا قال الكسائي. وقال المبرد: لما تفقد سليمان الطير ولم ير الهدهد قال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ على تقدير أنه مع جنوده وهو لا يراه، ثم أدركه الشك، فشك (٥) في غيبته عن ذلك الجمع حيث لم يره، فقال (٦): ﴿أَمْ كَانَ مِنَ

стр. 9853

الْغَائِبِينَ﴾ أي: بل أكان من الغائبين، كأنه ترك الكلام الأول، واستفهم عن حاله وغيبته. وقال صاحب النظم: (كَانَ) هاهنا بمنزلة: صار، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] أي: أن يصير له أسرى، والتأويل: صار من الغائبين. أي: صار ممن يغيب عن مركزه. انتهى كلامه. وقال أبو علي: معنى: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ أخبروني عن الهدهد، أحاضرٌ هو ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [فعرنت الجملة لقوله (أَمْ كَانَ)] (١) ومثله قوله: ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٣] وسنذكره في موضعه (٢). وقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر: ٩] (٣) قال: وهذا قول أبي

стр. 9854

الحسن (١). وإنما قال: ﴿مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ ولم يقل: من الغائبة؛ لوفاق رؤوس الآي (٢). ووجه جوازه: أن الطير من سليمان بمنزلة من يعقل، حيث فهم عنها وفهمت عنه، فهي عنده كبني آدم وغيرهم ممن يعقل، فلما كان عنده سواء قال: ﴿مِنَ الْغَائِبِينَ﴾. ثم أوعده على غيبته فقال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. ٢١ - ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ قال ابن عباس: فتألى ليعذبنه؛ قال: والله لأعذبنه عذاباً شديدًا، قال: يريد النتف، نتف ريشه، وهو أن ينتفه ثم يلقيه بالأرض، فلا يمتنع من نملة، ولا من شيء من هوام الأرض (٣). هذا قول ابن عباس في رواية عطاء، ومجاهد وسعيد بن جبير، وهو قول جماعة المفسرين؛ قالوا: تعذيبه إياه: نتفه وتشميسه (٤). وقال مقاتل: يعني: لأنتفن ريشه فلا يطير مع الطير حولًا (٥).

стр. 9855

قوله: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بحجة بينة في غيبته (١). وقرأ ابن كثير: (ليأتينني) بنونين. وكذلك في مصاحفهم. وقرأ الباقون بنون واحدة مشددة، وحذفوا النون الثانية التي قبل ياء المتكلم؛ لاجتماع النونات، وكذلك في مصاحفهم (٢). قال صاحب النظم: قوله: ﴿لَيَأْتِيَنِّي﴾ ليست بموضع قسم؛ لأنه عذر للهدهد في دفع الذبح والعذاب عنه، فلم يكن ليقسم على أن يأتي بعذر، ولكنه لما جاء بها في إثْر (٣) ما يجوز فيه القَسَم أجراه مجراه، كما تقول في باب المحاذاة والمعارضة (٤)، ولو لم يجيء باللام لم يجز فيه النون، فكان يكون: أو يأتيني، على أن يكون (أَوْ) بمنزلة حتى أو على نظم (٥): أو أن يأتيني، وهذا شبيه بقوله : ﴿قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠] فاللام الأولى دخلت لـ: لو، والثانية على المحاذاة والمعارضة.

стр. 9856

٢٢ - وقوله: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ قرئ بفتح الكاف (١). قال المبرد: يقال: مكَث ومكِث ومكُث فمن قال: مكَث أو مكِث فالمضارع منه: يمكث، ومن قال: مكُث فالمضارع منه: يمكُث، واسم الفاعل من المفتوحة والمكسورة: ماكث، ومن المضمومة: مكيث، نحو: شَرُف فهو شريف، وظَرُف فهو ظريف. قال أبو علي: ومما يقوي الفتح قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] وقوله: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣] فماكثون تدلك على: مَكَث. ألا ترى أنك لا تكاد تجد فاعلًا من فعُل (٢). قال ابن عباس: يريد: لم يلبث إلا يسيرًا (٣). قال الفراء: ومعنى ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ غير طويل من الإقامة، والبعيد والطويل متقاربان (٤). وقال الزجاج: أي غير وقت بعيد (٥).

стр. 9857

وقوله: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ (١) قال صاحب النظم: فيه محذوف على تقدير: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ حتى جاء (فَقَالَ) (٢). وقال الزجاج: المعنى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ فجاء الهدهد فسأله سليمان عن غيبته، فقال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ وحذف هذا؛ لأن في الكلام دليلًا عليه. ومعنى: (أَحَطتُ) علمتُ شيئًا من جميع جهاته (٣). قال ابن عباس: فأتاه الهدهد بحجة، فقال: اطلعتُ على ما لم تَطَّلِع عليه (٤). وقال مقاتل: علمتُ ما لم تعلم؛ يقول: جئتك بأمر لم تخبرك به الجنُ، ولم تعلم به الإنس، وبلغتُ ما لم تبلغه أنت ولا جنودك (٥). قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ (٦) قرئ ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ بالإجراء، والتنوين. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو غير مجري (٧).

стр. 9858

قال الفراء: من أجرى فلأنه فيما ذكروا: رجل. قال: وسُئل أبو عمرو عن قراءته بغير إجراء، فقال: لست أدري ما هو، قال: وقد ذهب مذهبًا إذ لم يدر ما هو فلمَ يُجره (١)؛ لأن العرب إذا سمت بالاسم المجهول تركوا إجراءه كما قال الأعشى: وتُدفنَ منه الصالحاتُ وإن يُسئ ... يكن ما أساءَ النارَ في رأس كَبْكَبَا فكأنه جهل كبكب (٢). وقال الكسائي: من جعله اسم ذكرٍ، رجلٍ أو غيره، أجراه، ومن جعله اسمًا مؤنثًا قبيلة أو مدينة، أو مكان لم يجره (٣). وأنكر أبو إسحاق على الفراء قولَه: الاسم إذا لم يُدرَ ما هو لم يُصرف؛ فقال: الأسماء حقها الصرف فإذا لم يعلم الاسم لمذكرٍ هو أم

стр. 9859

لمؤنثٍ فحقه الصرف حتى يُعلم أنه لا ينصرف؛ لأن أصل الأسماء الصرف، فكل ما لا ينصرف فهو يُصرف في الشعر. قال: ومن قال: إن سبأ اسم رجل فغلط؛ لأن سبأ هي: مدينة تعرف بمأرب من اليمن، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام. فمَن لم يصرف فلأنه اسم مدينة، ومن صرف والصرف أكثرة فلأنه اسمٌ للبلد فيكون مُذَكّرًا سُمِّيَ به مُذكَّر (١). والذي قاله أبو إسحاق: من أنه اسم مدينة، قول بعض المفسرين (٢)، وبه قال مقاتل؛ لأنه قال: يعني من أرض سبأ باليمن (٣). وظاهر هذا القول: أنه أراد مدينة، مع احتمال أن سبأ اسم القبيلة أضاف الأرض إليهم. وكثير من الناس ذهبوا إلى أن سبأ اسم رجل. رُوي في الخبر أن النبي ﷺ سُئل عن سبأ فقال: "كان رجلاً له عشرة من البنين" الحديث (٤).

стр. 9860

وقال أبو الحسن (١) في سبأ: إن شئت صرفت فجعلته اسم أبيهم، أو اسم الحي، وإن شئت لم تصرف فجعلته اسم القبيلة. قال: والصرف أعجب إليَّ؛ لأني قد عرفت أنه اسم أبيهم، وإن كان اسم الأب يصير كالقبيلة، إلا أني أحمله على الأصل (٢). وقال غيره: هو اسم رجل، واليمانية كلها تنسب إليه، يقولون: سبأ ابن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قحطان (٣). فبان بما ذكرنا أن إنكار أبي إسحاق على من قال: سبأ: اسم رجل، لا يتوجه. قال الأزهري: سبأ: اسم رجل ولَدَ عشرة بنين، فسميت القرية باسم أبيهم (٤). وفي هذا بيان أن القرية إن سميت سبأ فهي مسماة باسم رجل، نحو: مدين سميت باسم مدين بن إبراهيم، والعرب قد تكلمت بالإجراء وغير الإجراء في: (سبأ)؛ قال جرير: الواردون وتيمٌ في ذُرَى سبإٍ (٥)

стр. 9861

فأجرى، وقال آخر: من سبأَ الحاضرين مَأربَ إذ ... يَبْنون من دون سيله العَرِما (١) وقوله: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ قال ابن عباس: بخبر صادق (٢). وقال مقاتل: بحديث حق لا شك فيه. فقال سليمان: وما ذاك؟ فقال الهدهد (٣): ٢٣ - ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ قال مقاتل: يعني تملك أهل سبأ (٤) ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد من زينة الدنيا من

стр. 9862

المال والجنود والعلم (١). والمعنى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يؤتاه مثلها (٢). قال أبو علي: أي: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ في زمانها فحذف المفعول لدلالة الإيتاء عليه (٣). ويجوز في قياس أبي الحسن أن يكون المعنى: وأوتيت كلَّ شيء، ولا يجوز في قياس قول سيبويه (٤). ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد: سريرًا من ذهب تجلس عليه، طوله ثمانون ذراعًا، وعرضه أربعون ذراعًا، وارتفاعه في السماء

стр. 9863

ثلاثون ذراعًا، مضروب بالذهب، مكلل بالدر والياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر، قوائمه من زبرجد أخضر (١). وقال مقاتل: كان عرشها ثمانون ذراعًا، في ثمانين ذراعًا، وارتفاع السرير من الأرض ثمانون ذراعًا مكلل بالجوهر (٢). ٢٤ - وقوله تعالى: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية، وتفسيرها ظاهر. ٢٥ - وقوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف (٣)؛ فمَنْ شدد فتقديرها: فصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا. وهذا قول الزجاج (٤). ويجوز أن يُعلق: أنْ، بزين؛ كأنه زين لهم الشيطان لئلا يسجدوا.

стр. 9864

وهذا قول الفراء (١). واللام في الوجهين داخلة على مفعول له ثم حذفت، وموضع أن نصب بقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ﴾، ويجوز أن يكون موضعها خفضًا ولو حذفت اللام. والوجه: قراءة من قرأ بالتشديد لتجري القصة على سَنَنِها، ولا يفصل بين بعضها وبعضٍ بما ليس منها، وإن كان الفصل بهذا النحو غير ممتنع؛ لأنه يجري مجرى الاعتراض، وما يسدد القصة، وكأنه لما قيل: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ فدل هذا الكلام علي أنهم لا يسجدون لله، ولا يتدينون بدين. قال الهدهد: ألا يا قوم، أو يا مسلمون اسجدوا لله الذي خلق السموات والأرض، خلافًا عليهم (٢)، وحمدًا لله لمكان ما هداكم لتوحيده، فلم تكونوا مثلهم في الطغيان والكفر. ووجه دخول حرف التنبيه على الأمر، أنه: موضع يُحتاج فيه إلى استعطاف المأمور، لتأكيد ما يؤمر به عليه، كما أن النداء موضع يُحتاج فيه إلى استعطاف المنادى، لما ينادى له من إخبار أو أمر أو نهي، ونحو ذلك مما يخاطب به، وإذا كان كذلك فقد يجوز أن لا يريد منادى في نحو قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ ويجوز أن يراد بعد يا: مأمورون، فحذفوا كما حذف من

стр. 9865

قوله: يا لعنةُ الله والأقوامِ كلِّهم ... والصالحينَ على سمعانَ مِنْ جَارِ (١) وكما أن (يا)، هنا لا تكون إلا لغير اللعنة، كأنه قال: يا قوم أو يا هؤلاء، كذلك في الآية يجوز أن يكون المأمورون مرادِين، وحُذفوا من اللفظ، وقد جاء هذا في غير موضع من الشعر، فمِن ذلك ما أنشده أبو زيد: وقالت ألا يا اسمع نَعِظْكَ بِخُطَّةٍ ... فقلتُ سمعنا فانطقي وأصيبي (٢) قال الفراء: من قرأ بالتخفيف فهو على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فيُضمر: هؤلاء، ويُكتفى منها بقوله: يا، وأنشد للأخطل: ألا يا اسلمي يا هندُ هندَ بني بدرِ ... وإن كان حيَّانا عِدًى آخرَ الدهرِ (٣)

стр. 9866

وقال أبو إسحاق: من قرأ بالتخفيف، فـ (أَلا) لابتداء الكلام والتنبيه، والوقف عليه: ألا يا، ثم يستأنف فيقول: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ (١)، ومثله: قول ذي الرمَّة: ألا يا اسلمي يا دارَ ميَّ على البِلى ... ولا زال مُنْهلًّا بجَرعائكِ القطرُ (٢) وقال العجاج: يا دارَ سلمى يا اسلمي ثُمَّ اسلَمي ... عن سَمْسَمٍ وعن يمين سَمْسَم (٣) قال: وإنما أكثرنا الشاهد في هذا الحرف كما فعل مَنْ قبلنا، وإنما فعلوا ذلك لقلة اعتياد العامَّة لدخول: ياء، إلا في النداء، لا تكاد تقول

стр. 9867

العامَّة: يا اذهب بسلام (١). وقال أبو علي: ومما يؤكد قول من قال: (أَلَّا) مثقلة أنها لو كانت مخففة ما كتبت في (يسجدوا)؛ لأنها: اسجدوا، ففي ثبات الياء في: يسجدوا في المصحف دلالة على التشديد، وأن المعنى: أن لا يسجدوا؛ فانتصب الفعل بأن وثبتت ياء المضارعة في أول الفعل (٢). وذكر صاحب النظم وجهين آخرين للقراءتين؛ فقال في قراءة العامَّة بالتشديد: إنه متصل بما قبله؛ لأن قوله: ﴿لَا يَهْتَدُونَ﴾ واقع على قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ على تأويل: فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله. أي: لا يعلمون أن ذلك واجب عليهم، و (لا): زيادة، كما قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] أي: ما منعك أن تسجد. قال: ومن قرأ بالتخفيف فما قبله تمام، وقوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ كلام معترض من غير القصة الماضية؛ إما من سليمان وإما من الهدهد (٣)، وهو أمر على غير المواجهة كما تقول: لِيُضرب فلان، قال الله تعالى: ﴿فبَذَلِكَ فَليَفرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨] ومنه قوله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] وقد قيل فيه: إنه أمر على تأويل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اغفروا أو ليغفروا. وعلى هذا التوجيه لا يتأتى الترجيح الذي ذكره أبو علي: القراءة التشديد، غير أن الظاهر ما قال هو. وقال الفراء والزجاج: من قرأ بالتخفيف فهو في موضع سجدة من

стр. 9868

القرآن. ومن قرأ بالتشديد فليس بموضمع سجدة. هذا قولهما (١)! وأهل العلم على أن هاهنا سجدة على القراءتين بلا خلاف بينهم في ذلك؛ لأن التشديد يتضمن مذمتهم على ترك السجود لله (٢). ويحسن السجود في مثل هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١]. وقال أبو عبيد: من قرأ بالتخفيف، جعله أمرًا من الله مستأنفًا بمعنى: ألا يا أيها الناس اسجدوا؛ وهذا وجه حسن إلا أن فيه انقطاعُ الخبر الذي كان من أمر سبأ وقومها، ثم رجع بَعدُ إلى ذكرهم، والقراءة الأولى خبرٌ

стр. 9869

يتبع بعضه بعضا، لا انقطاع في وسطه (١). ويدل على ما قال أبو عبيد، ما روى عطاء عن ابن عباس، في قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾: قال الله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾. فجعل هذا إخبارًا عن الله ومن قوله. وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقال: خبأت الشيء أخبؤه، خبأً. والخبء: ما خبأتَ من ذخيرة ليوم مَّا، وكل ما خبأته فهو: خبء (٢). قال مجاهد ومقاتل: يعني: الغيث في السماوات والأرض (٣). وقال الزجاج: وجاء في التفسير أن الخبء هاهنا: القطر من السماء، والنبات من الأرض (٤)، قال: ويجوز وهو الوجه أن الخبء: كل ما غاب، فيكون المعنى: يعلم الغيب في السماوات والأرض (٥). وذكر الفراء القولين أيضًا، وقال: وهي في قراءة عبد الله: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ قال: وصلحت: (في) مكان: (من)؛ لأنك تقول:

стр. 9870

لأستخرجن العلم فيكم. تريد: لأستخرجن العلم الذي فيكم منكم، ثم تحذف أيهما شئت، أعني. (مِنْ)، و (في)، فيكون المعنى قائمًا على حاله (١). وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ قراءة الناس بالياء؛ لأن الكلام على الغيبة، وهو قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ وهو يعلم الغيب، وما يخفون وما يعلنون. وقرأ الكسائي وحفص: بالتاء (٢)؛ أما الكسائي فإن الكلام دخله خطاب على قراءته: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ بالتخفيف (٣). والمعنى: اسجدوا لله الذي يعلم ما تخفون. ورواية أبي بكر عن عاصم بالياء أشبه بقراءته من رواية حفص؛ لأنه غيبةٌ مع غيبةٍ (٤). قال مقاتل: ﴿مَا تُخْفُونَ﴾ في قلوبهم ﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ بألسنتهم (٥). ٢٦ - وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي:

стр. 9871

هو الذي يستحق العبادة لا غيره، و ﴿هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ لا ملكة سبأ؛ لأن عرشها وإن كان عظيمًا لا يبلغ عرش الله في العِظَم (١). قال ابن إسحاق وابن زيد: من قوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ إلى منتهى هذه الآية، من كلام الهدهد (٢). والسجود على مذهب الشافعي ﵁ يكون عقيب هذه الآية. ٢٧ - قوله: ﴿قَالَ سَنَنْظُر﴾ قال سليمان للهدهد: سننظر فيما أخبرتنا من هذه القصة ﴿أَصَدَقْتَ﴾ فيم قلت ﴿أَمْ كُنْتَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل وصاحب النظم: يعني: أم أنت من الكاذبين (٣). والكلام في الكاذبين في مخاطبة الطير كالكلام في قوله: ﴿مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ وقد مر (٤). ٢٨ - قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ قال مقاتل: كتب سليمان كتابًا وختمه بخاتمه، ودفعه إلى الهدهد، وقال له: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ يعني: أهل سبأ (٥). وفي قوله: (أَلْقِهِ) أوجه من القراءة؛ أجودها: وصل الهاء بالياء: (فَأَلْقِهِي) (٦)، وترك وصله بالياء إنما يكون في الشعر؛ كقوله:

стр. 9872

ما حجَّ ربُّهُ في الدنيا ولا اعتمرا (١) وأنشد الزجاج: سأجعلُ عينيه لنفْسِه مَقْنَعًا (٢)

стр. 9873

قال: ولو قال: لنفسهي، لكسر الشعر ولكنه ترك الياء وأبقى الكسرة لإقامة الوزن، وأكثر ما يقع هذا في الشعر. ومن أسكن الهاء فغالط؛ لأن الهاء ليست مجزومة، وليس له وجه من القياس؛ لأنه يُجري الهاء في الوصل على حالها في الوقف (١)، وزعم الأخفش أن هذا لغة كقوله: .. مشتاقانِ لَهْ أَرِقان (٢) ولم يحك ذلك سيبويه، وحمله على الضرورة (٣).

стр. 9874

قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ قال مقاتل: انصرف عنهم (١). وقيل: أعرض عنهم. [قال ابن زيد: هذا على التأخير والتقديم، المعنى: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم، فانظر ماذا يرجعون، ثم قول عنهم (٢). قال: لأن رجوعه من عندهم] (٣) والتولي عنهم بعد أن ينظر ما الجواب. قال الزجاج: وهذا حسن، والتقديم والتأخير كثير في الكلام (٤). ومن لم يحمل الآية على التقديم والتأخير قال: معناه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ مستترًا من حيث لا يرونك فانظر ما يردون من الجواب (٥). فيقال: إن الهدهد فعل ذلك: ألقى الكتاب وطار إلى كَوَّة (٦) في مجلسها متواريًا

стр. 9875

عنها (١). ٢٩ - قوله: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾ قال أبو إسحاق: تقدير الكلام: فمضى الهدهد فألقى الكتاب إليهم (٢) فقالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ قال قتادة: أتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها (٣). وقال مقاتل: أتاها الهدهد حتى وقف على رأسها فرفرف ساعة، والناس ينظرون، فرفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها، فقرأت الكتاب. وكانت عربية من قوم: تبع الحميري، فأخبرت قومها وقالت: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ (٤). قال عطاء عن ابن عباس: مطبوع (٥). وهو: قول الضحاك قال: سمته كريمًا؛ لأنه كان مختومًا (٦).
следующие страницы →