Полный текст (285 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
٤٦ - ابن الخياط
هو أبو بكر أحمد بن محمد بن منصور.
стр. 107
الطبقة العاشرة
أصحاب الزجاج
٤٧ - أبو الفهد البصري
كان أبو الفَهْد تلميذًا لأبي بكر أحمد بن محمد بن منصور المعروف بابن الخياط، من أصحاب المبرّد.
٤٨ - أبو القاسم الزجاجي
هو عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، ينسب إليه للزومه إياه. وتوفي بدمشق في رجب سنة سبع وثلاثين وثلاثمئة.
أصحاب ابن السراج
٤٩ - أبو سعيد السيرافي
هو الحسن بن عبد الله بن المَرْزُبان، وهو الذي فسَّر كتاب سيبويه، وينتحلُ العلمَ بالمجَسْطِي وإقليدس والمنطق، ويتفقَّه بأبي حنيفة، وهو معتزليٌّ من أصحاب الجُبَّائي، وكان ينزل الرُّصافة.
стр. 108
٥٠ - أبو علي الفَسَوي
كان عند ابن حَمْدان، فاستجلبه الدَّيلميُّ لبني أخيه خُسْرُه يُؤدِّبهم، فأقام ببغداد، ثم توجه إلى شيراز.
٥١ - علي بن عيسى البغداذي الوراق
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
أصحاب الأخفش علي بن سليمان
٥٢ - الميدمي
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
أصحاب بن دَرَسْتَوَيْهِ
٥٣ - أبو طاهر
هو عبد الله بن عمر بن محمد بن أبي هاشم المقرئ، من أهل مدينة
стр. 109
أبي جعفر، قرأ عليه بعضَ الكِتَاب، ولم يُرَ بعد ابن مجاهد مثله، وكان يقرئ في سكة عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس بالمدينة ببغداد. وكان كوفيَّ المذهب.
توفي سنة أربع وأربعين وثلاثمئة، يوم الخميس لعشر بقين من شوال.
٥٤ - الكرماني
قرأ عليه بعض الكتاب.
٥٥ - أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي
هو أبو علي إسماعيل بن القاسم بن هارون بن عَيْذُون البغداذي. قرأ عليه كتاب سيبويه أجمع، واستفسر جميعه، وناظره فيه، ودقَّق النظر، وكتب عنه تفسيره، وعلَّل العلةَ، وأقام عليها الحجة، وأظهر فَضْل مذهب البصريين على مذهب الكوفيين، ونَصَر مذهب سيبويه على مَنْ خالفه من البصريين أيضًا، وأقام الحجة له.
قال أبو علي إسماعيل بن القاسم: وقرأ معي الكتاب أبو جعفر أحمد بن أبي محمد بن دَرَسْتَويه -تعليمًا ورواية- الكتاب أجمع.
стр. 110
النحويون الكوفيون
стр. 111
الطبقة الأولى
من النحويين الكوفيين
٥٦ - الرُّؤاسي
هو أبو جعفر. وكان أستاذَ أهلِ الكوفة في النحو، وكان أخذ عن عيسى بن عمر. وله كتاب في الجمع والإفراد.
٥٧ - معاذ الهراء
هو معاذ بن مُسْلم الهرَّاء، وكان يبيع الهرويَّ من الثياب، وهو القائل:
وما كان على الجِيء ... ولا الهِيء امْتِدَاحِيكَا
الهِيء: دعاء الحمار للعلف. والجِيء: دعاؤه للماء.
وقال الفرَّاء: قال مُعاذٌ الهرَّاء: لقد قيل "سيرة العُمَرين" قبل خلافة عمر بن عبد العزيز، يعني أبا بكر وعمر.
٥٨ - أبو مسلم
هو أبو مسلم مؤدب عبد الملك بن مروان، وكان قد نظر في النحو، فلما أحدث الناس التصريف لم يحسنه وأنكره، فهجا أصحاب النحو فقال:
قد كان أخذُهُمُ في النحو يُعجِبني ... حتى تعاطَوْا كلام الزّنجِ والرُّومِ
стр. 112
لمَّا سمعتُ كلامًا لستُ أفهمُهُ ... كأنه زَجَل الغِرْبَانِ والبومِ
تركتُ نحوَهُمُ والله يعصمني ... من التقحُّم في تلك الجراثيمِ
فأجابه معاذٌ الهراء أستاذ الكسائي فقال:
عالجتَها أمردَ حتى إذا ... شبتَ ولم تُحسِنْ أبا جادِها
سمَّيتَ مَن يعرفها جاهلًا ... يُصدِرُها من بعد إيرادها
سهَّل منها كلَّ مُستصعَبٍ ... طَوْدٌ علا القرنَ من أطوادها
وكان أبو مسلم يجلس إلى مُعاذ بن مسلم الهراء النحوي، فسمعه يناظر رجلًا في النحو، فقال له معاذ: كيف تقول مِن "تَؤُزُّهُمْ أَزًّا": يا فاعل افعل؟ وصِلها بيا فاعل افعل مِن ﴿وإذا الموؤدة سُئلتْ﴾. فسمِع أبو مسلم كلامًا لم يعرفْه، فقام عنهم وقال الأبيات.
قال: وجواب المسألة: "يا آزّ أزّ"، وإن شئت: "أزِّ"، وإن شئت: "أزُّ"، وإن شئت: "أوزُزْ" فالفتح لأنه أخف الحركات، والكسر لأنه أحقُّ بالتقاء الساكنين، والضمُّ للإتباع، وكذلك: يا وائِد إدْ؛ مثل يا واعدُ عِدْ.
стр. 113
الطبقة الثانية
٥٩ - الكسائي
هو أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي، مَوْلَى بني أسد، من أهل باحَمْشا. أخذ عن الرُّؤَاسيّ، ودخل الكوفةَ وهو غلام، وأدَّب ولدَ الرشيد.
قال محمد بن الحسين السمريّ: رأيت الكسائيَّ بالبصرة في مجلس يونس، وهو يناظره مناظرة النظير.
وقال أبو عليٍّ إسماعيل بن القاسم البغداذي: سمعت محمد بن السَّرِيّ يقول: حضر الكسائيُّ مجلس يونس فقال: لم صارت "حتَّى" تنصب الأفعال المستقبلة؟ فقال: هكذا خُلِقَتْ! فضحك به.
وقال عبد الله بن أبي سعد: حدثني أبو بكر محمد بن عبد الله بن عبيد بن آدم بن جُشَم العبديُّ قال: حدثني الأحمر قال: دخل أبو يوسف على الرشيد والكسائي عنده يمازحه، فقال له أبو يوسف: هذا الكوفي قد استفرعك وغَلب عليك! فقال: يا أبا يوسف، إنه ليأتيني بأشياء يشتمِل عليها قلبي. فأقبل الكسائي على أبي يوسف قال: يا أبا يوسف، هل لك في مسألة؟ قال: نحو أم فقه؟ قال: بل فقه. فضحك الرشيد حتى فحص برجله. ثم قال: تُلْقِي على أبي يوسف فقهًا؟! قال: نعم. قال: يا أبا يوسف، ما تقول في رجل قال لامرأته: "أنت طالق إن دخلتِ الدار"؟ قال: إن دَخَلتِ الدارَ طَلَقَتْ. قال: أخطأت يا أبا يوسف. فضحك الرشيد، ثم قال: كيف الصواب؟ قال: إذا قال: "أَنْ" فقد وجب الفعل، وإذا قال: "إِنْ" فلم يجب، ولم يقع الطلاق. قال: فكان أبو يوسف بعدها لا يدَع أن يأتيَ الكسائيَّ.
حدثنا محمد بن العباس الهاشمي الحلبيُّ قال: أخبرنا أحمد بن عثمان،
стр. 114
حدثنا محمد بن عبد العزيز: أخبرني مَنْ أثِقُ به أن الرشيد تلقاه الكسائي في بعض طريقه، فوقف عليه وسأله عن حاله، فقال الكسائيُّ: لو لم أجْتَنِ من ثمرة الأدب إلا ما وَهَبَ الله لي من وقوف أمير المؤمنين عليَّ لكان كافيًا.
وقال الأوارجي الكاتب: حدثني العَجْوَزِيُّ أن الكسائيَّ النحويَّ ارتحل إلى حمزةَ الزياتِ، وعليه كِسَاءٌ جيدٌ، فجلس بين يديه فقرأ ثلاثين آية، وكان حمزة أخذ أكثر من ثلاثين آية، فقال له: اقرأ. فقرأ أربعين، ثم قال له: اقرأ إلى أن تتم مئة آية. فقال له: قم. ثم افتقده، فقال: ما صنع صاحبُ الكساءِ الجيدِ؟ فسُمِّيَ الكسائيّ.
وقال أحمد بن يحيى ثعلب: قال سَلَمَةُ: صحَّف الكسائيُّ في بيت الجَعْدِيّ:
* وكان النكيرُ أن تُضيف وتَجأرَا *
قال: "يُضِيف".
قال: ولم يبلغني أن الكسائي ولا الفراء قالا شعرًا قطّ. وكان الأحمر يَقْرض الشعر، وله أبيات.
قال سلَمة: أنشد الكسائيُّ الرشيدَ بحضرة الأصمعي:
أم كيف ينفع ما تُعطَى العَلُوق بِه ... رئمانَ أَنفٍ إذا ما ضُنّ باللَّبنِ
стр. 115
قال الأصمعيُّ: "رئمانُ أنف". فقال الكسائيُّ: "رئمانَ أنف"، و"رئمانَ أنف"، اسكتْ، ليس هذا من صنعتك.
قوله: "رئمان أنف" يريد أنها ترأم البوَّ، وهي مع ذلك لا تَدُرُّ اللبن، والعَلُوق التي ترأمُ بأنفها وتمنعُ ضَرْعها. ويقال: العلوق من النُّوق التي تريد الفحل ولا ترأم الولد، ومن النِّساء التي لا تحبُّ غير زوجها. وقال:
وبُدِّلتُ من أُمٍّ عليَّ شفيقةٍ ... عَلوقًا، وشرُّ الوالدات عَلوقُها
ابن أبي سعد قال: حدثني ابن طهمان قال: سمعت والله الفراء يحيى يقول: مدحني رجل من النحويين فقال: ما اختلافك إلى الكسائيِّ وأنت مثله في العلم؟ قال: وأعجَبَتْنِي نفسي فناظرته وسألته؛ فكأنِّي كنتُ طائرًا يغْرِف من بَحْرٍ.
قال الهَرَوي: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال: كان الكِسائيُّ فصيح اللسان، لا يُفْطَن لكماله، ولا يُخيَّل إليك أنه يُعرِب، وهو يُعرِب.
وقال أحمد بن أبي الطاهر: حدثني محمد بن عبد الله بن آدم بن جُشَم العَبْدي، حدثني ثابت الغنمي، أخبرني رجل في حلقة الأحمر النَّحويِّ، عن تميم الداري -رجل كان بالرَّي- قال: لما خرج الرشيد إلى طُوس، خرج الكسائيُّ معه، فلمَّا صار إلى الرَّيّ اعتلّ علَّة منكرة، فأتى إليه هارون الرشيد ماشيًا متفزِّعًا، وخرج مِن عِنْده وهو مُغْتَمّ، فقال لأصحابه: ما أظنُّ الكسائيَّ إلَّا ميتًا. وجعل يَسْتَرْجِع. فجعل القوم يعزُّونه ويطيِّبون نفسَه، وجعل يظهر حزنًا. فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما الذي قضيت عليه بهذا له! فقال: لأنَّه حدثني أنه لقي أعرابيًّا عالمًا غزيرًا بموضع يقال له: "ذو النَّخْلَتين". فقال الكسائي: فكنت أغدُو عليه وأرُوح، أمْتاح ما عنده، فغدوتُ عليه غُدوةً من الغدوات، وهو ثقيل، فرأيت به علَّة منكرة، فألقى نفسه، وجعل يَنْتَفِضُ ويقول:
стр. 116
قَدَرٌ أحلَّك ذا النُّخَيْل وقد تَرَى ... لولاه مَالَكَ ذو النُّخَيْل بدارِ
إلَّا كداركمُ بذي بقَرِ الحِمَى ... أَيْهَاتَ ذو بقرٍ من المُزدار
قال الكسائيُّ: فغدوتُ إليه صباحًا، فإذا هو لمآبه، ودخلتُ على الكسائيِّ وهو يُنشد البيتين، فغمَّني ذلك.
فمات الكسائي بالرّيّ، وكان كما ظن الرشيد.
وتُوفِّي هو ومحمد بن الحسن الفقيه صاحب أبي يوسف، ودفنا في يوم واحد، سنة تسع وثمانين ومئة، فقال الرشيد: دفنَّا الفقه واللغة في الري في يوم واحد.
قال محمد بن عبد الملك توفي الكسائي سنة ثلاث وتسعين ومئة.
قال ابن أبي سعد: ورثاهما اليزيدي فقال:
أَسيتُ على قاضي القضاة محمَّدٍ ... فأَذريتُ دمْعِي والفؤادُ عميدُ
وأفزعني موتُ الكسائيِّ بعدَه ... فكادت بيَ الأرض الفضاء تميدُ
هما عَلَمانا أَوْديَا وتُخرِّمَا ... فما لهما في العالمينَ نديدُ
стр. 117
الطبقة الثالثة
٦٠ - الفراء
هو أبو زكرياء يحيى بن زياد بن عبد الله بن منصور الدَّيْلميّ الفراء. وكان أبرعَ الكوفيين في علمهم.
وحدَّث محمد بن الجهم قال: حدَّثني ابن المُستنير قُطْرُب قال: دخل الفرَّاء على هارون الرشيد فتكلَّم بكلامٍ لَحَن فيه مرَّاتٍ، قال جعفر بن يحيى: إنه لحن يا أمير المؤمنين. فقال الرشيد للفراء: أتلحَن؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن طباع أهل البدو الإعراب، وطباع أهل الحضَر اللَّحْن؛ فإذا تحفَّظتُ لم ألْحَن، وإذا رجعتُ إلى الطبع لحنتُ. فاستحسن الرشيد قوله.
قال أبو العباس أحمد بن يحيى: العربُ تُخرجُ الإعرابَ على اللَّفظ دون المعاني، ولا يفسِد الإعرابُ المعنى، فإذا كان الإعرابُ يُفسد المعنى فليس من كلام العرب. وإنَّما صحَّ قول الفرَّاء لأنه عمل العربية والنحو على كلام العرب، فقال: كلُّ مسألة وافق إعرابُها معناها، ومعناها إعرابَها فهو الصحيح. وإنما لَحِق سيبويه الغلطُ لأنَّه عمل كلامَ العرب على المعاني، وخلَّى عن الألفاظ، ولم يوجدْ في كلام العرب ولا أشعار الفحول إلا ما المعنى فيه مطبِّق للإعراب، والإعراب مطبِّقٌ للمعنى. وما نقله هشام عن الكِسائيِّ فلا مطعَن فيه، وما قاسه فقد لحِقه الغمْز؛ لأنه سلك بعضَ سبيل سيبويه، فعمل العربية على المعاني وتركَ الألفاظ؛ والفرَّاء حمَل العربية على الألفاظ والمعاني فبَرع واستحقَّ التَّقْدِمة، وذلك كقولك: "مات زيد"؛ فلو عاملت المعنى لوجب أن تقول: "مات زيدًا" لأن الله هو الذي أماته؛ ولكنك عاملت اللفظ، فأردتَ: سكنتْ حركاتُ زيد.
стр. 118
قال أبو العباس: وصحَّف الفرَّاء في بيت العجَّاج:
* حتى إذا أشرف في جوف حبَا *
فقال: "في جوفِ جبَا".
قال: وسمعتُ أبا العباس أحمد بن يحيى غيرَ مرة يقول: لولا الفرَّاء ما كانتْ عربية؛ لأنه حصَّنها وضَبطها، ولولا الفرَّاء لسقطتِ العربية؛ لأنها كانت تُتنازع ويدَّعيها كلُّ مَنْ أراد، ويتكلَّم الناس على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب، وأدركنا العلَماء يردُّون في العلم أقاويلَ العلماء، ثم تكون العِللُ بعد، ثم رأينا الناس بعد ذلك يتكلَّمون في العلم بآرائهم ويقولون: نحنُ نقول. فيأتون بالكلام على طباعهم وبحسب ما يَحْسُن عندهم، وهذا سبب ذهاب العلم وبُطْلانه.
قال: وقال أبو العباس: وكان السبب في إملاء الفراء كتابه في القرآن -وهو كتاب لم يعمل قبله ولا بعده مثله، ولم يتهيأ لأحد من الناس جميعًا أن يزيد عليه شيئًا- أنَّ عمرَ بن بكير -وكان من أصحابه، وكان مع الحسن بن سهل- فكتب إليه: إن الأميرَ الحسنَ لا يزالُ يسألني عن أشياءَ من القرآن لا يحضُرُني جوابٌ عنها؛ فإن رأيتَ أن تَجْمَع لي أصولًا، أو تجعل في ذلك كتابًا أرجع إليه فعلتَ.
فلما قرأ الكتاب قال لأصحابه: اجتمعوا حتى أُمِلَّ عليكم كتابًا في القرآن. وجعل لهم يومًا، فلما حضروا خرج إليهم -وكان في المسجد رجل يؤذِّن فيه،
стр. 119
وكان من القرَّاء- فقال له: اقرأ. فبدأ بفاتحة الكتاب ففسرها، ثم مرَّ في الكتاب كلِّه على ذلك؛ يقرأ الرَّجل، ويفسِّر الفرَّاء. وكتابه في القرآن نحوٌ من ألف ورقة.
قال أبو العباس: قال الخليل: كِلَا اسمٌ. وقال الفراء: هي بين الأسماء والأفعال، فلا أحكمُ عليها بالاسم ولا بالفعل، فلا أقول: إنها اسم؛ لأنها حَشْو في الكلام، ولا تنفرِد كما ينفرد الاسم، وأشبهت الفعل لتغيُّرها في المكنِيِّ والظاهر؛ لأني أقول في الظاهر: رأيتُ كلا الزيدين، ومررت بكلا الزيدين، وكلَّمني كلا الزيدين؛ فلا تتغير. وأقولُ في المكنِيِّ: رأيتهما كليهما، ومررت بهما كليهما، وقام إليَّ كلاهما؛ فأشبهتِ الفعلَ؛ لأني أقولُ: قضى زيدٌ ما عليه، فتظهر الألف مع الظاهر، ثم أقول: قضيت الحقَّ، فتصير الألف ياء مع المكنِيِّ.
قال أبو العباس: كُتبُ الفرَّاء لا يوازى بها كتابٌ. وتوفي الفراء في طريق مَكَّة سنة سبع ومئتين.
٦١ - القاسم بن معن
حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا أبو مُسْلم صالح بن أحمد بن عبد الملك بن صالح الكوفي قال: أَمْلَى عَلَيَّ أبي ﵀ قال: القاسم بن مَعْن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قديم الموت، وكان على قضاء الكوفة، وكان لا يُنفِق من رزقه شيئًا، إذا أخذه قسَّمه. وكان عفيفًا صارمًا في قضائه، فقيه البلد، ثقةً جامعًا للعلوم. وكان راويةً للشعر، عالمًا
стр. 120
بالغريب والنحو، وكان قد كَتَب ولم يُشْهَر عنه الحديث.
سألت أبي عن القاسم بن معن، فقال: ثِقَة مستور، روى عنه عبد الرحمن بن مهدي، ليس به بأس، وكان على قضاء الكوفة، وكان لا يأخذ على القضاء أجرًا، وكان رجلًا يعقل، وكان صاحب شعر ونحو؛ وذكر خيرًا.
قال: وكان مَعْن بن عبد الرحمن أبوه من خيار المسلمين. حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، حدثنا الدُّوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول: كان القاسم بن معن رجلًا نبيلًا. وقال: كان قاضي الكوفة.
قال عبد الله بن مسلم بن قُتيبة: القاسم بن مَعن كان على قضاء الكوفة، وكان عالمًا بالفقه والحديث والشعر والنسب وأيام الناس، وكان يقال له: شَعْبِيُّ زمانِه.
٦٢ - الأحمر
هو عليُّ بن المبارك الأحمر. وكان مؤدِّب محمد بن هارون الأمين. وروي أن الأحمر قال: قعدتُ مع الأمين ساعةً من نهار، فوصل إليَّ فيها ثلاثمئة ألف درهم، فانصرفت وقد استغنيت.
ابن أبي سعد قال: حدثني محمد بن عبد الله العبديُّ قال: سمعتُ الأحمر يقول: يقال للذئب: ذُؤالة ودؤالة؛ لشدة ذَألاته ودَألاته.
٦٣ - هشام بن معاوية الضرير
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
стр. 121
٦٤ - أبو طالب المكفوف
أخذ عن الكسائي، وله كتاب في حدود العوامل والأفعال واختلاف معانيها.
٦٥ - سلمويه
أخذ عن الكسائي أيضًا.
٦٦ - إسحاق البغوي
أخذ عن الكسائي أيضًا.
٦٧ - أبو مسحل
هو عبد الله بن حَرِيش. قال أبو عليٍّ: وحدثني أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن بشَّار الأنباري قال: كان أبو مِسْحَل يَرْوي عن عليِّ بن المبارك الأحمر أربعين ألف بيت شاهد في النحو.
قال: وسمعت أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبًا يقول: ما ندِمتُ على شيء كنَدَمِي على ترْك سماع الأبيات التي كان يَرْويها أبو مِسْحل عن عليِّ بن المبارك الأحمر.
٦٨ - قتيبة النحوي
حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال: حدثني سليمان بن أبي شيخ الخُزاعيُّ قال: حدثنا أبو سفيان الحميري قال: قال أبو عبيد الله كاتب المهديِّ: "قرًى
стр. 122
عربية"، فنَوَّن، فقال شبيبُ بن شيبة: إنما هي "قُرَى عربيَّةَ" غير مُنوَّنة. فقال أبو عبيد الله لقتيبة النحوي الجُعْفي الكوفي: ما تقول؟ فقال: إن كنتَ أردتَ القُرى التي بالحجاز يقال لها: "قُرَى عربيَّةَ"؛ فإنها لا تنصرف، وإن كنتَ أردتَ قرًى من قرى السواد فهي تنصرف. فقال: إنما أردتُ التي بالحجاز. قال: هو كما قال شبيب.
стр. 123
الطبقة الرابعة
أصحاب الفراء
٦٩ - سلمة بن عاصم
قال أحمد بن يحيى: كان سَلَمَة حافظًا لتأدية ما في الكتب، وكان ابنُ قادم حسَن النظر في العِلَل، وكان الطُّوال حاذقًا بإلقاء العربية.
أبو عليٍّ إسماعيل قال: سمعتُ محمد بن القاسم بن محمد الأنباري يقول: ما أسِيتُ على شيءٍ كما أسِيتُ على تركي السماع لكتاب المعاني للفراء من أبي العباس أحمد بن يحيى. وإنما كان يَقْطعُني عنه الحديثُ، وكان يُقرأ بالعَشيَّات على باب داره. قال: وكتاب سلَمة أجودُ الكتب؛ لأنَّ سلمة كان عالمًا، وكان لا يحضر مجلسَ الفرَّاء يوم الإملاء، وكان يأخذ المجالس مِمَّن يحضرُ ويتدبَّرها، فيجد فيها السَّهو، فيناظرُ عليها الفراء، فيرجع عنه. وكان أحمد بن يحيى سمِعه من سلَمة بن عاصم عن الفراء. والحدود في النحو ستُّون حدًّا، سمعها أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب عن سلَمة بن عاصم عن يحيى بن زياد الفراء.
٧٠ - أبو عبد الله الطّوال
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
стр. 124
٧١ - محمد بن قادم
ويقال: أحمد - هو أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن قادم، وهو أستاذ ثعلب. قال الأوارجيُّ الكاتب: حدثنا أبو جعفر أحمد بن إسحاق البُهلوليُّ القاضي الأنباريُّ؛ أنه وأخاه البُهْلول دخلا مدينة السلام في خمس وخمسين ومئتين، فدارا على الحلق يوم الجمعة، فوقفا على حلْقةٍ فيها رجل يتلهَّب ذكاءً، ويجيب عن كل ما يُسأل عنه من مسائل القرآن والنحو والغريب وأبيات المعاني، فقلنا: مَن هذا؟ فقالوا: أحمد بن يحيى ثعلب. فبينا نحن كذلك، إذ ورد شيخ يتوكَّأ على عصًا، فقال لأهل الحلقة: أفْرِجوا. فأَفْرَجوا له حتى جلس إلى جانبه، ثم سأله عن مسألة، فقال: قال أبو جعفر الرُّؤاسي فيها كذا، وقال أبو الحسن الكِسائيُّ فيها كذا، وقال الفراء فيها كذا، وقال هِشامٌ فيها كذا، وقلتُ كذا. فقال له الشيخ: لن تراني أعتقد في هذه المسألة إلا جوابك، فالحمد لله الذي بلَّغني هذه المنزلةَ فيك. فقلنا: مَن هذا الشيخ؟ فقالوا: أستاذُه محمدُ بنُ قادمٍ النَّحويُّ، أستاذ ثعلب. هكذا رُوِي: محمدُ بنُ قادمٍ، وغيره يقول: أحمد بن عبد الله بن قادم.
قال أبو بكر بن عبد الملك بن عبدالصمد: قال لي عَمِّي: قال أبو العباس أحمد بن يحيى: حدثني ابنُ قادم -وكان مع إسحاق بن إبراهيم المُصعبيّ- قال أبو العباس: وكان ابن قادم يُشبه الناس في خَلْقه وخُلُقه وعلمه. قال: وجَّه إليَّ إسحاقُ يومًا من الأيام، فأحضرني، فلم أدرِ ما السبب، فلما قَرُبْتُ من مجلسه تلقَّاني ميمون بن إبراهيم كاتبُه على الرسائل، وهو على غاية الهلع والجزع،
стр. 125
فقال له بصوت خفيٍّ: إنه إسحاق، ومرَّ غيرَ متلبِّث ولا متوقِّف، حتى رجَع إلى مجلس إسحاق، فراعني ذلك، فلما مَثُلْتُ بين يديه قال لي: كيف يقال: "وهذا المال مالًا"، أو "وهذا المال مالٌ"؟ فعلمتُ ما أراد ميمون، فقلتُ له: الوجهُ: "وهذا المال مالٌ"، ويجوز: "وهذا المال مالًا". فأقبل إسحاق على ميمون بغلظة وفظاظة، ثم قال: الزم الوجهَ في كتبك، ودَعْنا من يجوز ويجوز. ورمى بكتابٍ كان في يده. فسألتُ عن الخبرِ، فإذا ميمون قد كتب إلى المأمون، وهو ببلاد الروم عن إسحاق، وذكر مالًا حمله إليه، وكتب: "وهذا المال مالًا"، فخطَّ المأمونُ على الموضع من الكتاب، ووقَّع بخطِّه في حاشيته: تكاتبني باللَّحْن! فقامت القيامة على إسحاق. فكان ميمون بعد ذلك يقول: ما أدري كيف أشكر ابنَ قادمٍ؛ بقَّى عليَّ روحي ونعمتي.
قال أبو العباس: فكان هذا مقدار العلم، وعلى حَسَب ذلك كانت الرغبة في طلبه، والحذر من الزلل.
"وهذا المال مالًا" ليس بشيء، ولكن أحسن ابن قادم في التأتِّي بخلاص ميمون.
٧٢ - ابن سعدان
هو محمد بن سعدان، كانت وفاته سنة إحدى وثلاثين ومئتين.
٧٣ - محمد بن حبيب
قال أبو العباس أحمد بن يحيى: أتيت محمدَ بن حبيب -وقد بلغني أنه يُمِلُّ شعرَ حسَّان بن ثابت- فلما عرَف موضعي قطع الإملاءَ، فانصرفتُ وعدتُ، فترفَّقتُ فأَمَلَّ، وكان لا يقعد في المسجد الجامع، فعذلتُه
стр. 126
على ذلك فأبى، فلم أزل به حتى قعد في جمعةٍ من الجُمَع، واجتمع الناس، فسأله سائلٌ عن هذه الأبيات:
أَزُحْنَةَ عنِّي تطردين تبدَّدَتْ ... بلَحْمِك طيرٌ طِرْن كلَّ مطيرِ
قفي لا تَزِلِّي زلَّةً ليس بعدها ... جُبُورٌ وزلَّاتُ النساء كثير
فإني وإياه كرجلَيْ نعامةٍ ... على كلِّ حالٍ مِنْ غِنًى وفقيرِ
ففسَّر ما فيه من اللُّغةِ، فقيل له: كيف نقول: "مِن غِنًى وفقير"، وكان يجب أن نقول: "مِن غِنًى وفقر"؟ فاضطرب، فقلت للسائل: هذه غريبة، وأنا أنوب عنه. وبيَّنتُ العِلَّة، وانصرف، ثم لم يعد للقعود بعد ذلك، فانقطعت عنه.
ورجلا النَّعامة لا تنوبُ واحدة عن الأخرى؛ لأنه لا مُخَّ فيها، وسائر الحيوان إذا أعيت إحدى رجليه استعانت بالأخرى، ويقال: هما رجْلا نعامة، والأسماء تُرَدُّ على المصادر، والمصادر تُرَدُّ على الأسماء، لأن المصادر ظهرت لظهور الأسماء وتمكُّنِ الإعراب فيها.
стр. 127
الطبقة الخامسة
أصحاب سلمة
٧٤ - أحمد بن يحيى ثعلب
هو أحمد بن يحيى النحوي بن يزيد، مولى بني شيْبان، المعروف بثعلب. فاق مَن تقدَّم من الكوفيين وأهل عصره منهم، وكان قد ناظر أصحابَ الفرَّاء وساواهم.
قال أبو عليٍّ: وحدثني أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن بشار الأنباري قال: نظر أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب في النحو وله ثمان عشرة سنة، وصنَّف الكتب وله ثلاثٌ وعشرون سنة، وكان ثقةً صدوقًا حافظًا للُّغة عالمًا بالمعاني.
قال: وحدثني أبو بكر محمد بن القاسم أيضًا أن الرّياشيّ سئل حين انصرف من بغداذ إلى البصرة عن علماء بغداذ، فقال: ما رأيت منهم أعلمَ من الغلام المنبَّز -يعني ثعلبًا-.
وحدثني قال: حدثني أبو العباس قال: قدم علينا الرياشي، فقصدتُ إليه مجلسه، فسألته عن مسائلَ من النحو، فلم يتكلم فيها بشيء، وقال: أنا تارك لهذا.
وقال الأوارجي الكاتب: حدثني العَجْوَزِي قال: كان ثعلب من الحفظ، والعلم، وصدق اللهجة، والمعرفة بالغريب، ورواية الشعر القديم، ومعرفة النحو على مذهب الكوفيين ... على ما ليس عليه أحدٌ. وكان يدرسُ كتبَ الفرَّاء وكتب الكسائي درسًا، ولم يكن يعلم مذهب البصريين، ولا مستخرجًا للقياس ولا مطالبًا له. وكان يقول: قال الفراء، وقال الكسائي، فإذا سئل عن الحجة والحقيقة في ذلك لم يغرق في النظر.
وكان خَتنه أبو علي الدينوري زوج ابنته يخرج من منزله وهو
стр. 128
جالسٌ على باب دارِه، فيتخطَّى أصحابَه، ويمضي ومعه محبرته ودِفْتَرُه، فيقرأ كتابَ سيبويه على محمد بن يزيد المبرّد، فيعاتبه على ذلك أحمد بن يحيى ويقول: إذا رآك الناس تَمْضي إلى هذا الرجل، وتقرأ عليه، يقولون ماذا! فلم يكن يلتفتُ إلى قوله.
وكان أبو عليٍّ هذا حسنَ المعرفة. وسمعتُ إسماعيلَ بن إسحاق بن إبراهيم المصعبي يقول له: يا أبا عليٍّ، كيف صار محمد بن يزيد النحوي أعلمَ بكتاب سيبويه من أحمد بن يحيى ثعلب؟ قال: لأن محمد بن يزيد قرأه على العلماء، وأحمد بن يحيى قرأه على نفسه.
ولم يزل أحمد بن يحيى مُقدَّمًا عند العلماء من أيام حداثته، قال: قرأت كتاب أبي نصر الطوسي إلى أبي أحمد من سُرَّ مَن رأى يقول: شككنا في حرف كذا وكذا، فصِرْ إلى أبي العباس فاسأله عنه؛ فإنه كان أحفظَ لِمَا يسمعه منا.
وكان ضيِّق النَّفقة مقتّرًا على نفسه، حدثني أخي -وكان صاحبه ووصيَّه- قال: دخلتُ عليه يومًا وقد احتجم وبين يديه طَبق، وفيه ثلاثةُ أرْغِفة وخمسُ بَيْضات وبقْل وخلّ وهو يأكل، فقلتُ: قد احتجمتَ فلو أخذتَ رِطْلًا من لَحْم فأصلحتَ لك منْه قُدَيْرة؛ لكان أصلحَ لك. فقال: رِطْل لحم وثمن التوابل ومثلُه أيضًا للعيال، فَقد اجْتَمع، فما له معنى!
وكانت ابنتُه قد استهلكت ألف دينار من ألفي دينار، فطالَبَها بذلك أشدَّ مُطالبة وأغلظَها، وجمعَ أصحابه عليها وناظرَها بحضْرتهم. قال: فحدَّثني أخي قال: كنتُ فيمن خاطبها وهي وراء السّتْر، فقالت: هو أعرفُ بموضع الدنانير، كان ضيِّقًا كما قد علمت، فكان يَخْرُج من عندنا بَكِرًا
стр. 129
فإذا انتصفَ النَّهارُ رَجَع وخَلَع ثيابه، وقال: عندكم شيءٌ نأكله؟ فتُخرج الجارية مائدةً عليها أرغفة سَميذ وقطعة من جَدْي أو دجاجة وفَضْلة من جام حَلْواء، فيأكل ذلك ولا يقول: مِن أَيْن لكم هذا؟ فلا يزالُ هذا دأبه، ولا يسأل عمَّا يُقدَّم إليه، وما يُشتَرى له من الفاكهة والطيبات، فقولوا له: تلك الدنانيرُ ذهبتْ فيما كنتَ تأكلُه ولا تسألُ عنه! فانصرفت وقد أوجبتْ عليه الحجة، ولم يصلْ إلى درهمٍ واحدٍ ممَّا ذهبَ له.
وقال: سمعت أحمد بن إسحاق المعروف بابن المدوَّر يقول: كنتُ أرى أبا عبد الله بن الأعرابيِّ يشكُّ في الشيء فيقولُ: ما عندك يا أبا العباس في هذا؟ ثقةً بغزارة حفظه، ولم يكن مع ذلك موصوفًا بالبلاغة، ولا رأيته إذا كتب كتابًا إلى بعض أصحاب السلطان خرج عن طبع العامَّة، فإذا أخذتَه في الشعر والغريب ومذهب الفراء والكسائي؛ رأيتَ مَن لا يفي به أحد، ولا يتهيأ له الطَّعنُ عليه.
وكان هو ومحمد بن يزيد عالِمَينِ قد خُتِم بهما تاريخُ الأدباء. قال بعض المُحدَثين:
يا طالب العلم لا تَجْهَلَنْ ... وعُذْ بالمبرِّد أو ثعلبِ
تجدْ عندَ هذينِ عِلمَ الورى ... فلا تكُ كالجملِ الأجربِ
علومُ الخلائقِ مقرونةٌ ... بهذينِ في الشرق والمغربِ
قال: وكان محمد بن يزيد يُحِبُّ أن يَجْتَمِع معه ويَستكثِر منه، فكان يمتنع من ذلك، فقلت لخَتَنِه الدِّينَوَرِي: لِمَ يفعلُ ذلك؟ فقال: أبو العباس محمد بن يزيد حَسَن العبارة، حُلو الإشارة، فصيحُ اللسان، ظاهرُ البيان، وأحمد بن يحيى مذهبُه مذهبُ المعلِّمين؛ فإذا اجتمعا في محفِل حُكِم لهذا على الظَّاهر إلى أن يعرف الباطن. وكان إذا تلاقَيَا على ظَهْر الطريق تساءلا وتوافقا، رحمهما الله.
قال أبو عمر بن سعد القُطْرَبليّ: سرت إلى أحمد بن يحيى في يوم الأربعاء
стр. 130
وكانت وفاته يوم الجمعة، ومعي مُتطبِّبٌ لنا، فلما دخلت عليه قال: أتيتَ بما في نفسي، كنتُ الساعةَ على أن أكتبَ إليك أسألك البعثةَ به إليَّ، فقد سرَّني أن وقع مجئيه بالاتفاق. فنظر إليه، وجسَّ يدَه، ثم قال له: أنت كأنك الدّرّ، أنت في كلِّ عافية، القوة تامَّة، والنبضُ طبيعيّ، والذي تشكوه من دم. فرأيته وقد اقشعرَّ وجهه وقال: بشَّرك الله بخير! وسنُّه في الوقت تسعون سنة وسبعة أشهر.
قال بعضهم: كنَّا عند أحمد بن يحيى نُعزِّيهِ بخَتَنِه أبي عليٍّ -وقد جاء نعيه من مصر يوم الأحد لستٍّ بقين من ذي الحجة سنة ست وثمانين-، فقال في كلام جرى: ما كنتُ في وقت من الأوقات أشدَّ تثبُّتًا في العربية واللغة مني في هذا الوقت؛ لأنِّي كلَّما طاولتها وتبحرتها احتجتُ إلى التثبُّت فيها. ثم قال: وأرى قومًا ينظرون أيامًا يسيرة، ثم يقع لهم أنهم قد بلغوا واكتفوا.
قال: وقال أبو العباس: أحسنَ زهير في القول والمعنى ما شاء. وكان يتعصَّب له ويقدِّمه. فقال أبو عمر -وكان يقدِّم الحطيئةَ-: ما أدفع فضل الحطيئة. فقال: وأنا لا أدفع فضل زهير. قال: فمن أين مثل قول زهير:
تَهامون نجديُّون كيدًا ونُجْعةً ... لكل أناس من وقائعهم سَجْلُ
سعى بعدهمْ قومٌ لكي يدركُوهُمُ ... فلم يفعلُوا ولم يلاموا ولم يألوا
قال: فمِنْ أين مثل قول الحطيئة:
أولئك قومٌ إن بنوْا أحسنُوا البنا ... وإن عاهدُوا أوفَوْا وإن عَقَدوا شَدُّوا
стр. 131
فإن كانتِ النَّعماء فيهمْ جزَوْا بها ... وإن أَنْعَموا لا كَدَّرُوها ولا كَدُّوا
قال: وقال أبو العباس: رأيتُ المأمون لما قَدِم من خُراسان، وذلك سنة أربع ومئتين، وقد خرج من باب الحديد، وهو يُريد قصر الرُّصافة، والناس صفَّان إلى المُصلَّى، وكان أبي قد حَمَلَني على يده، فلمَّا مرَّ المأمون رفعني وقال: هذا المأمون، وهذه سنة أربع. فحفظت ذلك إلى هذه الغاية، وكانت سنُّه يومئذ أربع سنين.
وقال أبو عمر: قال لي أبو العباس: إنه ما قال شعرًا قطُّ إلَّا شيئًا لم يَظْهر، البيت والبيتين، وما كان يَرْضى ما يأتيه من ذلك.
قال أحمد بن يحيى: دخلتُ يومًا إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، وعنده أبو العباس محمد بن يزيد وجماعة من أشباهه وكتابه، وكان محمد بن عيسى وصفَه له، فلما قعدتُ قال لي محمد بن عبد الله: ما تقول في بيت امرئ القيس:
لها مَتْنَتَان خَظَاتَا كما ... أَكَبَّ على ساعديْه النَّمِرْ
قال: فقلتُ: الغريب أنه يقال: خَظَا بظا؛ إذا كان صُلْبًا مكتنزًا، ووصف فرسًا. وقوله: "كما أكبَّ على ساعديه النَّمِر" أي في صلابةِ ساعِدَيِ النَّمِر إذا اعتمد على يده. والمتْن الطريقة الممتدَّة عن يمين الصُّلْب وشِماله. وما فيه من العربية أنَّه "خظتا"، فلما تحركت التاء أعاد الألف من أجل الحركة والفتحة.
قال: فأقبل بوجْهه على محمد بن يزيد، فقال له: أعز الله الأمير، أراد في "خظاتا" الإضافة، أضاف "خظاتا" إلى "كما". فقلتُ له: ما قال هذا أحد. فقال محمد بن يزيد: بل سيبويه يقوله. فقلتُ لمحمد بن عبد الله: لا والله، ما قال هذا سيبويه قط، وهذا كتابه فيحضَر. ثم أقبلتُ على محمد بن
стр. 132
عبد الله فقلت له: وما حاجتُنا إلى كتاب سيبويه؟ أيقال: مررت بالزيديْنِ ظريفيْ عمرو؟ فيضاف نعت الشيء إلى غيره! فقال محمد بن عبد الله بصحة طبعه: لا والله، ما يقال هذا. ونظر إلى محمد بن يزيد، فأمسك ولم يَقُلْ شيئًا، وقمت ونهض المجلس.
أبو بكر بن عبد الملك: قال جحظة: أنشدني أبو العباس:
فلما رأيتُ النَّسرَ عَزَّ ابن دَايةٍ ... وعشَّش في بُرْجَيْه ضاق به صدري
شبَّه شبابه بابن دَايَة وهو الغُراب، وشبَّه الشيب بالنَّسر فقال: لما رأيتُ الشيب قد غلب الشباب وقَهَرَه وعشَّش في بُرْجَيْه أحزنني ذلك، وجاش له صدري. وإنما سمَّي الغراب ابن داية لأنه يأكل ما قد دَوِي من ظهور الإبل.
قال أبو العباس: ويقال للطفيليين: لعامظة، وأنشد:
لعامِظةٌ بين العصا ولِحَائِها ... أَرقَّاءُ أكَّالون من سقط السّفْرِ
قال أبو عمر بن سعد القُطْرَبُّليّ: قال أبو العباس أحمد بن يحيى -وقد تكلم بكلام- فقلت له: إنما أردتَ كيتَ، وعنيتُ ذَيْتَ، قد فطنتُ لعُذْري، وأخذتُ بقطني؛ وذيْت صفة الشيء بعينه، وكيْت صفته بفعله.
أخبرني عمّي قال: قال أحمد بن يحيى -وقد سُئِل عن قول امرئ القيس:
نَطْعَنُهم سُلْكَى ومخلوجَةً ... كَرّك لأَمَينِ على نابِلِ
إن اللأم السَّهم، واللَّأمان السهمان، أي نَطْعَنهم قُدُمًا، ونَطْعَنُهم يَمْنة ويسرة وشأمة، أي نحن حُذَّاقٌ بالطعن. ويقال: الأمر سُلْكَى
стр. 133
وليس بمخلوجة، أي الأمر مستقيم وليس بمعوجٍّ، أي فطعْنُنا في السرعة كما يَكُرُّ هذا فيرمي سَهْمًا في إثر سَهْم. ويقال: كما يُصلح هذا سهامه، فهو لا يؤخّرها بل يستعجلُ فيها. والنَّابل الذي يُعالج النَّبْل ويُصْلِحها، فهو يُقوِّمُها ويغرّيها، ويسرع في ذلك لئلا تَنْفَسد عليه؛ والطَّعْن إنما هو بالإسراع فيه.
وقال أبو عمر بن سعد: كنت أسمع أحمد بن محمد بن مدبِّر يقول في كلامه: حديث ذو لِقاح. قال: فسألت أبا العباس أحمد بن يحيى عن ذلك، فقال: كما يقال: حديثٌ ذو شجون؛ وقال: الناقة اللَّقوح التي لها لَبَن، واللَّاقح: الحامل، واللِّقاح: الناقة إذا وضعت، فالمعنى: حديث ينضمُّ إلى حديث كما انضمَّ الولد إلى الأم لما صار في بطنها. وشُجُون الوادي طُرُقه وانعراجاته، فكأنَّ الإنسان يكون في حديثٍ ثمَّ يخرجُ منه إلى غيره، لأنه يتذكر به ما يشبهه ثم يعود إلى حديثه الأول، كالذي يَمْشي في الوادي، فيعرِض له الطريق، فيأخذُ فيه، ثم يؤدِّيه ذلك الطريق إلى الطريق الأول. ويقال: حيٌّ لَقاح إذا كانوا أعزَّاء لا يَدينون للملوك، ولا يُقْدر عليهم؛ كالناقة إذا حملتْ لم يقدر الفحل أن يَدْنُو منها.
قال أبو بكر: قال لي عمي: قال أبو العباس: الفرزدق وجرير أشعر من ذي الرُّمَّة، وذو الرُّمَّة أشعر من كُثيِّر، وكُثيِّر أشعر من جَمِيل.
أبو عمر بن سعد: قال أبو العباس ثعلب: صحبتُ أحمد بن سعيد بن سَلْم -وكان ظريفًا يُشبِه النَّاس- في سنة ثلاث وعشرين ومئتين، وفارقته في سنة خمس وعشرين ومئتين، وصحبتُ العبَّاسَ بُوكردان إلى سنة ثلاث وأربعين ومئتين، وصحبتُ محمد بن عبد الله بن طاهر في هذه السنة، أول يوم من المحرم، وصحبتُه ثلاث عشرة سنة، إلى أن تُوُفِّيَ ﵀.
أبو بكر قال: وحدثني عمي قال: سمعت أحمد بن يحيى يقول: في سنة تسع ومئتين طلبتُ اللغة والعربيةَ، وفي سنة ست عشرة ومئتين؛ ابتدأت النظر في حدود الفرَّاء وسنِّي ثمان عشرة سنة، وبلغتُ خمسًا وعشرين سنة وما بقي عليَّ مسألةٌ للفرَّاء إلَّا وأنا أحفظُها وأحفظ موضعها من الكتاب، ولم يبق شيءٌ من كتب الفراء في هذا الوقت إلا وقد حفظته.
стр. 134
قال: وسمعتُ أحمد بن يحيى ثعلبًا يحدِّث أبا عمر بن سعد القُطْربلي -وكان يغشاهم كثيرًا- قال: أقعدني محمد بن عبد الله بن طاهر مع ابنه طاهر، وأفرد لي دارًا في داره، وأقام لنا وَظيفة، وكنتُ أقعد معه إلى أربع ساعات من النهار، ثم أنصرفُ إذا أراد الغَدَاء، فنُمِي ذلك إليه، فوجَّه فكسا البَهْو والأَرْوِقَة والمجالس الخيْشَ، وأضعف ما كان يُعِدُّ من الألوان والثَّلْج والفاكهة والخِوان، فلمَّا حضر وقت الانصراف انصرفتُ، فنُمِي ذلك إليه، فقال للخادم المُوكَّل بطاهر: نُمِيَ إليَّ انصرافُ أحمد بن يحيى في وقت الطعام والقائلة، فظننت أنه استقلَّ ما كان يحضُرُ، وأنه لم يَسْتَطِبِ الموضع، فأضْعَفْنا ما يُقام، وزِدْنا في الخيشِ، ثم نُمِي إليَّ أنه قد انصرف بعد ذلك! فتقول له عن نفسك: بيتُك أبْرَد من بيتنا! أو طعامك أنظف من طعامنا! وتقول له عني: انصرافُك إلى منزلك في وقت الغَدَاء هُجْنَة علينا. فلمَّا عرَّفني الخادم بذلك أقمتُ، فكنتُ على هذا الحال ثلاثَ عشرة سنة، وكان يتغدَّى معنا مَن يحضر من خاصَّته مثل ابن عَوْن وغيره؛ وكان يُقيم لي مع ذلك سبع وظائف من الخبز الخُشْكار، ووظيفة من الخبز السَّميذ، وسبعة أرطال من اللحم؛ وعَلوفة رَأس، وأجْرَى لي في الشهر ألفَ درهم، فكان يتفقد مَن يُجْرَى عليه القوتُ من الخبز واللحم، حتى يصلَ ذلك إليه في وقته ولا يتأخَّر عنه. ولقد جاءت سنة الفتنة، وغلُظ الأمر في الدَّقيق واللَّحم، فكتب إليه كاتبُه على المطبخ يعرِّفه غليظَ ما هو فيه، وعظم ما يُعانيه من المؤونة، ويسأل أن يأمر بإحضار الجريدة التي فيها ثَبَت مَن يُجْرَى عليه الدقيق واللحم، ليقتصر على مَن لا بدَّ منه؛ إذ كانت الجريدة
стр. 135
تشتمل على خَلْق كثير لا يلزمه أمرهم، ولا سيما في مثل هذه الحال وهذا الوقت. قال: فوقَّع إليه: أنفِذْها إلينا. فأنفذها فكانت مشتملة على ثلاثة آلاف وستمئة إنسان. فرأيتُ محمدًا قد زاد فيها بخطه، ثم وقَّع عليها: لستُ أقطعُ عن أحدٍ ما عوَّدتُه، ولا سيَّما مَن قال: أطعِمْني الخبزَ. فأجْرِ الأمرَ على ما في الجريدة، واصبر على هذه المؤونة، فإمَّا عِشنا جميعًا، أو مِتنَا معًا.
قال: وقال أبو العباس: زهيرٌ أشعر شعراء الجاهلية، والحُطَيئة بعده، وجرير أشعر شعراء الإسلام، وبعده المرَّار الأسدي، وجرير في صدر الإسلام كزهير في صدر الجاهلية.
وقال أبو العباس: أنشدنا أبو عبد الله بن الأعرابيِّ:
ومؤلَّق أَنضجتُ كَيَّةَ رَأْسِه ... فتركتُه ذِفرًا كريح الجورب
مُتَرَبِّبًا كلبًا فقام يعَضُّه ... يا لَلرِّجال لكلبه المتربِّب
كالثور يُضرب أن تَعاف نعاجُه ... وجب العيافُ، ضَربْتَ أو لم يضرِب
الذَّفر، يقال للطِّيب والنتن، ومنه مسك أذفر. والأوْلق الجنون؛ أي تركته لا يُلتفت إليه. وكنتُ في فعلي به وإكرامي إياه كالذي ربَّى كلْبًا، فلما كبر عضَّه، فعجب الناس من ذلك. ثم قال: "كالثور" أي وكان في وضعه الأمر في غير موضعه كالثور الذي يوضع ضربُه في غير موضعه؛ لأنه إذا وردَتِ البقرُ فعافتِ الماءَ ولم تَرِدْه، ضُرِب حتى يَرِد، فتتبعه البقر؛ والنعجة البقرة.
وقال أبو بكر محمد بن يحيى الصوليُّ: مات أحمد بن يحيى ثعلب يومَ السبت لعشْر خَلَوْن من جُمَادى الأولى سنة إحدى وتسعين ومئتين؛ ودفن في مقابر باب الشام، وأوصى إلى عليِّ بن محمد الكوفيِّ مِن تلاميذه، وتقدَّم إليه في دفْع كتبه إلى أبي بكر أحمد بن إسحاق بن سعد القطربلي،
стр. 136
فقال إبراهيم الزَّجاج للقاسم بن عبد الله: هذه كتب جليلة، فلا تفوتنَّك. فتقدم القاسم إلى عليِّ بن عبيد الله رأس البَغْل أن يقوِّم الكتب ويأخذها له، فأحضر خيران الورَّاق فقوَّم ما يساوي عشرة دنانير بثلاثة دنانير، فبلغت أقل من ثلاثمئة دينار. فلما رأيتُ بعد ذلك -وقد أحضرنا لشراء كتب يبيعها ولد القاسم- ديوان مسائل الأخفش، وعليه بخط خيران أربعة دنانير، وعليه خطُّ أحمد بن يحيى: "كتبتُ إلى أبي حاتم السجستانيِّ أن ينسخ لي مسائل الأخفش كلها في النحو، فوجَّه إليَّ بهذه النسخة، وأعلمني أنه لم يَبْقَ له مسألة إلا وهي في هذا الكتاب" فبلغت الأجزاء، فأخذها بعض ولد القاسم، ولم يمكِّنَّا من شرائها.
قال محمد بن أبان بن سيِّد: وهي بخط ذي الرّمة ورّاق أبي حاتم. وقد رأيت هذه النُّسخة بين يدي أمير المؤمنين المستنصر بالله قبل ولايته، أتته من العراق.
قال أبو بكر محمد بن أبي الأزهر -واسمه يزيد-: توفي أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب ليلةَ السبت لثلاث عشرة ليلةً خلت من جُمادى الأولى، وكان دفنه صبيحة يوم السبت في حجرةٍ اشتريت له، وكان خلَّف أحدًا وعشرين ألف درهم وألفي دينار، ودكاكين بباب الشام قيمتها ثلاثة آلاف دينار، فرُدَّ مالُه على ابنة ابنته.
وقال الأوارجيُّ الكاتب: حدثني العَجْوَزِيّ قال: قال ثعلب: ولدتُ سنةَ مئتين.
وتوفي سنة إحدى وتسعين ومئتين، وفيها توفي أبو الحسين القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب وليُّ المدينة، وأبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات.
стр. 137
الطبقة السادسة
أصحاب ثعلب
٧٥ - هارون بن الحائك
هو هارون بن الحائك، وكان ضريرًا. قال هارون بن عبد العزيز الأوارجي الكاتب: حضر وليُّ الدولة أبو الحسين القاسم بن عبيد الله، ومحمد بن الحسين، وأبو الأسود الدِّينَوَرِيّ مجلسَ ثعلب، وكان في المجلس رجل مأفون، فاستحضروه وقالوا له: سل الشيخ عن قول الشاعر:
ألا يا ديْرَ درمالينْ ... سبيْت النَّفر الباسين
فإنَّ له معنى دقيقًا، فقام إلى أبي العباس فقال له: يا أبا العباس، مسألة. فقال: هاتها. قال: ما تقولُ في قول الشاعر: ... ؟ وأنشده البيت، فأعرَض عنه، فأمَره بمعاودته مرَّة أخرى، ففعل ذلك ثلاثَ مرات. ورآهم ثعلب يَضْحكون به، فغَضِب وطردهم من مجلسه، واستخفَّ بهم، وانصرفوا إلى عبيد الله بن سليمان وهو حينئذ منكوب، فأخبروه بما جَرى من الاستخفاف، فأقلقه، واعتقد لأبي العباس ثعلب سوءًا، فلما وَلِيَ الوزارة وجَّه إليه في الاختلاف إلى ولدِه، فأبى، فقال: تُنْفِذُ إليَّ بعضَ أصحابك. فوجَّه إليه بهارون بن الحائك الضَّرير، وكان يُوزَن بميزانِ ثعلبٍ في النحو، واستحضر عبيدُ الله بن سليمان الزَّجاجَ وقال لهما: أريدُ أن أَصطفيَ أفضلَكما في العلم، فتساءلا. فقال الزجاج لهارون: كيف تقولُ: "ضربتُ زيدًا ضربًا"؟ فقال: "ضربتُ زيدًا ضربًا". فقال: كيف تُكنِّي عن زيدٍ وعن الضرب! فأَقْحَمَه ولم يُجِبه وحار في يده، وانقطع انقطاعًا قبيحًا، فوجد عبيدُ الله بغيته، ونال محبَّتَه
стр. 138
في ثعلب، وصَرف هارون، واحتبس الزجاج مكايدةً لثعلب، حتى بلَّغه أفضلَ مبالغ النحويين.
وجواب هذه المسألة: ضربتُه إيَّاه. وهذا من أول النحو؛ وما كان هارونُ لِيذهبَ عليه ذلك؛ ولكنْ إذا أرادَ اللهُ أمرًا فلا بدَّ له؛ وكان سبب مَنِيَّتِه ما جرى له في هذا المجلس.
قال: وحضر هارون بن الحائك الضرير يومًا من أيام الجمعة في الجامع الغربيِّ بمدينة السلام، فأتاه ضريرٌ بصريٌّ يسألُه عن مسألةٍ، فأجابه هارون فيها على مذهب أهل الكوفة، فقال له البصريُّ: أخطأتَ. فضربه بعُكَّازِه فأدماه، فاستغاث الضريرُ البصريُّ بالسلطان، فأتاه بشُرطِيٍّ فقبض عليه، وصار به إلى مجلس المُجاشعيِّ صاحب الشرطة، وكان قد استخلف على الشرطة رجلًا من العجم، فقال له: ما تقول؟ فقال: كنتُ جالسًا أُفتِي الناس في علوم القراءات والنحو واللغة، فأتاني ضريرٌ سيِّئُ الأدب، فسألني عن مسألةٍ فأجبتُه عنها، فتجهَّم لي الجوابَ بالتخطئة، فأدَّبتُه مُجازاةً له على سُوءِ فعله. فبينا أنا على حالتي إذْ أتاني آتٍ فقال: السلطان يَدْعوك. فقال له العجميُّ: أنت يابن الزانية ضربتَني مرَّةً! ودعا له بالدّرّة فضربه بها ثلاثين، وحَبَسَه؛ فلما وقف المجاشعيُّ على خبرِه أطلقه، وأنكر على العجميِّ ما كان منه.
٧٦ - أبو موسى الحامض
هو أبو موسى محمد بن سليمان. وكان بارعًا في اللغة والنحو على مذهب الكوفيين، وكان في اللغة أبرعَ، وكان ضَيِّق الصَّدر سيِّئَ الخلق.
قال أبو عليٍّ إسماعيلُ بن القاسم البغداذيُّ: حدثني بعضُ أصحابنا قال: لمَّا توفي أبو العباس أحمد بن يحيى تقدَّم أبو موسى الحامض ليصلِّيَ عليه، فجذَبه ابنُ الحائك، وقال: أنت رجلٌ شَرِس، ومثلُك لا يصلح أن يُصلِّيَ على أبي العباس.
стр. 139
وتوفي ليلةَ الخميس لسبع بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثمئة، ودفن بمقبرة باب التِّبْن، وأوصى بدفاتره لابن فاتك المعتضِديِّ ضنًّا بها أن تصير إلى أحد.
٧٧ - المعبديّ
هو أحمد بن عبد الله المعبديّ، وهو من ولد مَعْبد بن العباس بن عبد المطلب، وكان بارعًا.
٧٨ - ابن كيسان
هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن كيْسان، وكان بصريًّا كوفيًّا، يحفظ القولَينِ، ويَعرفُ المذهبين. وكان أخَذَ عن ثعلب والمبرد، وكان ميلُه إلى مذهب البصريين أكثر.
قال أبو علي: وحدثني أبو بكر مَبْرَمان قال: قصدتُ ابنَ كيسان لأقرأ عليه كتاب سيبويه، فامتنع وقال: اذهبْ إلى أهلِه. يُشِير بذلك إلى الزَّجَّاج. وكان أبو بكر بن الأنباريِّ شديدَ التَّعصُّب على ابن كيسان والتَّنقُّصِ له، وكان يقول: خلط فلم يَضبِطْ مذهبَ الكوفيين، ولا مذهب البصريين. وكان يُفضِّل الزَّجَّاج عليه.
قال أبو علي: وسمعتُ أبا بكر بن مجاهد يقول: كان أبو الحسن بن كيسان أَنْحَى من الشَّيْخَينِ. يعني ثعلبًا والمبرّد.
وتوفي أبو الحسن يوم الجمعة لثمانٍ خلوْن من ذي القعدة سنة تسع وتسعين ومئتين.
٧٩ - أبو بكر بن الأنباري
هو أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن الأنباري. قال أبو علي: وكان يحفظ -فيما ذُكِر- ثلاثمئة ألف بيت شاهد في القرآن، وله أوضاع
стр. 140
شتَّى كثيرة، وكان ثقةً دَيِّنًا صدوقًا، وكان أحفظَ مَن تقدَّم من الكوفيين.
قال أبو بكر بن عبد الملك: وكان أبو بكر بن الأنباريّ شحيحًا، وكذلك أبو عبد الله نِفْطَويه؛ إلَّا أنه كان يُباشر الناسَ ويحضُر مجالسهم، وكان ابنُ الأنباريِّ لا يفعل ذلك، ويأكلُ في كلِّ يومٍ طَبَاهِجَةً تُصْلَحُ له بلحم أحمر ومُرِّيٍّ، وما أكل له أحدٌ شيئًا قطُّ، وكان في يَسارٍ وحال واسعةٍ، وكان لِنفطويه جَوارٍ منهنَّ قارئةُ الألحانِ، وكانت له بنتٌ، ولم يكن على ابنِ الأنباريِّ عِيال.
ووقف على ابن الأنباري يومًا في المسجد الجامع بالمدينة مدينة المنصور أبو يوسف الأقساميُّ فقال له: يا أبا بكر، قد أجمع سبعةُ فراسخَ ناس على شيء -يعني أهل بغداد-، فأَعطِني درهمًا حتى أخرِقَ الإجماعَ. فقال: وما هذا الإجماعُ يا أبا يوسف؟ قال: أجمع أهلُ هذا البلد عن آخرهم على أنك بخيل. فضحِك ولم يُعطِه شيئًا.
وتوفي في سنة سبع وعشرين وثلاثمئة. وفي بعض النسخ: توفي ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمئة يوم الأضحى.
٨٠ - نفطويه
هو أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عَرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلّب بن أبي صُفرة العَتَكِيّ الأزديّ المعروف بنفطويه.
وكان أديبًا مُتفنِّنًا في الأدب، حافظًا لنقائض جرير والفرزدق وشعر ذي الرُّمَّة وغيرهم من الشعراء. وكان يَرْوي الحديثَ، وكان ضعيفًا في النحو، وكان يخضِب رأسه ولحيته إلى أن مات.
وتوفي ببغداد سنة ثلاث وعشرين وثلاثمئة يوم الأربعاء لخمس خلون من صفر.
стр. 141
اللُّغويُّون البصريُّون
стр. 142
الطبقة الأولى
من اللغويين البصريين
٨١ - المنتجع الأعرابي
هو من بني نَبْهان من طيِّئٍ. قال الأصمعي: وسألتُ المنتجِعَ عن السَّمَيْدَعِ، فقال: هو السَّيِّدُ المُوطَّأُ الأكْنَاف.
٨٢ - أبو مهدية الأعرابي
وكان به عارضٌ من مَسٍّ. وقال أبو عبيدة: كان أبو مهدية يعلِّق عليه صوفًا وقَذَرًا، فنقول له: ما تريد إلى تعليق هذا عليك؟ فيقول: أنجاس، حتى يتنجَّس مني الموت فلا يقدِرُ عليَّ. وكذلك كانت ضَعَفَةُ الأعراب تفعل.
وهو معنى قول امرئ القيس:
لِيَجْعَل في كفِّهِ كَعْبَها ... حِذَارَ المنِيَّةِ أن يَعْطبا
يعني أنه كان يعلِّق عظام الأرنب خوف المنيَّة.
وذكر ابن سلَّامٍ أن أبا المهديَّة هذا من باهلة، وكان يضرب حنكيه يمينًا وشمالًا ويقول: اخسأنانِّ عنِّي. فسُئِل عن ذلك، فيقول: جنانٌ تَذْأمُنِي، أي تركبني.
٨٣ - أبو مالكٍ الأعرابيُّ
هو أبو مالك عمرو بن بكر الأعرابي، له كتاب في خَلْق الإنسان.
стр. 143
الطبقة الثانية
٨٤ - أبو عمرو بن العلاء المازني
كان أعلمَ باللغة وعلم القرآن والنحو في زمانه، وكان وَرِعًا، وكان يقول: كنتُ رأسًا والحسن بن أبي الحسن حيٌّ. وقد تقدَّم ذكرُه.
٨٥ - هشام بن القاسم
أبو مروان بن عبد الملك الفخَّار قال: حدَّثنا أبو حاتم، حدثنا الأصمعي قال: أدركتُ مَن أرضى وفوق الرِّضا: هشام بن القاسم، مولى بني غُبَر. وكان عالمًا بالشعر.
٨٦ - سماك بن حرب بن أبي سعيد
قال حماد الكاتب: كنا نأتي سِماك بن حرْب نسألُه عن الشِّعر، ويأتي أصحابُ الحديث؛ فيقبل علينا، ويدَعُهم، ويقول: هؤلاء ثقلاء.
٨٧ - عيسى بن عمر
قد مر ذكره.
стр. 144
الطبقة الثالثة
٨٨ - عباد بن كسيب
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
٨٩ - خلف الأحمر
هو خلف بن حيَّان الأحمر، مولى أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريِّ؛ يُكنَى أبا مُحرِزٍ، وكان من أعلم الناس بالشعر وأقدرِهم على قافية.
وحدَّثنا أبو عليٍّ قال: خَرج خلفٌ الأحمر يومًا على أصحابه، فأنشدهم قول النَّمِر بن تَوْلَب:
أَلَمَّ بصحبتي وهمُ هُجُوعٌ ... خيالٌ طارِقٌ من أمِّ حِصْنِ
وقال: لو كان مكان "مِن أُمِّ حِصْن": "مِن أُمِّ حَفْص"، كيف كان يكون قولُه بعده:
لها ما تشتهي عَسَلٌ مُصفًّى ... وإن شاءَتْ فحوارَى بسمْنِ
فقالوا: لا ندري. فقال:
* وإن شاءَتْ فحوارَى بلَمْصِ *
стр. 145
واللَّمْص: الفالوذَج. ثم أنشدهم قول النابغة الجَعْدي في صفة الفرس:
كأَن مقطّ شراسِيفهِ ... إلى طرف القُنْبِ فالمَنْقَبِ
فقال: لو كان مكان "فالمَنْقَب": "فالقَهْبَلِس" كيف يكون ما بعده:
لُطمْنَ بتُرْسٍ شديد الصِّفا ... ق من خشب الجَوْز لم يُثْقَبِ
فقالوا: لا ندري. فقال:
* من خشب الجَوْز والآبُنُسِ *
والقهبلس الذَّكَر.
وحكى ابن سلام في طبقات الشعراء قال: كنا إذا سمعنا الشعر من أبي مُحرِزٍ لا نبالي أن نسمعه من قائله.
قال أبو علي: وكان يقول القصائد الغُرَّ، ويُدخلها في دواوين الشعراء، فيقال: إنَّ القصيدة المنسوبة إلى الشَّنْفَرى التي أَوَّلُها:
أَقيمُوا بني أُمِّي صُدورَ رماحِكم ... فإنِّي إلى أَهلٍ سِوَاكُمْ لَأَمْيَلُ
هي له.
قال أبو علي: وكنتُ أنا كثيرَ التَّعطُّف للأصمعيِّ، فكنت أسأل أبا بكر بن دُرَيْدٍ كثيرًا عن خَلَفٍ والأصمعيِّ أيّهما أعلم؟ فيقولُ لي: خَلَفٌ،
следующие страницы →