← Тараджим

Тараджим · id 13235

طبقات النحويين واللغويين

الزبيدي، أبو بكر

Полный текст (285 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

حدثني أبو علي من حفظه قال: دخل الأصمعي على أبي عمرو الشيباني في منزله ببغداذ وهو جالس على جُلُودِ فِرَاء، فأوسع له أبو عمرو، فجرَّ الأصمعيُّ يَدَه على الفِرَاء ثم قال: يا أبا عمرو، ما يعني الشاعرُ بقوله: بِضَربٍ كآذان الفِرَاء فُضُولُهُ ... وطَعْنٍ كإِيزاغِ المَخاضِ تَبورُهَا فقال: هي هذه التي تجلسُ عليها يا أبا سعيد. فقال الأصمعي لمن حضر: يا أهل بغداذ، هذا عالمكم! والِفرَاءُ هاهنا جمعُ فَرَأ؛ وهو الحمار الوحشي، وكانت روايةُ أبي عمرٍو: "كآذان الفَرَاء"، فتغفَّله الأصمعي بغير روايته فزلَّ، ويقال: فرأ وفراء بالقصر والمدِّ. ١١٩ - اللِّحْيَانِيُّ هو علي بن حازم، وله كتاب في النوادر شريف. حدثني أبو علي إسماعيل بن القاسم البغداذي قال: كان الفرَّاءُ إذا أَمَلَّ كتابَه في "النَّوَادِر" ودخل اللِّحيانِيُّ أمسك عن الإملاء حتى يخرج، فإذا خرج قال: هذا أحفظُ النَّاسِ للنَّوادر. ١٢٠ - محمد بن زياد الأعرابي هو أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي، مولى العباس بن محمد بن علي بن العباس، وكان أحول، وكان ناسبًا نحويًّا كثير السماع، راوية

стр. 177

لأشعار القبائل، كثير الحفظ، لم يكن في الكوفيين أشبه برواية البصريين منه. وكان يَزْعُمُ أن الأصمعي وأبا عبيدة لا يُحسِنان قليلًا ولا كثيرًا. وقيل لأبي زيد الإقليدسيّ: لِمَ لَمْ تأتِ ابنَ الأعرابي، ولم تقرأ كتبه؟ قال: بلغني أنه يستنقص الشيخين. يعني الأصمعي وأبا عبيدة. ابن الغازي: حدثنا محمد بن الفضل بن سعيد بن سلْم، حدثني أبي قال: كان ابن الأعرابي يُؤدِّبُنا في أيام أبي سعيد بن سلْم، فكان الأصمعيُّ يأتينا مواصلًا، فيُناظِرُه ابنُ الأعرابيِّ فيرتجِلُ ذلك، وكان أعلمَ بالإعراب منه، وكان الأصمعيُّ يفتُر فيه ويُغريه بالشعر، ويُسلِكُه مَسْلكه في جهة المعاني، فإذا وقع هذا البابُ وبَرِئَ من الإعراب الْتَهَمَهُ فلم يَغْتَرِفْ من بحره. قال أبو حاتم: كان الأصمعي يأتي سعيد بن سلْم وابنُ الأعرابي مُؤدِّبٌ لولده، فيفارقُ المجلسَ، ويسألُه سعيد بن سلم الإملاءَ على ولدِه فيفعل، فإذا زال الأصمعي خرج ابن الأعرابي فيقول: اعرضوا عليَّ ما أفادكم الباهليُّ. قال: ثم يكتبه. قال محمد بن الفضل: لم يزل ابنُ الأعرابي عندنا مُرْمِدًا في علمه، غير مفارق للناس، حتى قدِم علينا أعرابٌ من اليمامة، ففاتَحهم الغريب ففتقوا له، وكان علمه الذي حصل في نحو من شهر. حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي قال: حدثنا أحمد بن عمران قال: كنتُ عند أبي أيوب أحمد بن محمد بن شجاع، وقد تخلَّف في منزله، فبعث غلامًا من غلمانه إلى أبي عبد الله بن الأعرابيِّ صاحب الغريب، يسأله المجيء إليه، فعادَ إليه الغلامُ فقال: قد سألتُه ذلك فقال لي: عندي قومٌ من الأَعراب، فإذا قضيتُ أَرَبِي معهم أتيتُ. قال الغلامُ: وما رأيتُ عندَه أحدًا، إلا أنَّ بين يديه كُتُبًا ينظر فيها، فينظر في هذا مرةً، وفي هذا مرةً، ثمَّ ما شَعَرْنا حتَّى جاء، فقال له أبو أيوب: يا أبا

стр. 178

عبد الله، سبحان الله العظيم! تخلَّفتَ عنَّا وحرمتَنا الأنس بك، ولقد قال لي الغلامُ: إنه ما رأى عندك أحدًا. وقد قلتَ له: أنا مع قومٍ من الأعراب، فإذا قضيتُ أَرَبِي معهم أتيتُ. فقال: لنا جلساءُ ما نملُّ حديثَهُم ... ألبَّاءُ مأمونون غَيْبًا ومشهدًا يُفيدوننا من علمِهم مثلَ ما مضى ... وعقلًا وتأديبًا ورأيًا مُسدَّدًا بلا فتنةٍ تُخشَى ولا سوءِ عِشْرَةٍ ... ولا نتَّقي منهم لسانًا ولا يدًا فإن قلتَ أمواتٌ فما أنت كاذبٌ ... وإن قلتَ أحياءٌ فلست مُفنّدًا أبو بكر بن عبد الملك قال: أخبرني جدِّي ﵀، حدثني أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابي أنه قال: سُمِّي الشَّجَرُ شَجرًا لاختلافِ أغصانه، ومنهُ: اشْتَجَرَتِ الرِّمَاحُ؛ إذا اختلفتْ بالطَّعنِ. وقد شَجَرَ بينهم أمرٌ؛ إذا اختلفَ. قال اللهُ -جلَّ اسمُه-: ﴿حَتَّى يُحكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَينَهُم﴾. قال ثعلبٌ: كان الأصمعيُّ يقول: "التَّوْم" بغير همز، و"هما تَوْمَانِ"، وكان ابن الأعرابي يقول: "التَّوْأَم" بالهمز، وهما "تَوْأَمَانِ". أنشدني أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابي: إلى اللهِ أشكُو مِن خَليلٍ أَوَدُّهُ ... ثلاثَ خِلَالٍ كلُّها لي غَائِضُ قال: أراد "غَائِظ"، وهو جائز في كلام العرب أن يعاقبوا الظاء بالضاد، و"غائظ" هاهنا ناقص، يريد: كلها يُغيِّرني عمَّا أنا عليه؛ والأول عليه تجري معاني الناس. وتوفي ابن الأعرابي سنة إحدى وثلاثين ومئتين. ١٢١ - أبو توبة وأخوه أبو العباس يروي عنه، اسمه زياد أبو توبة.

стр. 179

قال أبو العباس: كان أبو توبة مُؤدِّبًا لعمر بن سعيد بن سَلْم، فقدم الأصمعيُّ من البصرة، فنزل على سعيد بن سَلْم، فحضرَ يومًا وأخذ يُسائِلُه، فدعا سعيدٌ بأبي توبة، فجعل أبو توبة إذا مَرَّ شيءٌ من الغريب بادر إليه، فأتى بكل ما في الباب أو أكثره، فشقَّ ذلك على الأصمعيِّ فجعل يعدل إلى المعاني، فسأل أبا توبةَ عنها، فقال سعيدٌ: لا تتبعْه يا أبا توبةَ في هذا الفنِّ؛ فإنَّ هذه صناعتُه. قال: وما عليَّ إذا سألني عمَّا أحسنه أجيبه، وما لم أحسنه تعلمتُه. فجعل الأصمعيُّ يسأله، وأبو توبة يجيبه، حتى سأله عن هذا البيت: واحدةٌ أَعْضَلَكُمْ أَمرُها ... فكيف لو دُرتُ على أربعِ قال: ونهض الأصمعيُّ فدار على أربعٍ، يُلبِّسُ على أبي توبة، فأجابه أبو توبةَ بما يُشاكل ما أوهمه الأصمعيُّ، فضَحِك الأصمعيُّ من جوابه، وقال له سعيدٌ: ألم أقل لك يا أبا توبة! قال: ومعنى البيت: أنه تزوَّج امرأةً واحدةً، فقال: قد شقَّ عليكم أن تزوجتُ واحدةً، فكيف لو تزوجتُ أربعًا! ١٢٢ - محمد بن حبيب هو أبو جعفرٍ مولى العباس بن محمد العباسيّ، ورأيتُ مع بعض الكتب محمد بن حبيب بن المحبّر، يروي عن ابن الأعرابي، وله كتبٌ صحيحةٌ، قد مرَّ ذكرُه.

стр. 180

الطبقة الثالثة ١٢٣ - أبو عُبَيدٍ هو أبو عبيد القاسم بن سلام الخُزاعيّ. حدثنا قاسم بن أصبغ البيانيُّ قال: قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: أبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلَّامٍ مولًى للأزد من أبناء خُراسان، وكان مُؤدِّبًا، وولي قضاء طَرَسُوس أيامَ ثابت بن نصر بن مالك، ولم يزل معه ومع ولده، وحجَّ بعدما قدم من بغداذ، وبعدما صنَّف من كتبه ما صنَّف. قال عمرو بن بحر الجاحظ: ومن المعلمين، ثم الفقهاء والمحدثين، ومن النحويين والعلماء بالكتاب والسنة، والناسخ والمنسوخ، وبغريب الحديث، وإعراب القرآن، وممَّن قد جمع صنوفًا من العلم: أبو عُبيدٍ القاسمُ بنُ سلَّامٍ، وكان مُؤدِّبًا لم يكتب الناسُ أصحَّ من كُتُبه، ولا أكثرَ فائدةً. وحدَّث طاهرُ بنُ عبدِ العزيزِ، عن عليِّ بنِ عبد الوارث الصَّنعانيِّ، عن أحمد بن مقاتلٍ الهرويِّ: قال محمد بن نصر: سمعتُ إسحاقَ بن إبراهيم بن راهويه الحنظليَّ يقول: يحبُّ اللهُ الحقَّ، أبو عبيدٍ أعلمُ منِّي ومِن أحمدَ بنِ حنبل، ومحمدِ بنِ إدريسَ الشافعيِّ. قال البخاري محمد بن إسماعيل: أبو عبيد البغداذيُّ سمع من شريك ويحيى القطان. قال أبو بكر: حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا أحمد بن خالد قال: حدثنا مروان قال: سمعتُ الصَّاغانيَّ قال: سمعتُ أبا عبيدٍ يقول: ما كان عليَّ مِن حفظِ خمسين حديثًا مَؤونةٌ. وسمعتُ أبا إسحاق يقول: لم يكن عند أبي عبيد ذلك البيان، إلا أنه إذا وضع وضع. قال مروان: سمعتُ الدُّوريَّ يقول: سمعتُ أبا عبيدٍ -وذاكروه عن رجلٍ

стр. 181

من أهل السُّنَّةِ يقول: هذه الأحاديثُ الَّتي تُروى في الرُّؤية، والكُرسيِّ، وموضعِ القدمين، وضحك ربِّنا من قنوطِ عباده، وإنَّ جهنمَ لتمتلئ ... وأشباهُ هذه الأحاديث. فقالوا: إنَّ فلانًا يقول: يقع في قلوبنا أنَّ هذه الأحاديث حقٌّ. قال أبو عبيد: ضعَّفتم عندي أمرَه، هذه حقٌّ لا شكَّ فيها، رواها الثقاتُ بعضهم عن بعض، إلَّا أنَّا إذا سُئِلنا عن تفسير هذه الأحاديث لم نُفسِّرْها، ولم يدرك أحدٌ تفسيرَها. قال أبو سعيد بن الأعرابي: سمعتُ عبَّاسًا الدُّوريَّ يقول: سمعتُ أبا عبيدٍ يقول: عاشرتُ النَّاس، وكلمتُ أهلَ الكلام، فما رأيتُ قومًا أضعفَ ولا أوسخَ ولا أقذرَ ولا أضعفَ حُجَّةً ولا أحمقَ مِن الرَّافِضةِ!! ولقد وُلِّيتُ قضاءَ الثّغْر، فأخرجتُ منهم ثلاثةً؛ جَهْمِيَّيْنِ وَرَافِضِيًّا، أو رَافِضِيَّيْنِ وَجَهْمِيًّا، وقلتُ: مثلُكم لا يُجاوِرُ الثُّغورَ. حدَّث بذلك أحمد بن خالد، عن مروان الفخَّار، عن عباسٍ الدُّوريِّ وعليِّ بنِ مُغيرةَ الأثرمِ. قال طاهر بن عبد العزيز: سمعتُ عليَّ بنَ عبدِ العزيزِ يقول: تُوُفِّيَ أبو عبيدٍ في المحرم سنة أربع وعشرين ومئتين بمكة، في دور جعفر بن محمد، وعاش ثلاثًا وسبعين سنةً. وروى أحمد بن نصر الفَروِيُّ، عن محمد بن أسامة، عن عليٍّ قال: قدم أبو عبيد مكة حاجًّا، فلما انقضى حجُّه وأراد الانصراف؛ أَكْرَى إلى العراق ليخرجَ صبيحةَ الغدِ، قال أبو عبيد: فرأيتُ النبيَّ ﷺ في رؤيايَ وهو جالسٌ وعلى رأسه قومٌ يحجبونه، والناسُ يدخلون عليه، ويسلِّمون عليه، ويصافحونه، قال: فكلما دنوتُ أدخل مع الناس مُنِعتُ، فقلتُ لهم: لِمَ لا تُخلُّوا بيني وبين رسول الله ﷺ ؟ فقالوا لي: لا والله؛ لا تدخل عليه، ولا تُسلِّم عليه وأنت غدًا خارجٌ إلى العراقِ. قال: فقلتُ لهم: إنِّي لا أخرجُ إِذًا. فأخذوا عهدي، ثمَّ خلُّوا بيني وبين النبي ﷺ ، فدخلتُ وسلمتُ وصافحتُ. قال عليٌّ: فلما أصبح أبو عبيد، فَاسَخَ كَريَه، وسكن مكة حتى توفي بها، ودفن فيها.

стр. 182

قال عبد الله بن طاهر: علماء الإسلام أربعةٌ: عبد الله بن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والقاسم بن معن في زمانه، والقاسم بن سلام في زمانه. ولما أتاه نعيُ أبي عبيدٍ، قال: يا طالبَ العلمِ قد ماتَ ابنُ سلَّامِ ... وكانَ فارسَ علمٍ غيرَ مِحْجَامِ مات الذي كان فيكم ربعَ أربعةٍ ... لم تلقَ مثلَهُمُ إِسْتَارَ أحكامِ خير البرية عبدُ اللهِ أوَّلُهم ... وعامرٌ، ولنعم الثِّنْيُ يا عامِ هما اللَّذان أنافا فوق غيرهما ... والقاسمانِ: ابنُ معنٍ، وابنُ سلَّامِ فازا بقدحٍ متينٍ لا كفاءَ له ... وخلَّفاكم صفوفًا فوق أقدامِ قال عليُّ بنُ عبدِ العزيز: حضرتُ أبا عبيدٍ ببغدادَ، حتى جاءه رجل يخدُم السلطان، فجثا بين يديه وقال: بعثني الأمير طاهر بن عبد الله بن طاهر وبَلَغَه عنكَ عِلَّةٌ، وقد أتيتُكَ بمتطببٍ. فكشف أبو عبيدٍ سراويلَه عن ساقيه وبه قرحٌ، فقال له المتطبب: هذه مِرَّةٌ بين الجلدين، كم أتى عليكَ؟ فقال أبو عبيد: وما في هذا ممَّا يُستفادُ؟ قال: لأحمل الدَّواء على قدر القُوَى. فقال -وعقد بيده-: ثمانيًا وستين. قال لنا عليٌّ: قال أبو عبد الرحمن اللحية -صاحبُ أبي عبيدٍ-، وقد جاوزَ دارَ رجلٍ من أهل الحديث كان يكتبُ عنه الناسُ، وكان يُزَنُّ بشَرٍّ: إنَّ صاحبَ هذه الدارِ يقولُ: أخطأ أبو عبيدٍ في مئتي حرفٍ من المُصنَّفِ. فقال عليٌّ: فحَلُم أبو عبيدٍ ولم يقع في الرجلِ بشيءٍ ممَّا كان يَعرِف مِن عيوبه، وقال: في "المُصنَّفِ" مئة ألف حرف؛ فإن أخطئْ في كلِّ ألفٍ حرفين، فما هذا بكثيرٍ مما أُدرِكَ علينا، ولعلَّ صاحبَنا هذا لو بدا لنا فناظرناه في هذه المئتين بزعمه، لوجدنا لها مخرجًا. وروى ابن النحاس، عن ابن سليمان الأخفش، عن عباسٍ الخياط قال: كنتُ

стр. 183

مع أبي عبيدٍ، فجاز بدار إسحاقَ بنِ إبراهيم الموصلي، فقال: ما أكثر علمَه بالحديث والفقه والشعر، مع عنايته بالعلوم! فقلت: إنَّه يذكرك بضدِّ هذا. قال: وما ذاك؟ قلتُ: ذكر أنك صحَّفتَ في المُصنَّفِ نَيِّفًا وعشرين حرفًا. فقال: ما هذا بكثير، في الكتاب عشرة آلاف حرف مسموعة، فغلط فيها بهذا ليسير، لعلِّي لو نُوظِرتُ عنها لاحتججتُ فيها. ولم يذكر إسحاقَ إلا بخيرٍ. قال أبو بكر محمد بن الحسن الزُّبَيْدِيُّ: ولما اختلفت هاتان الروايتان في العدد، أمرني أمير المؤمنين ﵁ بامتحان ذلك، فعددتُ ما تضمَّن الكتابُ من الألفاظ، فألفيتُ فيه سبعة عشر ألف حرف وتسعمئة وسبعين حرفًا. ١٢٤ - يَعقوبُ بنُ السِّكِّيتِ هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق السكيت. حدثني أبو عليٍّ إسماعيل بن القاسم البغداذيُّ قال: حدثني أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن بشار الأنباري، عن أبيه، عن أحمد بن عبيد قال: شاورني أبو يوسف يعقوبُ بن السكيت في منادمة المتوكل، فنهيتُه، فحمل قولي على الحسد، وأجاب إلى ما دُعِي إليه من المنادمة، فبينما هو معه في بعض الأيام إذ مَرَّ ابنانِ للمتوكل، فقال له: يا يعقوب، مَن أحبُّ إليكَ: ابنايَ هذانِ، أمِ الحسنُ والحسينُ؟ فغضَّ مِن ابنيه، وذكر الحسنَ والحسينَ بما هما أهلُه، فأمر الأتراك فدِيسَ بطنُه، فحُمِل وَقيذًا، وعاش يومًا وبعضَ يومٍ. قال عبد الله بن عبد العزيز بن القاسم: نهيتُ يعقوبَ بن السكيت حين شاورني فيما دعاه إليه المتوكل من مُنادمته، فلم يَقْبَلْ قولي، فلما عرضَ له ما عرضَ قلتُ: نهيتُك يا يعقوبُ عن قُرْبِ شادنٍ ... إذا ما سَطَا أَرْبى على أم قَشْعَمِ

стр. 184

فذُقْ واحْسُ ما اسْتَحْسيتَه، لا أقول إذْ ... عثرت: لعا! بل لليدين وللفم قال ابنُ النَّحَّاسِ: كان أول الكلام مُزاحًا، وكان ابنُ السِّكِّيتِ يتشيَّع. قال أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه: حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد، عن أبي عثمان المازني قال: اجتمعتُ مع يعقوب بن السكيت عند محمد بن عبد الملك الزيات، فقال محمد بن عبد الملك: سَلْ أبا يوسف عن مسألةٍ. فكرهتُ ذلك، وجعلتُ أتباطأُ وأدافعُ مخافةَ أن أُويِسَهُ؛ لأنه كان لي صديقًا، فألحَّ عليَّ محمدُ بنُ عبد الملكِ، وقال: لِمَ لا تسألُه؟ فاجتهدتُ في اختيار مسألةٍ سهلةٍ؛ لأقارب يعقوبَ، فقلتُ له: ما وزنُ "نَكْتَلْ" مِن الفعل من قول الله : ﴿أَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ فقال: "نَفْعَلْ". فقلتُ له: ينبغي أن يكونَ ماضيه "كَتَلَ"! فقال: لا، ليس هذا وزنه، إنما هو "نَفْتَعِلْ". فقلتُ له: فَنَفْتَعِل كم حرفًا هو؟ قال: خمسة أحرف. فقلتُ له: فَنَكْتَلْ كم حرفًا هو؟ قال: أربعة أحرف. قلتُ: فكيف تكون أربعةُ أحرفٍ بوزنِ خمسةٍ؟! فانقطع وخَجِل وسَكَتَ، فقال محمد بن عبد الملك: فإنما تأخذ كلَّ شهرٍ ألفي درهم على أنك لا تُحسِن ما وزنُ "نَكْتَلْ"!! فلما خرجنا قال لي يعقوب: يا أبا عثمان، هل تدري ما صنعتَ؟ فقلتُ له: والله لقد قاربتُك جهدي، وما لي في هذا ذنب. وقال لي أبو بكر -وقد سئل عن تاريخ أبي يوسف، وسِنِّهِ-: فقال لي: حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن نصر الضُّبَعِيُّ -وذكر أمر وفاته فقال: كان سبب ذلك أنه حضر مجلس النِّدام للمتوكل، فدخل عليه ابناه المعتز والمؤيد، فقال له: يا يعقوب، أيُّما خير: الحسين والحسن، أم هذان؟

стр. 185

فقال له يعقوب: قَنْبرٌ خيرٌ منهما، في كلام جرى قد ذكره أبو جعفر الضُّبَعِيُّ نَدَّ عن حِفظي بعضُ ألفاظِه، فأمر به المتوكل فدِيس بطنُه، وحُمِل ميِّتًا في بساط، ووُجِّه إلى منزلِه، ووَجَّه المتوكلُ إلى ابنه بعشرة آلاف درهم، ولم يكن يعقوبُ بلغ ثمانين. قال أبو العباس: كان سبب قعود يعقوب بن السكيت وقصدهم إياه أنه عمل شعر أبي النجم العِجْلي وجوَّده، فقلتُ: ادفعه إليَّ لأنسخه. فقال: عليَّ يمين يا أبا العباس بالطلاق أنه لا يخرج من يدي، ولكنه بين يديك فانسخه. فقلت له: فأحضر يوم الخميس. فلما وصلتُ عرف أصحابنا فحضروا بحضوري، ثم انتشر ذكر ذلك فحضر الناس. وحكى عليُّ بنُ الفراء المصري: أنه توفي يعقوب بن السكيت في سنة أربع وأربعين ومئتين. ١٢٥ - عمرو بن أبي عمرو الشيباني توفي سنة إحدى وثلاثين ومئتين. ١٢٦ - أحمد بن عبيد هو أبو جعفر أحمد بن عبيد بن ناصح، يعرف بأبي عَصِيدةَ. ١٢٧ - أبو موسى السامري هو أبو موسى هارون بن الحارث السامري.

стр. 186

الطبقة الرابعة ١٢٨ - أبو محمد ثابت بن أبي ثابت وممن أخذ عن أبي عبيد القاسم بن سلام: أبو محمد ثابت بن أبي ثابت. ١٢٩ - الطوسي هو علي بن عبد الله الطوسي، وكان من أعلم أصحاب أبي عبيد. ١٣٠ - أبو عبد الرحمن أحمد بن سهل ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ١٣١ - أحمد بن عاصم ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ١٣٢ - علي بن ثابت بن أبي ثابت ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 187

١٣٣ - أبو منصور نصر بن داود الصاغاني ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ١٣٤ - محمد بن وهب المسعري ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ١٣٥ - محمد بن سعيد الهروي ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ١٣٦ - محمد بن المغيرة البغداذي ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ١٣٧ - عبد الخالق بن منصور النيسابوري ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 188

١٣٨ - أحمد بن يوسف الثعلبي ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ١٣٩ - أحمد بن القاسم ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ١٤٠ - إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الرحمن البغوي ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ١٤١ - علي بن عبد العزيز ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ١٤٢ - أحمد بن يحيى ثعلب ومن هذه الطبقة: أحمد بن يحيى ثعلب، وقد مر ذكره.

стр. 189

١٤٣ - محمد بن الحسن الأحول كان يورق بالأجرة، وكان قليل الحظ من الناس، وجمع دواوين مئة وعشرين شاعرًا. ١٤٤ - بندار الأصبهاني قال أبو علي إسماعيل بن القاسم: سمِع مِن بندارٍ: ابنُ كيسان. قال أبو عليٍّ: حدثني أبو بكر محمد بن القاسم، عن أبيه القاسم قال: كان بندارٌ يحفظ مئة قصيدة أول كل قصيدة: "بانت سعاد". ١٤٥ - القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن الأنباري والد أبي بكر، كان مُحدِّثًا ثقةً، صاحبَ لغةٍ وعربيَّةٍ، وبرع ابنه وألَّف الكتبَ، وسُمِع عليه في حياتِه؛ لأنَّ أبا بكر كان يُملي سنةَ ثلاثمئة وسنة إحدى وثلاثمئة. وتوفي القاسم ببغداذ، سنة أربع وثلاثمئة. ١٤٦ - عبد الله بن رستم مستملي يعقوب. ١٤٧ - أبو الفوارس المرورُّوذِيُّ هو داود بن محمد بن صالح أبو الفوارس المرورُّوذِيُّ. توفي بمصر سنة ثلاث وثمانين ومئتين.

стр. 190

الطبقة الخامسة ١٤٨ - أبو عمر المطرّز وممَّن روى عن ثعلب: أبو عمر المطرّز؛ وهو أبو عمر محمد بن عبد الواحد، يعرف بغلام ثعلب، توفي ببغداذ سنة خمس وأربعين وثلاثمئة. ١٤٩ - محمد بن الحسن هو محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن بن مِقسمٍ العطار المقرئ. ١٥٠ - أبو عبد الله الحسين بن أحمد الفزاري ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 191

النحويون واللغويون المصريون

стр. 192

الطبقة الأولى من النحويين واللغويين المصريين ١٥١ - ولاد المصادري التميمي هو الوليد بن محمد التميمي المصادري، أصله بصري ونشأ بمصر، ورحل إلى العراق، وسمع بها على العلماء، ولم يكن بمصر كبير شيء من كتب النحو واللغة قبله. حدثني محمد بن يحيى النحوي قال: بلغني أن ولَّادًا كان يأخذ النحو عن رجل من أهل مدينة النبي ﷺ ، ولم يكن المدنيُّ من الحُذَّاقِ بالعربية، فسمع ولادٌ بالخليل بن أحمد، فرحل إليه فلقيه بالبصرة، وسمع منه ولازمه، ثم انصرف إلى مصر، وجعل طريقه على المدينة، فلقي مُعلِّمه فناظره، فلما رأى المَدَنِيُّ تدقيقَ ولاد للمعاني وتعليله في النحو قال: لقد ثقبتَ يا هذا بعدنا الخردل. قال أبو بكر: وقد بلغني أنَّ صاحب هذه القصة هو المهلبيُّ تلميذ الخليل، وهو الذي كان يهاجي عبد الله بن أبي عُيَيْنَةَ. ١٥٢ - محمود بن حسان أخذ عنه أبو الحسين محمد بن الوليد. ١٥٣ - أبو الحسن الأعز أخذ عن علي بن حمزة الكسائي، ولقيه قوم من أهل الأندلس، وحملوا عنه، وذلك سنة سبع وعشرين ومئتين.

стр. 193

الطبقة الثانية ١٥٤ - الدِّينَوَرِيُّ هو أبو علي أحمد بن جعفر، قدم مصر، وأصله من الدِّينَوَرِ، وقدم البصرة فأخذ عن المازني وحمل عنه كتاب سيبويه، ثم رحل إلى بغداذ فقرأ على أبي العباس المبرد كتاب سيبويه، ثم نزل مصر، وكان خَتَنَ أبي العباس ثعلب زوج ابنته، وكان يخرج من منزل خَتَنِه أبي العباس فيتخطَّى أصحابَه، ويمضي ومعه مِحْبَرَتُه ودفتره فيقرأ كتاب سيبويه على أبي العباس المبرد، فكان يعاتبه أحمد بن يحيى ثعلب على ذلك ويقول: إذا رآك الناس تمضي إلى هذا الرجل وتقرأ عليه، يقولون ماذا!! فلم يكن يلتفتُ إلى قوله. وكان أبو علي حسن المعرفة، ثم قدم مصر وألَّف كتابًا في النحو سماه المُهذَّب، وجلب في صدره اختلاف البصريين والكوفيين، وعزا كل مسألة إلى صاحبها، فلم يعتلَّ لواحد منهم ولا احتج لمقالته، فلما أمعن في الكتاب ترك الاختلاف، ونقل مذهب البصريين، وعول في ذلك على كتاب الأخفش سعيد. وله كتاب مختصر في ضمائر القرآن، استخرجه من كتاب المعاني للفراء. ولما قدم علي بن سليمان الأخفش مصر، خرج عنها أبو علي الدينوري، ثم عاد إليها بعد خروج الأخفش إلى بغداذ. وتوفي أبو علي الدينوري بمصر سنة تسع وثمانين ومئتين، وعنه أخذ أبو الحسين بن ولاد وغيره. ١٥٥ - أبو بكر بن المزرّع هو أبو بكر يموت بن المزرّع، وكان سكنه في رحبة الزَّنبرِيّ، ولقي أبا حاتم، والرياشيَّ، وعبدَ الرحمن بن أخي الأصمعي، ورُفَيْعَ بنَ سلَمة؛ وأخذ عن عمرو بن بحر الجاحظ.

стр. 194

قال أبو بكر: وحدثني أبو بكر محمد بن معاوية القرشي، حدثنا أبو بكر بن المزرَّع، حدثنا رُفَيع بن سلمة قال: قال أبو عبيدة: كان في مقبرة بني حِصْن مَكَارِيٌّ يقال له: "نابٌ". يحمل النساءَ على حمار له، وكانت به عُجمة، فمر به الفرزدقُ ومعه ابنه لَبَطَة، فقال له: يا نابُ، كم علا ظهرَ هذا الحمار مِن كَعْثَبٍ نفيسٍ! فقال له: نعم يا مولاي، ما زالت النَّوارُ تركبُه. فقال لَبَطَةُ لأبيه: عرَّضتَنا لهذا العِلْج يا أبَهْ! حدثنا يموت بن المزرّع، حدثنا محمد بن حُمَيد، عن أبي عبيدة قال: لما مات الحجاج رثاه الفرزدق فقال: ابكِ على الحجَّاجِ عَولكَ ما دجا ... ليلٌ بظُلْمَتِه ولاحَ نَهَارُ إنَّ القبائلَ من نِزارٍ أصبحتْ ... وقُلُوبُها جَزَعًا عليكَ حِرَارُ لهْفى عليكَ إذا الطِّعَانُ بمأْزِقٍ ... تركَ القَنَا وطوالُهُنَّ قِصارُ إنَّ الرَّزيَّةَ من ثقيفٍ هالِكٌ ... ترك العُيُونَ ونَومُهُنَّ غِرارُ حدثنا يموت، حدثنا الرياشي قال: سمعت الأصمعي يقول: أنشدتُ يونسَ بنَ حبيبٍ يومًا: إنَّ الرِّياحَ لَتُمسي وهي فاترةٌ ... وجُودُ كفِّك قد يُمسِي وما فَتَرَا فقال لي يونسُ: مَن يقولُ هذا؟ فقلتُ: الفرزدقُ. فقال: ويلك! فيمن؟ فقلتُ: في بشرِ بنِ مروانَ. قال: كان واللهِ الفرزدقُ مِن مدَّاحي العربِ. ١٥٦ - أبو زهرة هو عبد الله بن فزارة النحوي، توفي سنة اثنتين وثمانين ومئتين.

стр. 195

١٥٧ - أبو الحسين هو محمد بن الوليد بن ولَّاد التميمي، أخذ عن أبي علي الدينوري، وعن محمود بن حسان، وغيرهما بمصر، ثم رحل إلى العراق وأقام بها ثمانية أعوام، ولقي المبرد وثعلبًا، وكان حسنَ الخطِّ، صالح الضبط، وتزوَّج أبو عليٍّ الدِّينوريُّ أُمَّه. وله في النحو كتابٌ سماه "المُنمَّق" لم يصنع فيه شيئًا، وقرأ على المبرد كتابَ سيبويه. أبو بكر: وحدثنا محمد بن يحيى النحوي الرياحي، حدثنا أبو القاسم بن ولَّادٍ قال: رحل أبي أبو الحسين محمد بن ولَّاد إلى العراق -وفيها أهله- لأخذ كتاب سيبويه عن أبي العباس المبرد، وكان المبرّد لا يُمكِّن أحدًا من نُسخَتِه، وكان يَضَنُّ بها ضَنًّا شديدًا، فكلَّم ابنَه فيه على أن يجعل له في كل كتاب منه جُعلًا قد سمَّاه، فأجابه إلى ذلك، فأكمل نسخَه. ثمَّ إنَّ أبا العباس ظهر على ذلك بعدُ، فسعى بأبي الحسين إلى بعض خدمة السُّلطان ليحبسه له، ويعاقبه في ذلك، فامتنع منه أبو الحسين بصاحب خراج بغداذ فيها يومئذ، وكان فيها أبو الحسين يُؤدِّب ولده، فأجاره منه، ثمَّ إنَّ صاحب الخراج أَلَظَّ بأبي العباس يطلب إليه أن يقرأ عليه أبو الحسين الكتاب، حتى فعل. فقرأتُه أنا على أبي القاسم ابنه، وهو ينظرُ في ذلك الكتاب بعينه، وقال لي: قرأتُه على أبي مرارًا؛ هذا كله في الأولى. وتوفي أبو الحسين سنة ثمان وتسعين ومئتين، وكان قد بلغ الخمسين، وغلب الشيب عليه، وكان يَخْمَع من رجله. ١٥٨ - أبو الطاهر هو أحمد بن إسحاق الحميري، ويعرف بالجبر، وتوفي سنة إحدى وثلاثمئة.

стр. 196

الطبقة الثالثة ١٥٩ - أبو العباس بن ولَّاد هو أحمد بن محمد بن الوليد بن محمد التميمي، وكان بصيرًا بالنحو، أستاذًا فيه، ورحل إلى بغداذ، ولقي أبا إسحاق بن السَّرِيِّ الزَّجَّاج وغيره، وأخذ عنهم. سمعتُ إسماعيل بن القاسم قال: كان أبو إسحاق الزجاج يُفضِّل أبا العباس بنَ ولَّاد ويُقدِّمه على أبي جعفر النحاس، وكانا جميعًا تلميذيه، وكان الزجاج لا يزال يُثني على مَن قَدِم بغداذَ مِن المصريين، ويقول: لي عندكم تلميذٌ؛ من حاله وشأنه ... فيقالُ له: أبو جعفر بن النحاس؟ فيقول: لا، هو أبو العباس بن ولاد. حدثني محمد بن يحيى الرياحي قال: بلغني أن بعض ملوك مصر جمع بين أبي العباس بن ولاد، وبين أبي جعفر بن النحاس، وأمرهما بالمناظرة، فقال ابن النحاس لأبي العباس: كيف تبني مثلَ "افْعَلَوْتُ" مِن "رَميتُ"؟ فقال له أبو العباس: أقول: "ارْمَيَيْت". فخطَّأه أبو جعفر وقال: ليس في كلام العرب "افْعَلَوْت"، ولا "افْعَلَيْت". فقال أبو العباس: إنما سألتَني أن أُمثِّلَ لك بِناءً فَفعلتُ. وإنَّما تغفَّله بذلك أبو جعفر. قال أبو بكر: وأحسنَ أبو العباس بن ولاد في قياسه، حين قلب الواوَ ياءً، وقال في ذلك بالمذهب المعروف؛ لأن الواو تنقلب في المضارعة ياءً لو قيل، ألا ترى أنك كنتَ تقول فيه: "يَرْمِي"، فلذلك قال: "ارْمَيَيْت"، ولم يقل: "ارْمَيَوْت"! والذي ذكره أبو جعفر أنه لا يقال: "افْعَلَيْت" صحيحٌ، فأما "ارْعَوَيْت"، و"اجْأَوَيْت" فهو على مثال "افْعَلَلْت" مثل: "احْمَرَرْت"، وانقلبت الواو الثانية ياءً لانقلابها في المضارعة، أعني "يَرْعَوِي"، ولم يلزمها الإدغام كما لزم "احْمَرَّ"؛ لانقلاب المثل الثاني ألفًا في "ارْعَوَى".

стр. 197

وقد بينتُ ذلك في كتابي المؤلَّف في "أبنية الأسماء والأفعال"؛ وقد كان الأخفشُ سعيدٌ يبني من الأمثلة ما مثل له، وسئل أن يبني عليه؛ وإن لم يكن ذلك في كلام العرب؛ وفي ذلك حجة لأبي العباس بن ولاد فيما تغفله فيه أبو جعفر، وإن كان قولًا قد رغب عنه جماعة من النحويين. وتوفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمئة. ١٦٠ - أبو القاسم بن ولاد هو عبد الله بن محمد بن الوليد، وكان دون أخيه في العلم، وكان عنده كتاب أبي الحسين أبيه الذي انتسخ من أصل المبرد، وكان يُقرأ عليه الكتاب بعد أخيه أبي العباس. ١٦١ - أبو جعفر بن النحاس هو أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل المعروف بالنحاس، أخذ عن أبي إسحاق الزجاج. وكان واسع العلم، غزير الرواية، كثير التأليف؛ ولم تكن له مشاهدة، فإذا خلا بقلمه جود وأحسن. وله كتب في القرآن مفيدة، منها كتاب معاني القرآن، وكتاب إعراب القرآن، جلب فيه الأقاويل، وحشد الوجوه، ولم يذهب في ذلك مذهب الاختيار والتعليل، وكان لا يتكبر أن يسأل الفقهاء وأهل النظر ويفاتشهم عما أشكل عليه في تأليفاته، وكان يحضر حلقة ابن الحداد الشافعي، وكانت لابن الحداد ليلة في كل جمعة يُتكَلَّم فيها عنده في مسائل الفقه على طرائق النحو، فكان لا يدع حضور مجلسه تلك الليلة. وله كتاب في تفسير أسماء الله أحسن فيه، ونزع في صدره بالاتباع للسنة والانقياد للآثار. وله في ناسخ القرآن ومنسوخه كتاب حسن،

стр. 198

وكتاب في اختلاف البصريين والكوفيين في النحو، سماه "المُقْنِع"، وكتاب في أخبار الشعراء. حدثني قاضي القضاة منذر بن سعيد قال: أتيتُ ابنَ النحاس في مجلسه، فألفيتُه يملي في أخبار الشعراء شعر قيس بن معاذ المجنون، حيث يقول: خَلِيلَيَّ هَلْ بِالشَّامِ عَينٌ حَزِينةٌ ... تُبَكِّي على نَجدٍ لَعلِّي أعينُها قَدَ اسْلمها الباكون إلَّا حمامةً ... مُطَوَّقَةً باتت وبات قرينُها فلما بلغ هذا الموضع قلتُ: باتا يفعلانِ ماذا، أعزك الله! فقال لي: وكيف تقول أنت يا أندلسي؟ فقلتُ: "بانت وبان قرينها" فسكت. قال القاضي: فما زال يستثقلني بعدها حتى منعني "العَيْنَ"، وكنتُ ذهبتُ إلى الانتساخ من نسخته، فلما قطع بي قيل لي: أين أنتَ مِن أبي العباس بن ولَّادٍ؟ فقصدتُه فوجدتُ رجلًا كاملَ العلم والأدب، حسنَ المروءة، وسألته الكتاب، فأخرجه إليَّ، ثم تقدَّم أبو جعفر النحاس حين بلغه إباحة أبي العباس كتابه إليَّ، وعاد إلى ما كنت أعرفه منه. وكان أبو جعفر لئيمَ النفس، شديدَ التقتير على نفسه، وكان ربما وُهِبت له العمامة، فيقطعها على ثلاث عمائم. وكان يلي شراء حوائجه بنفسه، ويتحامل فيها عن أهل معرفته. وتوفي بمصر سنة سبع وثلاثمئة. ١٦٢ - أبو النضر هو محمد بن إسحاق بن أسباط، أخذ عن الزجاج، وله كتاب في النحو سماه كتاب "العيون والنكت"، ذهب فيه إلى حد الاسم والفعل والحرف، وتلا ذلك بذكر شيء من أبواب الياء والواو، ولم يصنع فيه شيئًا.

стр. 199

١٦٣ - عَلَّان هو علي بن الحسن. حدثني محمد بن يحيى قال: كان عَلَّان من ذوي النظر والإدقاق في المعاني، وكان قليل الحفظ لأصول النحو، فإذا حفظ الأصل تكلم عليه بكلام حسن، وجود في التعليل، ودقق في القول ما شاء. وتوفي بمصر، في شوال سنة سبع وثلاثين وثلاثمئة.

стр. 200

النحويون واللغويون القرويون

стр. 201

الطبقة الأولى من النحويين واللغويين القرويين ١٦٤ - أبو مالك الطِّرِمَّاح هو أمان بن الصّمصامة بن الطِّرِمَّاح بن حكيم، وكان شاعرًا عالمًا باللغة، حافظًا لشعر جدِّه. قال أبو علي الحسن بن أبي سعيد البصري: كانت المهالبة أيام ولايتهم إفريقية تكرم أبا مالك. واطرحه ابن الأغلب إذ صار إليه الأمر؛ لهجاء جده الطِّرِمَّاح بن تميم. وقال له ابن فروخ -وكان يجالسه كثيرًا-: لِم قيل لجدك: "الطِّرِمَّاح"؟ وما "الطِّرِمَّاح" في كلام العرب؟ فقال: أما في كلامنا -معشر طيئ- فإنه الحية الطويل، أنشد أبو عمرو الشيباني في الطِّرِمَّاح: * فهو طِرِمَّاحٌ قليلٌ طَبَعُهْ * * مثلُ الحصان جِيبَ عنه بُرْقُعُهْ * * يُزَعزِع الدَّلْوَ ولا تُزَعْزِعُهْ * وقال أحمد بن أبي الأسود النحوي: حدثني أبو الوليد المهري قال: أبطأتُ عن أبي مالك بن الصَّمْصَامَةِ -وكان مريضًا-، فكتب إليَّ بهذه الأبيات: أبلِغ المهريَّ عنِّي مألُكًا ... أنَّ دائي قد أصار المخَّ ريرا فإذا ما متُّ فانعَم وأقم ... وتَمَلَّ العيشَ في الدُّنيا كثيرا كنتُ في المرضى مريضًا مُلْصَقًا ... فلقد أصبحتُ في المرضى أَميرا

стр. 202

١٦٥ - عياض بن عَوانة هو عياض بن عَوانة بن الحكم بن عوانة الكلبي النحوي؛ وكان جد الحكم بن عوانة، عالمًا بأيام العرب وأنسابها، وكان له قدر وحال، ووَلِي ولاياتٍ كثيرةً، وكان أبوه عوانة عالمًا أديبًا، وكان من أهل الكوفة، وكان إذا أراد أن يسأل الرجل: أعربي هو أم مولى؟ قال له: أصليبة أنت أم من أنفسهم؟ فإن كان عربيًّا قال: "صليبة"، وإن كان مولًى قال: من أنفسهم. وعنه أخذ المهري كثيرًا من النحو والشعر، وكانت المهالبة تكرمه. وروت الرواة عن عياض أنه قال: أقمتُ زمنًا لا عهد لي بصلة رَوْح بن حاتم، حتى أَرملتُ وأملقتُ، فركبتُ يومًا بغلةً، وخرجتُ حتى رقيتُ على الكدية السوداء المطلَّة على القنطرة، وكانتِ العربُ تضع أثقالها في دخولها إفريقية بالقيروان، فسُمِّيت القيروان؛ لأنها الأثقال في كلام العرب، فإني لعلى الكدية إذ أتاني رسولٌ يشتدُّ إليَّ، فقال: أجب يابن عوانة. فمضيتُ وما أحسبُ أن بعثه إليَّ ابتداءً من غير أن أكون توسلتُ للوصول إليه، إلا لأمرٍ نُمِي عني إليه من القول. فلما أتيتُ نزلتُ على بابه، فاستؤذن لي فصعدتُ، فإنه لفي العلو المطل مع جاريته طلة الهندية، فسلمتُ فأحسن الرد، فكأن روعي سكن، ثم قال: ما حالُك؟ فقلتُ: مُقِلّ مُعدِم، أبو عيالٍ ولا مال. قال:

стр. 203

قد بلغتَ الغيثَ فتخيَّم. أي: ألقِ خيمتَك. فقلتُ: الحمد لله، ذلك والله المأمول المرجو من الأمير. قال: ما لك من العيال؟ قلتُ: ثلاثون. قال: وكان أبو هريرة قهرمانه أكرم حضير ومشير، فقال: هم أكثر من ذلك، إلى السبعين بين حُزانة وقرابة وأصهارٍ، وقد اصطموا إليه؛ لما يأملون من رأي الأمير ويرجونه، وما هو بذي ماشية ولا غاشية، ولا بتاجر. قال: قد أمرتُ لك بخمسمئة دينار، فادفعها إليه يا أبا هريرة الساعة، ومن القمح والشعير والتبن والطلاء، والزيت والخل، ما قال: إنه يقوم به إلى رأس الحول. قال: فوزن لي المال، وقال لأصحاب الخراج: احسبوا كم له في هذه السنة مما أمر به. فجعلوا يعدون ويعقدون، وكان السعر قد نزا، فقال لي أبو هريرة: هل لك إلى ما هو أقرب من هذا، تأخذه ثمنًا؟ قلتُ: ما أكره ذلك. فأعطاني خمسمئة دينار أخرى، ومضيتُ. - الحُزانة: أهله الذين يحزن لهم. وما أنسى محضر طلة يومئذ، وقولها: عالم البلد أهل لكل ما أُسدِي إليه! فانصرفتُ بأحسن حال. وكان عياض ممن يقرض الشعر، ويجود فيه.

стр. 204

الطبقة الثانية ١٦٦ - إبراهيم المهري هو إبراهيم بن قَطَن المهري، أخو أبي الوليد عبد الملك. قال أبو علي الحسن بن أبي سعيد: سمعت بعض المشيخة يقول: كان سببُ طلب أبي الوليد المهري للعربية والنحو: أن أخاه إبراهيم رآه يومًا وقد مدَّ يده إلى بعض كتبه يقلبها، فأخذ كتابًا منها فجعل يقرؤه، فجذبه من يده وقال له: ما لك ولهذا! وأسمعه كلامًا وبَّخه به، فغضب أبو الوليد لما قابله به أخوه، فأخذ في الطلب حتى علا عليه، وعلى أهل زمانه كلهم، فاشتهر ذكره وسما قدره، فليس أحد من الخاصة والعامة يجهل أمره، ولا يعرف إبراهيمَ إلا القليلُ من الناس، وكان إبراهيم يرى دين الإباضية. ١٦٧ - أبو الوليد المهري هو عبد الملك بن قَطَن المهري، شيخ أهل اللغة والعربية والنحو والرواية، ورئيسهم وعميدهم، والمقدم في عهده وزمانه عليهم. وكان من أحفظ الناس لكلام العرب وأشعارها، ووقائعها وأيامها، وكانت الأشعار المشروحة تُقرأ عليه مجردة من الشرح، فيشرحها ويفسر معانيها، فلما دخلت المشروحات نظر طلبة العربية والنحو فيها وفيما كانوا رووا عنه منها، فلم يجدوا في شرحه خلافًا لما قال أصحاب الشرح، ولا وجدوا عليه في روايته وتفسيره شيئًا من الخطأ. وكان لقي جماعة من العلماء بالعربية والمعروفين بالرواية، منهم: ابن الطرماح، وعياض بن عوانة، وأبو عبد ارحمن المقرئ الكوفي، وقتيبة النحوي، وكثير من الأعراب منهم أبو المنيع الأعرابي. وله كتب كثيرة ألفها، من ذلك: كتاب في تفسير مغازي الواقدي، وكتب

стр. 205

تسمى كتب الألفاظ، وكتاب في اشتقاق الأسماء مما لا يأت به قطرب. وكان شاعرًا خطيبًا بليغًا، وقام بخطبة بين يدي زيادة الله بن محمد بن الأغلب -وهو أمير إفريقية يومئذ- طويلة فصيحة؛ ذهب فيها إلى تقريظه، ووصلها بشعر فيه. وكان المهري مع أدبه وعلمه أحد المبذرين في معيشته، ومن ذوي النهامة والإغراق في مطاعمه، لا قصد له ولا رفق، لا يمسك دينارًا، على كثرة ما يوصل ويجبى، حتى إن بعضهم كان يقول: ينبغي أن يولَّى عليه، واستمر على حاله هذا حتى توفي، وكان يتكل على المفضلين وكثرتهم من أهل الزمان لمعرفتهم بحقه. وكتب رجل من أصحاب المهري إليه كتابًا فأطال وكثر، فلم يأت بحسن، فكتب إليه المهري: "خير من الإطالة السكوت، وفي القصد إلى الحاجة قطع لمسافة الإطالة". قال أبو علي الحسن بن أبي سعيد: أخبرني محمد بن وليد المؤدب قال: أخبرني أحمد بن أبي الأسود النحوي قال: لما ولَّى زيادةُ اللهِ بنُ إبراهيمَ بنِ الأغلبِ ابنَ أخيه أبا الأغلبِ جزيرةَ صقلية -وكان أبو الأغلب غاية في الجود والكرم-، بعث في أبي الوليد المهري فقال له: إن الأمير -أكرمه الله- ولَّاني جزيرةَ صقلية، فاخرج معي صاحبًا لي مؤانسًا. فأبى من ذلك واعتذر إليه، وقال: لا أقدر على ركوب البحر. فقال له: أردتُ غناك، وأراد الله بك خلافَ ذلك، ارفع المنديلَ الذي بين أيدينا. فرفعه، فإذا بدنانير كثيرة، قال: اختر منها مئة دينار، وانصرِفْ. ففعل، وبعث في ابن غورك فعرض عليه صحبته، فسارع إلى ذلك، فأغناه وأغنى عقبه. ويروى عن المهري قال: قال لي محمد بن يزيد، وكان من أفصح حجازي قدم علينا، وقد أتيته بكتب ينظر فيها، فقال: ماذا بكتبك من الطرافة؟

стр. 206

كيف قولك للشعر؟ قلت: إني لأرثي فأجيد المراثيَ. فقال: الرثاء أشد الشعر على قائله. ومدها. وقال المهري: دخل علينا أعرابي من اليمن يقال له: "أبو هلاك". ثم خرج إلى تَاهَرْت، ثم إلى بلد السودان، فأتى عليه يوم له وَهَج وحَرٌّ شديد وسمم في تلك الرمال، فنظر إلى الشمس مُصْحرة راكدة على قمم الرؤوس وقد صَمَحتِ الناسَ، فقال مُشيرًا إلى الشمس: أما والله لئن غرزتِ في هذه الرمال لطالما رأيتُكِ ليلة دليلة بتَاهَرْت. يعني كثرة أندائها ورِهامها وأمطارها. وحدثنا أبو عبد الله الداروني قال: حدثني حمدون النعجة النحوي قال: كنا عند المهري يومًا، فقال: اخرجوا بنا إلى مأجل مهوية نتفرج. وكانت داره بالقرب من باب سوق الأحد، فخرجنا وجلسنا حوله، إلى أن مر بنا نحو عشرين بغلًا أو أكثر، ومعها رجل راكب، فلما رأى المهري عدل إليه ونزل، ثم قال له: يقرأ عليك مولاي السلام، ووجه إليك بهذه الدواب، وهي محملة طعامًا وعسلًا وخلًّا وزيتًا، وبهذه العشرين دينارًا فاقبضها، فقبضها منه تكرهًا، ثم دمع فقال: ذهب الناس، إنا لله وإنا إليه راجعون! أبو علي بن حميد يوجه إليَّ بهذا! قال حمدون: فقلت له: احمد الله واشكره؛ فإن هذا لكثير. قال: فنظر إليَّ وهو مغضب، ثم قال: هو كثير لك ولمثالك، وأما لي فلا! وحدثني الداروني قال: مر المهري بناحية القيسارية عند الصيارفة، فقام إليه فتًى كان يختلف إليه ويسمع منه، فقال له: إلى أين أصلحك الله

стр. 207

يا أبا الوليد؟ قال: إلى سوق الطعام، أشتري بهذين الدينارين قمحًا. فمد يده إلى صرَّة كانت في كمه، فدفعها إليه وقال: استعن بهذا -أصلحك الله- على شرائك للقمح. فأخذها ثم مضى غير بعيد وهو يظن أنها دراهم، ففتحها فإذا بها خمسون دينارًا، فانصرف إليه، فلما رآه تلقاه، فأخرج المهري الصرة فقال: أخافُ أن تكون غلِطتَ؛ إنها دنانير! فقال: ما غلِطتُ -أصلحك الله-، والله إني محتشم من التقصير. وقال الداروني: ومشيتُ مع أبي الوليد المهري إلى أن مررنا بالجزارين، فقام إليه رجل منهم فقال: يا أبا الوليد، أضررتَ بي؛ لأن بضاعتي كلها عندك، ولا بد من قبض مالي قِبَلك. فاعتذر إليه، وسأله الصبر عليه، فأبى؛ ومر بنا رجل فقال للجزار: كم لك على الشيخ؟ فقال: عشرة دنانير. فقال: هي عليَّ، مُرَّ حتى أدفعها إليك. فمضى معه، وظننتُ أنه من إخوان المهري، وظن المهري أنه من أجلي فعل له ذلك. فلما صرنا إلى داره قال لي: مَن الرجل الذي ودى عني هذه الدنانير؟ قلت: ما أعرف، وما كنت أظن إلا أنك عارف به. قال: فسل عنه. فسألت، فإذا هو رُومِيٌّ مِن أهل العطارين، وكان الناس من تعظيم الأدب والعلم على خلاف ما هم اليوم. وعُمِّر المهري عمرًا طويلًا، وتوفي يوم الجمعة لعشر خلون من رمضان سنة ثلاث وخمسين ومئتين. ١٦٨ - محمد بن صدقة هو محمد بن صدقة المرادي الأطرابلسي. كان عالمًا باللغة، وكان يتقعر في كلامه ويتشادق. ودخل يومًا على أبي الأغلب بن أبي العباس بن إبراهيم بن الأغلب، وهو أمير أطرابُلُس، فتكلم وأغرب وجاوز المقدار، فقال له أبو الأغلب: أكان أبوك يتكلم بمثل هذا الكلام؟ فقال: نعم، أعز الله الأمير، وأُمِّيَه! يريد: وأُمِّي أيضًا كانت تتكلم بمثل هذا. فقال أبو الأغلب: ما ننكر لله أن يُخرِجَ بغيضًا من بغيضين! وكان يقرض الشعر.

стр. 208

١٦٩ - أبو سعيد بن غورك هو أبو سعيد بن حرب بن غَوْرك. قال الحسن بن أبي سعيد البصري: كان يقال: إنه أعلم من المهري بالقرآن وبحدود النحو، وكان المهري أوسع منه رواية، وأعلم باللغة والشعر، وكان كثير الوقار، قليل الكلام؛ وكان يُنسَب من أجل ذلك إلى الكِبْر، وكان لا يُتبسَّم في مجلسه فضلًا عن أن يُضْحك. حدثنا إسحاق بن خُنَيس قال: بينما نحن مع ابن غَوْرك في مجلسه، إذ أقبل إليه رجل زعم أنه أقبل من المشرق، فقال له: حركات الإعراب كم هي؟ فقال ابن غورك: ثلاث: الرفع، والنصب، والحفض. قال: بقي عليك، بل هي أربع. فقال له: وما الرابعة؟ قال: الخَضْخَضة. فقال له ابن غورك: ارفع زيدًا. قال: زيدٌ. قال: انصب زيدًا. قال: زيدًا. قال: اخفض زيدًا. قال: زيدٍ. قال: خَضْخِضْ زيدًا. قال: زَزَيْدٌ. فضحك وضحكنا، ثم ضحكنا كثيرًا، ولم يَنْهَنَا عن ذلك. وكانت له أشعار كثيرة فصيحة. ١٧٠ - أحمد بن أبي الأسود هو أحمد بن أبي الأسود النحوي، وكان غاية في علم النحو واللغة؛ وهو من أصحاب أبي الوليد المهري، وله أوضاع في النحو والغريب، ومؤلفات حسان. وكان شاعرًا مجيدًا، وكان قد عتب على ابن الزيدي بعد مودة وتواصل، فركب إليه ابن الزيدي، وسأله الرجعة إلى ما كان عليه، فلم يُجِبه، وكاتبه مرارًا. وجاء مرة رسوله ببطاقة، وعنده جماعة من طلاب الأدب، فلما قرأها مدَّ يده إلى القلم فأخذه وكتب إليه: أما بعد؛ فإن طول السواد يورث الملال، وقلة غشيان الناس أفضلُ؛ لقوله ﷺ : "زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا". وللقلوب نَبْوة، فإن أكرِهَتْ لم يكن لما يتولَّد منها لذّة،

стр. 209

ولا بد من استجمامها إلى غايتها. أسأل الله أن يجعلها منا عَزْمة، ومنك سَلْوة، والملتقى -إن شاء الله- في داره وجواره؛ حيث لا تحاسُب ولا تصاحُب. ١٧١ - حسان الجاحظ أخذ عنه الطَّرْزِيُّ.

стр. 210

الطبقة الثالثة ١٧٢ - حمدون النحوي المعروف بالنَّعجة؛ وهو أبو عبد الله حَمْدون بن إسماعيل؛ وكان مُقدَّمًا بعد المهري في اللغة والنحو، وكان يقال: إنه أعلم بالنحو خاصة من المهري؛ لأنه كان يحفظ كتاب سيبويه، وله كتب في النحو، وأوضاع في اللغة؛ وكان أحد المتشادقين في كلامه، والمتقعِّرين في خطابه، وكان مُعلِّمُه المهري على خلاف ذلك، وكان المهري من عقلاء العلماء، ولم يكن حمدون موصوفًا بالعقل، وكان في شعره تكلُّف وضعف، وهو في العربية والغريب والنحو الغاية التي لا بعدها. وقال أبو إسحاق بن نيَّار: أخبرنا حمدون النعجة قال: كنتُ جالسًا عند أبي الوليد المهري، فأردت شرب ماء، وكانت له جاريةٌ تُسمَّى: "سَلَّامَة"، وربما سمَّاها: "سلْ لئيمة" إذا غضب عليها، فقلتُ: يا سلَّامة، اسقيني ماءً. فأبطأتْ، فقلت: * أرى "سَلْ لَئيمةَ" قد أبطأتْ * فقال المهري: * وعِلَّةُ إبطائها في الكسلْ * فلا تُعْلمنْ نظرًا في الكتاب ... وما شئت من علم نحوٍ فسلْ فقلتُ: فإنك بحرٌ لنا زاخرٌ ... يَظَلُّ وأمواجُه تَرْتَكلْ

стр. 211

فقال المهري: كريمُ النِّجار إذا جئتَه ... تلقَّاك بالبِشْر لا بالزَّلَلْ فإنْ يكُ حَمْدونُ ذا فطنةٍ ... فقد كان فيما مضى قد غَفَلْ فقلت أنا: فأنت بفضلِك أحييتَه ... وكان قديمًا به قد جَهِلْ وتوفي النَّعجةُ بعد المئتين. ١٧٣ - أبو محمد المكفوف هو عبد الله بن محمود المكفوف النحوي. كان من أعلم خَلْق الله بالعربية والغريب والشعر وتفسير المشروحات وأيام العرب وأخبارها ووقائعها، وأدرك المهريَّ وأخذ عنه، ثم صحب من بعده حمدونًا المعروف بالنَّعجةِ، فكان لا يُبارحه، ولم يمتْ حمدون حتى علا المكفوف عليه، وفَضَل في أشياء. وله كتب كثيرة أملاها في اللغة والعربية والغريب، وله كتاب في العروض يفضله أهل العلم على سائر الكتب المؤلفة فيها؛ لما بين فيه وقرب، وعليه قرأ الناس المشروحات، وإليه كانت الرحلة من جميع إفريقيَّةَ والمغرب، وكان يجلس مع حمدون في مكتبه، فربما استعار بعضُ الصبيان كتابًا فيه شعر أو غريب أو شيء من أخبار العرب، فيقتضيه صاحبُه فيه، فإذا ألحَّ عليه أعلم بذلك أبا محمد المكفوف، فيقول له: اقرأه عليَّ. فإذا فعل قال: أَعِدْهُ ثانيةً. ثم يقول: ردَّه على صاحبه، ومتى شئتَ فتعال حتى أمليَه عليك. وأبطأ عنه أبو القاسم بن عثمان الوزَّان النحوي أيامًا كثيرةً، ثم أتاه فلامه على تخلُّفه عنه، وقال له: يا أبا القاسم، نحن كنا سبب ما أنت فيه من العلم، علمتَ كيف كنت أخصك وأوثرك على غيرك؛ فلما صرتَ إلى هذه الحال قطعتنا! فقال له: أصلحك الله! اعذر فقد كان لي شغل. قال: وما هو؟

стр. 212

قال: لي اليوم أكثر من شهرٍ أختلف إلى رقَّادة، إلى دار فلان -وذكر بعض السلاطين- أشْكُل له كُتبًا وأُصحِّحها. فقال: سَرَرْتَنِي والله. قال: بماذا سررتُك؟ قال: بما يكون من برِّه ومكافأته على اختلافك إليه وتصحيحك لكتبه. فضحك وقال: والله ما هو إلا أن أكترِيَ دابَّةً إذا مضيتُ، وكذلك إذا رجعتُ من مالي. فعجب من ذلك وقال: تدري كم وصل إليَّ من ابن الصائغ صاحب البريد؟ قال: لا. قال: نحو من خمسمئة دينار، سوى الخِلَع وقضاء الحوائج والبر والإكرام، ولا كان يسألني عن شيء إلا إذا أكل يوم الجمعة بعث في طلبي دابَّته وابنه، وأحضر مائدته. وكان أبو محمد المكفوف من أهل سُرت، وهجاه إسحاق بن خُنَيس فقال: ألا لُعِنتْ سُرتٌ وما جاء من سُرتِ ... فقد حل من أكنافها جَبَلُ المقت في شعر له طويل، فقال فيه المكفوف: إنَّ الخُنَيسيَّ يهجوني لأرفعه ... اخسأ خُنَيس فإني غير هاجيكا لم تَبْق مثلبة تُحْصى إذا جُمعت ... من المثالب إلا كلُّها فيكا وله أشعار فصيحة، وأراجيز عربية، وله كتاب في شرح صفة أبي زُبَيد الطائي للأسد؛ جود فيه وحسنه. وتوفي المكفوف سنة ثمان وثلاثمئة. ١٧٤ - المدني هو أحمد بن محمد، من أهل تونس، وكان عروضيًّا نحويًّا يؤدب الصبيان ويثقفهم على حدود العربية، وكانت له أشعار حسان. ١٧٥ - خلف الأطرابُلُسي هو خلف بن مختار الأطرابُلُسي، وكان صاحب نحو ولغة، وكان

стр. 213

يبخل بعلمه. أخبرني إبراهيم بن زياد النحوي قال: أخبرني أبو عثمان سعيد بن إسحاق الشَّمْخيّ قال: سألت خلف بن مختار أن أقرأ عليه قصيدة النابغة: "يا دار مية بالعلياء فالسَّنَدِ". فقال: افعلْ. فأنشدتُه حتى انتهيتُ إلى قوله: فظل يَعْجُم أعلى الروْق مُنقبضًا ... في حالك اللون صَدْقٍ غيرِ ذي أَوَدِ فقال لي ليختبرني -وقد علمتُ ما أراد-: ما الصَّدْق؟ قلت: لا أعلم. قال: فما الصِّدق، بالكسر؟ قلتُ: الصِّدق من القول. قال لي: فيجب عليك أن تروي ما تعرف، وتدع ما لا تعرف. فأنشدتها بالكسر لأعلم ما يكون منه، فرأيته يبتسم، وكان إنشاديها ليلًا في المسجد الجامع، وكنتُ أحفظها، فقلتُ له: لم تبسَّمت؟ الصَّدْق: الصُّلْب، وكذلك الرواية؛ ولكن تجاهلتُ لك لأعلم ما يكون منك. فخجل من ذلك وقال: أنشِد ما أحببتَ؛ فإني لا أُخفي عنك شيئًا. فكان بعد تلك الليلة كما وعد. وكان ممَّن يقرِض الشعر، ويجيد المعاني. وكان مولده سنة خمس عشرة ومئتين، وتوفى سنة تسعين ومئتين. ١٧٦ - الطَّرْزِيُّ هو موسى بن عبد الله، كان يؤدب أولاد السلاطين، وكان شاعرًا مُجيدًا عفيفًا صالحًا، وهو من تلاميذ حسان الجاحظ. طَرْزة: مدينة من مدائن إفريقيَّةَ.

стр. 214

١٧٧ - علي بن الحضرمي كان نحويًّا شاعرًا أديبًا، وكان ربما علَّم. وهو من أهل الساحل، وكان بقربه رجل قد نظر في النحو أيضًا، فكانا يتراسلان بالمسائل في النحو، ومما كتب إليه عليٌّ: لما أتاني كتابٌ واضح حَسَنٌ ... في النحو منك أبا إسحاق قد صُنِعا كيما تُغلِّطَني فيه وتُفْحِمَني ... ولستُ بالنحو ممن يبتغي الشَّنَعَا أمسكتُ خلف وراء لست تحمله ... علمًا ولم أكُ عنه ممسكًا فزعَا ١٧٨ - محمد المعروف بالعقعق هو محمد بن سالم، من أهل أطرابُلس؛ كان مُتَرَسِّلًا شاعرًا صاحب نحو ولغة، مع علم بالجدل ونظرٍ فيه، وكان معتزليًّا. ١٧٩ - ابن الحداد قال أبو بكر: هو أبو عثمان سعيد بن محمد الغسَّاني، كان أستاذًا في غير ما فنٍّ، عالمًا بالعربيَّةِ واللُّغةِ، وكان الجدَل أغلبَ الفنون عليه، وكان دقيقَ النظر جدًّا، ثابت الحجة، شديد العارضة، حاضر الجواب، صحيح الخاطر. وله كتب كثيرة، منها: كتاب توضيح المشكل في القرآن، وكتاب المقالات؛ ردَّ فيه على أهل المذاهب أجمعين، وكتاب الاستيعاب، وكتاب الأمالي، وكتاب عصمة المسلمين، وكتاب العبادة الكبرى والصغرى، وكتاب الاستواء، إلى كتب كثيرة جملتها في الاحتجاج على الملحدين.

стр. 215

حدثني بعض أهل القيروان قال: بعث أبو عبد الله المعلم إلى سعيد بن الحداد -وقد وصف بالبراعة في الفنون- فأدناه ومشى معه في بعض البساتين، فنزع أبو عبد الله بآية من القرآن فقال: ﴿فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون﴾، فقال ابن الحداد: ﴿وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال﴾. وله مع أبي عبد الله وأبي العباس مسائل برَّز بها، وظهرت حجته فيها، ثم أملاها سعيد على أصحابه، وسماها المجالس. وكان العراقيون يوجهون إليه من تلاميذهم من يعنِّته ويسأله. فحدثني بعض أهل القيروان قال: أتوْه يومًا فألفوْه في الحمام، فتلقَّوْه وهو خارج عنه، فقالوا له: أعزَّك الله! كيف وجدتَ الحمام؟ فقال: غايةً في الطيب. فقالوا: أمِن جهة الذوق وجدتَ طِيبَهُ أصلحك الله! فقال لهم: يا حُثالة الزنادقة، وإخوان المدابير، وتلاميذ الملحدين، أرأيتم قول الله : ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة﴾ أمِن قِبل الذَّوق وُجِد طيب الريح؟! وكانت لسعيد بن محمد بالقيروان في أول دخول الشيعة -لعنهم الله- مقامات محمودة، ناضل فيها عن الدين، وذب عن السنن؛ حتى مثَّله أهلُ القيروان في حاله تلك بأحمد بن حنبل أيام المحنة، وذلك أنهم -لعنهم الله- لمَّا ملكوا البلد أظهروا تبديل الشرائع، وإحالة السنن، وبَدَروا إلى رجلين كبيرين من أصحاب سُحنون فقتلوهما، وعرَّوْا أجسادَهما، ثم نودي عليهما: هذا جزاء مَنْ ذهب مذهبَ مالك. فارتاع جُملة أهل السنة، وتجمَّعوا إلى سعيد، فسألوه التَّقيَّةَ -وكان أبو عبد الله المعلم يبعث إليهم للمناظرة،
следующие страницы →