أنهم استجازوه فأجازهم، كلما وصلته هو إجازة بعض الشيوخ المشارقة بواسطة الشيخ زروق، كما أشرت إِلي ذلك آنفا.
وفاته:
أجمعت المصادر التي ترجمت لأبي العباس، علي أنه توفي (٥٥) بفاس سنة (٩١٤ هـ):
وصاحب المعيار زار قبره ... في عام (غيد) فعليه الرحمة (٥٦)
وبالضبط يوم الثلاثاء، عشري صفر سنة (٥٧) (٩١٤ - ١٥٠٨ م).
إذا استثنينا ابن عسكر في الدوحة (٥٨) الذي لم يستطع تحديد تاريخ وفاته- علي عادته في أكثر الوفيات التي ذكرها، واقتصر علي القول بأنه توفي في العشر الأولى -يعني من القرن العاشر الهجري.
стр. 72
ودفن بباب الفتوح (٥٩) - قرب ضريح الولي الصالح محمد بن عباد. (٦٠)
شخصيته وثقافته
إذا كان المراد بالشخصية عند علماء النفس: "هو جميع الصفات الجسمانية والوجدانية والعقلية والخلقية في حالة تفاعلها بعضها مع بعض، وتكاملها في شخص معين يعيش في بيئة اجتماعية معينة (٦١) "، فتطبيق هذا للتعرف والتعريف بشخصية أبي العباس الونشريسي، يكاد يكون من ضرب المستحيلات، لكون حل المصادر الموجودة بين أيدينا لم تشر إلي تلك الجوانب، ولا لمراحل حياته -في بيئته الأولى وحتي التي حاولت ذلك فأنها شحيحة لغاية، بحيث لا تكفي لتقديم صورة- ولو شبه متكاملة، ومع ذلك سأحاول- في هذه العجالة القصيرة- أن أستشف بعض الملامح الجسمانية والخلقية
стр. 73
وتحليلها علي ضوء الفقرات القليلة الواردة في بعض المصادر ثم اتبع ذلك بصورة موجزة عن عناصر ثقافته، ومقوماته العلمية.
أ- صفاته الجسمية والخلقية:
عبثا حاولت العثور علي وثيقة، أو مصدر يصف -لنا- أبا العباس وصفا جسمانيا كي نعرف -علي الأقل- أكان طويل الجسم، أم قصيره، أبدينه أم نحيفه؟ أوسيم الوجه أم غير ذلك؟ - لكن بدون جدوى، وكل ما ذكرته بعض المصادر في هذا الشأن- أنه كان أصلع، (٦٢)، ولست أدري ما المغزي من ايراد هذا الوصف فقط؟ دون التعرض لوصف آخر؛ وربما ليوحي لنا بالحكم علي طبيعة -صاحبنا- من خلال هذا الوصف القصير الذي يدل -كما يقول البعض- علي طهارة الضمير، ونقاء السريرة، والتحلي بمكارم الأخلاق ... (٦٣)
وعلي أي فإذا كنا لا نملك أخبارا مفصلة عن صفاته الجسمية، فباستطاعتنا أن نستخلص من سلوكه وآثاره بعض صفاته الخلقية، التي يتجلي أهمها -في نظري- فيما يلي:
- علو الهمة، فقد كان طموحا إلي المعالي، ويتمثل ذلك في إقباله علي الدرس والتحصيل، والتبحر في مختلف أبواب المعرفة، فأكثر الشيوخ الذين أخذ عنهم، وجثا بين أيديهم، يمثلون الطبقة العالية في العلم، وسمو الأخلاق، كأبي الفضل
стр. 74
العقباني، وأبي عبد الله القوري، وابن زكري المانوي، وابن مرزوق العجيسي- الكفيف ... وهو في أبحاثه ودراسته، لا يرضي بالرجوع إلي المصادر الثانوية، والمختصرات الصغيرة، وإنما يعتمد علي الأمهات (٦٤) (الينابيع الصافية).
ومن أخلاقه -التي تتمثل في سلوكه- الشجاعة الأدبية، فقد كان صليبا في الحق، لا يخشي في الله لومة لائم، (٦٥) وقد طردته السلطة الجزائرية، لا لشيء إِلا لكونه لم يرض عن الوضع المتردي الذي كانت عليه البلاد، "فانتهبت داره، وضاعت أسبابه وكتبه، (٦٦) فلحق بالمغرب (٦٧) (وطنه الثاني).
وهنا يتبادر إلي الذهن بعض تساؤلات، لماذا اختار المغرب الأقصي - لهجرته دون سائر الأقطار الإسلامية؟ ولماذا فضل فاسا عن المدن المغربية الأخرى؟ أما يخشي أن يجد مضايقة في المدينة التي كانت تعج بالعلماء؟ أما كان من الأحسن له أن يتجه إلى غيرها- علما بأن المغرب عموما، وفاسا خصوصا، كانت آنئذ في حالة متدهورة للغاية؟ ! .
فالإجابة عن هذه الآسئلة تحتمل عدة احتمالات منها:
- أن شدة حبه لوطنه وتعلقه به، طغي علي كل شيء، فأرغمه علي التنقل إلي -أقرب المسافة- المغرب الأقصي،
стр. 75
الذي كان بالأمس القريب وطنا لكثير من أهل تلمسان، كما يحتمل أن قلة الزاد، وعدم ميله للمغامرة، كان لهما دورهما في اختيار المغرب، وكونه فضل فاسا علي عيرها، يحتمل لوجود بعض أهل ونشريس بها، ومعرفته السابقة لكثير من علمائها، وتبادله معهم المكاتبات، وبعض المراسلات والاستفتاءات، فحفزه ذلك إلي اختيار فاس ليأنس بهم، وينسوه عربته، وطبعا لم يخش آية مضايقة لأنه كان مؤمنا بمقدرته العلمية، ومهارته الفائقة في المذهب المالكي أصوله وفروعه، ولم يكن من ذلك النوع الذي يتسابق علي الشهرة، وجمع حطام الدنيا عن طريق الإفتاء حتى يقصد مدينة أخرى.
ومهما يكن فإنه كان يعرف -مسبقا- أن الحالة في فاس مضطربة، وأن الحياة فيها ليست هادئة، والدليل علي ذلك ما أنشده أثناء سيره إليها من تلمسان:
لبلدة فاس حرك السير واسرعا (٦٨) ... وأرض تلمسان أرفضن أيما رفض
علي أنه لا يرتضي الكل منهما ... ولكن (بعضن الشر أهون من بعض) (٦٩)
ومنها: ورعه وتدينه المتين، (٧٠) وميله إلي الحياة البسيطة، والزهد في ملذات الدنيا، فقد عاش في دويرة صغيرة
стр. 76
للأحباس، (٧١) يلبس الخشن، (٧٢) ويرضي بالدون من العيش. (٧٣) ويعزف عن البذخ والإسراف، ويمقت الظهور بمظهر البؤس والاستعطاف.
ومنها: تواضعه وأدبه الجم، فقد كان يجلس- علي جلالة قدره- في حلقات الدرس لبعض العلماء بفاس، (٧٤) وكان يخرج لقضاء بعض حوائجه علي أتان له، يحمل عليها أمتعته وكتبه، (٧٥) ولا سيما عندما يخرج إلي ضيعته الصغيرة ولا يري في ذلك غضاضة.
وكما يبدو أن أبا العباس نشأ في بيئة تتسم بطابع البد والوقار إلي حد التزمت، فقد عاش ميالا إلي العزلة، بعيدا عن مباهج الحياة، ولذا لم يكن له كبير اتصال بذوي السلطان والجاه، (٧٦) إلا لضرورة ملحة، في حين كانت تربطه صلات وثيقة بالعلماء ذوي الخشية. (٧٧)
ب- ثقافته ومكانته العلمية:
ليس بغريب علي من اتخذ العلم مهنته الوحيدة -منذ نعومة أظفاره ومواصلة البحث والتدوين هويته- أن تكون
стр. 77
ثقافته واسعة، ومكانته العلمية فائقة، وخاصة في الميادين الفقهية، وأن يأتي إنتاجه الفكري خصبا وافرا، ويعجب به، ويعترف له كثير من العلماء، منهم ابن غازي الذي زكى فقهه تزكية غريبة، لو صدرت من غيره، لقلنا فيه نوع من المبالغة، لكن ابن غازي لا يطلق الكلام جزافا، وإنما يعني كل ما يقول: "لو أن رجلا حلف بطلاق زوجته علي أن أبا العباس الونشريسي أحاط بمذهب مالك: أصوله وفروعه، لبر في يمينه، ولا تطلق عليه زوجته، لتبحره وكثرة اطلاعه، وحفظه وإتقانه، وكل من يطالع أجوبته وتواليفه، يقضي بذلك) (٧٨).
ومن هنا سماه المقري بعالم المغرب، (٧٩) وربما سماه حافظ الحفاظ (٨٠). وكفاه شرفا، وتنويها بعلمه، وتخليدا لذكره -أن سمي كرسي المدونة (٨١) بفاس- باسمه، وبقي كذلك إِلي أن أدخل علي القرويين نظامه الجديد.
وكتب إِليه ابن غازي رسالة مطولة، يجيبه فيها عن مسائل علمية، تتصل بالتاريخ والسير، وكلها تنويه وتقدير -لأبي العباس- سماها: "الإشارات الحسان إلي حبر فاس وتلمسان" (٨٢).
وأعتقد أن لا حاجة تدعو إلي نقل جميع الآراء التي قيلت في شأنه، وفي تقويم شخصيته وثقافته -وهي كثيرة-
стр. 78
ما دام الكل متفقا على الإطراء والثناء عليه، لذا سأقتصر على نقل رأيين اثنين فيه -علاوة على رأي ابن غازي السالف الذكر-: أحدهما لابن عسكر المصباحي -وهو يمثل رأي معاصريه فيه- إذ يقول: "الشيخ الإمام المصنف الأبرع، الفقيه الأكمل الأرفع، البحر الزاخر، والكوكب الباهر, حجة المغاربة علي أهل الأقاليم، وفخرهم الذي لا يجحده جاهل ولا عالم ...
كان ﵀ من العلماء الراسخين، والأئمة المحققين، ألف (المعيار المعرب) فبز فيه الأوائل والأواخر، ولقد رأيته مر يوما بالشيخ ابن غازي بجامع القرويين فقال ابن غازي لمن كان حوله: "لو أن رجلا حلف بطلاق زوجته أن أبا العباس الونشريسي أحاط بمذهب مالك أصوله، وفروعه (٨٣) ... إلي آخر النص الآنف الذكر، أما الثاني فهو رأي أبي عبد الله محمد بن جعفر الكتاني -وهو من الطبقة المتأخرة- قال في السلوة:
( ... الفقيه الكبير، الحافظ المحصل الشهير, العلامة المشارك القدوة، المنصف الأسوة، حامل لواء المذهب المالكي، علي رأس المائة التاسعة، وإمام المغرب والمشرق (٨٤) ... ).
تلك بعض ملامع شخصية أبي العباس وثقافته، مستخلصة من شذرات واصفي حياته وسلوكه، وآراء غيره في مكانته
стр. 79
العلمية. وإذا كانت تلك الملامح لم تعطنا صورة مكتملة لشخصيته، فقد ساعدتنا -على الأقل- في تبيان خطوطها العامة، ومعالمها الكبرى.
стр. 80
٣ - آثاره:
عاش أبو العباس نحو ثمانين عاما -وقد عكف خلال هذه الحقبة الطويلة علي الدرس وتحصيل العلوم المختلفة، وخالط شيوخ العلم وأئمة المعرفة- في المغربين- الأوسط والأقصي, كما أفاد من المكتبات التي اطلع عليها في كلا القطرين سواء منها العامة (١) والخاصة، (٢) وأقبل علي تأليف الكتب العديدة، وأكثرها في الفقه المالكي، ويذكر لنا بعض معاصريه وصفا دقيقا عن الحياة الصوفية التي عاشها أبو العباس في محراب التأليف فيقول: "كانت كتبه كلها مورقة غير مسفرة وكانت له عرصة يمشي إليها في كل يوم -ويجعل- (يأخذ) حمارا يحمل عليه أوراق الكتب، في كل كتاب ورقتين أو ثلاثا، فإذا دخل العرصة جرد ثيابه، وبقي في قشابة صوف يحزم عليها بمضمة جلد، ويكشف رأسه، وكان أصلع، ويجعل تلك الأوراق على حدة في صفين، والدواة في حزامه، والقلم في يد، والكاغد في أخرى، وهو يمشي بين الصفين يكتب النقول من كل ورقة،
стр. 81
حتى إذا فرغ من جلبها -على المسألة- قيد ما عنده وما يظهر له من الرد والقبول (٣) ".
ويلاحظ أن الذين ترجموا له لم يذكروا كتبه كلها، فابن عسكر صاحب الدوحة، لم يذكر له إِلا كتابين (٤) فقط، وإسماعيل باشا البغدادي -في إيضاح المكنون- (٥) ذكر له ثلاثة كتب، وفي هدية العارفين (٦) نفس العدد، إلا أنه زاد ونقص والتبس غليه الأمر فجعل أقضية المعيار في التاريخ، و (المعيار) - في الفقه - (٧) وهما كتاب واحد.
وابن القاضي في الجذوة ذكر له خمسة (٨) كتب، ونقل ذلك مخلوق في (شجرة النور الزكية)، (٩) وصاحب معجم المؤلفين (١٠) ولم يزيدوا علي ذلك شيئًا.
أما أحمد بابا لقد أورد له في (نيل الابتهاج) (١١) ستة، وعليها اقتصر ابن مريم في (البستان)، (١٢)، والحجوي في (الفكر السامي)، (١٣) والزركلي في (الأعلام) (١٤)، بيد أن هذا
стр. 82
الأخير زاد ونقص، وقد وهم فجعل (القواعد) و (إيضاح المسالك) كتابين، (١٥)، وهما- في الواقع - اسمان لمسمي واحد.
وأوصلها البوعزاوي في مقدمة (المعيار) (١٦) إلي ثلاثة عشر, إِلا أنه هو الآخر وقع في نفس الوهم، حيث جعل (القواعد) و (الإيضاح ... ) كتابين، (١٧) وعلي نفس العدد اقتصر صاحب (معجم أعلام الجزائر) (١٨) مع الزيادة والنقصان -وهو بدوره وقع في خطإ فجعل (المعيار) و (نوازل المعيار) - كتابين اثنين (١٩).
وأول ما يلفت النظر أن أكر مؤلفاته تحمل عناوين طويلة ومسجوعة.
وفيما يلي نستعرض هذه المؤلفات، ثم نفصل القول فيها- ما بين مخطوط ومطبوع:
١ - كتاب "الواعي لمسائل الإنكار والتداعي" أشار إِليه (٢٠) في كتابه "إيضاح المسالك"، (٢١) وهو من أولي مؤلفاته علي ما يظهر.
٢ - كتاب "الأسئلة والأجوبة" ضمنه أسئلة واستشكالات، كان بعث بها إلي أستاذه أبي عبد الله القَوْري
стр. 83
بفاس سنة (٨٧١ هـ) (٢٢) فأجابه عنها، ثم جمعها أبو العباس في شكل كتاب، وقد أورد طائفة منها في كتابه (المعيار) , (٢٣) وتوجد نسخة منها بالخزانة العامة بالرباط ضمن مجموع رقم: (د-٢١٩٧)، وتقع في ١٨ ورقة.
٣ - كتاب "الأجوبة" جمع فيها أجوبته، أو جمعت له على الأصح، وأضيفت إليها (٥٤) مسألة كان وجهها إلي فاس أبو عبد الله القلعي، فأحابه عنها أبو العباس الونشريسي، وتعرف بالمسائل القلعية، أشار إليها ابن مريم في البستان، (٢٤) وتوجد نسخة من كتاب الأجوبة في الخزانة العامة بالرباط رقم (ك- ٦٨٤)، وأخري بخزانة تطوان رقم: ٦٥٤.
٤ - "مختصر أحكام البرزلي" وهو من أولي مؤلفات أبي العباس، ونسخه كثيرة بالمكتبات العامة والخاصة، وتوجد بالخزانة العامة بالرباط - منه نسختان رقم: (ق ٦٥٨١) ورقم: (ك ٦٣٤) وبالخزانة الملكية نسختان أخريان رقم: (٩٨٤٣) و (٨٤٦٢).
٥ - "إيضاح المسالك إلي قواعد الإمام أبي عبد الله مالك".
وهذا الكتاب هو الذي قمت بتحقيقه، واخترته موضوع رسالتي هاته.
стр. 84
٦ - "نظم الدرر المنثورة، وضم الأقوال الصحيحة المأثورة، في الرد علي من تعقب بعض فصول جوابنا علي نازلة صلح السيفي وأبي مدورة".
رسالة في ٢٥ صفحة، كتبها عام (٨٨٢ هـ) وتوجد نسخة منها بخط يد المؤلف في الخزانة العامة بتطوان رقم (١٤٧) وأدرجها في (المعيار). (٢٥)
٧ - "تنبيه الطالب الدراك، علي توجيه الصلح بين ابن صعد والحباك".
رسالة في ١٦ صفحة، كتبها عام (٨٨٦ هـ) وقد أدرجها في (المعيار) (٢٦).
٨ - "عدة البروق، في جمع ما في المذهب من الجموع والفروق".
طبع علي الحجر بفاس، وتوجد نسخة منه بالخزانة الملكية رقم: ١٥٦٣.
٩ - "أسني المتاجر في بيان أحكام من غلب علي وطنه النصارى ولم يهاجر, وما يترتب عليه من العواقب والزواجر".
رسالة في ١٤ صفحة أدرجها في (المعيار) (٢٧)، وتوجد نسخة منها بالأسكريال رقم: ١٧٥٨.
١٥ - "الولايات" في الخطط الشرعية، طبع بالمطبعة الجديدة بالرباط سنة (١٣٥٦ - ١٩٣٧ م).
стр. 85
١١ - "الفهرسة" ضمنها شيوخه ومروياته، أجاز بها تلميذه أبا عبد الله محمد بن عبد الجبار الورتدغيري، وألفها باسمه في حدود (٨٠٩) ذكرها المنجور في فهرسته (٢٨)، ووقف عليها صاحب السلوة ونقل منها (٢٩).
١٢ - "تنبيه الحاذق الندس، علي خطأ من سوى بين القرويين والأندلس"- رسالة كتبها عام (٩١١ هـ) وأدرجها في المعيار (٣٠).
١٣ - "إضاءة الحلك في الرد علي من أفتي بتضمين الراعي المشترك".
رسالة صغيرة في ٨ صفحات طبعت علي الحجر بفاس.
١٤ - "الوفيات" نشرته أخيرا دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر ضمن كتاب "ألف سنة من الوفيات- لي ثلاثة كتب" لحجي.
١٥ - تأليف في التعريف بأبي عبد الله المقري- ذكره في النفح (٣١) ولم أقف عليه.
١٦ - تعليق علي مختصر ابن الحاجب الفقهي- في ثلاثة أسفار ذكره ابن القاضي في "الجذوة" (٣٢) وأحمد بابا في
стр. 86
(نيل الابتهاج) (٣٣) وابن مريم في "البستان" وقال: إنه وقف علي بعض أسفاره (٣٤).
١٧ - "القصد الواجب، في معرفة اصطلاح ابن الحاجب"- ذكره إسماعيل باشا البغدادي في "هدية العارفين" (٣٥) ولم يشر أحد غيره إِليه (٣٦).
١٥ - "الدرر القلائد، وغرر الدرر والفوائد" جمع فيه ما قيده أبو عبد الله المقري علي مختصر ابن الحاجب الفرعي، وزاد عليه ما يناسبه (٣٧).
١٩ - كتاب "الفوائد المهمة" وهي في فنون، توجد نسخة منه مبتورة. الأول- بالخزانة العامة بالرباط- ضمن مجموع رقم: (٢١٩٧ د) وفيه فوائد جليلة.
٢٠ - "المعيار المعرب، والجامع المغرب، عن فتاوي علماء إفريقية والأندلس والمغرب"- في اثني عشر جزءًا، طبع علي الحجر سنتي (١٣١٤ - ١٣١٥ هـ).
٢١ - "المنهج الفائق، والمنهل الرائق، والمغني اللائق، بآداب الموثق، وأحكام الوثائق"- لم يكمل، طبع علي الحجر.
٢٢ - "عنية المعاصر والتالي، في شرح وثائق الفشتالي"، طبع علي الحبر.
стр. 87
٢٣ - كتاب "حل الربقة، عن أسير الصفقة" - لم يكمله، ذكره ميارة في تأليف له في الصفقة (٣٨).
٢٤ - حواشي (٣٩) علي تأليف (الإِعلام للقريب والنائي، في بيان خطإِ عمر الجزنائي (٤٠)) لبعض تلاميذه (٤١) الفاسيين، ذكره المقري في أزهار الرياض، وأورد جملا منه (٤٢).
تفصيل في أهم كتبه:
بعد أن تعرضت لمؤلفاته علي وجه الإِجمال، أري من الأفيد الرجوع إلي أهمها، لألقي نظرة شبه تفصيلية عنها، حتى يتضح لنا علي الأقل غرض المؤلف من تأليفه، ومضمنه، ومنهجه، ومصادره، وقيمته، وتاريخ تأليفه ...
ويأتي في طليعة كتبه المهمة:
١ - "المعيار المعرب، والجامع المغرب، عن فتاوي علماء إفريقية والأندلس والمغرب".
стр. 88
هذا العنوان الطويل، اختصرته أكثر كتب التراجم، وأثبته -كاملًا- صاحب "هدية العارفين (٤٣) ".
و"المعيار" أشهر كتب أبي العباس، وأكثرها ذيوعا وشهرة، وأضخمها مادة وحجما، طبع علي الحبر بفاس في "اثني عشر" جزءًا (٤٤)، ونشر المستشرق الفرنسي الأستاذ أميل أمار (EMILE AMAR) شرحا عليه، بالفرنسية، طبع بباريز سنة (١٩٥٨ م) (٤٥).
غرض الكتاب:
عنوان الكتاب يلمح إلي غرضه، ولذا نجد المؤلف يقول في مقدمته: (جمعت فيه من أجوبة متأخريهم العصريين ومتقدميهم ما يعسر الوقوف علي أكثره في أماكنه، واستخراجه من مكامنه، لتبدده وتفريقه، وانبهام محله وطريقه ... ) (٤٦).
стр. 89
أبواب الكتاب:
رتبه علي أبواب الفقه، يبتديء بنوازل الطهارة وينتهي بنوازل الأقضية، والشهادات، والدعاوي والأَيمان، ثم ذيل ذلك بجامع في مسائل متفرقة، في التفسير وعلوم الحديث، والتصوف.
منهاجه:
يورد المؤلف علي كل نازلة ما ورد فيها من أجوبة الفقهاء، ثم يعقب علي ذلك -في الغالب الأعم- بما يراه من القبول والرد، وهو في ردوده يعود بك إلي المصادر الأولى، ثم يتدرج إلي أن يصل إلي آراء الفقهاء المتأخرين، وما جري به عمل المفتين والحاكمين.
مصادره:
يعتمد -بالدرجة الأولى- علي كتب النوازل، مثل أجوبة ابن رشد، وابن الحاج، وابن لبابة، وابن زرب، وابن سهل، وابن سراج، والحفار وأبي إسحاق الشاطبي -في الأندلس: وأبي صالح، ومصباح اليالصوتي، وأبي الحسن الصغير والعبدوسي، والقباب والوغليسي، والقوري، والمكناسي، وابن عقاب، وابن مرزوق (الحفيد)، والمشذالي، وأبي الفضل العقباني، والمازوني، والشريف التلمساني- بالمغرب؛ وسحنون، والقابسي، وابن أبي زيد، والسيوري، والتونسي، والمازري، والبرزلي، وابن عرفة- في تونس. وغيرها من المصادر التي اعتمدها المؤلف في
стр. 90
تأليفه هذا الكتاب الضخم الذي تجاوزت صفحاته أربعة آلاف وخمسمائة صفحة.
قيمة الكتاب:
يعد كتاب (المعيار) موسوعة فقهية كبري، قل نظيرها في المذهب المالكي جمع فأوعي، وحصل فوعي -علي حد تعبير بعضهم (٤٧). وقد نوه بشأنه الكثيرون. (٤٨) عدا الشيخ المسناوي، فإنه انتقده بقوله: "مؤلف المعيار يترك التعقيب علي النوازل، ويجمع بين غثها وسمينها من غير تفريق ... ". (٤٩) وقال الهلالي: "المعيار هو أجمع ما رأينا من كتب النوازل، لكن فيه بعض الفتاوي ضعيفة ... (٥٠) "والحقيقة أن المعيار يحتاج إلي تنقيع في لغته وأسلوبه ومضمونه.
تاريخ تأليفه:
والمعيار من آخر ما ألف أبو العباس، وجاء في نهاية النسخة المطبوعة من الكتاب: (فرغ منه عام واحد وتسعمائة (٥١) ... ).
стр. 91
وهو عندي خطأ لأمرين:
أ- أحدهما أن الشيخ المسناوي ذكر في بعض أجوبته أن المؤلف عاجله الموت قبل تنقيحه وتحريره (٥٢) - (أي المعيار).
ب- والثاني ما أشار إِليه المؤلف نفسه في غضون الكتاب عند حديثه عن قضية القرويين والأندلس، حيث قال: ( ... كان كتب إلي قبل هذه السنة، التي هي سنة احدي عشرة وتسعمائة (٥٣).
وأعتقد أن فراغه من تأليف هذا الكتاب كان في حدود سنة إحدى عشر وتسعمائة (٩١١ هـ)، ولعل أصل العبارة (عام أحد عشرة وتسعمائة) فتحرف إلى (واحد وتسعمائة). وقد اختصره المجلدي. انظر مخطوط غ- ع رقم (ك ٨٨٢) بالرباط.
الكتاب الثاني:
" عدة البروق في جمع ما في المذهب من الجموع والفروق"، ولعل المؤلف اقتبس هذا العنوان من كتاب أبي العلاء الحسن بن محمد البصري (٥٤) في الجموع والفروق.
стр. 92
غرض الكتاب:
يشير المؤلف في مقدمة الكتاب إلي أن الغرض من تأليفه أن ( ... يستعان به على حل كثير من المتناقضات، الواقعة في المدونة وغيرها من أمهات الروايات) (٥٥).
أبوابه:
حاذي به أبواب الفقه، يبتديء بفروق كتاب الطهارة، وينتهي بفروق كتاب الجراحات.
مصادره:
من المصادر التي اعتمدها في هذا الكتاب:
فروق القرافي، ومحاسن الشريعة للشاشي، والقبس للقاضي ابن العربي، والبيان والتحصيل لابن رشد، والأحكام لعبد الحق، وتبصرة اللخمي، وجامع ابن يونس.
قيمة الكتاب:
لعل القيمة التي يمتاز بها هذا الكتاب، أنه حاول أن يستوفي جموع وفروق كل باب من أبواب الفقه، في أتم تحرير، وأكمل بيان.
стр. 93
تاريخ تأليفه:
ألف أبو العباس هذا الكتاب أولًا، ثم ضاع منه، فأعاده ثانية فجاء -كما يقول-: "أبهي من الأول وأبهج"، (٥٦) وقد فرغ منه عام (٨٨٥ هـ).
الكتاب الثالث:
" المنهج الفائق، والمنهل الرائق، والمغني اللائق، بآداب الموثق، وأحكام الوثائق" (٥٧) لم يكمل- كما يقول أحمد بابا في (نيل الابتهاج) (٥٨).
غرض الكتاب:
يقول أبو العباس في المقدمة: (لما رأيت علم الوثائق من أجل ما سطر في قرطاس، وأنفس ما وزن في قسطاس، وأشرف ما به الأموال والأعراض والدما, والفروج تستباح وتحمي ... وضعت مقالة جامعة، في طريقتها المثلي (٥٩) نافعة (٦٠) ... )
стр. 94
أبوابه:
ضمنه ستة عشر بابا في صناعة التوثيق وأحكام الوثائق، يبتدئ بباب في حكم الكتب والإشهاد، وينتهي بباب فيما لا يسع إِهماله من عيون الفتاوي في أحكام كل باب، وأورد منه، في بابي: النكاح والطلاق فقط -مائتين وأربعين فتوي، استغرقت أكثر من نصف الكتاب، ولو تتبع فتاوي كل باب، لم تسعه مجلدات، ولعل ذلك ما جعله يقف عند هذا الحد من فتاوي الكتاب، وقد استوفاها في كتابه الكبير (المعيار).
وربما كان الأنسب أن يستغني عن هذا الباب، بما ذكره في الأبواب السالفة من فقه وأحكام.
مصادره:
عاد أبو العباس إلي كثير من كتب التوثيق والأحكام، ومن أهمها: وثائق ابن مزين، وابن العطار وابن أبي زمنين، وابن الهندي، وابن مغيث، وابن فتوح، والجزيري، والمتيطيي، والغرناطي، وأحكام ابن سهل، وغرائب الأحكام لأبي المطرف الشعبي، ومختصر ابن عرفة، وتبصرة ابن فرحون.
قيمة الكتاب:
هذا الكتاب هو عمدة الموثقين الذين أتوا بعده، حتى أن بعضهم نقل أكثر فصوله بالحرف (٦١).
стр. 95
الكتاب الرابع:
" غنية المعاصر والتالي، في شرح وثائق الفشتالي".
غرض الكتاب:
شرح بعض فصول وثائق الفشتالي، وتحرير مواضع الخلاف فيها، وإكمال ما كان فيها من نقص، مع التنبيه علي ما وقع فيه المؤلف من اوهام، وتوضيح ما كان هناك من إِجمال أو إِبهام.
مصادر الكتاب:
والمصادر التي اعتمدها المؤلف في هذا الكتاب تكاد تكون هي نفسها التي استقي منها في كتابه "المنهج الفائق" الآنف الذكر، وربما كان الأسبق في التأليف.
قيمة الكتاب:
فصول مهمة في التوثيق والأحكام، في غاية التحرير والإتقان، قال الوقلاوي في شأنها: "إنها من أفضل ما كتب في الموضوع، ولعل المؤلف اخترمته المنية قبل إتمامه (٦٢) ".
стр. 96
الكتاب الخامس:
" مختصر أحكام البرزلي"
عني أبو العباس بكتب النوازل، يقرؤها ويلخصها، ومن أهمها: "أحكام البرزالي" وهو في مجلدات، ولا تكاد توجد نسخة كاملة منه إلي الآن.
غرض الكتاب:
جاء في نهاية الكتاب: "انتهي ما رمته من استخراج بعض الفروع مما لا بد منه، مع زيادة من بعض تواليف أحمد بن إدريس القرافي، وتاريخ الصدفي، وكتاب الشيرازي، وما تلقيته عن الشيخ الإمام ... أبي عبد الله القوري (٦٣) ".
قيمة الكتاب:
كتاب الأَحكام للبرزالي، من المؤلفات التي لها مكانها المرموق في المذهب المالكي، وقد لخصه أبو العباس، وأضاف إِليه إضافات لها أهميتها.
تاريخ جمعه:
جمعه أبو العباس في حدود سنة (٨٦٨ هـ) -أي في حياة شيخه أبي عبد الله القوري، بدليل أننا نجده يدعو له بطول البقاء والعمر (٦٤).
стр. 97
الكتاب السادس: "الولايات "
غرض الكتاب:
التعريف بالخطط الشرعية، ومناصب الحكومة الإسلامية.
مضمنه:
ضمنه المؤلف سبع عشرة ولاية (٦٥):
١) الولاية العظمي.
٢) ولاية الوزارة.
٣) ولاية القضاء- وتوسع فيها كثيرا.
٤) ولاية الشرطة.
٥) ولاية الإمارة علي البلاد.
٦) ولاية المظالم.
٧) ولاية الإمارة علي الجهاد.
٨) ولاية الحسبة والسوق.
٩) ولاية الرد.
١٠) ولاية المدينة.
١١) ولاية عقود النكاح والفسوخ.
١٢) ولاية التحكيم.
стр. 98
١٣) ولاية جباية الصدقة.
١٤) ولاية الخرص
١٥) ولاية صرف النفقة.
١٦) ولاية القسم والكتب والترجمة والتقديم.
١٧) ولاية الحكمين في جزاء الصيد والمحكومين.
مصادره:
ومن أهم مصادره:
الأحكام السلطانية للماوردي، وكتاب ابن الأمين القرطبي في الموضوع، والبيان والتحصيل لابن رشد، وأحكام ابن سهل، والمتيطية، ومختصر ابن الحاجب، وفروق القرافي.
قيمة الكتاب:
لعله أوسع تأليف في الموضوع، وقد اعتنى بنشره وترجمته إلي الفرنسية- مع ابداء ملاحظات عليه- المحامي الفرنسي (هنري برانوا) والأستاذ (جود فروة مولبين) العضو بالمعهد الفرنسي بباريز.
الكتاب السابع: "الوفيات "
ويعرف بـ (وفيات الونشريسي)
стр. 99
غرض الكتاب:
ترجم فيه لأعلام القرنين: الثامن، والتاسع للهجرة مبتدئا من عام (٧٠١ هـ) حتى عام (٩١٢ هـ) وركز أكثر علي رجالات الفكر والدين بالمغرب العربي.
منهجه:
يقتصر علي المهم في الترجمة، فيذكر الاسم والنسب، واللقب، والمولد، والوفاة وبعض ما يمتاز به المترجم له من صفات، وربما توسع في بعض التراجم، فيشير إلي مؤلفاته وأعماله الإدارية.
قيمة الكتاب:
أزاح الستار عن كثير من أعلام الفكر الذين عاشوا هذه الفترة بالمغرب الكبير، وهو عمدة الذين أتوا بعده، وقد أفاد منه التنبكتي في نيل الابتهاج، وابن القاضي في (لقط الفرائد) وسواهما.
تاريخ تأليفه:
لم يحدد المؤلف بالضبط تاريخ كتابته، ولكن الوفيات التي ذكرها فيه لم تتجاوز سنة (٩١٢ هـ) فهو مما ألفه في أخريات حياته، وربما أدركته المنية وهو يعمل فيه.
стр. 100
الكتاب الثامن:
" أسنى المتاجر, في بيان أحكام من غلب النصارى علي وطنه ولم يهاجر، وما يترتب عليه من العاقب والزواجر".
كتيب صغير، وأصله فتوي، كتب إِليه في شأنها يسأله أبو عبد الله بن قطية وقد أدرج السؤال والجواب في كتابه "المعيار"، (٦٦) ونقل الفتوي مفتي مصر الشيخ عليش في نوازله فقها مسلما (٦٧).
غرض الكتاب:
بيان موقف الإسلام من طائفتين:
- إِحداهما هاجرت من دار الكفر إِلي دار الإسلام، لكنها ضاقت عليها سبل العيش، فأرادت الرجوع إلي دار الذل والهوان.
- والثانية لم تهاجر -وفي إِمكانها ذلك- وقد آثرت البقاء تحت راية الكفر.
مصادره:
اعتمد أبو العباس في فتواه هذه، علي الكتاب والسنة وآراء أئمة الفقه.
стр. 101
ومن المصادر التي عاد إليها:
أحكام القرآن للقاضي ابن العربي، وعارضة الأحوذي علي صحيح الترمذي له أيضًا، ومعالم السنن لأبي سليمان الخطابي، وإكمال المعلم للقاضي عياض، وشرح مسلم للنووي، ومقدمات ابن رشد، ونوازل ابن الحاج، وسواها.
تاريخ كتابته:
فرغ من كتابته في ١٩ ذي القعدة عام ستة وتسعين وثمانمائة (٨٩٦ هـ).
قيمته:
لهذه الفتوي التي جعلها أبو العباس في شكل كتيب، قيمتها العلمية والتاريخية، وحاول بعض الباحثين المعاصرين أن يقلل من شأنها مصرحا بأنها "فتوى تقليدية، تلتمس الحجج -على الترتيب- من القرآن الكريم، والحديث الشريف، ثم أقوال الفقهاء، وفيي أثناء ذلك تتأول وتفسر كما تريد (٦٨) ... ".
وهو انتقاد لا يقوم علي أساس. والبحث النزيه يفرض عليه أن يذكر هذه التفسيرات والتأويلات التي حاد بها أبو العباس عن روح النص- في زعمه، وإلا فيبقي مجرد كلام، (٦٩).
стр. 102
وقد مر آنفا أن الشيخ عليش مفتي مصر اعتمدها في نوازله، واستشهد بها في مواضع من كتابه، وكفي به حجة.
ولنا وقفة قصيرة مع قوله -بعد أن أعطانا عرضا موجزا عن الموريسكوس بالجزيرة الإبيرية-: " ... ولقد ظلت بقايا قليلة من هذه الجماعة محتفظة -رغم القيود والإِرهاب- بدينها، وحروف لغتها حتى أواخر القرن السادس عشر الميلادي، وربما السابع عشر، ونجم من بينها -رغم كل شيء- رؤساء علي جانب كبير من الشهامة، وكرم الأرومة وثبات الدين ... وهؤلاء هم الذين تصفهم فتوي الشيخ الونشريسي بالكفر والعصيان، ويفتي في أمر إِيمانهم وهو متبحبح في داره في فاس! ! وقد فاته أن ضعفاء الناس أكثر من الأقوياء وأن العاجزين عن الرحلة والهجرة، هم الغالبية العظمي (٧٠) .. ".
هذا كلام لا يمثل الحقيقة في شيء، ففتوي الونشريسي لم تكن موجهة إلي تلك البقايا القليلة الضعيفة المستضعفة، التي لا حول لها ولا طول -كما زعم الكاتب- بل استثنتها كما استثناها القرآن الكريم بقوله: ﴿إلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْولْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٧١) ".
وموضوع الفتوي -كما هو واضع جلي- تلك الكثرة الكاثرة المتواجدة بغرناطة وما حولها -بعد اتفاق الجماعة- العامة منهم والخاصة- علي التسليم لملك فشتالة في حدود
стр. 103
سنة (٨٩٦ - ١٤٩١)، (٧٢) فوقعوا في حيص بيص، لا يدرون ما يفعلون، فوجه إليهم أبو العباس الونشريسي نداء الله، وقد استجاب إِليه الكثير - (٧٣) رغم المغريات التي كانت تقدمها إليهم الكنيسة ليدخلوا في حظيرة الكفر وتنصيرهم، ورغم الامتيازات التي كانت تمنحها الدولة للمتنصرة منهم (٧٤).
وقد توالت الهجرات في فترات من التاريخ، فكانت أول هجرة بعد سقوط غرناطة في حدود سنة (٣٩٨ - ١٤٩٢) (٧٥)، وكان لها دورها الفعال في تاريخ المغرب البطولي، والحضاري، - ثم تصاعدت الهجرات فكان منها دفعة قوية سنة (٩٠٢ - ١٤٩٦) (٧٦) توزعت في سائر أنحاء المغرب العربي، ثم تلتها دفعة أخرى عام (٩٧٠ - ١٥٦٣) (٧٧).
والكاتب يعرف هذا جيدا، ولكنه مع ذلك أبى إلا أن يقول -في تعنت وإصرار- "ولقد كان لفتوى الونشريسي وأمثالها أسوأ الأثر علي مصير الجماعات الإسلامية الباقية في الأندلس (٧٨) ... ".
стр. 104
وأما قوله: " ... وهو -أي الشيخ الونشريسي- متبحبح في داره في فاس ... " فهذا ليس هو الونشريسي الذي تذكره كتب التراجم بالزهد والورع، والدين المتين، عاش حياة التقشف يركب الحمار ويلبس الخشن، وظل يسكن دويرة للحبس، يؤدي كراءها إلي أن لقي ربه، وكان شديد الشكيمة، بعيدا عن أهل الجاه والسلطة والشهرة، صليبا في الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، -وإنما هو ونشريسي آخر- في مخيلة الكاتب، يصوره له وهمه -كما أراد! !
والناس أكيس من أن يمدحوا رجلا ... ما لم يروا عنده آثار إحسان
стр. 105
٤ - دراسة تحليلية لكتاب: إيضاح المسالك إلي قواعد الإمام مالك
بعد إلقاء نظرة علي ما تركه لنا المؤلف من تراث، رأيت من اللازم تخصيص هذا الفصل لكتابه "إيضاح المسالك، إلي قواعد الإِمام أبي عبد الله مالك" كي أقدم للقاريء الكريم صورة مقتضبة عن تاريخ تأليف الكتاب، وعرضه، ومنهاجه، ومضمونه، ومصادره، ثم تقييمه، وبه أختم المطاف عن آثار المؤلف ﵀.
توثيق عنوان الكتاب:
أثبت المؤلف- نفسه- هذا العنوان في كتابه (المنهج الفائق (١)) وعليه أكثر النسخ التي عثرت عليها في المكتبات العامة والخاصة، وأورده بهذا الاسم جل من ترجموا للمؤلف.
стр. 106
تاريخ تأليفه:
حسبما يبدو أن أبا العباس كتب صورة مختصرة لهذا الكتاب، بتاريخ سبعين وثمانمائة هجرية- وقد احتفظت بهذه الصورة نسخة فريدة- فيما أعلم- بالخزانة العامة بتطوان رقم (٦١٩).
ثم ظلت يده تعمل فيه بالتنقيح والتحرير مدة، وأهم زيادة أضيفت إِليه هي المسائل والصور الفقهية التي أدرجت تحت كل قاعدة، حتى صار علي الصورة التي عليها الآن، ولهذا نراه اختلفت نسخه ما بين زيادة ونقصان، وهذا ليس ببدع، فجل المؤلفين ساروا علي هذا المنوال في تأليفهم، فلنأخذ مثلًا موطأ الإمام مالك، فإن الباحث إذا ما قارن بين صورته الأولى التي كتبت عنه في البداية، ورواها عنه تلاميذه -وهم كثيرون- والصورة الأخيرة التي سمعها عنه يحيى بن يحيى الليثي- وهي التي اشتهرت روايتها بالمغرب، وشرحها الكثيرون، سيجد- لا محالة- البون الشاسع بين هذه الصورة وتلك.
غرض الكتاب وسبب تأليفه:
يفهم غرض الكتاب وسبب تأليفه، مما استهله به مؤلفه " ... فإنك سألت أيها الفاضل الشريف، الرفيع القدر الأعلى المنيف ... أن أجمع لك تلخيصا مهذب الفصول، محكم المباني
стр. 107
والأصول، يسهل عليك أمره، ويخف عن الأسماع والقلوب ذكره (٢) ... ".
ومن هذه الفقرات القليلة، يتضح أن المؤلف وضع هذا الكتاب تلبية لرغبة سائله، هادفا منه اختيار مجموعة من القواعد الهامة، وإدراج تحت كل قاعدة منها زمرة من الفروع والمسائل الملائمة لها، وبذلك يكون قد سهل الأمر علي الفقيه المختص، والمهتم بالميادين الفقهية- على السواء، ويكفيهم عناء البحث عن المسائل التي تندرج تحت كل قاعدة.
منهاجه:
لقد نهج المؤلف نهج التنويع في إيراده للقواعد، وصيغها، والمسائل التي أدرجها تحت جل منها.
١ - تنويعه للقواعد: أورد المؤلف في كتابه "الإيضاح" نوعين من القواعد: نوع عام، ونوع خاص، ولكل منهما فروعه الخاصة، وسيأتي مزيد بيان، في الفصل الخامس بحول الله.
٢ - تنويعه لصيغ القواعد:
في غالب الأحيان ما يورد القاعدة في صيغة الاستفهام، للدلالة علي الخلاف المذهبي في أصل القاعدة، كقوله -مثلًا-: "الظن هل ينقض بالظن أم لا؟ (٣) ""الصور الخالية من
стр. 108
المعنى، هل تعتبر أم لا؟ (٤) ""الشفعة هل هي بيع أو استحقاق؟ (٥) ".
وفي بعض الاحيان يأتي بالقاعدة في صيغة جملة خبرية, إيحاء منه بأن القاعدة مسلمة لا خلاف فيها بين الفقهاء، كـ "الذمة إذا عمرت بيقين، فلا تبرأ إلا بيقين" (٦). و "الشك في الزيادة كتحققها (٧) ". و "الضرورات تبيع المحظورات (٨).
ثم يتبع كل قاعدة بالمسائل والصور الفقهية، التي تقبل الاندراج تحتها، وبتعبير أدق يقوم بتطبيق عملي بالنسبة لكل قاعدة غالبا.
٣ - تنويعه في الفروع والصور:
تري المؤلف يطوف بالباحث في رحلة ممتعة وشاقة في آن واحد- علي مختلف أبواب الفقه، باحثا عن المسائل التي يدرجها تحت قاعدة ما، لا سيما إذا كانت من القواعد العامة، خذ مثلًا قاعدة "الدوام علي الشيء هل هو كابتدائه أم لا؟ (٩) ". فإنك ستجد المؤلف يتجول بك في أبواب شتي بدون مراعاة أي ترتيب؛ الإيمان، الصلاة، الطلاق، الحج، العمرة،
стр. 109
البيوع، النكاح، الصيد، الضمان، الغصب، الصيام، الكفارات، الظهار الردة، الزكاة ... الخ.
أما إذا كانت القاعدة من القواعد الخاصة، فغالبا ما يقتصر علي تصيد مسائلها وصورها من باب واحد، كقاعدة: "النكاح من باب الأقوات، أو من باب التفكهات؟ (١٠) "فإن جميع الأمثلة التي أوردها كتطبيق علي القاعدة، لم تخرج عن إطار باب النكاح.
والشيء الذي يلفت النظر، أن المؤلف يكاد يحصي كل قضية وصورة جري فيها الخلاف المذهبي، من هذا القبيل أو ذاك، وقد يشير إلي الخلاف العالي، وينتهيي في بعض الأحيان- بذكر المذهب الصحيح، والقول الراجع، أو المشهور في المسألة.
مضمن الكتاب:
ضمن أبو العباس كتابه "الإيضاح"، ثمان عشرة ومائة قاعدة، يبتديء بقاعدة: "الغالب هل هو كالمحقق أم لا (١١)؟ " وينتهي بقاعدة: "كل ما أدي اثباته إلي نفيه، فنفيه أولي (١٢) ".
وبين هذه وتلك اورد المؤلف أربعة أقسام من القواعد (١٣)، أودع في كل منها- غالبا- قضايا متعددة، وفروعا
стр. 110
مختلفة، تصل في مجموعها إلي نحو ألفي مسألة وصورة، جلها خلافية- بالإضافة إلي المقدمة، وتقريظه للإيضاح بنفسه في النهاية، واستطراده بعض التنبيهات، والفوائد والحكايات- رغم صغر حجم الكتاب، وهنا تلعب لغة الرموز والتلميحات دورها الفعال، فيضمنه هذا القدر من الأحكام، الذي قد لا يخطر علي بال، وتتزاحم المسائل، وتتشابك الصور والفروع ... ! !
مصادر الكتاب:
اعتمد أبو العباس في تأليفه هذا الكتاب -بالدرجة الأولى- كتب القواعد الفقهية، ثم الأمهات، فسائر دواوين الفقه الهامة، ويمكن ترتيبها حسب إفادته منها- كثرة وقلة -كما يلي:
١ - قواعد المقري.
٢ - فروق القرافي.
٣ - مختصر ابن الحاجب الفقهي.
٤ - التوضيح للشيخ خليل.
٥ - شرح ابن عبد السلام لمختصر ابن الحاجب.
٦ - مدونة الإمام مالك (رواية سحنون).
٧ - مختصر ابن عرفة.
٨ - نوادر ابن أبي زيد القيرواني.
٩ - البيان والتحصيل لابن رشد.
١٠ - المقدمات لابن رشد أيضًا.
١١ - نوازل البرزلي.
١٢ - أحكام ابن سهل.