الفرع الأول: تعريف الجدل لغة وشرعاً:
أولاً: تعريف الجدال لغةً:
ذكر ابن فارس أن مادة (جدل) من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه, وامتداد الخصومة ومراجعة الكلام (١).
وقال ابن منظور (٢): "الجدل شدة الفتل, وجَدَلْتُ الحَبْلَ أَجْدِلُه جَدْلاً إِذا شددت فَتْله وفَتَلْتَه فَتْلاً مُحْكَماً " (٣).
ثانياً: تعريف الجدال اصطلاحاً:
أما شرعاً فللعلماء في تعريف الجدل عبارات متقاربة, وهي كما يلي:
قال المناوي: " الجدل: دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجّة أو شبهة، أو يقصد به تصحيح كلامه, وهو الخصومة في الحقيقة، والجدال: عبارة عن مراء يتعلّق بإظهار المذاهب وتقريرها " (٤).
وقال الفيومي (٥): "هو التّخاصم بما يشغل عن ظهور الحقّ ووضوح الصّواب" (٦).
وأضاف الكفويّ (٧) على تعريف المناوي قوله: "هو عبارة عن دفع المرء خصمه عن فساد قوله بحجّة أو شبهة, وهو لا يكون إلّا بمنازعة غيره" (٨).
стр. 107
وقال في موضع آخر عن المجادلة: "هي المنازعة في المسألة العلمية لإلزام الخصم, سواء كان كلامه فاسداً في نفسه أو لا" (١).
وبالنظر في هذه التعريفات المتعددة للجدل والجدال يتبين أنها متقاربة, وإن كان بينها بعض الاختلاف, وإذا أمعنا النظر في ذلك نجد أنها قد اختلفت باختلاف الهدف من الجدل, ولذا قال الفيومي بعد تعريفه: وهو محمود إن كان للوقوف على الحق وإلا فمذموم.
والحاصل: أن الجدال لا يخلو عن تخاصم ومراء في الأصل؛ لكن قد يستعمل بمعنى المباحثة والمناظرة التي يهدف فيها المتباحثون التوصل للحق, مثل ما كان يقع من المناظرات بين الشافعي وسفيان الثوري, أو بين الشافعي وإسحاق بن راهويه (٢) , أو بين غيرهم من الأئمة السابقين.
ولهذا كان الجدل في الدين محموداً, ولقد جادل نوح ﵇ والأنبياء أقوامهم حتى يظهر الله الحق, فمن قبله أنجح وأفلح, ومن رده خاب وخسر.
وقد يكون الجدال للمماراة والعناد وجحد الآيات, أو لدحض الحق بالباطل, ولا يهدف إلى إظهار الحق؛ فيكون بهذا مذموماً.
ولهذا لا تكون المجادلة لأهل الكتاب إلا عن بصيرة, وتكون من أهل العلم الذين يفهمون كيف يجادلونهم؛ ليقنعوهم ويستطيعوا الرد على شبهاتهم.
وأما الجاهل الذي يجادل من غير علم وبدون بصيرة, فلا يحق له أن يجادلهم لما قد يترتب على ذلك من الفتنة, وعلى هذا التَّفصيل تنزَّل النُّصوص الواردة في إباحته وذمّه.
والجدال ينقسم من حيث مشروعيته إلى قسمين: جدال محمود, وجدال مذموم, وإذا نظرنا في نصوص الخطاب القرآني الواردة في الجدال نجد أن بعضها تدل على مشروعيته, وبعضها تدل على
стр. 108
ذمه وذم أهله, وقد أشرنا فيما سبق إلى أن أصل الجدل لا يخلو من التخاصم, وأنه قد يكون للوقوف على الحق, وعلى هذا فلا بد من التفصيل في حكمه بحسب الدافع إليه؛ فنقول:
стр. 109
القسم الأول: الجدال المحمود:
الجدال يكون محموداً إذا تعلَّق به إظهار الحق وتقريره أو الوقوف عليه, وقد أُمر بذلك النَّبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١).
وقد خاطب الله المؤمنين بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢).
فتبين من خلال هذه الآيات مشروعية الجدال الذي أمر الله به رسوله أن يجادل أهل الكتاب وغيرهم, وأن يدعوهم إلى الله بالحسنى, وهذا هو الجدال المحمود.
القسم الثاني: الجدال المذموم:
وأما الجدال المذموم فهو الذي يكون بغير الحق, أو يكون مما أراد به المجادل أن يظهر الباطل في صورة الحق, أو يشغل الناس عن ظهور الحقِّ ووضوح الصّواب, أو ليدحض به الحق, فحينها يكون مذموماً، ويكون صاحبه آثماً, وهذا هو المقصود بقوله ﷺ : ﴿ما أوتِيَ قَوْم الجدَلَ إلا ضَلُّوا﴾ (٣) , وهذا هو مرادنا من الجدال المذموم الذي حصل من أهل الكتاب والمشركين مع رسل الله ﵈ كما تبينه الآيات التالية: قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ (٥).
وقال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ (٦).
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (٧).
стр. 110
قال سيد قطب: فهؤلاء لا جدال معهم ولا محاسنة, وهؤلاء هم الذين حاربهم الإسلام عندما قامت له دولة في المدينة (١).
ومن خلال هذه الآيات وغيرها تبين أن كل من جادل في الله بغير علم, ولا هدى ولا كتاب منير, فإن جداله يكون مذموماً؛ وذلك لإتباعه هواه, وتلبيسه للحق بالباطل.
الفرع الثاني: مشروعية جدال أهل الكتاب عند المفسرين:
جاء الأمر بمجادلة أهل الكتاب في القرآن الكريم في عدة آيات, فمن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٢).
أما دلالة هذه الآية على مشروعية جدال أهل الكتاب: فقد اختلفت عبارات المفسرين في معنى هذه الآية ودلالتها على مشروعية جدال أهل الكتاب, ونحن نعرض أقوالهم كما يلي:
قال النسفي (٣) ﵀: "الآية تدل على جواز المناظرة مع الكفرة في الدين, وعلى جواز تعلم علم الكلام الذي به تتحقق المجادلة, وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ من جنس المجادلة بالأحسن, وقال ﷺ : ﴿ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان باطلاً لم تصدقوهم وإن كان حقَّاً لم تكذبوهم﴾ (٤) " (٥).
стр. 111
وقال الإمام القرطبي ﵀: " اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ فقال مجاهد: هي محكمة. فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى الله , والتنبيه على حججه وآياته رجاء إجابتهم إلى الإيمان, لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة, وقوله على هذا: إلا الذين ظلموا منهم معناه: ظلموكم, وإلا فكلهم ظلمة على الإطلاق.
وقيل: المعنى لا تجادلوا من آمن بمحمد ﷺ من أهل الكتاب المؤمنين كعبد الله بن سلام ومن آمن معه, (إلا بالتي هي أحسن) أي بالموافقة فيما حدثوكم به من أخبار أوائلهم وغير ذلك.
وقوله على هذا التأويل (إلا الذين ظلموا) يريد به من بقي على كفره منهم, كمن كفر وغدر وقد حصل هذا الموقف من بني قريظة والنضير وغيرهم, والآية على هذا أيضا محكمة.
وقيل: هذه الآية منسوخة بآية القتال, أي: قوله تعالى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ... ﴾ (١) قاله قتادة.
ثم قال القرطبي: "وقول مجاهد حسن؛ لأن أحكام الله لا يقال فيها إنها منسوخة إلا بخبر يقطع العذر أو حجة من معقول, واختار هذا القول ابن العربي (٢) " (٣).
وهذا هو الصحيح بأنه يجوز للمؤمنين أن يقوموا بدعوة أهل الكتاب إلى الله في كل زمانٍ ومكان, وكذلك غيرهم من المشركين؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤).
ووجه الدلالة أن مجادلة أهل الكتاب تكون في سبيل دعوتهم إلى الإيمان, وإخراجهم من الظلمات إلى النور وهي من إتباع سنة رسول الله ﷺ , ولكن يجب أن يكون هذا الجدال قائماً على آداب لا بد من مراعاتها حتى تؤتي المجادلة ثمارها, وإنما أوجبنا مراعاة الآداب لقوله تعالى: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) فإنه قيد مجادلة أهل الكتاب بقوله: (إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) والله اعلم.
وسنقوم بذكر بعض آداب الجدال تنبيهاً على أهميتها وهي كما يلي:
стр. 112
الفرع الثالث: آداب الجدال مع أهل الكتاب:
ينبغي لمن أراد أن يجادل أهل الكتاب أن يكون مطلعاً على بعض مما عندهم, كمعرفة شبهاتهم التي يرددونها حتى يرد عليها ويسهل الحوار معهم, وأن يكون عالماً ومطلعاً على الأدلة التي يقتنع بها خصمه سواء كانت هذه الأدلة عقلية أو نقلية, وأن يختار الزمان والمكان المناسب الذي يشعر فيه أن الخصم مهيأ لقبول الحق بالجدال معه أو الحوار, ويدل على هذا أن الرسول ﷺ حينما قال له اليهودي: ﴿جِئْتُ أَسْأَلُكَ. فقال له رسول اللَّهِ ﷺ : أَيَنْفَعُكَ شَيْءٌ إن حَدَّثْتُكَ؟ قال: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ, فَنَكَتَ رسول اللَّهِ ﷺ بِعُودٍ معه فقال: سَل﴾ (١).
وقد ذكر بعض العلماء (٢) مجموعة من الآداب للجدال مع أهل الكتاب وغيرهم فمنها ما يلي:
١ - التزام القول الحسن, وتجنب منهج التحدي والإفحام قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (٣) , وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ (٤).
٢ - الالتزام بوقت محدد في الكلام, ولا يسترسل فيه حتى يخرج عن حدود الأدب والذوق الرفيع.
٣ - حسن الاستماع والتزام أدب الإنصات, وتجنب المقاطعة حتى تتضح الآراء, ويتم تحديد نقاط الخلاف وأسبابها للقيام بمعالجتها وتنقيحها.
٤ - حصر المناظرات في مكان محدود حتى لا يتشتت الفكر فلا تؤتي المناظرة ثمرتها.
٥ - الإخلاص والتجرد في قبول الحق.
وقد أضاف الشيخ السعدي في تفسيره للآية السابقة التي تتحدث عن الجدال مجموعة من الشروط والآداب التي ينبغي أن يتحلى بها كل من أراد أن يجادلهم, فمنها:
١ - النهي عن مجادلة أهل الكتاب إذا كانت عن غير بصر من المجادل, وبغير قاعدة مرضية.
٢ - أن يجادلوا بحسن خلق ولطف ولين كلام, ودعوة إلى الحق بتحسينه, ورد الباطل وتهجينه.
стр. 113
٣ - أن لا يكون القصد من المناظرة مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو, بل يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق.
أي: ولتكن مجادلتكم لأهل الكتاب مبنية على الإيمان بما أنزل إليكم وأنزل إليهم, وعلى الإيمان برسولكم ورسولهم وعلى أن الإله واحد, ولا تكن مناظرتكم إياهم على وجه يحصل به القدح في شيء من الكتب الإلهية أو بأحد من الرسل كما يفعله الجاهل عند مناظرة الخصوم يقدح بجميع ما معهم من حق وباطل فهذا ظلم وخروج عن الواجب وآداب النظر, فإن الواجب أن يرد ما مع الخصم من الباطل, ويقبل ما معه من الحق, ولا يرد الحق لأجل قوله ولو كان كافراً" (١).
وسنذكر في المبحث القادم مجموعة من الأمثلة التي تبين كيف كانت مواقف أهل الكتاب قديماً وحديثاً من الجدال والمناظرة.
الفرع الرابع: مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم حديثاً:
أما مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم حديثاً فلا بد أن تلتزم بالمنهج الإسلامي الذي يدعو للجدال بالتي هي أحسن, وبالطريقة الحسنى القائمة على الإيمان بأصول الأديان, وبالكتب التي أنزلت إلينا وإليهم, ولكننا نؤمن بأن كتب أهل الكتاب حرفت وبدلَّت, وعليه فلا حجة بما بقي فيها إلا ما وافق القرآن الكريم وسنة رسول الله محمد ﷺ ! لأن الله قد توعد بحفظه, ولم يدخله التحريف بعكس ما في كتبهم.
وقد أصبحت وسائل المناظرة والمجادلة في عصرنا الحديث متعددة وميسرة, فلا نكتفي بدعوتهم للمناظرة فرداً لفرد, أو شخصاً لشخص, ولكن لا بد أن نستفيد من وسائل العصر لحوارهم وجدالهم فمثلاً: أن يتعلم المناظر لغاتهم (٢) , وذلك ليتم التخاطب معهم بلغتهم, وكذلك حوارهم عبر القنوات الفضائية المرئية والمسموعة, وكذلك عبر الإذاعات المسموعة؛ وذلك رداً عليهم وعلى مناهجهم.
ومما يحتم علينا دعوتهم أنهم اليوم في تطور مستمر في طرقهم وأساليبهم في نشر أفكارهم المحاربة للإسلام, وقد أصبحت "مناهج العمل التنصيري متعددة الجوانب, ودائماً في تطور مستمر, فمن هذه
стр. 114
الجوانب التنصير الإذاعي, وهناك من المنصرين من تخصصوا في إعداد البرامج التي تستخدم فيها كل الوسائل لجذب المستمعين ونشر تعاليم الإنجيل, ومن بين هذه الإذاعات (صوت العالم, وصوت الحق) " (١).
وكذلك لا بد من دعوتهم بوسائل الإعلام المسموعة: كالأشرطة المسموعة, وكأفلام الفيديو المرئية, وكذلك عبر الصحف والمجلات والدوريات المرئية المقروءة, وكذلك المراسلات عبر شبكات الإنترنت, وهي من أنفع الوسائل وأسرعها, وعبر الرسائل البريدية, وكذلك عبر مكالمات التلفونات (الجوال) , وكم لهذه الوسائل من أثر على النفوس والقلوب, وكل هذا لإبراء الذمة أمام الله في القيام بواجب التبليغ ولإقامة الحجة عليهم حتى لا يقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير, وبعض هذه الوسائل قد استعملها الرسول ﷺ كالمناظرة, وإرساله الرسل إلى جميع أقطار الأرض.
خلاصة:
أن عاى الداعية في عصرنا الحاضر الذي يتصدى لجدال أهل الكتاب أن يخبرهم أن ما يدعوننا إليه من الحوار ليس على شيءٍ من الهدى والاستقامة, حتى نكون جميعاً قد اجتمعنا على كلمة سواء تجمع بيننا وبينهم, وتحقن دماءنا ودماءهم وهي إفراد الله بالتوحيد, وعلى إقامة ما أنزل علينا جميعاً من ربنا قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٢).
وحرصاً منه ﷺ أن لا يكون في الحوار والمناظرة بيننا وبين أهل الكتاب شيئاً من العبث اشترط عليهم بعض الشروط قبل الحوار, فمن ذلك عندما جاءته عصابة من اليهود قال لهم ﷺ : ﴿سلوني عما شئتم؛ ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه إن أنا حدثتكم بشيء تعرفونه صدقاً لتتابعوني على الإسلام.
قالوا: لك ذلك.
قال: فسلوني عما شئتم﴾ (٣).
стр. 115
ثم ظهر موقفهم من هذا الجدال في نهاية المناظرة أنهم نقضوا العهد والقاعدة التي عاهدوا الرسول ﷺ على الوفاء بها, وينبغي أن يتحلى بهذا كل من يناظر أهل الكتاب حديثاً, وإلا لا داعي للحوار معهم لأنه سيكون مضيعة للوقت.
ومما لا بد منه قبل حوارنا معهم أن نقوم بخطوات عملية لتعريف أهل الكتاب بدين الإسلام تسبق ذلك عبر السفارات والقنصليات والملحقيات الثقافية في البلدان التي توجد فيها سفارات عربية وإسلامية, ونقوم باستدعاء السفراء والجلوس معهم, ومناقشتهم حول المسائل المتفق عليها وتقويتها, وهي من أهم الوسائل وأنفعها في يومنا هذا؛ لأن القلوب أصبحت متألمة من كل ما حصل ويحصل من احتلال لبلاد المسلمين, ومن كل تدخل نصراني سافر ضد المسلمين مباشر وغير مباشر, ومن تعاون النصارى مع اليهود في احتلالهم لبلاد المسلمين, بالإضافة إلى القتال والعداء التاريخي المتراكم.
ومثل هذا يحتاج إلى عقد مؤتمرات دولية يحضرها كبار العلماء والمثقفين والمفكرين المنصفين من جميع الأطراف يقومون بجمع نقاط الاتفاق ويقومون بتقويتها والتأكيد عليها, وتضيق نقاط الاختلاف بيننا وبينهم, ثم يقومون بدراستها دراسة موضوعية حتى نتمكن جميعاً من الوصول إلى الحوار الموضوعي الجاد القائم على توحيد الله والإيمان بجميع رسله وأنبيائه.
المطلب الثاني: دعوة أهل الكتاب للمباهلة , وفيه فرعان:
لقد شرع الله للمؤمنين جدال أهل الكتاب ومناظرتهم بالحوار كوسيلة لإقناعهم بالحق, مع أنه قد علم من بعض من وقع معه الجدال بالتي هي أحسن عدم الجدوى, وذلك لإصرارهم على باطلهم, وجحودهم للآيات, وتكذيبهم للرسل, لذلك أمر الله رسوله بأن يسلك مع هؤلاء الخطوة الثانية وهي: المباهلة, وهي تكون للذين ظلموا منهم بإصرارهم على باطلهم, وقد شرعها الله لنبيه محمد ﷺ بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (١).
فهذه المباهلة كانت على النفس والأهل والأبناء, وهناك المباهلة الأخرى والتي كانت على تمني الموت ليتبين الصادق من الكاذب, كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ
стр. 116
عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (١) , ونحن قبل أن نقوم بذكر أقوال أهل العلم والتفسير في المباهلة ومشروعيتها نقوم بتعريف المباهلة لغة واصطلاحاً.
الفرع الأول: تعريف المباهلة لغة واصطلاحاً .
أولاً: تعريف المباهلة لغةً:
لقد عرف أهل اللغة المباهلة بمعناها المأخوذ من كلام العرب ولغتها:
قال ابن فارس: والمباهلة والابتهال: التضرع في الدعاء، فإن المتباهلين يدعو كل واحد منهما على صاحبه, قال تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (٢)(٣).
قال الرازي (٤): " والابتهال فيه وجهان:
أحدهما: أن الابتهال هو الاجتهاد في الدعاء وإن لم يكن باللعن, ولا يقال ابتهل في الدعاء إلا إذا كان هناك اجتهاد.
والثاني: أنه مأخوذ من قولهم: عليه بهلة الله أي: لعنته, وأصله مأخوذ مما يرجع إلى معنى اللعن؛ لأن معنى اللعن هو: الإبعاد والطرد, وبهله الله أي: لعنه وأبعده من رحمته, والقول الأول أولى؛ لأنه يكون قوله ثم نبتهل أي: ثم نجتهد في الدعاء ونجعل اللعنة على الكاذب وعلى القول الثاني يصير التقدير ثم نبتهل أي: ثم نلتعن" (٥).
فتبين من التعريف اللغوي للمباهلة أنها مأخوذة من الابتهال والتبهل بمعنى: التلاعن, والاجتهاد في الدعاء بحصول ووقوع اللعنة على الكاذب أو الظالم من المتبهلين.
стр. 117
ثانياً: تعريف المباهلة إصطلاحاً:
قال أسعد حومد ﵀ والمباهلة: أن يجتمع فريقان يختلفان في أمرٍ, ثم يبتهلان إلى الله بأن يجعل لعنة الله على الكاذبين" (١).
وهناك تعريف أشمل للمباهلة لأحد المعاصرين أضاف فيه على ما سبق من التعريفات بقوله: والمباهلة: "دعاء الفريقين المتكاذبين، كلاً بالهلاك على الطرف الكاذب وذريته" (٢).
فتبين من التعريف الاصطلاحي أن المباهلة, والابتهال, والتباهل, ووتباهل القوم بعضهم بعضاً: أي التضرع والاجتهاد في دعاء الله أن يلعن الظالم منهما, وهي بمعنى واحد مع التعريف اللغوي.
ثالثاً: طريقة المباهلة:
أن يوجد طرفان مختصمان والحق مع أحدهما, فيعقدان في اجتماعاً بينهما ويأتون بأنفسهم وأبناءهم ونساءهم ثم يتضرعون إلى الله بالدعاء أن يلعن الكاذب منهما, ويكون لهذه المباهلة سبب, ونتيجة. فالسبب: هو ما اختلف عليه الطرفان أحدهما على باطل.
والنتيجة: هو ما يحصل فيها من ثبات ورسوخ لعقيدة أحدهما, وبيان صدقه, وفي المقابل: إبطال عقيدة الآخر, وبيان كذبه, واستحقاقه للعنة ونزول العذاب, وهذا هو ما حصل من تراجع للطرف الآخر وهم: (النصارى) حينما باهلوا الرسول ﷺ , فدعاهم أن يأتوا بأبناءهم ونساءهم وأنفسهم, ويدعون الله أن يلعن الكاذب منهما وذريته! فلاذوا بالفرار, وخافوا ولم يباهلوه حينما تأكدوا أنه سيكون فيها المفاصلة بين طرفي الحق والباطل, وتبين موقفهم من هذا الخطاب القرآني بتراجعهم, وأنهم يعرفون صدق نبوة عيسى ﵇ وصدق رسالة محمد ﷺ , فاستحقوا اللعنة هم ومن وافقهم من اليهود, واستحق اللعنة كل من استمر على قولهم بعد بيانه وتوضيحه من الله تعالى, ومن رسوله ﷺ , ولا تكون هذه المباهلة إلا في المسائل الاعتقادية القاطعة التي لا تقبل الاجتهاد, والتي لا تحتمل إلا قولاً واحداً, ولا يكون فيها أكثر من قول, قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣).
стр. 118
فتبين مما سبق أنهم كانوا يعرفون الحق ويكتمونه وقد بين الله موقفهم من ذلك بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١).
الفرع الثاني: مشروعية المباهلة حديثاً:
والأهم في موضوع المباهلة هو أنه هل يمكن أن تقوم بيننا وبين أهل الكتاب حديثاً مباهلة في المواضيع العقدية التي تتعلق بالمسيح عليه ﵇ وفي غيرها, وتكون كبديل عن مناظرتهم ومحاورتهم؟ أم أنها خاصة برسول الله ﷺ .
فقد تكلم الكثير من العلماء عن مشروعيتها وجوازها بعد رسول الله ﷺ إذا اختلف الناس في أمر وأصر أحد المختلفين على الباطل بعد قيام الحجة, وسنذكر هنا مجموعة من أقوال العلماء في جواز ذلك.
ذكر ابن حجر (٢) ﵀ عدة فوائد في قصة وفد أهل نجران حينما جاءوا إلى رسول الله ﷺ منها: مشروعية مباهلة المخالف إذا أصر بعد ظهور الحجة, وقد دعا ابن عباس إلى ذلك ثم الأوزاعي (٣) ووقع ذلك لجماعة من العلماء, ومما عرف بالتجربة أن من باهل وكان مبطلاً لا تمضى عليه سنة من يوم المباهلة.
قال ابن حجر: ووقع لي ذلك مع شخص كان يتعصب لبعض الملاحدة فلم يقم بعدها غير شهرين" (٤).
стр. 119
وقال ابن القيم (١) ﵀: "ومنها أن السنة في مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حجة الله, ولم يرجعوا بل أصروا على العناد أن يدعوهم إلى المباهلة, وقد أمر الله بذلك رسوله ولم يقل إنَّ ذلك ليس لأمتك من بعدك, ودعا إليها ابن عمه عبد الله بن عباس من أنكر عليه بعض مسائل الفروع, ولم ينكر عليه الصحابة, ودعا إليها الأوزاعي سفيان الثوري (٢) في مسألة رفع اليدين, ولم ينكر عليه ذلك, وهذا من تمام الحجة" (٣).
فتبين مما سبق أن الآية نزلت في نصارى نجران لكن: (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) فيدل على أنه ﷺ دعا كل من حاجَّه في عيسى ﵇ للمباهلة, سواء كانوا نصارى نجران من أهل الكتاب أو غيرهم بنص القرآن, قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (٤) فهي جائزة من رسول الله ﷺ , ولأمته فعلها من بعده أسوةً به ﷺ , لكل من عاند بعد ظهور الحجة, ومن منع ذلك فعليه الدليل.
وذكر ابن تيمية أيضاً فوائد في حديث وفد نجران قال: " فلما ذكر النبي ﷺ ذلك للنصارى إستشوروا بينهم فقالوا: تعلمون أنه نبى, وأنه ما باهل أحد نبياً فأفلح, فأدوا إليه الجزية, ودخلوا فى الذمة, واستعفوا من المباهلة" (٥).
قال السيد محمد صديق خان: "والمباهلة جائزة بعد النبي ﷺ في أمر مهم شرعاً وقع فيه اشتباه, وعناد لا يتيسر دفعه إلا بها, وقد باهل بعض السلف: كالحافظ ابن القَّيم في مسألة
стр. 120
صفات الباري, والحافظ ابن حجر, وغيرهما جماعة من المقلدة فلم يقوموا بها, وانهزموا ولله الحمد, ومن منع منها الأمة بعد رسول الله ﷺ فلم يصب, ولم يأت بدليل" (١).
قال ابن عطية: إن سبب هذا الدعاء إلى تمني الموت أن النبي ﷺ أراد به هلاك الفريق المكذب أو قطع حجتهم (٢).
وأما في عصرنا الحديث فقد قام أحمد طومسون في المركز الإسلامي بانجلترا يدعو للمباهلة أثناء المناظرة الكبرى بين احمد ديدات (٣) , والقس أنيس شوروش (٤) بعد قراءته لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (٥). بقوله: " فالبنيابة عن ديدات وعن جميع المسلمين أود أن أقول لعننا الله إن كانت المعلومات التي يشير إليها القرآن كاذبة" (٦).
فكانت هذا المباهلة عبارة عن الدعاء, وهي دليل على قوة الثقة بالعقيدة عند الشخص.
أما المباهلة التي تكون بالدعاء فقط فلا يشترط فيها الاجتماع, ولا يشترط تحقق العقوبة لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٧).
ثم إن المباهلة تحصل بالأقربين إلى المباهل, وتحصل أيضاً بالأبعدين في النسب, فالمراد أنهم يدعون الأقربين كما يدعوا هو الأقرب إليه؛ لأن النفوس تحنوا على أقاربها مالا تحنوا على غيرهم,
стр. 121
وكانوا يعلمون أنه رسول الله, ويعلمون أنهم إن باهلوه نزلت البُهلة عليهم وعلى أقاربهم, فاجتمع خوفهم على أنفسهم وعلى أقاربهم فكان ذلك أبلغ في امتناعهم, وإلا فالإنسان قد يختار أن يهلك ويحيا ابنه والشيخ الكبير قد يختار الموت إذا بقى أقاربه في نعمة ومال, فطلب منهم المباهلة بالأبناء والنساء والرجال والأقربين من الجانبين (١).
خلاصة:
إن الله جعل في المباهلة حكمة, وهي إظهار الثقة الكاملة بقوة يقين المسلم فيما يعتقده أمام افتراءت أهل الكتاب كالنصارى في المسيح ﵇ , من قولهم فيه: إنَّهُ اللهُ, أو إنه لغير رشدة, وما رموا به مريم من الإفك والبهتان وغير ذلك, وفي امتناعهم من المباهلة دليل على علمهم بصدقه, وإلا فأي شيء أسهل من أن يقولوا: باهلناك؟ وهو دليل على صدقه ﷺ , وصدق ما جاء به, ومثل هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (٣).
وفي امتناعهم من تمني الموت دليل على علمهم بصدقه ﷺ , وإلا فأي شيء أسهل من أن يقولوا: تمنينا الموت؟ ولكنها الحقيقة التي لا يستطيع جحدها أحد, ثم إن الرسول ﷺ عندما باهلهم لم يأتهم للمباهلة بأجانب عنه, فلو أتى لهم بأجانب لأتوا بأجانب, لكنه باهلهم على أن يأتون بأقاربهم, والأهل أحب على النفس, ولهذا تراجعوا عن مباهلته؛ كونها أبلغ وأنكى بهم؛ ولمعرفتهم أن رسول الله ﷺ على حق فيما دعاهم إليه.
стр. 122
المبحث الرابع: نماذج على مجادلة أهل الكتاب قديماً وحديثاً , وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: مجادلة أهل الكتاب في العصر الأول من الإسلام, وفيه:
الفرع الأول: مناظرتهم مع الرسول ﷺ في العصر الأول من الإسلام.
الفرع الثاني: مناظرة جعفر بن أبي طالب مع النجاشي.
المطلب الثاني: نماذج من المناظرات مع أهل الكتاب عبر التاريخ.
مناظرة الإمام الرازي مع نصراني في خوارزم.
المطلب الثالث: أهم المناظرات مع أهل الكتاب حديثاً.
مناظرة الأستاذ احمد ديدات مع القس استانلي شوبيرج كبير قساوسة السويد.
المطلب الرابع: ثمار المناظرة مع أهل الكتاب حديثاً, وفيه فرعان:
الفرع الأول: دعوتهم إلى الدخول في دين الإسلام الحق.
الفرع الثاني: كشف شبهاتهم وباطلهم للناس.
стр. 123
المطلب الأول: مجادلة أهل الكتاب في العصر الأول من الإسلام .
إن الكلام عن مناظرة أهل الكتاب في العصر الأول من الإسلام مع رسول الله ﷺ , ومع المؤمنين ستكون على النحو التالي:
الفرع الأول: مناظرتهم مع الرسول ﷺ في العصر الأول من الإسلام:
ذكر الله في القرآن الكريم كثيراً من المناظرات التي تُحاجُّ أهل الكتاب وتجادلهم لتقيم عليهم الحجة, وترد على شبهاتهم التي يتذرعون بها في صدّهم عن سبيل الله, وكفرهم بآياته وبما جاءهم من الحق على لسان رسوله ﷺ , المصدق لما معهم, والناسخ لما فيها, وبين الله لنا موقفهم من ذلك الخطاب القرآني, فلقد كان ﵊ يجري مع أهل الكتاب الكثير من المناظرات ليدحض باطلهم بالآيات البينات.
وهذه المناظرات كثيرة, وسنكتفي بذكر بعض منها على سبيل المثال, ولقد كانت أكثر الحوارات والمناظرات من أهل الكتاب مع رسول الله ﷺ إما متعلقة بأمور غيبية حصلت في الماضي قرأوها في كتبهم, كقصة أصحاب الكهف وذي القرنين, أو أمور غيبية متعلقة بالمستقبل, كالسؤال عن الروح والساعة والجنة, وكان بعضهم يريدون بذلك التأكد من صدق نبوة محمد ﷺ , ونحن نذكر نموذجين للمناظرة بين رسول الله ﷺ وأهل الكتاب:
أولاً: مناظرة الرسول ﷺ مع حبر يهودي غير معاند:
لقد كان من أشهر هذه المناظرات بين رسول الله ﷺ وأهل الكتاب ما جاء في حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: ﴿كنت قَائِمًا عِنْدَ رسول اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ حِبْرٌ من أَحْبَارِ الْيَهُودِ فقال: السَّلَامُ عَلَيْكَ يا محمد, فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصْرَعُ منها, فقال: لِمَ تَدْفَعُنِي؟ فقلت: ألا تَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ.
стр. 124
فقال الْيَهُودِيُّ: إنما نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الذي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ, فقال رسول الله ﷺ : إِنَّ اسمي مُحَمَّدٌ الذي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي.
فقال الْيَهُودِيُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ.
فقال له رسول اللَّهِ ﷺ : أَيَنْفَعُكَ شَيْءٌ إن حَدَّثْتُكَ؟ قال: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ , فَنَكَتَ (١) رسول اللَّهِ ﷺ بِعُودٍ معه فقال: سَلْ.
فقال الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ يَكُونُ الناس يوم تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غير الأرض والسماوات؟
فقال رسول اللَّهِ ﷺ : هُمْ في الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ (٢).
قال: فَمَنْ أَوَّلُ الناس إِجَازَةً (٣)؟
قال: فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ.
قال الْيَهُودِيُّ: فما تُحْفَتُهُمْ (٤) حين يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؟
قال زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ (٥).
قال: فما غِذَاؤُهُمْ على أثرها؟
قال: يُنْحَرُ لهم ثَوْرُ الْجَنَّةِ الذي كان يَأْكُلُ من أَطْرَافِهَا.
قال: فما شَرَابُهُمْ عليه؟
قال: من عَيْنٍ فيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (٦).
قال: صَدَقْتَ.
قال: وَجِئْتُ أَسْأَلُكَ عن شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ من أَهْلِ الأرض إلا نَبِيٌّ أو رَجُلٌ أو رَجُلَانِ.
стр. 125
قال: يَنْفَعُكَ إن حَدَّثْتُكَ؟
قال: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ.
قال: جِئْتُ أَسْأَلُكَ عن الْوَلَدِ؟
قال: مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ , فإذا اجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ , وإذا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ آنَثَا بِإِذْنِ اللَّهِ.
قال: الْيَهُودِيُّ لقد صَدَقْتَ, وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ.
ثُمَّ انْصَرَفَ, فَذَهَبَ, فقال رسول الله ﷺ : لقد سَأَلَنِي هذا عن الذي سَأَلَنِي عنه ومالي عِلْمٌ بِشَيْءٍ منه حتى أَتَانِيَ الله بِهِ﴾ " (١).
فحينما سمع اليهودي الجواب من رسول الله ﷺ موافقاً لما في كتبهم, ما كان منه إلا أن أعلن موقفه من ذلك بقوله: صدقت, وإنك لنبي, فتبين من هذه المناظرة أن اليهودي كان باحثاً عن الحق لا يريد جدالاً للعناد, وإنما يريد التأكد من صدق رسول الله ﷺ , ولو كان اليهودي لا يعرف الجواب على مثل هذه الأسئلة لما شهد في آخر حديثه لرسول الله بالنبوة والصدق, وهذا هو الذي ينبغي أن يكون عليه أهل الكتاب في عصرنا الحديث, بأن يقوموا بقراءة القرآن الكريم بإنصاف وموضوعية, ويطلِّعوا على ما فيه من المعجزات, والآيات البينات التي تتحدث عن الأمور العلمية, والتي تتطابق مع العلوم الموجودة في عصرنا الحديث, وتصفها بدقة, والتي لا توجد في غيره من الكتب السماوية السابقة, حتى يتبين لهم معرفة الحق من الباطل كما فعل السابقون منهم قديماً.
وتدل هذه المناظرة أيضاً على أن رسول الله ﷺ كان مؤيداً بالوحي الإلهي في كل أوقاته لقوله ﷺ في آخر حديثه: لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه ومالي علم بشيء منه حتى أتاني الله به.
ثانياً: مناظرة رسول الله ﷺ مع بعض اليهود المعاندين:
ونذكر هنا أيضاً مناظرة أخرى وقعت مع مجموعة من اليهود, وهي بعكس من وقعت معه المناظرة السابقة حينما أراد أن يتأكد من نبوة رسول الله فتبين موقفه حينما آمن وصدق, وأما هؤلاء فإنما أرادوا اتباع أهوائهم من الباطل بغير هدى من الله, فقد اشترط عليهم رسول الله ﷺ لهذا الحوار
стр. 126
شروطاً حتى عليهم تقام الحجة, وحتى لا تكون مضيعة للوقت, فوافقوا على ذلك, وأخذ عليهم العهد.
فعن ابن عباس ﵄ قال: ﴿حضرت عصابة من اليهود يوماً إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله, حدثنا عن خلال نسألك عنها لا يعلمها إلا نبي.
فقال: سلوني عما شئتم؛ ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه إن أنا حدثتكم بشيء تعرفونه صدقاً لتتابعني على الإسلام.
قالوا: لك ذلك.
قال: فسلوني عما شئتم.
قالوا: أخبرنا عن أربع خلال؛ أخبرنا عن الطعام الذي حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا عن ماء الرجل كيف يكون الذكر منه حتى يكون ذكراً, وكيف تكون الأنثى منه حتى تكون أنثى؟ وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم؟ ومن وليه من الملائكة؟
فقال: عليكم عهد الله وميثاقه لئن أنا حدثتكم لتتابعني, فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق.
قال: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل (يعقوب) مرض مرضاً شديداً طال سقمه فيه, فنذر لله نذراً لئن شفاه الله من سقمه ليحرمنَّ أحب الشراب إليه, وأحب الطعام إليه, وكان أحب الشراب إليه ألبان الإبل, وأحب الطعام إليه لحوم الإبل.
فقالوا: اللهم نعم.
فقال رسول الله: اللهم اشهد عليهم.
قال: فأنشدكم الله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى, هل تعلمون أن ماء الرجل غليظ وأبيض, وأن ماء المرأة رقيق أصفر, فأيهما علا كان الولد والشبه له بإذن الله؟
قالوا: اللهم نعم.
قال: اللهم اشهد.
قال: أنشدكم الله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى, هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟
قالوا: اللهم نعم.
قال: اللهم اشهد.
قالوا: أنت الآن حدثنا من وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك؟
стр. 127
قال: وليي جبريل ﵇ , ولم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه.
قالوا: فعندها نفارقك, لو كان غيره لاتبعناك وصدقناك!
قال: فما يمنعكم أن تصدقوه؟
قالوا: إنه عدونا من الملائكة؛ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (١)﴾ (٢).
أما هذه المناظرة فتبين لنا موقف أكثر اليهود والنصارى قديماً وحديثاً أنهم لايؤمنون بالله ولا برسله ولا بملائكته ولا بكتبه, وأنهم ينقضون العهود التي عاهدوا عليها الرسول ﷺ , كما هو دأبهم وديدنهم في نقض العهد والميثاق, وذلك ما يؤكد صدق قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣).
وكان الأولى بهم أن يؤمنوا؛ لان هذه الأسئلة لا يعلمها إلا نبي, وهم يعرفون ذلك, وقد أجاب عليهم رسول الله ﷺ بما سألوه, ولكنهم كذبوا وعاندوا بعد ظهور الحق وزوال الشك, فماذا بعد الحق إلا الضلال.
الفرع الثاني: مناظرة جعفر بن أبي طالب مع النجاشي:
لم تقتصر المناظرات مع أهل الكتاب في العصر الأول من الإسلام مع رسول الله ﷺ فحسب, بل امتدت لتقام مع أصحابه رضوان الله عليهم.
فقد حصلت في العصر الأول مناظرات بين الجيل الأول وأهل الكتاب, وهذه المناظرات تتجلى فيها قوة الحق وزيف الباطل, ويتجلى فيها فقه السلف لهذا الدين, وتشرب قلوبهم للقرآن الكريم وتعاليمه, ولذلك يظهر الله الحق على ألسنتهم بوضوح, ولا يجد المناظر لهم من المخالفين مفراً من أحد أمرين:
стр. 128
الأول: أن يذعن للحق فيسلم وجهه لله رب العالمين, ويؤمن برسالة خاتم الأنبياء والمرسلين الذي بشر به إخوانه الأنبياء السابقين.
الثاني: أن ينفر ويستكبر عن الإيمان بالله ورسوله, ولا يحمله على ذلك إلا الحسد والعناد, فيجحد الحق بعد قيام الحجة, قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (١) , ومما ينبغي لدعاة الإسلام الذين يناظرون أهل الكتاب حديثاً أن يتعلموا من هذه المناظرات الطريقة السليمة لدعوة غيرهم إلى دين الله بالفقه والحكمة والدليل والبرهان.
وسنكتفي هنا بذكر ما ورد من الحوار والمناظرة بين سيدنا جعفر بن أبي طالب ﵁ في هجرته إلى الحبشة وبين النجاشي, وهي مناظرة مشهورة في كتب الحديث والسير والمغازي.
وذلك أنه لما اشتد الأذى على المسلمين في مكة قبل الهجرة أذن النبي ﷺ لأصحابه أن يهاجروا إلى الحبشة للحفاظ على دينهم؛ ولأن فيها ملكاً عادلاً لا يُظلم عنده أحد, فخرج إليه مجموعة من المسلمين كان على رأسهم جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله ﷺ , ومن أمهات المؤمنين أم سلمة ﵂ (٢) , وأم حبيبة (٣) بنت أبي سفيان ﵄, وأسماء بنت عميس (٤) وغيرهم ﵃ جميعاً.
стр. 129
فلما استقروا في الحبشة لم تدعهم قريش وشأنهم, بل أرسلت على إثرهم وفداً إلى النجاشي يتكون من عمرو بن العاص (١) داهية العرب, وعمارة بن الوليد بن المغيرة, وعبدالله بن أبي ربيعة, وأخذوا معهم هدايا للنجاشي, وطلبوا منه أن يرد عليهم المسلمين, ولندع الرواية لأحد الحاضرين في الحبشة آنذاك, يروي لنا الرواية بألفاظها لنرى كيف جلَّى الله الحق من القرآن الكريم على ألسنة عباده المؤمنين, وكيف ردّ الله رسل قريش خائبين.
فهذه أم المؤمنين أم سلمة زوج رسول الله ﷺ تروي الحوار الذي دار بين المهاجرين والنجاشي في الحبشة؛ تقول: ﴿ثُمَّ أَرسَلَ إلى أَصْحَابِ رسول اللَّهِ ﷺ فَدَعَاهُمْ, فلما جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا ثُمَّ قال بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ما تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إذا جِئْتُمُوهُ؟ قالوا: نَقُولُ والله ما عَلَّمَنَا وما أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا كَائِنٌ في ذلك ما هو كَائِنٌ, فلما جاءه وقد دَعَا النجاشي أَسَاقِفَتَهُ فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ حَوْلَهُ, سَأَلَهُمْ فقال: ما هذا الدِّينُ الذي فَارَقْتُمْ فيه قَوْمَكُمْ ولم تَدْخُلُوا في ديني وَلاَ في دِينِ أَحَدٍ من هذه الأُمَمِ؟
قالت: فَكَانَ الذي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بن أبي طَالِبٍ ﵁ , فقال له: أَيُّهَا الْمَلِكُ, كنا قَوْماً أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الأَصْنَامَ, وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ, وَنَأْتِى الْفَوَاحِشَ, وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ, ونسيء الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِىُّ مِنَّا الضَّعِيفَ؛ فَكُنَّا على ذلك حتى بَعَثَ الله إِلَيْنَا رَسُولاً مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ, فَدَعَانَا إلى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ, وَنَخْلَعَ ما كنا نعبد وَآبَاؤُنَا من دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالأَوْثَانِ, وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الحديث, وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ, وَصِلَةِ الرَّحِمِ, وَحُسْنِ الْجِوَارِ, وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحاَرِمِ وَالدِّمَاءِ, وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ, وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ, وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ, وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً, وَأَمَرَنَا بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ قالت: فَعَدَّدَ عليه أُمُورَ الإِسْلاَمِ فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ على ما جاء بِهِ, فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ فلم نُشْرِكْ بِهِ شَيْئاً, وَحَرَّمْنَا ما حُرِّمَ عَلَيْنَا, وَأَحْلَلْنَا ما أُحِلَّ لنا, فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عن دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إلى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ من عِبَادَةِ اللَّهِ, وأن نَسْتَحِلَّ ما كنا نَسْتَحِلُّ مِنَ الْخَبَائِثِ, فلما قَهَرُونَا وَشَقُّوا عَلَيْنَا وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا, خَرَجْنَا إلى بَلَدِكَ وَاخْتَرْنَاكَ على من سِوَاكَ, وَرَغِبْنَا في جِوَارِكَ, وَرَجَوْنَا أَنْ لاَ نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ.
قالت: فقال له النجاشي: هل مَعَكَ مِمَّا جاء بِهِ عَنِ اللَّهِ من شيء؟
стр. 130
قالت: فقال له جَعْفَرٌ: نعم.
فقال له النجاشي: فَاقْرَأْهُ علي؟
فَقَرَأَ عليه صَدْراً من (كهيعص).
قالت: فَبَكَى والله النجاشي حتى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ, وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حتى أخضلوا مَصَاحِفَهُمْ حين سَمِعُوا ما تَلاَ عليهم, ثُمَّ قال النجاشي: إن هذا والله والذي جاء بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ من مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ, انْطَلِقَا فَوَاللَّهِ لاَ أُسْلِمُهُمْ إِلَيْكُمْ أَبَداً وَلاَ أَكَادُ. وهذا القسم من النجاشي يخاطب به رسل قريش الثلاثة بقوله: انطلقا, وهم عمرو بن العاص, وعمارة بن الوليد بن المغيرة, وعبدالله بن أبي ربيعة
قالت أُمُّ سَلَمَةَ: فلما خَرَجَا من عِنْدِهِ قال عَمْرُو بن الْعَاصِ: والله لأنبئنهم غَداً عَيْبَهُمْ عندهم ثُمَّ أستأصل بِهِ خَضْرَاءَهُمْ.
قالت: فقال له عبد اللَّهِ بن أَبِى رَبِيعَةَ وكان أَتْقَى الرَّجُلَيْنِ فِينَا: لاَ تَفْعَلْ, فإن لهم أَرْحَاماً وَإِنْ كَانُوا قد خَالَفُونَا.
قال: والله لأُخْبِرَنَّهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى بن مَرْيَمَ عَبْدٌ.
قالت: ثُمَّ غَدَا عليه الْغَدَ فقال له: أَيُّهَا الْمَلِكُ, إِنَّهُمْ يَقُولُونَ في عِيسَى بن مَرْيَمَ قَوْلاً عَظِيماً, فَأَرْسِلْ إِلَيْهِمْ فَاسْأَلْهُمْ عَمَّا يَقُولُونَ فيه.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَسْأَلُهُمْ عنه.
قالت: ولم يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهُ, فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ فقال بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَاذَا تَقُولُونَ في عِيسَى إذا سَأَلَكُمْ عنه؟
قالوا: نَقُولُ -والله فيه ما قال الله, وما جاء بِهِ نَبِيُّنَا كَائِناً في ذلك ما هو كَائِنٌ.
فلما دَخَلُوا عليه قال لهم: ما تَقُولُونَ في عِيسَى بن مَرْيَمَ؟
فقال له جَعْفَرُ بن أَبِى طَالِبٍ: نَقُولُ فيه الذي جاء بِهِ نَبِيُّنَا, هو عبد اللَّهِ وَرَسُولُهُ, وَرُوحُهُ, وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ.
قالت: فَضَرَبَ النجاشي يَدَهُ إلى الأَرْضِ, فَأَخَذَ منها عُوداً ثُمَّ قال: ما عَدَا عِيسَى بن مَرْيَمَ ما قُلْتَ هذا الْعُود! فتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ حين قال ما قال.
فقال: وإن نَخَرْتُمْ والله, اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بأرضي وَالسُّيُومُ الآمِنُونَ من سَبَّكُمْ غُرِّمَ, ثُمَّ من سَبَّكُمْ غُرِّمَ, فما أُحِبُّ أن لي دَبْراً ذَهَباً وإني آذَيْتُ رَجُلاً مِنْكُمْ وَالدَّبْرُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ الجعل رَدُّوا
стр. 131
عليهما هَدَايَاهُمَا فَلاَ حَاجَةَ لنا بها, فَوَاللَّهِ ما أَخَذَ الله مِنِّى الرِّشْوَةَ حين رَدَّ علي ملكي فُآخُذَ الرِّشْوَةَ فيه, وما أَطَاعَ الناس فيَّ فَأُطِيعَهُمْ فيه!
قالت: فَخَرَجَاأي مبعوثا قريش من عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُوداً عَلَيْهِمَا ما جاءا بِهِ, وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مع خَيْرِ جَارٍ﴾ (١).
فتبين من هذه الرواية أن النجاشي كان ممن يبحث عن الحق فهداه الله لذلك ومثل هؤلاء هم الذين شرحوا صدورهم للإيمان, فهداهم الله إلى صراطه المستقيم, وينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (٢).
وينطبق عليهم أيضاً قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣).
فتبين من هذه المناظرة أن من طلب الحق وبحث عنه, وفقه الله إلى ذلك, وزاده هدى قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (٤).
ومن نسى الله أنساه نفسه كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٥).
стр. 132
المطلب الثاني: نماذج من المناظرات مع أهل الكتاب عبر التاريخ:
المناظرة التي جرت بين الإمام الرازي ونصراني في خوارزم:
وهنالك الكثير من المناظرات التي جرت مع أهل الكتاب عبر التاريخ الإسلامي نكتفي منها بذكر المناظرة الشهيرة التي جرت بين الإمام الرازي ﵀ مع نصراني بالأدلة العقلية والمنطقية, وبيان موقف النصراني بعد المناظرة.
قال الإمام الرازي ﵀ في تفسيره مفاتيح الغيب: "اتفق أني حين كنت بخوارزم أخبرت أنه جاء نصراني يدعي التحقيق والتعمق في مذهبهم, فذهبت إليه وشرعنا في الحديث، وقال لي: ما الدليل على نبوة محمد؟
فقلت له: كما نقل إلينا ظهور الخوارق على يد موسى وعيسى من الأنبياء ﵈، نقل إلينا ظهور الخوارق على يد محمد ﷺ ، فإما رددنا التواتر أو قبلناه، لكن إن قلنا: إن المعجزة لا تدل على الصدق، فحينئذٍ بطلت نبوة سائر الأنبياء ﵈، وإن اعترفنا بصحة التواتر واعترفنا بدلالة المعجزة على الصدق, ثم إنهما حاصلان في حق محمد ﷺ ، وجب الاعتراف قطعاً بنبوة محمد ﷺ ضرورة، إذ عند الاستواء بدليل لا بد من الاستواء في حصول المدلول.
فقال النصراني: أنا لا أقول في عيسى: إنه كان نبياً، بل أقول: إنه كان إلهاً.
فقلت له: الكلام في النبوة لابد وأن يكون مسبوقاً بمعرفة الإله، وهذا الذي تقوله باطل، ويدل عليه أن الإله عبارة عن موجود واجب الوجود لذاته, يجب أن لا يكون جسماً متحيزاً ولا عرضاً، وعيسى عبارة عن هذا الشخص البشري الجسماني الذي وُجدَ بعد أن كان معدوماً, وقُتل بعد أن كان حياً على قولكم وكان طفلاً أولاً, ثم مترعرعاً, ثم صار شاباً, وكان يأكل ويشرب ويحدث وينام ويستيقظ، وقد تقرر في بداهة العقول أن المحدث لا يكون قديماً، والمحدث لا يكون غنياً، والممكن لا يكون واجباً، والمتغير لا يكون دائماً.
الوجه الثاني في إبطال هذه المقالة: أنكم تعترفون بأن اليهود أخذوه وصلبوه وتركوه حياً على الخشبة، وقد مزقوا ضلعه، وأنه كان يحتال في الهرب منهم وفي الاختفاء عنهم، وحين عاملوه بتلك المعاملة أظهر الجزع الشديد، فإن كان إلهاً أو كان الإله حالاً فيه، أو كان جزءاً من الإله حالاً فيه, فلِمَ لم يدفعهم عن نفسه؟ ولِمَ لم يهلكهم بالكلية؟ وأي حاجه به إلى إظهار الجزع منهم والاحتيال في الفرار منهم؟ وبالله إنني لأتعجب جداً إن العاقل كيف به أن يقول هذا القول، ويعتقد صحته فتكاد تكون بديهية العقل شاهدة بفساده.
стр. 133
والوجه الثالث: هو أنه إما أن يقال بأن الإله هو هذا الشخص الجسماني المشاهد, أو أن يقال حل الإله بكليته فيه, أو حل الإله بجزء منه فيه.
والأقسام الثلاثة باطلة:
أما الأول: فلأن إله العالم لو كان هو ذلك الجسم, فحين قتله اليهود كان ذلك قولاً بأن اليهود قتلوا إله العالم, فكيف يبقى العالم بعد ذلك من غير إله؟ ثم أشد الناس ذلاً ودناءة اليهود؛ فالإله الذي تقتله إله في غاية العجز!
وأما الثاني: وهو أن الإله بكليته حل في هذا الجسم، فهو أيضاً فاسد؛ لأن الإله لم يكن جسماً ولا عرضاً امتنع حلوله في الجسم، وإن كان جسماً فحينئذ يكون حلوله في جسم آخر عبارة عن اختلاط أجزائه بأجزاء ذلك الجسم، وذلك يوجب وقوع التفرق في أجزاء ذلك الإله، وإن كان عرضاً كان محتاجاً إلى المحل, وكان الإله محتاجاً إلى غيره, وكل ذلك سخف.
وأما الثالث: وهو أنه حل فيه بعض من أبعاض الإله وهو جزء من أجزائه، فذلك أيضاً محال؛ لأن ذلك الجزء إن كان معتبراً في الإلهية فعند انفصاله عن الإله وجب أن لا يبقى الإله إلهاً, وإن لم يكن معتبراً في تحقيق الإلهية لم يكن جزءاً من الإله؛ فثبت فساد هذه الأقسام, فكان قول النصارى باطلاً.
الوجه الرابع في بطلان قول النصارى: ما ثبت بالتواتر أن عيسى ﵇ كان عظيم الرغبة في العبادة والطاعة لله , ولو كان إلهاً لاستحال ذلك؛ لأن الإله لا يعبد نفسه, فهذه وجوه في غاية الجلاء والظهور دالة على فساد قولهم.
ثم قلت للنصراني: وما الذي دلك على كونه إلهاً؟ فقال: الذي دل عليه ظهور العجائب عليه من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وذلك لا يمكن حصوله إلا بقدرة الإله تعالى.
فقلت له: هل تسلم أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول أم لا؟ فإن لم تسلم لزمك من نفي العالم في الأزل نفي الصانع، وإن سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول فأقول: لِمَ جوزت حلول الإله في بدن عيسى ﵇ , فكيف عرفت أن الإله ما حل في بدني وبدنك وفي بدن كل حيوان ونبات وجماد؟
فقال: الفرق ظاهر, وذلك لأني حكمت بذلك الحلول لأنه ظهرت تلك الأفعال العجيبة عليه، والأفعال العجيبة ما ظهرت على يدي ولا على يدك, فعلمنا أن ذلك الحلول مفقود هاهنا.
стр. 134
فقلت له: تبين الآن أنك ما عرفت معنى قولي: إنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول, وذلك لأن ظهور تلك الخوارق دالة على حلول الإله في بدن عيسى؛ فعدم ظهور تلك الخوارق مني ومنك ليس فيه إلا أنه لم يوجد ذلك الدليل؛ فإذا ثبت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول لا يلزم من عدم ظهور تلك الخوارق مني ومنك عدم الحلول في حقي وفي حقك وفي حق الكلب والسنور والفأر.
ثم قلت: إن مذهباً يؤدي القول به إلى تجويز حلول ذات الله في بدن الكلب والذباب لفي غاية الخسة والركاكة.
الوجه الخامس: أن قلب العصا حية أبعد في العقل من إعادة الميت حياً؛ لأن المشاكلة بين بدن الحي وبدن الميت أكثر من المشاكلة بين الخشبة وبين بدن الثعبان، فإذا لم يوجب قلب العصا حية كون موسى إلهاً ولا ابناً للإله، فبأن لا يدل إحياء الموتى على الإلهية كان ذلك أولى, وعند هذا انقطع النصراني ولم يبق له كلام. والله أعلم" (١).
فتبين من خلال هذا المناظرة أن الإمام الرازي استعمل مع هذا النصراني الحوار بالمنطق والعقل حتى وصل معه إلى النتيجة الأخيرة, فإذا به سكت وأفحم, ولو كان النصراني يستخدم العقل والمنطق لآمن وصدق لأن عقل العاقل لا يقبل مثل هذه الخرافات التي تنسب للإله من العجز والحلول.
стр. 135
المطلب الثالث: أهم المناظرات مع أهل الكتاب حديثاً .
نظراً لأهمية المناظرات في عصرنا الحديث التي تحصل بيننا وبين اليهود والنصارى وغيرهم, أردت في هذا المطلب أن أقتبس أهم الأمور التي تقع بين المتناظرين؛ وذلك لأن بعض المناظرات طويلة جداً, وبعضها كانت تستمر لأيام؛ نظراً لبعد أهل الكتاب عن كتبهم, وكثرة التحريف في هذه الكتب, وتشربهم لبعض الأفكار الدخيلة التي أثرت عليهم في انتمائهم للدين, مثل الأفكار العلمانية (١) , والشيوعية, والاستشراق (٢) والماسونية (٣).
وعلى سبيل المثال نذكر هذا النموذج مقتبس من مناظرة الأستاذ أحمد ديدات مع القس (استانلي شوبيرج كبير قساوسة السويد) في (عام ١٩٩٠ م) والتي بعنوان (هل عيسى إله).
وقد استفتح ديدات الجلسة بقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٤) , ثم خاطبهم أحمد ديدات بقوله: وفي هذه الآية فصل الخطاب في القضايا التي نناقشها.
стр. 136
لقد أثار (باستر استانلي) بعض القضايا, ولقد اعترف الليلة أنه كان في الليلة الماضية مضطرباً، وكان يرتجف، وكانت يداه ترتعشان, وأنا ألتمس له العذر, ولكنه وهو في تلك الحالة قال بعض الأباطيل بالنسبة للنبي محمد ﷺ , حيث زعم أنه ينكر أن المسيح هو عيسى بن مريم.
وهذا غير صحيح, ولقد قلت لكم مراراً من قبل: إننا نحن المسلمين نؤمن بالمسيح كرسول من رسل الله العظام أولي العزم, ونؤمن أنه ﵇ قد ولد بطريقة اعجازية من أمه العذراء مريم, دون أن يتصل بها أب من الرجال.
ونؤمن أن عيسى ابن مريم هو المسيح الذي يطلق عليه لقب: (كرايست) في اللغات اللاتينية الحديثة.
ونحن نؤمن أنه كان يشفي المرضى بإذن الله، وأحيا ميتاً بإذن الله, وبقدرة الله التي منحها إياه؛ لتكون هذه المعجزات دلائل على صدق رسالته التي حمَّله الله إياها لتبليغها إلى الناس.
ذلك هو ما قلته بالنسبة للمسيح ﵇ , وأنا لم أقل: إن المسيح هو محمد ﷺ , ثم يسأل الحضور ويجيب عليهم بقوله:
هل قلت أنا: إن المسيح هو محمد؟
لقد قلت: إن عيسى هو المسيح.
إن رسول الإسلام لا ينكر أن عيسى بن مريم هو المسيح.
ولنتأمل أيها الإخوة الأعزاء ما يقوله القرآن الكريم عن المسيح في تلك الآية الكريمة التي بدأت بها حديثي إليكم.
ثم يشرع الأستاذ ديدات في تلاوة الآية باللغة العربية عبارة إثر أخرى، مترجماً معنى كل عبارة باقتدار إلى اللغة الإنجليزية، ويفيض في التفسير باللغة الإنجليزية عند ذكر قوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ موضحاً أن المسيح عيسى بن مريم وأمه كانا يأكلان الطعام, ويستحيل أن يكون المسيح إلهاً، ويستحيل أن يكون هو وأمه إلهين، لأن أي شخص يتناول الطعام ويأكله يستحيل أن يكون إلهاً.
إن بعض الطوائف الكاثوليكية يعتبرون أن العذراء مريم إله كما أن المسيح إله.
ولقد كان المسيح، وكانت أمه تأكل الطعام, وكل شخص يأكل الطعام فمن الطبيعي أن يحتاج إلى الذهاب إلى دورة المياه, في وقتنا الحاضر.
стр. 137
وكان الناس في الماضي يذهبون إلى الغائط أو خلف بعض الأشجار بعد انقضاء مدة معينة لتناولهم الطعام.
وهذا الأمر ليس شأن الله؛ (قام الحضور بالتصفيق للسيد أحمد ديدات)
ثم يواصل ديدات كلمته قائلاً: لقد أوضحت هذه الآية من القرآن الكريم أن عيسى بن مريم هو المسيح, وأنه رسول الله, ولكنه ليس إلهاً، كما أوضحت السبب في استحالة أن يكون المسيح إلهاً وأن تكون أمه العذراء مريم إلهاً, بسبب أنهما كانا يأكلان الطعام.
ويقول الله : ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (١).
في هذا الموضع أيضاً من القرآن نجد أن عيسى بن مريم هو المسيح، وقد أنعم الله عليه في الدنيا والآخرة, وأنه من جملة المقربين إلى الله ، وليس المسيح عيسى بن مريم إلهاً يحق لأحد من الناس أن يتوجه إليه بالعبادة, وليس معنى ذلك أنه يجلس على يمين الله كما يقول المسيحيون؛ لأن الله ليس رجلاً محدوداً جغرافياً وفسيولوجياً بمكان، وعيسى المسيح يجلس عن يمينه ... كلا ... إن عيسى بن مريم من المقربين إلى الله على سبيل التكريم, كما تقول عن رجل يساعدك: هذا الرجل هو الساعد الأيمن لي.
ولم يقل عيسى للناس: (أنا إله).
إنني عندما ألتقي من أرى فيه القدرة على المعرفة في أي مكان من العالم فإنني أسأل: أيها الإخوة, أيتها الأخوات: لو كان عيسى إلهاً، فأطلعوني على أي جملة بالإنجيل يقول فيها عيسى بنفسه: (أنا الله) أو يقول: (اعبدوني).
وأقسم بالله العظيم أنني لم أجد ما أنشده حتى هذه اللحظة من هذه الليلة! فقام الحضور بالتصفيق لديدات.
ثم قال: وأكون سعيداً كل السعادة لو أن (باستر شوبيرج) فتح إنجيله في أي وقت, وقال لي: اقرأ, ها هو ذا إنجيل يوحنا مثلاً يقول بالجملة الأولى من الإصحاح الأول مثلاً على لسان المسيح: (أنا الله) أو يقول: (اعبدوني). هذا مستحيل.
стр. 138
يقول يوحنا في بداية أول إصحاح من إنجيله: (في البدء كان الكلمة. والكلمة كان عند الله. وكان الله الكلمة) (١).
وإن أول من قال هذه المقولة، هو (فيلون) الذي كان أول من صاغ هذه الصيغة القائلة: (في البدء كان الكلمة. وكان الكلمة عند الله. وكان الله الكلمة) , وهي الصيغة التي استهل بها يوحنا إنجيله.
إنني سأوجه بعض الأسئلة لباستر شوبيرج: إنك حاصل على الدكتوراه في اللاهوت (٢) , وأنت تعرف اللغة اليونانية القديمة التي كتبت بها النصوص الأصلية للإنجيل, وخاصة كتب العهد الجديد.
وسؤالي هو: ما هي الكلمة اليونانية التي تقابل لفظ الجلالة (الله) المعبود بحق؟
ويحاول شخص الإجابة من بين الجمهور قائلاً: إن الكلمة هي: (إلوهيم) ويرد عليه السيد أحمد ديدات قائلاً: لا يا سيدي. إن هذه الكلمة عبرية وليست يونانية. (ويقوم الجمهور بالتصفيق للسيد أحمد ديدات) , ويواصل السيد أحمد ديدات كلمته قائلاً:
الكلمة اليونانية التي تعني (الله) وهو المعبود بحق هي: هوثيوس Hotheos, وعندما يكون الإله غير جدير بالعبادة فإن اليونان كانوا يستخدمون لفظة أخرى هي: تونثيوس Tontheos, وفي ترجمة أول فقرة بإنجيل يوحنا من اليونانية القديمة إلي الإنجليزية قام مترجمو الإنجيل باستخدام الحرف الكبير عند ترجمتهم عبارة: (وكان الكلمة الله) في حين أن الكلمة الموجودة بالأصل اليوناني هي كلمة: (Tontheos) وليس (Hotheos)
ولقد كان من الضروري أن تكتب الكلمة الدالة على لفظ الجلالة god وليس God كما فعل مترجمو الإنجيل الغير أمناء.
وأنا أسأل: لماذا استخدمتم (G) بدلاً من (g)؟
стр. 139
إنكم تخدعون الناس وتتلاعبون بترجمة أصول كتابكم المقدس.
ولقد جاء في العهد القديم نص يقول فيه الرب لموسى في سفر الخروج ١: ٧ (أنا جعلتك إلهاً لفرعون) (١).
ولقد قمتم بترجمة النص إلى الانجليزية هكذا:
I have made you a god to pharoah مما يدل على أنكم تميزون بين الإله المعبود بحق والإله عندما يكون غير جدير بالعبادة، فلماذا لم تلتزموا الدقة والأمانة عند ترجمة كلمة Tontheos عندما وردت بأول فقرة من أول إصحاح بإنجيل يوحنا؟
إن هذا هو ما تريدون أن تعتقدوه, إن هذا هو ما تريدون للناس أن يعتقدوا.
ليست هذه ترجمة أمينة في أداء المعنى بدقة.
فعندما يكون الإله معبوداً بحق تستخدم في بدايته الحرف الكبير G, وعندما لا يكون معبوداً بحق تستخدم في بدايته الحرف الصغير g, ولقد تلاعب مترجمو إنجيل يوحنا عن اليونانية، فجعلو كلمة (الله) الواردة في أول إصحاح من إنجيل يوحنا_ مبدوءة_ بحرف كبير، وكان من الضروري أن تبدأ بحرف صغير؛ لأنها ترجمة لكلمة: Tontheos, وليست ترجمة لكلمة Hotheos اليونانية.
ويواصل الشيخ أحمد ديدات كلمته قائلاً: إن المسيح عيسى ﵇ كان يقول كما في إنجيل يوحنا ٢٩: ١٠ (أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل) (٢).
ويقول أيضاً في موضع آخر في يوحنا: ٢٨: ١٤ (أبي أعظم مني) (٣) وكان يقول كما في يوحنا: ٣٠: ٥ (أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً) (٤).
ثم يواصل ديدات بقوله: إنني أقتبس ذات أقوال المسيح كما وردت بالإنجيل, إلا أنكم عندما كنتم تقتبسون كانت النصوص التي تحاولون الاستشهاد بها هي من أقوال بولس، ولم تستشهدوا بشيء من أقوال المسيح أبداً.
إنما هي أقوال منسوبة إلى بولس.
أنا أريد أن أعرف ما قاله السيد المسيح, إنني أحب ما قاله المسيح بشفتيه.
стр. 140
أنا أحترم الأقوال الصادرة عن شخص المسيح, لا الأقوال التي قالها شخص آخر, أو كتبها شخص آخر.
ثم يقول ديدات: أنا أريد أن أعرف ما قاله المسيح شخصياً, أعطوني كلماته هو.
لقد قال المسيح: (أبي الذي أرسلني) لقد أمره الله بما يجب أن يفعله, وأمره بما يجب أن يقوله, وربما تكون لكم طريقة أخرى في الفهم، ولكنني أضع رأسي تحت مقصلة لو أطلعتموني على نص واحد قال فيه المسيح بنفسه: (أنا الله) أو قال: (اعبدوني).
ثم قال ديدات لباستر استاليني أنني أتحدث لغة إنجليزية بسيطة، وأقول: أنا أريد كلمات المسيح نفسه.
والآن تعالوا نتأمل ما قاله المسيح ﵇ عن نفسه وفق إنجيل متَّى ١٩: ١٦١٧ (وإذا واحد تقدم وقال له أيها المعلم الصالح: أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية. فقال له: لماذا تدعوني صالحاً. ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله) (١).
إن المسيح ﵇ يرفض أن يصفه أحد بأنه صالح good, فكيف يعقل أن يقبل بأن يصفه أحد بأنه إله God؟ ! , وهكذا يتضح أن المسيح يرفض أن يصفه أحد بأنه إله، إنه يرفض ذلك بموجب نفس نص كلماته" (٢).
فتبين من خلال هذه المناظرة بين الأستاذ أحمد ديدات وكبير قساوسة السويد ما يلي:
١ - أن الله بيَّن لنا أن عيسى ﵇ عبد الله ورسوله, وأن أمه صديقة, وأنهم كان يأكلان الطعام كغيرهم من البشر, وأن الله أكرم عيسى ﵇ فجعله من عباده المقربين.
٢ - أن كثيراً من النصارى حديثاً لا يزال موقفهم من عيسى ﵇ كأسلافهم من حيث إتباعهم الهوى, والقول على الله غير الحق وبغير برهان.
٣ - أن المسيح عيسى ﵇ لم يقل كلمة واحدة لأهل الكتاب: (أنا إله, أو أعبدوني) بل أهل الكتاب هم من لفقوا ذلك.
стр. 141
٤ - أن عيسى ﵇ يعترف بالنص كما في نصوص الأناجيل الموجودة حديثاً أن الله هو الذي أرسله, وأنه كان يغضب من الذي يدعوه صالحاً أعني: جديراً بالعبادة, ويقول: ليس أحد صالحاً إلا الله, يعني: ليس أحدٍ جديرا بالعبادة, وصدق الله القائل: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١).
٥ - أن إنجيل عيسى ﵇ ليس له وجود في عصرنا الحديث, وقد اختفى بسبب التحريف, وأن الأناجيل الموجودة (العهد الجديد) إنما هي لأشخاص آخرين كيوحنا ومرقص.
٦ - أن تراجم المخطوطات القديمة حينما تكتب كلمة عيسى تشير أنه غير جدير بالعبادة, وعندما تكتب اسم الله تقول إنه جدير بالعبادة, من خلال التفريق بين اللفظ الذي يدل على الإله المعبود وغيره, وذلك بعكس الترجمات الحديثة.
٧ - أن مترجمي نصوص العهدين القديم والجديد ليسوا أمناء حينما يقومون بترجمة نصوص الكتب؛ لأنهم يقومون بتحريف ترجمتها.
٨ - أن الرسول محمداً ﷺ يثبت أن عيسى هو المسيح ﵇ , وأنه كان مسلماً لله رب العالمين, وأن عيسى ﵇ قد بشر الناس بمجيء خاتم الأنبياء والمرسلين.
المطلب الرابع: ثمار المناظرة مع أهل الكتاب حديثاً , وفيه فرعان:
الفرع الأول: دعوتهم إلى الدخول في دين الإسلام الحق .
لقد سبق الكلام عن الدين وتعريفه بما في ذلك دعوتهم إلى الدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده, وكذلك كيفية دعوتهم بالمناظرات بما فيه الكفاية, وبقي هنا أن نذكر مجموعة من ثمار المناظرة والمجادلة في عصرنا الحديث, وهي على النحو التالي:
стр. 142
أولاً: دعوة أهل الكتاب إلى الدخول في دين الإسلام, لأن من دخل في هذا الدين فقد اهتدى إلى صراط الله المستقيم, وتمسك بحبل الله المتين, قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١).
ثانياً: ومن ثمار مناظرتهم تعريفهم بأن الإسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده, وأنه دين جميع الأنبياء والمرسلين, قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ﴿أنا أَوْلَى الناس بِعِيسَى بن مَرْيَمَ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ﴾ (٣).
ثالثاً: ومن ثمار مناظرة أهل الكتاب نشر دين الإسلام بصورته الناصعة الحقيقية, لاكما يدَّعون أنه انتشر بالسيف, أو أن المسلمين يكرهون عيسى ﵇ , وثمرة ذلك التبليغ أن يعم الخير أنحاء الأرض, ويحصل بذلك الأجر والمثوبة المذكورة في قول رسول الله ﷺ : ﴿فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ الله بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لك من أَنْ يَكُونَ لك حُمْرُ النَّعَمِ﴾ (٤) , وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٥).
رابعاً: ومن ثمار مناظرة أهل الكتاب دعوة من ينتسبون للديانتين اليهودية والنصرانية إلى قراءة القرآن الكريم بإنصاف, ومقارنته بالحقائق العلمية المعاصرة التي سبق وأن قررها القرآن الكريم قبل ١٤٠٠ عام, ومقارنة ذلك بما في كتبهم من قضايا العلم, والاطلاع على ما في كتبهم السابقة من مناقضات صريحة لما جاء به العلم الحديث من اكتشافات علمية, وذلك بعكس القرآن الكريم الذي كان له السبق في الكلام عن الأمور العلمية في العلوم الحديثة, ووصفها بكل دقة, فالقرآن الكريم هو كتاب الهداية والنور للبشرية, وقد أنزله الله لعباده جميعاً, وطلب أيضاً من أهل الكتاب اتباعه, والإيمان برسوله, فخاطبهم الله بقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ
стр. 143
تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (١).
وآيات القرآن الكريم لا يطَّلع عليها, ولا يفهم معانيها إلا من عقل ما فيها قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٢) , وكما قال تعالى: ﴿لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣).
أما الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق, ولا يريدون معرفة الحق فلا يمكن أن يستفيدوا من آيات الله, قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤).
خامساً: ومن ثمار مناظرتهم أيضاً: "تضييق هوة الخلاف، وتقريب وجهات النظر، وإيجاد حل وسط يرضي الأطراف في زمن كثر فيه التباغض والتناحر" (٥).
وهذا من أهم الأمور في عصرنا الحديث؛ وذلك بسبب توسع دائرة الخلاف بيننا وبين أهل الكتاب, بسبب المؤامرات التي يقوم بها اللوبي الصهيوني من إثارة الفتن, وإشعال الحروب بين البشر, وممارسة القتل وسفك الدماء, مما يحتم على العقلاء في الغرب أن يطالبوا قياداتهم أن توقف هجماتها المتتالية على الإسلام والمسلمين, وأن تحاور عقلاء المسلمين حتى يصلوا إلى الحق.
ولا أقصد بهذه الثمرة الدعوة إلى وحدة الأديان (٦) القائمة على إزالة الفوارق بين الأديان, وإلغاء التمايز بين بني الإنسان, والداعية إلى خدمة السلام بين العرب وإسرائيل والذي هو أقرب للاستسلام
стр. 144
منه إلى السلام, وإنما أقصد بذلك حوار الحضارات والأديان القائم على بذل الجهد للوصول إلى توحيد الله والإيمان بجميع رسله وأنبيائه.
سادساً: ومن ثمار مناظرتهم إقامة الحجة عليهم أمام الله وأمام خلقه؛ قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (٢).
ومما يشير إلى هذا من سنة رسول الله ﷺ ما جاء عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيده لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ من هذه الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرَانِيٌّ, ثُمَّ يَمُوتُ ولم يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ, إلا كان من أَصْحَابِ النَّار﴾ (٣).
وقوله ﷺ : ﴿ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه إن أنا حدثتكم بشيء تعرفونه صدقاً لتتابعني على الإسلام. قالوا: لك ذلك .. ﴾ (٤).
стр. 145
وفي هذا الحديث أقام الرسول ﷺ الحجة عليهم بأخذه العهد منهم, وبهذا التبليغ الذي هو جزء من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يتحقق به الخير ويعم به النفع, المذكور في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١).
سابعاً: ومن ثمار مناظرة أهل الكتاب بيان وكشف تحريف كتبهم, وإثبات سلامة القرآن الكريم من التحريف والتبديل.
ثامناً: ومن ثمار مناظرتهم التنبيه للغافل والتذكير للجاهل والناسي من المسلمين بما عليه أهل الكتاب من الباطل, وما في دينهم من التحريف, وأن الإسلام هو الدين الحق, وذلك يجعل المسلمين يثبتون على دينهم, ويقومون بالحق الذي أوجبه الله عليهم في تبليغ دينهم من الدعوة والتبليغ لقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ (٢).
وهذا التذكير يزيل التشويه الذي يحصل من قبل جمعيات التنصير (٣) , وهو أيضاً إنقاذ للمسلمين الذين يغترون بالغرب وحضارتهم, وتثبيتهم على دينهم, وإزالة الشبهات والأوهام التي دخلت عليهم عن طريق أعداء الإسلام من العلمانيين الملحدين, ودعاة النصرانية واليهودية, وكذلك المنظمات الحاقدة على الإسلام والمسلمين, الذين ذكر الله حقدهم في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (٤).
تاسعاً: ومن أهم ثمار مناظرة أهل الكتاب أن ندعوهم للتوبة مما صدر منهم تجاه رب العالمين من قولهم: إن الله ثالث ثلاثة وغيرها من الافتراءات على الله تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً, قال