← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 132385

الخطاب القرآني لأهل الكتاب وموقفهم منه قديما وحديثا

هود محمد أبو راس

Полный текст (316 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٤ - أن عيسى ﵇ يعترف بالنص كما في نصوص الأناجيل الموجودة حديثاً أن الله هو الذي أرسله, وأنه كان يغضب من الذي يدعوه صالحاً أعني: جديراً بالعبادة, ويقول: ليس أحد صالحاً إلا الله, يعني: ليس أحدٍ جديرا بالعبادة, وصدق الله القائل: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١). ٥ - أن إنجيل عيسى ﵇ ليس له وجود في عصرنا الحديث, وقد اختفى بسبب التحريف, وأن الأناجيل الموجودة (العهد الجديد) إنما هي لأشخاص آخرين كيوحنا ومرقص. ٦ - أن تراجم المخطوطات القديمة حينما تكتب كلمة عيسى تشير أنه غير جدير بالعبادة, وعندما تكتب اسم الله تقول إنه جدير بالعبادة, من خلال التفريق بين اللفظ الذي يدل على الإله المعبود وغيره, وذلك بعكس الترجمات الحديثة. ٧ - أن مترجمي نصوص العهدين القديم والجديد ليسوا أمناء حينما يقومون بترجمة نصوص الكتب؛ لأنهم يقومون بتحريف ترجمتها. ٨ - أن الرسول محمداً ﷺ يثبت أن عيسى هو المسيح ﵇ , وأنه كان مسلماً لله رب العالمين, وأن عيسى ﵇ قد بشر الناس بمجيء خاتم الأنبياء والمرسلين. المطلب الرابع: ثمار المناظرة مع أهل الكتاب حديثاً , وفيه فرعان: الفرع الأول: دعوتهم إلى الدخول في دين الإسلام الحق . لقد سبق الكلام عن الدين وتعريفه بما في ذلك دعوتهم إلى الدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده, وكذلك كيفية دعوتهم بالمناظرات بما فيه الكفاية, وبقي هنا أن نذكر مجموعة من ثمار المناظرة والمجادلة في عصرنا الحديث, وهي على النحو التالي:

стр. 142

أولاً: دعوة أهل الكتاب إلى الدخول في دين الإسلام, لأن من دخل في هذا الدين فقد اهتدى إلى صراط الله المستقيم, وتمسك بحبل الله المتين, قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١). ثانياً: ومن ثمار مناظرتهم تعريفهم بأن الإسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده, وأنه دين جميع الأنبياء والمرسلين, قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ﴿أنا أَوْلَى الناس بِعِيسَى بن مَرْيَمَ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ﴾ (٣). ثالثاً: ومن ثمار مناظرة أهل الكتاب نشر دين الإسلام بصورته الناصعة الحقيقية, لاكما يدَّعون أنه انتشر بالسيف, أو أن المسلمين يكرهون عيسى ﵇ , وثمرة ذلك التبليغ أن يعم الخير أنحاء الأرض, ويحصل بذلك الأجر والمثوبة المذكورة في قول رسول الله ﷺ : ﴿فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ الله بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لك من أَنْ يَكُونَ لك حُمْرُ النَّعَمِ﴾ (٤) , وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٥). رابعاً: ومن ثمار مناظرة أهل الكتاب دعوة من ينتسبون للديانتين اليهودية والنصرانية إلى قراءة القرآن الكريم بإنصاف, ومقارنته بالحقائق العلمية المعاصرة التي سبق وأن قررها القرآن الكريم قبل ١٤٠٠ عام, ومقارنة ذلك بما في كتبهم من قضايا العلم, والاطلاع على ما في كتبهم السابقة من مناقضات صريحة لما جاء به العلم الحديث من اكتشافات علمية, وذلك بعكس القرآن الكريم الذي كان له السبق في الكلام عن الأمور العلمية في العلوم الحديثة, ووصفها بكل دقة, فالقرآن الكريم هو كتاب الهداية والنور للبشرية, وقد أنزله الله لعباده جميعاً, وطلب أيضاً من أهل الكتاب اتباعه, والإيمان برسوله, فخاطبهم الله بقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ

стр. 143

تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (١). وآيات القرآن الكريم لا يطَّلع عليها, ولا يفهم معانيها إلا من عقل ما فيها قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٢) , وكما قال تعالى: ﴿لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣). أما الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق, ولا يريدون معرفة الحق فلا يمكن أن يستفيدوا من آيات الله, قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤). خامساً: ومن ثمار مناظرتهم أيضاً: "تضييق هوة الخلاف، وتقريب وجهات النظر، وإيجاد حل وسط يرضي الأطراف في زمن كثر فيه التباغض والتناحر" (٥). وهذا من أهم الأمور في عصرنا الحديث؛ وذلك بسبب توسع دائرة الخلاف بيننا وبين أهل الكتاب, بسبب المؤامرات التي يقوم بها اللوبي الصهيوني من إثارة الفتن, وإشعال الحروب بين البشر, وممارسة القتل وسفك الدماء, مما يحتم على العقلاء في الغرب أن يطالبوا قياداتهم أن توقف هجماتها المتتالية على الإسلام والمسلمين, وأن تحاور عقلاء المسلمين حتى يصلوا إلى الحق. ولا أقصد بهذه الثمرة الدعوة إلى وحدة الأديان (٦) القائمة على إزالة الفوارق بين الأديان, وإلغاء التمايز بين بني الإنسان, والداعية إلى خدمة السلام بين العرب وإسرائيل والذي هو أقرب للاستسلام

стр. 144

منه إلى السلام, وإنما أقصد بذلك حوار الحضارات والأديان القائم على بذل الجهد للوصول إلى توحيد الله والإيمان بجميع رسله وأنبيائه. سادساً: ومن ثمار مناظرتهم إقامة الحجة عليهم أمام الله وأمام خلقه؛ قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (٢). ومما يشير إلى هذا من سنة رسول الله ﷺ ما جاء عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيده لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ من هذه الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرَانِيٌّ, ثُمَّ يَمُوتُ ولم يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ, إلا كان من أَصْحَابِ النَّار﴾ (٣). وقوله ﷺ : ﴿ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه إن أنا حدثتكم بشيء تعرفونه صدقاً لتتابعني على الإسلام. قالوا: لك ذلك .. ﴾ (٤).

стр. 145

وفي هذا الحديث أقام الرسول ﷺ الحجة عليهم بأخذه العهد منهم, وبهذا التبليغ الذي هو جزء من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يتحقق به الخير ويعم به النفع, المذكور في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١). سابعاً: ومن ثمار مناظرة أهل الكتاب بيان وكشف تحريف كتبهم, وإثبات سلامة القرآن الكريم من التحريف والتبديل. ثامناً: ومن ثمار مناظرتهم التنبيه للغافل والتذكير للجاهل والناسي من المسلمين بما عليه أهل الكتاب من الباطل, وما في دينهم من التحريف, وأن الإسلام هو الدين الحق, وذلك يجعل المسلمين يثبتون على دينهم, ويقومون بالحق الذي أوجبه الله عليهم في تبليغ دينهم من الدعوة والتبليغ لقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ (٢). وهذا التذكير يزيل التشويه الذي يحصل من قبل جمعيات التنصير (٣) , وهو أيضاً إنقاذ للمسلمين الذين يغترون بالغرب وحضارتهم, وتثبيتهم على دينهم, وإزالة الشبهات والأوهام التي دخلت عليهم عن طريق أعداء الإسلام من العلمانيين الملحدين, ودعاة النصرانية واليهودية, وكذلك المنظمات الحاقدة على الإسلام والمسلمين, الذين ذكر الله حقدهم في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (٤). تاسعاً: ومن أهم ثمار مناظرة أهل الكتاب أن ندعوهم للتوبة مما صدر منهم تجاه رب العالمين من قولهم: إن الله ثالث ثلاثة وغيرها من الافتراءات على الله تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً, قال

стр. 146

تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) , وكذلك التوبة مما صدر منهم تجاه أنبياء الله من القتل والتكذيب. الفرع الثاني: كشف شبهاتهم وباطلهم للناس . تمهيد: وعندما يتبين موقف أهل الكتاب من الخطاب القرآني, ومن دعوة الرسل والأنبياء يجب على أتباع الرسل أن يقوموا بالرد على شبهاتهم وأكاذيبهم الباطلة, والرد على شبهاتهم وأباطيلهم يكون من خلال آيات الخطاب القرآني القائمة على تنزيه الله تعالى عن كل ما نسب إليه من اليهود والنصارى, وكذلك الرد على كل ما يدعونه حول رسول الإسلام والسلام محمد ﷺ , وكذلك الرد على ما يدعونه على رسل الله جميعاً, وما ينشرونه من أكاذيب حول الإسلام والمسلمين, والرد على ما يحصل منهم من الطعن في القرآن الكريم, والذي تتبناه الكنائس عن طريق الأحبار والرهبان, وتفنيد كل ما يدعونه في ذلك حتى يزهق الله الباطل, ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢) , وقوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (٣) , وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ (٤) , ونحن هنا سنذكر باختصار بعض شبهاتهم والجواب عنها من خلال الخطاب القرآني في الرد عليهم. أولاً: فمن شبهاتهم قولهم: إن المسيح عيسى ﵇ طلب من الناس عبادته من دون الله, وإنه دعا للتثليث؛ وقد بين الله دعواهم هذه وردها عليهم بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ

стр. 147

إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١). ثانياً: ومن شبهاتهم نسبة الولد لله تعالى, واتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله, وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢). ثالثاً: ومن شبهاتهم ادعاؤهم أنهم أبناء الله, وأنهم أحب الخلق إليه, فرد الله عليهم بأنهم بشر كغيرهم بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٣). رابعاً: ومن شبهاتهم ادعاؤهم أن الله لن يعذبهم, فرد الله عليهم بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤). خامساً: ومن شبهاتهم ادعاؤهم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان يهودياً أو نصرانياً, فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٥). سادساً: ومن شبهاتهم نسبة الفقر لله تعالى, فرد الله عليهم بقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا

стр. 148

نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١). وهذه الآية فيها تهديد أكيد ووعيد شديد من الله تعالى لهم على أفعالهم الشنيعة وأقوالهم القبيحة. خلاصة: فهذه بعض آيات الخطاب القرآني التي تبين موقف أهل الكتاب من رب العالمين, ومن رسل الله أجمعين, وتبين شبهاتهم التي يقومون بنشرها في مجتمعاتهم ويدرسونها لأجيالهم, ويحاولون إغواء المسلمين بها؛ وذلك لصرفهم عن الدين الحق, وهنا يؤكد أنه يجب على علماء المسلمين أن يبينوا للعالَم زيف دعواهم وضعف حجتهم, وبطلان دينهم, وأن الدين الحق هو الإسلام عملاً بهدي الرسول ﷺ ومن بعده, والذي اتضح من خلال المناظرات السابقة, وصدق الله القائل: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (٢). وفي هذه الآية دعوة إلى الرد على الشبهات التي لا تستند إلى دليل صريح, ولا إلى عقل صحيح, وإنما تستند إلى الأهواء, وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يخاطب أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣).

стр. 149

الفصل الثالث

стр. 150

الفصل الثالث الخطاب القرآني لأهل الكتاب فيما يتعلق بالإيمان بالقرآن الكريم , وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: آيات الخطاب القرآني المتعلقة بالإيمان بالكتب السماوية عموماً. المبحث الثاني: موقف منصفي أهل الكتاب قديماً وحديثاً من القرآن الكريم. المبحث الثالث: محاولة أهل الكتاب تحريف القرآن الكريم حديثاً.

стр. 151

المبحث الأول: آيات الخطاب القرآني المتعلقة بالإيمان بالكتب السماوية عموماً , وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الآيات الواردة في الأمر بالإيمان بالقرآن الكريم, وفيه: الفرع الأول: آيات الخطاب التي تأمر أهل الكتاب بالإيمان بالقرآن الكريم: الفرع الثاني: أسباب تفضيل القرآن الكريم على غيره من الكتب. المطلب الثاني: الآيات الواردة في الأمر بالإيمان بالكتب السماوية السابقة. المطلب الثالث: الآيات الواردة في الأمر بإقامة التوراة والإنجيل والقرآن, والعمل بما فيها كما انزل الله. الفرع الأول: آيات الخطاب القرآني التي تأمر بإقامة كتب الله والعمل بما فيها. الفرع الثاني: بيان ما الذي يجب الإيمان به من الكتب السماوية. المطلب الرابع: الآيات الواردة في التحذير من الكفر بآيات الله, وفيه: الفرع الأول: آيات الخطاب القرآني التي تحذر أهل الكتاب من الكفر بآيات الله, وأقوال المفسرين فيها. الفرع الثاني: خلاصة آيات الخطاب المتعلقة بالكتب السماوية.

стр. 152

إن خطاب الله تعالى لأهل الكتاب فيما يتعلق بالإيمان بالكتب السماوية قد ورد ذكره في القرآن الكريم بأساليب متنوعة, وطرق مختلفة, فمنه الخطاب العام المتعلق بالإيمان بجميع الكتب, ومنه الخطاب الخاص المتعلق بوجوب الإيمان بالقرآن الكريم, ومنه الخطاب المباشر, ومنه غير المباشر, ولاشك أن ذلك كله يؤدي إلى غاية واحدة, وهي تقرير وجوب الإيمان بجميع الكتب عموماً وبالقرآن الكريم الناسخ لما قبله خصوصاً الذي قال عنه ﷺ هو: ﴿كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم, وخبر ما بعدكم, وحكم ما بينكم, وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله, ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله, وهو حبل الله المتين, وهو الذكر الحكيم, وهو الصراط المستقيم, هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه هو الذي لم تنته الجن إذا سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ (١). من قال به صدق, ومن عمل به أجر, ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم﴾ (٢). وسنقوم هنا بحصر الآيات التي تتعلق بالإيمان بالكتب السماوية مع ذكر أقوال المفسرين بحسب ما يفي بالغرض المقصود, وذلك كما يلي: المطلب الأول: الآيات الواردة في الأمر بالإيمان بالقرآن الكريم, وما يترتب عليه . الفرع الأول: آيات الخطاب التي تأمر أهل الكتاب بالإيمان بالقرآن الكريم: ومن هذه الآيات التي تخاطب أهل الكتاب بوجوب الإيمان بالقرآن الكريم ما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (٣).

стр. 153

قال ابن جرير الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية: " (بما أنزلت) أي: ما أنزل على محمد ﷺ من القرآن" (١). وبنحوه قال ابن كثير (٢) , والقرطبي (٣) , والنسفي (٤) , وقد قرر بعض المفسرين أن الدليل على أن المراد بهذه الآية هو القرآن الكريم أمران: "أحدهما: أنه وصفه بكونه منزلاً, وذلك هو القرآن؛ لأنه تعالى قال: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ (٥). والثاني: وصفه بكونه مصدقاً لما معهم من الكتب, وذلك هو القرآن" (٦). وإذا تقرر أن المراد القرآن الكريم فمعناه أن أهل الكتاب مخاطبون في هذه الآية بالإيمان به واتباعه, لأنه ناسخ لما قبله من الكتب ومهيمن عليها. ٢ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (٧). وهذا الخطاب القرآني في هذه الآية أيضاً يأمر أهل الكتاب بالإيمان بالقرآن الكريم؛ كونه مصدقاً لما في الكتب السابقة, ويأمرهم"بالإيمان بالكتاب العظيم الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات, ومتهدداً لهم إن لم يفعلوا بلعنهم وطمس وجوههم بقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ ... ﴾ (٨). والدلالة في هذه الآية واضحة من خلال استخدام فعل الأمر بوجوب الإيمان بالقرآن, وإتباع الأمر بالإيمان يبين غنى الله عنهم لو كفروا, وتوعدهم بالعقوبة والنكال إذا تأخروا عن ذلك, وهذا تأكيد على وجوب الإيمان بالقرآن.

стр. 154

٣ - وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١) ويأتي التأكيد على هذا الأمر بالحكم بينهم بالقرآن في قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٣). وكل هذه الآيات السابقة تبين أن القرآن الكريم هو المصدق للكتب السماوية السابقة, وأن رجوعهم إلى غيره من الكتب هو من اتباع الهوى, ومن حكم الجاهلية. وأما معنى أن القرآن مصدق للكتب السابقة فهو أنه مهيمن ومسيطر وحاكم عليها؛ لأنه خاتمها, ومحفوظ بحفظ الله, ومستمر حفظه إلى قيام الساعة. فالقرآن مصدق للتوراة في موضوعاتها, وحقائقها, ومصدق لها في العقيدة وأسسها, وفي الآداب والأخلاق والفضائل, وفي التاريخ والقصص, وفي التوجيهات والتقريرات, والترغيب والترهيب وغير ذلك (٤). الفرع الثاني: أسباب تفضيل القرآن الكريم على غيره من الكتب . تبين مما سبق أن الله قد بين مكانة القرآن الكريم بين الكتب السماوية السابقة, وأنه المهيمن على ما سبقه من الكتب, وقد أكد الله تعالى هذا المعنى بعدة أمور, يأتي في مقدمتها أنه دعا أهل الكتاب إلى الإيمان بالقرآن الكريم, وقد ذكر الله تعالى لذلك عدة حقائق تؤكد هذا الأمر منها ما يلي: ١ - أن القرآن الكريم هو المهيمن على جميع الكتب السماوية الأخرى, وأنه الحاكم عليها. ٢ - أفضليته وكماله كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (٥) , وترجع أفضلية القرآن على غيره من الكتب إلى كماله من جهتين:

стр. 155

أولاهما: تبيانه لكل شيء، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢). والثانية: إرشاده إلى الغاية التي يصبو إليها الإنسان, والتي تحقق له كمال الدنيا والدين، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٣). ٣ - كشف التحريف والتبديل بوجوهه المختلفة الواقعة في الكتب السماوية السابقة, ومنه الإخفاء كما أخبر الله عنه بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ (٤). وكذلك بالنسيان كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (٥). وأيضاً بالوضع والإدخال في كتاب الله كما أوضحه الله بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (٦). وأيضاً التغيير المتعمد لكلام الله كما قال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧) (٨). وبيان هذه الأوجه يقصد منه دعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بالقرآن الكريم, وسيأتي الكلام في تحريف الكتب السماوية قديماً وحديثاً في الفصل القادم.

стр. 156

وأما ما يترتب على الإيمان بالقرآن الكريم فقد وعدهم الله بإدخالهم في رحمته وفضله, وأنه سيهديهم إلى الطريق المستقيم, ويكفينا ما جاء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (١). وقد أمر الله رسوله محمداً أن يتلوا على أهل الكتاب بعض مواقف أسلافهم من آيات الله, وكيف عاقبهم الله لعل القوم يتذكرون قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ (٢). المطلب الثاني: الآيات الواردة في الأمر بالإيمان بالكتب السماوية . لقد اتضح مما سبق وجوب الإيمان بالقرآن الكريم, والعمل بما فيه من التعاليم, وهنا نذكر نوعاً آخر من الخطاب القرآني يبين وجوب أخذ ما شرعه الله على أهل الكتاب في كتبهم قبل مجيء القرآن الكريم, وأوجب عليهم الإيمان بما أنزله عليهم من الكتاب, وأن يأخذوا بكل ما في تلك الكتب بجد واجتهاد, وهذا الخطاب ورد في القرآن الكريم على النحو التالي: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣). وهذه الآية تأمر أهل الكتاب أن يأخذوا بكل ما افترضه الله عليهم في كتبه السابقة التي أنزلها عليهم, وأن يعملوا بما فيها, ومن ذلك الإيمان بالقرآن الكريم كما سبق بيانه؛ لأنه من العهد الموجود في كتبهم الذي أمرهم الله باتباعه. قال الإمام الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية: "خذوا ما افترضناه عليكم في كتابنا من الفرائض فاقبلوه, واعملوا باجتهاد منكم في أدائه من غير تقصير ولا توان" (٤).

стр. 157

٢ قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) , وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢). وفي هذه الآيات دلالة واضحة على أن موقف أهل الكتاب من خطابه تعالى أنهم واجهوه بقولهم سمعنا وعصينا, مع أنهم عاهدوا الله أنهم سيؤمنوا ويصدقوا بكل ما جاء به موسى ﵇ , فلما رفع عنهم العذاب إذا ينكثون. المطلب الثالث: الآيات الواردة في الأمر بإقامة التوراة والإنجيل والقرآن والعمل بما فيهما . الفرع الأول: آيات الخطاب القرآني التي تأمر بإقامة كتب الله والعمل بما فيها: إن من خطاب الله لأهل الكتاب في القرآن الكريم أنه أمرهم بالإيمان بجميع الكتب السماوية, وإقامة كل ما شرعه لهم إقامة صحيحة تخرجهم عن الضلال الذي هم عليه, وهذا يتضح من خلال الكثير من النصوص القرآنية كما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٣). فقد أمر الله رسوله في هذا الخطاب بأن يبين لليهود والنصارى ضلالهم, وأن يبلغهم أيضاً أنهم ليسوا على شيء من الهداية حتى يقيموا التوراة والإنجيل والقرآن الذي جاءهم به محمد ﷺ , وقد بين الإمام الطبري أن معنى ذلك أن عليكم يأهل الكتاب أن تؤمنوا بالكتب كلها, وتؤمنوا بما فيها من الإيمان بمحمد ﷺ وتصديقه, وتقروا بأن كل ذلك من عند الله, فلا تكذبوا بشيء منه, ولا تفرقوا بين رسل الله فتؤمنوا ببعض وتكفروا ببعض, فإن الكفر بواحد من ذلك كفر بجميعه؛ لأن كتب الله يصدق بعضها بعضاً, فمن كذب ببعضها فقد كذب بجميعها" (٤).

стр. 158

وبين ابن الجوزي أن المقصود بإقامة التوراة والإنجيل والقرآن هو: " إقامتها والعمل بما فيها, ومن ذلك الإيمان بمحمد ﷺ " (١). وقال الألوسي: "الإقامة أن تراعوهما وتحافظوا على ما فيها من الأمور التى من جملتها دلائل رسالة النبى ﷺ " (٢). والخلاصة فيما سبق أن المقصود بإقامة التوراة والإنجيل والقرآن هو: العمل بما فيها, والإيمان الصادق بها, والاعتقاد الجازم أن كل كتاب هو متمم ومكمل لما قبله وناسخ له, وإن من أولويات هذا الإيمان هو الإيمان بالله, والتصديق الكامل بما جاء به رسل الله الكرام لهداية أهل الكتاب, وإلا فليسوا على شيء من الدين الحق. وأما أهل الكتاب فقد تبين موقفهم أنهم لم يقيموا التوراة والإنجيل والقرآن, ولكنهم قاموا بتحريف ما قدروا عليه منها, وكتمان ما فيها, وأخفوا أحكامها, ولو أقاموها كما أمرهم الله لكان خيراً لهم, ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم, قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٤). وتبين أيضاً أنهم لم يؤمنوا بما أنزله الله عليهم من الكتب, ولم يعملوا بما فيها, وابتدعوا فيها ما لم يشرعه الله لعباده, بل ونقضوا العهد الذي بينهم وبين خالقهم على العمل بما فيها. وخلاصة هذه الآيات السابقة في الخطاب القرآني أنها تبين أن من تمام إيمان أهل الكتاب إقامتهم لكتب الله, وأن لا يلبسوا فيها الحق بالباطل, وأن لا يكتموا ما فيها من الحق ليتحقق لهم ما وعدهم الله به. وهذا هو الواجب على أهل الكتاب في كل زمانٍ ومكان.

стр. 159

الفرع الثاني: بيان ما الذي يجب الإيمان به من الكتب السماوية: وأما المسلمون فواجبهم من الإيمان بالكتب السابقة هو التصديق بما صح منها قبل تحريفه وتبديله, وأنها منزله من عند الله بالحق, والإيمان بكل كتاب أنزل على كل رسول من رسل الله, كالإنجيل المنزل على عيسى ﵇ , والتوراة المنزلة على موسى ﵇ , والصحف المنزلة على إبراهيم ﵇ , والزبور المنزلة على داود ﵇ , والقرآن الكريم المنزل على محمد ﷺ . قال الإمام الماوردي (١) في بيان الواجب من الإيمان بالكتب بقوله: " والإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور: الأول: الإيمان بها إجمالاً, وأنها كلها منزلة من عند الله حقًّا، قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٢). الثاني: الإيمان بما سمي لنا منها على وجه الخصوص؛ كالتوراة، والإنجيل والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، قال تعالى: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (٣) مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ (٣). الثالث: الإيمان بما في هذه الكتب إجمالاً، وبما أخبرنا به الله ورسوله ﷺ . الرابع: الإيمان بهذا القرآن المنزل على خاتم النبيين وأنه أشرف وآخر كتاب نزل من عند الله، وأنه ناسخٌ لما سبقه من الكتب، وأنه حاكم عليها، وأنه الذي يجب إتباعه بتصديق أخباره، وبإحلال حلاله، وتحريم حرامه، والعمل بأوامره, واجتناب نواهيه، قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٤) " (٥).

стр. 160

فتبين مما سبق أن الواجب هو الإيمان بجميع الكتب السماوية, وأن كل رسالة مصدقة ومكملة ومتممة لما قبلها, وناسخة لما فيها من الأحكام, وأن القرآن الكريم هو الناسخ والمهيمن على جميع الكتب السابقة, وأنه آخر كتاب سماوي فيه النور الإلهي الموحى به من رب العالمين. المطلب الرابع: الآيات الواردة في التحذير من الكفر بآيات الله: الفرع الأول: آيات الخطاب القرآني التي تحذر أهل الكتاب من الكفر بآيات الله, وأقوال المفسرين فيها: تبين مما سبق أن الله أوجب على أهل الكتاب الإيمان بالقرآن الكريم خصوصاً, وبغيره من الكتب السماوية السابقة عموماً قبل أن تحرف, ووعد الله من آمن بكتبه وعمل بما فيها من الأوامر بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة, ولكنه وفي المقابل توعد من كفر بكتبه, وخصوصاً القرآن الكريم, أو آمن وصدق ببعض ما في الكتاب وكفر ببعضه, واتبع هواه في ذلك بطمس وجوههم, ولعنهم كأصحاب السبت, وإحباط أعمالهم في الدنيا, وأنه أعد لهم العذاب الأليم في الآخرة, وهذه بعض آيات الخطاب القرآني التي حذر الله فيها أهل الكتاب من الكفر بآيات الله. ١ - قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (١). أما آيات الله التي حذر الله أهل الكتاب من الكفر بها وجحودها فهي معجزات القرآن الكريم, والرسول الخاتم محمد ﷺ , وذلك واضح من خلال السياق القرآني في أكثر الآيات, ومن خلال كلام المفسرين, وما استدلوا به على ذلك من الكتب السابقة, وسنذكر هنا ما قاله أهل التفسير حول هذه الآيات, فالمقصود هنا (بآيات الله) أي: القرآن الكريم, كما قرره أكثر المفسرين كالبغوي (٢)

стр. 161

والسمرقندي (١) , والواحدي بقوله: " (بآيات الله) بالقرآن (وأنتم تشهدون) بما يدل على صحته من كتابكم لأن فيه نعت محمد ﷺ " (٢). ٢ - قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣). قال ابن الجوزي عند تفسير هذه الآية: "فأما آيات الله فقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال هي: القرآن, ومحمد ﷺ " (٤). وقال سيد طنطاوي: " قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين كفروا بالحق بعد أن جاءتهم البينات! لِمَ تعاندون الحق وتكفرون بآيات الله السمعية والعقلية الدالة على صدقي فيما أبلغه عن ربى، والحال أن الله مطلع عليكم وعالم علم المعاين المشاهد أعمالكم الظاهرة والخفية، وسيجازيكم عليها بما تستحقونه من عقاب أليم فالآية الكريمة قد تضمنت تأنيبهم على الكفر، وتهديدهم بالعقاب إذا استمروا فى مسالكهم الأثيمة, ولكي يكون التأنيب أوجع، أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يناديهم بقوله: (يا أهل الكتاب)؛ لأن علمهم بالكتاب يستلزم منهم الإيمان، والإذعان للحق، ولكنهم اتخذوا علمهم وسيلة للشرور والتضليل فكان مسلكهم هذا دليلاً على فساد فطرتهم، وخبث طويتهم، وسوء طباعهم" (٥). ٣ - قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٦).

стр. 162

قال ابن عاشور: وهذا استفهام إنكاري توبيخي ... وللإنذار بأن تعمد المخالفة للكتاب قد تفضي بصاحبها إلى الكفر به، وإنما وقع (تؤمنون) في حيز الإنكار تنبيهاً على أن الجمع بين الأمرين عجيب, وهو مؤذن بأنهم كادوا أن يجحدوا تحريم إخراجهم أو لعلهم جحدوا ذلك, وجحد ما هو قطعي من الدين مروق من الدين" (١). وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢). ٤ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (٣) , وهذه الآية تحذر من يكفر بآيات الله, ويصر على كفره بها والتكذيب لها, بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٤) , وتوعدهم الله بالعذاب المهين قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ١٥٠ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (٥). وكل هذه الآيات تبين لنا موقف أهل الكتاب من آيات الله, وتبين أن اليهود يزعمون أنهم يؤمنون بالتوراة, ويكفرون بالقرآن والإنجيل وغيره من الكتب, مع أنهم يعلمون أن عيسى ﵇ أرسله الله بالإنجيل مصدقاً ومكملاً للتوراة الربانية التي لم تحرف, وأنها ناسخة لبعض ما حرم عليهم, وأن القرآن الكريم متمم لكل ماسبق بقوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ .. ﴾ (٦).

стр. 163

وبقوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١). وكان هذا الهدى والنور الذي تحتوي عليه التوراة والإنجيل للذين يخافون ربهم ويخشونه, قال تعالى: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (٢). وكان من أهم ما ورد التحذير منه في آيات الخطاب القرآني هو التكذيب والكفر بنبوة محمد ﷺ ؛ كونهم يعلمون أنه رسول حق, وأن الله أنزل معه القرآن مصدقاً لكتبهم السابقة, ومهيمناً عليها, وناسخاً لما فيها, لقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). وأخبر الله أنهم كانوا يعرفون نبوة محمد ﷺ كما يعرفون أبناءهم, وكانوا يستفتحون به قبل المعارك على إخوانهم العرب, كما أخبر الله عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٤). وقد كان اليهود يستفتحون بهجرة الرسول ﷺ على الذين كفروا من العرب قبل بعثته ﷺ , وكانوا يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان, ويتوعدونهم بأنهم سيقتلونهم قتل عاد وإرم. الفرع الثاني: خلاصة آيات الخطاب المتعلقة بالكتب السماوية: إن كل الأدلة السابقة في هذا المبحث تدل دلالة واضحة على ما يلي: ١ - وجوب الإيمان بالقرآن الكريم والعمل بما فيه, ومعنى الإيمان بالقرآن هو: التصديق به, والعمل بما فيه, والاعتقاد أنه الحق الذي أنزله الله على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ بواسطة جبريل ﵇ أمين الملائكة, وأنه الناسخ للكتب السماوية السابقة, والمهيمن عليها, والمصدق لما فيها, وأنه الكتاب الوحيد الذي لم تصله يد التحريف. ٢ - تحذير أهل الكتاب من الكفر بالقرآن الكريم وبآيات الله, ومن التمادي والتكذيب في ذلك.

стр. 164

٣ - أن القرآن الكريم هو الكتاب المعجز في كل ألفاظه وآياته, ودلالاته, وأنه الكتاب الوحيد الذي لا يتعارض ولا يتناقض مع العلم الحديث, وأنه سبق العلوم الحديثة بالإخبار عنها, بعكس الكتب السابقة التي طرأ عليها التحريف والتبديل, ودخول كلام البشر عليها حتى غلب عليها أقوال البشر, واستمرت أيدي التحريف تنالها حتى عصرنا الحديث عن طريق أحبارهم ورهبانهم. ٤ - أن العلم الحديث أثبت بطلان ما في التوراة والإنجيل من الأخبار التي تتعلق بالأمور العلمية في عصرنا الحديث, وأنها تتعارض مع العلوم الحديثة جملة وتفصيلاً, وتصطدم معها؛ مما يدل على أنها لا تكون من كلام الله الذي أحاط بكل شيء علماً. ٥ - أثبت العلم الحديث أن القرآن الكريم هو الكتاب الحق الصادق بإخباره عن الأمم السابقة واللاحقة, وعن غيب الماضي والحاضر والمستقبل, بخلاف الكتب الأخرى المحرفة. ٦ - أن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي توعد الله بحفظه, فحفظه في الصدور, وفي السطور على مر العصور, فإذا سألت شخصاً مسلماً في أمريكا أو في الصين أو في روسيا أو في أفريقيا أو في أي قطر من أقطار المعمورة عن القرآن الذي معه لقال: لك: القرآن الكريم, وهو كتاب واحد بنفس الصيغة لم يتغير منه حرف واحد, ولم تتبدل منه حركة واحدة خلال أربعة عشر قرناً, وكل ذلك مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) , "وكلمة (حافظون) اسم فاعل يدل على وقوع حفظ القرآن في الماضي, وفي الحاضر: وقت نزول القرآن, وفي المستقبل " (٢). وهذا هو الواقع المشاهد للقرآن الكريم, بخلاف التوراة والإنجيل التي حرفت وبدلت, فإنجيل متى غير إنجيل يوحنا, وإنجيل يوحنا غير إنجيل لوقا وهكذا, وكذلك التوراة, فسفر التكوين غير سفر الخروج, وكذلك الكتاب المقدس _كما يزعمون_, فالعهد القديم غير العهد الجديد, وبهذا التحريف والتبديل الذي وقع فلا توجد توراة موسى ﵇ , ولا إنجيل عيسى ﵇ , والموجود إنما هو كلام بشر, وهم: يوحنا ولوقا ومرقص ... الخ.

стр. 165

المبحث الثاني: موقف منصفي أهل الكتاب قديماً وحديثاً من القرآن الكريم , وفيه مطلبان: المطلب الأول: موقف منصفي أهل الكتاب قديماً من القرآن الكريم, وفيه: الفرع الأول: النجاشي. الفرع الثاني: ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى. الفرع الثالث: عبد الله بن سلام. المطلب الثاني: موقف منصفي أهل الكتاب حديثاً من القرآن الكريم, وفيه: الفرع الأول: شهادات المنصفين على أن القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه. الفرع الثاني: شهادات المنصفين على أن القرآن لم يحرف ولم يطرأ عليه التغيير. الفرع الثالث: شهادات المنصفين من أهل الكتاب حديثاً على أن القرآن لا يتعارض مع الحقائق العلمية المعاصرة.

стр. 166

المطلب الأول: موقف منصفي أهل الكتاب قديماً من القرآن الكريم . إن لأهل الكتاب موقفاً سلبياً تجاه الخطاب القرآني قديماً وحديثاً, وذلك بتكذيبه, ولهم موقف سلبي حديثاً حينما قاموا بمحاولة تحريف القرآن الكريم ليكون كغيره من الكتب السابقة, وهنا نذكر بعض المواقف للمنصفين منهم في كل زمانٍ ومكان, والذين يؤكدون صدق القرآن الكريم, وينبغي أن يعلم أن هذه الشهادات إنما نوردها هنا للذين يشككون في صدق القرآن الكريم ولإقامة الحجة عليهم, وأما المؤمن الصادق فإنه مستغن بالوحي عن إخبار أي مخبر, وما نذكره من شهاداتهم هنا إنما هو من باب قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ .. ﴾ (١) , ولذا فإننا نحن المسلمين يكفينا قوله ﵎: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (٢). ويكفينا أيضاً في الدلالة على ذلك ما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً﴾ (٣). فحينما أرسل الله محمداً ﷺ بالقرآن الكريم انقسم أهل الكتاب في مواقفهم إلى قسمين: القسم الأول: الذين سماهم الله الراسخين في العلم, وهم من آمن وصدق بالقرآن عندما تأكد له أنه الحق الذي جاء موافقاً لما في كتبهم, وأن ما جاء به الرسول هو الحق, فلم يترددوا عن الدخول في الإسلام واتباع الرسول الخاتم, وقد قام بعض هؤلاء بأداء الشهادات التي تؤكد بذلك, كما سنذكرها في هذا المبحث. القسم الثاني: المعاندون الذين عرفوا الحق وكفروا به, وهؤلاء قد قال الله تعالى عنهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)

стр. 167

الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٢) , وهذا القسم المعاند ينطبق على الكثير من أهل الكتاب كموقف حيي بن أخطب الذي سبق ذكره في المقدمة وغيره, والذي اتضح أن موقفه كان سلبياً من الخطاب القرآني, وكذلك من الرسل والرسالات مع علمه ومعرفته بالحق. وفيما يلي نذكر شهادات المنصفين من أهل الكتاب الذين عرفوا الحق واستجابوا له, وذلك على النحو التالي: الفرع الأول: النجاشي: لقد سبق الحديث عن النجاشي وعن قصة إسلامه عندما استمع لآيات من القرآن الكريم فقال قولته المشهورة لجعفر بن أبي طالب ﵁: ﴿هل مَعَكَ مِمَّا جاء بِهِ عَنِ اللَّهِ من شيء؟ فَقَرَأَ عليه_جعفر ﵁ صَدْراً من (كهيعص) فَبَكَى النجاشي حتى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ, ثُمَّ قال: إن هذا والله والذي جاء بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ من مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٣). وقد أنزل الله في هؤلاء قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤). وهذه الآيات تدل على أن النجاشي وأصحابه, وكثيراً من أهل الكتاب وخاصةً النصارى إذا تبين لهم الحق آمنوا بالله وبكتبه, واستغفروا عن كل ما صدر منهم, وسارعوا بسؤال الله أن يدخلهم الجنة.

стр. 168

فحينما ظهر الحق للنجاشي ﵁ لم يتردد لحظة واحدة عن الإيمان بالله وبالرسول الخاتم محمداً ﷺ , بل سارع في إيمانه مع أساقفته حينما سمعوا كلام الله وعرفوا أنه الحق وتأثروا به, ومع أن النجاشي كان حينها هو الملك, ولكنه لم يخف على ملكه حينما أراد بطارقته معارضته, بل زاده ذلك إيماناً, وقال للمسلمين الذين هاجروا إليه: أنتم آمنون في أرضي! (١). الفرع الثاني: ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزى (٢): وأما ورقة بن نوفل فهو الذي كان قد تنصر في الجاهلية, وكان يكتب الإنجيل بالعربية, ... فحينما عرض عليه رسول الله ما يراه في المنام في بداية الوحي عرف أن ذلك هو نور الوحي والنبوة, وقد روت قصته خديجة ﵁ التي جاءت مع رسول الله إلى ورقة بن نوفل, وقالت: ﴿أَيْ عَمِّ: اسْمَعْ من بن أَخِيكَ. قال وَرَقَةُ بن نَوْفَل: يا ابن أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رسول اللَّهِ ﷺ خَبَرَ ما رَآهُ. فقال له وَرَقَةُ: هذا النَّامُوسُ الذي أُنْزِلَ على مُوسَى ﷺ يا لَيْتَنِي فيها جَذَعًا يا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حين يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. قال رسول اللَّهِ ﷺ : أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قال وَرَقَةُ: نعم. لم يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إلا عُودِيَ, وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا﴾ (٣). فتبين موقفه أنه كان إيجابياً؛ حيث أنه وعد بنصرة هذا الدين والرسول, ولكن المنية وافته قبل ذلك. وهناك الكثير من النصارى غير النجاشي وورقة بن نوفل ممن شرح الله صدورهم للإسلام, وهداهم للإيمان بالكتابين, ويصدق عليهم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (٤) , وهذه المواقف وإن وقعت من بعض

стр. 169

النصارى الذين عرفوا الحق واستجابوا له, ولكنها قليلة مقارنة بعدد النصارى, وهي في مقابل مواقف اليهود كثيرة, فاليهود هم أقل الناس استجابة لهدى الله.

стр. 170

الفرع الثالث: عبد الله بن سلام: بعد أن ذكرنا بعض المواقف من النصارى نذكر هنا مواقف لبعض من كانوا من أحبار اليهود, ويكفينا أن نستشهد بقصة عبد الله بن سلام الذي كان من أحبار اليهود, وممن لهم معرفة واطلاع بالكتب السماوية السابقة, وممن يعرف كلام الله من كلام غيره, وقد كان بعض يأتون إلى رسول الله ﷺ للتأكد من بعض العلامات الموجودة في كتبهم عن الرسول الخاتم, فلما وجدوا ما عندهم ينطبق مع ما جاء به رسول الله أسلموا مع أنهم كانوا من كبار سادة اليهود وعلمائهم, وقد كان من هؤلاء عبد الله بن سلام, فعن أنس بن مالك ﵁ قال: ﴿جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله, وأنك جئت بحق, وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم, وأعلمهم, وابن أعلمهم, فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت, فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيّ ما ليس في؛ فأرسل نبي الله ﷺ . فأقبلوا فدخلوا عليه, فقال لهم رسول الله ﷺ : يا معشر اليهود! ويلكم اتقوا الله, فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقاً, وأني جئتكم بحق فأسلموا. قالوا: ما نعلمه, قالوا للنبي ﷺ , وقالها ثلاث مرار. قال: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا, وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشا لله! ما كان ليسلم. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشا لله! ما كان ليسلم. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ . قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: يا ابن سلام اخرج عليهم, فخرج فقال: يا معشر اليهود! اتقوا الله, فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله, وأنه جاء بحق. فقالوا: كذبت! فأخرجهم رسول الله ﷺ ﴾ (١). وكان هذا هو سبب نزول قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).

стр. 171

فتبين مما سبق أن عبدالله ابن سلام كان يعلم أن اليهود قوم بهت يتبعون أهواؤهم مع علمهم ومعرفتهم بصدق رسول الله ﷺ فظهر موقفهم من الخطاب القرآني ومن الرسول الخاتم أنهم قابلوه بالإعراض والرفض, واتبعوا أهوائهم بغير هدى من الله قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١). المطلب الثاني: شهادة المنصفين من أهل الكتاب حديثاً على صدق القرآن الكريم . إن مما لاشك فيه أنه يوجد في كل زمانٍ ومكان عقول منصفة تحب أن تصل إلى الحقيقة, وتبحث عنها بتجرد حتى تصل إليها, وقد كان من هؤلاء بعض أهل الكتاب في عهد رسول الله ﷺ , أمثال الحبر عبدالله بن سلام من اليهود, وكذلك النجاشي من النصارى, وقد ورد ذكرهما في المطلب السابق, وفي هذا العصر وجدت بعض العقول المنصفة التي بحثت عن الحق فوصلت إليه بعد دراسات مستفيضة استمرت لعدة سنوات, وغيرت موقفها تجاه الخطاب القرآني, وكانت تلك الدراسة تقارن بين ما جاء في القرآن الكريم, وبين ما جاء في الكتب السابقة, ومقارنة ذلك بالحقائق العلمية الحديثة, فتبين لهؤلاء أن القرآن الكريم هو الكتاب الحق الذي لم تصله يد التحريف طوال أربعة عشر قرناً, وأنه الكتاب الوحيد الذي يتكلم عن حقائق علمية في الكون لا يمكن للبشر أن يصلوا إليها قبل مئات السنين بقدراتهم البسيطة, وهذا مما يدل على أن محمداً ﷺ قد تلقى القرآن عمن أحاط بكل شيءٍ علماً, فأسلم منهم الكثير, وشهدوا بصدق القرآن الكريم, وآمنوا به وبالذي أنزله, كما آمنوا بالرسول الذي جاء به, وسأذكر في هذا المطلب مجموعة من هذه الشهادات للمنصفين منهم, داعياً أهل الكتاب في عصرنا الحديث أن يدرسوا القرآن الكريم بإنصاف وتجرد, لعلَّ الله أن يشرح صدورهم للإسلام كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢). وشهادات المنصفين بصدق القرآن قد شملت عدة جوانب, وكلها تدل وتؤكد على صدقه, وهذه الشهادات نوردها على النحو التالي:

стр. 172

الفرع الأول: شهادات المنصفين على أن القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه: إن من سنن الله في خلقه حينما خلقهم أن جعل منهم المؤمن والكافر, والعاقل والجاهل, فالعاقل إذا وجد الحق وعرفه لن يتردد في مناصرته ومساندته, ولو بأدنى كلمة يعبر فيها عمَّا وصل إلى قلبه من التأثر بآيات القرآن الكريم, وأما الجاهل والجاحد فإن مصيبته كبيرة, وهي أنه لا يريد أن يفهم, ولا يريد أن يعقل مع أنه يرى آيات الله تتلى عليه وهو متيقن بأنها الحق, ولكنه يجحدها, وهؤلاء وصفهم الله بقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١) , وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٢). ولكننا سنذكر هنا شهادات لمجموعة من كبار أهل الكتاب الذين قاموا بدراسة القرآن الكريم بموضوعية, وقد عبروا عما توصلوا إليه ببعض الكلمات, وبعضهم هداهم الله وشرح صدورهم للإسلام, وينطبق على هؤلاء قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٣) , وقوله تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (٤). قال الشوكاني (٥) ﵀ في تفسير هذه الآية: "يهدون بالحق أي: يدعون الناس إلى الهداية حال كونهم متلبسين بالحق, وبه أي: بالحق. يعدلون بين الناس في الحكم" (٦). ومن هؤلاء الدكتور موريس بوكاي (٧) وهو يتحدث عن القرآن الكريم بقوله: " ودون أي فكرة مسبقة، وبموضوعية تامة أجدني أتوجه باحثاً عن درجة التوافق بين نص القرآن ومعطيات العلم

стр. 173

الحديث، وقد كنت أعرف من بعض الترجمات أن القرآن يسوق كل أنواع الظواهر الطبيعية، ولم أكن أملك منها إلا معرفة جزئية، ولكن بعد تدقيق النص العربي بإمعان شديد قمت بجردة شاملة استبان لي منها أنه ليس في القرآن تأكيد يمكن أن ينتقد من الوجهة العلمية في هذا العصر الحديث، وقد قمت بالتدقيق ذاته للعهد القديم والأناجيل بالموضوعية نفسها، فلم يكن ثمة بالنسبة (للعهد القديم) ما يحوج الانتقال إلى أبعد من سفر التكوين للوقوف على تأكيدات مناقضة لمعطيات العلم المعترف بها في هذا العصر، ويغرق المرء دفعة واحدة لدى فتح الأناجيل عند نسب المسيح الذي يبدو من الصفحة الأولى في مشكلة مهمة، هي أن نص إنجيل متى هو في هذه النقطة متناقض صراحة مع نص إنجيل لوقا، وأن هذا الأخير واضح التناقض مع المعارف الحديثة المتصلة بقدم الإنسان على الأرض" (١). فتبين من هذه الشهادة أن القرآن الكريم هو الكتاب الحق الذي لا يمكن أن ينتقد في أي شيء مما جاء فيه, خاصةً فيما يتعلق بالأمور العلمية، والقرآن الكريم لا يمكن أن ينتقد من الوجهة العلمية, على العكس من أسفار العهد القديم وأناجيل العهد الجديد التي هي متناقضة شكلاً وموضوعاً فيما بينها وفيما يتعلق بالحقائق العلمية. وقال أيضاً: "وهكذا فإنه يبدو لنا أن القران هو الوحي المكتوب الذي لاشك فيه, والذي كان معصوماً من كل خطأ علمي" (٢). وهذا شاهد على أن القرآن الكريم هو الوحي المكتوب والمعصوم من كل خطأ علمي. وقال أيضاً: " وهكذا فقد توفر للقرآن من البداية عنصرا الأصالة اللذان لم يكونا أبداً متوفرين للأناجيل." (٣) , والمقصود بعنصرا الأصالة هي الكتابة والحفظ.

стр. 174

وهكذا يتبين أن القرآن الكريم قد كتب وحفظ في حال نزوله مباشرة, ثم جمع بعد ذلك بفترة وجيزة, فتوفرت فيه عنصرا: الأصالة الكتابة والحفظ, بعكس الكتب الأخرى التي لا يتوفر فيها شيء من ذلك. وهذه شهادة أخرى لعبد الأحد داود (١) الذي هداه الله للإسلام عندما قام بمقارنة التضاد العظيم في مسألة قتل السيد المسيح الموجودة في العهدين القديم والجديد بإثبات القتل والصلب, وفي المقابل تعارض ذلك النصوص القرآنية بأنه لم يصلب ولم يقتل (٢) , ولكن الله رفعه إليه, ثم قال: " ولقد كانت نتيجة تتبعاتي وتحقيقي أن اقتنعت وأيقنت أن قصة قتل المسيح ﵇ وصلبه, ثم قيامه من بين الأموات قصة خرافية، وأن الأناجيل الأربعة مع كونها ليست تأليف المسيح ذاته, ولم توجد في زمانه, بل وجدت بعد وفاة الحواريين بزمن طويل, وأنها وصلت إلينا بحالة محرفة، وقد لعبت بها الأقلام, وبعد هذا كله اضطررت إلى الإيمان والاعتراف من كل عقلي وضميري بأن سيدنا محمداً ﷺ نبي حق، ولم أستطع التخلف عن ذلك" (٣). وقال أيضاً المستشرق بودلي (٤): "بين أيدينا كتاب فريد في أصالته وفي سلامته، لم يُشكّ في صحته كما أُنزل، وهذا الكتاب هو القرآن" (٥).

стр. 175

وهذه شهادة للبابا شنودة الثالث (١) وهو يصف القرآن بقوله: " القرآن كتاب يجب أن يقرأ, فيه تكريم لنا, ليس له نظير" (٢) (٣). ويقول الفيلسوف الفرنسي عبد الواحد يحيى (٤): "أردت أن أعتصم بنص لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلم أجد بعد دراسة عميقة سوى القرآن. فهو الكتاب الوحيد الذي لم ينله التحريف ولا التبديل" (٥). فهذه الشهادة تبين لأهل الكتاب أن من أراد أن يعتصم بنص لم يتغير فعليه بالقرآن الكريم. وقالت المستشرقة بوتر (٦): "عندما أكملت قراءة القرآن الكريم غمرني شعور بأن هذا هو الحق الذي يشتمل على الإجابات الشافية حول مسائل الخلق وغيرها، وأنه يقدم لنا الأحداث بطريقة منطقية نجدها متناقضة مع بعضها في غيره من الكتب الدينية، أما القرآن فيتحدث عنها في نسق رائع

стр. 176

وأسلوب قاطع لا يدع مجالاً للشك بأن هذه هي الحقيقة، وأن هذا الكلام هو من عند الله لا محالة (١). ثم دللت على ذلك باستحالة توفر تلك المعلومات في زمن الرسول محمد بقولها: كيف استطاع محمد الرجل الأمي، الذي نشأ في بيئة جاهلية أن يعرف معجزات الكون التي وصفها القرآن الكريم، والتي لا يزال العلم الحديث حتى يومنا هذا يسعى لاكتشافها؟ لابد إذن أن يكون هذا الكلام هو كلام الله " (٢). وشهادة هذه المستشرقة تؤكد لنا فيها أنها وجدت الحقيقة الكاملة في القرآن الكريم, وأن نصوص القرآن الكريم لا تدع مجالاً للشك في الحقائق التي تتحدث عنها, وأن تلك النصوص القرآنية تعرض الحقائق بالأسلوب القاطع الذي لا يتناقض مع بعضه بعكس الكتب الأخرى. وقال فيليب حتي (٣): " إن الأسلوب القرآني مختلف عن غيره، ثم إنه لا يقبل المقارنة بأسلوب آخر، ولا يمكن أن يقلد، وهذا في أساسه هو إعجاز القرآن, فمن جميع المعجزات كان القرآن المعجزة الكبرى" (٤). أي: لا يمكن مقارنة القرآن الكريم بغيره من الكتب في أسلوبه, ولا يوجد مجال لمن أراد أن يقلد القرآن في إعجازه؛ لأن القرآن المعجزة الباقية بين المعجزات, وأنه أكبر معجزة باقية وخالدة, وأنه كتاب الكتب فالقرآن الكريم هو الحاكم والمهيمن والناسخ على جميع الكتب السابقة.

стр. 177

وقال أرنولد (١): "إننا نجد حتى من بين المسيحيين مثل الفار (الإسباني) الذي عرف بتعصبه على الإسلام يقرر أن القرآن قد صيغ في مثل هذا الأسلوب البليغ الجميل، حتى إن المسيحيين لم يسعهم إلا قراءته والإعجاب به" (٢) , وهذه شهادة لمتعصب يشهد أن هذا القرآن له أسلوب جميل وبليغ وجذاب, جعل الكثير من أتباع النصارى يقرءون القرآن إعجاباً به. وقال المستشرق النمساوي فون همر (٣): "القرآن ليس دستور الإسلام فحسب، وإنما هو ذروة البيان العربي، وأسلوب القرآن المدهش يشهد على أن القرآن هو وحي من الله, وأن محمداً قد نشر سلطانه بإعجاز الخطاب، فالكلمة لم يكن من الممكن أن تكون ثمرة قريحة بشرية" (٤). وهذه الشهادة لهذا المستشرق النمساوي يذكر فيها أن القرآن هو الوحي الإلهي الصحيح, إضافة إلى أن القرآن هو الوحي المتضمن للحقيقة المركزة. ويقول بول شفارتسنا: "القرآن وحي من الله، لا يحده زمان، ومتضمن للحقيقة المركزة" (٥).

стр. 178

وقد كتب العالم الإنجليزي مونتجمري وات: "إن القرآن لم يكن بأي حال من الأحوال نتاج تفكير محمد and were not in any way the product of his own thinking (١) . فكل هذه الشهادات تبين أن القرآن الكريم هو الكتاب الحق المحفوظ الذي لا يمكن أن يكون من صنع البشر, وأنه هو الكتاب الوحيد الذي يكشف الحقائق العلمية في الكون من أكبر نقطة إلى أصغر نقطة, وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون من نتاج محمد ﷺ , وأنه معجزة المعجزات الخالد إلى يوم القيامة. الفرع الثاني: شهادات المنصفين على أن القرآن لم يحرف ولم يطرأ عليه التغيير: ونذكر هنا مجموعة أخرى من الشهادات حتى يتمكن عقلاء أهل الكتاب في عصرنا الحديث من الاطلاع على ما فيها وقراءتها, ويردوا على من تسول له نفسه ممارسة تحريفه للقرآن الكريم, وحتى يصلوا إلى الحق الذي وصل إليه بعض منصفيهم, وهذه الشهادات لمجموعة من علمائهم ومفكريهم تؤكد أن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي بقي محفوظاً إلى يومنا هذا, ولم تصله يد التحريف كما حصلت لغيره من الكتب الأخرى, ومن هؤلاء الذين شهدوا بهذا الكاتب لوبلوا بقوله: "إن القرآن هو اليوم الكتاب الرباني الوحيد الذي ليس فيه أي تغيير يذكر" (٢). وقال المستشرق اليهودي ماير (٣): "إن المصحف الذي جمعه عثمان ﵁ قد تواتر انتقاله من يد ليد حتى وصل إلينا بدون أي تحريف، ولقد حفظ بعناية شديدة بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير

стр. 179

يذكر، بل نستطيع أن نقول: إنه لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها والمتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة، .. وهذا الاستعمال الإجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم, يعد أكبر حجة ودليل على صحة المنزل الموجود معنا" (١). ويقول: المستشرق الفرنسى ديمومبين (٢): "إن المنصف لا مناص له من أن يقر بأن القرآن الحاضر هو القرآن الذي كان يتلوه محمد" (٣). وقال الباحث الأمريكي مؤلف كتاب المائة الأوائل مايكل هارت (٤): "لا يوجد في تاريخ الرسالات كتاب بقي بحروفه كاملاً دون تحوير سوى القرآن (٥). وكل هذه الشهادات تؤكد لأهل الكتاب أن كتاب القرآن الذي يقرؤه المسلمون اليوم هو الكتاب الذي كان يقرأ في عهد محمد ﷺ , وتؤكد أيضاً أن القرآن قد حُفظ في الصدور, وكتبه المسلمون في السطور من أول لحظة أنزل, بعكس الكتب الأخرى التي لم تدون إلا بعد قرون من موت النبي ﷺ الذي نزلت عليه تلك الكتب. الفرع الثالث: شهادات المنصفين من أهل الكتاب حديثاً على أن القرآن لا يتعارض مع الحقائق العلمية المعاصرة: ومن أهم الشهادات في هذا الموضوع هو ما يتعلق بدراسة العلوم التجريبية الحديثة الموجودة في عصرنا الحديث, ومقارنتها بما جاء في الكتب السماوية السابقة؛ لأن الكتاب الإلهي الحق حينما يتحدث عن الأمور العلمية التجريبية والاكتشافات العلمية لا يمكن أن يتعارض معها؛ لأن الكون خلق الله, والله أعلم بخلقه من أي أحد, قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٦) , وهذا هو ما وجده بعض علماء الغرب حينما قاموا بدراسة القرآن الكريم, ودراسة ما فيه من الإخبار

стр. 180

عن العلوم ومقارنة ذلك بالعلوم التجريبية, فتبين لهم أن القرآن يتكلم عن الأمور العلمية بكل دقة وموضوعية, وكان له السبق العلمي في كل شيء, بعكس ما في الكتب الأخرى, وهذه مجموعة من الشهادات التي أدلى بها بعض هؤلاء حول هذا الأمر. يذكر أن الدكتور موريس بوكاي كان يحاضر في الجامعات الفرنسية بعد إسلامه, ويؤكد أن القرآن الكريم هو الكتاب المقدس الوحيد الذي جاء العلم الحديث مؤيداً لما فيه, ولم يجد فيه ما يناقضه مطلقاً (١). ويتحدث الدكتور كيث مور (٢) عن آيات القرآن الكريم التي تتعلق بالخلق بقوله: " ويتضح لي أن هذه الأدلة حتماً جاءت لمحمد من عند الله؛ لأن كل هذه المعلومات لم تكتشف إلا حديثاً وبعد قرون عدة, وهذا يثبت لي أن محمداً رسول الله ﷺ , وحينما قيل له: كيف تؤمن بمحمد وأنت تؤمن بالمسيح! فقال: أعتقد أنهما من مدرسة واحدة؟ " (٣). وقال البروفيسور يوشيودي كوزان (٤): "إن هذا القرآن يصف الكون من أعلى نقطة في الوجود ... إن الذي قال هذا القرآن يرى كل شيء في هذا الكون، وكل شيء مكشوف أمامه" (٥). وهذا شهادة أخرى لأستاذ علم جيولوجيا البحار (٦) يقرر في دراسته حول سبق القرآن الكريم للعلوم التجريبية والعلمية في موضوع ظلمات البحار, وأن القرآن الكريم قد تحدث عن علوم البحار
следующие страницы →