← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 132385

الخطاب القرآني لأهل الكتاب وموقفهم منه قديما وحديثا

هود محمد أبو راس

Полный текст (316 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وأسلوب قاطع لا يدع مجالاً للشك بأن هذه هي الحقيقة، وأن هذا الكلام هو من عند الله لا محالة (١). ثم دللت على ذلك باستحالة توفر تلك المعلومات في زمن الرسول محمد بقولها: كيف استطاع محمد الرجل الأمي، الذي نشأ في بيئة جاهلية أن يعرف معجزات الكون التي وصفها القرآن الكريم، والتي لا يزال العلم الحديث حتى يومنا هذا يسعى لاكتشافها؟ لابد إذن أن يكون هذا الكلام هو كلام الله " (٢). وشهادة هذه المستشرقة تؤكد لنا فيها أنها وجدت الحقيقة الكاملة في القرآن الكريم, وأن نصوص القرآن الكريم لا تدع مجالاً للشك في الحقائق التي تتحدث عنها, وأن تلك النصوص القرآنية تعرض الحقائق بالأسلوب القاطع الذي لا يتناقض مع بعضه بعكس الكتب الأخرى. وقال فيليب حتي (٣): " إن الأسلوب القرآني مختلف عن غيره، ثم إنه لا يقبل المقارنة بأسلوب آخر، ولا يمكن أن يقلد، وهذا في أساسه هو إعجاز القرآن, فمن جميع المعجزات كان القرآن المعجزة الكبرى" (٤). أي: لا يمكن مقارنة القرآن الكريم بغيره من الكتب في أسلوبه, ولا يوجد مجال لمن أراد أن يقلد القرآن في إعجازه؛ لأن القرآن المعجزة الباقية بين المعجزات, وأنه أكبر معجزة باقية وخالدة, وأنه كتاب الكتب فالقرآن الكريم هو الحاكم والمهيمن والناسخ على جميع الكتب السابقة.

стр. 177

وقال أرنولد (١): "إننا نجد حتى من بين المسيحيين مثل الفار (الإسباني) الذي عرف بتعصبه على الإسلام يقرر أن القرآن قد صيغ في مثل هذا الأسلوب البليغ الجميل، حتى إن المسيحيين لم يسعهم إلا قراءته والإعجاب به" (٢) , وهذه شهادة لمتعصب يشهد أن هذا القرآن له أسلوب جميل وبليغ وجذاب, جعل الكثير من أتباع النصارى يقرءون القرآن إعجاباً به. وقال المستشرق النمساوي فون همر (٣): "القرآن ليس دستور الإسلام فحسب، وإنما هو ذروة البيان العربي، وأسلوب القرآن المدهش يشهد على أن القرآن هو وحي من الله, وأن محمداً قد نشر سلطانه بإعجاز الخطاب، فالكلمة لم يكن من الممكن أن تكون ثمرة قريحة بشرية" (٤). وهذه الشهادة لهذا المستشرق النمساوي يذكر فيها أن القرآن هو الوحي الإلهي الصحيح, إضافة إلى أن القرآن هو الوحي المتضمن للحقيقة المركزة. ويقول بول شفارتسنا: "القرآن وحي من الله، لا يحده زمان، ومتضمن للحقيقة المركزة" (٥).

стр. 178

وقد كتب العالم الإنجليزي مونتجمري وات: "إن القرآن لم يكن بأي حال من الأحوال نتاج تفكير محمد and were not in any way the product of his own thinking (١) . فكل هذه الشهادات تبين أن القرآن الكريم هو الكتاب الحق المحفوظ الذي لا يمكن أن يكون من صنع البشر, وأنه هو الكتاب الوحيد الذي يكشف الحقائق العلمية في الكون من أكبر نقطة إلى أصغر نقطة, وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون من نتاج محمد ﷺ , وأنه معجزة المعجزات الخالد إلى يوم القيامة. الفرع الثاني: شهادات المنصفين على أن القرآن لم يحرف ولم يطرأ عليه التغيير: ونذكر هنا مجموعة أخرى من الشهادات حتى يتمكن عقلاء أهل الكتاب في عصرنا الحديث من الاطلاع على ما فيها وقراءتها, ويردوا على من تسول له نفسه ممارسة تحريفه للقرآن الكريم, وحتى يصلوا إلى الحق الذي وصل إليه بعض منصفيهم, وهذه الشهادات لمجموعة من علمائهم ومفكريهم تؤكد أن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي بقي محفوظاً إلى يومنا هذا, ولم تصله يد التحريف كما حصلت لغيره من الكتب الأخرى, ومن هؤلاء الذين شهدوا بهذا الكاتب لوبلوا بقوله: "إن القرآن هو اليوم الكتاب الرباني الوحيد الذي ليس فيه أي تغيير يذكر" (٢). وقال المستشرق اليهودي ماير (٣): "إن المصحف الذي جمعه عثمان ﵁ قد تواتر انتقاله من يد ليد حتى وصل إلينا بدون أي تحريف، ولقد حفظ بعناية شديدة بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير

стр. 179

يذكر، بل نستطيع أن نقول: إنه لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها والمتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة، .. وهذا الاستعمال الإجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم, يعد أكبر حجة ودليل على صحة المنزل الموجود معنا" (١). ويقول: المستشرق الفرنسى ديمومبين (٢): "إن المنصف لا مناص له من أن يقر بأن القرآن الحاضر هو القرآن الذي كان يتلوه محمد" (٣). وقال الباحث الأمريكي مؤلف كتاب المائة الأوائل مايكل هارت (٤): "لا يوجد في تاريخ الرسالات كتاب بقي بحروفه كاملاً دون تحوير سوى القرآن (٥). وكل هذه الشهادات تؤكد لأهل الكتاب أن كتاب القرآن الذي يقرؤه المسلمون اليوم هو الكتاب الذي كان يقرأ في عهد محمد ﷺ , وتؤكد أيضاً أن القرآن قد حُفظ في الصدور, وكتبه المسلمون في السطور من أول لحظة أنزل, بعكس الكتب الأخرى التي لم تدون إلا بعد قرون من موت النبي ﷺ الذي نزلت عليه تلك الكتب. الفرع الثالث: شهادات المنصفين من أهل الكتاب حديثاً على أن القرآن لا يتعارض مع الحقائق العلمية المعاصرة: ومن أهم الشهادات في هذا الموضوع هو ما يتعلق بدراسة العلوم التجريبية الحديثة الموجودة في عصرنا الحديث, ومقارنتها بما جاء في الكتب السماوية السابقة؛ لأن الكتاب الإلهي الحق حينما يتحدث عن الأمور العلمية التجريبية والاكتشافات العلمية لا يمكن أن يتعارض معها؛ لأن الكون خلق الله, والله أعلم بخلقه من أي أحد, قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٦) , وهذا هو ما وجده بعض علماء الغرب حينما قاموا بدراسة القرآن الكريم, ودراسة ما فيه من الإخبار

стр. 180

عن العلوم ومقارنة ذلك بالعلوم التجريبية, فتبين لهم أن القرآن يتكلم عن الأمور العلمية بكل دقة وموضوعية, وكان له السبق العلمي في كل شيء, بعكس ما في الكتب الأخرى, وهذه مجموعة من الشهادات التي أدلى بها بعض هؤلاء حول هذا الأمر. يذكر أن الدكتور موريس بوكاي كان يحاضر في الجامعات الفرنسية بعد إسلامه, ويؤكد أن القرآن الكريم هو الكتاب المقدس الوحيد الذي جاء العلم الحديث مؤيداً لما فيه, ولم يجد فيه ما يناقضه مطلقاً (١). ويتحدث الدكتور كيث مور (٢) عن آيات القرآن الكريم التي تتعلق بالخلق بقوله: " ويتضح لي أن هذه الأدلة حتماً جاءت لمحمد من عند الله؛ لأن كل هذه المعلومات لم تكتشف إلا حديثاً وبعد قرون عدة, وهذا يثبت لي أن محمداً رسول الله ﷺ , وحينما قيل له: كيف تؤمن بمحمد وأنت تؤمن بالمسيح! فقال: أعتقد أنهما من مدرسة واحدة؟ " (٣). وقال البروفيسور يوشيودي كوزان (٤): "إن هذا القرآن يصف الكون من أعلى نقطة في الوجود ... إن الذي قال هذا القرآن يرى كل شيء في هذا الكون، وكل شيء مكشوف أمامه" (٥). وهذا شهادة أخرى لأستاذ علم جيولوجيا البحار (٦) يقرر في دراسته حول سبق القرآن الكريم للعلوم التجريبية والعلمية في موضوع ظلمات البحار, وأن القرآن الكريم قد تحدث عن علوم البحار

стр. 181

المختلفة التي لم يطلع عليها البشر إلا في القرن العشرين, بقوله: " من الصعب أن نفترض أن هذا النوع من المعرفة كان موجوداً في ذلك الوقت منذ ١٤٠٠ سنة، ولكن بعض الأشياء تتناول فكرة عامة، ولكن وصف هذه الأشياء بتفصيل كبير أمر صعب جداً، ولذلك فمن المؤكد أن هذا_ يقصد القرآن_ ليس علماً بشرياً بسيطاً، لا يستطيع الإنسان العادي أن يشرح هذه الظواهر بذلك القدر من التفصيل، ولذلك فقد فكرت في قوة خارقة للطبيعة خارج الإنسان، لقد جاءت المعلومات من مصدر خارق للطبيعة" (١). وقد قدم البروفسور الأمريكي بالمار (٢) بحثاً في مؤتمر الإعجاز العلمي المنعقد في القاهرة عام (١٩٨٦ م) واختتمه بقوله: " أنا لا أعلم المستوى الثقافي الذي كان عليه الناس في زمن محمد ﷺ ولا أدري في أي مستوى علمي كانوا، فإذا كان الأمر كما نعرف عن أحوال الأولين والمستوى العلمي المتواضع, والذي ليس فيه هذه الإمكانيات، فلا شك أن هذا العلم الذي نقرؤه الآن في القرآن هو نور من العلم الإلهي قد أوحي به إلى محمد " (٣). وهذا العالم النصراني بالمار وغيره يعترفون بأن القرآن قد تحدث عن مجموعة من الظواهر العلمية التي لا يمكن للبشر معرفتها والاطلاع عليها قبل مئات السنين, وأكد أنه لا يمكن للبشر معرفتها بعلمهم البسيط, بل هذه المعلومات بتفاصيلها التي جاء بها القرآن هي معلومات خارقة لعادة البشر، كما قال بالمار: ولا ندري ماهو المستوى الثقافي الذي عرفه الناس في عهد محمد ﷺ مما يؤكد على أن هذا القرآن نور من الله أوحاه لمحمد ﷺ . وهذا شهادة للشاعر المعاصر نقولا حنّا الذي كان نصرانياً، وحينما قرأ القرآن الكريم وتأثر به أعلن إيمانه بالقرآن وبالرسول ﷺ بقوله": قرأت القرآن فأذهلني، وتعمقتُ به ففتنني، ثم أعدت القراءة فآمنت بالقرآن الإلهي العظيم، وبالرسول من حمله النبي العربي الكريم ... إلى أن يقول: وكيف لا أومن ومعجزة القرآن بين يديَّ أنظرها وأحسها كل حين؟ ! هي معجزة لا كبقية المعجزات .. معجزة إلهية خالدة تدل بنفسها عن نفسها، وليست بحاجة لمن يحدث عنها أو يبشر بها ... وكم احتاجت وتحتاج الأديان السابقة إلى علماء ومبشرين وشواهد وحجج وبراهين لحض الخلق على اعتناقها، إذ

стр. 182

ليس لديها ما هو منظور محسوس يثبت أصولها في القلوب .. أما الإسلام فقد غني عن كل ذلك بالقرآن فهو أعلم مُعلِّم وأهدى مبشر، وهو أصدق شاهداً, وأبلغ حجة, وأدمغ برهاناً .. هو المعجزة الخالدة خلود الواحد الأزلي المنظورة المحسوسة في كل زمان" (١). خلاصة: إن هذه الشهادات كلها تؤكد أن القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة المحسوسة التي تدل بنفسها على صدق نصوصها, ولا تحتاج إلى شهادة غيرها؛ لأنها معجزة محسوسة تحض الخلق وتدعوهم إلى اعتناقها، فالقرآن الكريم هو معجزة منظورة محسوسة مشاهدة في كل زمان, ولذا فإنه لا يتعارض مع العلم التجريبي, بل يأتي العلم التجريبي دائماً بالتدليل على صدقه, فهو ينسجم مع جميع العلوم تمام الانسجام, مما يدل على أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من مخلوق, بل الذي أنزله هو الخالق , مما يحتم على أهل الكتاب أن يتركوا العناد والكبر ويدرسوا القرآن بموضوعية وإنصاف كما درسه أكابر علماءهم وأسلموا, وصدق الله القائل: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٢).

стр. 183

المبحث الثالث: محاولة تحريف أهل الكتاب للقرآن الكريم حديثاً , وفيه مطلبان: المطلب الأول: أمثلة على محاولة تحريف أهل الكتاب للقرآن الكريم حديثاً, وفيه خمسة فروع: الفرع الأول: اختلاق قرآن جديد من مقاطع ملفقة. الفرع الثاني: أمثلة على محاولتهم التحريف بالتبديل. الفرع الثالث: أمثلة على محاولتهم التحريف بالتقديم والتأخير. الفرع الرابع: أمثلة على محاولتهم التحريف بالزيادة. الفرع الخامس: أمثلة على محاولتهم التحريف بالحذف. المطلب الثاني: أهداف أهل الكتاب من محاولة تحريف القرآن الكريم حديثاً, وفيه: الفرع الأول: القضاء على القرآن الكريم والتشكيك فيه. الفرع الثاني: تنصير المسلمين وإخراجهم من دينهم أو تشكيكهم فيه. الفرع الثالث: النيل من شخصية الرسول محمد ﷺ . الفرع الرابع: إلغاء فريضة الجهاد عند المسلمين. الفرع الخامس: نتائج هذا التحريف حديثاً.

стр. 184

إن الله قد بين موقف أهل الكتاب من الكتب السماوية عموماً بأنهم حرفوها وبدلوا فيها الكلم عن مواضعه, والآيات التي تؤكد هذا كثيرة جداً, ولم تقتصر محاولاتهم على تحريف كتبهم (التوراة والإنجيل) فقط, ولكنهم حاولوا التجرؤ على تحريف القرآن الكريم, ولكنهم فشلوا؛ لأن الله قد توعد بحفظه في الصدور والسطور إلى قيام الساعة, قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) أي: أن الله قد حفظ القرآن وسيحفظه إلى قيام الساعة. ولكن الأيادي الخبيثة والقلوب الآثمة من أهل الكتاب لا زالت تحاول الاعتداء على كلام الله تعالى بالتبديل والتحريف لفظاً أو معنى, أو بتفسير آيات القرآن الكريم على غير مراد الله, أو بترجمتها ترجمة خاطئة. وسيكون الكلام عن هذه المحاولات المعاصرة للتحريف على مطلبين كما يلي: المطلب الأول: أمثلة على محاولة تحريف أهل الكتاب للقرآن الكريم حديثاً , وفيه خمسة فروع: الفرع الأول: اختلاق قرآن جديد من مقاطع ملفقة: إن من أشهر المحاولات في عصرنا الحديث لتحريف القرآن الكريم هو ما قامت به الصهيونية العالمية, وبعض الجماعات التنصيرية, وذلك بتأليف كتب في تحريف القرآن الكريم والطعن في صحته, فمن هذه الكتب: كتاب: (هل القرآن معصوم؟ ) الذي صدر عن مؤسسات تنصيرية في النمسا لرجل نصراني, ويُدعى عبدالله الفادي (٢) , وتقوم بتوزيع هذا الكتاب هيئات ومراكز التنصير في العالم, وتوزعه أيضاً عبر شبكة الإنترنت. وهناك كتاب آخر باسم: (الفرقان الحق) أو (القرآن الأمريكي) لرجل نصراني يدعى أنيس شورش, وقيل: إنه رجل يهودي, وهذا الكتاب عبارة عن مجموعة من المقاطع سموها (سوراً) تتجاوز

стр. 185

الخمسين، لفَّقَتْها في الفترة الأخيرة على غرار القرآن الكريم بعضُ الجهات التبشيرية المتعاونة مع الصهيونية العالمية بتخطيط أمريكي؛ بغية أن تحلَّ مع الأيام في نفوس المسلمين محل القرآن المجيد (١). ولكن هذه الكتب لم تحقق شيئاً مما أراده واضعوها المفترون سوى أن أكدت وحققت مصداقية الوعد الإلهي بحفظ القرآن الكريم, وزادت من اطمئنان المؤمنين إلى ذلك الوعد الإلهي الحق, كما أكد لنا ذلك فشل كل محاولة لمن أراد معارضة الوعد الإلهي, وتم فضح مفتري هذه الكتب على الملأ بأنهم لا يستطيعون طمس الوحي الحق, وصدق الله القائل: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٢). الفرع الثاني: أمثلة على محاولتهم التحريف بالتبديل: جاء في كتاب المدعو عبدالله الفادي كثير من الطعن والاعتداء على القرآن العظيم, وقد قام هذا الرجل بالتحريف اللفظي لبعض آيات القرآن الكريم, واستبدالها بغيرها, ومن الأمثلة على ذلك ما يلي: قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ (٣). فقام هذا المجرم ومن معه بحذف كلمة: (العهن) وحرفوها إلى كلمة (الصوف). وقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤). فقاموا بتبديل كلمة: ﴿فَاسْعَوْا﴾ إلى كلمة: (فامضوا). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (٥). قاموا بتبديل كلمة: (فهي كالحجارة). إلى كلمة: (فكانت كالحجارة) (٦).

стр. 186

الفرع الثالث: أمثلة على محاولتهم التحريف بالتقديم والتأخير: ومن تحريف أهل الكتاب للقرآن الكريم قيامهم بالتقديم والتأخير لبعض الكلمات في بعض الآيات؛ ليتمكنوا من الطعن في القرآن الكريم, ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ (١) , فقاموا بتحريف هذه الآية بأن قدموا المسكنة على الذلة لتصبح الآية (وضربت عليهم المسكنة والذلة). قوله تعالى: ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ (٢). فقاموا بالتقديم لكلمة: (الحق) على كلمة: (الموت) لتكون الآية: (وجاءت سكرة الحق بالموت) (٣) , وكل هذه الأدلة تؤكد لنا استمرارهم في إلباس كلام الله الحق بغيره من الباطل, حتى يتمكنوا من الطعن في صحة القرآن مع تداول الأيام. الفرع الرابع: أمثلة على محاولتهم التحريف بالزيادة: ومن محاولاتهم الآثمة لتحريف القرآن الكريم عن مواضعه أنهم قاموا بزيادة بعض الكلمات في القرآن الكريم, بل قاموا بالزيادة لسوركاملة في القرآن, وسنذكر أمثلة للأمرين فيما يلي: أولاً: الزيادة في كلمات القرآن الكريم فمنه: قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٤). فقاموا بزيادة جملة: (وهو أب لهم) بعد الآية السابقة لتصبح الآية: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) (٥). ثانياً: الزيادة في سور القرآن الكريم: وإن من قبيح وجرم أهل الكتاب أنهم قاموا في فرقانهم المكذوب بوضع وافتراء مجموعة من المقاطع (السور) , وسموها بأسماء بعض سور القرآن, كسورة الفاتحة, أو الأنبياء, كما افتروا لبعض السور القرآنية أسماء أخرى موضوعة كسورة المحبة, وسورة الزنا, وسورة المسيح, ومن غريب افترائهم وكفرهم أنهم كتبوا مجموعة من السطور وسموها بسورة الأنبياء, وفيها الكثير من الشرك والكفر بالله, والطعن في القرآن الكريم, كما أن فيها اتهاماً للرسل بالإفك, وصدق الله القائل: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ

стр. 187

بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (١). فمن هذا الكذب والافتراء في فرقانهم المزعوم قولهم: (وما بشرنا بني إسرائيل برسول يأتي من بعد كلمتنا, وما عساه أن يقول بعد أن قلنا كلمة الحق وأنزلنا سنة الكمال وبشرنا الناس كافة بدين الحق, ولن يجدوا له نَسْخا ولا تبديلا إلى يوم يُبْعَثون * ولو بشرناهم لما كذّبوا وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه فأَنَّى نبشِّر بني إسرائيل برسول ليس منهم وما لسانه بلسانهم وعندهم موسى والأنبياء والمرسلون وقفَّينا على آثارهم بكلمتنا بالحق المبين * وحذّرْنا عبادنا المؤمنين من رسول أفاك تبيَّنوه من ثمار أفعاله وأقواله وكشفوا إفكه وسحره المبين فهو شيطان رجيم لقوم كافرين " فهذا هو الكلام الذي تفتقت عنه أذهان هؤلاء المجرمين، وزعموا كفراً أنه وحي من لدن رب العالمين (٢). ولكن هيهات أن يستطيعوا أن يأتوا بآية واحدة مثل آيات القرآن الكريم الذي لم تمله الأسماع طوال الآف السنين, أما هذا الافتراء والكذب فمع أنه مقتبس من بعض آيات القرآن لكننا نمله من أول لحظة نقرؤه ونسمع عنه, والدليل على ذلك أن ما كتبوه ليس له أي أثر, وأصبح مثل الكلام الذي يكتب في الجرائد والصحف, ويرمى به في النفايات؛ وذلك لأن النفوس لا تتعايش معه, وهيهات أن يفقدوا في نفوس المؤمنين الصادقين ذرة واحدة من حب خير البرية ﷺ , أو يشككوهم في وعد الله لهم بحفظ كتابه. الفرع الخامس: أمثلة على محاولتهم التحريف بالحذف: ومن محاولاتهم الخبيثة لتحريف القرآن الكريم التحريف بالحذف, فقد قاموا بحذف بعض آيات القرآن الكريم كما جاء في الكتاب المكذوب الذي سموه: الفرقان الحق, فمن الأمثلة على ذلك ما يلي: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ (٣) فقاموا بحذف كلمة (في الله) ووضعوا كلمة: (فيه) لتكون عائدة على الفرقان الحق (٤) , وهذا دليل على

стр. 188

سخفهم في ظنهم أنهم قادرون على أن يفقدوا القرآن الكريم بلاغته وفصاحته التي أعجزت البشر قديماً وحديثاً عن الإتيان بمثله أو بسورة منه. المطلب الثاني: أهداف أهل الكتاب من محاولة تحريف القرآن الكريم حديثاً, وفيه: إن الهدف الرئيس لأهل الكتاب وراء كل هذه المحاولات لتحريف القرآن الكريم هو القضاء على القرآن الكريم, وإيقاف انتشاره بين الناس, ولكن الله قد خيب آمالهم في ذلك؛ فالقرآن الكريم محفوظ بحفظ الله, وباقٍ ببقاء السماوات والأرض, ونوره الساطع يفتح الله به القلوب والعقول في شتى بقاع الأرض, كما أن لأهل الكتاب أهدافاً أخرى من هذه المحاولات الفاشلة في تحريف القرآن الكريم, وسنجملها على النحو التالي: الفرع الأول: القضاء على القرآن الكريم والتشكيك فيه: إن أهل الكتاب قد مارسوا الكثير من المحاولات لتحريف القرآن الكريم, وموقفهم في ذلك لا يخفى كتحريفهم لمعنى القرآن, أو تأويله بالتأويلات الفاسدة, أو ترجمته ترجمة مغلوطة, أو طباعة نسخ من القرآن طباعة خاطئة, وقد قامت دولة إسرائيل المزعومة في عام (١٩٦٠ م) بطبع مائة ألف نسخة من القرآن الكريم، وكانت تلك النسخ تحتوي على الكثير من التحريف والتبديل، والأخطاء اللفظية والمطبعية، كما احتوت تلك النسخ على حذفٍ لبعض الجمل والكلمات, وإسقاط لبعض الآيات، ولكن الله قيض علماء المسلمين فقاموا بواجبهم تجاه تلك الهجمة الشرسة، فبينوا ما في تلك المصاحف من الأخطاء، وأبرزوها للمسلمين وحذروهم منها، كما حذروهم من تداول تلك النسخ المفتراة (١). وكذلك تفسيرهم الباطل لآيات القرآن الكريم على غير مراد الله تحت مسمى تقديم خدمات للمسلمين بتفسير القرآن باللغات المختلفة, من اجل إدخال ذلك التفسير الباطل, و"بعد مسح الدراسات القرآنية عند المستشرقين لوحظ تعدد القراءات الاستشراقية للقرآن الكريم.

стр. 189

فهناك في البداية قراءات دينية لاهوتية للقرآن الكريم من أهمها القراءة اليهودية، والقراءة النصرانية. وهما قراءتان متفقتان حول مصدرية القرآن الكريم، وعدم الاعتراف بإلوهية مصدره، ورد معظم محتوياته إلى مصادر يهودية أو نصرانية" (١). الفرع الثاني: تنصير المسلمين وإخراجهم من دينهم وتشكيكهم فيه: إن الله تعالى قد ذكر في القرآن الكريم أن من أبرز مواقف أهل الكتاب أنهم يحرصون بكل ما أوتوا من قوة على إخراج المسلمين من دينهم؛ ليكونوا كفاراً مثلهم, ويحرصون على ارتداد المسلمين عن دينهم, كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (٣) , والذي يدل على حرصهم على إخراج المسلمين من دينهم ما جاء في كتابهم المكذوب من التحريف الصريح لآيات القرآن الكريم, ومما يدل على زورهم وكذبهم ما جاء فيما يسمى بسورة (الجزية: ١٢، ١٣) حيث جاء فيها ما نصه: (زعمتم بأننا قلنا: قاتلوا الذين لا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون .. يا أهل الضلال من عبادنا: إنما دين الحق هو دين الإنجيل والفرقان الحق من بعده, فمن ابتغى غير ذلك دينا فلن يقبل منه فقد كفر بدين الحق). وزعم واضعوا هذا الكذب والافتراء المسمى بالفرقان أن القرآن جاء مصدقاً لما في الإنجيل المحرفة والموجودة في أيديهم اليوم، فمما جاء فيه ما نصه: " ولقد أنزلنا الفرقان الحق وحياً، وألقيناه نوراً في قلب صفينا ليبلغه قولاً معجزاً بلسان عربي مبين، مصدقاً لما بين يديه من الإنجيل الحق صِنْواً فاروقاً محقاً للحق، ومزهقاً للباطل وبشيراً ونذيراً للكافرين" (التنزيل ٤، ٥) " (٤).

стр. 190

ولم يكتف أهل الكتاب بشركهم وكفرهم بالله كما تبين من مواقفهم السابقة, بل حسدوا المؤمنين على توحيدهم لربهم, فيتمنون أن يكون المسلمين كفاراً مثلهم, قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (١) , ولم يكتفوا بذلك, بل يكرهون أن يصيب المؤمنين أي خير, قال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢). وقد عقد في عصرنا الحديث مؤتمراً تنصيرياً في القدس بفلسطين المحتلة سنة (١٣٤٦ هـ ١٩٢٧ م)، وحضره مندوبون من أربعين دولة من الدول الغربية الصليبية، حيث تحدثوا عن أهم أهدافهم من الحملات التنصيرية في بلاد المسلمين, ومنها أن يقوموا بإخراج المسلمين من دينهم فقام متحدثهم فقال: أتظنون أن غرض التنصير وسياسته إزاء الإسلام هو إخراج المسلمين من دينهم ليكونوا نصارى؟ إن كنتم تظنون هذا فقد جهلتم التنصير ومراميه, لقد برهن التاريخ من أبعد أزمنته على أن المسلم لا يمكن أن يكون نصرانياً مطلقاً، والتجارب دلتنا ودلت رجال السياسة النصرانية على استحالة ذلك، ولكن الغاية التي نرمي إليها هي إخراج المسلم من الإسلام فقط، ليكون مضطرباً في دينه، وعندها لا تكون له عقيدة يدين بها ويسترشد بهديها، وعندها يكون المسلم ليس له من الإسلام إلا اسم أحمد أو مصطفى، أما الهداية فينبغي البحث عنها في مكان آخر" (٣). وهذا هو الذي يحرص عليه (المبشرون) من النصارى اليوم, وكذلك المستشرقون والصهيونية العالمية في جميع بلاد المسلمين, أن يترك المسلم دينه, وإن لم يرتبط بدين آخر أولم يتبعهم, ويعتبرون هذا انتصاراً لهم؛ لما يرون من خطر عندما يتمسك المسلم بدينه, بل إنهم سعوا وما زالوا بكل قوتهم, وينفقون الأموال الطائلة من أجل صد الناس عن سبيل الله وعن دعوة الحق, ويحرصون على إضلال الناس بدعوتهم إياهم إلى عقائدهم الفاسدة, وذلك بتزين الباطل وتحسينه, وذلك لن ينطلي إلا على بسطاء الناس، فأهل الكتاب يحاربون الإسلام والمسلمين؛ لا سيما طائفة البروتستانت المسمون (بالصهاينة المسيحيين) , فإنهم لا يألون جهداً في المكر بالإسلام والمسلمين, وقد تحيلوا حتى وصلوا إلى المناصب العليا في بريطانيا والولايات المتحدة وأغروا هؤلاء باحتلال بلاد المسلمين, كأفغانستان

стр. 191

وفلسطين والعراق, وهم يخططون للمزيد, والمسلمون وأنظمتهم غافلون لا يملكون إزاء ذلك أي خطة للمواجهة بكل أسف! قال : ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (١) , وكل ما سبق من صدهم للمؤمنين عن سبيل الله قد بينه الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (٢). ملحوظة: وهنا ملحوظة هامة, وهي أن القرآن الكريم يشير إلى أن هناك فئة وطائفة تسعى إلى الصد عن سبيل الله والإضلال كما تقدم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (٣) , وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤). فهذه الطائفة تدعوا الناس للمكر والخداع والنفاق، ولذلك يميز القرآن الكريم بين هذه الطائفة من أهل الكتاب وبين الأخرى التي وصفها بصفات الإيمان والالتزام بما أنزل الله تعالى, فقال سبحانه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٦). فهذه الآيات الكريمة تصف هذه الطائفة من النصارى بالإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح, وهم قليل خاصةً في زماننا هذا؛ لأنه قد حصل لأغلبهم الاختراق من قبل اليهود.

стр. 192

فتبين مما سبق أن أهل الكتاب حريصون على إغواء المسلمين وصدهم عن الدين الحق, وفي سبيل هذا الحرص يرتكبون هذا الكذب والافتراء على الله تعالى, ويحرفون كلام الله عن مواضعه.

стр. 193

الفرع الثالث: النيل من شخصية الرسول محمد ﷺ -: ومن أهم أهدافهم لتحريف القرآن الكريم النيل من شخصية الرسول الكريم ﷺ , ولأجل تحقيق هذا الهدف يقومون بنشر الكذب بكل الوسائل, فمن مقالات الإنترنت التي تطعن في الرسول ﷺ , إلى الأفلام الساخرة والمشوهة, إلى الرسوم المسيئة لرسول الله ﷺ , وغيرها من وسائل الطعن في سيرة الرسول ﷺ , وأخيراً يأتي طعنهم في الرسول ﷺ من خلال الافتراء على الله وتحريف الكلم عن مواضعه, ثم امتدت أيديهم إلى القرآن الكريم الكتاب الحق يقومون بتحريف آياته وسوره ليصلوا من خلالها إلى الطعن في شخصيته ﷺ , ومن هذا الطعن أنهم يصورون الرسول ﷺ في كتابهم المكذوب قاتلهم الله" بأنه كافر ومنافق وضال مُضِلّ يفتري الكذب على الله وسارقٌ قاتلٌ زان، ومصيره جهنم هو ومن آمن به، وبئس المصير! وأتباعه كَفَرَةٌ منافقون ضالون لصوصٌ قَتَلَةٌ مثله، وصلاتهم وصيامهم نفاق ما بعده نفاق، وحجهم وثنية، وجنتهم جنة الزنا والخنا والفجور، والوحي القرآني ليس وحياً إلهياً، بل هو وحي تنزّلت به الشياطين الكاذبون على شيطان كاذب مثلهم" (١). إن مثل هذا الكلام الذي تقشعر منه الأبدان حينما يتفوهَّ به هؤلاء المعتدون على رسل الله يجعلني لا أستطيع الرد على مثل هذا السفه والدجل الذي قام بكتابته أراذل القوم الذين قد بلغوا في الخسة والدناءة مبلغاً عظيماً, وسبهم لرسول الله والسخرية منه لا جواب لهم إلا بما قال تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (٢) , فالله هو الذي كفى رسوله الكريم إيذاء هؤلاء الأشرار, وانتقم منهم جميعاً, وما ذلك ببعيد عن هؤلاء, وصدق شاعر الإسلام حسان بن ثابت (٣) حينما قال: فإنَّ أبي وَوَالِدَهُ وَعِرْضي ... لِعِرْضِ مُحمّدٍ مِنْكُمْ وقاءُ (٤). والأدلة على أنهم يريدون بهذا التحريف والاستهزاء هو التشكيك بنبوة محمد ﷺ كثيرة ليصلوا إلى أن يترك المسلمون هديه ﷺ , وقد جاء في فرقانهم المكذوب نفيهم للبشارة الواضحة من الله لبني إسرائيل بالرسول الخاتم من بعد عيسى ﵇ , وأنه ماذا عساه أن يقول بعد اكتمال الدين الحق الذي

стр. 194

لا ينسخ ولا يبدل إلى يوم القيامة, (يقصدون بذلك دين الإنجيل) , وأنه لا يمكن أن نبشر بني إسرائيل برسول لسانه غير لسانهم, (يقصدون الرسول العربي محمداً ﷺ ) , وأن كتابهم الحق المبين فيه تحذير من رسول أفاك مبين (يقصدون به محمداً ﷺ ) , وأنه ساحر وشيطان رجيم قاتلهم الله أنى يؤفكون, وسنذكر في الفصل الرابع بعض البشارات التي وردت في كتب أهل الكتاب بمجيء الرسول الخاتم محمد ﷺ , والتي حاول محرفوا أهل الكتاب قديماً وحديثاً تحريفها بطرق ملتوية حتى لا تدل على الرسول ﷺ , ولكن الله غالب على أمره في إظهار الحق وأهله, وإزهاق الباطل وحزبه. الفرع الرابع: إلغاء فريضة الجهاد عند المسلمين: إن من أهم أهداف أهل الكتاب حديثاً من التحريف هو إقناع المسلمين بترك فريضة الجهاد حتى يتمكنوا من احتلال أرض المسلمين, والعمل على استعبادهم حتى يكونوا خداماً مطيعين لهم؛ وسبب ذلك خوفهم من الجهاد، ورغبتهم في نشر ثقافة الاستسلام والخضوع والضعف والجبن في ديار المسلمين, فقد زعم هذا الفرقان المكذوب" أن الله سبحانه لم يأمر بالجهاد في سبيله، وحرص على نفي هذه الشعيرة، وبدا هذا الحرص في أكثر من مكان؛ لهدم هذه الفريضة، ويصفها أنها من تحريض الشيطان بقوله: " وزعمتم بأننا قلنا: قاتلوا في سبيل الله وحرَّضوا المؤمنين على القتال, وما كان القتال سبيلنا، وما كنا لنحرض المؤمنين على القتال، إن ذلك إلا تحريض شيطان رجيم لقوم مجرمين" (١) (الموعظة: ٢)، وبلغ به حد إنكار الجهاد أن سمَّى إحدى سوره بسورة (المحرضين ٥٧). أما فيما يسمى: بسورة الطاغوت فإنه عند مهاجمته لشريعة الجهاد التي يتهمها زوراً بالعدوانية والظلم وتقتيل الأبرياء، ينقل على نحو محرف ما جاء فى سورة " التوبة "من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢) إذ يقول: " وافترَوْا على لساننا الكذب بأنا اشترينا من المؤمنين أنفسهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيلنا وعدا علينا حقا في الإنجيل. ألا إن المفترين كاذبون" (الطاغوت: ٨) (٣).

стр. 195

فتبين مما سبق أن من أهداف أهل الكتاب أنهم يريدون إلغاء فريضة الجهاد؛ لأنهم علموا وتيقنوا أن المؤمن الصادق والمتمسك بدينه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يسمح لهم باحتلال أرضه, وإهانة مقدساته, ونهب ثرواته وممتلكاته, وأن الجهاد هو الفريضة القائمة لقهر العدو ووقف تجبره وتسلطه إلى قيام الساعة. الفرع الخامس: نتائج هذا التحريف حديثاً: أما نتائج هذه المحاولات الفاشلة والبائسة لتحريف القرآن الكريم فقد كانت على النحو التالي: ١ - ضعف هذه الكتب وترجماتها, بحيث لا ترقى ولن ترقى إلى منافسة القرآن الكريم في جمال إيقاعه وعمق معانية وجاذبيته, وهذا في نظر المسلمين جزء من معجزة وحي القرآن؛ فالقرآن هو كلام الله, ولا يمكن أن تصل مثل هذه الكتب المكذوبة بضعفها ونقصها إلى بلاغة لغة القرآن وسموه الفني (١). ٢ - تثبيت المسلمين على دينهم وتذكيرهم بالحفاظ على كتابهم القرآن الكريم. ٣ - توسيع هوة الخلاف بين دين الإسلام وغيره من الأديان؛ بسبب انتهاك الحرمات والمقدسات من قبل الأعداء من اليهود والنصارى. ٤ - اشتداد الكراهية والبغضاء من أهل الإسلام لأهل الكتاب. ٥ - خلق التطرف الديني داخل المجتمعات الإسلامية والغربية ضد أهل الكتاب؛ لأن التطرف لا يولد إلا التطرف (الإرهاب)؛ بسبب ممارسة أهل الكتاب للغلو القائم على الإفراط في العداء والتعدي.

стр. 196

الفصل الرابع

стр. 197

الفصل الرابع الخطاب القرآني لأهل الكتاب فيما يتعلق بتحريف الكتب السماوية قديماً وحديثاً , وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: تحريف أهل الكتاب للتوراة والإنجيل. المبحث الثاني: أمثلة على تحريفات أهل الكتاب قديماً. المبحث الثالث: أمثلة على تحريفات أهل الكتاب حديثاً. المبحث الرابع: شهادات أهل الكتاب على تحريفات أهل الكتاب للتوراة والإنجيل

стр. 198

المبحث الأول: تحريف أهل الكتاب للتوراة والإنجيل , وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: تعريف التحريف لغةً واصطلاحاً. الفرع الأول: تعريف التحريف لغةً. الفرع الثاني: تعريف التحريف اصطلاحاً. المطلب الثاني: الأدلة على وقوع التحريف من أهل الكتاب في الكتب السماوية, وفيه: الفرع الأول: الأدلة على التحريف من القرآن الكريم. الفرع الثاني: الأدلة على وقوع التحريف من كتبهم السابقة. المطلب الثالث: أنواع التحريف عند أهل العلم والتفسير إجمالاً. المطلب الرابع: إثبات تحريف أهل الكتاب لكتبهم, وفيه: الفرع الأول: إثبات التحريف اللفظي بالتبديل. الفرع الثاني: الأدلة على وقوع التحريف في النسخة العبرانية. الفرع الثالث: الأدلة على وقوع التحريف في نسخ العهد الجديد (الأناجيل). الفرع الرابع: أشهر رجالهم في ممارسة التحريف.

стр. 199

إن هذا الفصل من أهم الفصول في هذا البحث؛ لأنه يبين موقف أهل الكتاب من كتب الله قديماً وحديثاً؛ ولأن فيه دراسة للتحريفات التي يعتمد عليها أهل الكتاب في سياستهم طوال الزمن, وأخص بذلك اليهود في عصرنا الحديث الذين يدَّعون أنهم ينفذون إرادة الرب, وما الذي يحصل في أرض فلسطين إلا مثال على ذلك المخطط المرسوم بحسب ما ورد في كتبهم المحرفة, وقد خصصت هذا الفصل للكلام عن التحريف عند أهل الكتاب. المطلب الأول: تعريف التحريف لغةً واصطلاحاً: الفرع الأول: تعريف التحريف لغةً: أما معاني التحريف للكتب السماوية فتتجلى من خلال معانيها في لغة العرب, وقد عرف التحريف بتعريفات متعددة, ولكنها تدل على مقصد واحد, ومعنى واحد فمن ذلك تعريف ابن فارس بقوله: " (حرف) من الانحراف عن الشَّيء, يقال: انحرَفَ عنه يَنحرِف انحرافاً, وحرّفتُه أنا عنه، أي: فمِيلَ به عنه، وذلك كتحريف الكلام، وهو عَدْلُه عن جِهته, قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِه﴾ " (١). وقال ابن منظور: " والتحريف في القرآن والكلمة: تغيير الحرفِ عن معناه والكلمة عن معناها, وهي قريبة الشبه, كما كانت اليهود تغير معاني التوراة بالأَشباه فوصفهم الله بفعلهم بقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِه﴾ وفي غريب الأثر عن أَبي هريرة ﵁ أنه قال: [[آمَنْتُ بمُحَرِّفِ القلوب]] (٢) هو المُزِيلُ أَي: مُمِيلُها ومُزيغُها وهو الله تعالى" (٣). وهذا التعريف اللغوي للتحريف ينطبق على أهل الكتاب بكامله, فإنهم حرفوا كلام الله في الكتب السماوية, وغيروا ألفاظه ومعانيه بإزالتها وميلها عن أصلها.

стр. 200

الفرع الثاني: تعريف التحريف اصطلاحاً: قال ابن عاشور: " والتحريف: هو إخراج الوحي والشريعة عما جاءت به إما بتبديل وهو قليل, وإما بكتمان بعض وتناسيه, وإما بالتأويل البعيد, وهو أكثر أنواع التحريف" (١). ونكتفي بهذا التعريف الاصطلاحي كونه قد شمل أقسام التحريف, فالتحريف اللفظي: كالتبديل والزيادة, والإخفاء, والكتمان والنقصان والنسيان, والتحريف المعنوي: كالتأويلات الفاسدة والباطلة. المطلب الثاني: الأدلة على وقوع التحريف من أهل الكتاب في الكتب السماوية: لقد أشارت نصوص كثيرة في القرآن الكريم, وفي الكتب السماوية السابقة إلى تحريفات أهل الكتاب لكتبهم, وسنذكر هنا بعض آيات الخطاب القرآني التي تشير إلى وقوع التحريف لكلام الله من قبل أهل الكتاب, وهي على النحو التالي: الفرع الأول: الأدلة على التحريف من القرآن الكريم: ١ - قال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢). ٢ - قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣). ٣ - قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤). ٤ - قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ

стр. 201

يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١). فهذه النصوص القرآنية تؤكد لنا تأكيداً قاطعاً أن الكتب السماوية السابقة قد تم تحريفها من قبل أهل الكتاب, وقد وقع هذا التحريف منهم بعد ما عقلوا ما فيها, وعلموا ما حوته هذه الكتب, فبدلوها وحرفوها عن مواضعها بعد علمهم بأنها الحق. الفرع الثاني: الأدلة على وقوع التحريف من كتبهم السابقة: لم يكن الشاهد الوحيد على تحريف أهل الكتاب لكتبهم هو القرآن الكريم فقط, بل وردت أدلة على وقوع التحريف من قِبلهم في كتبهم السابقة أيضاً, وشهد عليهم بذلك رسلهم وأنبياؤهم, ومن ذلك شهادة أرميا في سفره (٢٣/ ٢٦) الذي قال لهم: (لقد حرفتم كلام الإله الحي) " (٢). وجاء أيضاً في سفر الخروج: (٢: ٢٣): " (لا تتبع الكثيرين إلى فعل الشر ولا تجب في دعوى مائلا وراء الكثيرين للتحريف) (٣). وجاء أيضاً في سفر الخروج: ٦: ٢٣: (لا تحرف حق فقيرك في دعواه) " (٤). وجاء في سفر أشعيا ١٦: ٢٩: (يا لتحريفكم) (٥). وجاء في سفر ملاخي ٢: ٨: (أما أنتم فحدتم عن الطريق, وأعثرتم كثيرين بالشريعة, أفسدتم عهد لاوي, قال رب الجنود (٩: ٢) فأنا أيضاً صيرتكم محتقرين ودنيئين عند كل الشعب, كما أنكم لم تحفظوا طرقي بل حابيتم في الشريعة) (٦).

стр. 202

وهذه النصوص من أسفار اليهود تدل على أن الله قد علم ما في نفوس أهل الكتاب من حبهم للتحريف, ومخالفتهم لأوامر ربهم, فلذلك خاطبهم بمثل هذا الخطاب, ولم يخاطب الله المسلمين بذلك لعلمه أنهم لن يقوموا بمثل هذا الفعل القبيح من التحريف, وقد علَّق عبد الأحد داود القسيس الذي هداه الله للإسلام على هذه النصوص بقوله: " ولم ينه القرآن المسلمين عن التحريف؛ لأنه تعالى قد ضمن عصمة كتابه عن التحريف والتبديل والضياع, فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) على أن ذمه تعالى أهل الكتاب بتحريف كلم كتابه عن مواضعه قد علم المسلمين عظم إثمه وقبحه, وقبح من وصُف به بقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ (٣) " (٤). فتبين من الأدلة السابقة أن القرآن الكريم يثبت ممارستهم التحريف لكلام الله, وأن كتب أهل الكتاب تشهد أيضاً عليهم بممارسة التحريف, فكتبهم حرفتها أيدي البشر قبل نزول القرآن الكريم وبعده, ومع ذلك فلا يزال تحريفهم مستمراً في كل زمانٍ ومكان حتى يومنا هذا, لأنهم قد جبلوا على المخالفة لأوامر الله تعالى, وسيأتي التمثيل على ذلك في المبحث الأخير من هذا الفصل. المطلب الثالث: أنواع التحريف عند أهل التفسير إجمالاً: لقد ورد الخطاب من الله تعالى لأهل الكتاب يأمرهم فيه أن يلتزموا بطاعته, وأن لا يخالفوه فيها, وسيكون لهم من الخير والنعمة ما الله به عليم, فأبى أهل الكتاب إلاَّ أن يخالفوا أوامره, وينتهكوا ما حرم عليهم, فقاموا بالتحريف والتبديل لكلام الله في كتبه, واشتروا بها الثمن القليل, وأصبح القارئ حينما يقرأ تلك الكتب لا يستطيع التفريق بين الحق والباطل فيها, ولا يستطيع أن يميز بين كلام الله وكلام غيره؛ وذلك لما شابها من التحريف. وقد كان تحريفهم لكلام الله ولكتبه قديماً وحديثاً على قسمين رئيسين نذكرهما على سبيل الإجمال:

стр. 203

الأول: التحريف اللفظي. والثاني: التحريف المعنوي. وكل منهما على وجوه كالتالي: الوجه الأول: "التأويلات الباطلة, والتفسيرات الفاسدة، وذلك بحسب أهوائهم وشهواتهم كما قال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١). وقد ذكر المفسرون عدة معاني لتحريفهم كلام الله في هذه الآية فمنها: أن التحريف هو: الميل به عن معناه ووجهه الصحيح, قال الطبري: " أي: يميلونه عن وجهه ومعناه الذي هو معناه إلى غيره, بتأويل ما حرفوا، وأنه بخلاف ما حرفوه إليه" (٢). وقال أسعد حومد: إنهم كانوا يتأولونه, ويعطونه معنىً آخر غير معناه الصحيح من بعد ماعرفوه, وفهموا معناه على حقيقته, ومع ذلك فإنهم يخالفون عن علمٍ وبصيرة, وهم يعلمون أنهم على غير الحق فيما ذهبوا إليه من تأول وتحريف" (٣) وهذا النوع من التحريف يكون بالتأويلات الفاسدة والباطلة, وهذا التحريف حصل منهم عمداً, وهو من المعاني المقصودة عندهم. ويزيد بعض المفسرين هذا بياناً بذكر بعض الأمثلة, فقد قال الجزائري في تفسير هذه الآية أنه: "الميل بالكلام على وجه لا يدل على معناه, كما قالوا في نعت الرسول ﷺ في التوراة: أكحل العينين ربعة، جعد الشعر، حسن الوجه، قالوا: طويل أزرق العينين، سبط الشعر" (٤). الوجه الثاني: تبديل ألفاظ الكتب الإلهية بألفاظ أخرى لتعطي دلالات توافق ما يريدون, على خلاف المعنى المراد منه في التنزيل, قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٥). وهذه الآية فيها دلالة واضحة على تبديلهم للفظ الكلام بخلاف ما طلب منهم.

стр. 204

الوجه الثالث: وهو إخفاؤهم لبعض الآيات والأحكام بحسب الزمان والظرف, وقد بين القرآن الكريم ذلك كما في الآيات التالية. قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ (٢). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٣). وهذا الوجه متعلق بالتغير والإخفاء لأحكام الشريعة, وهذا التحريف من أخطر الأنواع؛ لأنه متعلق بما شرعه الله لعباده, فيجعلون الحلال فيه حراماً والحرام فيه حلالاً. قال ابن زيد: " يجعلون الحلال فيها حراماً، والحرام فيها حلالاً, والحق فيها باطلاً, والباطل فيها حقاً، إذا جاءهم المحق برِشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برِشوة أخرجوا له ذلك الكتاب، فهو فيه محق, وإن جاء أحد يسألهم شيئاً ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق, فقال الله لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٤) " (٥) , وهذا اتباع الهوى بعينه في إخفاءهم النصوص الشرعية وكتمانها. قال الثعالبي: وغيروا ما فيها من الأحكام من بعد ما علموها وفهموها كما غيَّروا آية الرّجم, وصفة محمَّد ﷺ (٦). ثم قاموا بإخفاء الحكم الشرعي فيها, وحينما يحصل مثل هذا التحريف تتبدل الشرائع الصحيحة بغيرها, وتستبدل الأوامر والأحكام بغيرها, فينطفئ النور الإلهي الذي جاء للبشر, وتبدأ الفوضى؛ لأن الذي يستبدل الأحكام وينسخها هو الله قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ

стр. 205

وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٣). الوجه الرابع: "ليُّ اللسان به, ليلبس على السامع اللفظ المنزل بغيره" (٤). قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٥). قال ابن عطية ﵀: " وهذا اللي باللسان إلى خلاف ما في القلب موجود حتى الآن في بني إسرائيل, ويحفظ منه في عصرنا أمثلة إلا أنه لا يليق ذكرها بهذا الكتاب" (٦). وهذا نوع من الافتراء على الله وإلباس الحق بالباطل. والذي يتبين مما سبق أن هذه الأوجه قد وردت في القرآن الكريم لتبين موقفهم من الخطاب القرآني عبر تاريخهم, وقد نزلت آيات تتحدث عن تبديلهم لكلام الله بما يوافق أهواءهم, وتأويلها بالتأويلات الباطلة, والتفسيرات الفاسدة، وعن زيادتهم ونقصانهم في نصوص الوحي المنزل؛ وكل ذلك ليعطي دلالة توافق ما تُريدُه أهوائهم, وعن إخفائهم لبعض الآيات وإظهارها بحسب ما تقتضيه مصالحهم, وسنذكر بعضاً من المعاني لهذه الآيات التي تتحدث عن تحريفهم ونوضحها في المباحث القادمة التي تتحدث عن الأمثلة لتحريفهم الكلام قديماً وحديثاً. الوجه الخامس: الزيادة على النص المنزل ليعطي دلالة توافق ما يريدون.

стр. 206

الوجه السادس: النقص من النص المنزل ليعطي دلالة توافق ما يريدون (١). والمتتبع لكتب اليهود والنصارى يلاحظ فيها كل هذه التحريفات, كما يلاحظ فيها أن هناك أحكاماً ربانية كانت ثابتة في شرائع الله, ولكنها حذفت من هذه الكتب, وقد حذفوها لئلا يكون بقاؤها حجة عليهم عند الناس, كإخفائها, وأما التحريف بالزيادة والنقصان في الكتب فهو: "تحريف ألفاظه، وهم يعلمون أنهم يحرفون كلام رب العالمين عمدًا وكذبًا" (٢). فتبين أن جميع معاني التحريف قد قام بها اليهود والنصارى من أهل الكتاب قبل مبعث محمد ﷺ , ومارسوها أيضاً بعد بعثته فأخبره الله بما عملوه في كتبهم, وبما يريدونه من رسوله ﷺ , حتى يكون الرسول على حذر منهم, وحتى يكون أهل الإيمان كذلك على حذر, وقد أخبر الله الصحابة الذين كانوا يطمعون في إيمانهم بقوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) , وقد بين الإمام الطبري" بأنه لا فائدة من طمعهم بأن يدخل اليهود والنصارى في دينهم؛ لأنه قد حصل من أسلافهم السابقين_خصوصاً_ أحبارهم ورهبانهم أنهم كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وفهموه وتيقنوا أنه كلام الله, فكيف تطمعون في تصديق هؤلاء اليهود إياكم؟ فإن الذي تخبرونهم عنه من الأنباء غيب لم يشاهده هؤلاء المعاصرون ولم يعاينوه, وقد كان بعضهم يسمع من الله كلامه وأمره ونهيه، ثم يبدله ويحرفه ويجحده، فهؤلاء الذين بين أظهركم من بقايا نسلهم أحرى أن يجحدوا ما أتيتموهم به من الحق، وهم لا يسمعونه من الله، وإنما يسمعونه منكم, وهذا أقرب إلى أن يحرفوا ما في كتبهم من صفة نبيكم محمد ﷺ ونعته ويبدلوه، وهم به عالمون، فيجحدونه ويكذبونه, وذلك ما فعله أوائلهم الذين سمعوا كلام الله من الله جل ثناؤه، ثم حرفوه من بعد ما عقلوه وعلموه متعمدين التحريف, وكل هذا هو إخبار من الله جل ثناؤه عن إقدامهم على البهت، ومناصبتهم العداوة له ولرسوله موسى ﵇، وأن بقاياهم من مناصبتهم العداوة لله ولرسوله محمد ﷺ بغياً وحسداً وسائرون على خطى أوائلهم في عصر موسى ﵇ " (٤).

стр. 207

فتبين من سياق الآيات في الوجوه السابقة قسوة في قلوبهم, وتماديهم في عصيانهم لأوامر ربهم, ونقضهم لعهودهم ومواثيقهم, فكان هذا الخطاب من الله للمؤمنين, أي: ماذا تنتظرون أيها المؤمنون من قلوب أصبحت كالحجارة أو أشد قسوة؟ وماذا تنتظرون ممن قاموا بالاعتداء على كتابهم فحرفوه؟ وكيف تطمعون أن يؤمنوا بكتابكم؟ وهذه الآية فيها دلالة واضحة على عنصرية اليهود وتعاليهم على غيرهم, وهذا ما جعلهم يدَّعون أنهم أحب الخلق إلى الله, وأنهم أحق الناس بالرسالة من غيرهم, فحرفوا الآيات التي تبشر بمجيء رسول عربي, ويزعمون أنهم شعب الله المختار (المقدس) الذي اختاره الله ليسكن الأرض المقدسة, وأن الرب منحهم أرضاً خاصة بهم تسمى (أرض الميعاد جبل صهيون) , ولأجل ذلك حرفوا الكلم عن مواضعه ليوافق أهواءهم, وزادوا فيه ما ليس منه, قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١). وهذه الآية فيها دلالة واضحة أيضاً على أنه ليس كل أهل الكتاب قاموا بالتحريف, بل الذي قام به فريق منهم, وأن هذا الوصف بالتحريف إنما يخص علماء أهل الكتاب من الأحبار والرهبان, ومن وافقهم من العوام على ضلالهم من بعد ما تبين لهم الحق, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ .. ﴾ (٢). فكان هؤلاء الأحبار والرهبان هم من صدَّوا الناس عن سبيل الله, وهم من حرفوا الكتب, فأحلوا فيها الحرام, وحرموا فيها الحلال, واشتروا بآيات الله ثمناً قليلا, وأكلوا أموال الناس بالباطل, وألبسوا عليهم الحق بالباطل, وكتموا ما أنزل الله, وأخفوا أحكامه وشرائعه, والآية السابقة تدل أيضاً على وقوع التحريف من أسلافهم قديماً في عهد موسى ﵇ , ولمَّا جاء المتأخرون منهم في عهد الرسول محمد ﷺ فإنهم أيضاً حرفوا بعض الآيات والأحكام, وهم كذلك إلى اليوم يحرفون كلام الله كما هو دأبهم في كل زمان.

стр. 208

المطلب الرابع: إثبات تحريف أهل الكتاب لكتبهم . الفرع الأول: إثبات التحريف اللفظي بالتبديل: أما إثبات التحريف لكتب أهل الكتاب بأنواعه السابقة اللفظي والمعنوي فسنقوم ببيانه في هذا المطلب, بل إن النسخ التي يعتمدون عليها طالها التحريف, وسنوضح من قام بتحريفها, وأبرز رجالهم الذين قاموا بذلك التحريف, وسنذكر مدى اعتراف أهل الكتاب حديثاً بهذه النسخ الموجودة من كتبهم. فأما وقوع التحريف المعنوي في (الكتاب المقدس) فقد كان اليهود هم أول من قاموا به, وهذا من الأمور الذي يسلم بها أكثر الناس حتى النصارى, يقول رحمت الله الهندي (١): " فلا نزاع بيننا وبين المسيحيين في التحريف المعنوي؛ لأنهم يسلمون كلهم صدوره عن اليهود في العهد القديم (التوراة) في تفسير الآيات التي هي إشارة في زعمهم إلى المسيح، وفي تفسير الأحكام التي هي أبدية عند اليهود، وأن علماء البروتستانت يعترفون بصدوره عن معتقدي البابا (٢) في كتب العهدين، كما أن معتقدي البابا يرمونهم بهذا رمياً شديداً, فلا احتياج إلى إثباته" (٣).

стр. 209

أي: أن هذا التحريف قد رمى به كل فريق منهم الآخر, وهذا يعد إقراراً منهم بالجملة, وكلا الفريقين مقر بوقوع التحريف فلا نحتاج إلى إثباته؛ لأنه أصبح إقراراً منهم. وأما إثبات التحريف اللفظي: فقد أنكره علماء البروتستانت في الظاهر, ولكن هذا التحريف اللفظي بجميع أقسامه ثابت في كتب العهدين القديم والجديد, وسنقوم بتبين ذلك مقتبسين من كلام الشيخ رحمت الله الهندي, فنقول: إثبات التحريف اللفظي بالتبديل: إن النسخ المشهورة للعهد القديم عند أهل الكتاب ثلاث: الأولى: النسخة العبرانية: وهي المعتبرة عند اليهود، وجمهور علماء البروتستانت. الثانية: النسخة اليونانية: وهي التي كانت معتبرة عند المسيحيين إلى القرن الخامس عشر الميلادي، وكانوا يعتقدون إلى هذه المدة أن النسخة العبرانية محرفة، ولكنها كانت معتبرة عند الكنيسة اليونانية وكنائس المشرق، وهاتان النسختان تشتملان على جميع الكتب من العهد القديم. الثالثة: النسخة السامرية: وهي المعتبرة عند السامريين، وهي نفس النسخة العبرانية, لكنها لا تشتمل إلا على سبعة كتب من العهد القديم فقط، وهي الكتب الخمسة المنسوبة إلى موسى ﵇، وكتاب يوشع, وكتاب القضاة؛ لأن السامريين لا يسلمون بالكتب الباقية من العهد القديم، وتزيد هذه النسخة على النسخة العبرانية في الألفاظ والفقرات الكثيرة التي لا توجد فيها الآن (١). ونظراً لطول الكلام في إثبات تحريف الثلاث النسخ للعهد القديم سنكتفي هنا بذكر نسخة واحدة من نسخ العهد القديم, وهي النسخة العبرانية؛ كونها تشبه النسخة السامرية؛ ولأنها كانت معتبرة عند بعض الكنائس اليونانية وغيرها. الفرع الثاني: الأدلة على وقوع التحريف في النسخة العبرانية: أولاً: ما ذكره أشهر رجالهم ومفسريهم, فقد قال جامعوا تفسير هنري واسكات" (٢): " أن القديس إغسطينوس (٣) كان يقول: اليهود قد حرفوا النسخة العبرانية في الأزمنة القديمة التي قبل زمن

стр. 210

الطوفان وبعده, وفعلوا هذا بعد المسيح؛ لتصبح الترجمة اليونانية غير معتبرة, ولعناد الدين المسيحي, ومعلوم أن الآباء القدماء المسيحيين كانوا يقولون مثله, وكانوا يقولون: إن اليهود حرفوا التوراة في سنة مائة وثلاثين ميلادية" (١). ويتضح أنه قد شهد بهذا التحريف الكثير من أشهر مفسري النصارى, وهذا يُعدُّ اعترافاً مهماً منهم بذلك. ثانياً: ما قاله بعض علماء البروتستانت أن النسخة العبرانية هي الأصل عند جمهور علماء البروتستانت كما تقدم, ومع هذا "فكثير من محققي علماء البروتستانت مثل كي كات وهيلز وهيوبي كينت وغيرهم يعتبرون النسخة السامرية دون النسخة العبرانية، ويعتقدون أن اليهود حرفوا العبرانية، وجمهور علماء البروتستانت أيضاً يضطرون في بعض المواضع إلى السامرية ويقدمونها على العبرانية" (٢). فتبين أنه حتى جمهور علماء البروتستانت يضطرون للرجوع إلى النسخة السامرية ويقدمونها على العبرية؛ لأنهم يعتقدون أن اليهود حرفوا العبرانية. وقد نقل مفسرهم الشهير آدم كلارك الإجماع أن اليهود قد حرفوا النسخة العبرانية (٣) بسبب العداء بينهم وبين السامرية, والذي يظهر من هذا أن التحريف هو دأب اليهود في كل زمانٍ ومكان, وأنهم سيحرفون كتب من حصل بينهم وبينه أي عداء. ثالثاً: الأمثلة على ذلك التحريف والتناقض: ومن الأمثلة على وقوع الاختلاف والتناقض بين النسخة السامرية والعبرانية في الزيادة في الألفاظ والفقرات كما يلي: جاء في سفر التثنية: (فإذا عبرتم الأردن فانصبوا الحجارة التي أنا اليوم أوصيكم في جبل عِيبال وشيدوها بالجص تشييداً) (٤).

стр. 211

ووردت هذه العبارة في النسخة السامرية هكذا: (فانصبوا الحجارة التي أنا أوصيكم في جبل جِرْزيم) وعيبال وجِرزيم جبلان متقابلان كما يفهم من الآية الثانية عشرة والثالثة عشرة من هذا الباب، ومن الآية التاسعة والعشرين من الباب الحادي عشر من هذا الباب، فيفهم من النسخة العبرانية أن موسى ﵇ أمر ببناء الهيكل أعني: المسجد على جبل عيبال، ومن النسخة السامرية أنه أمر ببنائه على جبل جِرْزيم. والذي تبين مما سبق أن جبل جرزيم فيه إشارة إلى بركة الشعب, وعيبال إشارة إلى لعن بعض الشعب_ وبين اليهود والسامريين سلفاً وخلفاً نزاع مشهور, تدَّعي كل فرقة منهما أن الفرقة الأخرى حرَّفت التوراة، وكذلك يوجد بين علماء البروتستانت اختلاف في تحديد هذا الموضع. قال مفسرهم الشهير آدم كلارك: "إن المحقق كني كات يدعي صحة السامرية, والمحقق باري ودرشيور يدعيان صحة العبرانية، لكن كثيراً من الناس يفهمون أن أدلة كني كات لا جواب لها، ويجزمون بأن اليهود حرفوا لأجل عداوة السامريين، والكل يسلمون أن جرزيم ذو عيون وحدائق ونباتات كثيرة، وعيبال جبل يابس لا شيء عليه من هذه الأشياء ... وعلم منه أن التحريف واقع في النسخة العبرانية, وأن أدلة كني كات قوية جداً" (١). وهذه الفقرة أو الآية تكون كافية لإثبات التحريف والتناقض في الكتاب المقدس, وأي كتاب يكون فيه مثل هذا التناقض والتحريف لا يصح أن يقال: إنه من رب العالمين, أو أنه وحي منه ؛ لأنه كتاب محرف, وكل كتاب طرأ عليه التحريف لا يكون كتاباً مقدساً. ومن الأدلة على تحريف اليهود للنسخة العبرانية, تبديل كلمة: (الزوجة) مكان (الأخت) وهذا ما جعل جمهور البروتستانت يتركون النسخة العبرانية ويتبعون التراجم الأخرى كاليونانية واللاتينية والسريانية؛ لأن التحريف في النسخة العبرانية أصبح ظاهراً بلا شك, فقد جاء في النسخة العبرانية: (وكان اسم أخته معكه) (٢) , والصحيح أن يكون لفظ الزوجة بدل لفظ الأخت هكذا: (وكان اسم امرأته معكه) , قال آدم كلارك: "وقع في النسخة العبرانية لفظ الأخت، وفي اليونانية واللاتينية

стр. 212

والسريانية لفظ الزوجة, وتبع المترجمون هذه التراجم، وهاهنا ترك جمهور البروتستانت النسخة العبرانية وتبعوا التراجم المذكورة, فالتحريف في العبرانية متعين عندهم" (١). خلاصة: فتبين مما سبق أن النسخ الموجودة من العهد القديم لا يعتد بها الكثير من أهل الكتاب حديثاً؛ وذلك للأسباب التالية: ١ - أن اليهود حرفوا التوراة العبرانية قبل وبعد زمن الطوفان. ٢ - أن التحريف اليهودي وقع بعد مجيء المسيح عيسى ﵇ , وقد فعلوا ذلك لكي لا يعتبر الناس ولا يعتدون بالنسخة اليونانية. ٣ - أن اليهود فعلوا هذا التحريف عناداً للدين المسيحي. ٤ - أن قدماء المسيحين يقولون: إن اليهود حرفوا العهد القديم (التوراة) سنة (١٣٠ م) إضافة إلى الخلاف الدائر بين اليهود السامريين واليهود العبرانيين, وكذلك بين البروتستانت وبين العبرانيين, وذلك مما يدل دلالة قاطعة أن العهد القديم لا يعد كتاباً سماوياً بشهادة علمائهم ومفسريهم, وباعترافهم أنفسهم, وكذلك بشهادات رجال الدين المسيحي كما سبق بيانه. الفرع الثالث: الأدلة على وقوع التحريف في نسخ العهد الجديد (الأناجيل): لقد شهدت دوائرهم المعتمدة أن الأناجيل كتبت بعد خمسمائة عام من موت السيد المسيح, والشهادة السابقة تقول: إن اليهود قاموا بالتحريف للتوراة سنة (١٣٠ م) , يعني أن الفارق بين كتابتها وبدأ التحريف اليهودي بصورة أكثر من ثلاثمائة عام, فكم سيحصل من التحريف خلال هذه الفترة؟ أما التوراة فقد تم تحريفها قبل مجيء السيد المسيح. وأما الأناجيل فيكفي ما قالته فيها دائرة المعارف البريطانية التي طبعت عام: (١٩٦٠ م) أن إنجيل مرقس وإنجيل يوحنا كتب محرفة, وتقول عن النسخ الأصلية للأناجيل: " إن أقدم نسخة من الأناجيل الرسمية الحالية كتبت في القرن الخامس بعد المسيح، أما الزمان الممتد بين الحواريين والقرن

стр. 213

الخامس فلم يخلف لنا نسخة من هذه الأناجيل الأربعة الرسمية، وفضلاً عن استحداثها وقرب عهد وجودها منا؛ فقد حرفت هي نفسها تحريفاً ذا بال، خصوصاً منها إنجيل مرقس وإنجيل يوحنا" (١). وأما وقوع التحريف المتعمد من قبل النُّسَّاخ فقد أقر به المدخل الفرنسي للعهد الجديد، حيث جاء فيه: " إن نسخ العهد الجديد التي وصلت إلينا ليست كلها واحدة, بل يمكن المرء أن يرى فيها فوارق مختلفة الأهمية ... ولكن هناك فوارق أخرى بين الكتب والخط تتناول معنى فقرات برمتها, واكتشاف مصدر هذه الفوارق ليس بالأمر العسير, فإن نص العهد الجديد قد نسخ طوال قرون كثيرة بيد نساخ, وصلاحهم للعمل متفاوت، وما من واحد منهم معصوم من مختلف الأخطاء الذي تحول دون أن تتصف بالموافقة التامة للمثال الذي أخذت عنه أية نسخة كانت مهما بذل فيها من الجهد, يضاف إلى ذلك أن بعض النُّسَّاخ حاولوا أحياناً عن حسن نية أن يصوبوا ما جاء في مثالهم، وبدا لهم أنه يحتوي أخطاء واضحة, أو قلة دقة في التعبير اللاهوتي، وهكذا أدخلوا إلى النص قراءات جديدة تكاد تكون كلها خطأ. ثم يمكن أن يضاف إلى ذلك كله أن الاستعمال لكثير من الفقرات من العهد الجديد في أثناء إقامة شعائر العبادة أدى أحياناً إلى إدخال زخارف غايتها تجميل الطقس, أو إلى التوفيق بين نصوص مختلفة ساعدت على التلاوة بصوت عال. ومن الواضح أن ما أدخله النُّسَّاخ من التبديل على مرِّ القرون تراكم بعضه على بعضه الآخر، فكان النص الذي وصل آخر الأمر إلى عهد الطباعة مُثقلاً بمختلف ألوان التبديل .. والمثال الأعلى الذي يهدف إليه علم نقد النصوص هو أن يمحص هذه الوثائق المختلفة، لكي يقيم نصاً يكون أقرب ما يمكن من الأصل الأول، ولا يمكن في حال من الأحوال الوصول إلى الأصل نفسه" (٢). فتبين مما سبق أن اليهود قاتلهم الله قد أصبح التحريف لكلام الله سجيتهم وخلقهم في كل زمانٍ ومكان.

стр. 214

الفرع الرابع: أشهر رجالهم في ممارسة التحريف: إن اليهود قد عرفوا على مر العصور بالإخفاء للأحكام الشرعية, والتستر بأنفسهم وراء الأديان الأخرى, والتخفي خلف الطوائف والجماعات والجمعيات, وكذلك في الهيئات والمنظمات؛ وذلك لأغراض سياسية تخدم مصالحهم, ومنهم أكثر الخبراء المتخفين في جميع المجالات؛ لخدمة أباطيلهم ومخططاتهم, ولإثارة القلاقل والفتن في الأرض, ومن الأمثلة على ذلك أن الذي حرف التوراة هو الكاهن اليهودي عزرا بن سرايا " فقد استطاع أن يكتب التوراة الحالية ... وأضاف أسفاراً نسبها إلى موسى ﵇ , ولا صلة له بها أبداً ... حتى عظمه اليهود, وقالوا عنه: إنه ابن الله, وكان ممن آمن بهذه المقولة يهود المدينة المنورة الذين كانوا فيها حينما هاجر رسول الله ﷺ إليها, وقد أنكروا على رسول الله ﷺ عدم اعتقاده ببنوة عزرا لله " (١). وأما الديانة النصرانية فقد تلبس بها بولس اليهودي الذي أظهر لهم التزامه بالنصرانية, وكارل ماركس اليهودي حيث: "والشيوعية المعاصرة تنسب إلى المسيحي كارل ماركس ١٨١٨ م ١٨٨٣ م, وهو يهودي ابن الحاخام الألماني المتعصب كاي مردخاي الذي هجر اليهودية مؤمناً, واعتنق المسيحية لغرض يهودي, ومثله عبدالله بن سبأ, وميمون القداح " (٢). وهكذا يوجد لكل زمان ومكان رجاله الذين يقومون بخدمة اليهود واليهودية, وينفذون أهدافها, فأما بولس اليهودي فإنه: " قد كان نموذجاً صارخاً لهذا النوع من التحريف باسم الدين، وقد اعترف بذلك التحريف بقوله: إن كان صدق الله قد أزداد بكذبي لمجده، فلماذا أدان بعد كخاطئ" (٣). وأما بولس اليهودي فقد تحدث عنه المتخصص في دراسة الأديان ومقارنتها عبد الرحمن حبنكة ﵀ بقوله: " إن بولس كان يهودياً متلبساً بالنصرانية, وكان له الأثر الكبير في تحريف أصول الديانة النصرانية .. وكان اسمه (شاؤول) ... وكان في أول عهده من أكبر أعداء النصارى الذين آمنوا بعيسى ... وبعد أن رفع الله عيسى بمدة من الزمن أعلن بشكل مفاجئ دخوله في النصرانية, ... ونشط

стр. 215

بالدعوة إلى المسيحية معلناً أن عيسى هو ابن الله, حتى صار المعلم الأول في المسيحية وداعيتها النشيط, وأخذ ينشر أنه يتلقى التعاليم المسيحية إلهاماً ... وصار هذا الرجل اليهودي في تاريخ المسيحية أحد الرسل السبعين الذين نزل عليهم روح القدس ... وتفاقم تأثير (بولس) حتى صار معلماً لـ (مرقص) أحد كُتَّاب الأناجيل الأربعة ... كما صار معلماً لـ (لوقا) أحد كُتَّاب الأناجيل الأربعة أيضاً, (وهو أول من قال: إن عيسى هو ابن الله) , علماً بأن هذه الفكرة لم تكن قد عرفت من قبل, واستطاع هذا الرجل أن يحرف في جوهر الديانة المسيحية, دون أن يستطيع أحد معارضته؛ لأنه زعم لهم أنه يتلقى التعاليم من المسيح تلقياً إلهامياً روحياً, وصدقوه في ذلك, وأدخل في المسيحية ما أدخل, وحرف فيها ما حرف" (١). الخلاصة: أن اليهود هم أول من حرف كتاب الله التوراة, وكذلك الإنجيل, وتلك التحريفات كان أغلبها لأغراض سياسية, ثم تبعهم في التحريف الكُتَّاب والنُّسَّاخ للتوراة والإنجيل, وأدخلوا أموراً قصدوا بها زخرفة العبادات وتزينها, والقيام بتصحيح الأخطاء التي توهموها, فوقعوا فيما هو أشد منه, وهكذا كان أغلب تحريفهم عمداً.
следующие страницы →