← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 132385

الخطاب القرآني لأهل الكتاب وموقفهم منه قديما وحديثا

هود محمد أبو راس

Полный текст (316 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ووردت هذه العبارة في النسخة السامرية هكذا: (فانصبوا الحجارة التي أنا أوصيكم في جبل جِرْزيم) وعيبال وجِرزيم جبلان متقابلان كما يفهم من الآية الثانية عشرة والثالثة عشرة من هذا الباب، ومن الآية التاسعة والعشرين من الباب الحادي عشر من هذا الباب، فيفهم من النسخة العبرانية أن موسى ﵇ أمر ببناء الهيكل أعني: المسجد على جبل عيبال، ومن النسخة السامرية أنه أمر ببنائه على جبل جِرْزيم. والذي تبين مما سبق أن جبل جرزيم فيه إشارة إلى بركة الشعب, وعيبال إشارة إلى لعن بعض الشعب_ وبين اليهود والسامريين سلفاً وخلفاً نزاع مشهور, تدَّعي كل فرقة منهما أن الفرقة الأخرى حرَّفت التوراة، وكذلك يوجد بين علماء البروتستانت اختلاف في تحديد هذا الموضع. قال مفسرهم الشهير آدم كلارك: "إن المحقق كني كات يدعي صحة السامرية, والمحقق باري ودرشيور يدعيان صحة العبرانية، لكن كثيراً من الناس يفهمون أن أدلة كني كات لا جواب لها، ويجزمون بأن اليهود حرفوا لأجل عداوة السامريين، والكل يسلمون أن جرزيم ذو عيون وحدائق ونباتات كثيرة، وعيبال جبل يابس لا شيء عليه من هذه الأشياء ... وعلم منه أن التحريف واقع في النسخة العبرانية, وأن أدلة كني كات قوية جداً" (١). وهذه الفقرة أو الآية تكون كافية لإثبات التحريف والتناقض في الكتاب المقدس, وأي كتاب يكون فيه مثل هذا التناقض والتحريف لا يصح أن يقال: إنه من رب العالمين, أو أنه وحي منه ؛ لأنه كتاب محرف, وكل كتاب طرأ عليه التحريف لا يكون كتاباً مقدساً. ومن الأدلة على تحريف اليهود للنسخة العبرانية, تبديل كلمة: (الزوجة) مكان (الأخت) وهذا ما جعل جمهور البروتستانت يتركون النسخة العبرانية ويتبعون التراجم الأخرى كاليونانية واللاتينية والسريانية؛ لأن التحريف في النسخة العبرانية أصبح ظاهراً بلا شك, فقد جاء في النسخة العبرانية: (وكان اسم أخته معكه) (٢) , والصحيح أن يكون لفظ الزوجة بدل لفظ الأخت هكذا: (وكان اسم امرأته معكه) , قال آدم كلارك: "وقع في النسخة العبرانية لفظ الأخت، وفي اليونانية واللاتينية

стр. 212

والسريانية لفظ الزوجة, وتبع المترجمون هذه التراجم، وهاهنا ترك جمهور البروتستانت النسخة العبرانية وتبعوا التراجم المذكورة, فالتحريف في العبرانية متعين عندهم" (١). خلاصة: فتبين مما سبق أن النسخ الموجودة من العهد القديم لا يعتد بها الكثير من أهل الكتاب حديثاً؛ وذلك للأسباب التالية: ١ - أن اليهود حرفوا التوراة العبرانية قبل وبعد زمن الطوفان. ٢ - أن التحريف اليهودي وقع بعد مجيء المسيح عيسى ﵇ , وقد فعلوا ذلك لكي لا يعتبر الناس ولا يعتدون بالنسخة اليونانية. ٣ - أن اليهود فعلوا هذا التحريف عناداً للدين المسيحي. ٤ - أن قدماء المسيحين يقولون: إن اليهود حرفوا العهد القديم (التوراة) سنة (١٣٠ م) إضافة إلى الخلاف الدائر بين اليهود السامريين واليهود العبرانيين, وكذلك بين البروتستانت وبين العبرانيين, وذلك مما يدل دلالة قاطعة أن العهد القديم لا يعد كتاباً سماوياً بشهادة علمائهم ومفسريهم, وباعترافهم أنفسهم, وكذلك بشهادات رجال الدين المسيحي كما سبق بيانه. الفرع الثالث: الأدلة على وقوع التحريف في نسخ العهد الجديد (الأناجيل): لقد شهدت دوائرهم المعتمدة أن الأناجيل كتبت بعد خمسمائة عام من موت السيد المسيح, والشهادة السابقة تقول: إن اليهود قاموا بالتحريف للتوراة سنة (١٣٠ م) , يعني أن الفارق بين كتابتها وبدأ التحريف اليهودي بصورة أكثر من ثلاثمائة عام, فكم سيحصل من التحريف خلال هذه الفترة؟ أما التوراة فقد تم تحريفها قبل مجيء السيد المسيح. وأما الأناجيل فيكفي ما قالته فيها دائرة المعارف البريطانية التي طبعت عام: (١٩٦٠ م) أن إنجيل مرقس وإنجيل يوحنا كتب محرفة, وتقول عن النسخ الأصلية للأناجيل: " إن أقدم نسخة من الأناجيل الرسمية الحالية كتبت في القرن الخامس بعد المسيح، أما الزمان الممتد بين الحواريين والقرن

стр. 213

الخامس فلم يخلف لنا نسخة من هذه الأناجيل الأربعة الرسمية، وفضلاً عن استحداثها وقرب عهد وجودها منا؛ فقد حرفت هي نفسها تحريفاً ذا بال، خصوصاً منها إنجيل مرقس وإنجيل يوحنا" (١). وأما وقوع التحريف المتعمد من قبل النُّسَّاخ فقد أقر به المدخل الفرنسي للعهد الجديد، حيث جاء فيه: " إن نسخ العهد الجديد التي وصلت إلينا ليست كلها واحدة, بل يمكن المرء أن يرى فيها فوارق مختلفة الأهمية ... ولكن هناك فوارق أخرى بين الكتب والخط تتناول معنى فقرات برمتها, واكتشاف مصدر هذه الفوارق ليس بالأمر العسير, فإن نص العهد الجديد قد نسخ طوال قرون كثيرة بيد نساخ, وصلاحهم للعمل متفاوت، وما من واحد منهم معصوم من مختلف الأخطاء الذي تحول دون أن تتصف بالموافقة التامة للمثال الذي أخذت عنه أية نسخة كانت مهما بذل فيها من الجهد, يضاف إلى ذلك أن بعض النُّسَّاخ حاولوا أحياناً عن حسن نية أن يصوبوا ما جاء في مثالهم، وبدا لهم أنه يحتوي أخطاء واضحة, أو قلة دقة في التعبير اللاهوتي، وهكذا أدخلوا إلى النص قراءات جديدة تكاد تكون كلها خطأ. ثم يمكن أن يضاف إلى ذلك كله أن الاستعمال لكثير من الفقرات من العهد الجديد في أثناء إقامة شعائر العبادة أدى أحياناً إلى إدخال زخارف غايتها تجميل الطقس, أو إلى التوفيق بين نصوص مختلفة ساعدت على التلاوة بصوت عال. ومن الواضح أن ما أدخله النُّسَّاخ من التبديل على مرِّ القرون تراكم بعضه على بعضه الآخر، فكان النص الذي وصل آخر الأمر إلى عهد الطباعة مُثقلاً بمختلف ألوان التبديل .. والمثال الأعلى الذي يهدف إليه علم نقد النصوص هو أن يمحص هذه الوثائق المختلفة، لكي يقيم نصاً يكون أقرب ما يمكن من الأصل الأول، ولا يمكن في حال من الأحوال الوصول إلى الأصل نفسه" (٢). فتبين مما سبق أن اليهود قاتلهم الله قد أصبح التحريف لكلام الله سجيتهم وخلقهم في كل زمانٍ ومكان.

стр. 214

الفرع الرابع: أشهر رجالهم في ممارسة التحريف: إن اليهود قد عرفوا على مر العصور بالإخفاء للأحكام الشرعية, والتستر بأنفسهم وراء الأديان الأخرى, والتخفي خلف الطوائف والجماعات والجمعيات, وكذلك في الهيئات والمنظمات؛ وذلك لأغراض سياسية تخدم مصالحهم, ومنهم أكثر الخبراء المتخفين في جميع المجالات؛ لخدمة أباطيلهم ومخططاتهم, ولإثارة القلاقل والفتن في الأرض, ومن الأمثلة على ذلك أن الذي حرف التوراة هو الكاهن اليهودي عزرا بن سرايا " فقد استطاع أن يكتب التوراة الحالية ... وأضاف أسفاراً نسبها إلى موسى ﵇ , ولا صلة له بها أبداً ... حتى عظمه اليهود, وقالوا عنه: إنه ابن الله, وكان ممن آمن بهذه المقولة يهود المدينة المنورة الذين كانوا فيها حينما هاجر رسول الله ﷺ إليها, وقد أنكروا على رسول الله ﷺ عدم اعتقاده ببنوة عزرا لله " (١). وأما الديانة النصرانية فقد تلبس بها بولس اليهودي الذي أظهر لهم التزامه بالنصرانية, وكارل ماركس اليهودي حيث: "والشيوعية المعاصرة تنسب إلى المسيحي كارل ماركس ١٨١٨ م ١٨٨٣ م, وهو يهودي ابن الحاخام الألماني المتعصب كاي مردخاي الذي هجر اليهودية مؤمناً, واعتنق المسيحية لغرض يهودي, ومثله عبدالله بن سبأ, وميمون القداح " (٢). وهكذا يوجد لكل زمان ومكان رجاله الذين يقومون بخدمة اليهود واليهودية, وينفذون أهدافها, فأما بولس اليهودي فإنه: " قد كان نموذجاً صارخاً لهذا النوع من التحريف باسم الدين، وقد اعترف بذلك التحريف بقوله: إن كان صدق الله قد أزداد بكذبي لمجده، فلماذا أدان بعد كخاطئ" (٣). وأما بولس اليهودي فقد تحدث عنه المتخصص في دراسة الأديان ومقارنتها عبد الرحمن حبنكة ﵀ بقوله: " إن بولس كان يهودياً متلبساً بالنصرانية, وكان له الأثر الكبير في تحريف أصول الديانة النصرانية .. وكان اسمه (شاؤول) ... وكان في أول عهده من أكبر أعداء النصارى الذين آمنوا بعيسى ... وبعد أن رفع الله عيسى بمدة من الزمن أعلن بشكل مفاجئ دخوله في النصرانية, ... ونشط

стр. 215

بالدعوة إلى المسيحية معلناً أن عيسى هو ابن الله, حتى صار المعلم الأول في المسيحية وداعيتها النشيط, وأخذ ينشر أنه يتلقى التعاليم المسيحية إلهاماً ... وصار هذا الرجل اليهودي في تاريخ المسيحية أحد الرسل السبعين الذين نزل عليهم روح القدس ... وتفاقم تأثير (بولس) حتى صار معلماً لـ (مرقص) أحد كُتَّاب الأناجيل الأربعة ... كما صار معلماً لـ (لوقا) أحد كُتَّاب الأناجيل الأربعة أيضاً, (وهو أول من قال: إن عيسى هو ابن الله) , علماً بأن هذه الفكرة لم تكن قد عرفت من قبل, واستطاع هذا الرجل أن يحرف في جوهر الديانة المسيحية, دون أن يستطيع أحد معارضته؛ لأنه زعم لهم أنه يتلقى التعاليم من المسيح تلقياً إلهامياً روحياً, وصدقوه في ذلك, وأدخل في المسيحية ما أدخل, وحرف فيها ما حرف" (١). الخلاصة: أن اليهود هم أول من حرف كتاب الله التوراة, وكذلك الإنجيل, وتلك التحريفات كان أغلبها لأغراض سياسية, ثم تبعهم في التحريف الكُتَّاب والنُّسَّاخ للتوراة والإنجيل, وأدخلوا أموراً قصدوا بها زخرفة العبادات وتزينها, والقيام بتصحيح الأخطاء التي توهموها, فوقعوا فيما هو أشد منه, وهكذا كان أغلب تحريفهم عمداً.

стр. 216

المبحث الثاني: نماذج على تحريفات أهل الكتاب قديماً , وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: أمثلة على التحريف بالتأويلات الباطلة قديماً. المطلب الثاني: أمثلة على التحريف بالتبديل قديماً. المطلب الثالث: أمثلة على التحريف بالزيادة قديماً. المطلب الرابع: أمثلة على التحريف بالنقص والإبعاد قديماً. المطلب الخامس: أمثلة على التحريف بالإخفاء والكتمان قديماً.

стр. 217

وكما أن التحريف للكتب السماوية قد ثبت على أهل الكتاب من خلال ما سبق من الخطاب القرآني, فإن الأمثلة على تحريفات أهل الكتاب قديماً كثيرة, ولكننا سنذكر في هذا المبحث مجموعة من الأمثلة, وسنقسم هذه الأمثلة حتى يتضح ذلك التحريف للقارئ بسهولة, وعليه فسنقسم هذا المبحث بحسب أنواع التحريف كما يلي: المطلب الأول: أمثلة على التحريف بالتأويلات الباطلة قديماً: أما التأويلات الفاسدة والباطلة فالمقصود بها أنهم كانوا "يتأوَّلون الكلام على غير حقيقته, ويريدون به غير المقصود به، وهم إنما يفعلون ذلك عن قصد منهم، افتراءً على الله" (١). وقد ذكر القرآن الكريم ذلك عنهم في أكثر من موضع, فمن ذلك: الأول: ما ذكره الله في قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢). قال البيضاوي ﵀: " (يحرفون الكلم) أي: يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها بإزالته عنها, وإثبات غيره فيها, أو يؤولونه على ما يشتهون فيميلونه" (٣). وقال الطبري ﵀: و (يقولون سمعنا وعصينا) أي: سمعنا يا محمد قولك, وعصينا أمرك. (واسمع غير مسمع) أي: أن اليهود كانوا يسبون رسول الله ﷺ , ويؤذونه بالقبيح من القول, ويقولون له اسمع منا غير مسمع, كقول القائل للرجل يسبه: اسمع لا أسمعك الله" (٤) , وذكر نحوه ابن عطية, ونقل هذا القول عن ابن عباس وغيره" (٥). قال أسعد حومد: ويقصدون بهذا التأويل الباطل الدعاء على النبي ﷺ ، مع أنهم يحاولون إيهام من حولهم بأنهم يريدون الدعاء له, مع أن المسلمين حينما كانوا يقولون هذه العبارة إنما كانوا يقصدون بها الدعاء, أي: (لا أسمعك الله مكروهاً) , وكان اليهود يقولون للنبي ﷺ : راعنا, وهم يوهمون من

стр. 218

حولهم بأنهم يقصدون بذلك (أرعنا سمعك)، أي: انتبه لما نقول لك, وهم يقصدون بذلك سب النبي ﷺ ووصفه بالرعونة (وَرَاعِينُو بِالعِبْرِيَّةِ تَعْنِي الشِّرِّيرَ) وهم إنما يفعلون ذلك استهزاءً بالدين الذي يبلغه النبي عن ربه إلى عباد الله" (١). وعلى هذا فمعنى تحريفهم الكلم عن مواضعه أنهم يغيرونه ويتأولونه بالباطل, ويوهمون السامع أنهم يريدون الخير, وهم على العكس من ذلك يريدون الشر. الثاني: ما ذكره الله بقوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٢). وهذا التحريف هو تبديلهم لهيئة الفعل التي أمرهم الله بها لدخولهم الأرض المقدسة سجداً, فتأولوها بالتأويلات الفاسدة, قال ابن الجوزي ﵀: " أمرهم في دخولهم بفعل وقول, فالفعل: السجود, وفيه خمسة أقوال: أحدها: أنهم دخلوا متزحفين على أوراكهم, رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ (٣). الثاني: أنهم دخلوا من قبل أستاههم, قاله ابن عباس وعكرمة. الثالث: أنهم دخلوا مقنعي رؤوسهم, قاله ابن مسعود (٤). والرابع: أنهم دخلوا على حروف عيونهم, قاله مجاهد. والخامس: أنهم دخلوا مستلقين, قاله مقاتل" (٥).

стр. 219

وهذا يدل على رغبتهم في مخالفة أوامر ربهم؛ لأن الأمر الذي أمروا به لا يوجد فيه مشقة, بل هو يسير على أهل الإيمان والطاعة, ولكنهم مع ذلك قاموا بتأويل هيئة الفعل التي أمرهم الله بها.

стр. 220

المطلب الثاني: أمثلة على التحريف بالتبديل قديماً: وأما التحريف بالتبديل فقد كانوا يمارسونه غالباً في تبديل الأحكام الشرعية وغيرها, ومما جاء في الخطاب القرآني في ذلك ما يلي: الأول: ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١). لقد كان في كتب أهل الكتاب قديماً أن حدَّ الزاني هو الرجم كما هو عند المسلمين, ولكن محرفي أهل الكتاب استبدلوها بالتحميم والجلد, وقد ورد ذلك في حديث البراء بن عازب ﵁ قال: ﴿مر على النبي ﷺ بيهودي محمماً (٢) مجلوداً فدعاهم الرسول ﷺ فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا, ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك؛ نجده الرجم, ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه, وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد, قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع, فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله ﷺ : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه, فأمر به فرجم, فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ .. إلى قوله إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ (٣). يقول: ائتوا محمداً ﷺ فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه, وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا, فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ

стр. 221

فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢). في الكفار كلها﴾ " (٣). فهذا يدل على أن تبديلهم كان بحسب أهوائهم, واسترضاءً منهم لقادتهم ورؤساءهم حينما كثر فيهم ممارسة الزنا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾.أي: إذا أفتاكم محمد بشيء لا يوافق أهواءكم وأهواء قادتكم فلا تقبلوه, ولو كان من رسول الله ﷺ , وهذا يدل أيضاً على أنهم يعلمون أن القرآن هو الحق, وأن محمداً ﷺ جاء بالحق, وإلا لما تحاكموا إليه, وإنما أرادوا بذلك السؤال علَّهم يجدون بذلك رخصة من رسول الله ﷺ حتى يحاجُّوا بها عوامهم. الثاني: ومن ذلك تحريف اليهود لكلمة: (السلام) حينما كانوا يسلمون على رسول الله بـ (السام) يعني الموت, كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٤). وقد حذر رسول الله ﷺ المسلمين منهم بقوله: ﴿إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول السام عليكم, فقولوا: وعليكم﴾ (٥). قال الشيخ الألباني: صحيح, وقد حذر النبي ﷺ أيضاً المسلمين من اليهود والنصارى بقوله: ﴿إذا سلم عليك اليهودي والنصراني فإنما يقول: السام عليكم, فقل: عليكم﴾ (٦). وهناك أمثلة كثيرة على التحريف بالتبديل من كتبهم السابقة, فمنه ما جاء في" السفر الثاني من أخبار الأيام من النسخة العبرانية: (لأن الرب ذلل يهوذا بسبب آحاز ملك إسرائيل) (٧)، فلفظ

стр. 222

إسرائيل في النسخة العبرانية في هذا النص غلط يقيناً، وهو من التحريف بالتبديل؛ لأن آحاز ملك يهوذا (المملكة الجنوبية وعاصمتها أورشليم)، وليس ملك إسرائيل (المملكة الشمالية وعاصمتها نابلس)، والصواب: أن توضع كلمة: (يهوذا) مكان كلمة: (إسرائيل)، كما وقع في النسختين اليونانية واللاتينية: أن الرب أذل يهوذا بسبب آحاز ملك يهوذا، فالنسخة العبرانية محرفة في هذا الموضع" (١). ولم نكثر من الاستدلال في هذه الأماكن من الكتاب المقدس الموجود عندهم على هذه التحريفات لاعتقادنا أنه كتاب باطل, والمسلم يعرف كلام الله الحق من كلام غيره الباطل؛ لكثرة التحريفات التي وقعت طوال الزمن والتي هي كثيرة جداً. المطلب الثالث: أمثلة على التحريف بالزيادة قديماً: وأما تحريفهم للكتب السماوية بالزيادة فقد ورد تأكيده في الخطاب القرآني لأهل الكتاب وما ذكره الله في قوله تعالى: ﴿ .. وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (٢). فحينما أمر الله بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة طلب منهم في ذلك قولاً وفعلاً, أما الفعل فقد تكلمنا عنه في المطلب السابق. وأما القول فهو أن يقولوا: (حطة) فزادوا عليها بخلاف ما طُلب منهم, قال ابن الجوزي رحمة الله: " وأما تغيير القول ففيه خمسة أقوال: أحدها: أنهم قالوا مكان (حطة) حبة في شعرة, رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ , والحديث قد تقدم (٣). والثاني: أنهم قالوا: حنطة, قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد ووهب وابن زيد. والثالث: أنهم قالوا: حنطة حمراء فيها شعرة, قاله ابن مسعود. والرابع: أنهم قالوا: حبة حنطة مثقوبة فيها شعيرة سوداء, قاله السدي عن أشياخه.

стр. 223

والخامس: أنهم قالوا: سنبلاً, قاله أبو صالح" (١). فتبين من هذه الأقوال أن أهل الكتاب قاموا بالزيادة على الأمر الذي طلب منهم؛ إمعاناً منهم في مخالفة أوامر ربهم. قال محمد متولي الشعراوي: " فكأن المخالفة لم تأت من أن أوامر الله شاقة, ولكنها أتت من الرغبة في مخالفة أمر الخالق, وبدلاً من أن يقولوا حطة, أي: حط عنا يا رب ذنوبنا قالوا: حنطة, والحنطة هي القمح ... ليطوعوا اللفظ لأغراضهم ... فكأن المسألة ليست عدم قدرة على الطاعة ولكن رغبة في المخالفة, ومع أن الحق ﵎ وعدهم بالمغفرة والرحمة والزيادة للمحسنين ... فإنهم خالفوا وعصوا" (٢). وهذا يدل على تماديهم في مجاوزتهم الحدود في كل شيء, ومن ذلك كثرة المخالفة لله , حتى وإن لم يكن في هذه الأوامر مشقة, وفيها مصلحة لهم, وإنما هو من باب التمرد على الله في رفض أوامره, وغشيان نواهيه, فاستحقوا بذلك غضب الله ولعنته. المطلب الرابع: أمثلة على التحريف بالنقصان قديماً: إن من أوضح الأمثلة على التحريف بالنقصان للكتب السماوية هو استبعادهم لإنجيل برنابا طوال القرون السابقة, وبرنابا هو أحد تلاميذ المسيح, وكان ميزة هذا الإنجيل أنه يخالف سائر الأناجيل الأربعة في أمور جوهرية، فمما كان فيه نقضه لدعوى ألوهية المسيح، وتأكيده نجاة المسيح من الصلب، وتنديده ببولس، ورفضه لتبشيره، وكذا تصريحه ببشارة عيسى ﵇ بالنبي محمد ﷺ في مرات عديدة وقصة هذا الإنجيل: أنه قد صدر عام (٣٦٦ م) بأمر من البابا دماسس بعدم مطالعته، وصدر مثل هذا الأمر من مجلس الكنائس الغربية عام (٣٨٢ م)، كما صدر أيضاً مثله أمر عن البابا أنوسنت (٤٦٥ م)، وأما البابا جلاسيوس الأول عام (٤٩٢ م) فقد حرم مطالعة بعض الأناجيل، وكان منها إنجيل برنابا (٣).

стр. 224

وقد فقد هذا الإنجيل لعدة قرون بعد مصادرته, وحرمة قراءته, ووجدت منه بعض النسخ في مكتبة البابا, يقول شيخنا الزنداني (١): "لكن مكتبة البابا كانت تحتوي على هذا الكتاب, وشاء الله أن يظهر هذا الإنجيل على يد راهب (٢) لاتيني اسمه "فرامرينو" الذي عثر على رسائل "الإبريانوس" وفيها ذكر إنجيل برنابا يستشهد به، فدفعه حب الاستطلاع إلى البحث عن إنجيل برنابا, وتوصل إلى مبتغاه عندما صار أحد المقربين إلى البابا سكتش الخامس" فوجد في هذا الإنجيل أنه سَيُزعم أن عيسى هو ابن الله, وسيبقى ذلك إلى أن يأتي محمد رسول الله فيصحح هذا الخطأ. يقول إنجيل برنابا في الباب (٢٢٠) وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله, وقد أسلم فرامرينو وعمل على نشر هذا الإنجيل الذي حاربته الكنيسة بين الناس" (٣).

стр. 225

وبعد ذلك وجدت نسخة أخرى" في عام (١٧٠٩ م) عثر عليها كريمر أحد مستشاري ملك روسيا وهي النسخة الوحيدة الموجودة اليوم من إنجيل برنابا, والتي استقرت عام (١٧٣٨ م) في البلاط الملكي في فيينا، وتقع في ٢٢٥ صحيفة سميكة مجلة (١) بصحيفتين ومكتوبة بالإيطالية. (٢). وهذه النسخة هي المتداولة في عصرنا الحديث, ولكنها قد حرفت بالنقصان والحذف, وكان هذا الإنجيل هو واحد من ضمن الأناجيل التي حذفها أهل الكتاب من كتبهم, وهذا هو ما حصل في مجمع نيقية قديماً عام: (٣٢٥ م) حينما حذفوا عشرات الأناجيل دون أي مبرر يذكر, كما قال في ذلك العالم الألماني تولستوي في مقدمة إنجيله الخاص الذي وضع فيه ما يعتقد صحته: " لا ندري السر في اختيار الكنيسة هذا العدد من الكتب وتفضيلها إياه على غيره، واعتباره مقدساً منزلاً دون سواه مع كون جميع الأشخاص الذين كتبوها في نظرها رجال قديسون ... ويا ليت الكنيسة عند اختيارها لتلك الكتب أوضحت للناس هذا التفضيل ... إن الكنيسة أخطأت خطأ لا يغتفر في اختيارها بعض الكتب ورفضها الأخرى واجتهادها .. , وقد أمرت الكنيسة بحرق جميع هذه الأناجيل لما فيها من مخالفات للعقيدة الكنسية، وصدر قرار من الإمبراطور بقتل كل من عنده نسخة من هذه الكتب (٣).

стр. 226

المطلب الخامس: أمثلة على التحريف بالإخفاء والكتمان قديماً: وأما التحريف بالإخفاء فقد حصل من أهل الكتاب قديماً مع رسلهم, وحصل منهم ذلك الإخفاء مع رسول الله ﷺ , وقد بيَّن الله ذلك لرسوله ﷺ , فكشف له بعضاً مما أخفوه من الآيات, وبيَّن لهم بعضاً من تلك الأحكام وغيره؛ حتى يكون الناس على بينة من أمرهم, قال تعالى: ﴿ ... إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (٢). ولقد بيَّن سيد قطب ﵀ أن مهمة رسول الله ﷺ ودوره مع أهل الكتاب أن يبين لهم ويكشف ما تواطئوا على إخفائه من حقائق كتاب الله الذي أنزله عليهم, سواء في ذلك اليهود والنصارى, فكل فريق قد أخفى شيئاً مما شرعه الله, فقد أخفى النصارى الأساس الأول للدين وهو التوحيد, وأخفى اليهود كثيراً من أحكام الشريعة؛ كرجم الزاني، وتحريم الربا كافة, كما أخفوا جميعاً خبر بعثة النبي الأمي الذي قال تعالى فيها: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (٣) (٤). وقد جاء في حديث ابن عمر ﵄ قال: ﴿أتي النبي ﷺ برجل وامرأة من اليهود قد زنيا فقال لليهود: ما تصنعون بهما. قالوا: نسخم (٥) وجوههما ونخزيهما (٦). قال: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٧).

стр. 227

فجاءوا فقالوا لرجل ممن يرضون أعور اقرأ: فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه. قال: ارفع يدك. فرفع يده فإذا فيه آية الرجم تلوح. فقال: يا محمد إن عليهما الرجم ولكنا نتكاتمه بيننا. فأمر بهما فرجما فرأيته يجانئ عليها الحجارة﴾ (١). فهذا الحديث يبن لنا مدى الإخفاء والكتمان الذي قام به اليهود مع رسول الله ﷺ لنص الرجم الوارد في كتبهم, وحينما وضع الرجل يده فوق الحكم الوارد لإخفائه, وإتيانهم بالرجل الأعور يقرأ التوراة؛ ليتمكنوا من مغالطة رسول الله ﷺ كما يغالطوا عامتهم, ولكن الله كشفهم على يد نبيه محمد ﷺ . وأما المقصود من طلب رسول الله منهم أن يأتوا بالتوراة فقد قال فيه الطبري ﵀: "فأتوا بالتوراة فاتلوها حتى ننظر هل ذلك فيها أم لا؛ ليتبين كذبهم لمن يجهل أمرهم" (٢) , فلم يستطيعوا الإتيان بالتوراة الحق التي أنزلها الله على رسوله موسى ﵇؛ لأنهم قد حرفوها وبدلوها. وهناك تحريف آخر بالكتمان, وهذا التحريف حصل من اليهود خاصة, وذلك بكتمانهم وإخفائهم لبعض الأسفار المقدسة عندهم من كتب العهد القديم والجديد مع أن أكثر المسيحيين لا يعترفون بها ولا يقدسونها, وهذه الأسفار يسمونها بالأسفار الخفية, وقد تكلم عن هذا الدكتور علي عبد الواحد وافي المتخصص في دراسة الدين اليهودي بقوله: " وبجانب الأسفار التي يتألف منها العهد القديم في نظر اليهود, توجد أسفار يهودية قديمة أخرى لم يدخلها اليهود في أسفار هذا العهد _القديم_ ويطلقون عليها اسم "الأسفار الخفية", ومن الأسفار الخفية عند اليهود الأسفار التي تزيد بها الترجمة السبعينية (٣) عن الأصل العبري؛ وبعض الأسفار الخفية غير مقدس ولا معتمد في نظر

стр. 228

اليهود, بينما بعضها الآخر مقدس أي: معترف بأنه موحى به, ومعتمد في نظرهم, ولكن رأى أحبارهم وجوب إخفائه, وقرروا أنه لا يجوز أن يقف عليه الجمهور في صدد اليهود." (١). وهكذا تبين مما سبق أن البروتستانت لا تعترف بهذه الأسفار الخفية تماماً, "وكذلك فرقة السامرية كانت لا تؤمن إلا بسبعة أسفار من العهد القديم, وتنكر ما عدا ذلك" (٢) أي: من بين تسعة وثلاثين سفر, وبعكس الكنيسة الكاثوليكية, مما يؤكد اعتراف الكثير من أهل الكتاب أن النسخ الموجودة معهم محرفة, وأنها تختلف من فرقة لأخرى بالزيادة والنقصان والإخفاء.

стр. 229

المبحث الثالث: أمثلة على تحريفات أهل الكتاب حديثاً , وفيه: المطلب الأول: خطط التحريف حديثاً. المطلب الثاني: أمثلة على التحريف بالتبديل حديثاً. المطلب الثالث: أمثلة على التحريف بالتأويلات الباطلة حديثاً. المطلب الرابع: أمثلة على التحريف بالإخفاء والكتمان حديثاً. المطلب الخامس: أمثلة على التحريف بالزيادة حديثاً.

стр. 230

إذا كان التحريف لكلام الله من قبل اليهود والنصارى قد حصل منهم قديماً, دون حياء ولا خوف من خالقهم ومع قرب عهدهم برسل ربهم فإنهم من باب أولى سيمارسون التحريف لكلام الله في عصرنا الحديث, وسيمارسونه كذلك مع جميع البشر, وذلك بحسب أهوائهم, ولأغراض تخدم مصالحهم السياسية وغيرها, وهذا ما حصل منهم. فخيانتهم في التحريف مستمرة عبر الزمن, أما في عصرنا الحديث فإنهم يمارسون التحريف بجميع أشكاله وأنواعه, ومعلوم أن النصارى كانوا مطلع القرن العشرين لا يزالون في عداء شديد مع اليهود بسبب قتلهم السيد المسيح كما يزعمون, وكان النصارى يقولون: إنه لا يمكن أن يساعدوا اليهود أو يقفوا بجانبهم, وقد قال البابا بيوس العاشر سنة (١٩٠٣ م) لهرتزل اليهودي عندما طلب منه مساعدة اليهود قال له: إن اليهودية أساس ديننا, غير أن اليهودية قد حلت محلها المسيحية, ولهذا السبب لا يمكننا اليوم أن نساعد اليهود أكثر مما منحناهم من قبل, لقد كان المنتظر أن يكون اليهود أول المستجيبين لدعوة المسيح, بيد أنهم لم يفعلوا هذا حتى اليوم حتى جاءت أواخر القرن العشرين فأجمع اليهود والنصارى على التحريف, وأما قادة الديانة النصرانية فقد بدلوا سياستهم إزاء اليهود لسبب أو لآخر, وأول من تحرك في الاتجاه المضاد البابا بيوس الثاني عشر الذي كان رئيس الكنيسة الكاثوليكية أيام النازيين, فلنقرأ ما يحدث اليوم من البابا يوحنا بول الثاني, تاركين للدنيا كلها أن توازن وتتأمل ما قالته الصحف الفرنسية وفي مقدمتها صحيفتا التحرير والصباح بتاريخ: (١٤ من إبريل ١٩٨٦) تقول: أمس ذهب البابا إلى كنيس روما الكبير في أول تقارب تاريخي يضع حداً للعداء التقليدي بين اليهودية والكثلكة, ومن الكلمات التي خاطب بها البابا حاخامات اليهود: إن العلاقات التي تربطنا بكم لا تربطنا بأي دين آخر! ! أنتم إخواننا المفضلون! ! أو بتعبير آخر نستطيع أن نقول: أنتم إخواننا الكبار! ! (١). المطلب الأول: خطط التحريف حديثاً: وقبل أن نقوم بذكر الأمثلة على تحريفهم لكتب الله في العصر الحديث, نقوم بذكر الخطة الماكرة التي قام بها أهل الكتاب لتحريف ما بقي في كتبهم, وهذه الخطة شملت جميع أنواع التحريف.

стр. 231

وقد تكلم اللواء أحمد الوهاب (١) أحد الباحثين المعاصرين, والمتخصصين بدراسة هذا المجال, والذي بين كيف قام اليهود بإقناع المسيحيين بالتحريف فصدقوهم في تبرئة اليهود من دم السيد المسيح, وكانت هذه التبرئة هي جواز المرور لليهود حتى تمكنوا من إكمال التحريف في العهد الجديد, فقاموا بتحريف النسخة الإسرائيلية المحرفة أصلاً, وكان ذلك يوضح الخطة العامة لتحريف أسفار العهد الجديد والتي سارت على النحو التالي: الخطة الأولى: "محو كلمة "اليهود" من أسفار العهد الجديد, وهي الكلمة التي تكرر ذكرها (١٥٩) مرة, ثم تم استبدالها بكلمات مختلفة تساعد على إبعاد المسؤولية التي تكون قد علقت باليهود من جراء قول أو فعل نسبته إليهم تلك الأسفار. لذلك نجد كلمة " اليهود" قد محيت واستبدلت بكلمات أخرى مثل: مواطني ولاية اليهودية وفيهم اليهود وغير اليهود وهؤلاء قد أطلق عليهم" أهل اليهودية". كذلك استبدلت كلمة " اليهود" بكلمة: " الرعاع" أو " المنعزلين" أو " العامة" بل إن هذه الكلمة استبدلت أحياناً بكلمة " الوثنيين" (٢) (٣). الخطة الثانية: محو ما يتعلق بالشعب اليهودي باعتباره جماعة دينية ترتبط بـ (الناموس) و"المجمع", ويقوم على رأسها "الشيوخ" و"رؤساء الكهنة", وتعرف بينها طوائف "الفريسيين" وجماعة "اللآويين" ففي النسخة الإسرائيلية المحرفة نجد "الناموس" قد استبدل بـ"الكتاب المقدس" واستبدل "المجمع بالمحكمة, و"الشيوخ بالمشرعين", و"رؤساء الكهنة بالقسس أو الكهنة", و"الفريسيين بالمنعزلين" و"اللآويين بالمساعدين",

стр. 232

كذلك استبدل "مشيخة الشعب (اليهودي). بمثيري الرعاع" والجمع أو الجميع أو الجموع (من اليهود) بالغوغاء أو الرعاع", واستبدل "خدام اليهود بالخدام" فقط مع إسقاط كلمة "اليهود" (١). الخطة الثالثة: التخلص من كلمة "الصليب" وما يشتق منها, وذلك بتحريفها إلى كلمات أخرى قد تقترب منها في المعنى وقد لا تقترب على الإطلاق, مثل استبدال كلمة: " اصلبه, صلبه, بكلمة خذه أو أبعده, أو انفه, أو اشنقه " (٢). الخطة الرابعة: تجنب كلمة "القتل" وما يشتق عنها, وذلك باستبدالها بكلمات أقل منها حدة, فقد استبدلت: كلمة: " يقتل" بكلمة" يدين, أو ينفى, أو يأخذ أو يضايق, أو ينكر, أو يقاوم" (٣) (٤). الخطة الخامسة: محو الفقرات التي تلقي مسؤولية دم يسوع على اليهود وأولادهم من بعدهم, واستبدالها بفقرات أخرى تُحمِّل المصلوب وزر دمه المراق (٥) (٦). الخطة السادسة: تحميل الرومان مسؤولية حادثة الصلب بعد تخليص اليهود منه, وذلك بتحريف الفقرات التي تلقي تلك المسؤولية على اليهود أو على الشعب اليهودي، وإلصاقها بالحاكم الروماني بيلاطس, رغم ما تقرره أسفار العهد الجديد بوضوح لا يحتمل اللبس من أن بيلاطس أراد إنقاذ يسوع وإطلاق

стр. 233

سراحه هدية من السلطة الرومانية الحاكمة للشعب اليهودي في عيده, فلم يفلح حتى اضطر إلى أن " أخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع قائلاً: إني بريء من دم هذا البار" (١). الخطة السابعة: تحريف الفقرات التي خاطب بها تلاميذ المسيح اليهود مباشرة وأدانوهم فيها على مواقفهم الإجرامية من المسيح, وذلك بتحويلها من صيغة ضمير المخاطب الحاضر إلى صيغة ضمير الغائب, فاستبدل " أنتم" بالضمير " هم" حتى تضيع المسؤولية في تحديد من هم ... " (٢). خلاصة خطط التحريف حديثاً: فتبين من خلال ما سبق أن خطط التحريف التي يقوم بها اليهود والنصارى قديماً يمارسها اليهود والنصارى حديثاً, وذلك يؤكد لنا استمرارهم في العبث بما تركه أسلافهم مما لم يحرفوه, وأنهم أكملوا طمس ما تبقى من نور الوحي إن وجد؛ فعمهم الظلام, وليتبين للقارئ الكريم في عصرنا الحديث أن أهل الكتاب ليسوا على شيء من الهدى والنور الذي جاءت به رسل الله, وأن كتبهم لا يعتمد عليها, وأن الواجب على أهل الكتاب أن يؤمنوا بالقرآن الكريم ويعملوا بما فيه, قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٣). وينبغي لأهل الإسلام أن يكونوا على حذر تام في أي تعامل أو أي تعاون معهم؛ لأنهم في سبيل الوصول لأغراضهم فلن يحترموا عهداً ولا ميثاق ولا كتاب سماوي وخاصة اليهود لأنهم سيحرفون وينقضون ما سيكون بينهم وبين غيرهم من المواثيق بحسب ما تريد أهواؤهم, وطلباً لمصالحهم, واستمراراً في مكرهم وخيانتهم, قال تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤). وأما الخيانة المذكورة في هذه الآية فالمقصود بها كما ذكر سيد قطب ﵀ أنها: "الفعلة الخائنة، والنية الخائنة، والكلمة الخائنة، والنظرة الخائنة ... يجملها النص بحذف الموصوف وإثبات الصفة

стр. 234

(خائنة) لتبقى الخيانة وحدها مجردة، تملأ الجو، وتلقي ظلالها وحدها على القوم, فهذا هو جوهر جبلتهم، وهذا هو جوهر موقفهم، مع الرسول محمد ومع الجماعة المسلمة" (١). وهذه الخيانة ستستمر في كل زمانٍ ومكان, ولذا فكلامنا في تحريف أهل الكتاب حديثاً سنجمله في هذا المبحث من خلال المطالب التالية: المطلب الثاني: أمثلة على التحريف بالتبديل حديثاً . إن من التبديل الذي قام به أهل الكتاب في كتبهم حديثاً هو استخدامهم لكلمة (هي) بدلاً عن كلمة (هو) في صفات الرسول الذي سيرسله الله إلى البشر بعد عيسى ﵇؛ وذلك لتدل كلمة (هي) على أن الذي أوحي إليه أنثى وليس ذكراً, وتأولوها بتأويلات فاسدة مفادها أنه يقصد بها شبح, أو طيف, أو روح, وقد ذكر هذا التبديل الأستاذ أحمد ديدات ﵀ فيما يلي: أولاً: "جاء في إنجيل يوحنا (١٦: ١٣): " (وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم [هو] بأمور آتية). _فهنا يوجد تحريفان في هذه الجملة فالأول أن الضمائر المذكرة غيرَّوها إلى ضمائر مؤنثة في النسخة الأردية من الإنجيل فالضمير (هو) استبدل بـ (هي)؛ حتى لا يستطيع المسلمون الإدعاء بأن الآية تشير إلى محمد ﷺ , ثم يقول ديدات: هذا التحوير المسيحي رأيته بنفسي في النسخة الأردية من الإنجيل, وهو خداع معتاد من المبشرين خاصة في اللغات الإقليمية. الثاني: أما التحريف الثاني فهو: حيلة عثرت عليها في الإنجيل باللغة الإفريقية في النص السابق موضوع البحث, فقد غيروا كلمة معزي [مساعد comforter] إلى كلمة: وسيط [Mediator], وأقحموا فيها جملة الروح القدس, وهي التي لم يجرؤ أي دارس إنجيلي على إقحامها إلى النسخ

стр. 235

الإنجليزية المتعددة, ولا حتى جماعة شهود يهوا, وشهود يهوا (١): جماعة مسيحية لها طريقها الخاص في ترجمة الإنجيل (٢) " (٣). وهناك أيضاً عددٌ كبير من التحريفات لأهل الكتاب, وخاصةً فيما يتعلق برسالة نبي الله محمد ﷺ , أو بصفاته وتبديلها حتى لا تدل عليه, وكذلك فيما يتعلق بالعنصرية اليهودية التي تدعي أن فضل الله ورحمته مقصوراً على بني إسرائيل, وأنه ليس للعرب وغيرهم منها شيء, فأنكروا نبوة محمد ﷺ وحرفوها, وأخفوا وكتموا كل ما يدل عليها, وقد عملوا ذلك مع عيسى ﵇ فكذبوه وحاربوه وأرادوا قتله حينما شعروا أن الله سيأخذ الرسالة منهم؛ لأنهم شعروا أن عيسى ليس له والد من بني إسرائيل وأن نسبه منقطع عنهم. الثالث: ومن ذلك التبديل والتحريف في نسخ الكتاب المقدس ما فعله القسس العرب حيث حرفوا في النسخة العربية بخلاف الطبعات الإنجليزية كلمة: (الكتابة) بدل (القراءة) حتى لا تدل على أنه محمد رسول الله. فقد جاء في سفر أشعيا: الإصحاح (٢٩ الفقرة ١٢): (ويدفع الكتاب للأمي ويقال له: اقرأ هذا أرجوك فيقول: أنا أمي) أي: لست بقارئ, وهذه ترجمة للنص الذي ورد في نسخة الملك جيمس للكتاب المقدس المعتمدة عند النصارى, وهي أوثق النسخ للتوراة والإنجيل عندهم, وفي النسخة

стр. 236

المسماة (Bible Good News), وهذه النصوص العربية كلها مقتبسة من"الكتاب المقدس, الناشر: دار الكتاب المقدس, الشرق الأوسط ورد ما ترجمته كالآتي: (إذا تعطيه إلى شخص لا يستطيع القراءة, وتطلب إليه أن يقرأه عليك, سيجيب بأنه لا يعرف كيف) وعندما نجد هذا النص الواضح في الطبعات الإنجليزية نرى أن القسس العرب قد حرفوا هذا النص في نسخته العربية فجعلوا العبارة كالآتي: (أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة ويقال له: اقرأ هذا فيقول: لا أعرف الكتابة) (١). وقد قاموا بهذا التحريف خشية منهم أن تتطابق هذه الأوصاف مع ما جاء في الحديث المشهور عن عائشة ﵂ (٢) , وهي تتحدث عن النبي ﷺ حينما جاءه الوحي, وهو في غار حراء, فقالت: ﴿فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ, فقال النبي ﷺ : ما أنا بقارئ﴾ (٣). وقد وقع في مرسل عبيد بن عمير عند ابن إسحاق أن النبي ﷺ قال: ﴿أتاني جبريل بنمط من ديباج فيه كتاب قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ﴾ " (٤). وكم من الزمن قد مر بعد عيسى ﵇، وما نزل وحي على نبي أمي إلا على النبي الأمي محمد ﷺ الذي يجدون أميته مكتوبةً عندهم حتى يومنا هذا" (٥). الرابع: ومن ذلك التحريف أيضاً تبديلهم كلمة: (من وسط إخوتهم) إلى (من بين قومهم) " فقد جاء في التوراة في سفر التثنية ١٨: ١٧١٨ على لسان موسى ﵇: " قال لي الرب: قد أحسنوا فيما تكلموا. أقيم لهم نبياً من وسط أخوتهم مثلك, وأجعل كلامي في فمه (٦) , والمقصود

стр. 237

بإخوتهم: أبناء إسماعيل ﵇؛ لأنه أخو إسحاق ﵇ الذي ينسب إليه بنو إسرائيل، حيث وهما ابنا إبراهيم الخليل ﵇، ومحمد ﷺ من ذرية إسماعيل, ولو كانت البشارة تخص أحداً من بني إسرائيل لقالت: (منهم) قال الشيخ الزنداني: لقد تنبه المحرفون لهذا فبدلوا العبارة التي تعني "من وسط إخوتهم" في النسخة الإنجليزية الحديثة Good News Bible إلى عبارة تعني "من بين قومهم" (from among their own people). فمحمد ﷺ هو من وسط إخوتهم، وهو نبي ورسول مثل موسى ﵇ , وصاحب شريعة جديدة، وحارب المشركين, وتزوج, وكان راعي غنم، ولا تنطبق هذه البشارة على يوشع كما يزعم اليهود؛ لأن يوشع لم يوح إليه بكتاب، كما جاء في سفر التثنية: ١٠: ٣٤"ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى" (١) , أي: من بني إسرائيل, وكما أن البشارة لا تنطبق على عيسى ﵇ كما يزعم النصارى، إذ لم يكن مثل موسى ﵇ من وجوه، فقد ولد من غير أب وتكلم في المهد, ولم تكن له شريعة كما لموسى ﵇، ولم يمت بل رفعه الله تعالى إليه" (٢). وهذا التحريف الذي قاموا به أرادوا به أن لا تدل هذه العبارات على أن المقصود بها محمد ﷺ , لتطابق أوصافه مع ما جاء فيها قبل التحريف. الخامس: ومن أشهر التحريف الذي حصل في عصرنا الحديث هو وثيقة تبرئة النصارى لليهود من دم المسيح, فقد جاء في النسخة المعتمدة للكتاب المقدس إنجيل متَّى ٢٦: ٣٤ "ما نصه: "حينئذ اجتمع رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب إلى دار رئيس الكهنة الذي يدعى قيافا, وتشاوروا لكي يمسكوا يسوع بمكر ويقتلوه" (٣) , ولكن النسخة الإسرائيلية تحاول التخفيف من هدف المؤمراة على المسيح, فتحرف كلمة (القتل) إلى (النفي) أو (الإبعاد) , ولذلك نقرأ فيها الفقرة السابقة هكذا: " ... وتشاوروا لكي يمسكوا يسوع بمكر وينفوه" (٤). وتقول النسخة المعتمدة: إنجيل متى ١: ٢٧" ولما كان الصباح تشاور جميع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على يسوع حتى يقتلوه" (٥).

стр. 238

وتقول النسخة الإسرائيلية المحرفة ما نصه: "تشاور جميع الكهنة والمتشرعون على يسوع لكي يدينوه" (١). والذي تبين من الأمثلة السابقة أن التحريف بالتبديل لكتبهم قد مارسوه حديثاً لفظاً ومعنى, وفي جميع كتبهم بلغاته العربية أو الهندية أو الأفريقية أو الأوربية أو الأوردية, وكل ذلك التحريف؛ لإنكار النبوئة والبشارة بالنبي محمد ﷺ المذكورة في كتبهم, ولتبرئة اليهود من الجرائم التي مارسوها بحق عيسى ﵇ , واستبدال النسخ القديمة للعهدين القديم والجديد بالنسخة الإسرائيلية المحرفة. المطلب الثالث: التحريف بالتأويلات الفاسدة حديثاً: توجد في عصرنا الحديث الكثير من الفرق اليهودية والنصرانية التي تقوم بالتأويل الفاسد لما تبقى من النصوص التي تأمر بالأعمال الدينية, والالتزامات الواردة في العهد القديم, فعلى سبيل المثال هناك فرقة اليهودية الأرثوذوكسية, وهي الفرقة المشهورة في هذه الأيام والحاكمة لدولة إسرائيل, وتقوم بأبشع التفسيرات لكتابهم المقدس؛ خاصةً في أمور العقيدة حتى توافق سياستهم القائمة على التأويلات الفاسدة التي تدعوا الناس إلى العنصرية, والمتنقصة للبشر على وجه العموم. وهذه التأويلات نجد فيها اختلافاً مع منهج النصارى الذين يقرءون العهد القديم, والذين يرون التمسك ظاهر النصوص وحرفيتها, ويوجد نفس الاختلاف عند المتعلمين في إسرائيل نفسها بين المدارس الدينية اليهودية, وبين المتعلمين في المدارس العلمانية العبرية الذين يؤمنون بظاهر النصوص للعهد القديم, ومن الأمثلة على ذلك ما يلي: الأول: الوصايا العشر التي وردت في العهد القديم سفر الخروج: ٢١: ٢٤ " وعينا بعين, وسناً بسن" (٢) فتأولوها بمعنى: "عين مال مقابل عين" أي: دفع غرامة بدلاً من التعرض للعقاب البدني, وهذا التحريف بالتأويل جعلهم يشرعون للقوي أن يقتل الضعيف ويدفع غرامة مالية للضعيف, ولا

стр. 239

يتعرض القوي للعقوبة ولا لشيء يردعه, ويشرعون لقتل كل من يُفرَّط بشبر من الأرض الموعودة كما تتأول ذلك الصهيونية السياسية, وتأمر بقتل كل فلسطيني لم يخرج من الأرض الموعودة (١). الثاني: "جارك" أو"القريب" أو حتى "الإنسان" بالمعنى الشوفيني الحصري (٢) , تعني: اليهود فقط؛ وذلك في كل موضع يمكن توظيف النص فيه لصالح العنصرية اليهودية؛ ولذا فالعبارة الشهيرة في العهد القديم سفر اللاوين: ١٨: ١٩ "بل تحب قريبك كنفسك" (٣). تفسر في اليهودية الكلاسيكية (واليهودية الأرثوذوكسية حالياً) كأمر بأن يحب اليهودي قريبه اليهودي, وليس أي جار آخر غير يهودي. الثالث: عبارة "لا تهمل دم جارك", يفترض أنها تعني ألا يقف الإنسان (اليهودي) غير مبالٍ عندما تتعرض حياة (دم) جاره اليهودي وغير اليهودي للخطر؛ لكننا نلاحظ في التعاليم اليهودية منع اليهودي عموماً من إنقاذ حياة غير اليهودي؛ لأنه ليس قريباً له (٤). الرابع: جاء في العهد القديم سفر اللاوين: (١٠: ١٩) " وكرمك لا تعلله, ونثار كرمك لا تلتقط للمسكين والغريب تتركه أنا الرب إلهكم " (٥) , فإنها تفسر كإشارة إلى الفقير اليهودي, ومعتنقي الديانة اليهودية فقط. وهذه الأمثلة تؤكد أن اليهود الأرثوذكس الآن (بل كل اليهود ما قبل عام (١٧٨٠ م) عندما كانوا يقرؤون التوراة فإنهم يقرؤون في الواقع كتاباً مختلفاً, بمعانٍ تختلف تماماً عن التوراة التي يقرؤها غير

стр. 240

اليهود, أو اليهود غير الأرثوذكس, ويصدق هذا التمييز حتى في إسرائيل, رغم أن كليهما يقرأ النص بالعبرية (١). خلاصة: ويتضح مما سبق أن كل هذه التحريفات قائمة على التأويلات الفاسدة التي لا تستند إلى دليل, وخاصةً فيما يتعلق بعنصرية اليهود وتعاليهم على غيرهم في الأرض, وإنما هي مما تمليه عليهم أهواؤهم, وإلا فأي شرع يأمر أبناءه أن يقتلوا كل من لم يكن من أسرتهم أو قبيلتهم غير هؤلاء المحرفين؟ الذين يأمرون بعدم حب الجار إلا بشرط أن يكون يهودياً؟ أما غيره فلا تحبه ولا تناصره حتى ولو جارك في السكن والبلدة؟ ويدعون أبناء جنسهم أيضاً إلى مساعدة اليهودي وإنقاذه في أي مكان في الأرض, ولكنهم يتركون غيرهم يموت ولا يقومون بإنقاذه؛ لأنه ليس منهم, وغير ذلك مما يدل على قسوة القلوب اليهودية في كل زمانٍ ومكان, وأنهم أمة متشربة للحقد والكراهية, وهذا هو ما يحصل للمسلمين في أرض فلسطين وغيرها حديثاً, فقد أخرجهم اليهود الغاصبون من أرضهم وديارهم, وتركوهم يموتون في الشتات, وأصبح الشعب الفلسطيني شعباً جائعاً وبجواره ذئاب بشرية مُتخمة, فأي دين يأمر أبناءه أن يقوموا بمثل هذه الأعمال البشعة التي يبنونها على التأويلات الفاسدة؟ وفي المقابل: فإذا قُتل يهودي من أبناء جنسهم أقاموا الدنيا ولم يقعدوها, بل يقوم معهم أغلب النصارى, ولكن إذا قتل شخص آخر من أي ديانة أخرى فلا تسمع لهم صوتاً؛ اعتقاداً منهم أن الدم اليهودي أغلى من كل دم ولو قتل بجانبه كل من في الأرض, وذلك باستنادهم إلى معتقداتهم المحرفة, وصدق الله القائل: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢).

стр. 241

المطلب الرابع: أمثلة على التحريف بالإخفاء والكتمان حديثاً . استمرت كتب النصارى تتحدث عن مسألة دم السيد المسيح لحقبة طويلة من الزمن, وتتحدث عن قتل اليهود لعيسى ﵇ كما يزعمون, وكان النصارى يصبون جام غضبهم ولعناتهم على اليهود بعد صلواتهم بسبب قتلهم السيد المسيح, بل كانت هذه اللعنات تعد من الأذكار التي تردد بعد الصلوات, ولكن اليهود في القرون الأخيرة أقنعوا قيادات النصارى أنهم بريئون من دم السيد المسيح, فصدقهم في ذلك الكثير من النصارى, واستخرجوا منهم وثيقة في مؤتمر الفاتيكان الثاني في المجمع المسكوني وأطلقوا عليها وثيقة التبرئة, وهذا يعد أكبر حدث في هذا القرن, وحصل فيه التحريف لما تبقى عندهم من الكتب, وفق ما تم الاتفاق عليه في نصوص هذه الوثيقة, ولا يتعارض معها. يقول الباحث محمد أحمد الحاج: "جرت في السنين الأخيرة، محاولات كثيرة لتحريف الكتاب المقدس، وكان أهمها مستوحى من الحركة الصهيونية، التي ما فتئت تعمل سراً وعلانية على هدم المسيحية وسائر الأديان الأخرى ... ومن ذو أعوام عُقد في مدينة (سيليربرنج) في سويسرا مؤتمراً اشترك فيه بعض رجال البدع المسيحية الجديدة المتطرفة مع فريق من ممثلي الهيئات الدينية اليهودية, وقرروا مكافحة أعداء اليهود في العالم المسيحي، وحذف الآيات والفصول الواردة في الأناجيل, بنوع أخص التي تصف اعتداء اليهود على السيد المسيح وصلبه, لكي لا يطلّع الناشئة في الأجيال القادمة على قصة العدوان اليهودي على المسيح والمسيحية، وقرروا طبع الكتاب المقدس المعدَّل وفق قرار المؤتمر" (١). وأما التحريف الذي حصل بعد وثيقة التبرئة من قبل اليهود فقد تحدث عنه اللواء أحمد عبد الوهاب المتخصص في دراسة الأديان بأنهم قاموا بإعادة صياغة الأناجيل والرسائل المقدسة لتتوافق مع الوثيقة, وبعد خروج الوثيقة فوراً أصدر اليهود طبعة محرفة لأسفار العهد الجديد عن (دار النشر اليهودية بالقدس سنة (١٩٧٠ م)، وقامت بتوزيعها باللغة الانجليزية وكالة (ريد) في لندن التي تعتمد عليها هذه الدراسة, وكان الهدف من هذا التحريف في الوثيقة, هو إبعاد المسؤولية عن اليهود حول صلب السيد المسيح، وإلقاء الشبهة على رعاع ذلك الشعب، والطبقة الدنيا منهم كما أن ثورة أولئك الرعاع ضد المسيح لم تكن تبغي صلبه, وإنما كانت تطالب بإبعاده والتخلص منه بصورة أو بأخرى,

стр. 242

وحقاً لقد كانت وثيقة التبرئة هي جواز المرور للحركة الصهيونية حتى تنفذ إلى قلب المسيحية, وتعبث بمقدساتها كيفما شاءت " (١). ثم تبعها بعد ذلك حذف وإخفاء ما يتعلق بالسيد المسيح من صعوده إلى السماء أو ارتفاعه مما يحتم على النصارى في عصرنا الحديث أن يتنبهوا لما يحصل في كتبهم من التحريف والتغيير والتبديل في مسألة قتل المسيح وصعوده إلى السماء حينما أراد اليهود قتله؛ لأنه أصبح تأريخاً لهم, مع أننا معاشر المسلمين لا نقول بقتل السيد المسيح بل نؤمن أن الله رفعه إلى السماء, وعلى النصارى أن يراجعوا أنفسهم ويحذروا من التلبيس الذي يقوم به اليهود تجاههم في القرون الأخيرة من إقناعهم بتنفيذ مخططاتهم, وتجنيدهم ضد المسلمين. ومن الأمثلة على أخطر التحريفات في عصرنا الحديث التحريف اليهودي في النصوص المنقحة وكتمانها وإخفائها ما قاله الأستاذ أحمد ديدات ﵀: الأول: "يوجد إشارتان فقط في بشارات متى ومرقس ولوقا ويوحنا القانونية لأهم حدث في التاريخ النصراني: (صعود المسيح إلى السماء) , وهاتان الإشارتان كانتا موجودتين في كل كتاب مقدس في كل لغة قبل عام (١٩٥٢ م) عند طبع النصوص المنقحة لأول مرة: فمن هذه النصوص مثلاً ما جاء في إنجيل مرقس: ١٦: ١٩ "ثم إن الرب بعدما كلمهم ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين الله" (٢). وأيضاً ما جاء في إنجيل لوقا: ٢٤: ٥١" وفيما هو يباركهم انفرد عنهم وأُصعد إلى السماء" (٣). ثم يقول ديدات ﵀: أنه حصل نقص وحذف لبعض الجمل والكلمات, وإذا استطعت الحصول على النصوص المنقحة, طبعة (١٩٥٢ م) فستجد أن السطور الثمانية الموجودة فيها جملة (وصعد إلى السماء) قد استبدلت بإشارة (a), وأي نصراني مستقيم لا يمكن أن يعتبر أي هامش في كتابه المقدس من كلام الله, فلماذا يضع خدم النصرانية أعظم معجزة في دينهم في هامش متواضع؟ ثم يقول: إن كل النصوص المقدسة المطبوعة قبل عام (١٨٨١ م) كانت تعتمد على المخطوطات القديمة, والتي ترجع إلى خمسمائة أو ستمائة سنة بعد عيسى ﵇ , ومراجعوا النصوص المنقحة كانوا أول علماء رجعوا إلى "أقدم" المخطوطات والتي ترجع إلى ثلاث أو أربعمائة سنة بعد المسيح, ونحن جميعاً نتفق على أنه

стр. 243

كلما كانت الوثيقة أقرب إلى المصدر كلما كانت أكثر صحة, وبالطبع"فالأقدم" تستحق التصديق والاعتماد أكثر من الاعتماد على "القديمة", وعندما لم يجد المراجعون كلمة واحدة عن: "ارتفع" أو "صعد" إلى السماء, قاموا بتطهير النصوص من هذه الكلمات عام (١٩٥٢ م) , واسمع إلى قول مراجعي النسخة المنقحة ماذا يقولون عنها: إن كل المخطوطات الأصلية قد هلكت, ولذلك اضطروا للرجوع إلى المخطوطات القديمة والأقدم" (١). فلما علم المراجعون للكتاب المقدس بحذف هذه المسألة من كتبهم, وتأكدوا من الزيف الذي حصل بدءوا يضجون على من حذفها, ولكن بعدما تم بيعها في الأسواق وربح الذين قاموا بطباعتها الملايين من الدولارات, وأيضاً بدأ الانتقاد بشدة من الذين كانوا يقومون بتجهيز الحملات التنصيرية في العالم حينما رأوا بأعينهم النصوص قد تم حذفها من الطبعات المتأخرة للكتاب المقدس, قال الأستاذ أحمد ديدات: " كان ناشرو الكتاب المقدس قد كسبوا ما يقارب (١٥٠٠٠٠٠٠) (خمسة عشر مليون دولاراً) , وعندما اكتشف بعض المبشرين غياب هذه الأجزاء من طبعة (١٩٥٢ م) قلبوا الدنيا ولم يقعدوها إلى أن استطاعوا إقناع طائفتين من الخمسين طائفة بالضغط على دار النشر لإعادة تلك الأجزاء إلى (كلام الله) مرة أخرى، ولذلك ستجد أن كل الطبعات التي نشرت بعد طبعة: (١٩٥٢ م) قد أعيد إليها ما أزيل من النص. ثم علق ديدات على حذف هذه النصوص وإعادتها بأنها تشبه اللعبة, يحذفونها متى شاءوا ويعيدونها متى شاءوا, وأن الفرق بين محرفي هذا العصر والمحرفين القدامى أن القدامى لم يعرفوا فن المقدمات والهوامش وإلا لأخبرونا أيضاً وبوضوح بما فعلوه مثلما يفعل أبطال العصر الحديث الذين يضعون الأعذار الواهية لتغييرهم النقود المزيفة إلى قطع ذهبية لامعة, لقد عُرضت أمام اللجنة طلبات عديدة قدمها اثنان من الأفراد وطائفتان دينيتان, وقد اهتمت اللجنة بهذه الطلبات, ولقد أعيد جزءان إلى النص الأصلي؛ لأنها كانت قد أزيلت من قبل! ولماذا أزيلت من الأصل؟ لأن" أقدم" المخطوطات لم يكن بها ذكر صعود المسيح إطلاقاً، فقد كان زيفاً مشابهاً لما نقرأه عن الثالوث المقدس في رسالة يوحنا

стр. 244

الأولى (٥: ٧٨) (١) والسؤال المطروح هنا هو: لماذا نتخلص من واحدة ونرجع الأخرى؟ لا تندهشوا! فربما تكون اللجنة قد قررت أن تتخلص من المقدمة كلها, حتى إذا اشتريت النصوص المنقحة _ (R.S.V)_ الآن لا تجدها فيها, فلقد فعلها قبلهم شهود يهوه" (٢) الذين قاموا بالتخلص من سبع وعشرين صفحة من مقدمة عهدهم الجديد" (٣). وكلمة: يهوه: يقصد بها الرب كما سبق بيانه. وهذه الأسئلة التي أثارها ديدات ﵀ جوابها في كتاب الله الذي تحدث عن وصفهم بالتحريف لكتب الله في خطابه لرسوله محمد ﷺ بقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤) وهم يمارسون أكبر خيانة في كل زمانٍ بتحريفهم للكلم عن مواضعه لنيل ثمن قليل من الدنيا الزائلة, قال تعالى: ﴿ ... فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٥). فحينما استحفظهم الله على كتبه التوراة والإنجيل خانوه فيها فحرفوها فاستبدل الله بهم قوماً آخرين حفظوا كتابه في صدورهم وسطورهم, وحافظوا على أحكامه وشرائعه. الثاني: وإن من تحريف أهل الكتاب في عصرنا الحديث ما حصل من التحريف بالحذف لإنجيل يوحنا, فقد جاء في النسخة المعتمدة في بداية أحداث الصلب ما جاء في إنجيل يوحنا ١٢: ١٨: "ثم إن الجند والقائد وخدام اليهود قبضوا على يسوع وأوثقوه" (٦).

стр. 245

ولكن هذه الجملة قام اليهود بتحريفها في النسخة الإسرائيلية وجعلها هكذا: "ثم إن الجند والقائد والخدام قبضوا على يسوع وأوثقوه" (١) فحذفوا كلمة خدام اليهود. الثالث: وهناك مجموعة من الجمل التي يدعون في كتبهم أنها من كلام السيد المسيح, ولا يوجد لها أثر في كتب أهل الكتاب في عصرنا الحديث, مما يدل على حذفها وإبعادها من كتبهم الموجودة بين أيدينا الآن, فمن ذلك ما جاء في إنجيل يوحنا ٧: ٣٨ " (من آمن بي تجري من بطنه أنهار ماء حي) (٢). ولا نجد هذه الجملة في أي كتاب من كتب اليهود والنصارى حديثاً, مما يعني أن المسيح كان يستشهد من كتاب في العهد القديم لا أثر له الآن, وأيضاً ما جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس ٢: ٩: " ما لم تر عين, ولم تسمع أذن, ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه) (٣) " (٤) , لا يوجد لها أي أثر اليوم في كتبهم. المطلب الخامس: أمثلة على التحريف بالزيادة حديثاً . وإن من أشنع التحريفات لأهل الكتاب في عصرنا الحديث هو تحريفهم بزيادة صيغة التثليث في كتبهم فمن الأمثلة على ذلك ما جاء في رسالة يوحنا الأولى ٧: ٥ (فان الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس (٥) وهؤلاء الثلاثة هم واحد). (يوحنا ٨: ٥) والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم في الواحد (٦).

стр. 246

فهذه النصوص قد تم تحريفها من قبل أهل الكتاب في عصرنا الحديث, وهي مختلفة من طبعة إلى أخرى, وقد جاءت هذه النصوص السابقة كما يلي: الأول: جاء في ترجمة الكتاب المقدس للبروتستانت (١٩٨٣ م) , (١٩٧٠ م) ونسخة الآباء اليسوعيين (١٩٨٦ م)، وفي رجارد واطس (١٨٣١ م) , وفي وليم واطس (١٨٦٦ م)، وفي نسخة الملك جيمس المعتمدة (صيغة التثليث) في رسالة يوحنا الأولى (٧: ٥) على النحو التالي: " فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد", وقد قامت نسخة البروتستانت ذات الشواهد بكشف هذا التحريف عام (١٩٨٣ م) وكتاب الحياة عام (١٩٨٨ م) بوضع (صيغة التثليث) بين هلالين: فإن الذين يشهدون (في السماء) هم ثلاثة (الآب والكلمة والروح القدس, وهؤلاء الثلاثة هم واحد, والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة) " الروح والماء والدم, والثلاثة هم في الواحد" (١). وقال المسئولون عن هاتين الترجمتين في المقدمة: والعبارة الأولى: (والهلالان يدلان على أن الكلمات التي بينهما ليس لها وجود في أقدم النسخ وأصحها) أي أن (صيغة التثليث) هذه فقرة مزيفة من عمل كاتب مجهول, واختفت (صيغة التثليث) من ترجمة الرهبانية اليسوعية (١٩٨٦ م)، والقياسية المراجعة والفرنسية المسكونية, ولوى سيجو, وقالت الرهبانية اليسوعية في الحاشية السفلى (في بعض الأصول: الأب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد. لم يرد ذلك في الأصول اليونانية المعوَّل عليها, والأرجح أنه شرح أدخل إلى المتن في بعض النسخ). وينصح الدكتور القس فهيم عزيز علماء التفسير والتبشير بالبعد عن النصوص الزائفة التي تثير المشاكل وتقلّب المواجع فيقول: وهناك نصوص يجب ألا نعتمد عليها كثيرا في بناء عقيدتا فمثلا: (يوحنا ٥: ٧) (الذين يشهدون في السماء ... ) فهذه الآية لا توجد في أقدم المخطوطات التي يعتمد عليها العلماء في طبع العهد الجديد اليوناني ونحن نستخدمها مرات كثيرة في إثبات التثليث المقدس, لذلك نعرض أنفسنا لهجمات الكثيرين وأخصهم (شهود يهوه) الذين ينكرون التثليث, وعندما يواجهنا هؤلاء بعقيدتهم تهتز عقيدتنا أو نزداد تزمتاً, فلماذا يضع المفسر نفسه في هذا الموقف؟ إن الأصح هو أن تبنى العقيدة على أحسن النصوص، حتى لا تكون هدفاً

стр. 247

للهجوم والتشكيك في صحة تفسيره) (١). الثاني: كتب إسحاق نيوتن رسالة تتكون من خمسين صفحة أثبت فيها أن الفقرة التي تتحدث عن شهود السماء الموجودة في يوحنا غير موجودة في النسخ القديمة," وكانت بعض الطبعات العربية القديمة قد وضعتها بين هلالين لتدل على عدم وجودها في المخطوطات القديمة, كما في ترجمة الشرق الأوسط (١٩٣٣ م)، ومثلها صنعت طبعة دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، لكن الفقرة موجودة بدون أهلة في سائر التراجم العربية سوى ترجمة العالم الجديد البروتستانتية, وترجمة الكاثوليك العربية المسماة بالرهبانية اليسوعية، فإنهما أزالتاها، واعتبرتا نص التثليث المهم نصاً دخيلاً ملحقاً بالكتاب المقدس. وفي عام (١٩٥٢ م) أصدرت لجنة تنقيح الكتاب المقدس نسخة (R.S.V)، النسخة القياسية المراجعة، وكان هذا النص ضمن ما حذفه المنقحون، لكن هذا التنقيح لم يسرِ على مختلف تراجم الإنجيل العالمية, وكذلك ما جاء في مرقس (٢) فإنها موجودة في بعض النسخ دون بعض, فقد ذكر جورج بوست في قاموس الكتاب المقدس أنها لم تكن في الكتب القديمة" (٣). الثالث: ومن التحريف بالزيادة ما جاء في مسألة صلب السيد المسيح فقد جاء في النسخة المعتمدة لإنجيل لوقا ٢٤: ١٩٢٠ ما نصه: " يسوع الناصري الذي كان إنساناً نبياً مقتدراً في الفعل, والقول أمام الله وجميع الشعب, كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه" (٤) , وهذا النص السابق في النسخة المعتمدة تم تحريفه في النسخة الإسرائيلية, بالزيادة فيه كما يلي: " يسوع الناصري الذي كان إنساناً نبياً مقتدراً في الفعل, والقول أمام الله وجميع الشعب, كيف أسلمه الكهنة وحكامنا لقضاء الموت لكي يعدم" (٥).

стр. 248

فزادوا على هذه الجملة كلمة لكي يعدم. وإن تحريفهم بالزيادة لم يقتصر على تحريفهم للكتب السابقة, بل أضافوا وزادو كتباً لم تأتي من عند الله, ولم يُرسل بها رسل الله, وألفوها من تلقاء أنفسهم, وقدسوها, فمن ذلك كتاب التلمود المقدس عند اليهود, وهذا الكتاب لم يشرعه الله لعباده, وإنما شرعوه لأنفسهم وأعطوه صفة القدسية, وزادوا فيه كل ما أرادوا لخدمة أهدافهم المزعومة, وكذلك برتوكولات حكماء صهيون زادوها في عصرنا الحديث, ووضعوا فيه خطتهم الكاملة, وفيه من الكذب والافتراء, ومن النصوص التي تدعو الناس إلى العنصرية, والقتل والإبادة., ومع كل ما سبق فخيانتهم لا تزال مستمرة, وهم يمارسون التحريف بجميع أشكاله وأنواعه كالتحريف بالتبديل, أو بالزيادة, أو بالنقصان أو بالإخفاء والكتمان, وبالتأويلات الفاسدة, جرياً وراء ما تهوى أنفسهم, ومن ذلك ما يعرف اليوم بمفهوم مكافحة الإرهاب, ويقصدون به مكافحة الإسلام, وكذلك الاستعمار من التعمير والإعمار ويقصدون به الاحتلال, وكذلك التطبيع, والدعوة لحوار الأديان والمراد بذلك توحيدها, وجعل الدين الحق والباطل سواء, ومشروع الشرق الأوسط الكبير, ويقصد به تقسيم دول الإسلام, والدعوة للحداثة, ولبناء الدولة المدنية, ويقصد بها الدولة اللادينية, ومصطلح الديمقراطية كذلك حيث يريدونها أن تكون حسب ما يريدونه هم لا ما يريده غيرهم, ومفهوم الحرية المطلقة وغيرها من المفاهيم الذي يبثونها في أوساط المسلمين, ويسمونها بأسماء ظاهرها براق ولكن في الحقيقة لها معان خبيثة يخفونها.

стр. 249

المبحث الرابع: شهادات أهل الكتاب على تحريفات أهل الكتاب للتوراة والإنجيل حديثاً , وفيه: المطلب الأول: شهادات علمائهم على وقوع التحريف من النُّسَّاخ والكتبة, وفيه: الفرع الأول: اعتراف صاحب كتاب مرشد الطالبين (الدكتور سمعان كهلون). الفرع الثاني: اعتراف جورج كيرد (رئيس الجمعية الكندية لدراسة الكتاب المقدس). الفرع الثالث: اعتراف الدكتور روبرت صاحب كتاب (حقيقة الكتاب المقدس). المطلب الثاني: شهادات دوائر المعارف الغربية المعتمدة على وقوع التحريف المتعمّد من النُّسَّاخ والكتبة, وفيه: الفرع الأول: شهادة دائرة المعارف الأمريكية على تحريف العهدين القديم والجديد. الفرع الثاني: شهادة دائرة المعارف الفرنسية على تحريف العهدين القديم والجديد. الفرع الثالث: شهادة دائرة المعارف البريطانية على تحريف العهد الجديد. الفرع الرابع: شهادة مجلة تايم على تحريف العهد الجديد.

стр. 250

بعد أن ذكرنا بعض الأمثلة على التحريف للعهدين القديم والجديد قديماً وحديثاً سنذكر في هذا المبحث مجموعة من الشهادات لبعض العلماء المشهورين في الديانتين النصرانية واليهودية, ونذكر كذلك مجموعة من مقولات دوائر المعارف الأمريكية والبريطانية والفرنسية المعتمدة, والتي تحتفظ بالمخطوطات القديمة للعهدين القديم والجديد, والتي تؤكد لنا أنه قد حصل لها الكثير من التبديل والتغيير من قبل بعض النُّسَّاخ والكُتَّاب بقصد أو بغير قصد, وأنه قد حصلت بعض الأخطاء ووجدت بعض الاختلافات بين الكلمات في المخطوطات, ووجد فيها الحذف والتغيير لبعض الكلمات والفقرات, وسيكون الكلام في هذا المبحث في خمسة مطالب: المطلب الأول: شهادات علمائهم على وقوع التحريف من النُّسَّاخ والكتبة, وفيه: الفرع الأول: اعتراف صاحب كتاب مرشد الطالبين (الدكتور سمعان كهلون): أما هذا الاعتراف الأول فهو لكبير علمائهم, وهو الدكتور سمعان كهلون صاحب كتاب مرشد الطالبين الكتاب الكنسي الشهير, وهذا الكتاب من أهم المراجع الأرثوذكسية, يقول: " ومن المعلوم أنه في نساخة هذه الكتب خطأ من زمان إلى زمان لعدم معرفة صناعة الطبع يومئذ وربما (١) (٢) يوجد حذف أو تغيير أو خلل في الحروف أو الكلمات في بعض النسخ (٣) , ولكن لا يوجد خلل في أحد التعاليم الضرورية, أما كتب العهد القديم فقد قال عنها: "وأما صيانة الكتب المقدسة إلى يومنا هذا, فإنه وإن كانت النسخ الأصلية قد ضاعت؛ لكن كتب العهد الجديد قد حفظت بلا تحريف ولا خلل جوهري, وهي مثلما صدرت أولاً من أيدي كاتبيها في جميع الظروف المعتبرة" (٤). فهذا شاهد من أهل الكتاب يشهد أن الكتاب المقدس المسمى بالعهد الجديد توجد فيه الأخطاء, وتوجد فيه الحذف والتغيير, ويوجد الخلل في نقل بعض الحروف, وأما العهد القديم فقد تبين أن النسخة الأصلية قد ضاعت, فأيُّ كتاب مقدس هذا الذي يشهد علماؤه أنه قد حُرف وغُيِّر
следующие страницы →