فهذه النصوص قد تم تحريفها من قبل أهل الكتاب في عصرنا الحديث, وهي مختلفة من طبعة إلى أخرى, وقد جاءت هذه النصوص السابقة كما يلي:
الأول: جاء في ترجمة الكتاب المقدس للبروتستانت (١٩٨٣ م) , (١٩٧٠ م) ونسخة الآباء اليسوعيين (١٩٨٦ م)، وفي رجارد واطس (١٨٣١ م) , وفي وليم واطس (١٨٦٦ م)، وفي نسخة الملك جيمس المعتمدة (صيغة التثليث) في رسالة يوحنا الأولى (٧: ٥) على النحو التالي: " فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد", وقد قامت نسخة البروتستانت ذات الشواهد بكشف هذا التحريف عام (١٩٨٣ م) وكتاب الحياة عام (١٩٨٨ م) بوضع (صيغة التثليث) بين هلالين: فإن الذين يشهدون (في السماء) هم ثلاثة (الآب والكلمة والروح القدس, وهؤلاء الثلاثة هم واحد, والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة) " الروح والماء والدم, والثلاثة هم في الواحد" (١).
وقال المسئولون عن هاتين الترجمتين في المقدمة: والعبارة الأولى: (والهلالان يدلان على أن الكلمات التي بينهما ليس لها وجود في أقدم النسخ وأصحها) أي أن (صيغة التثليث) هذه فقرة مزيفة من عمل كاتب مجهول, واختفت (صيغة التثليث) من ترجمة الرهبانية اليسوعية (١٩٨٦ م)، والقياسية المراجعة والفرنسية المسكونية, ولوى سيجو, وقالت الرهبانية اليسوعية في الحاشية السفلى (في بعض الأصول: الأب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد. لم يرد ذلك في الأصول اليونانية المعوَّل عليها, والأرجح أنه شرح أدخل إلى المتن في بعض النسخ).
وينصح الدكتور القس فهيم عزيز علماء التفسير والتبشير بالبعد عن النصوص الزائفة التي تثير المشاكل وتقلّب المواجع فيقول: وهناك نصوص يجب ألا نعتمد عليها كثيرا في بناء عقيدتا فمثلا: (يوحنا ٥: ٧) (الذين يشهدون في السماء ... ) فهذه الآية لا توجد في أقدم المخطوطات التي يعتمد عليها العلماء في طبع العهد الجديد اليوناني ونحن نستخدمها مرات كثيرة في إثبات التثليث المقدس, لذلك نعرض أنفسنا لهجمات الكثيرين وأخصهم (شهود يهوه) الذين ينكرون التثليث, وعندما يواجهنا هؤلاء بعقيدتهم تهتز عقيدتنا أو نزداد تزمتاً, فلماذا يضع المفسر نفسه في هذا الموقف؟ إن الأصح هو أن تبنى العقيدة على أحسن النصوص، حتى لا تكون هدفاً
стр. 247
للهجوم والتشكيك في صحة تفسيره) (١).
الثاني: كتب إسحاق نيوتن رسالة تتكون من خمسين صفحة أثبت فيها أن الفقرة التي تتحدث عن شهود السماء الموجودة في يوحنا غير موجودة في النسخ القديمة," وكانت بعض الطبعات العربية القديمة قد وضعتها بين هلالين لتدل على عدم وجودها في المخطوطات القديمة, كما في ترجمة الشرق الأوسط (١٩٣٣ م)، ومثلها صنعت طبعة دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، لكن الفقرة موجودة بدون أهلة في سائر التراجم العربية سوى ترجمة العالم الجديد البروتستانتية, وترجمة الكاثوليك العربية المسماة بالرهبانية اليسوعية، فإنهما أزالتاها، واعتبرتا نص التثليث المهم نصاً دخيلاً ملحقاً بالكتاب المقدس.
وفي عام (١٩٥٢ م) أصدرت لجنة تنقيح الكتاب المقدس نسخة (R.S.V)، النسخة القياسية المراجعة، وكان هذا النص ضمن ما حذفه المنقحون، لكن هذا التنقيح لم يسرِ على مختلف تراجم الإنجيل العالمية, وكذلك ما جاء في مرقس (٢) فإنها موجودة في بعض النسخ دون بعض, فقد ذكر جورج بوست في قاموس الكتاب المقدس أنها لم تكن في الكتب القديمة" (٣).
الثالث: ومن التحريف بالزيادة ما جاء في مسألة صلب السيد المسيح فقد جاء في النسخة المعتمدة لإنجيل لوقا ٢٤: ١٩٢٠ ما نصه: " يسوع الناصري الذي كان إنساناً نبياً مقتدراً في الفعل, والقول أمام الله وجميع الشعب, كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه" (٤) , وهذا النص السابق في النسخة المعتمدة تم تحريفه في النسخة الإسرائيلية, بالزيادة فيه كما يلي: " يسوع الناصري الذي كان إنساناً نبياً مقتدراً في الفعل, والقول أمام الله وجميع الشعب, كيف أسلمه الكهنة وحكامنا لقضاء الموت لكي يعدم" (٥).
стр. 248
فزادوا على هذه الجملة كلمة لكي يعدم. وإن تحريفهم بالزيادة لم يقتصر على تحريفهم للكتب السابقة, بل أضافوا وزادو كتباً لم تأتي من عند الله, ولم يُرسل بها رسل الله, وألفوها من تلقاء أنفسهم, وقدسوها, فمن ذلك كتاب التلمود المقدس عند اليهود, وهذا الكتاب لم يشرعه الله لعباده, وإنما شرعوه لأنفسهم وأعطوه صفة القدسية, وزادوا فيه كل ما أرادوا لخدمة أهدافهم المزعومة, وكذلك برتوكولات حكماء صهيون زادوها في عصرنا الحديث, ووضعوا فيه خطتهم الكاملة, وفيه من الكذب والافتراء, ومن النصوص التي تدعو الناس إلى العنصرية, والقتل والإبادة., ومع كل ما سبق فخيانتهم لا تزال مستمرة, وهم يمارسون التحريف بجميع أشكاله وأنواعه كالتحريف بالتبديل, أو بالزيادة, أو بالنقصان أو بالإخفاء والكتمان, وبالتأويلات الفاسدة, جرياً وراء ما تهوى أنفسهم, ومن ذلك ما يعرف اليوم بمفهوم مكافحة الإرهاب, ويقصدون به مكافحة الإسلام, وكذلك الاستعمار من التعمير والإعمار ويقصدون به الاحتلال, وكذلك التطبيع, والدعوة لحوار الأديان والمراد بذلك توحيدها, وجعل الدين الحق والباطل سواء, ومشروع الشرق الأوسط الكبير, ويقصد به تقسيم دول الإسلام, والدعوة للحداثة, ولبناء الدولة المدنية, ويقصد بها الدولة اللادينية, ومصطلح الديمقراطية كذلك حيث يريدونها أن تكون حسب ما يريدونه هم لا ما يريده غيرهم, ومفهوم الحرية المطلقة وغيرها من المفاهيم الذي يبثونها في أوساط المسلمين, ويسمونها بأسماء ظاهرها براق ولكن في الحقيقة لها معان خبيثة يخفونها.
стр. 249
المبحث الرابع: شهادات أهل الكتاب على تحريفات أهل الكتاب للتوراة والإنجيل حديثاً , وفيه:
المطلب الأول: شهادات علمائهم على وقوع التحريف من النُّسَّاخ والكتبة, وفيه:
الفرع الأول: اعتراف صاحب كتاب مرشد الطالبين (الدكتور سمعان كهلون).
الفرع الثاني: اعتراف جورج كيرد (رئيس الجمعية الكندية لدراسة الكتاب المقدس).
الفرع الثالث: اعتراف الدكتور روبرت صاحب كتاب (حقيقة الكتاب المقدس).
المطلب الثاني: شهادات دوائر المعارف الغربية المعتمدة على وقوع التحريف المتعمّد من النُّسَّاخ والكتبة, وفيه:
الفرع الأول: شهادة دائرة المعارف الأمريكية على تحريف العهدين القديم والجديد.
الفرع الثاني: شهادة دائرة المعارف الفرنسية على تحريف العهدين القديم والجديد.
الفرع الثالث: شهادة دائرة المعارف البريطانية على تحريف العهد الجديد.
الفرع الرابع: شهادة مجلة تايم على تحريف العهد الجديد.
стр. 250
بعد أن ذكرنا بعض الأمثلة على التحريف للعهدين القديم والجديد قديماً وحديثاً سنذكر في هذا المبحث مجموعة من الشهادات لبعض العلماء المشهورين في الديانتين النصرانية واليهودية, ونذكر كذلك مجموعة من مقولات دوائر المعارف الأمريكية والبريطانية والفرنسية المعتمدة, والتي تحتفظ بالمخطوطات القديمة للعهدين القديم والجديد, والتي تؤكد لنا أنه قد حصل لها الكثير من التبديل والتغيير من قبل بعض النُّسَّاخ والكُتَّاب بقصد أو بغير قصد, وأنه قد حصلت بعض الأخطاء ووجدت بعض الاختلافات بين الكلمات في المخطوطات, ووجد فيها الحذف والتغيير لبعض الكلمات والفقرات, وسيكون الكلام في هذا المبحث في خمسة مطالب:
المطلب الأول: شهادات علمائهم على وقوع التحريف من النُّسَّاخ والكتبة, وفيه:
الفرع الأول: اعتراف صاحب كتاب مرشد الطالبين (الدكتور سمعان كهلون):
أما هذا الاعتراف الأول فهو لكبير علمائهم, وهو الدكتور سمعان كهلون صاحب كتاب مرشد الطالبين الكتاب الكنسي الشهير, وهذا الكتاب من أهم المراجع الأرثوذكسية, يقول: " ومن المعلوم أنه في نساخة هذه الكتب خطأ من زمان إلى زمان لعدم معرفة صناعة الطبع يومئذ وربما (١)(٢) يوجد حذف أو تغيير أو خلل في الحروف أو الكلمات في بعض النسخ (٣) , ولكن لا يوجد خلل في أحد التعاليم الضرورية, أما كتب العهد القديم فقد قال عنها: "وأما صيانة الكتب المقدسة إلى يومنا هذا, فإنه وإن كانت النسخ الأصلية قد ضاعت؛ لكن كتب العهد الجديد قد حفظت بلا تحريف ولا خلل جوهري, وهي مثلما صدرت أولاً من أيدي كاتبيها في جميع الظروف المعتبرة" (٤).
فهذا شاهد من أهل الكتاب يشهد أن الكتاب المقدس المسمى بالعهد الجديد توجد فيه الأخطاء, وتوجد فيه الحذف والتغيير, ويوجد الخلل في نقل بعض الحروف, وأما العهد القديم فقد تبين أن النسخة الأصلية قد ضاعت, فأيُّ كتاب مقدس هذا الذي يشهد علماؤه أنه قد حُرف وغُيِّر
стр. 251
وضاعت نسخه الأصلية, وأنه قد حصل من بعض النُّسَّاخ استبدال حرف مكان حرف آخر, أو كلمة مكان أخرى!
ثم نجدهم يبررون لافتراءاتهم وتحريفاتهم بأن ذلك كان بسبب جهالة النُّسَّاخ , وبسبب الأخطاء المطبعية من الطباعين, أو بسبب ضياع النسخ الأصلية, وفُقدان سندها, ووقوع المصائب والفتن على المسيحيين, والذي يظهر أن الصحيح هو الضياع للنسخ الأصلية وفقدانها, ثم جاء من بعدَهُم فقاموا بكتابتها وسموها بأسماء مقدسة, وكتبوا عليها أسماءهم, وإلا فأين إنجيل عيسى ﵇ أو توراة موسى ﵇ التي أنزلها الله عليهم؟
وأما قوله: "بجميع الظروف المعتبرة" فإنني أعتقد أن هذا القول بأن العهد الجديد لم يحرف غير صحيح, وإنما هو اعتراف منه بأنهم قد مروا بظروف صعبة, وهذه الظروف الصعبة أفقدتهم الكتاب المقدس القديم والجديد, وهذا الكلام يوافق ما قاله واعترف به القسيس الشهير فرنج في مناظرته مع العلامة رحمت الله الهندي بقوله: " إن سبب فُقدان السند عندنا ووقوع المصائب والفتن على المسيحيين إلى مدة ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة" (١).
ثم يتكلم عن الأسفار الخمسة بقوله " ويتضح جلياً من مطالعة هذه الأسفار بأن كاتباً ما بعد موسى إما يوشع أو صموئيل أو عزرا قد أدخل في الوحي بعض جمل تفسيرية ... " (٢).
والجواب على ما سبق: أن هذا الكلام لا يقبله منكم عاقل؛ لأنكم قد خلطتم كلام الله بكلام غيره, فحرفتم وغيرتم أحكامه وشرائعه, واتبعتم أهواء أحباركم ورهبانكم في ضلالهم وباطلهم, قال تعالى: ﴿ ... وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٣).
وإلَّا فلماذا حفظ القرآن الكريم خلال أربعة عشر قرناً, ولم يحصل له أي تغيير أو غلط من النُّسَّاخ أو الحفاظ, ولم يبدل حرف مكان آخر, ولم تتبدل أية بأخرى, ولا تختلف طبعة على أخرى في جميع أنحاء الأرض؟ والجواب معروف, وهو أن القرآن الكريم قد تكفل الله بحفظه, وأما كتب أهل الكتاب فإنهم لم يراعو حرمة كتبهم التي أوكلها الله إليهم, وأما اليهود فقد عُرفوا بنقضهم لعهودهم ومواثيقهم, وصدق الله القائل: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ
стр. 252
مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).
قال سيد قطب: "وطابعهم الأصيل هو تحريف الكلم عن مواضعه, تحريف كتابهم أولاً عن صورته التي أنزلها الله على موسى ﵇ إما بإضافة الكثير إليه مما يتضمن أهدافهم الملتوية ويبررها بنصوص من الكتاب مزورة على الله! وإما بتفسير النصوص الأصلية الباقية وفق الهوى والمصلحة والهدف الخبيث! ونسيان وإهمال أوامر دينهم وشريعتهم، وعدم تنفيذها في حياتهم ومجتمعهم، لأن تنفيذها يكلفهم الاستقامة على منهج الله الطاهر النظيف القويم" (٢).
وهذه الآية فيها دلالة على أن الخيانة لاتزال تتجدد منهم, وأكبر خيانة مارسوها هي تحريفهم كتب الله التي استحفظهم الله إياها, فخانوه وقاموا بتحريفها.
ثم استمع إلى ما يقوله صاحب مرشد الطالبين أيضاً: " وأما وقوع بعض اختلافات في نسخ الكتب المقدسة, فليس بمستغرب عند من يتذكر أنه قبل اختراع صناعة الطبع في الجيل الخامس عشر, كانت كل الكتب تنسخ بخط القلم, ولابد أن يكون بعض النُّسَّاخ جاهلاً, وبعضهم غافلاً, فلا يمكن أن يسلموا من وقوع الزلل ولو كانوا ماهرين في صناعة الكتابة, ومتى وقعت غلطة في النسخة الواحدة فلابد أن تقع أيضاً في كل النسخ التي تنقل عنها, وربما يوجد في كل واحدة من النسخ غلطات خاصة بها لا توجد في الأخرى, وعلى هذا تختلف الصور في بعض الأماكن على قدر اختلاف النسخ, وفضلاً عن ذلك ربما جعل بعض النُّسَّاخ بجهالتهم حرفاً مكان آخر, أو كلمة مكان أخرى, أو أسقطوا بغفلتهم شيئاً من ذلك " (٣).
الفرع الثاني: اعتراف جورج كيرد (٤) (رئيس الجمعية الكندية لدراسة الكتاب المقدس).
ومما يؤكد عدم صحة هذه الكتب وجود اعترافات أخرى أدلى بها كبار قياداتهم, كرئيس الجمعية الكندية لدراسة الكتاب المقدس جورج كيرد وصاحب تفسير إنجيل لوقا بقوله: " إن أول نص مطبوع من العهد الجديد كان ذلك الذي قدمه أرازموس عام (١٥١٦ م) , وقبل هذا التاريخ كان
стр. 253
يحفظ النص في مخطوطات نسختها أيدي مجهدة لكتبة كثيرين، ويوجد اليوم من هذه المخطوطات (٤٧٠٠) ما بين قصاصات من ورق إلى مخطوطات كاملة على رقائق من الجلد أو القماش, إن نصوص جميع هذه المخطوطات تختلف اختلافاً كبيراً، ولا يمكننا الاعتقاد بأن أياً منها قد نجا من الخطأ, ومهما يكن الناسخ حي الضمير فإنه ارتكب أخطاء, وهذه الأخطاء بقيت في كل النسخ التي نقلت عن النسخة الأصلية, إن أغلب النسخ الموجودة من جميع الأحجام قد تعرضت لتغييرات أخرى على يد المصححين الذين لم يكن عملهم دائماً إعادة القراءة الصحيحة" (١).
وهذا يدل على أنَّ المصححين كانوا أيضا ممن مارسوا التحريف إثناء إعادتهم قراءة الكتب؛ لأن مهمتهم لم تكن إعادة القراءة الصحيحة فقط, بل كانوا يصححون ويضيفون ويحذفون كما يؤكد جورج كيرد.
الفرع الثالث: اعتراف الدكتور روبرت صاحب كتاب (حقيقة الكتاب المقدس).
ونختم هذا المطلب بما قاله الدكتور روبرت في كتابه: حقيقة الكتاب المقدس: " لا يوجد كتاب على الإطلاق به من التغييرات والأخطاء والتحريفات مثل ما في الكتاب المقدس, ثم ينقل روبرت أيضاً أن آباء الكنيسة يعترفون بوقوع التحريف عن عمد، وأن الخلاف بينهم محصور فيمن قام بهذا التحريف, ومن الطريف أن روبرت قد أعد لمطبعة (تسفنجلي) مذكرة علمية تطبع مع الكتاب المقدس، ثم منع من طبعها، ولما سئل عن السبب في منعها قال: " إن هذه المذكرة ستفقد الشعب إيمانه بهذا الكتاب " (٢).
خلاصة:
وبهذه الاعترافات والتي أوردنا القليل منها فقط, تبين لقراء (الكتاب المقدس المسمى بالعهدين القديم والجديد) أنها ليست من كلام الله, ولا من كلام موسى ﵇ , ولا عيسى ﵇ , وإنما هي من كلام بولس اليهودي, وعزرا, وغيرهم من أحبارهم ورهبانهم الذين باعوا ما فيها بالثمن القليل, وأن هذه الكتب عبارة عن بعض إضافات للكُّتاب والنُّسَّاخ بسبب جهلهم ونسيانهم وغفلتهم طوال الفترات السابقة, وإن كان يوجد الشيء القليل من الكلمات أو الفقرات التي يدَّعون نسبتها لكلام
стр. 254
الله, ولكن لا نستطيع الجزم بذلك, ولا يستطيع القارئ تمييز ما تبقى منها من النور إلا بصعوبة شديدة جداً, وذلك للأسباب السابقة من فقدان النسخ الأصلية ودخول التحريف المتعمد.
المطلب الثاني: شهادات دوائر المعارف الغربية المعتمدة على وقوع التحريف المتعمَّد من النُّسَّاخ والكتبة, وفيه:
إن هذا المطلب سنذكر فيه مجموعة من شهادات الدوائر الغربية المعتمدة, التي تحتفظ بالكثير من الآثار والمخطوطات لكتابهم المقدس؛ حتى يتبين لأهل الكتاب في عصرنا الحديث ما هم عليه من الضلال, ويراجعوا أنفسهم ودوائر معارفهم المعتمدة حول الكتب الموجودة بين أيديهم, خصوصاً أن هذه الشهادات هي من مؤسساتهم العلمية الرسمية, وهي كما يلي:
الفرع الأول: شهادة دائرة المعارف الأمريكية على تحريف العهدين القديم والجديد .
تقول دائرة المعارف الأمريكية (ENCYCLOPEDIA AMERICANA): " لم يصلنا نسخة بخط المؤلف الأصلي لكتب العهد القديم, أما النصوص التي بين أيدينا فقد نقلتها إلينا أجيال عديدة من الكتبة والنُّسَّاخ , ولدينا شواهد وفيرة تبين أن الكتبة قد غيروا بقصد أو دون قصد منهم في الوثائق والأسفار, التي كان عملهم الرئيس هو كتابتها ونقلها, وأما تغييرهم في النص عن قصد فقد مارسوه مع فقرات كاملة حين كانوا يتصورون أنها كتبت خطأ في الصورة التي بين أيديهم, كما كانوا يحذفون بعض الكلمات أو الفقرات أو يضيفون على النص الأصلي فقرات توضيحية ... ولا يوجد سبب للافتراض بأن أسفار العهد القديم لم تتعرض للأنواع العادية من الفساد في عملية النسخ, على الأقل في الفترة التي سبقت اعتبارها أسفاراً مقدسة " (١).
وتقول أيضاً دائرة المعارف الأمريكية عن إنجيل يوحنا في طبعتها لعام (١٩٥٩ م): " إن هناك مشكلة هامة وصعبة تنجم عن التناقض الذي يظهر في نواحٍ كثيرة بين الإنجيل الرابع والثلاثة المتشابهة،
стр. 255
إن الاختلاف بينهم عظيم, لدرجة أنه لو قبلت الأناجيل المتشابهة باعتبارها صحيحة وموثوقة، فإن ما يترتب على ذلك هو عدم صحة إنجيل يوحنا" (١).
فتبين من هذه الشهادة أنه قد تم ممارسة التحريف عن قصد من النُّسَّاخ , وأنه قد تم الحذف أيضاً, وتمت الإضافات لفقرات سموها توضيحية, وأصبحت مع الأيام من كلام الرب, وأصبحت من أصل كتبهم وجزءاً منها, وهكذا تمت الإضافات من الشُّرَّاح والكُتَّاب.
الفرع الثاني: شهادة دائرة المعارف الفرنسية على تحريف العهدين القديم والجديد:
وهذه شهادة أخرى على الأسفار الخمسة من كتب العهد القديم المنسوبة إلى موسى ﵇ , وهي سفر التكوين, وسفر الخروج, وسفر اللاويين, وسفر العدد, وسفر التثنية نقلاً عن كتاب كنز العلوم لمحمد فريد, حيث تذكر دائرة المعارف الفرنسية في القرن التاسع عشر تحت كلمة توراة: "أن العلم العصري ولاسيما النقد الألماني قد أثبت بعد أبحاث مستفيضة في الآثار القديمة والتاريخ وعلم اللغات أن التوراة لم يكتبها موسى ﵇ , وأنها عمل أحبار لم يذكروا أسماءهم عليها, ألفوها على التعاقب, معتمدين في تأليفها على روايات سماعية سمعوها قبل أسر بابل" (٢).
ومعنى هذا الكلام أن هذه الأسفار الموجودة وغيرها في عصرنا الحديث ليس لها أي صلة بموسى ﵇ , وأنها عبارة عن روايات لأشخاص آخرين, وذلك مما يؤكد لنا بطلان كل ما فيها.
وأما عن كتب العهد الجديد فتقول دائرة المعارف الكبرى الفرنسية: "أما إنجيل يوحنا فإنه لا مرية ولا شك كتاب مزور، أراد صاحبه مضادة اثنين من الحواريين بعضهما لبعض, وهما: القديسان (يوحنا ومتى) " (٣).
стр. 256
وتقول الترجمة الفرنسية المسكونية تحت عنوان (فساد النص): " والجدير بالذكر أن بعض النُّسَّاخ الأتقياء أقدموا بإدخال تصحيحات لاهوتية على تحسين بعض التعابير التي كانت تبدو لهم معرضة لتفسير عقائدي خطر" (١).
وبهذا الشهادة حصل الاتفاق من هذه الدوائر على أن الكتاب المقدس لا يصح, وأنه كتاب مزور صنعته أيدي البشر على تعاقب الأزمان.
стр. 257
الفرع الثالث: شهادة دائرة المعارف البريطانية على تحريف العهد الجديد .
تقول دائرة المعارف البريطانية طبعة عام (١٩٦٠ م): " ليس لدينا أية معرفة مؤكدة للكيفية التي تشكلت بموجبها قانونية الأناجيل الأربعة, ولا بالمكان الذي تقرر فيه ذلك ... أما موقف الأناجيل فعلى العكس من رسائل بولس، إذ أن التغييرات الهامة قد حدثت عن قصد، مثل إدخال أو إضافة فقرات بأكملها " (١).
وهذه شهادة أخرى تؤكد بأنها لا تعرِف كيف أصبحت هذه الأناجيل معتمدة, ومتى تم الاعتراف بها, وأن كل هذه التحريفات حصلت عن قصد, كما أنه تم إدخال فقرات بكاملها, وهذا مما يؤكد لنا عدم صحة الكتاب المقدس المزعوم بشهادة دوائرهم وعلمائهم.
الفرع الرابع: شهادة مجلة تايم على تحريف العهد الجديد .
"نشرت مجلة تايم في عددها الصادر في أكتوبر (١٩٨٦ م) مقالاً عن ندوة دولية حضرها (١٢٠) عالماً نصرانياً درسوا صحة الأقوال المنسوبة للمسيح في الأناجيل الأربعة، فوجدوا أنه لا يصح منها سوى (١٤٨) قولاً من بين (٧٥٨) قولاً منسوباً إليه, وذكر كتاب " الأناجيل الخمسة " الذي أصدرته ندوة يسوع عام (١٩٩٣ م) أن (١٨%) فقط من الأقوال التي تنسبها الأناجيل إلى يسوع ربما يكون قد نطق بها فعلاً.
وفي ندوة (١٩٩٥ م) قرروا أن رواية ميلاد يسوع غير حقيقية سوى ما يتعلق باسم أمه، ومثله قصة آلام المسيح ومحاكمته" (٢).
خلاصة:
والذي يظهر من هذا الشهادات أن النصارى لم يعترفوا بإنجيل يوحنا بسبب أنه لم يذكر قصة ميلاد المسيح, وأن الأناجيل الأخرى ذكرتها, وفي هذه الندوة التي اجتمع فيها مئات العلماء من النصارى, والذين أثبتوا أن رواية ميلاد المسيح غير صحيحة, والذي يظهر لي هنا أنهم قد توصلوا إلى الحقيقة النهائية, وهي أنه لا بد أن يتم إسقاط بقية الأناجيل مثل ما حصل لإنجيل يوحنا, وأن كل ما فيها غير صحيح, وهي كالأسفار الخمسة باطلة بشهاداتهم, وبشهادة دوائرهم المعتمدة قال تعالى:
الفصل الخامس
الخطاب القرآني لأهل الكتاب فيما يتعلق بالأخلاق , وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الأخلاق لغةً واصطلاحاً, وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الأخلاق لغةً واصطلاحاً.
المطلب الثاني: أهمية الأخلاق في جميع الكتب السماوية السابقة.
المبحث الثاني: نقض أهل الكتاب للعهود والمواثيق, وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف العهد لغةً واصطلاحاً. ... المطلب الثاني: تعريف الميثاق لغةً واصطلاحاً.
المطلب الثالث: آيات العهود والمواثيق, وأقوال المفسرين فيها.
المطلب الرابع: ما يترتب على نقض العهود والمواثيق.
المبحث الثالث: أمثلة على نقض العهود والمواثيق قديماً وحديثاً, وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أمثلة على نقض العهود والمواثيق قديماً.
المطلب الثاني: أمثلة على نقض العهود والمواثيق حديثاً.
стр. 261
المبحث الأول: تعريف الأخلاق لغةً واصطلاحاً, وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الأخلاق لغةً واصطلاحاً, وفيه:
الفرع الأول: تعريف الأخلاق لغةً.
الفرع الثاني: تعريف الأخلاق اصطلاحاً.
المطلب الثاني: أهمية الأخلاق في الكتب السماوية السابقة, وفيه:
الفرع الأول: أهمية الأخلاق.
الفرع الثاني: علاج الأخلاق الفاسدة.
стр. 262
الخطاب القرآني لأهل الكتاب فيما يتعلق بالأخلاق, وفيه ثلاثة مباحث:
مقدمة:
إن من سنن الله الجارية في هذا الكون منذ خلق الخلق أن جعل فيه من كل زوجين اثنين, وذلك كالذكر والأنثى, والجن والإنس, والأرض والسماء, والليل والنهار, والجنة والنار, وكذلك من سنة الله في الخلق أن قسَّم الناس في عقيدتهم إلى مؤمن وكافر, وهؤلاء انقسموا في أخلاقهم وطباعهم, فمنهم صاحب الخلق الحميد, ومنهم صاحب الخلق الذميم, وهذه الأخلاق والطباع لها أهمية كبيرة في المجتمع, وهي تحتاج إلى تقويم وتعديل على الدوام؛ لأن أصحاب الأخلاق السليمة هم من أحب الخلق إلى الله, وأقربهم منزلة من رسوله ﷺ .
وتزداد دراسة موضوع الأخلاق أهمية كونها أصبحت ميزاناً تُقيَّم بها الشعوب والأمم, وتعرف من خلال ممارستها تلك الأخلاق, وقد أرسل الله محمداً ﷺ مكملاً ومتمماً لمكارم الأخلاق كما قال ﷺ : ﴿إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق﴾ (١) قال الألباني: صحيح (٢).
ولأهمية الأخلاق ومكانتها فإنها كانت ضمن أهم أهداف رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ ؛ لأن الأخلاق إذا فسدت تكون سبباً من أسباب الفساد والإفساد بين الأمم, كما أنها إذا صلحت تكون سبباً في الصلاح والإصلاح بينها.
يقول الشاعر أحمد شوقي:
إنَّما الأممُ الأخلاقُ ما بقيت ... فإنْ همُ ذهبتْ أخلاقهم ذَهبوا
وربما تكون أعظم الأزمات التي نعاني منها في عصرنا الحديث هي أزمة أخلاق وقيم, وأعظم من يعطل الأخلاق والقيّم هم أهل الكتاب الذين جعلوا الأخلاق رخيصة, فلا يقيمون وزناً لعهد ولا ميثاق, ولا يحترمون ديناً, ولا يعظمون نبياً, وقلَّ أن تجد عندهم خُلقا الصدق والأمانة إلا بما يخدم
стр. 263
مصالحهم, ويدل على ذلك أنهم الذين خرجت من بينهم النظرية المشهورة (الغاية تبرر الوسيلة) لميكافيلي, وهي تهدم الأخلاق من أساسها, وتأتي عليها من جذورها, وحتى نتمكن من التعرف على مكانة الأخلاق عند أهل الكتاب, ومدى تحليهم بالأخلاق الحميدة منها أو الذميمة فإننا سنبدأ بتعريف الأخلاق لغةً واصطلاحاً.
المبحث الأول: تعريف الأخلاق لغةً واصطلاحاً , وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الأخلاق لغةً واصطلاحاً , وفيه:
الفرع الأول: تعريف الأخلاق لغةً .
الأخلاق: جمع خلق "والخلق بالضم وبضمتين: السجية والطبع والمروءة والدين" (١).
وهذا التعريف اللغوي يبين لنا أن الخلق هو الطبع والسجية التي قدر عليها العبد, وأما تعريف الخلق بأنه الدين فإن ذلك لما بينه وبين الخلق من الاقتران, وأن أحدهما لا ينفك عن الآخر, كما قال ابن عباس وغيره في قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢) أي: دينهم (٣) , وما ذلك إلا لأن من حسن دينه فقد حسن خلقه.
الفرع الثاني: تعريف الأخلاق اصطلاحاً .
أما التعريف الاصطلاحي للأخلاق فقد ذكر لها العلماء عدة تعريفات, نذكر منها ما يلي:
التعريف الأول: عرف الإمام الغزالي (٤) ﵀ الخلق بأنه: "عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية" (٥) ..
التعريف الثاني للأخلاق: قال الدكتور عبد الكريم زيدان (٦) حفظه الله في تعريف الأخلاق: "بأنها مجموعة من المعاني والصفات المستقرة في النفس, وفي ضوئها وميزانها يحسن الفعل في نظر الإنسان أو يقبح، ومن ثم يقدم عليه أو يحجم عنه" (٧).
стр. 264
والأخلاق التي نقصدها في بحثنا هذا هي: "ميثاق كامل يشمل كل أعمال الإنسان, وقيمه العليا التي يتقيد بها في تصرفاته, في سعيه لإقامة حياته البشرية على أساسها, والتي لا يكون إنساناً إلا بها, وبقدر ما يفقد منها يفقد من إنسانيته, ولكننا نلاحظ مع زحف العلمانية على الحياة الأوربية أن الأخلاق أزيحت عن شتى مجالات الحياة, وما بقي منها فهو نفعي بحت, فالعلاقات الجنسية -مثلاً يسمونها مسألة بيولوجية لا علاقة لها بالأخلاق, ولا يوجد لها ضابط" (١).
ومن فوائد علم الأخلاق أنه يبحث عما يصلح الأخلاق إذا حصل لها الفساد, ويقومها إذا حدث فيها اعوجاج, ويخص بحثنا من ذلك الكلام عن أخلاق أهل الكتاب التي تحتاج إلى تقويم؛ كونها قد فسدت بمخالفتها للوحي الآلهي, وقد جاء القرآن الكريم ليصلح ذلك الفساد.
فتبين مما سبق أن أخلاق الإنسان تعرف من خلال ممارسة الفرد لها مع الناس, فهي هيئة في النفس راسخة بحسب الفطرة, وتكون سليمة لانسجامها مع الفطرة ومع الوحي, فحينما يقدم صاحبها على ممارسة خلق سيئ فهو دليل على ضعف وازعه الديني, ولا يحجم عنه إلا إذا قوي وازعه الديني, وذلك لارتباطه بالوحي الإلهي قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٢).
المطلب الثاني: أهمية الأخلاق في الكتب السماوية السابقة, وفيه:
وهذا المطلب سنذكر فيه اتفاق الكتب السماوية بأكملها على أهمية الأخلاق, ثم نذكر علاج الأخلاق الفاسدة على النحو التالي:
الفرع الأول: أهمية الأخلاق .
إن الأخلاق بما لها من أهمية قد ورد الأمر بحميدها, والنهي عن سيئها في جميع الكتب السماوية؛ سواءً في العبادات أو في المعاملات, وقد اتحد الخطاب بذلك في التوراة والإنجيل قبل
стр. 265
التحريف, وكذلك في القرآن الكريم في عدة مواضع, كالحث على الصدق والأمانة والصبر والعفو والعطف والإنفاق, وكالنهي عن القتل والزنا والسرقة وشهادة الزور والتعامل بالربا, وما ذلك إلا لأهميتها.
فمن ذلك أن بعض الوصايا التي وردت في التوراة (العهد القديم) تكرر ورودها في القرآن الكريم، فكلمة: (لا تقتل) (١) وردت في التوراة في (سفر الخروج ٢٠: ١٣)، ويقابلها في القرآن: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ (٢).
وكلمة: (لا تَزنِ) (٣) جاءت في التوراة في (سفرالخروج ١٤: ٢٠) , ويقابلها في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ (٤).
وقد وردت في التوراة (سفر التثنية ١٩: ٥) وصية: (لا تسرق) (٥) ويقابلها في القرآن قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٦).
وجاء في التوراة: (سفر الخروج ١٦: ٢٠) (لا تشهد على قريبك شهادة الزور) (٧) , ويقابلها في القرآن قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٨)(٩).
فهذه بعض الأمثلة من كتب أهل الكتاب تبين أن دين جميع الأنبياء واحد, وهذا الدين الواحد يدعو البشر للتحلي بالأخلاق الحميدة, ويدعوهم لترك الأخلاق الذميمة من الزنا, والربا, والسرقة, وشهادة بالزور, وغيرها.
стр. 266
ولم تكن التوراة من بين الكتب السابقة هي من دعت البشرية إلى التحلي بالأخلاق الحميدة, والتخلي عن الأخلاق الذميمة, بل جاء مثل ذلك في الإنجيل (العهد الجديد) , مما يدل على أنها جميعاً صدرت من مشكاة واحدة إلا أن أهل الكتاب حرفوا كتبهم, فمن ذلك ما جاء في إنجيل متى: ٢١: ٥: (قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل, ومن قتل يكون مستوجب الحكم) (١) , وجاء أيضاً في إنجيل متى ٢٧: ٥٢٨: (قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن, وأما أنا فأقول لكم: إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زَنى بها في قلبه) (٢).
ويقابلها في القرآن قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (٣) , وقوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (٤).
وكذلك ورد في (إنجيل متَّى: ١٨: ١٩): (فقال يسوع لا تقتل, لا تزن, لا تسرق, لا تشهد بالزور) (٥).
وكذلك ورد في (إنجيل متَّى: ١٩: ١٩): (أكرم أباك وأمك, وأحبَّ قريبك كنفسك) (٦).
ويقابلها في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ (٧).
وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ (٨).
فتبين مما سبق أن هذه الكتب السماوية جاءت لإصلاح أخلاق البشر, حتى يعيشوا فيما بينهم بأمن وسلام, وهذا مما يحتم على أهل الكتاب أن يلتزموا بما جاء في الخطاب القرآني حتى يتم
стр. 267
حل جميع المشاكل المتراكمة وإيجاد المخرج لها, من إلقاء العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة, وأما ما نراه في كتب أهل الكتاب الموجودة بين أيدينا الآن من الكذب والبهتان الذي ينسبونه إلى نبي الله عيسى ﵇ من دعوته إلى الإرهاب فهو محض افتراء, وتحريف للكلم عن مواضعه, ويتذرعون به لقتل البشر بغير حق, فقد جاء في (إنجيل متى: ١٠: ٣٤٣٥) أنه قال: (لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض. ما جئتُ لأُلقي سلاماً بل سيفاً؛ فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه, والابنة ضد أمها, والكنة ضد حماتها) (١).
وما جاء في هذه النصوص فهو "يشير إلى أن الإنجيل المحرَّف يحوي نصوصاً تدعو إلى القتل والإبادة والإرهاب والجريمة" (٢).
وكذلك ما نراه من النصوص اليهودية التي تقول: (إذا ضرب أممي إسرائيلياً يستحق الموت) والأممي عندهم هو كل إنسان غير يهودي, ويقولون أيضاً: (اليهود أحب إلى الله من الملائكة, وهم من عنصر الله كالولد من عنصر أبيه فمن يصفع اليهودي كمن يصفع الله) وغيرها من النصوص التي تجعلهم شعب الله المختار, وأن عنصرهم هو الأسمى على العناصر الأخرى؛ وغير ذلك من الأماني التي تدعوهم للغرور والكذب, منها ادعاء أن الله سيغفر لهم كل ما عملوه من جرم وقتل؛ كونهم ليسوا كغيرهم, فضرب الله عليهم الذلة والمسكنة وغضب عليهم بسبب ما سبق (٣).
فهذه أمثلة أوردناها من التوراة والإنجيل قبل التحريف وبعده, نجد فيها أنها قبل التحريف تحث على حسن الأخلاق ومكارمها, وتنهى عن رذائلها وسفاسفها, أما بعد التحريف فإنها على العكس من ذلك, والعجب اليوم من اليهود والنصارى أن يجمعوا بين النقائض, أعني أنهم في الواقع يعملون بالتعاليم المحرفة, ويسلكون في تطبيقها كل سبل التوحش, متنكرين للتعاليم القديمة التي تحث على الأخلاق الحسنة, أما في التنظير وخطاب الرأي العام فإنهم يدعون إلى السلام الشامل والوئام, وحسن الجوار واحترام الآخر!
стр. 268
الفرع الثاني: علاج الأخلاق الفاسدة .
وأما إذا حصل الفساد لهذه الأخلاق فقد أنزل الله العلاج الذي يصلحها ويقيمها في القرآن الكريم الذي هو آخر الكتب السماوية, والمهيمن عليها, وإذا أصلحنا اعوجاج الأخلاق بأساليب القرآن الكريم تخلَّقت النفس بأحسن الأخلاق مع الأمم والشعوب, فيعمهم الأمن والسلام والصلاح والإصلاح, كما قال تعالى في سورة بني إسرائيل: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ (١).
فالقرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم, وكلمة (أقوم) من أفعال التفضيل كما قرر ذلك أهل التفسير واللغة, قال الطبري ﵀: "للسبيل التي هي أقوم من غيرها من السبل, وذلك دين الله الذي بعث به أنبياءه, وهو الإسلام, قال ابن زيد: للتي هي أصوب هو الصواب, وهو الحق, قال: والمخالف هو الباطل, وقرأ قول الله تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (٢) أي: فيها الحق" (٣).
قال القرطبي: "أقوم أي: الطريقة التي هي أسد وأعدل وأصوب, فالتي نعت لموصوف محذوف أي: الطريقة إلى نص أقوم, وقال الزجاج للحال التي هي أقوم الحالات, وهي توحيد الله والإيمان برسله" (٤).
وقال السعدي: "أي: أعدل وأعلى من العقائد والأعمال والأخلاق, فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن كان أكمل الناس وأقومهم وأهداهم في جميع الأمور" (٥).
وقال الشنقيطي (٦): "وهذه الآية الكريمة أجمل الله جلَّ وعلا فيها جميع ما في القرآن من الهدى إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها" (٧) , ثم أسهب ﵀ في بيان معاني هذه الآية إلى أن قال: "فدل
стр. 269
مجموع الآية على أن المتصف بما في القرآن من مكارم الأخلاق أنه يكون على خُلق عظيم, وذلك لِعظم ما في القرآن من مكارم الأخلاق ثم ذكر بعض الأمثلة على ذلك, وختم ذلك بقوله: ومن هدي القرآن للتي هي أقوم هديه إلى حل المشاكل العالمية بأقوم الطرق وأعدلها" (١).
خلاصة:
لقد تبين مما سبق أن القرآن الكريم هو كتاب الهداية للعالمين, الذي يهدي لأفضل الطرق وأصوبها وأحسنها في كل شيء, وأن هذا الكتاب شمل كل ما تحتاجه البشرية جميعاً, في كل العلوم الدنيوية والآخروية, وكل العبادات والمعاملات, قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢).
стр. 270
المبحث الثاني: نقض أهل الكتاب للعهود والمواثيق , وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف العهد لغة واصطلاحاً, وفيه:
الفرع الأول: تعريف العهد لغةً.
الفرع الثاني: تعريف العهد اصطلاحاً.
المطلب الثاني: تعريف الميثاق لغةً واصطلاحاً, وفيه:
الفرع الأول: تعريف الميثاق لغة.
الفرع الثاني: تعريف الميثاق اصطلاحاً.
الفرع الثالث: الفرق بين العهد والميثاق.
المطلب الثالث: آيات العهود والمواثيق, وأقوال المفسرين فيها, وفيه:
الفرع الأول: الآيات التي تأمر أهل الكتاب بالوفاء بالعهود والمواثيق.
الفرع الثاني: معاني العهود والمواثيق.
المطلب الرابع: ما يترتب على نقض العهود والمواثيق, وفية:
الفرع الأول: الآيات التي تحذر أهل الكتاب من نقض العهود والمواثيق.
الفرع الثاني: ما يترتب على نقض العهود والمواثيق.
стр. 271
المطلب الأول: تعريف العهد لغة واصطلاحاً , وفيه:
الفرع الأول: تعريف العهد لغةً:
لقد عرف أهل اللغة العهد بعدة تعريفات, ومن هذه التعريفات ما يتعلق بأهل الكتاب, وهو مقصودنا هنا, فمن ذلك تعريف ابن فارس للعهد بقوله: "عهد العين والهاء والدال أصل هذا الباب عندنا دال على معنى واحد قد أومأ إليه الخليل (١) قال: أصله الاحتفاظ بالشيء وإحداث العهد به, والذي ذكره من الاحتفاظ هو المعنى الذي ترجع إليه فروع الباب.
فمن ذلك قولهم: عهد الرجل يعهد عهداً, وهو من الوصية, وإنما سميت بذلك؛ لأن العهد مما ينبغي الاحتفاظ به, ومنه اشتقاق العهد الذي يكتب للولاة من الوصية, وجمعه عهود.
ومن هذا الباب العهد الذي معناه الالتقاء والإلمام, يقال: هو قريب العهد به, وذلك أن إلمامه به احتفاظ به وإقبال" (٢).
الفرع الثاني: تعريف العهد اصطلاحاً:
أما تعريف العهد اصطلاحاً فقد قال الجرجاني ﵀ (٣): "العهد حفظ الشيء ومراعاته حالاً بعد حال, هذا أصله, ثم استعمل في الموثق الذي تلزم مراعاته, وهو المراد" (٤).
فالعلامة الجرجاني قد أتى للعهد بتعريفات, فبدأ بالتعريف اللغوي, وهو ما أشار إليه بقوله: هذا أصله.
ثم ذكر تعريفاً آخر, وهو التعريف الاصطلاحي الثاني, وهو الذي يتعلق ببحثنا وهو"الموثق الذي تلزم مراعاته".
وقال ابن عاشور: العهد "هو الائتمان على أمر مهمِّ" (٥).
стр. 272
وهنالك تعريف آخر لأحد المعاصرين وهو أن العهد: صيغة يعاهد فيها المؤمن ربه على الالتزام بفعل شيء أو تركه (١).
وذكر بعض العلماء أيضاً أن العهد: "هو الالتزام بإلزام الله, أو إلزام العبد لنفسه" (٢).
والعهد الذي يتعلق بأهل الكتاب هو ما عهده الله إليهم من توحيده وطاعته, واتباع رسوله محمد ﷺ فيما جاء به, وأنه يجب عليهم مراعاته ذلك العهد حالاً بعد حال حتى يدخلهم الله الجنة.
المطلب الثاني: تعريف الميثاق لغةً واصطلاحاً , وفيه:
الفرع الأول: تعريف الميثاق لغة:
عرفه علماء اللغة بمجموعة من التعريفات, قال ابن فارس: "وثق: الواو والثاء والقاف كلمة تدل على عقد وإحكام, ووثقت الشيء أحكمته, وثاقة موثقة الخلق, والميثاق: العهد المحكم, وهو ثقة, وقد وثقت به" (٣).
وقيل: "وَثِقَ به ثِقَةً ومَوْثِقاً: ائْتَمَنَهُ, والوَثيقُ: المُحْكَمُ, جمعه: وِثاقٌ, والمِيثاقُ والمَوْثِقُ بمعنى: العَهْدُ, وجمعه: مَواثيقُ ومَياثيقُ ومَياثِقُ, وأوْثَقَهُ فيه: شَدَّهُ " (٤).
ويأتي بمعنى الإصر وهو: "العهد المؤكد, لقوله تعالى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ (٥) " (٦).
الفرع الثاني: تعريف الميثاق اصطلاحاً:
أما تعريف الميثاق اصطلاحاً فقد عرفه الإمام القرطبي ﵀ بقوله هو: العهد المؤكد باليمين" (٧).
стр. 273
وقال ابن حومد ﵀: و"الميثاق هو العهد الشَّديد المؤكد" (١).
فتبين من التعريف الاصطلاحي أن الميثاق نوع من العهد, ولكنه يؤكد باليمين بين البشر بعضهم البعض ونحوها.
الفرع الثالث: الفرق بين العهد والميثاق:
لقد ذكر بعض العلماء أن هناك فروقاً بين العهد والميثاق من حيث اللغة, فمن هذه الفروق: " أن العهد إلزام والتزام سواء كانت فيه يمين أو لم تكن نحو: عهد الله لأفعلن, وعليَّ عهد الله، فهو ملتزم بهذا العهد, والميثاق هو العهد المؤكد باليمين" (٢).
وذكر بعض العلماء أيضاً أن العهد: "هو الالتزام بإلزام الله, أو إلزام العبد لنفسه" (٣).
ويقال في العهد: "عهد إليه في كذا: أوصاه به، وأوثقه عليه، والعهد في لسان العرب له معان: منها: الوصية, والضمان, والأمر، والرؤية, والمنزلة. وأما الميثاق: فهو العهد الموثق باليمين" (٤) , فيكون الميثاق مركباً من العهد واليمين معاً (٥).
والظاهر أن العهد والميثاق مترادفان لا فرق بينهما من حيث المعنى, ولكن العهد أعم من الميثاق في معناه, والميثاق داخل في العهد, ولكنه مؤكد باليمين, ويجب الوفاء به, وكذلك العهد الواجب, وهو ما أوصاه المعاهد به وأخذ عليه الموثق.
стр. 274
المطلب الثالث: آيات العهود والمواثيق, وأقوال المفسرين فيها , وفية:
الفرع الأول: الآيات التي تأمر أهل الكتاب بالوفاء بالعهود والمواثيق:
لقد أخذ الله على بني إسرائيل مجموعة من العهود والمواثيق ورد ذكرها في الكتب السابقة على ألسنة أنبيائهم ورسلهم, وكذلك ورد بعضها في القرآن الكريم, وهذه العهود كثيرة جداً, لكننا سنلخص معانيها من كلام المفسرين في تفسيرهم لهذه الآيات على النحو التالي:
الآية الأولى:
قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (١).
لقد أمر الله بني إسرائيل أن يلتزموا بالعهد المأخوذ عليهم, والذي عاهدوا الله على الوفاء به, والمراد بالعهد في هذه الآية كما قال الإمام الطبري: "عهدُ الله ووصيته الذي أخذ على بني إسرائيل في التوراة، أن يبيِّنوا للناس أمر محمد ﷺ أنه رسولٌ، وأنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة أنه نبيُّ الله، وأن يؤمنوا به, وبما جاء به من عند الله.
وأما قوله تعالى: (أُوف بعهدكم) فالمقصود به: "عهدُه إياهم أنهم إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣).
ثم ذكر الطبري عن ابن عباس نحو ذلك, وذهب إليه أكثر المفسرين, وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ أوفوا بأمري أوفِ بالذي وعدتكم، وقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى
стр. 275
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم﴾ (١) حتى بلغ: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ قال: هذا عهده الذي عهده لهم" (٢).
فتبين من كلام الطبري أن العهد الذي أخذه الله على بني إسرائيل هو الإيمان بالله وبرسله, وخاصة محمد ﷺ المذكور في كتبهم السابقة, وأن لا يكتموا صفاته, فهذا العهد الذي طلب الله منهم أن يوفوا به, هو عهد الله ووصيته لهم, فإن فعلوا ذلك فعهد الله لهم أن يدخلهم الجنة.
وأما قول ابن زيد وتلاوته لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم﴾ وأنه عهد الله الذي عهد إليهم فهو محمول على أنه يريد أن يبين معنى (أوف بعهدكم) وأنه هو الجزاء المذكور في قوله تعالى: (بأن لهم الجنة) في الآية التي تلاها, وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ , فلا ينافي ما ذكره أكثر المفسرين.
والذي يظهر أن قول ابن عباس ﵄ هو الصواب من بين الأقوال السابقة؛ لأن الرسول ﷺ قد جاء بكل الأوامر السابقة من إقامة الصلاة, وإيتاء الزكاة والصدقة, والإيمان بجميع الرسل وتصديقهم ونصرتهم وتعظيمهم, واتباع ما جاءوا به من كتاب ربهم, وتحريم القتل وسفك الدماء, فمن كان يحب الله فليتبع رسوله الأمي الذي أحل الطيبات, وحرم الخبائث, ووضع جميع الإصر والأغلال السابقة, قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣).
وأما سبب تسمية ما سبق عهداً, فقد ذكر الإمام الماوردي ﵀ أن في ذلك قولين:
أحدهما: لأنه عهده في الكتب السالفة.
والثاني: أنه جعله كالعهد الذي هو يمين؛ للزوم الوفاء بهما معاً" (٤).
والقولان متلازمان, فهو مذكور في الكتب السابقة كعهد تجب المحافظة عليه ومراعاته, وأيضاً هو أمر مؤكد لازم الوفاء, وإذا كان الله تعالى قد أخذ الميثاق على الأنبياء بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ
стр. 276
وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١) فأتباعهم من باب أولى, وهذا هو العهد الذي نقضه أهل الكتاب.
الآية الثانية:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ﴾ (٢).
الفرع الثاني: معاني العهود والمواثيق:
وقد ذكر الإمام الطبري معاني هذا العهد في هذه الآية, ونحن نلخصها فيما يلي:
الأول: " أنه وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته، في كتبه وعلى لسان رسوله ﷺ . ونقضُهم ذلك: تركُهم العمل به.
الثاني: أنه العهدُ الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صُلب آدم، الذي وصفه في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٣) ونقضُهم ذلك: تركهم الوفاء به.
الثالث: أن عهدَ الله الذي نقضوه بعدَ ميثاقه هو ما أخذه الله عليهم في التوراة منَ العمل بما فيها، واتباع محمد ﷺ إذا بُعث، والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم, ونقضُهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علمَ ذلك عن الناسَ، بعد إعطائهم اللهَ من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه, فأخبر الله جل ثناؤه أنهم نبذوه ورَاء ظهورهم, واشتروا به ثمنًا قليلا.
الرابع: أن الله عنى بهذه الآية جميع أهل الشرك والكفر والنفاق, وعهده إلى جميعهم في توحيده ما وضعَ لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته, وعهدُه إليهم في أمره ونهيه ما احتجَّ به لرسله من المعجزات التي لا يقدرُ أحد من الناس أن يأتي بمثلها، الشاهدة لهم على صدقهم.
стр. 277
قالوا: ونقضهم ذلك، تركهم الإقرارَ بما قد تبيَّنت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبُهم الرسلَ والكُتُب، مع علمهم أن ما أتوا به حق" (١).
وقد أضاف ابن حجر الهيتمي (٢) أقوالاً أخرى في معنى هذا العهد, على النحو التالي: "
الخامس: ما أخذه الله تعالى على الأنبياء ومتبعيهم أن لا يكفروا بالله, ولا بنبيه محمد ﷺ , وأن ينصروه ويعظموه, كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٣). وكما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (٤).
السادس: ما أخذه الله عليهم من أن لا يسفكوا دمائهم, ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم" (٥).
فتبين مما سبق أن العهد يشمل كل ما سبق من الأوامر والنواهي التي طلب الله من عباده القيام بها, وأهمها أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً, وأن يتبعوا الرسول الذي أرسله الله بالدين الخاتم, وهذا ما عليه أكثر أهل التفسير.
المطلب الرابع: ما يترتب على نقض العهود والمواثيق:
إن الخطاب القرآني جاءنا بالعلاج الذي يحل مشاكلنا, ويزيد من ترابطنا حينما نلتزم بما جاءنا به القرآن من الوفاء بالعهود والمواثيق التي بيننا وبين ربنا , وبيننا وبين أهل الكتاب وبين غيرهم, قال تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٦).
стр. 278
ورتب على الوفاء بذلك الأجر العظيم والفضل الجزيل, ولكنه توعد من أخلف عهده وميثاقه باللعنة, وجعل القلوب قاسية, وإلقائه العداوة والبغضاء بين من يتصفون بهذا الخلق الذميم إلى يوم القيامة, كما سنبينه في الآيات التالية:
الفرع الأول: الآيات التي تحذر أهل الكتاب من نقض العهود والمواثيق:
قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٣).
فهذه الآيات من الخطاب القرآني لأهل الكتاب تدل على وجوب الوفاء بالعهد وتؤكد على حرمة الغدر والخيانة.
وجميع الآيات التي ورد فيها لفظ العهد أو الميثاق فإنها تدل دلالة واضحة على منطوق العهد والميثاق أو مفهومه, وكل ما صدق عليه اسم العهد فرعايته من الإيمان, كما أن التفريط فيه من الكفر (٤).
ونظراً لأهمية الوفاء بالعهود والمواثيق فقد أوجب الله على عباده الوفاء بعهودهم ومواثيقهم وأكد على ذلك أنه سيسألهم عنها يوم القيامة, بقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٥).
ولكننا نلاحظ في عصرنا الحديث أكثر أهل الكتاب قد أصبح نقض العهود والمواثيق عمداً من أخلاقهم الثابتة التي تؤكد لنا تماديهم في فسقهم وضلالهم كأسلافهم, كما قال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ (٦).
стр. 279
ومن خلال آيات الخطاب السابقة بين الله لنا كل ما يترتب على نقض العهود والمواثيق من أوصاف, فآيات القرآن تصفهم بشرار الخلق, وتصفهم بأهل الخيانة, وتصفهم بأصحاب القلوب القاسية؛ وذلك لأنهم لم يقوموا بصيانة العهود والمواثيق وحفظها, فكفروا بربهم وقتلوا أنبياءهم, واستحلوا دماء غيرهم, وبسبب ذلك أباح الله دمائهم, وحكم عليهم بالقتل والتشريد, قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (١).
الفرع الثاني: ما يترتب على نقض العهود والمواثيق:
وإن مما يترتب على نقض العهود والمواثيق الخسارة في الدنيا والآخرة, التوعد باللعنة في الدنيا وسوء الدار في الآخرة, قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (٢).
فهذه الآيات تبين لنا بوضوح ما يترتب على نقض العهود والمواثيق من عواقب دنيوية كالقتل والتشريد, وكذلك إغراء العداوة والبغضاء بين بعضهم البعض كما هو الحاصل بين اليهود والنصارى طوال التاريخ, وآخرها الحرب العالمية الثانية عام (١٩٣٩ م ١٩٤٥ م) التي راح ضحيتها أكثر من أربعين مليونً من البشر (٣)؛ وكل ذلك بسبب نسيانهم حظاً مما ذكروا به, وسيستمرون على هذا الحال إلى يوم القيامة, ومع ذلك فطبع القلوب ولعن أصحابها يلاحق كل من أخلف عهده وميثاقه طوال حياته.
ومن أخطر ما ورد في القرآن الكريم مما يترتب على نقض العهود والمواثيق هو إلقاء العداوة والبغضاء بين ناقضي العهود والمواثيق قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا
стр. 280
حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١).
وقال تعالى عن اليهود: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢).
فهذه الآية الكريمة تتحدث أن أهل الكتاب نسوا حظاً مما ذكروا به من الأوامر التي أمرهم الله بها من عهده وميثاقه, فحل بهم عقاب الله, وأغرى بعضهم ببعض, وألقى العدواة والبغضاء بينهم, وأما النسيان الذي حصل من أهل الكتاب فهو نسيانهم لعقيدة التوحيد, وهي أساس الانحراف الذي فرقهم ومزقهم قديماً وحديثاً, وأوقع بينهم الخلاف والشقاق.
فعلى سبيل المثال فقد ذكر سيد قطب أنه قد وقع بين النصارى من الخلاف والشقاق والعداوة والبغضاء في التاريخ القديم والحديث مصداق ما قصه الله سبحانه في كتابه الصادق الكريم؛ وسال من دمائهم على أيدي بعضهم البعض ما لم يسل من حروبهم مع غيرهم في التاريخ كله, وهي ماضية إلى يوم القيامة كما قال أصدق القائلين، جزاء على نقضهم ميثاقهم، ونسيانهم حظا مما ذكروا به من عهد الله، وأول بند نقضوه ونسوه هو بند التوحيد، الذي انحرفوا عنه بعد فترة من وفاة المسيح ﵇ (٣).
والإغراء: مأخوذ من شدة التهيج والتحريش بين بعضهم البعض بالعداوة والبغضاء وشدة الاختلاف (٤).
قال ابن عاشور: وأما حقيقة الإغراء فهو حث أحد على فعل وتحسينه إليه حتى لا يتوانى في تحصيله؛ فاستعير الإغراء لتكوين ملازمة العداوة والبغضاء في نفوسهم أي: لزومهما لهم فيما بينهم, وقد شبه العلماء هذه العداوة والبغضاء فيهم مثل الدهن الذي يلصق بالخشب, وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم كان عقاباً في الدنيا جزاء على نكثهم العهد.
فإن قيل: كيف أُغريت بينهم العداوة, وهم لم يزالوا إلْبا على المسلمين؟
стр. 281
فجوابه: أنَّ العداوة ثابتة بينهم في الدين بانقسامهم فِرقاً، وذلك الانقسام يجرُّ إليهم العداوة وخذْل بعضهم بعضاً.
ثم إنَّ دولهم كانت منقسمة ومتحاربة، ولم تزل كذلك، وإنّما تألَّبوا في الحروب الصَّليبية على المسلمين, ثم لم يلبثوا أن تخاذلوا وتحاربوا، ولا يزال الأمر بينهم كذلك إلى الآن, وكم ضاعت مساعي الساعين في جمعهم على كلمة واحدة, وتأليف اتّحاد بينهم، أليسوا قد أقاموا حلف ألأطلسي, والاتحاد الأوروبي, وحلف وارسوا؟ ؟ وكان اختلافهم لطفاً بالمسلمين في مختلف عصور التَّاريخ الإسلامي، على أنَّ اتَّفاقهم على أمَّة أخرى لا ينافي تمكُّن العداوة فيما بينهم، وكفى بذلك عقاباً لهم على نسيانهم ما ذكِّروا به (١).
وهذه العداوة والبغضاء تشمل اليهود والنصارى كما قال سيد طنطاوي: "والذي تطمئن إليه النفس أن قوله تعالى: (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضاء إلى يَوْمِ القيامة) يشمل ما بين اليهود والنصارى من عداوة ظاهرة مستحكمة يراها الرائي في كل العصور والأزمان، كما يشمل ما بين فرق النصارى من اختلاف وتباغض وتقاتل؛ بسبب عقائدهم الزائغة وأهوائهم الفاسدة, وما نراه من تصارع وتقاتل بين طائفتي الكاثوليك والبروتستانت في ايرلاندا وفي غيرها خير شاهد على صدق القرآن الكريم" (٢).
وقد بين الشيخ محمد الغزالي السبب في هذه العداوة والبغضاء بين أهل الكتاب, وبيَّن أن المخرج منها هو الالتزام بعهد الله بقوله: "وتاريخ المسيحية شاهد صدق على هذا الشقاق الدامي بين شتى الكنائس, ولن تنسى أوربا الحروب الدينية الكثيرة التي ملأت ساحاتها بالدماء! وقد وضعت هذه الحروب أوزارها، إلا أن الكراهية ناشبة في أعماق الصدور يخفيها انشغال الكل بالعلمانية التي أقصت الدين وسيطرت على الدولة, ونرى أن هذه الهدنة عارضة، وأن الخصام عائد إلى الظهور حتما؛ لأن أسبابه قائمة، وهو ما تؤكده الآية, والواقع أنه لا سلام إلا في الإسلام، ولن تطهر الأيدي من الدماء إلا إذا عمرت الأفئدة بالاعتقاد الحق في الإله الواحد! وهذا معنى قوله تعالى: (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يَوْمِ القيامة) موقظاً القوم إلى ما يجب عليهم" (٣) , وصدق الله القائل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ
стр. 282
لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١).
وهذه العداوة والبغضاء اللازمة لهم طوال الزمن أدت إلى إهلاك بعضهم البعض, ولن تتركهم حتى يعودوا إلى رشدهم.
قال الشيخ الصابوني: "وهكذا نجد الأمم الغربية, وهم أبناء دين واحد يتفنن بعضهم في إهلاك بعض، فمن مخترع للقنبلة الذرية إلى مخترع للقنبلة الهيدروجينية، وهي مواد مدمرة، لا يمكن أن يتصور العقل ما تحدثه من تلف بالغ، وهلاك شامل! فالله يهلكهم بأموالهم وأيديهم مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (٢) " (٣).
فندعو أهل الكتاب أن يتنبهوا لما حصل لأسلافهم من فتن وقلاقل طوال حياتهم في الدنيا بسبب نقضهم عهودهم ومواثيقهم, ونسيانهم عقيدة التوحيد, وأن يعودوا إلى رشدهم قبل أن يحل بهم العذاب كما حل بأسلافهم, قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٥).
стр. 283
المبحث الثالث: أمثلة على نقض العهود والمواثيق قديماً وحديثاً , وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أمثلة على نقض العهود والمواثيق قديماً, وفيه:
الفرع الأول: نقض يهود بنو النضير للعهود والمواثيق قديماً.
الفرع الثاني: آيات نقض اليهود والنصارى للعهد والميثاق بكتمانهم نبوته ﷺ , وأقوال المفسرين فيها.
المطلب الثاني: أمثلة على نقض العهود والمواثيق حديثاً, وفيه:
الفرع الأول: اتفاقية الهدنة بين العرب وإسرائيل في (١٠ يونيو ٨ يوليو ١٩٤٨ م).
الفرع الثاني: بنود اتفاقية الهدنة بين العرب وإسرائيل في (١٠ يونيو ٨ يوليو ١٩٤٨ م).
الفرع الثالث: أوجه نقض اليهود والنصارى لاتفاقية الهدنة.
стр. 284
المطلب الأول: أمثلة على نقض العهود والمواثيق قديماً , وفيه:
إن العهود والمواثيق التي حصلت بين رسول الله ﷺ وبين أهل الكتاب عندما قدم إلى المدينة المنورة كثيرة, وقد كان من تلك العهود أن لا يقاتلوه, ولا يعينوا عليه أحدا, وقد عمل عهداً مع يهود المدينة في زمانه؛ كونهم كانوا هم القوة الكبيرة داخل المدينة, وكان أشهرهم يهود بني النضير, وبني قينقاع, وبني قريظة, وكانت كل هذه العهود والمواثيق يتم نقضها من قبلهم, والذي يظهر أن هذا الخُلق أصبح شهوة لا يستطيعون العيش بدونها كانتهاكهم لأعراض النساء كما حصل من بني قينقاع, والتغزل بالنساء كما حصل من كعب بن الأشرف, ومحاولات الاغتيال لرسول الله ﷺ التي حصلت من بني النضير, واتباع الهوى الذي حصل من بني قريظة, وسنذكر بعض ما حصل من نقض العهود والمواثيق منهم على سبيل المثال:
الفرع الأول: يهود بنو النضير تنقض العهد والميثاق مع رسول الله ﷺ -:
لقد أخبر الله رسوله محمداً ﷺ في زمانه عن اليهود المعاصرين له أنهم ينقضون عهدهم في كل مرة بسبب كفرهم, وأمر رسوله أن يعاقبهم بما يناسبهم, كما قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ (١).
فقد كان النبي ﷺ صالح يهود بني النضير في المدينة على أن لا يكونوا عليه ولا له, فلما أُصِيبَ المسلمون يوم أُحُدٍ أخذ اليهود في الدس والوقيعة, والتأليب على المسلمين, وذهب زعيمهم كعب بن الأشرف إلى مكة فحالف قريشاً, واستحثها على حرب الرسول ﷺ والمسلمين، واستئصال شأفتهم, وحاول يهود بني النضير قتل الرسول ﷺ بطرح حجر عليه من سطح أحد المنازل, بينما كان الرسول ﷺ يجلس في ظله. فأنجاه الله من كيدهم, فأمر الرسول ﷺ بقتل كعب بن الأشرف فقتله رجل من المسلمين_هو محمد بن مسلمة_ غيلة. وتأهب المسلمون وساروا لقتال بني النضير. فتحصن بنو النضير في مواقعهم، واستعدوا للحرب ... وجاء المسلمون فحاصروا بني النضير إحدى وعشرين ليلة, وقذف الله الرعب في قلوبهم, ويئسوا من نصر المنافقين, فطلبوا الصلح, فأبى الرسول إِلا جلاءهم عن المدينة, على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير واحد ما شاؤوا من متاعهم فجلا أكثرهم إلى الشام والحيرة,
стр. 285
وعمد اليهود إلى بيوتهم فخربوها لكيلا ينتفع المسلمون بها, وعمدوا إلى ما لا يستطيعون نقله من أثاثهم فدمروه, وكان نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصةً أعطاه الله إياه وخصه به ... (١).
وكانت هذه الحادثة من أخطر الحوادث حينما أرادوا قتل خير البرية محمد ﷺ , وهي تبين لنا موقف اليهود من الرسل والأنبياء والصالحين, أنهم يمارسون معهم التكذيب والقتل, وهذا هو الخُلق المتجسد فيهم, وقد توعدهم الله بسبب ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢).
ثانياً: نقض العهد من قبل يهود بني قريظة:
اليهود طباعهم واحدة, فقد قام يهود بنو قريظة بنقض العهد بعد بني النضير بعام واحد, ولم يتعظ بنو قريظة بما وقع لإخوانهم بني النضير, فلجئوا بعد عام واحد إلى ما وقع فيه بنو النضير من غدر وخيانة, فحصل لهم مثل ما حصل لإخوانهم اليهود.
ثالثاً: نقض يهود خيبر للعهود:
ثم حصل النقض للعهد من يهود خيبر حينما صالحهم رسول الله ﷺ , واشترط عليهم في عقد الصلح ألا يكتموا ولا يُغيبوا شيئاً, فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد (٣) , فحصل منهم النقض للذي تم بينهم وبين رسول الله ﷺ , فوقع لهم بسبب ذلك ما وقع من العقاب المعروف في غزوة خيبر في السنة السابعة للهجرة, وتفاصيل ذلك معروف في مواطنه من كتب السيرة النبوية.
خلاصة ما سبق:
إن الخطاب القرآني من الله فيه البيان الشافي الذي يوضح فيه مواقف أهل الكتاب المتتالية في كل مرة بأنهم سينبذون كل عهد وميثاق ويطرحونه, وهذه الصفة الذميمة أصبحت من أخلاقهم الثابتة في كل زمانٍ ومكان, فالسامري نبذ وأخلف ما كان بينه وبين موسى ﵇ من العهد