← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 132388

الكفارات أحكام وضوابط

عبد الرقيب الشامي

Полный текст (174 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أوجب الكفارة على من أفطر، وهو شامل للإفطار بالأكل والشرب، وبالجماع. ٢ ـ الاستدلال بالمواقعة، والقياس عليها، أما الاستدلال بها فهو أن الكفارة في المواقعة وجبت لكونها إفسادا لصوم رمضان من غير عذر ولا سفر على ما نطق به الحديث، والأكل، والشرب إفساد لصوم رمضان متعمدًا من غير عذر ولا سفر فكان إيجاب الكفارة هناك إيجابًا ههنا دلالة. ولما كان إفساد صوم رمضان ذنب ورفع الذنب واجب عقلاً وشرعًا لكونه قبيحًا، والكفارة تصلح رافعة له لأنها حسنة، وقد جاء الشرع بكون الحسنات من التوبة، والإيمان، والأعمال الصالحات رافعة للسيئات، إلا أن الذنوب مختلفة المقادير. ولأن من تأمل أنه لو أفطر يوما من رمضان لزمه إعتاق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا لامتنع منه. وأما الحاجة إلى الزجر فلوجود الداعي الطبيعي إلى الأكل، والشرب، والجماع، وهو شهوة الأكل، والشرب، والجماع، وهذا في الأكل، والشرب أكثر لأن الجوع، والعطش يقلل الشهوة، فكانت الحاجة إلى الزجر عن الأكل، والشرب أكثر، فكان شرع الزاجر هناك شرعا ههنا من طريق الأولى، وعلى هذه الطريقة يمنع عدم جواز إيجاب الكفارة بالقياس لأن الدلائل المقتضية لكون القياس حجة لا تفصل بين الكفارة وغيرها (١).

стр. 107

واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي: ١ ـ إن وجوب الكفارة ثبت معدولاً به عن القياس لأن وجوبها لرفع الذنب، والتوبة كافية لرفع الذنب. ٢ ـ ولأن الكفارة من باب المقادير، والقياس لا يهتدي إلى تعيين المقادير، وإنما عرف وجوبها بالنص، والنص ورد في الجماع، والأكل، والشرب ليسا في معناه لأن غريزة الجماع أقوى وأشد إلحاحاً من الأكل والشرب، فناسبها التغليظ في العقوبة لكبح جماح النفس، ولذا فالنص الوارد في الجماع لا يكون واردًا في الأكل، والشرب فيقتصر على مورد النص (١). قال ابن عبدِ البرِّ ﵀: " ... في المسألةِ قولان: أحدهما قول مالكٍ ومن تابعه، والحجّة لهم مِن جهةِ الأثرِ حديث ابنِ شهابٍ هذا، ومن جهة النّظرِ أنّ الآكل والشّارب في القياس كالمجامِع سواءٌ؛ لأنّ الصّوم في الشّريعةِ في وجهٍ واحدٍ شيءٌ واحدٌ، فسبيل نظيرِه في الحكمِ سبيله، والنّكتة الجامعة بينهما انتهاك حرمةِ الشّهرِ بما يفسد الصّوم عمدًا، وقد تقدّم أنّ لفظ حديث مالك في هذا الباب يجمع كلّ فطرٍ. والقول الثّاني قول الشّافعي ومن تابعه، والحجّة لهم أنّ الحديث ورد في المجامِع أهله، وليس الآكل مثله، بدليل إجماعِهم على أنّ المستقِيء عمدًا إنّما عليه القضاء، وليس عليه كفّارةٌ، وهو مفطِرٌ عمدًا، وكذلك مزدرِد الحصاة عمدًا عليه القضاء، وهو مفطِرٌ متعمِّدًا، وليس عليه كفّارةٌ؛ لأنّ الذِّمّة بريئةٌ فلا يثبت فيها شيءٌ إلاّ بيقينٍ، والآكل عمدًا لا يرجم ولا يجلد ولا يجب عليه غسلٌ، فليس كالمجامِع، والكلام في هذه المسألة يطول وفيما لوّحنا به كفايةٌ" (٢).

стр. 108

والراجح هو القول الثاني لقوة ما استدلوا به، لأن النص جاء في المجامع، ولم يرد فيمن أكل أو شرب فبقي على البراءة الأصلية، لأن الكفارات لا تثبت بالقياس، إذ هي من المقدرات المبنية على التوقيف. وأما استدلالهم بحديث: (أن النبي ﷺ أمر رجلاً أفطر في رمضان، أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينًا) فهو مجمل، ومفسر بحديث الأعرابي الذي جامع أهله في نهار رمضان، لأن القصة واحدة. قال ابن حجر: "قد ورد ... أن النبي ﷺ أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة .... الحديث، وأخرجه الدارقطني من طريق مجاهد عن أبي هريرة أن النبي ﷺ أمر الذي أفطر يومًا من رمضان بكفارة الظهار، والحديث واحد والقصة واحدة والمراد بأنه أفطر بالجماع لا بغيره توفيقًا بين الأخبار .. " (١). وأما ما روى مالك في الموطأ أن رجلا أفطر في رمضان فأمره النبي ﷺ بالكفارة المذكورة فليس بحجة; لأن قول الراوي فأفطر هو مجمل، والمجمل ليس له عموم فيؤخذ به، لكن هذا قول على أن الراوي كان يرى أن الكفارة كانت لموضع الإفطار، ولولا ذلك لما عبر بهذا اللفظ، ولذكر النوع من الفطر الذي أفطر به (٢). ولأن الأصل براءة الذمة، فلا يثبت الشغل إلا بدليل من نص، أو إجماع، أو قياس، ولم يوجد واحد منها، والقياس على الجماع ممنوع، لقوة الداعي إليه، فالحاجة إلى الزجر عنه أبلغ (٣).

стр. 109

والموجب للكفّارة ليس مجرّد الفطر، ولا مجرد انتهاك حرمة الصوم، بل الفطر وانتهاك حرمة رمضان بالجماع، فلو وجب لأجل الإفطار فقط، أو لانتهاك حرمة الصوم فقط؛ لاستوى فيه جميع المفطّرات؛ كالقيء، والحجامة، لمن يقول بأنها تفطّر، وغيرهما، فإنّ تخصيص بعضها دون بعضٍ نوع تكليف يحتاج إلى دلالة الشّرع.

стр. 110

المبحث الثاني أحكام كفارة الجماع في نهار رمضان ، ويشتمل على أربعة مطالب: المطلب الأول: خصال كفارة الجماع في نهار رمضان المطلب الثاني: الكفارة بين الترتيب والتخيير. المطلب الثالث: هل تجب كفارة الجماع في نهار رمضان على الزوجة؟ المطلب الرابع: هل تتعدد الكفارة بتعدد الجماع؟

стр. 111

المطلب الأول خصال كفارة الجماع في نهار رمضان الأصل في كفارة الجماع في نهار رمضان، ما ورد في السنة النبوية عن أبي هريرة ﵁، قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال: هلكت، وقعت على أهلي في رمضان، قال: (أعتق رقبة) قال: ليس لي، قال: (فصم شهرين متتابعين) قال: لا أستطيع، قال: (فأطعم ستين مسكينًا) قال: لا أجد، فأتي بعرق فيه تمر - قال إبراهيم: العرق المكتل - فقال: (أين السائل، تصدق بها) قال: على أفقر مني، والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، قال: (فأنتم إذا) (١). نص الحديث على خصال الكفارة بالترتيب، على النحو التالي على القول الراجح (٢): أولاً: عتق رقبة . يجب على من جامع في نهار رمضان أن يعتق رقبة، فإن لم يملكها وكان واجداً لثمنها فاضلاً عن احتياجاته فيجب عليه شراء رقبة، ويعتقها. ولا يشترط في الرقبة أن تكون (مؤمنة)؛ لأن النص ورد مطلقاً عن التقييد، والأصل بقاؤه كذلك، وقد تقدم الحديث عن هذا الموضوع في كفارة اليمين.

стр. 112

ثانياً: الصيام . ويشترط لصحة الصيام عدة شروط: ١ ـ عدم وجد الرقبة، أو كان غير قادر على شرائها. ٢ ـ تبييت نية الصيام قبل الفجر، لأنه صيام واجب. ٣ ـ وجوب التتابع: فيصوم شهرين متتابعين، ولا يجوز له الإفطار خلال الشهرين إلا بعذر شرعي يبيح الفطر في رمضان، فإن أفطر يوماً من غير عذر استأنف الصيام من جديد، أو جامع ذاكراً خلال الشهرين استأنف الصيام. ثالثاً: الإطعام . من لم يستطع الصيام فينتقل إلى الإطعام، والمقدر بإطعام ستين مسكيناً. ويقال في مقدار الإطعام لكل مسكين، والعدد المعتبر ما قيل في كفارة اليمين.

стр. 113

المطلب الثاني الكفارة بين الترتيب والتخيير اختلف العلماء في كفارة الجماع في رمضان هل هي على الترتيب أم على التخيير على قولين: القول الأول: هي مرتبة، فالعتق أولا، فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يستطع فالإطعام، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد والثوري وسائر الكوفيين (١). القول الثاني: هي على التخيير بين العتق والصيام والإطعام، وبأيها كفر أجزأه. وهو مذهب مالك (٢) وراوية عن أحمد (٣). وسبب اختلافهم في وجوب الترتيب: تعارض ظواهر الآثار في ذلك والأقيسة، وذلك أن ظاهر حديث الأعرابي يوجب أنها على الترتيب إذ سأله النبي ﵊ عن الاستطاعة عليها مرتبا. وظاهر ما رواه مالك من: (أن رجلا أفطر في رمضان فأمره رسول الله ﷺ أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا) أنها على التخيير، إذ (أو) إنما يقتضي في لسان العرب التخيير، وإن كان ذلك من لفظ الراوي الصاحب، إذ كانوا أقعد بمفهوم الأحوال ودلالات الأقوال.

стр. 114

وأما الأقيسة المعارضة في ذلك: فتشبيهها تارة بكفارة الظهار، وتارة بكفارة اليمين، لكنها أشبه بكفارة الظهار منها بكفارة اليمين، وأخذ الترتيب من حكاية لفظ الراوي. وأما استحباب مالك الابتداء بالإطعام فمخالف لظواهر الآثار، وإنما ذهب إلى هذا من طريق القياس، لأنه رأى الصيام قد وقع بدله الإطعام في مواضع شتى من الشرع، وأنه مناسب له أكثر من غيره بدليل قراءة من قرأ: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤] ولذلك استحب هو وجماعة من العلماء لمن مات وعليه صوم أن يكفر بالإطعام عنه، وهذا كأنه من باب ترجيح القياس الذي تشهد له الأصول على الأثر الذي لا تشهد له الأصول (١). ويرجح القول الأول لما يلي: ١ ـ ما رواه عن أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال للواقع على أهله: (هل تجد رقبة تعتقها؟ ) قال: لا. قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ ) قال: لا. قال: (فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ ) قال: لا. وذكر سائر الحديث لفظ الترتيب، والأخذ بهذا أولى من رواية مالك؛ لأن أصحاب الزهري اتفقوا على روايته هكذا، سوى مالك وابن جريج، واحتمال الغلط فيهما أكثر من احتماله في سائر أصحابه. ٢ ـ ولأن الترتيب زيادة، والأخذ بالزيادة متعين. ٣ ـ ولأن حديث القول الأول لفظ النبي ﷺ وحديث القول الثاني لفظ الراوي، ويحتمل أنه رواه بـ (أو) لاعتقاده أن معنى اللفظين سواء.

стр. 115

٤ ـ ولأنها كفارة فيها صوم شهرين متتابعين، فكانت على الترتيب، ككفارة الظهار والقتل (١). ٥ ـ ولأن النبي ﷺ لم ينقله عن العتق إلى الصيام إلا بالعجز عنه فدل على عدم التخيير، ووجوب الترتيب. ٦ ـ ولأنه نوع تكفير يجب بضرب من المأثم، فوجب أن يكون من شرط الترتيب أصله كفارة القتل والظهار. ٧ ـ ولأن الكفارات في الشرع ضربان: ضرب بدئ فيها بالأغلظ فكان الترتيب فيها واجبا، مثل كفارة الظهار والقتل بدئ فيها بالعتق وضرب بدئ فيها بالأخف، فكان التخيير فيها مستحقا مثل كفارة اليمين بدئ فيها بالإطعام ثم وجدنا كفارة الجماع بدئ فيها بالأغلظ، وهو العتق فوجب أن يكون الترتيب فيها مستحقا. ٨ ـ وأما ما رواه مالك فقد رُوي في الطرق الأخرى على الترتيب، والقصة واحدة، والرواية التي استدل بها القول الآخر أولى لكثرة الرواة، ونقل لفظ النبي ﷺ ، وتفسير ألفاظه التي لا يدخلها احتمال (٢).

стр. 116

المطلب الثالث هل تجب كفارة الجماع في نهار رمضان على الزوجة ؟ اختلف العلماء في وجوب كفارة الجماع على الزوجة على قولين: القول الأول: تجب على كل واحد منهما كفارة، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، ورواية عن أحمد، واختاره ابن المنذر (١). القول الثاني: تجب الكفارة على الرجل وحده، وهو مذهب الشافعي وداود (٢). وسبب اختلافهم: معارضة ظاهر الأثر للقياس، وذلك أنه ﵊ لم يأمر المرأة في الحديث بكفارة، والقياس أنها مثل الرجل إذ كان كلاهما مكلفا. استدل أصحاب القول الأول بما يلي: ١ ـ ما روي أن النبي ﷺ قال: (من أفطر في رمضان .. فعليه ما على المظاهر)، يعني: من الكفارة، والزوجة قد أفطرت بالجماع، فوجب أن تكون عليها الكفارة. ٢ ـ ولأنها عقوبة تتعلق بالجماع، فاستوى فيها الرجل والمرأة، كحد الزنا، وفيه احتراز من المهر (٣).

стр. 117

واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي: ١ ـ أن النبي ﷺ أمر الذي جامع في نهار شهر رمضان بالعتق، فإن لم يجد .. فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع .. أطعم ستين مسكيناً، فدل على أن هذا هو ما يجب بالجماع. ٢ ـ ولأنه حق مال يتعلق بالوطء من بين جنسه، فكان على الرجل كالمهر (١). والراجح هو القول الثاني؛ لأن الحديث ورد بتعيين الكفارة على الزوج، ولم يذكر الزوجة. ولو كان يجب على الزوجة لما ترك النبي ﷺ بيان ذلك، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وليست القضية مما يتعلق بالقضاء حتى يجب حضورها، وإقرارها، وإنما هو حكم شرعي يتعلق بحق من حقوق الله تعالى يتناول كل من وجب عليه، سواء بحضور الشخص أو بغيابه، فلو وجب عليها لأمره النبي ﷺ إبلاغ زوجته حتى تعلم حكم الله تعالى. وأما الحديث الذي استدلوا به فلا وجود له في كتب الحديث، فلا يثبت.

стр. 118

المطلب الرابع هل تتعدد الكفارة بتعدد الجماع لا خلاف بين الفقهاء في أن من تكرر منه الجماع في نهار يوم واحد من رمضان قبل تكفيره، فإن الواجب عليه كفارة واحدة. كما لا خلاف بينهم في أن من كفر، ثم جامع ثانية في يوم آخر فإن الواجب عليه كفارة ثانية (١). وإنما الخلاف بينهم في تعدد الكفارة على من جامع في يومين ولم يكفر. كما اختلفوا في تعدد الكفارة على من جامع ثم كفر، ثم جامع ثانية في نفس اليوم، وإليك ما قاله الفقهاء في ذلك: المسألة الأولى: تعدد الكفارة على من جامع في يومين ولم يكفر: إذا جامع في يومين من رمضان ولم يكفر، فقد اختلف الفقهاء فيما يلزمه بذلك على قولين: القول الأول: تلزمه كفارتان، وإليه ذهب المالكية، والشافعية، وأحمد في أصح الروايتين عنه، وهو قول الليث، وروي ذلك عن عطاء ومكحول (٢).

стр. 119

القول الثاني: تجزئه كفارة واحدة، وإليه ذهب الحنفية، وبه قال الزهري والأوزاعي، وهو ظاهر إطلاق الخرقي، واختيار أبي بكر من الحنابلة (١). والسبب في اختلافهم: تشبيه الكفارات بالحدود، فمن شبهها بالحدود قال: كفارة واحدة تجزئ في ذلك عن أفعال كثيرة، كما يلزم الزاني جلد واحد، وإن زنى ألف مرة إذا لم يحد لواحد منها. ومن لم يشبهها بالحدود جعل لكل واحد من الأيام حكمًا منفردًا بنفسه في هتك الصوم فيه أوجب في كل يوم كفارة. قالوا: والفرق بينهما أن الكفارة فيها نوع من القربة، والحدود زجر محض (٢). الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يلي: ١ ـ بأن صوم كل يوم عبادة منفردة، فإذا وجبت الكفارة بإفساده، لم تتداخل كفاراتها، كرمضانين، وكالحجتين، وكالعمرتين (٣). ٢ ـ أن سبب الكفارة هو الجماع، وقد تكرر فيجب أن تتكرر الكفارة، والحكم يتكرر بتكرر سببه وهو الأصل إلا في موضع فيه ضرورة كما في العقوبات البدنية وهي الحدود لما في التكرر من خوف الهلاك ولم يوجد ههنا فيتكرر الوجوب ولهذا تكرر في سائر الكفارات وهي كفارة القتل، واليمين، والظهار (٤).

стр. 120

٣ ـ ولأن لكل يوم من الشهر حرمة يتميز بها عن الآخر لما يلزمه من تجديد النية، ولا يتعدى فساد اليوم، إلى غيره فوجب أن يلزمه بهتك حرمة يوم كفارة مجددة (١). واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي: ١ ـ حديث الأعرابي أنه لما قال: واقعت امرأتي أمره رسول الله ﷺ بإعتاق رقبة واحدة (٢) بقوله: (أعتق رقبة) وإن كان قوله واقعت يحتمل المرة والتكرار ولم يستفسر فدل أن الحكم لا يختلف بالمرة والتكرار. ٢ ـ ولأن معنى الزجر لازم في هذه الكفارة بدليل اختصاص وجوبها بالعمد المخصوص في الجناية الخالصة الخالية عن الشبهة بخلاف سائر الكفارات، والزجر يحصل بكفارة واحدة بخلاف ما إذا جامع فكفر ثم جامع لأنه لما جامع بعد ما كفر علم أن الزجر لم يحصل بالأول (٣). ٣ ـ أن الكفارات جزاء عن جنايات تكرر سببها قبل استيفائها فيجب أن تتداخل كالحد (٤). والراجح هو القول الأول، لقوة ما استدلوا به. وأما استدلال أصحاب القول الثاني بحديث الأعرابي فالأصل أن الحادثة واحدة، والواقعة غير متكررة، وإلا لبينها الأعرابي للنبي ﷺ حتى يتبين الحكم، وإلا لكان السؤال ناقصاً، فإن الجواب يكون على قدر السؤال.

стр. 121

وقولهم: إن الزجر يتحقق بواحدة ليس بلازم، بل إن القول بالكفارة الواحدة يفتح المجال للتساهل، وانتهاك حرمة الصيام في نهار رمضان أكثر من مرة إذا علم المرء أنه يجب عليه كفارة واحدة ولو تعددت الأيام. وتفارق الكفارة الحد كون الحد عقوبة محضة، والكفارة تجمع بين التعبد، والزجر، فتتعلق بكل يوم على حده. وقد يقال: إن تكليف الشخص صيام شهرين متتابعين لعدد من الأيام فيه مشقة غير محتملة. ونقول: إن الواجب تقرير الحكم من الناحية النظرية، وهو أن كل يوم من رمضان له حرمة، ويترتب على انتهاكه بالجماع في نهاره حقوق، الأول: التوبة والاستغفار، والثاني: الكفارة، والثالث: القضاء. وأما من الناحية التطبيقية فنرجع إلى مراعاة فقه الاستطاعة المقرر في القرآن الكريم والسنة النبوية، فيقال للشخص: الأصل أن تعتق عن كل يوم رقبة، فإن لم تستطع فعليك صيام شهرين متتابعين عن كل يوم أفطرت فيه، فإن لم تستطع انتقلت إلى الإطعام فتطعم ستين مسكيناً عن كل يوم أفطرته بالجماع، فإن كانت قدرتك أدنى من عدد الأيام التي أفطرت فيها قمت بتكفير ما استطعت، وليس عليك غير ذلك إذ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].

стр. 122

المسألة الثانية: تعدد الكفارة على من جامع ثم كفر، ثم جامع ثانية في نفس اليوم: اختلف العلماء في المسألة على قولين: القول الأول: لا تلزمه كفارة ثانية وإليه ذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية (١)، واستدلوا بأن الجماع الثاني لم يصادف صوما منعقدا، ولم يمنع صحته، فلم يوجب شيئا كالجماع في الليل، بخلاف الجماع الأول (٢). القول الثاني: تلزمه كفارة ثانية، نص عليه أحمد (٣). وحجتهم أن الصوم في رمضان عبادة تجب الكفارة بالجماع فيها، فتكررت بتكرر الوطء إذا كان بعد التكفير كالحج. وبأنه وطء محرم لحرمة رمضان فأوجب الكفارة كالأول، وفارق الوطء في الليل فإنه غير، محرم. والراجح هو القول الأول: لأن الجماع وقع في صوم فاسد، ولم يصادف محلاً يوجب الكفارة. ولأن الكفارة متعلقة باليوم الذي حصل إفساده لا بذات الفعل.

стр. 123

الفصل الخامس كفارة قتل المُحرم للصيد ، ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: الصيد الموجب للكفارة. المبحث الثاني: خصال كفارة قتل المحرم للصيد.

стр. 124

المبحث الأول الصيد الموجب للكفارة تعريف الصيد لغة واصطلاحاً: الصَّيْدُ لغة: مصدر صَادَ يَصِيْدُ صيداً أي: قنصه، وأَخْذُه خلسة وحيلة، سواء أكان مأكولاً أم غير مأكول. وأُطلق على المصيد، تسميةً للمفعول باسم المصدر، فيقال للحيوان المصيد: صيد (١). وفي الاصطلاح: الصيد عند الحنفية: هو الحيوان البري الممتنع عن أخذه بقوائمه، أو جناحيه، المتوحش في أصل الخلقة (٢). وعند المالكية: هو الحيوان البري المتوحش في أصل الخلقة (٣). وعند الشافعية: هو الحيوان البري المتوحش المأكول اللحم (٤). وعند الحنابلة: اقتناص حيوان حلال متوحش طبعاً، غير مملوك، ولا مقدور عليه (٥).

стр. 125

الصيد الموجب للكفارة ١ ـ اتفق العلماء على حرمة صيد البر مطلقاً للمُحرم سواء كان داخل الحرم أو خارجه؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. ٢ ـ اتفق العلماء على حرمة صيد الحرم مطلقاً سواء كان الشخص محرماً أو حلالاً، لقوله سبحانه: ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا﴾ [العنكبوت: ٦٧]. وقول رسول الله ﷺ : (إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة، لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي .. ) (١) (٢). ٣ ـ اتفق العلماء على أن المحرم إذا قتل الصيد أن عليه الجزاء، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، وإباحته للحلال خارج الحرم بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. ٤ ـ اتفق العلماء على أن المحرم إذا قتل الصيد متعمداً أن عليه الجزاء للنص عليه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة: ٩٥] (٣).

стр. 126

واختلفوا في ثلاث مسائل: الأولى: حكم الحلال يقتل الصيد في الحرم من حيث الكفارة. الثانية: قتل الصيد بغير عمد. الثالثة: هل يتكرر الجزاء بتكرر قتل الصيد؟ المسألة الأولى: حكم الحلال يقتل الصيد في الحرم، هل عليه كفارة ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: عليه الجزاء، وهو قول جمهور فقهاء الأمصار (١). القول الثاني: لا جزاء عليه، وهو قول داود وأصحابه (٢). استدل أصحاب القول الأول بما يلي: ١ ـ أن الصحابة ﵃ قضوا في حمام الحرم بشاة شاة. روي ذلك عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عباس. ولم ينقل عن غيرهم خلافهم، فيكون إجماعًا. ٢ ـ ولأنه صيد ممنوع منه لحق الله تعالى، أشبه الصيد في حق المحرم (٣). ٣ ـ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. ووجه الدليل من الآية أن: ﴿حُرُم﴾ يقع على من

стр. 127

دخل الحرم، وعلى من أحرم بنسك، فوجب أن يحمل عليهما معا، فيترتب عليه الجزاء المذكور. قال يحيى، قال مالك: سمعت أنه يحكم على من قتل الصيد في الحرم وهو حلال، بمثل ما يحكم به على المحرم، الذي يقتل الصيد في الحرم وهو محرم. واستدل أصحاب القول الثاني بأن الأصل براءة الذمة، ولم يرد فيه نص فيبقى بحاله (١). والراجح هو القول الأول لقوة ما استدلوا به، وكونه ورد عن الصحابة ﵃، ولم يظهر لهم مخالف، فعن عطاء , عن ابن عباس ﵄: (أنه جعل في حمام الحرم على المحرم والحلال في كل حمامة شاة) (٢). المسألة الثانية: حكم قتل الصيد بغير عمد (كالخطأ والنسيان): اختلف العلماء في المسألة على قولين: القول الأول: لا كفارة في الخطأ والنسيان، وهو قول داود الظاهري، ورواية عن أحمد وقول ابن عباس من الصحابة، وقول سعيد بن جبير من التابعين (٣). القول الثاني: أن العامد والمخطئ والناسي سواء في وجوب الكفارة، وهو قول الجمهور (٤).

стр. 128

الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يلي: ١ ـ قوله: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء .. ﴾ [المائدة: ٩٥] فشرط العمد في إيجاب الجزاء يدل على أن الخاطئ ليس عليه جزاء، والأصل براءة ذمته، فلا يشغلها إلا بدليل. ٢ ـ وبقوله ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (١) فوجب بحق الظاهر أن يرتفع حكمه. ٣ ـ ولأن كل فعل يجب على المحرم بعمده الكفارة لم يجب عليه بخطئه الكفارة كالطيب واللباس والدلالة عليه قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء﴾ [المائدة: ٩٥] فاحتمل أن يكون المراد به متعمداً لقتله ناسياً لإحرامه واحتمل أن يكون متعمداً لقتله ذاكراً لإحرامه فإذا احتمل الأمرين يحمل عليهما؛ لأن ظاهر العموم يتناولها، وداود يخرج من العموم أحدهما (٢). ٤ ـ عن قبيصة بن جابر الأسدي: أنه سمع عمر بن الخطاب، ومعه عبد الرحمن بن عوف، وعمر: يسأل رجلا قتل ظبيا وهو محرم؟ فقال له عمر: عمدا قتلته أم خطأ؟ فقال له الرجل: لقد تعمدت رميه وما أردت قتله، فقال له عمر: ما أراك إلا أشركت بين العمد والخطأ؛ أعمد إلى شاة فاذبحها فتصدق بلحمها وأسق إهابها.

стр. 129

قال أبو محمد بن حزم: فلو كان العمد والخطأ في ذلك سواء عند عمر، وعبد الرحمن لما سأله عمر أعمدا قتلته أم خطأ؟ ولم ينكر ذلك عبد الرحمن؛ لأنه كان يكون فضولا من السؤال لا معنى له؟ ٥ ـ ومن طريق ابن أبي شيبة عن إسماعيل ابن علية عن الحسين المعلم عن قتادة عن أبي مدينة عن ابن عباس أنه قال في المحرم يقتل الصيد: ليس عليه في الخطأ شيء - أبو مدينة هو عبد الله بن حصن السدوسي تابعي -، سمع أبا موسى، وابن عباس، وابن الزبير ﵃. ٦ ـ ومن طريق شعبة عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير: أنه سئل عن المحرم يقتل الصيد خطأ؟ قال: ليس عليه شيء؟ قال: فقلت له: عمن؟ قال: السنة (١). أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بما يلي: ١ ـ إن العمد والنسيان في الضمان لا يفترقان، لأن السبب لا يختلف بهما كإتلاف الأموال، والتقييد بالعمد في قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: ٩٥] لأجل الوعيد المذكور في آخر الآية، وهو قوله تعالى: ﴿ليذوق وبال أمره﴾ [المائدة: ٩٥]، فإن قيل: هذا تعليل على مخالفة النص القاطع لقوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾ [المائدة: ٩٥] نص على التعمد وهو يخالف النسيان. فالجواب أن التخصيص بالذكر لا

стр. 130

يدل على نفي الحكم عما عداه فجاز أن يثبت حكم النسيان بدليل آخر وهو قوله: ﷺ (الضبع صيد وفيه شاة) (١) من غير فصل بين عمد ونسيان، وهو مذهب عمر وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ﵃ .. أو يقال: إنه خرج مخرج الغالب على الصيد إنما يقتل مع القصد (٢). قال الشافعي: "ولم أعلم بين المسلمين اختلافا أن ما كان ممنوعا أن يتلف من نفس إنسان أو طائر أو دابة أو غير ذلك مما يجوز ملكه فأصابه إنسان عمدا فكان على من أصابه فيه ثمن يؤدى لصاحبه وكذلك فيما أصاب من ذلك خطأ لا فرق بين ذلك إلا المأثم في العمد فلما كان هذا كما وصفت مع أشباه له كان الصيد كله ممنوعا في كتاب الله تعالى" (٣). ٢ ـ القياس على قتل الخطأ فقد أوجب الله فيه الكفارة (٤). ٣ ـ روى مخارق عن طارق بن شهاب قال: خرجنا مهلين بالحج فرحنا عشية فبدا لنا ضب فابتدرناه ونسينا إهلالنا في الحج فانصدر إليه رجل منا يقال له أربد فقتله فقلنا ما صنعتم ألسنا محرمين، فلما قدمنا مكة صار إربد إلى عمر بن الخطاب ﵁ فذكر ذلك له فقال له عمر احكم فقال: فأنت أمير المؤمنين وأعلم مني قال: إني لم أقل لك أن تزكيني ولكن احكم قال: فإني أحكم جديا قد جمع الماء والشجر يقول قد أكل وشرب قال: فهو كما حكمت.

стр. 131

فموضع الدلالة من هذا استفاضة حكم الجزاء في العمد والخطأ بين الصحابة، والتابعين من غير شك، أو نزاع، فدل على أن ذلك إجماع، أو كالإجماع (١). ٤ ـ ولأنها نفس مضمونة بالتكفير عمدا فوجب أن تكون مضمونة بالتكفير خطأ كالآدمي. ٥ ـ ولأن كل شيء يجب الغرم بإتلافه فالعمد والخطأ فيه سواء كأموال الأدميين. وأجابوا عن أدلة أصحاب القول الأول بقولهم: أما استدلالهم بالآية فقد جعلناها دليلاً عليه. وأما استدلالهم بالخبر فمحمول على رفع الإثم. وأما قياسهم على الطيب واللباس فالمعنى في الطيب واللباس أنه استمتاع فافترق حكم عمده وسهوه وقتل الصيد إتلاف فاستوى حكم عمده وسهوه (٢). توجيه ابن رشد لأسباب الخلاف: يقول ﵀: "أما من اشترط في وجوب الجزاء أن يكون القتل عمدًا فحجته أن اشتراط ذلك نص في الآية، وأيضا فإن العمد هو الموجب للعقاب، والكفارات عقاب ما. وأما من أوجب الجزاء مع النسيان فلا حجة له، إلا أن يشبه الجزاء عند إتلاف

стр. 132

الصيد بإتلاف الأموال؛ فإن الأموال عند الجمهور تضمن خطأ ونسيانا. لكن يعارض هذا القياس اشتراط العمد في وجوب الجزاء، فقد أجاب بعضهم عن هذا - أي العمد - إنما اشترط؛ لمكان تعلق العقاب المنصوص عليه في قوله: ﴿ليذوق وبال أمره﴾ [المائدة: ٩٥]. وذلك لا معنى له; لأن الوبال المذوق هو في الغرامة، فسواء قتله مخطئا أو متعمدا قد ذاق الوبال، ولا خلاف أن الناسي غير معاقب. وأكثر ما تلزم هذه الحجة لمن كان من أصله أن الكفارات لا تثبت بالقياس، فإنه لا دليل لمن أثبتها على الناسي إلا القياس" (١). والراجح هو القول الأول لقوة ما استدلوا به، ولأن الآية نصت على العمد فدل على انتفاء ما سواه، ونحن نعلم أن الشريعة تفرق بين العمد والنسيان والخطأ. والقياس على ضمان الأموال قياس مع الفارق، كون الأموال حق آدمي لا يقبل التسامح، وقضية الصيد حق لله، فيجري عليه العفو وعدم المؤاخذة. المسألة الثالثة: هل يتكرر الجزاء بتكرر قتل الصيد ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجب عليه جزاء ثان. وهو قول الجمهور (٢). القول الثاني: لا جزاء عليه في الثاني ولو عاد مائة مرة، وإنما يجب الجزاء بالمرة الأولى وهو قول داود بن علي الظاهري، وفي الصحابة قول ابن عباس، وفي التابعين قول مجاهد وشريح والحسن وقتادة والنخعي (٣).

стр. 133

القول الثالث: إن كفر عن الأول فعليه للثاني كفارة، وإلا فلا شيء للثاني، وهو رواية عن أحمد (١). الأدلة: استدل أصحاب الأول بما يلي: ١ ـ قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: ٩٥]، فأوجب مثل ما قتل فإذا قتل صيدين وجب عليه مثلهما، لأن الجزاء الواحد لا يكون مثلا لهما، والآية اقتضت الجزاء على العائد بعمومها. وذكر العقوبة في الثاني لا يمنع الوجوب. ٢ ـ ولأنها نفس مضمونة بالتكفير فوجب أن يكون تكرار القتل موجبًا لتكرار التكفير كنفوس الآدميين. ٣ ـ ولأنه غرم مال يجب بالإتلاف فوجب أن يتكرر الغرم فيه بتكرر الفعل منه كأموال الآدميين (٢). ٤ ـ أنها كفارة عن قتل، فاستوى فيه المبتدئ والعائد، كقتل الآدمي. قال أحمد: روي عن عمر وغيره، أنهم حكموا في الخطأ، وفي من قتل، ولم يسألوه: هل كان قتل قبل هذا أو لا؟ (٣).

стр. 134

واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي: ١ ـ بقوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء﴾ [المائدة: ٩٥] فعلق وجوب الجزاء على لفظ: "من" والحكم إذا تعلق بلفظ "من" اقتضى مرة واحدة، ولم يتكرر الحكم بتكرار الفعل كقولهم: من دخل داري فله درهم، فإذا دخلها مرة واحدة استحق درهما، ولو عاد في دخولها لم يستحق شيئا، وكما لو قال لنسائه: من خرجت من الدار فهي طالق، فخرجت واحدة منهن طلقت، ولو عادت فخرجت ثانية لم تطلق، كذلك قاتل الصيد إذا قتله مرة لزمه الجزاء ولو عاد لقتله لم يكن يلزمه الجزاء. ٢ ـ ولأن الله تعالى قال في سياق الآية: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ [المائدة: ٩٥]، فأخبر بأن حكم العائد الانتقام منه كما أخبر أن حكم المبتدئ الجزاء، فدل على أن لا حكم للعائد غير الانتقام كما أن لا حكم للمبتدئ غير الجزاء (١). واستدل أصحاب القول الثالث بما يلي: أنها كفارة تجب بفعل محظور في الإحرام، فيدخل جزاؤها قبل التكفير، كاللبس والطيب (٢). والراجح هو القول الأول لقوة ما استدلوا به، ولأن الجزاء ضمان عن الصيد بالمثل، والمثل لا يتحقق بالجزاء الواحد عن أكثر من صيد.

стр. 135

المبحث الثاني خصال كفارة قتل المحرم للصيد إذا تعمد الإنسان قتل الصيد داخل حدود الحرم، سواء كان محرماً بحج أو عمرة، أو كان حلالاً، أو كان محرماً، وقتله خارج الحرم فيجب عليه الجزاء. والصيد لا يخلو من حالين: الحال الأولى: أن يكون الصيد مما له مماثل ومشابه من بهيمة الأنعام، فيجب عليه المثل. الحال الثانية: أن يكون الصيد مما لا مماثل له، فيقوم. وقاتل الصيد مخير بين الجزاء بالمثل أو التقويم، وبين الكفارة، والكفارة تكون بأحد أمرين: أولاً: الإطعام. ثانياً: الصيام. أولاً: الجزاء: ١ ـ ما كان له مماثل من النعم: إذا اختار المثل، ذبحه، وتصدق به على مساكين الحرم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿هديا بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥]. ولا يجزئه أن يتصدق به حيا على المساكين؛ لأن الله

стр. 136

تعالى سماه هديا، والهدي يجب ذبحه، وله ذبحه أي وقت شاء، ولا يختص ذلك بأيام النحر (١). ٢ ـ وما لا مثل له من الصيد: يخير قاتله بين أن يشتري بقيمته طعاما، فيطعمه للمساكين، وبين أن يصوم. وهل يجوز إخراج القيمة؟ فيه احتمالان؛ أحدهما، لا يجوز. وهو ظاهر قول أحمد في رواية حنبل، فإنه قال: إذا أصاب المحرم صيدا، ولم يصب له عدلا يحكم به عليه؛ قوم طعاما إن قدر على طعام، وإلا صام لكل نصف صاع يوما. هكذا يروى عن ابن عباس. ولأنه جزاء صيد، فلم يجز إخراج القيمة فيه، كالذي له مثل؛ ولأن الله تعالى خير بين ثلاثة أشياء ليس بها القيمة، وإذا عدم أحد الثلاثة يبقى التخيير بين الشيئين الباقيين، فأما إيجاب شيء غير المنصوص فلا. الثاني، يجوز إخراج القيمة؛ لأن عمر ﵁ قال لكعب: ما جعلت على نفسك؟ قال: درهمين. قال: اجعل ما جعلت على نفسك. وقال عطاء: في العصفور نصف درهم. وظاهره إخراج الدراهم الواجبة (٢).

стр. 137

ثانياً: الإطعام: ورد الإطعام في الآية الكريمة مطلقاً، واجتهد العلماء في تقديره على طريقتين: الأولى: اعتبار الحد الأدنى لما يحتمله اللفظ المطلق (مساكين)، فقدر بعدد ثلاثة، وهذا رأي ابن حزم؛ لأن الله - تعالى - قال: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥]، ولم يحدِّد عددًا، وأن لفظ ﴿مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥]، جمْع، وأقل الجمع ثلاثة (١). الثانية: التقدير بحسب قيمة الصيد، بحيث يقوِّم الصيد، ويشتري بثمنه طعامًا ويطعم به، لكل مسكين صاع (٢). ولا يشترط الإطعام في الحرم على الصحيح؛ لأن الإراقة لم تعقل قربة بنفسها، وإنما عرفت قربة بالشرع، والشرع ورد بها في مكان مخصوص أو زمان مخصوص، فيتبع مورد الشرع فيتقيد كونها قربة بالمكان الذي ورد الشرع بكونها قربة فيه وهو الحرم فأما الإطعام فيعقل قربة بنفسه؛ لأنه من باب الإحسان إلى المحتاجين فلا يتقيد كونه قربة بمكان، كما لا يتقيد بزمان، وتجوز فيه الإباحة والتمليك (٣). ثالثاً: الصيام: إذا اختار الصيام يقيّم الصيد طعامًا ثم يصوم مكان كل مُدٍّ يومًا؛ لأن الله قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، على رأي المالكية والشافعية والحنابلة (٤).

стр. 138

جاء في المدونة: "سألنا مالكًا عن الرجل يصيب الصيد وهو محرم فيريد أن يحكم عليه بالطعام أيقوّمُ الصيد دراهم أم طعامًا؟ قال: الصواب من ذلك أن يقوم طعامًا ولا يقوم دراهم، ولو قوم الصيد دراهم ثم اشترى بها طعامًا لرجوت أن يكون واسعًا، ولكن الصواب من ذلك أن يحكم عليه بالطعام، فإن أراد أن يصوم نظر كم ذلك الطعام من الإمداد فيصوم مكان كل مد يومًا، وإن زاد ذلك على شهرين أو ثلاثة. قلت له: فإن كان في الطعام كسر المد؟ قال: ما سمعت من مالك في كسر المد شيئًا ولكن أحب إلي أن يصوم له يومًا" (١). الكفارة بين الترتيب والتخيير: قاتل الصيد مخير في الجزاء بين أحد هذه الثلاثة، بأيها شاء كفر، موسرا كان أو معسرا. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي وأحمد في رواية، روي عن ابن عباس ﵁ وهو مذهب جماعة من التابعين مثل: عطاء، والحسن، وإبراهيم. لقول الله تعالى ﴿هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما﴾ [المائدة: ٩٥]. "وأو" في الأمر للتخيير. روي عن ابن عباس، أنه قال: كل شيء (أو، أو)، فهو مخير، وأما ما كان (فإن لم يوجد)، فهو الأول الأول (٢).

стр. 139

الفصل السادس أحكام عامة في الكفارات ، ويشتمل على سبعة مباحث: المبحث الأول: حكم إخراج القيمة في الكفارات. المبحث الثاني: النيابة في الكفارات. المبحث الثالث: التوكيل في إخراج وتوزيع الكفارات. المبحث الرابع: نقل الكفارة إلى خارج البلد. المبحث الخامس: حكم إعطاء الكفارات لغير المسلمين المبحث السادس: الكفارة بين الفور والتراخي. المبحث السابع: سقوط الكفارة.

стр. 140

المبحث الأول حكم إخراج القيمة في الكفارات اختلف الفقهاء في إخراج المال في الكفارات على قولين: القول الأول: قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة أنه لا يجزئ المال عن الطعام (١). القول الثاني: وهو مذهب الحنفية وقول الأوزاعي: أنه يجزئ إخراج المال في الكفارات (٢). الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يلي: ١ - قول الله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهذا ظاهر في عين الطعام والكسوة , فلا يحصل التكفير بغيره لأنه لم يؤد الواجب إذ لم يؤد ما أمره الله بأدائه. ٢ - ولأن الله تعالى خير بين ثلاثة أشياء، ولو جازت القيمة لم ينحصر التخيير في الثلاثة. ٣ - ولأنه لو أريدت القيمة لم يكن للتخيير معنى; لأن قيمة الطعام إن ساوت

стр. 141

قيمة الكسوة فهما شيء واحد, فكيف يخير بينهما؟ وإن زادت قيمة أحدهما على الآخر فكيف يخير بين شيء وبعضه؟ ٤ - ثم ينبغي أنه إذا أعطاه في الكسوة ما يساوي إطعامه أن يجزئه, وهو خلاف الآية. وكذلك لو غلت قيمة الطعام, فصار نصف المد يساوي كسوة المسكين , ينبغي أن يجزئه نصف المد، وهو خلاف الآية. ٥ - ولأنه أحد ما يكفَّرُ به، فلا تجزئ فيه القيمة كالعتق. فعلى هذا لو أعطاهم أضعاف قيمة الطعام لا يجزئه؛ لأنه لم يؤد الواجب فلا يخرج عن عهدته (١). واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي: ١ ـ إن المقصود دفع حاجة المسكين، وهو يحصل بالقيمة. ٢ ـ أن تمليك الثمن أقرب إلى قضاء حاجة المسكين من تمليك عين الطعام؛ لأنه به يتوصل إلى ما يختاره من الغذاء الذي اعتاد الاغتذاء به فكان أقرب إلى قضاء حاجته فكان أولى بالجواز. ٣ ـ أن الكفارة جعلت حقا للمسكين، فمتى أخرج من عليه الطعام إلى المستحق بدله وقبله المستحق عن طوع فقد استبدل حقه به فيجب القول بجواز هذا الاستبدال بمنزلة التناول في سائر الحقوق (٢). والراجح أن يقال: الأصل أن تكون الكفارة طعاماً، أو كسوة حسب ما ورد في ظاهر النص، فإن وجدت مصلحة تقتضي تفضيل القيمة باعتبار حال الشخص المعطى، أو باعتبار البلد بحيث تكون القيمة أنفع للمستحقين فيجوز.

стр. 142

يقول ابن تيمية ﵀: "إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك. فالمعروف من مذهب مالك والشافعي أنه لا يجوز، وعند أبي حنيفة يجوز، وأحمد ﵀ قد منع القيمة في مواضع وجوزها في مواضع، فمن أصحابه من أقر النص ومنهم من جعلها على روايتين. والأظهر في هذا: أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه، ولهذا قدر النبي ﷺ الجبران بشاتين أو عشرين درهمًا ولم يعدل إلى القيمة؛ ولأنه متى جوز إخراج القيمة مطلقًا فقد يعدل المالك إلى أنواع رديئة وقد يقع في التقويم ضرر؛ ولأن الزكاة مبناها على المواساة وهذا معتبر في قدر المال وجنسه. وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل فلا بأس به: مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه ولا يكلف أن يشتري ثمرًا أو حنطة إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه، وقد نص أحمد على جواز ذلك. ومثل أن يجب عليه شاة في خمس من الإبل وليس عنده من يبيعه شاة فإخراج القيمة هنا كاف ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة، ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع فيعطيهم إياها، أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء. كما نقل عن معاذ بن جبل أنه كان يقول لأهل اليمن: "ائتوني بخميص أو لبيس أسهل عليكم وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار". وهذا قد قيل: إنه قاله في الزكاة، وقيل: في الجزية" (١).

стр. 143

المبحث الثاني النيابة في الكفارات صورة المسألة: أن يحلف شخص على فعل شيء أو تركه، ثم يحنث في يمين، فيقوم شخص آخر بدفع الكفارة عنه من ماله الخاص، فهل يجزئ ذلك، وهل يصح تصرفه؟ يجوز لغير من وجبت عليه الكفارة أن يكفر عمن وجبت عليه الكفارة فيما إذا كانت الكفارة طعاماً أو كسوة، أو عتقاً بشرط أن يبلغه قبل أن ينفذ الكفارة لأن الكفارة عبادة ولا بد فيها من نية صاحبها (١). قال الشافعي ﵀: "وإذا أمر الرجلُ الرجلَ أن يكفر عنه من مال المأمور، أو استأذن الرجلُ الرجلَ أن يكفر عنه من ماله فأذن له أجزأت عنه الكفارة وهذه هبة مقبوضة؛ لأن دفعه إياها إلى المساكين بأمره كقبض وكيله لهبة وهبها له، وكذلك إن قال أعتق عني فهي هبة فإعتاقه عنه كقبضه ما وهب له وولاؤه للمعتق عنه؛ لأنه قد ملكه قبل العتق، وكان العتق مثل القبض كما لو اشتراه فلم يقبضه حتى أعتقه كان العتق مثل القبض، ولو أن رجلا تطوع فكفر عن رجل بإطعام، أو كسوة، أو عتق ولم يتقدم في ذلك أمر من الحالف لم يجز عنه" (٢).

стр. 144

جاء في كشاف القناع: "وإن أخرج حر مسلم مكلف زكاة شخص أو كفارته من ماله - أي مال المُخْرِج - بإذنه صح إخراجه عنه كالوكيل، وله - أي المخرج - الرجوع عليه إن نواه أي نوى الرجوع، لا إن نوى التبرع، أو أطلق، وإن كان إخراجه لزكاة غيره بغير إذنه لم يصح، لعدم النية من المخرج عنه المتعلق به الوجوب، كما لو أخرجها من مال المخرج عنه بلا إذنه لعدم ولايته عليه، ووكالته عنه" (١). وفي الموسوعة الفقهية الكويتية: "دَين الله الماليّ المحض كالزّكاة والصّدقات والكفّارات تجوز فيه النّيابة عن الغير سواء أكان من هو في ذمّته قادراً على ذلك بنفسه أم لا، لأنّ الواجب فيها إخراج المال وهو يحصل بفعل النّائب، وسواء أكان الأداء عن الحيّ أم عن الميّت، إلاّ أنّ الأداء عن الحيّ لا يجوز إلاّ بإذنه باتّفاقٍ، وذلك للافتقار في الأداء إلى النّيّة، لأنّها عبادة، فلا تسقط عن المكلّف بدون إذنه " (٢).

стр. 145

المبحث الثالث التوكيل في إخراج وتوزيع الكفارات يجوز أن يوكل من وجب عليه الكفارة غيرَه في إخراج كفارته إذا كانت طعاماً، أو كسوة، أو عتقاً، ولا يجزئ التوكيل بالصيام نيابة عنه إن تعين عليه الصيام (١). لأن الكفارة من القضايا المالية فيصح فيها التوكيل. توكيل الجمعيات الخيرية في توزيع الكفارات: يجوز توكيل الجمعيات الخيرية الموثوق بها في إخراج الكفارات، وتوزيعها على المستحقين. ويجوز للجمعيات الخيرية إفراد الكفارات بمشروع مستقل يستقبل الكفارات بسائر أنواعها، ولأننا اخترنا جواز إخراج الكفارة بالقيمة - عند وجود المصلحة الراجحة - فيجوز إيداع المبلغ المستحق على الحساب المخصص للكفارات حتى يتم توزيعها في مظانها الشرعية. وبعض الجمعيات تحدد المبلغ المستحق وفق التوصيف التالي: ١.كفارة يمين وهي اطعام ١٠ مساكين وقيمتها ١٠ دنانير. ٢.كفارة الصيام وهي اطعام مسكين عن كل يوم وقيمتها دينار واحد لكل يوم. ٣.كفارة الصيام المغلظه وهي اطعام ٦٠ مسكين، وقيمتها ٦٠ ديناراً. وتقدير المبلغ المذكور نسبي قد يختلف بحسب تطور أسعار الطعام، وينبغي
следующие страницы →