المطلب الأول
النذر
تعريف النذر لغة:
النذر لغة: الإيجاب، تقول: نذرت كذا إذا أوجبته على نفسك (١).
وفي الاصطلاح:
هو إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى شيئا غير لازم بأصل الشرع بكل قول يدل عليه (٢).
وجوب الوفاء بالنذر:
الأصل في وجوب الوفاء بالنذر:
الكتاب والسنة والإجماع:
فأما الكتاب: فقوله تعالى ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧].
وأما السنة: فما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) (٣).
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على صحة النذر في الجملة ولزوم الوفاء به.
стр. 72
علاقة النذر بكفارة اليمين:
من خلال تقسيم العلماء للنذر وبيان أنواعه تتضح الصور التي تجب فيها كفارة اليمين للخروج من لوازم النذر، وهذه أقسامه:
١. نذر الطاعة والتّبَرر (النذر المعلق على شرط):
كالتزام طاعة في مقابل نعمة استجلبها، أو نقمة استدفعها، كقوله: إن شفاني الله فلله علي أن أصوم شهرًا.
فهذا القسم يجب الوفاء به للآيات والأحاديث الواردة في وجوب الوفاء بالنذر (١).
وإن عجز الناذر عن الوفاء بالنذر؛ لكونه لا يطيق الوفاء؛ لكبر، أو لمرض لا يرجى برؤه ونحوه فإن عليه كفارة يمين وتبرأ ذمته بذلك لقول ابن عباس ﵄: "من نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين" (٢).
٢. نذر اللِّجاج والغضب:
نذر اللّجاج والغضب، وله صور، منها (٣):
أ) تعليق نذره بشرطٍ يقصد المنع منه:
مثل: أن يقول: إن فعلت كذا فللَّه علي نذر أن أصوم سنة، وغرضه أن يمنع نفسه من ذلك؛ لأنه إذا تذكر صيام السنة امتنع.
стр. 73
أو يقول إنسان لمن يمتنع بيمينه - كابنه مثلاً -: إن فعلت كذا فلله علي نذرٌ أن أصوم سنة، فهذا - أيضاً - يسمى نذر اللجاج والغضب، فقصده بذلك المنع.
ب) حمل نفسه على فعل:
مثل أن يقول: إن لم أفعل كذا فعلي نذر أن أوقف أملاكي، أو نقودي هبة، والمقصود حمل نفسه على الفعل.
ج) لتصديق حديثه وخبره:
مثل: إذا حدث بحديث فقيل له: هذا ليس بصحيح، فقال: لله علي نذر إن كان كذباً أن أصوم سنة.
د) تكذيب الخبر:
مثل: أن يحدثه شخص بشيء، فيقول: أنت كذاب، إن كان ما تقوله صدقاً أموالي كلها صدقة، فالمقصود التكذيب.
وحكم هذا النذر: أن الناذر مخيّر بين فعل مقتضى النذر، أو كفّارة يمينٍ (١).
لحديث: (لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين) (٢)، أما من جهة التعليل فيقال: إن هذا بمعنى اليمين؛ لأنه لم يقصد بهذا النذر إلا المنع، أو الحمل، أو التصديق، أو التكذيب، وقد قال النبي ﷺ : (إنما
الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) (٣)(٤).
стр. 74
٣. النذر المطلق:
وصورته أن يقول الإنسان: لله علي نذر - فقط - ولم يعين شيئاً محددًا (١).
فحكمه: كفارة يمين؛ لقول النبي ﷺ في حديث عقبة بن عامر ﵁: (كفارة النذر إذا لم يُسمَّ كفارة يمين) (٢)(٣).
٤. النذر المباح:
كقوله: لله علي أن ألبس ثوبي أو أركب سيارتي (٤):
وهذا النوع من النذر اختلف العلماء في الوفاء به على قولين:
القول الأول: يرى الحنفية والحنابلة أنه مخير بين فعله وكفارة يمين (٥) لما روى أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: إن نذرت أن أضرب على رأسك بالدف فقال الرسول ﷺ : (أوف بنذرك) (٦).
القول الثاني: ذهب المالكية والشافعية إلى أنه لا ينعقد نذره، وبناء عليه يباح الوفاء به وتركه وليس على من تركه كفارة (٧) لحديث أنس أن رسول الله ﷺ : رأى
стр. 75
رجلا يهادى بين ابنين له، فقال: (ما هذا؟ ) فقالوا: يا رسول الله، نذر أن يحج ماشيا، فقال: (إن الله لغني عن تعذيبه نفسه، فليركب) (١). ولم يأمر بكفارة.
الراجح:
هو عدم انعقاد النذر، لأن النذر عبادة ولا يقع إلا على عبادة وطاعة لله، وأما قوله ﷺ لمن نذرت
أن تضرب بالدف، فإنه ينصرف إلى السماح لها وعدم ممانعته لذلك.
٥. نذر المكروه:
كنذر الطلاق ونحو ذلك، وحكم هذا النذر أنه يستحب أن يكفر كفارة يمين ليخرج من عهدة النذر ولا يفعله فإن فعله فلا كفارة عليه؛ لأنه وفى بنذره (٢).
٦. نذر المعصية:
كشرب الخمر وأكل الحرام ونحوه وحكم هذا أنه لا يجوز الوفاء به بإجماع العلماء؛ لأن النبي ﷺ قال: (من نذر أن يعصي الله فلا يعصه) (٣).
ولكن اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة عليه:
فقال بوجوبها الثوري وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وبعض الشافعية؛
стр. 76
وهو مروي عن ابن مسعود وابن عباس وجابر وعمران بن حصين؛ وسمرة بن جندب (١).
ويرى مالك والشافعي؛ وأحمد في رواية أنه لا كفارة عليه (٢) لحديث: (من نذر أن يعصى الله فلا يعصه) ولم يأمره بالكفارة.
والراجح أن عليه كفارة يمين لقوله ﵇: (لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين) (٣).
стр. 77
المطلب الثاني
الإيلاء
تعريف الإيلاء:
الإيلاء في اللغة: الحلف. يقال: آلى يولي إيلاء وألية. وجمع الألية ألايا، قال الشاعر:
قليل الألايا حافظ ليمينه ... إذا صدرت منه الألية برت.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ ... ﴾ [النور: ٢٢]. أي: لا يحلف (١).
وفي الشرع: أن يحلف الزوج أن لا يطأ امرأته مطلقا أو مدة معلومة (٢).
مدة الإيلاء:
إذا حلف الرجل أن لا يجامع زوجته مدة فلا يخلو: إما أن يكون أقل من أربعة أشهر، أو أكثر منها.
فإن كانت أقل فله أن ينتظر انقضاء المدة ثم يجامع امرأته، وعليها أن تصبر، وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه المدة، وهذا كما ثبت في الصحيحين عن عائشة: أن رسول الله آلى من نسائه شهرًا، فنزل لتسع وعشرين، وقال: (الشهر تسع وعشرون).
فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة أشهر: إما أن يفيء -أي يجامع- وإما أن يطلق، فيجبره الحاكم على هذا أو هذا لئلا يضر بها.
стр. 78
والأصل في هذا قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ التربص هو: الانتظار، ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٢ - ٢٦٣].
أحكام الإيلاء وعلاقتها بكفارة اليمين:
١ ـ إذا حلف الزوج أن لا يجامع زوجته مدة معلومة دون الأربعة أشهر ثم جامعها قبل انقضائها، فيجب عليه كفارة يمين (١)، لقول النبي ﷺ : (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي
هو خير، وليكفر عن يمينه).
٢ ـ إذا انقضت المدة المعلومة ولم يجامع زوجته، فلا كفارة عليه، لأنه التزم بمقتضى يمينه، وإذا جامعها بعد ذلك فلا كفارة عليه أيضاً لأن اليمين مؤقتة بمدة معلومة.
٣ ـ إذا حلف الزوج أن لا يجامع زوجته مدة مطلقة من دون تقدير بحد معين فيجب عليه الكفارة إذا جامعها في أي وقت سواء قبل الأربعة أشهر أو بعدها.
٤ ـ إذا بلغت مدة الامتناع عن جماع زوجته أربعة أشهر فللزوجة الحق في المطالبة بحقها في المعاشرة عن طريق القضاء، وعلى القاضي أن يلزم الزوج بمعاشرة زوجته، ويكفر عن يمينه، أو أن يطلق وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية، والحنابلة (٢)(٣).
٥ ـ يجوز للزوج أن يجامع زوجته قبل أن يؤدي الكفارة.
стр. 79
الفصل الثاني
كفارة الظهار ،
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: تعريف الظهار وحكمه.
المبحث الثاني: خصال كفارة الظهار، وأحكامها.
стр. 80
المبحث الأول
تعريف الظهار وحكمه
تعريف الظهار في اللغة:
الظهار في اللغة: مأخوذ من الظهر، يقال: ظاهر من امرأته وتظاهر منها, وهو أن يقول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أُمي (١).
وفي الاصطلاح الشرعي:
تشبيه الزوج امرأته بمن تحرم عليه مؤبداً أو مؤقتاً (٢).
حكم الظهار:
الظهار محرم؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنْ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُور﴾ [المجادلة: ٢] , وهو من كبائر الذنوب؛ لأن الله وصفه بأنه منكر من القول في هذه الآية, ومعنى الآية: أنهم يقولون أمراً محرماً، ومنكراً، وكذباً منهم، يقولون بأن زوجاتهم كأمهاتهم، وهذا منكر، وتحريم لما أحل الله (٣).
стр. 81
متى تجب كفارة الظهار ؟
إذا ظاهر الزوج من زوجته حرم عليه أن يقربها خلال فترة الظهار وقبل القيام بمقتضى الكفارة.
ولا تجب كفارة الظهار إلا عند الرغبة في العودة إلى الزوجة، والرغبة في معاشرتها، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] (١).
آثار الظهار:
من خلال العرض السابق يتبين لنا أن الظهار تترتب عليه أمور:
الأول: وجوب التوبة إلى الله تعالى لكون هذا التصرف محرماً، وقد سماه الله: ﴿مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢].
الثاني: حرمة معاشرة الزوجة خلال فترة بقاء الظهار وقبل التحلل من مقتضاه بالكفارة، لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣].
الثالث: وجوب الكفارة المقررة شرعاً (٢).
стр. 82
المبحث الثاني
خصال كفارة الظهار ، وأحكامها
بين الله تعالى خصال كفارة الظهار في القرآن الكريم، وهي:
١ ـ عتق رقبة.
٢ ـ الصيام شهرين متتابعين.
٣ ـ إطعام ستين مسكيناً
أحكام كفارة الظهار:
أولاً: الترتيب (١):
فقد بين الله في كتابه الكريم الكفارة مرتبة، بحيث لا ينتقل المسلم الذي وجبت عليه الكفارة إلى خصلة إلا عند العجز عن التي قبلها.
وعليه فمن أحدث ظهاراً فيجب عليه أولاً أن يعتق رقبة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ٣].
فإن لم يجد فيجب عليه أن يصوم شهرين متتابعين. لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤].
стр. 83
فإن لم يستطع فيجب عليه أن يُطعم ستين مسكيناً.
لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة: ٤]
ثانياً: بقاء حرمة المعاشرة حتى يؤدي الكفارة ، فلا يجوز للمسلم الذي ظاهر من زوجته أن يعاشرها قبل أن يكفر بإحدى الخصال السابق ذكرها حسب الترتيب المذكور، لأن الله تعالى، قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤] (١).
ثالثاً: بيان خصال الكفارة (٢):
١ ـ العتق:
يجب على المظاهر أن يعتق رقبة، فإن لم يملكها وكان واجداً لثمنها فاضلاً عن احتياجاته فيجب عليه شراء رقبة، ويعتقها.
ولا يشترط في الرقبة أن تكون (مؤمنة)؛ لأن النص ورد مطلقاً عن التقييد، والأصل بقاؤه كذلك، وقد تقدم الحديث عن هذا الموضوع في كفارة اليمين.
٢ ـ الصيام:
ويشترط لصحة الصيام عدة شروط:
١ ـ عدم القدرة على عتق الرقبة، أو كان غير قادر على شرائها.
٢ ـ تبييت نية الصيام قبل الفجر، لأنه صيام واجب.
стр. 84
٣ ـ وجوب التتابع، فيصوم شهرين متتابعين، ولا يجوز له الإفطار خلال الشهرين إلا بعذر شرعي يبيح الفطر في رمضان، فإن أفطر يوماً من غير عذر استأنف الصيام من جديد، أو جامع ذاكراً خلال الشهرين استأنف الصيام.
٣ ـ الإطعام:
من لم يستطع الصيام فينتقل إلى الإطعام، والمقدر بإطعام ستين مسكيناً.
ويقال في مقدار الإطعام لكل مسكين، والعدد المعتبر ما قيل في كفارة اليمين.
стр. 85
الفصل الثالث
كفارة القتل ،
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: أقسام القتل، وما يوجب منه الكفارة.
المبحث الثاني: خصال كفارة القتل.
المبحث الثالث: أحكام كفارة القتل.
стр. 86
المبحث الأول
أقسام القتل، وما يوجب منه الكفارة
لما كانت النفس الإنسانية مكانتها عظيمة عند الله فقد شرع لها ما يقيمها، ويحفظها، ومنع وحذر من كل ما من شأنه أن يضر بها أو يتلفها، بل اعتُبِر حفظ النفس أحد أهم مقاصد الشريعة الإسلامية التي جاءت الشريعة بحفظها ورعايتها، وصيانتها من كل مفسدة.
ولما كان المجتمع المسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأجزاء بالسهر والحمى، فإن الإسلام يفترض عدم جرأة المؤمن على قتل أخيه المؤمن قصداً وعمداً لعظم ذلك الفعل وعظم جرمه، إلا ما كان على سبيل الخطأ من دون قصد، وقد بين الله تعالى هذا الأمر في كتابه الكريم بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢].
ثم بين عقوبة القتل العمد بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].
стр. 87
أقسام القتل:
قسم العلماء القتل إلى ثلاثة أقسام: القتل العمد، والقتل شبه العمد، والقتل الخطأ. ولكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة حقيقة وحكم يتعلق به.
١ - القتل العمد:
وحقيقة القتل العمد: أن يقصد قتل شخص بما يقتل غالباً (١).
ومن هذا التعريف لحقيقة القتل العمد يتبين أنه لا يسمى قتل عمد، إلا إذا تحقق فيه أمران:
أحدهما: قصد الشخص بالقتل، فلو كان غير قاصد لقتله، فإنه لا يسمي عمداً: كمن رمي سهماً يريد صيداً، فأصاب شخصاً، فقتله.
ثانيهما: أن تكون الوسيلة في القتل مما يقتل غالباً. فلو أنه ضربه بعصاً صغيرة، أو بحصاة صغيرة في
غير مقتل، فمات من ذلك الضرب، فإنه لا يسمى ذلك القتل قتل عمد، لأن تلك الوسيلة لا تقتل في الغالب.
٢ - القتل شبه العمد:
وحقيقة القتل شبه العمد: أن يقصد الجناية بما لا يقتل غالباً، ولا يقصد القتل. كالضرب بالسوط، والعصا، والحجر الصغير، والوكز باليد، وسائر ما لا يقتل غالبا إذا قتل، فهو شبه عمد؛ لأنه قصد الضرب دون القتل، ويسمى عمد الخطأ وخطأ العمد؛ لاجتماع العمد والخطأ فيه، فإنه عمد الفعل، وأخطأ في القتل (٢).
стр. 88
٣ - القتل الخطأ:
وحقيقة القتل الخطأ: هو ما وقع من دون قصد الجناية ولا قصد القتل، وذلك: كمن زلقت رجله فوقع على إنسان فقتله، أو رمى صيداً فأصاب إنساناً بالخطأ (١).
القتل الموجب للكفارة:
أولاً: القتل الخطأ:
اتفق الفقهاء على وجوب الكفارة في قتل الخطأ، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢] (٢).
ثانياً: القتل شبه العمد:
اختلف العلماء في وجوب الكفارة من القتل شبه العمد على قولين:
القول الأول: وجوب الكفارة، وهو مذهب الجمهور (٣).
قال ابن قدامة: "وتجب الكفارة في شبه العمد. ولم أعلم لأصحابنا فيه قولا، لكن مقتضى الدليل ما ذكرناه؛ ولأنه أجري مجرى الخطأ في نفي القصاص" (٤)
стр. 89
القول الثاني: عدم وجوب الكفارة، وهو قول في المذهب الحنفي ورواية في مذهب أحمد (١).
والراجح أن القتل شبه العمد يأخذ حكم الخطأ بجامع عدم توفر الإرادة والقصد إلى القتل، فتجب فيه الكفارة.
ثالثاً: القتل العمد:
اختلف العلماء في وجوب الكفارة من قتل العمد على قولين:
القول الأول: عدم وجوب الكفارة وهو قول الجمهور وبه قال الثوري، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي (٢).
القول الثاني: وجوب الكفارة وهو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد اختارها ابن الجوزي (٣).
استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
١ ـ دلالة المفهوم: وذلك أن الله تعالى بين حكم قتل الخطأ بقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. ثم ذكر قتل العمد، فلم يوجب فيه كفارة، وجعل جزاءه جهنم، فمفهومه أنه لا كفارة فيه.
٢ ـ ما روي أن سويد بن الصامت قتل رجلاً، فأوجب النبي ﷺ عليه القود، ولم يوجب كفارة (٤).
стр. 90
وعمرو بن أمية الضمري قتل رجلين في عهد النبي ﷺ فوداهما النبي ﷺ ولم يوجب كفارة (١).
٣ ـ ولأنه فعل يوجب القتل، فلا يوجب كفارة، كزنى المحصن.
٤ ـ ولأن الوعيد المنصوص عليه لا يرتفع بالكفارة والذنب فيه أعظم من أن ترفعه الكفارة (٢).
واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
١ ـ دلالة مفهوم الموافقة في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾
[النساء: ٩٢]. فنص على وجوب الكفارة في قتل الخطأ؛ لينبه بذلك على وجوبها في العمد المحض وعمد الخطأ؛ لأن الخطأ أخف حالاً من قتل العمد؛ لأنه لا قود فيه ولا إثم، والدية فيه مخففة، فإذا وجبت فيه الكفارة .. فلأن تجب في قتل العمد المحض وعمد الخطأ أولى.
٢ ـ روى واثلة بن الأسقع، قال: أتينا النبي ﷺ في صاحب لنا قد استوجب النار بالقتل، فقال النبي ﷺ : (أعتقوا عنه رقبة .. يعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار) (٣). ولا يستوجب النار إلا في قتل العمد (٤).
٣ ـ عن عمر بن الخطاب , أن قيس بن عاصم , جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني وأدت في الجاهلية ثمان بنات؟ فقال: (أعتق عن كل واحدة منهن نسمة) (٥).
стр. 91
و (الموءودة): البنت المقتولة عندما تولد، كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك مخافة العار والفقر (١).
والراجح: قول الجمهور لقوة ما استدلوا به.
وحديث واثلة، يحتمل أنه كان قتل خطأ، وسماه موجبًا، أي فوت النفس بالقتل. ويحتمل أنه كان شبه عمد. ويحتمل أنه أمرهم بالإعتاق تبرعًا، ولذلك أمر غير القاتل بالإعتاق.
ثم إن الله - تعالى - ذكر أنواع قتل الخطأ ما يكون منه بين المسلمين وما يكون في دار الحرب لقوله تعالى: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم﴾ [النساء: ٩٢] أي: في قوم عدو لكم وما يكون في حق أهل الذمة لقوله: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ [النساء: ٩٢] ونص على إيجاب الكفارة في كل نوع، ففيه إشارة إلا أنه لا مدخل للقياس فيه؛ إذ لو كان للقياس مدخل لنص على الكفارة في نوع من الخطأ؛ ليقاس عليه سائر الأنواع (٢).
وما ذكروه من المعنى لا يصح؛ لأنها وجبت في الخطأ، لتمحو إثمه؛ لكونه لا يخلو من تفريط، فلا يلزم من ذلك إيجابها في موضع عظم الإثم فيه، بحيث لا يرتفع بها.
ولأن الكفارة من المقدرات فلا يجوز إثباتها بالقياس (٣).
стр. 92
المبحث الثاني
خصال كفارة القتل
نصت الآية الكريمة الواردة في أحكام قتل الخطأ على الكفارة الواجبة فيه، وهي على الترتيب:
أولاً: عتق رقبة .
ويشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة كما نصت الآية على ذلك: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ... ﴾، وقوله تعالى: ﴿ ... وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ .. ﴾ [النساء: ٩٢] ..
ثانياً: الصيام .
ويشترط فيه ما يلي:
١ ـ وجوب النية قبل الفجر، لأنه صيام واجب.
٢ ـ لا يصح الصيام إلا إذا كان عاجزاً عن عتق رقبة مؤمنة، فاضلة عن حاجته، أو يجد ثمنها، فاضلا عن كفايته لقوله تعالى: ﴿ ... وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢].
٣ ـ الصيام شهرين.
٤ ـ وجوب التتابع، فلا يجوز الإفطار خلال الشهرين إلا لعذر يرخص فيه الإفطار في رمضان، ولو أفطر من غير عذر استأنف من البداية.
стр. 93
مسألة: ما الحكم فيما لو عجز عن الصيام:
اختلف العلماء فيما إذا عجز المسلم عن صيام شهرين متتابعين، هل تسقط الكفارة أم ينتقل إلى الإطعام، على قولين:
القول الأول: أنه لا إطعام عليه. وهو قول الجمهور (١).
القول الثاني: أن عليه الإطعام، وهو قولٌ عند الشافعية وهو رواية عن أحمد (٢).
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول:
بأن الله تعالى لم يذكر في كفارة القتل إلا العتق والصيام، ولو كان ثمة إطعام لذكره، فدل على: أن هذا جميع الواجب فيها (٣).
واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
١ ـ القياس على كفارة الظهارة، وكفارة الجماع نهار رمضان.
٢ ـ أن الله تعالى نص على الإطعام في كفارة الظهار وأطلق ذكره في كفارة القتل، فوجب أن يحمل إطلاقه في كفارة القتل على تقييده في كفارة الظهار، لأن المطلق محمول على المقيد من جنسه (٤).
стр. 94
يقول ابن قدامة "فإن لم يستطع، ففيه روايتان؛ إحداهما، يثبت الصيام في ذمته، ولا يجب شيء آخر؛ لأن الله تعالى لم يذكره، ولو وجب لذكره. والثاني: يجب إطعام ستين مسكينا؛ لأنها كفارة فيها عتق وصيام شهرين متتابعين، فكان فيها إطعام ستين مسكينا عند عدمها، ككفارة الظهار والفطر في رمضان، وإن لم يكن مذكورا في نص القرآن، فقد ذكر ذلك في نظيره، فيقاس عليه. فعلى هذه الرواية، إن عجز عن الإطعام، ثبت في ذمته حتى يقدر عليه. وللشافعي قولان في هذا، كالروايتين. والله أعلم" (١).
والراجح:
هو قول الجمهور، لأن الكفارات توقيفية، ولا يصح القياس فيها، ولو كان الإطعام أحد عناصرها لذكره الشارع كما ذكره في سائر الكفارات.
وأما قولهم بحمل المطلق على المقيد، فالراجح أن المطلق يحمل على المقيد إذا اجتمعا في السبب والحكم، وهنا اختلفا في السبب، فلا يحمل المطلق على المقيد.
ومن عجز عن الصيام يبقى في ذمته حتى يزول العذر فإن لم يتمكن يسقط عنه.
المطلب الأول
تعدد الكفارة بتعدد القتلى
تعدد الكفّارة بتعدد القتلى والقاتل واحد، له حالتان:
١ ـ أن يحصل القتل الثاني بعد التكفير من الجناية الأولى:
ففي هذه الحالة يجب كفارة ثانية عن الجناية الثانية لأن الأولى متعلقة بالجناية السابقة، بناء على نظرية العود التي تقتضي معاقبة الجاني كلما عاد إلى نفس الجناية، والجاني قد أنذر بالعقاب السابق فلما لم يردعه ذلك وعاد للفعل كان مستحقاً للعقاب مرة ثانية، والقاتل المخطئ إذا كفر عن قتله الخطأ كان المفروض أن يأخذ حذره، ويضاعف انتباهه، حتى لا يتكرر منه الخطأ، فإذا تكرر وجب تكرار الكفارة (١).
٢ ـ أن يحصل القتل الثاني قبل أن يكفر من الجناية الأولى:
ذهب الشّافعيّة في الصّحيح عندهم والحنابلة إلى أنّ الكفّارة تتعدّد بتعدد المقتولين , قال الشّافعيّة: لو اصطدمت حاملان وأسقطتا جنينيهما وماتتا فعلى كلٍّ منهما في تركتها أربع كفّاراتٍ على الصّحيح بناءً على أنّ الكفّارة تجب على قاتل نفسه , وأنّها لا تتجزّأ , فتجب على كلّ واحدةٍ منهما كفّارة لنفسها وثانية لجنينها وثالثة لصاحبتها ورابعة لجنينها لأنّهما اشتركتا في إهلاك أربعة أنفسٍ , ومقابل الصّحيح: تجب كفّارتان (٢).
стр. 97
يقول الكاساني: "الكفارتان الواجبتان لا يخلو (إما) إن وجبتا بسببين من جنسين مختلفين وإما إن وجبتا بسببين من جنس واحد؛ (فإن) وجبتا بسببين من جنسين مختلفين كالقتل والظهار فأعتق رقبة واحدة ينوي عنهما جميعا لا يجوز عن إحداهما بلا خلاف بين أصحابنا، وعند الشافعي ﵀ يجوز، (وإن) وجبتا بسببين من جنس واحد كظهارين أو قتلين يجوز عن إحداهما عند أصحابنا الثلاثة ﵏ استحسانا، وهو قول الشافعي ﵀، والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر ﵀، وهذا الاختلاف مبني على أن نية التعيين والتوزيع هل تقع معتبرة أم تقع لغوا، فعند أصحابنا معتبرة في الجنسين المختلفين، وعند الشافعي ﵀ لغو فيهما جميعا، (وأما) في الجنس الواحد فهي لغو عند أصحابنا الثلاثة ﵃ وعند زفر معتبرة قياسا" (١).
وفي المغني لابن قدامة وهو يتحدث عن تعدد كفارة اليمين: "قال أبو بكر: ما نقله المروذي عن أحمد قول لأبي عبد الله، ومذهبه أن كفارة واحدة تجزئه.
وهو قول إسحاق؛ لأنها كفارات من جنس، فتداخلت، كالحدود من جنس، وإن اختلفت محالها، بأن يسرق من جماعة، أو يزني بنساء ...
وفارق الحدود؛ فإنها وجبت للزجر، وتندرئ بالشبهات، بخلاف مسألتنا، ولأن الحدود عقوبة بدنية، فالموالاة بينها ربما أفضت إلى التلف، فاجتزئ بأحدها .. " (٢).
стр. 98
فتحصل مما سبق أن الفقهاء على قولين:
القول الأول: أن الواجب كفارات متعددة على عدد المقتولين، اعتباراً بالجناية وأن كل جناية فيها عقوبة خاصة (١).
القول الثاني: أن الواجب كفارة واحدة، اعتباراً بتداخل العقوبات إذا كانت من جنس واحد، وأن المقصود من العقوبة الزجر، والردع، وتحصل بواحدة، ولأن الكفارة من حقوق الشارع وهي مبنية على المسامحة، بخلاف الديات فهي حقوق للمخلوق فتجب على كل نفس (٢).
والذي يبدو لي هو التفريق بين أمرين:
الأول: إذا كانت الجناية بعمل واحد خطأ كحوادث السيارات في واقعة معينة فإن الواجب كفارة واحدة، لأن الجناية واحدة.
الثاني: إذا كانت الجناية بفعلين مختلفين فالواجب في كل جناية كفارة، لتعدد الجناية. والله أعلم.
стр. 99
المطلب الثاني
تعدد الكفارة بتعدد القاتلين
اختلف الفقهاء في تعدد الكفّارة بتعدد القاتلين واتّحاد المقتول على قولين:
القول الأول: تجب الكفّارة على كلّ من اشترك في قتلٍ يوجب الكفّارة , وبه قال الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في الأصحّ عندهم والحنابلة وقال به الحسن وعكرمة والنّخعي والحارث العكلي والثّوري (١).
القول الثاني: يجب على الجميع كفّارة واحدة , وذهب إليه أبو ثورٍ وعثمان البتّي وهو حكاية عن الأوزاعيّ , وحكاه أبو الخطّاب عن أحمد (٢).
أدلة أصحاب القول الأول:
استدلوا بما يلي:
١ ـ بأنّها كفّارة وجبت لا على سبيل البدل عن النّفس , فوجب أن يكون على كلّ واحدٍ من الجماعة إذا اشتركوا في سببها , لأنّ ما كان يجب على الواحد إذا انفرد يجب على كلّ واحدٍ من الجماعة إذا اشتركوا , ككفّارة الطّيب للمحرم (٣).
стр. 100
٢ ـ وبأنّها لا تتبعّض , وهي من موجب قتل الآدميّ , فكملت في حقّ كلّ واحدٍ من المشتركين كالقصاص (١).
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدلوا بما يلي:
١ ـ بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ..
وذلك أنّ لفظة (من) تتناول كلّ قاتلٍ , الواحد والجماعة ولم توجب الآية إلا كفّارةً واحدةً وديةً , والدّية لا تتعدّد فكذلك لا تتعدّد الكفّارة.
٢ ـ ولأنّها كفّارة قتلٍ فلم تتعدّد بتعدد القاتلين مع اتّحاد المقتول , ككفّارة الصّيد الحرميّ (٢).
والراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ لأن الكفارة حق لله تعالى ومتعلقة بالفعل الموجب لها، وفي ذمة من قام به، وما دام أن القتل قد حصل من أكثر من واحد فيجب عليه بموجبه كفارة خاصة حتى يستحق الإعفاء من آثارها عند الله.
وأما قولهم (مَنْ) تتناول كل قاتل الواحد والجماعة، فالأظهر أنها مختصة بالواحد لأن أحد خصالها صوم شهرين متتابعين ولا تصح من أكثر من واحد، وإذا وزعناها على القاتلين لم يصح أداؤها كما أمر الشارع، وإذا ألزمنا واحداً بعينه فهذا تحكم.
وتخالف كفارة الصيد؛ فإنها تجب بدلاً، ولهذا تجب في أبعاضه، وكذلك الدية (٣).
стр. 101
الفصل الرابع
كفارة الجماع في نهار رمضان ،
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: موجب الكفارة في نهار رمضان
المبحث الثاني: أحكام كفارة الجماع في نهار رمضان.
стр. 102
المبحث الأول
موجب الكفارة في نهار رمضان
أولاً: الجماع في الفرج ولو من غير إنزال:
فهذا اتفق الفقهاء على وجوب الكفارة منه، ووجوب القضاء (١).
ثانياً: إذا أُكرهت المرأة على الجماع، فلا كفارة عليها، وعليها القضاء، وإن أُكره الرجل على الجماع، فكالمرأة على الراجح إذ لا فرق.
لقول النبي ﷺ : (عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) (٢).
ثالثاً: الجماع دون الفرج مع الإنزال يوجب الإثم والقضاء، ولا يوجب الكفارة على الراجح، لأن الكفارة متعلقة بالجماع في الفرج (٣).
رابعاً: الاستمناء يوجب التوبة والقضاء، ولا يوجب الكفارة أيضاً على القول الراجح (٤).
خامساً: إذا جامع ناسيا للصوم:
اختلف العلماء في المسألة على ثلاثة أقوال:
стр. 103
القول الأول: لا قضاء عليه ولا كفارة. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي (١).
القول الثاني: عليه القضاء دون الكفارة. وبه قال مالك (٢).
القول الثالث: عليه القضاء والكفارة. وهو قول أحمد وأهل الظاهر (٣).
وسبب اختلافهم في قضاء الناسي معارضة ظاهر الأثر في ذلك للقياس.
أما القياس: فهو تشبيه ناسي الصوم بناسي الصلاة. فمن شبهه بناسي الصلاة أوجب عليه القضاء كوجوبه بالنص على ناسي الصلاة.
وأما الأثر المعارض بظاهره لهذا القياس: فهو ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) (٤).
والراجح هو القول الأول:
لدلالة الحديث الصريح في عدم تأثير النسيان على صحة الصيام ورفع المؤاخذة واللوم عن الناسي، ولأن النسيان من عوارض الأهلية التي تقتضي رفع المؤاخذة لعموم قوله ﵊: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). فتأثير النسيان في إسقاط القضاء بيِّن وذلك أنا إن قلنا: إن الأصل هو أن لا يلزم الناسي قضاء حتى يدل الدليل على ذلك وجب أن يكون النسيان لا يوجب القضاء في الصوم، إذ لا دليل هاهنا على ذلك بخلاف الأمر في الصلاة، وإن قلنا: إن
стр. 104
الأصل هو إيجاب القضاء حتى يدل الدليل على رفعه عن الناسي، فقد دل الدليل في حديث أبي هريرة على رفعه عن الناسي.
وقد ثبت بالنص المساواة بين الأكل والشرب والجماع في حكم الصوم فإذا ورد نص في أحدهما كان ورودًا في الآخر باعتبار هذه المقدمة (١).
وأما من أوجب القضاء والكفارة على المجامع ناسيا فضعيف، فإن تأثير النسيان في إسقاط العقوبات بيِّن في الشرع، والكفارة من أنواع العقوبات.
على أن تحقق النسيان في الجماع في نهار رمضان وإن كان ممكناً لكنه بعيد كونه يحصل بين طرفين، فإذا نسي أحدهما فقد يذكّره الآخر.
سادساً: مسألة: حكم الأكل والشرب متعمداً في نهار رمضان هل يوجب الكفارة؟
اختلف العلماء في وجوب الكفارة على من أفطر بالأكل والشرب متعمدًا على قولين:
القول الأول: تجب الكفارة، وهو قول أبي حنيفة أصحابه، ومالك والثوري وجماعة (٢).
القول الثاني: أن الكفارة إنما تلزم في الإفطار من الجماع فقط، وهو قول الشافعي وأحمد وأهل الظاهر (٣).
стр. 105
والسبب في اختلافهم:
اختلافهم في جواز قياس المفطر بالأكل والشرب على المفطر بالجماع، فمن رأى أن شبههما فيه واحد وهو انتهاك حرمة الصوم جعل حكمهما واحدًا.
ومن رأى أنه وإن كانت الكفارة عقابًا لانتهاك الحرمة فإنها أشد مناسبة للجماع منها لغيره.
وأما من لا يرى القياس فأمره بيِّن أنه ليس يعدى حكم الجماع إلى الأكل والشرب (١).
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
١ ـ عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أمر رجلاً أفطر في رمضان، أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينًا (٢).
وأخرج مالك في الموطأ: عن أبي هريرة: أن رجلاً أفطر في رمضان، في زمان النبي ﷺ ، فأمره رسول الله ﷺ أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينًا، قال: فقال: لا أجد فأتي النبي ﷺ بعرق تمر، فقال: خذ هذا فتصدق به، فقال: يا رسول الله، ما أجد أحوج إليه مني، فقال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: كله.
стр. 106
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أوجب الكفارة على من أفطر، وهو شامل للإفطار بالأكل والشرب، وبالجماع.
٢ ـ الاستدلال بالمواقعة، والقياس عليها، أما الاستدلال بها فهو أن الكفارة في المواقعة وجبت لكونها إفسادا لصوم رمضان من غير عذر ولا سفر على ما نطق به الحديث، والأكل، والشرب إفساد لصوم رمضان متعمدًا من غير عذر ولا سفر فكان إيجاب الكفارة هناك إيجابًا ههنا دلالة.
ولما كان إفساد صوم رمضان ذنب ورفع الذنب واجب عقلاً وشرعًا لكونه قبيحًا، والكفارة تصلح رافعة له لأنها حسنة، وقد جاء الشرع بكون الحسنات من التوبة، والإيمان، والأعمال الصالحات رافعة للسيئات، إلا أن الذنوب مختلفة المقادير.
ولأن من تأمل أنه لو أفطر يوما من رمضان لزمه إعتاق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا لامتنع منه.
وأما الحاجة إلى الزجر فلوجود الداعي الطبيعي إلى الأكل، والشرب، والجماع، وهو شهوة الأكل، والشرب، والجماع، وهذا في الأكل، والشرب أكثر لأن الجوع، والعطش يقلل الشهوة، فكانت الحاجة إلى الزجر عن الأكل، والشرب أكثر، فكان شرع الزاجر هناك شرعا ههنا من طريق الأولى، وعلى هذه الطريقة يمنع عدم جواز إيجاب الكفارة بالقياس لأن الدلائل المقتضية لكون القياس حجة لا تفصل بين الكفارة وغيرها (١).
стр. 107
واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
١ ـ إن وجوب الكفارة ثبت معدولاً به عن القياس لأن وجوبها لرفع الذنب، والتوبة كافية لرفع الذنب.
٢ ـ ولأن الكفارة من باب المقادير، والقياس لا يهتدي إلى تعيين المقادير، وإنما عرف وجوبها بالنص، والنص ورد في الجماع، والأكل، والشرب ليسا في معناه لأن غريزة الجماع أقوى وأشد إلحاحاً من الأكل والشرب، فناسبها التغليظ في العقوبة لكبح جماح النفس، ولذا فالنص الوارد في الجماع لا يكون واردًا في الأكل، والشرب فيقتصر على مورد النص (١).
قال ابن عبدِ البرِّ ﵀: " ... في المسألةِ قولان: أحدهما قول مالكٍ ومن تابعه، والحجّة لهم مِن جهةِ الأثرِ حديث ابنِ شهابٍ هذا، ومن جهة النّظرِ أنّ الآكل والشّارب في القياس كالمجامِع سواءٌ؛ لأنّ الصّوم في الشّريعةِ في وجهٍ واحدٍ شيءٌ واحدٌ، فسبيل نظيرِه في الحكمِ سبيله، والنّكتة الجامعة بينهما انتهاك حرمةِ الشّهرِ بما يفسد الصّوم عمدًا، وقد تقدّم أنّ لفظ حديث مالك في هذا الباب يجمع كلّ فطرٍ.
والقول الثّاني قول الشّافعي ومن تابعه، والحجّة لهم أنّ الحديث ورد في المجامِع أهله، وليس الآكل مثله، بدليل إجماعِهم على أنّ المستقِيء عمدًا إنّما عليه القضاء، وليس عليه كفّارةٌ، وهو مفطِرٌ عمدًا، وكذلك مزدرِد الحصاة عمدًا عليه القضاء، وهو مفطِرٌ متعمِّدًا، وليس عليه كفّارةٌ؛ لأنّ الذِّمّة بريئةٌ فلا يثبت فيها شيءٌ إلاّ بيقينٍ، والآكل عمدًا لا يرجم ولا يجلد ولا يجب عليه غسلٌ، فليس كالمجامِع، والكلام في هذه المسألة يطول وفيما لوّحنا به كفايةٌ" (٢).
стр. 108
والراجح هو القول الثاني لقوة ما استدلوا به، لأن النص جاء في المجامع، ولم يرد فيمن أكل أو شرب فبقي على البراءة الأصلية، لأن الكفارات لا تثبت بالقياس، إذ هي من المقدرات المبنية على التوقيف.
وأما استدلالهم بحديث: (أن النبي ﷺ أمر رجلاً أفطر في رمضان، أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينًا) فهو مجمل، ومفسر بحديث الأعرابي الذي جامع أهله في نهار
رمضان، لأن القصة واحدة.
قال ابن حجر: "قد ورد ... أن النبي ﷺ أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة .... الحديث، وأخرجه الدارقطني من طريق مجاهد عن أبي هريرة أن النبي ﷺ أمر الذي أفطر يومًا من رمضان بكفارة الظهار، والحديث واحد والقصة واحدة والمراد بأنه أفطر بالجماع لا بغيره توفيقًا بين الأخبار .. " (١).
وأما ما روى مالك في الموطأ أن رجلا أفطر في رمضان فأمره النبي ﷺ بالكفارة المذكورة فليس بحجة; لأن قول الراوي فأفطر هو مجمل، والمجمل ليس له عموم فيؤخذ به، لكن هذا قول على أن الراوي كان يرى أن الكفارة كانت لموضع الإفطار، ولولا ذلك لما عبر بهذا اللفظ، ولذكر النوع من الفطر الذي أفطر به (٢).
ولأن الأصل براءة الذمة، فلا يثبت الشغل إلا بدليل من نص، أو إجماع، أو قياس، ولم يوجد واحد منها، والقياس على الجماع ممنوع، لقوة الداعي إليه، فالحاجة إلى الزجر عنه أبلغ (٣).
стр. 109
والموجب للكفّارة ليس مجرّد الفطر، ولا مجرد انتهاك حرمة الصوم، بل الفطر وانتهاك حرمة رمضان بالجماع، فلو وجب لأجل الإفطار فقط، أو لانتهاك حرمة الصوم فقط؛ لاستوى فيه جميع المفطّرات؛ كالقيء، والحجامة، لمن يقول بأنها تفطّر، وغيرهما، فإنّ تخصيص بعضها دون بعضٍ نوع تكليف يحتاج إلى دلالة الشّرع.
стр. 110
المبحث الثاني
أحكام كفارة الجماع في نهار رمضان ،
ويشتمل على أربعة مطالب:
المطلب الأول: خصال كفارة الجماع في نهار رمضان
المطلب الثاني: الكفارة بين الترتيب والتخيير.
المطلب الثالث: هل تجب كفارة الجماع في نهار رمضان على الزوجة؟
المطلب الرابع: هل تتعدد الكفارة بتعدد الجماع؟