← Акыда

Акыда · id 132403

صفات رب العالمين - رسائل جامعية - ناقص

ابن المحب الصامت

Полный текст (3 288 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يكون مفتقرا إلى غيره، فلو أثبتنا ذلك تلزم منه الحاجة والافتقار والتخصيص، فيكون اللَّه مفتقرا لتلك الصفات محتاجًا لها، واللَّه منزه عن ذلك (١). وأما الذين زعموا أن اللَّه تعالى في كل مكان فشبهتهم أنهم نظروا في نصوص الشرع التي ورد فيها صفة معية اللَّه تعالى لخلقه وقربه تعالى منهم، فزعموا أن ذلك دليل على المعية الذاتية والقرب الذاتي، فلذلك قالوا: بأن اللَّه تعالى في كل مكان، واستدلوا على تلك الشبهة الباطلة بما يلي: قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾ [النساء: ١٠٨]. وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾ [الأنعام: ٣]. وقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. وقوله: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦]. وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)﴾ [الزخرف: ٨٤]. وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]. وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]. وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]. وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾ [الواقعة: ٨٥]. وقوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣] (٢). * * * _________ (١) انظر: تأسيس التقديس للرازي (ص ٣٢ - ٣٣) ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٧/ ١٤٢) والصفدية لابن تيمية (١/ ١٠٤ - ١٠٥) والصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ٩٨١ - ٩٨٤). (٢) انظر أدلتهم والرد عليها في: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد بن حنبل (ص ١٥٥) والفِصل لابن حزم (٢/ ٩٦) والانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار لأبي الحسين يحيى بن أبي الخير العمراني (٢/ ٦١٧ و ٦١٨) وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (١/ ٣٩) ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٦/ ١٤١ - ١٤٢).

стр. 142

المطلب الثاني: الرد على شبه الفلاسفة والجهمية والمعتزلة وكثير من متأخري الأشاعرة القائلين بنفي صفة الفوقية للَّه تعالى. الرد على الشبهة الأولى: وهي زعمهم أن ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم. يقال لهم أن ذلك باطل، لعدة وجوه: ١ - أن ما فَسَّر به هؤلاء اسم الواحد من هذه التفاسير التي لا أصل لها في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة باطل بلا ريب شرعًا وعقلًا ولغةً: أما في اللغة: فإن أهل اللغة مطبقون على أن معنى الواحد في اللغة ليس هو الذي لا يتميز جانب منه عن جانب ولا يرى منه شيء دون شيء، وإذا كان أهل اللغة متفقين على تسمية الجسم الواحد واحدًا امتنع أن يكون في اللغة معنى الواحد الذي لا ينقسم إذا أريد بذلك أنه ليس بجسم وأنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء، بل لا يوجد في اللغة اسم واحد إلا على ذي صفة ومقدار: كقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الزمر: ٦] وقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ [المدثر: ١١] وقال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]. وأما العقل: فهذا الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر العقلاء وأهل الفطرة السليمة: إنه أمر لا يعقل ولا له وجود في الخارج، وإنما هو أمر مقدر في الذهن ليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قدر ولا يتميز منه شيء عن شيء بحيث يمكن أن لا يرى ولا يدرك ولا يُحاط به وإن سماه المُسمِّي جسمًا، وأيضًا فإن التوحيد إثبات لشيء هو واحد، فلابد أن يكون له في نفسه حقيقة ثبوتية يختص بها ويتميز بها عما سواه حتى يصح أنه ليس كمثله شيء في تلك الأمور الثبوتية، ففي المثل والشريك يقتضي ما هو على حقيقة يستحق بها واحدًا. وأما الشرع: فنقول مقصود المسلمين أن الأسماء المذكورة في القرآن والسنة وكلام المؤمنين المتفق عليه بمدح أو ذم يُعرّف مسميات تلك الأسماء حتى يعطوها حقها ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم الواحد في كلام اللَّه لم يقصد به سلب الصفات وسلب إدراكه بالحواس ولا في الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدع نفيها الجهمية وأتباعهم ولا يوجد نفيها في كتاب ولا سنة ولا عن صاحب ولا أئمة المسلمين (١). ٢ - أن الاعتماد في تنزيه الباري على نفي الجسم طريقة مبتدعة شرعًا متناقضة عقلًا، أما الشرع: فإنه لم يرد _________ (١) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٣/ ١٤٦ - ١٤٤) باختصار.

стр. 143

بذلك لا كتاب ولا سنة، ولا قول أحد من السلف، بل الكلام في صفات اللَّه تعالى بنفي الجسم أو إثباته بدعة عند السلف والأئمة، فلا يوجد له ذكر في كلام أحد من السلف إلا بالإنكار على الخائضين في ذلك من النفاة، الذين نفوا ما جاءت به النصوص، والمشبهة الذين ردوا ما نفته النصوص (١). ٣ - أنهم متناقضون في نفي الجسمية والتشبيه، فمرة ينفونها، ومرة يثبتون وجودَ اللَّهِ بنوع من ذلك. قال ابن القيم: "إن من أعجب العجب أن هؤلاء الذين فروا من القول بعلو اللَّه فوق المخلوقات واستوائه على عرشه -خشية التشبيه والتجسيم- قد اعترفوا بأنهم لا يمكنهم إثبات الصانع إلا بنوع من التشبيه والتمثيل، فيقال: ياللَّه العجب هلا طردتم هذا الجواب وسلكتم هذا الطريق في إثبات على اللَّه على خلقه واستوائه على عرشه وإثبات صفات كماله كلها وإثبات الصفات الخبرية كلها؟! " (٢). ٤ - أن اتفاق الأسماء لا يوجب تماثل المسميات، فالاتفاق في مسمى الشيء لا يقتضي التشبيه والتجسيم، فاللَّه تعالى موجود والإنسان موجود، والفرق بين وجود الخالق ووجود المخلوق كالفرق بين الخالق والمخلوق. قال ابن تيمية: "ليس للمطلق مسمَّي موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيّد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق، ولا بدَّ من هذا في جميع أسماء اللَّه وصفاته، يُفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دلَّ عليه بالإضافة والاختصاص، المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه " (٣). فللخالق جل وعلا صفات تخصه، وللمخلوق صفات تخصه، وإن اتفقت في الأسماء. قال ابن تيمية: "الصفة تتبع الموصوف. فإن كان الموصوف هو الخالق فصفاته غير مخلوقة وإن كان الموصوف هو العبد المخلوق. فصفاته مخلوقة" (٤). ٥ - وأما ما زعموه من أن إثبات الصفات يستلزم الجسمية فيقال لهم: لفظ الجسم فيه إجمال: قد يراد به _________ (١) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (١/ ٢٨٩ - ٢٩٠). (٢) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٤/ ١٣١٩ - ١٣٢١) باختصار. (٣) انظر: التدمرية لابن تيمية (ص ٢٠ - ٢٢). (٤) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٢/ ٦٦).

стр. 144

المركب الذي كانت أجزاؤه مفرقة فجمعت، أو ما يقبل التفريق والانفصال، أو المركب من مادة وصورة، أو المركب من الأجزاء المفردة التي تسمى الجواهر الفَردة. واللَّه تعالى منزه عن ذلك كله. وقد يراد بالجسم ما يشار إليه، أو ما يُرى، أو ما تقوم به الصفات؛ واللَّه تعالى يرى في الآخرة، وتقوم به الصفات، ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم وقلوبهم ووجوههم وأعينهم، فإن أراد بقوله: "ليس بجسم" هذا المعنى. قيل له: هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ معني ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأنت لم تُقم دليلًا على نفيه، وأما اللفظ فبدعة نفيًا وإثباتًا، فليس في الكتاب ولا السنة ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها إطلاق لفظ "الجسم" في صفات اللَّه تعالى، لا نفيًا ولا إثباتًا (١). ٦ - أن منشأ غلطهم وضلالهم هو ما ابتدعوه من معنى الجسم على اختلاف فيما بينهم، مخالفًا لما هو ثابت معلوم في لغة العرب (٢). قال ابن تيمية: "فلا يلزم من ثبوت الصفات لزوم ما ادعوه من المُحال، بل غلطوا في هذا التلازم، وأما ما هو لازم لا ريب فيه، فذاك يجب إثباته لا يجوز نفيه عن اللَّه تعالى، فكان غلطهم باستعمال لفظ مجمل" (٣). ٧ - أن القول بالتجسيم يلزمكم فيما أثبتموه من أسماء اللَّه تعالى، على مذهبكم وطريقتكم. فيقال لهم: "هو عندكم: حي عليم قدير، ومع هذا فليس بجسم عندكم، مع أنكم لا تعلمون حيًا عليمًا قديرًا إلا جسمًا، فإن كان قولكم حقًا أمكن أن يكون له حياة وعلم وقدرة، وأن يكون مباينًا للعالم عاليًا عليه وليس بجسم. فإن قلت: لا أعقل مباينًا عاليًا إلا جسمًا. قيل لك: ولا يعقل حيٌّ عليمٌ قديرٌ إلا جسم، فإن أمكن أن يكون مسمى بهذه الأسماء ما ليس بجسم، أمكن أن يتصف بهذه الصفات ما ليس بجسم، وإلا فلا؛ لأن الاسم مستلزم للصفة" (٤). ٨ - أنكم حينما نفيتم صفات الباري وزعمتم أنكم بذلك تنزهونه تعالى عن أن يكون جسمًا، لم تنفوا عنه في حقيقة الأمر شيء من النقائص، لأنه يلزمكم فيها أثبتموه نظير ما نفيتموه. _________ (١) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٢/ ١٣٤ - ١٣٥). (٢) انظر: التدمرية لابن تيمية (ص ٥٣ - ٥٤). (٣) انظر: شرح حديث النزول لابن تيمية (ص ٣٢). (٤) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٣/ ١٤٦).

стр. 145

قال ابن تيمية: "النفاة الذين قصدوا إثبات حدوث العالم بإثبات حدوث الجسم لم يثبتوا بذلك حدوث شيء، ثم إنهم جعلوا عمدتهم في تنزيه الرب عن النقائص على نفي "الجسم" ومن سلك هذا المسلك لم ينزه اللَّه عن شيء من النقائص ألبتة؛ فإنه ما من صفة ينفيها لأنها تستلزم التجسيم وتكون من صفات الأجسام إلَّا يقال له فيما أثبته نظير ما يقوله هو في نفس تلك الصفة" (١). الرد على الشبهة الثانية: وهي زعمهم أن ذلك يستلزم إثبات الجهة. ١ - يقال لهم: "لفظ "الجهة" قد يراد به شيء موجود غير اللَّه فيكون مخلوقًا، وقد يراد به ما ليس بموجود غير اللَّه تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم. ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ "الجهة" ولا نفيه، كما فيه إثبات "العلو" و"الاستواء" و"الفوقية" و"العروج إليه" ونحو ذلك، وقد عُلم أن ما ثمّ موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق ، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، فيقال لمن نفي الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق، فاللَّه ليس داخلا في المخلوقات؛ أم تريد بالجهة ما وراء العالم، فلا ريب أن اللَّه فوق العالَم، بائن من المخلوقات. كذلك يقال لمن قال: إن اللَّه في جهة: أتريد بذلك أن اللَّه فوق العال، أو تريد به أن اللَّه داخل في شيء من المخلوقات. فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل" (٢). ٢ - نقول لهم أيضًا: أن لفظ "الجهة" قد يراد به ما هو موجود، وقد يراد به ما هو معدوم، ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق، فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير اللَّه كان مخلوقًا، واللَّه تعالى لا يحصره ولا يحيط به شيء من المخلوقات فإنه بائن من المخلوقات، ومن نفي الجهة وأراد بالنفي كون المخلوقات محيطة به أو كونه مفتقرًا إليها فهذا حق، لكن عامتهم لا يقتصرون على هذا، بل ينفون أن يكون فوق العرش رب العالمين، أو أن يكون محمدٌ ﷺ عرج به إلى اللَّه، أو أن يصعد إليه شيء وينزل منه شيء، أو أن يكون مباينًا للعالم، بل تارًا يجعلونه لا مباينا ولا محايثًا، فيصفونه بصفة المعدوم والممتنع، وتارة يجعلونه حالا في كل _________ (١) انظر: مجموع الفتاوي (١٣/ ١٦٤ - ١٦٦). (٢) انظر: التدمرية لابن تيمية (ص ٦٦ - ٦٧) ومجموع الفتاوى لابن تيمية (٣/ ٤٢).

стр. 146

موجود، أو يجعلونه وجود كل موجود، ونحو ذلك مما يقوله أهل التعطيل وأهل الحلول" (١). ٣ - نقول لهم: لفظ "التحيز" و"الجهة" و"الجوهر" ونحو ذلك ألفاظ مجملة ليس لها أصل في كتاب اللَّه ولا في سنة رسول اللَّه، ولا قالها أحد من سلف الأمة وأئمتها في حق اللَّه تعالى، لا نفيًا ولا إثباتًا، وحينئذ فإطلاق القول بنفيها أو إثباتها ليس من مذهب "أهل السنة والجماعة" بلا ريب، ولا عليه دليل شرعي، بل الإطلاق من الطرفين مما ابتدعه "أهل الكلام" الخائضون في ذلك" (٢). الرد على الشبهة الثالثة: وهي زعمهم أن ذلك يستلزم تعدد القدماء. ١ - أن صفات اللَّه تعالى قد وردت في الكتاب وصحيح السنة، واللَّه تعالى قد أثبت لنفسه تلك الصفات وأثبتها له رسوله ﷺ ، ولا يلزم من ذلك تعدد الإله والقدماء مع اللَّه تعالى، والسلف ﵏ لم يتعرضوا لتلك النصوص بالتحريف والنفي بحجة أنها تستلزم تعدد القدماء، بل أثبتوا للَّه ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل (٣). ٢ - أن السلف لم يثبتوا ذواتًا قدماء مع اللَّه تعالى، واللَّه تعالى هو إله واحد بجميع بصفاته التي تليق بجلاله وعظمته. قال الإمام أحمد: "إن اللَّه لم يزل بصفاته كلها، أليس إنما نَصِفُ إلَهًا واحدًا بجميع صفاته؟ وضربنا لهم في ذلك مثلًا فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة؟ أليس لها جذع وكَرَب، وليف وسَعَف وخوص وجَمّار؟ واسمها اسم شيء واحد، وسميت نخلة بجميع صفاتها؟ فكذلك اللَّه، وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد" (٤). ٣ - نقول لهم: "القول في الصفات كالقول في الذات، فإن اللَّه ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات، والعلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له، وتابع له، وإذا كنا نقرّ بأن له ذاتا حقيقة، ثابتة في نفس الأمر، مستوجبة لصفات الكال، لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره، وكلامه ونزوله _________ (١) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤). (٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٥/ ٣٠٥ - ٣٠٦). (٣) انظر: الصفدية لابن تيمية (١/ ١٠٣) والفتوى الحموية الكبرى له أيضًا (ص ٢٦٥). (٤) انظر: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد (ص ١٤٠ - ١٤١).

стр. 147

واستواؤه ثابت في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم، وكلامهم ونزولهم واستواؤهم" (١). ٤ - نقول لهم: يلزمكم فيما نفيتموه من الصفات نظير ما أثبتموه من الأسماء، فالكلام في أسماء اللَّه تعالى الحسني كالكلام في صفاته العلى، فكل ما يحتج به من نفي الصفات، يحتج به نافي الأسماء الحسنى، فما كان جوابًا لذلك كان جوابًا لمثبتي الصفات" (٢). ٥ - أن قولهم: بأن أخصَّ وصف للَّه القِدَم قولٌ في غاية الفساد؛ فإن خصائص الرب التي لا يوصف بها غيره كثيرة مثل: كونه رب العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم، القائم بنفسه، القديم الواجب الوجود، المقيم لكل ما سواه، ونحو ذلك من الخصائص التي لا تشركه فيها صفة ولا غيرها (٣). الرد على الشبهة الرابعة: وهي زعمهم أن ذلك يستلزم التركيب. ١ - يقال لهم: لفظ "التركيب" يحتمل معان متجددة بحسب الاصطلاحات فيقال المركب لما ركَّبَه غيرُهُ كما قال تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٨] ويقال: ركَّبتُ الباب في موضعه ونحو ذلك وهذا هو مفهوم المُرَكَّب في اللغة. قد يقال: المُرَكَّب لِمَا كان متفرِّقًا فجُمِعَ كجمع الأغذية والأدوية المركبة، وقد يقال: المُرَكَّب لما يمكن تفريقُ بعضه عن بعض كأعضاء الإنسان، وإن لم يعهد به حال تفريق في الابتداء، وقد يقال: المُرَكَّب لما يُشار إليه كالشمس والفلك قبل أن يعلمَ جوازَ الانفكاكِ عنه، وقد يقال: المُرَكَّب لما جاز أن يعلم منه شيء دون شيء، كما يعلم كونه قادرًا قبل أن يعلم كونه سميعًا بصيرًا، وإذا كان كذلك فمعلوم أنهم إذا قالوا أن أثبات الصفات تستلزم التركيب لم يُريدوا به الأول والثاني؛ فإن إثبات الصفات لازم للَّه تعالى فيمتنع زوال صفات الكمال عنه ويمتنع أن يجوز عليه خلاف الصمدية كالتَّفرُّق ونحوه فإنه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد" (٤). _________ (١) انظر: التدمرية لابن تيمية (ص ٤٣ - ٤٥) باختصار وتصرف، والنبوات له أيضًا (١/ ٤٢٧ - ٤٢٨). (٢) انظر: التدمرية لابن تيمية (ص ٣٥) بتصرف، ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية (٢/ ١١٥ - ١١٦). (٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٥/ ٤٦) بتصرف، والصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ٩٣٨). (٤) انظر: الصفدية لابن تيمية (١/ ١٠٦).

стр. 148

٢ - أن التركيب يطلق ويراد به خمس مَعانٍ: الأول: تركيب الذات من الوجود والماهية عند من يجعل وجودها زائدًا على ماهيتها، فإذا نفيت هذا التركيب جعلته وجود مطلقًا إنما هو في الأذهان لا وجود له في الأعيان. الثاني: تركيب الماهية من الذات والصفات، فإذا نفيت هذا التركيب جعلته ذاتًا مجردةً عن كل وصف: لا يسمعُ ولا يبصرُ ولا يعلمُ ولا يقدرُ ولا يريدُ ولا له حياة ولا مشيئة ولا صفة أصلًا، فكل ذات في المخلوقات أكمل من هذه الذات، فاستفدت بنفيك هذا التركيب كفرك باللَّه وجحدك لذاته وصفاته وأفعاله، فكان اسم التركيب ملقيًا لك في أعظم الكفر وموجبًا لك أشد التعذيب. الثالث: تركيب الماهية الجسمية من الهيولى والصورة كما يقوله الفلاسفة. الرابع: تركيبها من الجواهر الفردة كما يقوله كثير من أهل الكلام. الخامس: تركيب الماهية من أجزاء كانت متفرقة فاجتمعت وتركبت. فإن أردت بقولك: "لو كان فوق العرش لكان مركبا" ما تدعيه الفلاسفة والمتكلمون، قيل لك: جمهور العقلاء عندهم أن الأجسام المحدثة المخلوقة ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا، فلو كان فوق العرش جسم مخلوق محدث لم يلزم أن يكون مركبًا بهذا الاعتبار، فكيف يلزم ذلك في حق خالق المفرد والمركب، الذي يجمع المتفرق ويفرق المجتمع، ويؤلف بين الأجزاء فيركبها كما يشاء، والعقل إنما دل على إثبات إله واحد ورب واحد لا شريك له ولا شبيه له، ولم يدل على أن ذلك الرب الواحد لا اسم له ولا صفة له ولا وجه ولا يدين ولا هو فوق خلقه ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء، فدعوي ذلك على العقل كذب صريح عليه، كما هي كذب صريح على الوحي" (١). ٣ - قولهم ذلك يستلزم وجود ذات بدون صفات، وهذا محال، فليست الصفات أجزاءً أو أبعاضًا للذات، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تصور ذات منفكة عن الصفات، فلا يوجد ذلك إلا في الذهن أما في الخارج فلا (٢). ٤ - إذا نفيتم عن اللَّه صفاته الثبوتية التي يتميز بها عن غيره بحجة التركيب فليس بواجب؛ إذ قد يشترك _________ (١) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ٩٤٦ - ٩٤٧) بتصرف، وانظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٥/ ١٤٢) والصفدية لابن تيمية (١/ ١٠٤) وشرح حديث النزول لابن تيمية (ص ١٥). (٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٣٤٦ - ٣٤٧) بتصرف.

стр. 149

الممكن مع الواجب في مسمى الوجود والعلم والقدرة، فلا يتميز أحدهما عن الآخر، فقد يصير الواجب ممكنًا والممكن واجبًا لاشتراكها وعدم تميز أحدهما عن الآخر، وهذا هو التناقض (١). ٥ - أنهم لبَّسوا حينما قالوا: "أن المركب مفتقر إلى غيره"؛ لأنه لفظ مجمل يحتمل معنى صحيحًا ومعنًى باطلًا، فيحصل بذلك اللبس والإيهام، فإن ذلك يشعر أنه مفتقر إلى ما هو منفصل عنه، وهذا باطل؛ لأنه قد تقدم أن لفظ الغير يراد به ما كان مفارقًا له بوجود أو زمان أو مكان، ويراد به ما أمكن العلم به دونه، والصفة لا تسمى غيرًا له بهذا المعنى، وأما بالمعنى الثاني: فلا يمتنع أن يكون وجوده مشروطًا بصفات، وأن يكون مستلزمًا لصفات، وإن سُمِّيت تلك الصفات غيرًا فليس في إطلاق اللفظ ما يمنع صحة المعاني العقلية، سواءً جاز إطلاق اللفظ أو لم يجز. وهؤلاء عمدوا إلى المعاني كالصحيحة العقلية وأطلقوا عليها ألفاظًا مجملة تتناول الباطل الممتنع، كالرافض الذي يسمى أهل السنة ناصبة، فيوهم أنهم نصبوا العداوة لأهل البيت ﵃" (٢). ٦ - نقول لهم: أن "التركيب" الذي نفيتموه يلزمكم فيما أثبتموه للَّه جل وعلا من لوازم ذاته تعالى، وهذا هو التناقض، فإما أن تنفوا تلك اللوازم كما نفيتم غيرها وهذا هو الكفر، أو تثبتوا جميع ما أثبته اللَّه لنفسه إثباتًا يليق بجلاله وعظمته وهذا هو الإيمان والحق (٣). ٧ - نقول لهم: لنفترض جدلًا أن ذلك يسمى "مركبًا"، ومع ذلك فإنه لا يستلزم الإمكان ولا الحدوث؛ لأن اللَّه تعالى غني عن العالمين (٤). ٨ - أن الذين قالوا بالتركيب شبهوا أولًا ثم عطلوا آخرًا، فهم شبهوا الخالق بالمخلوق حينها زعموا أن إثبات الصفات يستلزم التركيب، ففروا من هذا إلى القول بالتعطيل فنفوا عن اللَّه جل وعلا ما يستحقه من صفات الكمال التي تليق به (٥). _________ (١) انظر: جواب شبهة "المعتزلة" في نفي الصفات مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٣٤٥ - ٣٤٦). (٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣). (٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣). (٤) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٣٤٨). (٥) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٤/ ١٤٣٣ و ١٤٣٨).

стр. 150

٩ - أن نهاية كلامهم في نفي التركيب هو التناقض فلا أثبتوا وجود اللَّه به، ولا نفوا عنه تعالى المثل والشريك. فيلزمهم كما قال ابن تيمية: "إما لزوم التركيب، وإما بطلان توحيدهم، وأيهما كان لازمًا لزم الآخر؛ فإنه إذا لزم التركيب بطل توحيدهم، وإذا بطل توحيدهم أمكن تعدد الواجب وهذا يبطل امتناع التركيب، ولا ريب أن أصل كلامهم، بل وكلام نفاة العلو والصفات، مبني على إبطال التركيب وإثبات بسيط كلي مطلق مثل الكليات، وهذا الذي يثبتونه لا يوجد إلا في الأذهان، والذي أبطلوه هو لازم لكل الأعيان، فأثبتوا ممتنع الوجود في الخارج، وأبطلوا واجب الوجود في الخارج" (١). الرد عليهم في قولهم: بأنه تعالى في كل مكان. أن هذه النصوص التي تحتجون بها هي حجة عليكم لا لكم، لما يلي: ١ - أن كلمة "مع" في اللغة إذا أطلقت، فليس في ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين وشمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو النجم معنا. ويقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك، وإن كان فوق رأسك، فاللَّه مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة (٢). فلفظ "مع" لا تقتضي في لغة العرب أن يكون أحد الشيئين مختلطا بالآخر، كقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] (٣). وإذا كان لفظ "مع" إذا استعملت في كون المخلوق مع المخلوق لم تدل على اختلاط ذاته بذاته؛ فهي أن لا تدل على ذلك في حق الخالق بطريق الأولى (٤). ٢ - لفظ "المعية" قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يقتضي في كل موضع أمورًا لا يقتضيها في الموضع الآخر، فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها، وإن امتاز كل _________ (١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٤/ ٢٥٣) باختصار. (٢) انظر: الفتوى الحموية لابن تيمية (ص ٥٢١). (٣) انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية (ص ١٢١ - ١٢٢). (٤) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٨/ ٣٧٧).

стр. 151

موضع بخاصية، فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق حتى يقال: قد صرفت عن ظاهرها (١). وقد وردت صفة المعية للَّه تعالى في القرآن الكريم بمعنيين: عامة وخاصة. فالعامة: في هذه الآية: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وفي آية المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ [المجادلة: ٧]، فافتتح الكلام بالعلم، وختمه بالعلم، ولهذا قال ابن عباس والضحاك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل: هو معهم بعلمه. وأما المعية الخاصة: ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨] وقوله تعالى لموسى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] يعني النبي ﷺ وأبا بكر ﵁، فهو مع موسى وهارون دون فرعون، ومع محمد وصاحبه دون أبي جهل وغيره من أعدائه، ومع الذين اتقوا والذين هم محسنون دون الظالمين المعتدين، فلو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان، تناقض الخبر الخاص والخبر العام، بل المعنى أنه مع هؤلاء بنصره و تأييده دون أولئك (٢). ٣ - أما استدلالكم بقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] فليس لكم فيه حجة. قال ابن تيمية: "هذه الآية لا تخلو: إما أن يراد بها قربه سبحانه؛ أو قرب ملائكته؛ كما قد اختلف الناس في ذلك فإن أريد بها قرب الملائكة فقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٧] فيكون اللَّه قد أخبر بعلمه هو سبحانه بها في نفس الإنسان وأخبر بقرب الملائكة الكرام الكاتبين منه. ودليل ذلك قوله تعالى ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى﴾ ففسر ذلك بالقرب الذي هو حين يتلقى المتلقيان وبأي معنى فسر؛ فإن علمه وقدرته عام التعلق وكذلك نفسه سبحانه لا يختص بهذا الوقت وتكون هذه الآية مثل قوله تعالى ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] ومنه قوله في أول السورة: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤] وعلى هذا فالقرب لا مجاز فيه. وإنما الكلام في قوله تعالى ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ﴾ حيث عبر بها عن ملائكته ورسله أو عبر بها عن نفسه أو عن ملائكته ولكن قرب كل بحسبه. فقرب الملائكة منه تلك الساعة وقرب اللَّه تعالى منه مطلق؛ كالوجه الثاني إذا أريد به اللَّه تعالى أي: نحن أقرب إليه _________ (١) انظر: الفتوى الحموية لابن تيمية (ص ٥٢٣). (٢) انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية (ص ١٢٢ - ١٢٣).

стр. 152

من حبل الوريد؛ فيرجع هذا إلى القرب الذاتي اللازم. وفيه القولان: أحدهما: إثبات ذلك وهو قول طائفة من المتكلمين والصوفية. والثاني: أن القرب هنا بعلمه؛ لأنه قد قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] فذكر لفظ العلم هنا دل على القرب بالعلم. ومثل هذه الآية حديث أبي موسى: "إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنها تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" (١). فالآية لا تحتاج إلى تأويل القرب في حق اللَّه تعالى إلا على هذا القول وحينئذ فالسياق دل عليه ومما دل عليه السياق هو ظاهر الخطاب؛ فلا يكون من موارد النزاع" (٢). ٤ - وأما استدلالكم بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فلا حجة لكم فيه أيضًا، فمعنى الآية أنه إله من في السماء ومن في الأرض ومعبودهم. قال قتادة: "يُعبد في السماء ويُعبد في الأرض" (٣). وقال الطبري: "واللَّه الذي له الألوهة: في السماء معبود، وفي الأرض معبود كما هو في السماء معبود، لا شيء سواه تصلح عبادته، يقول تعالى ذِكره: فأفردوا لمن هذه صفته العبادة، ولا تشركوا به شيئًا غيره" (٤). وقال ابن عبد البر: "فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجتمع عليه: وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتفسير" (٥). ٥ - وأما استدلالكم بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾ [الأنعام: ٣] فهو حجة عليكم أيضًا، فإن معنى الآية هو نفس معنى الآية السابقة. قال الإمام أحمد بن حنبل: "يقول: هو إله من في السموات وإله من في الأرض، وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، ولا يخلو من علم اللَّه مكان، ولا يكون علم اللَّه في مكان دون مكان، فذلك قوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]، ومن الاعتبار في ذلك، لو أن رجلًا _________ (١) أخرجه البخاري (رقم ٢٩٩٢ و ٤٢٠٥) والإمام أحمد في مسنده (رقم ١٩٥٩٩) واللفظ له، وأبو داود (رقم ١٥٢٦) وغيرهم. (٢) انظر: مجموع الفتاوي لابن تيمية (٦/ ١٩ - ٢٠). (٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣/ ١٧٨ رقم ٢٧٩٥) والطبري في تفسير (٢١/ ٦٥٣). (٤) انظر: تفسير الطبري (٢١/ ٦٥٣) تحقيق: أحمد شاكر. الناشر: مؤسسة الرسالة. الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ. (٥) انظر: التمهيد لابن عبد البر (٧/ ١٣٤).

стр. 153

كان في يديه قدح من قوارير صافٍ وفيه شراب صافٍ، كان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فاللَّه وله المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه، من غير أن يكون في شيء من خلقه" (١). ٦ - وأما قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾ [الواقعة: ٨٥] فليس فيه أي حجة لكم؛ لأن المراد بهم الملائكة كما ذكر ذلك أئمة التفسير. قال الطبري: "يقول: ورسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون" (٢). وقال ابن تيمية: "فالمراد به قربه إليه بالملائكة، وهذا هو المعروف عن المفسرين المتقدمين من السلف، قالوا: ملك الموت أدنى إليه من أهله، ولكن لا تبصرون الملائكة" (٣). وقال أيضًا: "وهذا المحتضر قد يكون كافرًا، أو فاجرًا، أو مؤمنًا، ومقربًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾ [الواقعة] ومعلوم أن مثل هذا المكذب لا يخصه الرب بقربه منه دون من حوله، وقد يكون حوله قوم مؤمنون وإنها هم الملائكة الذين يحضرون عند المؤمن والكافر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠] وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] وقال تعالى: ﴿حَتَى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] ومما يدل على ذلك أنه ذكره بصيغة الجمع فقال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وهذا كقوله سبحانه: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)﴾ [القصص: ٣] وقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣] وقال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٧ - ١٩] فإن مثل هذا اللفظ ذكره اللَّه تعالى في كتابه دل على أنه المراد أنه سبحانه يفعل ذلك بجنوده وأعوانه من الملائكة فإن صيغة ﴿نَحْنُ﴾ يقولها _________ (١) انظر: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد (ص ١٤٩). (٢) انظر: تفسير الطبري (٢٣/ ١٥٧). (٣) انظر: شرح حديث النزول لابن تيمية (ص ١٢٥).

стр. 154

المتبوع المطاع المعظم الذي له جنود يتبعون أمره، وليس لأحد جنود يطيعونه كطاعة الملائكة لربهم، وهو خالقهم وربهم فهو سبحانه العالم بما توسوس به نفسه وملائكته تعلم فكان لفظ نحن هنا هو المناسب" (١). ٧ - وأما قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد] فهذه الأسماء الثابتة للَّه تعالى تدل على معان عظيمة تليق بجلال اللَّه وعظمته، وليس فيها حجة لكم، وقد فسرها النبي ﷺ أحسن تفسير وبيَّنها أتم بيان. فقد روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر" (٢). قال الطبري: "قوله تعالى ذكره: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ قبل كل شيء بغير حد ﴿وَالْآخِرُ﴾ يقول: والآخر بعد كل شيء بغير نهاية، وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأنه كان ولا شيء موجود سواه، وهو كائن بعد فناء الأشياء كلها كما قال جلّ ثناؤه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وقوله: ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ يقول: وهو الظاهر على كل شيء دونه وهو العائلي فوق كل شيء، فلا شيء أعلى منه ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ يقول: وهو الباطن جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الخبر عن رسول اللَّه، وقال به أهل التأويل" (٣). قال ابن تيمية: "وهذا نص في أن اللَّه ليس فوقه شيء، وكونه الظاهر صفة لازمة له مثل كونه الأول والآخر، وكذلك الباطن، فلا يزال ظاهرة ليس فوقه شيء، ولا يزال باطنًا ليس دونه شيء، وأيضًا، فقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. فمن هذه عظمته يمتنع أن يحصره شيء من مخلوقاته، وعن النبي في تفسير هذه الآية أحاديث صحيحة اتفق أهل العلم بالحديث على صحتها، وتلقيها بالقبول والتصديق" (٤). _________ (١) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٦/ ٣٥ - ٣٦). (٢) أخرجه مسلم (رقم ٢٧١٣) والإمام أحمد (رقم ٨٩٦٠ و ١٠٩٢٤) وأبو داود (رقم ٥٠٥١) والترمذي (رقم ٣٤٠٠) وابن ماجه (رقم ٣٨٧٣). (٣) انظر: تفسير الطبري (٢٣/ ١٦٨). (٤) انظر: شرح حديث النزول لابن تيمية (١٩٠ - ١٩١) باختصار.

стр. 155

الفصل الثالث: شبه زهير الأثري وأصحابه، وأبو معاذ التومني في قولهم بأن اللَّه تعالى فوق عرشه، وهو أيضًا في كل مكان، والرد عليها. وفيه مطلبان: المطلب الأول: شبه زهير الأثري وأصحابه، وأبو معاذ التومني في قولهم بأن اللَّه تعالى فوق عرشه، وهو أيضًا في كل مكان. المطلب الثاني: الرد على شبه زهير الأثري وأصحابه، وأبو معاذ التومني القائلين بأنه فوق عرشه تعالى وهو أيضًا في كل مكان. * * *

стр. 156

المطلب الأول: شبه زهير الأثري وأصحابه، وأبو معاذ التومني في قولهم بأن اللَّه تعالى فوق عرشه، وهو أيضًا في كل مكان احتجوا بجميع النصوص الواردة في العلو والفوقية والنصوص الواردة في المعية والقُرب، فقالوا: هو فوق العرش عال على خلفه، وكذلك هو في كل مكان، وقالوا: أنا نقر بهذه النصوص وهذه، لا نصرف واحدًا منها عن ظاهره (١). * * * _________ (١) انظر: مجموع الفتاوي لابن تيمية (٥/ ١٢٤ و ٢٢٩) وكتاب العرش للذهبي (١/ ٢٦٣).

стр. 157

المطلب الثاني: الرد على شبه زهير الأثري وأصحابه، وأبو معاذ التومني القائلين بأنه فوق عرشه تعالى وهو أيضًا في كل مكان. أنهم أخطأوا وتناقضوا في الجميع بين على اللَّه تعالى وفوقيته، وبين قولهم أنه في كل مكان، فالعلو والفوقية ثابتة للَّه تعالى بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وأما القول بأنه تعالى في كل مكان فقول مبتدع فاسد قد بينا سابقًا فساده وضلال قائله. قال ابن تيمية: "هذا الصنف الثالث وإن كان أقرب إلى التمسك بالنصوص وأبعد عن مخالفتها، لكنه غائط أيضًا، فكل من قال: "إن اللَّه بذاته في كل مكان" فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، مع مخالفته لما فطر اللَّه عليه عباده ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة، وهؤلاء يقولون أقوالا متناقضة يقولون: إنه فوق العرش. ويقولون: نصيب العرش منه نصيب قلب العارف. . . ومعلوم أن قلب العارف نصيبه منه المعرفة والإيمان وما يتبع ذلك، فإن قالوا: "إن العرش كذلك" نقضوا قولهم: إنه نفسه فوق العرش، وإن قالوا بحلوله بذاته في قلوب العارفين كان هذا قولا بالحلول الخالص، وقد وقع في ذلك طائفة من "الصوفية"، ولهذا كان أئمة القوم يحذرون من مثل هذا، سئل "الجنيد" عن التوحيد فقال: "هو إفراد الحدوث عن القدم". فبين أنه لا بد للموحد من التمييز بين القديم الخالق والمحدث المخلوق فلا يختلط أحدهما بالآخر، وهؤلاء يقولون في أهل المعرفة ما قالته النصارى في المسيح والشيعة في أئمتها" (١). * * * _________ (١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٥/ ١٢٥ - ١٢٦) (٥/ ٢٣٠ - ٢٣١) باختصار.

стр. 158

المسألة الثانية: صفة المحبة للَّه تعالى. وفيها ثلاثة فصول: الفصل الأول: القول في إثبات صفة المحبة للَّه تعالى. الفصل الثاني: المعطلة النافين لصفة المحبة للَّه تعالى، والرد عليهم. الفصل الثالث: شبه المتكلمين المحرفين المؤولين لصفة المحبة للَّه تعالى، والرد عليها. * * *

стр. 159

الفصل الأول: القول في إثبات صفة المحبة للَّه تعالى. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: منهج المؤلف في إثبات صفة المحبة للَّه تعالى. المطلب الثاني: مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات صفة المحبة للَّه تعالى. المطلب الثالث: الفرق المخالفة في صفة المحبة للَّه تعالى. * * *

стр. 160

المطلب الأول: منهج المؤلف في إثبات صفة المحبة للَّه تعالى. أثبت المؤلف ﵀ صفة المحبة للَّه تعالى، على ما يليق بجلاله وعظمته. وقد جاء ذكر هذه الصفة الثابتة للَّه تعالى في أربعة أبواب من الكتاب: باب قول اللَّه: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. باب قول اللَّه: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨] ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]. باب اتخاذ اللَّه خليلًا. باب قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]. وقد أورد المؤلف في الأبواب السابقة عددًا من الآيات الكريمة والأحايث الصحيحة التي تدل دلالة صريحة على إثبات صفة المحبة للَّه تعالى إثبات حقيقية على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنها ليست الإحسان ولا الإرادة. * * *

стр. 161

المطلب الثاني: مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات صفة المحبة اللَّه تعالى. أجمع سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة الدين على إثبات صفة المحبة للَّه تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنها ليست هي إرادته ولا مشيئته، ولا ثوابه تعالى. والأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة تدل على إثبات صفة المحبة للَّه تعالى، إثباتًا يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. الأدلة من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾ [التوبة: ٧]. وقوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩]. الأدلة من السنة: ١ - عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال النبي ﷺ يوم خيبر: "لأعطين الراية غدا رجلا يفتح على يديه، يحب اللَّه ورسوله، ويحبه اللَّه ورسوله" (١). ٢ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "قال اللَّه ﵎: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ والمتجالسين فيَّ والمتزاورين فيَّ والمتباذلين فيَّ" (٢). فقوله: "وجبت محبتي" دلالة بالتصريح على إثبات صفة المحبة للَّه جل وعلا. ٣ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا أحب اللَّه العبد نادى جبريل: إن اللَّه يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن اللَّه يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" (٣). دليل الإجماع: أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات صفة المحبة للَّه تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته. قال ابن تيمية: "أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة اللَّه تعالى لعباده المؤمنين ومحبتهم له، وهذا أصل دين اخليل إمام الحنفاء ﵇" (٤). _________ (١) أخرجه البخاري عن سهل بن سعد (رقم ٣٠٠٩) وأخرجه مسلم عن أبي هريرة (رقم ٢٤٠٥) وراوه غيرهم. (٢) أخرجه مالك (رقم ٧٦٣) والإمام أحمد (رقم ٢٢٠٣٠ و ٢٢١٣١) وعبد بن حميد في مسنده (رقم ١٢٥) وابن حبان (رقم ٥٧٥). (٣) أخرجه البخاري (رقم ٣٢٠٩) ومسلم (رقم ٢٦٣٧) وغيرهم. (٤) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢/ ٣٥٤).

стр. 162

وقال ابن القيم: "وجميع طرق الأدلة -عقلًا ونقلًا وفطرةً، وقياسًا واعتبارًا، وذوقًا ووجدًا- تدل على إثبات محبة العبد لربه، والرب لعبده، وقد ذكرنا لذلك قريبا من مائة طريق في كتابنا الكبير في المحبة" (١). دليل العقل: إن العقل السليم الصريح ليثبت محبة اللَّه لعباده المؤمنين، لا سيما وأن اللَّه قد أعد لهم الثواب وسلمهم من العقاب. قال العلامة ابن عثيمين: "نثبت المحبة بالأدلة العقلية، كما هي ثابتة عندنا بالأدلة السمعية، احتجاجًا على من أنكر ثبوتها بالعقل، وإثابة الطائعين بالجنات والنصر. والتأييد وغيره، هذا يدل بلا شك على المحبة ونحن نشاهد بأعيننا ونسمع بآذاننا عمن سبق وعمن لحق أن اللَّه أيد من أيد من عباده المؤمنين ونصرهم وأثابهم، وهل هذا إلا دليل على المحبة لمن أيدهم ونصرهم وأثابهم ؟! " (٢). قال العلامة الهراس: "وأما أهل الحق: فيثبتون المحبة صفة حقيقية للَّه على ما يليق به، فلا تقتضي عندهم نقصًا ولا تشبيهًا، كما يثبتون لازم تلك المحبة، وهي إرادته سبحانه إكرام من يحبه وإثابته" (٣). * * * _________ (١) انظر: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لابن القيم (٣/ ٢٠). (٢) انظر: شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (ص ٢٤١). (٣) انظر: شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن خليل الحراس (ص ١٠٢).

стр. 163

المطلب الثالث: الفرق المخالفة في صفة المحبة للَّه تعالى. من المعلوم أن أول من أنكر هذه الصفة الثابتة للَّه تعالى هو الجعد بن درهم، ثم أخذها تلميذه الجهم بن صفوان، وانتشرت فيما بعد، فأخذها المعتزلة ومن تبعهم كمتأخري الأشاعرة وغيرهم (١). وقد خالف في ذلك فرقتان وهما: الأولى: المعطلة من الجهمية ومن اتبعهم من المعتزلة وغيرهم فقد حرفوا محبة اللَّه لعبده على أنها الإحسان إليه، فيفسرون المحبة بأنها نفس الثواب الواجب عندهم على اللَّه لهؤلاء؛ بناء على مذهبهم في وجوب إثابة المطيع وعقاب العاصي، فتكون من الأفعال حيث نفوا هذه الصفة وجميع صفات اللَّه تعالى الثابتة له على ما يليق بجلاله وعظمته (٢). الثانية: وطائفة أخرى من المتكلمين الصفاتية كالأشاعرة قالوا: هي إرادة الإحسان (٣). وهم بهذا يُرجعونها إلى صفة الإرادة، فيقولون: إن محبة اللَّه لعبده لا معنى لها إلا إرادته لإكرامهم ومثوبتهم (٤). قال ابن جماعة (٥): "إن محبة اللَّه تعالى هي صفة ذات أو صفة فعل فمن قال صفة ذات فمعناه أنه يريد بالمحبوب ما يريد المحبوب لمحبوبه من الإكرام والإحسان إليه، ومحبة اللَّه تعالى للأقوال والخصال المحمودة يرجع إلى إرادته كاسبها والإحسان" (٦). وقال العلامة الهراس: "وينفي الأشاعرة والمعتزلة صفة المحبة؛ بدعوى أنها توهم نقصًا؛ إذ المحبة في المخلوق معناها ميله إلى ما يناسبه أو يستلذه. فأما الأشاعرة: فيرجعونها إلى صفة الإرادة، فيقولون: إن محبة اللَّه لعبده لا معنى لها إلا إرادته لإكرامه ومثوبته، وكذلك يقولون في صفات الرضا والغضب والكراهية والسخط؛ كلها عندهم بمعنى إرادة الثواب والعقاب. _________ (١) انظر: مجموع الفتاوي لابن تيمية (١٧/ ٣٠٥) والاستقامة له أيضًا (٢/ ١٠٢). (٢) انظر: شرح شرح العقيدة الواسطية للهراس (ص ١٠٢). (٣) انظر: شرح الأسماء الحسنى للرازي (ص ٢١١ و ٢٦٣) وجامع الرسائل لابن تيمية (٢/ ٢٣٧). (٤) انظر: شرح شرح العقيدة الواسطية للهراس (ص ١٠٢). (٥) محمد بن إبراهيم بن سعد اللَّه بن جماعة بن علي بن جماعة بدر الدين أبو عبد اللَّه الكناني الحموي الشافعي المفسر، له تواليف في الفقه والحديث والأصول والتاريخ وغير ذلك، وله تعبد وتصوف وأوصاف حميدة، وأحكام محمودة، وهو أشعري فاضل. توفي سنة ٧٣٣ هـ. انظر: معجم الشوخ الكبير للذهبي (٢/ ١٣٠) باختصار. (٦) انظر: إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل لمحمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني الحموي الشافعي (ص ١٣٩).

стр. 164

وأما المعتزلة: فلأنهم لا يثبتون إرادة قائمة به، فيفسرون المحبة بأنها نفس الثواب الواجب عندهم على اللَّه لهؤلاء؛ بناء على مذهبهم في وجوب إثابة المطيع وعقاب العاصي" (١). * * * _________ (١) انظر: شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن خليل الهراس (ص ١٠٢).

стр. 165

الفصل الثاني: شبهات المعطلة من الجهمية ومن اتبعهم من المعتزلة النافين لصفة المحبة للَّه تعالى، والرد عليهم. وفيه مطلبان: المطلب الأول: شبهات المعطلة من الجهمية ومن اتبعهم من المعتزلة النافين لصفة المحبة للَّه تعالى. المطلب الثاني: الرد على شبه المعطلة من الجهمية ومن اتبعهم من المعتزلة النافين لصفة المحبة للَّه تعالى. * * *

стр. 166

المطلب الأول: شبهات المعطلة من الجهمية ومن اتبعهم من المعتزلة النافين لصفة المحبة للَّه تعالى. إن المعطلة الذين نفوا صفة المحبة عن اللَّه تعالى أو حرفوا معناها كلهم يستدلون بدليل الأعراض وحلول الحوادث على شبهتهم تلك، فهم ينفون الأعراض وحلول الحوادث عن اللَّه تعالى، فالمعطلة من الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الأشاعرة نفوا صفة المحبة زعما منهم أنها تستلزم حلول الحوادث بذات اللَّه تعالى؛ لأن الصفات عندهم أعراض حادثة فلا يصح أن تقوم بذات اللَّه تعالى، ولو قامت به لاتصف بها بعد أن لم يكن، وهذا تغيُّر، والتغيُر دليل الحدوث، والباري منزه عن التغير والحدوث. وزعموا أيضًا أن إثبات ذلك يستلزم التشبيه والجسمية وقد مر سابقًا الرد عليهم وإبطال شبهتهم هذه. أدلة المعطلة: استدل المعطلة على مذهبهم بعدة أدلة، وهي باختصار كما يلي: ١ - استدلوا بدليل الأعراض وحدوث الأجسام، وأن كل ما كان محلًا للحوادث لم يخل منها، وإذا لم يخل منها كان مُحدثا مثلها، واللَّه تعالى منزه عن حلول الحوادث (١). ٢ - أن كل ما كان من صفات اللَّه تعالى فلا بد وأن يكون من صفات الكمال ونعوت الجلال، فلو كانت صفة من صفاته محدثة لكان ذاته قبل حدوث تلك الصفة خالية من صفة الكمال، والخالي عن صفة الكمال ناقص، فيلزم أن ذاته كانت ناقصة قبل حدوث تلك الصفة فيها وذلك محال، فثبت: أن حدوث صفة في ذات اللَّه تعالى محال (٢). ٣ - لو كانت ذاته قابلة للصفة المحدثة لكانت تلك القابلية من لوازم ذاته، وكانت تلك القابلية أزلية، وثبوت القابلية يستلزم صحة وجود المقبول، فلو كانت قابلية الحوادث أزلية لكان وجود الحوادث في الأزل ممكنًا، إلا أن هذا محال؛ لأن الحوادث لها أول، والأزل لا أول له والجمع بينهما محال (٣). ٤ - أن إبراهيم ﵇ استدل بالتغير على حدوث الكوكب والشمس والقمر، ومن ثم استدل على أنها ليست _________ (١) انظر: نهاية الإقدام للشهرستاني (ص ١١٤ - ١١٥) و رسالة إلى أهل الثغر للأشعري (ص ١٨٥) ومجموع الفتاوى لابن تيمية (١/ ١٣٤ - ١٣٤) ودرء تعارض العقل والنقل له (١/ ٣٨ - ٣٩). (٢) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ١٧١) تحقيق: أحمد السقا. مطبعة الكليات الأزهرية ١٤٠٦ هـ. (٣) نفس المصدر.

стр. 167

إلها؛ لأن الإله قديم لا يتغير ولا تحل الحوادث بذاته، والمتغير لا يكون إلهًا أصلًا (١). ٥ - استدلوا بدليل الاختصاص، وهو: أنَّ أيَّ متصفٍ بصفة ما يكون مختصًا بهذه الصفة، وإذا كان مختصًا لابد أن يفتقر إلى مخصَّص، والافتقار يعني العجز والنقص، وهما ممتنعان في حق اللَّه تعالى؛ لأن المختصَّ بصفةٍ ما لا بد وأن يكون محلا للحوادث، وما كان محلا للحوادث لا بد وأن يكون حادثًا، الحادثُ لا بد له من محدث، واللَّه منزه عن ذلك (٢). * * * _________ (١) انظر: نهاية الإقدام للشهرستاني (ص ١١٥) حرره الفرد جيوم، والأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ١٧٢). (٢) انظر: أصول الدين لعبد القاهر البغدادي (ص ٦٩) والمواقف في علم الكلام لعبد الرحمن لإيجي (ص ٢٩٥).

стр. 168

المطلب الثاني: الرد على شبه المعطلة النافين لصفة المحبة للَّه تعالى. الرد على حجتهم الأولى: وهي: دليل الأعراض وحدوث الأجسام. ١ - أنا لا نسلم لكم دليلكم الذي ابتدعتموه وهو دليل الأعراض وحدوث الأجسام، حيث أنكم أوجبتموه وجعلتموه أول ما يجب على المكلف (١). قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: "مسألة: فإن قال: فبينوا لي جمل ما يلزمه في "التوحيد" أن يعرفه، قيل له: يدور ذلك على أصول خمسة: أولها: إثبات حدوث العالم" (٢). ودليلكم هذا لم يوجبه اللَّه تعالى ولا رسوله ﷺ : ولا الصحابة ولا التابعون لهم بإحسان. قال ابن تيمية: "وأصل منشأ نزاع المسلمين في هذا الباب: أن المتكلمين -من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم- سلكوا في إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع طريقة مبتدعة في الشرع مضطربةً في العقل، وأوجبوها وزعموا أنه لا يمكن معرفة الصانع إلا بها، وتلك الطريق فيها مقدمات مجملة لها نتائج مجملة، فغلط كثير من سالكيها في مقصود الشارع ومقتضى العقل، فلم يفهموا ما جاءت به النصوص النبوية، ولم يحرروا ما اقتضته الدلائل العقلية؛ وذلك أنهم قالوا: لا يمكن معرفة الصانع إلا بإثبات حدوث العالم ولا يمكن إثبات حدوث العالم إلا بإثبات حدوث الأجسام. قالوا: والطريق إلى ذلك هو الاستدلال بحدوث الأعراض على حدوث ما قامت به الأعراض" (٣). ٢ - أن معرفة اللَّه تعالى والإقرار به من الأمور الضرورية الفطرية البدهية، ولا يحتاج إلى ما أدعيتموه وأوجبتموه من النظر والاستدلال، وهذا معلوم عند جميع الأمم (٤). ٣ - أن دليلكم الذي أحدثتموه لتنزيه الباري تعالى ومعرفته والإقرار به، لا يدل على ذلك، بل يدل على إثبات حدوث ما سوى اللَّه تعالى، وأخطأتم حينما جعلتم ذلك الدليل قضية كلية قِسْتُم فيها الشاهد على الغائب من غير تمييز بينهما، وهذا هو القياس الفاسد (٥). _________ (١) انظر: الغنية في أصول الدين لعبد الرحمن المتولي النيسابوري (ص ٥٥). (٢) انظر: المختصر في أصول الدين للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٣٢٢). (٣) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٢/ ٢١٣ - ٢١٤). (٤) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٤/ ٥٧١ - ٥٧٢). (٥) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٢٩٩ - ٣٠٠).

стр. 169

٤ - نحن لا نسلم لكم دليلكم هذا، وهو لا يدل على ما ذهبتم إليه من تنزيه الباري ولا على حدوث العالم، فلا يدل على حدوث ما سوى اللَّه، ولا يستلزم حدوثه، بل هو منافٍ لحدوث العالم ومناقض له وللشرع والعقل أيضًا (١). وأيضًا: أنتم أثبتم حدوث العالم بطريق، وحدوث العالم لا يتم إلا مع نقيض ما أثبتموه، فما جعلتموه دليلًا على حدوث العالم لا يدل على حدوثه؛ بل ولا يستلزم حدوثه -والدليل لا بد أن يكون مستلزمًا المدلول: بحيث يلزم من تحقق الدليل تحقق المدلول- بل هو مُنافٍ لحدوث العالم مناقضٌ له وهو يقتضي امتناع حدوث العالم بل امتناع حدوث شيء من الأشياء، وهذا يقتضي بطلانه في نفسه وإنه لو صح لم يدل إلا على نقيض المطلوب ونقيض ما يقوله كل عاقل (٢). الرد على حجتهم الثانية: وهي: أن إثبات الصفات يستلزم الحدوث. يقال لهم: هذه الحجة من أفسد الحجج وذلك من وجوه: الأول: أن هؤلاء يقولون: نفي النقص عنه لم يعلم بالعقل وإنها علم بالإجماع، وعليه اعتمدوا في نفي النقص هنا، فيعود الأمر إلى احتجاجهم بالإجماع، ومعلوم أن الإجماع لا يُحتج به في موارد النزاع. الثاني: أن يقال: لا نسلم أن عدم هذه الأمور قبل وجودها نقص؛ بل لو وجدت قبل وجودها لكان نقصًا؛ مثال ذلك: تكليم اللَّه لموسى ﵇ ونداؤه له، فنداؤه حين ناداه صفة كمال؛ ولو ناداه قبل أن يجيء لكان ذلك نقصًا؛ فكل منها كمال حين وجوده؛ ليس بكمال قبل وجوده؛ بل وجوده قبل الوقت الذي تقتضي الحكمة وجوده فيه نقص. الثالث: أن يقال: لا نسلم أن عدم ذلك نقص؛ فإن ما كان حادثا امتنع أن يكون قديمًا وما كان ممتنعًا لم يكن عدمه نقصًا؛ لأن النقص فوات ما يمكن من صفات الكمال. الرابع: أن هذا يرد في كل ما فعله الرب وخلقه. فيقال: خلق هذا إن كان نقصًا فقد اتصف بالنقص وإن كان كمالًا فقد كان فاقدًا له، فإن قلتم: صفات الأفعال عندنا ليست بنقص ولا كمال. قيل: إذا قلتم ذلك أمكن المنازع أن يقول: هذه الحوادث ليست بنقص ولا كمال. _________ (١) انظر: جامع الرسائل لابن تيمية (٢/ ٣٦). (٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٢١٥ - ٢١٧).

стр. 170

الخامس: أن يقال: إذا عُرض على العقل الصريح ذات يمكنها أن تتكلم بقدرتها وتفعل ما تشاء بنفسها، وذات لا يمكنها أن تتكلم بمشيئتها ولا تتصرف بنفسها ألبتة بل هي بمنزلة الزَّمِن الذي لا يمكنه فعل يقوم به باختياره، قضى العقل الصريح بأن هذه الذات أكمل وحينئذ فأنتم الذين وصفتم الرب بصفة النقص، والكمال في اتصافه بهذه الصفات لا في نفي اتصافه بها. السادس: أن يقال: الحوادث التي يمتنع كون كل منها أزليا ولا يمكن وجودها إلا شيئًا فشيئًا إذا قيل: أيما أكمل أن يقدر على فعلها شيئًا فشيئًا أو لا يقدر على ذلك؟ كان معلوما -بصريح العقل- أن القادر على فعلها شيئًا فشيئًا أكمل ممن لا يقدر على ذلك. وأنتم تقولون: إن الرب لا يقدر على شيء من هذه الأمور؛ وتقولون إنه يقدر على أمور مباينة له. ومعلوم أن قدرة القادر على فعله المتصل به قبل قدرته على أمور مباينة له، فإذا قلتم: لا يقدر على فعل متصل به لزم أن لا يقدر على المنفصل؛ فلزم على قولكم أن لا يقدر على شيء ولا أن يفعل شيئًا فلزم أن لا يكون خالقًا لشيء؛ وهذا لازم للنفاة لا محيد لهم عنه" (١). الرد على حجتهم الثالثة: وهي القول بالقابلية. يقال لهم: هذه الحجة باطلة من وجوه: الوجه الأول: أن يقال "وجود الحوادث دائمًا" إما أن يكون ممكنًا وإما أن يكون ممتنعًا، فإن كان ممكنًا أمكن قبولها والقدرة عليها دائمًا وحينئذ فلا يكون وجود جنسها في الأزل ممتنعًا؛ بل يمكن أن يكون جنسها مقدورًا مقبولًا؛ وإن كان ممتنعًا فقد امتنع وجود حوادث لا تتناهى؛ وحينئذ فلا تكون في الأزل ممكنة؛ لا مقدورة ولا مقبولة؛ وحينئذ فلا يلزم من امتناعها في الأزل امتناعها بعد ذلك. فإن الحوادث موجودة؛ فلا يجوز أن يقال بدوام امتناعها؛ وهذا تقسيم حاصر يبين فساد هذه الحجة. الوجه الثاني: أن يقال: لا ريب أن الرب تعالى قادر: فإما أن يقال إنه لم يزل قادرًا، وإما أن يقال بل صار قادرًا بعد أن لم يكن، فإن قيل: لم يزل قادرًا -وهو الصواب- فيقال: إذا كان لم يزل قادرًا فإن كان المقدور لم يزل ممكنًا أمكن دوام وجود الممكنات فأمكن دوام وجود الحوادث؛ وحينئذ فلا يمتنع كونه قابلًا لها في الأزل. وإن قيل: بل كان الفعل ممتنعًا ثم صار ممكنًا. قيل: هذا جمع بين النقيضين، فإن القادر لا يكون قادرًا على ممتنع، فكيف يكون قادرًا مع كون المقدور ممتنعًا؟ ثم يقال: بتقدير إمكان هذا كما قيل: هو قادر في الأزل على ما يمكن فيما لا يزال، قيل: وكذلك في القبول، يقال: هو قابل في الأزل لما يمكن فيما لا يزال. _________ (١) انظر: جامع الرسائل لابن تيمية (٢/ ٣٤ - ٣٦).

стр. 171

الوجه الثالث: أنه سبحانه إذا قيل: هو قابل لما في الأزل فإنما هو قابل لما هو قادر عليه يمكن وجوده فإن ما يكون ممتنعًا لا يدخل تحت القدرة فهذا ليس بقابل له. الوجه الرابع: أن يقال: هو قادر على حدوث ما هو مباين له من المخلوقات ومعلوم أن قدرة القادر على فعله القائم به أولى من قدرته على المباين له؛ وإذا كان الفعل لا مانع منه إلا ما يمتنع مثله لوجود المقدور المباين ثم ثبت أن المقدور المباين هو ممكن وهو قادر عليه فالفعل أن يكون ممكنا مقدورًا أولى" (١). الرد على حجتهم الرابعة: وهي استدلالهم بقصة الخليل ﵇. أ- يقال لهم: ليس في قصة الخليل ما يدل على مذهبكم، وليس فيه حجة لكم، فليس الأفول بمعنى التغير وإنما معناه المغيب والاحتجاب، وهذا ما دلت عليه الآية الكريمة ولغة العرب. قال ابن تيمية: "أن قصة الخليل حجة عليهم لا لهم، وهم المخالفون لإبراهيم ولنبينا ولغيرهما من الأنبياء ﵈ وذلك أن اللَّه تعالى قال: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٦ - ٧٩] فقد أخبر اللَّه في كتابه: أنه من حين بزغ الكوكب والقمر والشمس وإلى حين أفولها لم يقل الخليل: لا أحب البازغين ولا المتحركين ولا المتحولين، ولا أحب من تقوم به الحركات ولا الحوادث، ولا قال شيئًا مما يقوله النفاة حتى أفل الكوكب والشمس والقمر، و"الأفول" باتفاق أهل اللغة والتفسير: هو المغيب والاحتجاب، بل هذا معلوم بالاضطرار من لغة العرب التي نزل بها القرآن وهو المراد باتفاق العلماء، فلم يقل إبراهيم: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ حتى أفل وغاب عن الأبصار، فلم يبق مرئيًا ولا مشهودًا، فحينئذ قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ وهذا يقتضي أن كونه متحركًا منتقلًا تقوم به الحوادث، بل كونه جسمًا متحيزًا تقوم به الحوادث، لم يكن دليلًا عند إبراهيم على نفي محبته، فإن كان إبراهيم إنها استدل "بالأفول" على أنه ليس رب العالمين -كما زعموا-: لزم من ذلك أن يكون ما تقدم الأفول -من كونه متحركا منتقلا- تحله الحوادث، بل ومن كونه جسمًا متحيزًا: لم يكن دليلًا عند إبراهيم على أنه ليس برب العالمين، وحينئذ فيلزم أن تكون قصة إبراهيم حجة على نقيض مطلوبهم لا على نفس مطلوبهم، وهكذا _________ (١) انظر: جامع الرسائل لابن تيمية (٢/ ٤١ - ٤٣) باختصار.

стр. 172

نجد أهل البدع لا يكادون يحتجون بحجة سمعية ولا عقلية إلا وهي عند التأمل حجة عليهم لا لهم، وبكل حال فقصة إبراهيم إلى أن تكون حجة عليهم أقرب منها إلى أن تكون حجة لهم، وهذا بيِّنٌ وللَّه الحمد، بل ما ذكره اللَّه عن إبراهيم يدل على أنه كان يثبت ما ينفونه عن اللَّه؛ فإن إبراهيم قال: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] والمراد به: أنه يستجيب الدعاء كما يقول المصلي سمع اللَّه لمن حمده وإنما يسمع الدعاء ويستجيبه بعد وجوده؛ لا قبل وجوده" (١). ب- ومما يزيد الأمر وضوحًا أن الأفول لم يَرِد أبدًا بمعنى التغير والحركة، وإنما بإجماع أهل اللغة هو المغيب والاحتجاب، وأيضًا كان قوم إبراهيم ﵇ مشركين يعبدون اللَّه ويعبدون مع اللَّه غيره، وإبراهيم ﵇ كان قد تبرأ من جميع ما يعبدون سوى اللَّه تعالى، ولم يُقِر بأن الكوكب والقمر والشمس ربًا وإلهًا، ولو كان ذلك إقرارًا منه لكان حجة عليكم وعلى فساد قولكم؛ لأنه حينئذ يكون مقرًا بأن رب العالمين قد يكون متحيزًا متنقلًا من مكان إلى مكان، متغيرًا، فعلم بهذا بطلان احتجاجكم بقصة إبراهيم ﵇ (٢). ج- يقال لهم: أن لفظ التغير معناه تغير صفة الشيء واستحالته من حال إلى حال، واستخدام هذا اللفظ وهو "التغير" في حق اللَّه تعالى يوهم معاني باطلة، كالاستحالة والفساد، مثل: انقلاب صفات الكمال إلى صفات نقص، أو تفرق الذات، ونحو ذلك مما يجب تنزيه اللَّه عنه. والغير والتغير من مادة واحدة فإذا تغير الشيء صار الثاني غير ما كان، فما لم يزل على صفة واحدة لم يتغير ولا تكون صفاته مغايرة له، وأما كونه سبحانه يتصرف بقدرته، فيخلق ويستوي ويفعل ما يشاء بنفسه ويتكلم إذا شاء، ونحو هذا لا يسمونه تغيرًا، ولكن حجج النفاة مبناها على ألفاظ مجملة موهمة كما قال الإمام أحمد: يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويلبسون على جهال الناس بما يشبهون عليهم حتى يتوهم الجاهل أنهم يعظمون اللَّه وهم إنما يقود قولهم إلى فرية على اللَّه (٣). د- نقول لهم: ماذا تقصدون بلفظ "التغير"؟ إن أردتم الاستحالة فليس بصحيح، وإن أردتم التحرك فليس بصحيح أيضًا، وإن أردتم الإمكان فهو أفسد مما قبله، فظهر بهذا فساد تصوركم لمعنى التغير على كل الأحوال (٤). _________ (١) انظر: جامع الرسائل لابن تيمية (٢/ ٥٠ - ٥١) باختصار، ودرء تعارض العقل والنقل له أيضًا (٩/ ٨٣ - ٨٤). (٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (١/ ١١٠ - ١١١) باختصار، و (١/ ٣١٠ - ٣١٧) ومجموع الفتاوي له أيضًا (٦/ ٢٨٤ - ٢٨٦). (٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٤/ ٧١ - ٧٥). (٤) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٢٨٤ - ٢٨٧).

стр. 173

الرد على حجتهم الخامسة: وهي دليل الاختصاص. ١ - أنه يلزم من قولكم بدليل الاختصاص: أن اختصاص واجب الوجود بما يختص به لا بُدَّ له من مخصص، وهذا في حقيقته تعطيل لواجب الوجود، ويلزم منه أن تكون جميع الموجودات كلها ممكنة، يستوي في ذلك الخالق والمخلوق، تعالى اللَّه عن ذلك علوًا كبيرًا (١). ٢ - قول أصحاب هذا الدليل: "افتقار كل ذي قدر إلى مخصص مباين له يخصصه بما هو عليه من قدر" هو من التوهم الباطل الشيطاني؛ لأنه لا يقف عند حد الموجود الممكن المحدَث، بل يتعداه إلى الواجب القديم الخالق جل وعلا (٢). ٣ - أنكم تناقضتم في جعلكم الممكن المفتقر إلى الفاعل لا يفتقر إلى المخصص، وجعلكم الواجب القادر الغني عن الفاعل يفتقر إلى مخصص، وهذا قلب للحقائق وإبطال لها (٣). ٤ - نقول لكم: كذلك تناقضتم أولًا: حينها فرقتم بين ذات واجب الوجود وبين صفاته، فزعمتم أن ذاته ليس لها مقدار، وأن صفاته لها مقدار، وتناقضتم ثانيًا: حيث حصرتم مقدار صفات الواجب في ثمان أو أقل أو أكثر، ونفيتم ما عداها بزعم أنه يلزم منه أن يكون للَّه تعالى قدرٌ، وأن اختصاصه بذلك القدر لا بد له من مخصص، وهو محال؛ لكيلا يكون حادثًا؛ إذ افتقار المخصَّصات إلى مخصص يدل على حدوثها، فأنتم تنفون المقدار عن ذات اللَّه تعالى، تجعلون لصفاته تعالى مقدارا محددة وتنفون ما عداه، وهذا تحكم منكم وتناقض، وهو الذي عجز علماؤكم عن الإجابة عنه، فنفوا لأجل ذلك العدد والقدر بعد أن حصروه في ثمان صفات. قال الشهرستاني: "المقادير من حيث إنها مقادير طولًا وعرضًا وعمقًا لا تختلف شاهدًا وغائبًا في تطرق الجواز العقلي إليها واستدعاء المخصص، فإنا لو قدرنا مثل ذلك المقدار بعينه في الشاهد تطرق الجواز العقلي إليه واختصاصه به دون مقدار آخر يستدعي المخصص، وتطرق الجواز إلى الجائزات لا يتوقف على تقدير القدرة عليها، بل معرفة ذلك بينة للعقل ضرورية، حتى صار كثير من العقلاء إلى أن العقل نفسه عبارة عن _________ (١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٣/ ٣٦٠ - ٣٦١). (٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٣/ ٣٦٩). (٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٣/ ٣٧٠ - ٣٧١).

стр. 174

علوم ضرورية هي معرفة الجواز في الجائزات والاستحالة في المستحيلات والوجوب في الواجبات، وتقدير القدرة عليها إنما يحتاج إليها في ترجيح أحد الجائزين على الثاني لا في تصور نفس الجواز، وهذه نكتة قد أغفلها كثير من أصحاب الكلام وأما الصفات وانحصارها في ثمان فقد اختلف الجواب عنه بوجوه منها أنهم منعوا إطلاق لفظ العدد عليها فضلا عن الثمانية. . . فإن الصفات الذاتية لا تثبت للشيء مضافة إلى الفاعل بل هي له من غير سبب والمقادير المختلفة تثبت للشيء مضافة إلى الفاعل فإن جعلها له بسبب ومنها أنهم قالوا لو قدرنا صفة زائدة على الصفات الثمانية لم يخل الحال فيها إما أن تكون صفة مدح وكمال أو تكون صفة ذم ونقصان فإن كانت صفة كمال فعدمها في الحال نقص وقد اتصف الباري سبحانه بصفات الكمال من كل وجه وإن كان صفة نقصان فعلمها عنه واجب وإذا بطل القسان تعين أنه لا يجوز أن يتصف بصفة زائدة على الصفات الذاتية" (١). وقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية كلام الشهرستاني ورد عليه وبين تناقضه في ذلك. فقال ﵀: "فيقال: هذا وما أشبهه هو الذي يقال في هذا المقام من جهة من يفرق بين بعض الصفات وبعض، كما يفرق بين الصفة والقدْر، ومن تدبره علم أنه لا يمكن الفرق، وذلك من وجوه: الوجه الأول: أن ما ذكره ليس فيه جواب عن الإلزام والمعارضة؛ فإنهم عارضوه بإثبات صفات متعددة، سواء كانت ثمانيًا أو أكثر أو أقل؛ فإن اختصاص الصفات بعدد من الأعداد كاختصاص الذات بقدْر من الأقدار، وإذا كان المسمِّي لا يسمي ذلك عددًا فمنازعه لا يسمي الآخر قدرًا، وليس الكلام في الإطلاقات اللفظية بل في المعاني العقلية، وما زاد على ذلك سواء نفي ثبوته أو نفي العلم به لا يضر، فإن السؤال قائم، إلا أن يثبت المثبت صفاتٍ لا نهاية لعددها، وهذا ينقض قاعدة من يقول: إنه لا يوجد ما لا نهاية له وإلا فإذا أثبت الصفات متناهية كانت المعارضة متوجهة سواء عرف عددها أو لم يعرف، وتفريق من فرق بين الصفات الذاتية والعرضية بأن هذه تفتقر إلى فاعل دون الأخرى لا يصح؛ لأن هذا إنها يجيء على قول من يقول: الماهيات غير مفعولة ولا مجعولة، كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة ونحوهم، وإلا فأهل السنة ومتكلموهم متفقون على أن حقائق جميع المخلوقات مخلوقة مصنوعة، بل ليس لها حقيقة في الخارج إلا ما هو موجود في الخارج، وما سوى ذلك فإنها هو الصورة العلمية، وما في الأذهان من ذلك فاللَّه تعالى هو الذي جعله فيها، واللَّه سبحانه هو الذي خلق فسوى وهو الذي قدر فهدى، وهو الذي خلق، خلق الإنسان من علق، وهو الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، وهو الذي خلق الإنسان علمه البيان. _________ (١) انظر: نهاية الإقدام للشهرستاني (ص: ١٠٦ - ١٠٧).

стр. 175

فقوله: "الصفات الذاتية لا تثبت للشيء مضافة إلى الفاعل"، قول باطل، بل صفة كل موصوف مخلوق مضافة إلى اللَّه تعالى، فإنه خلق كل موصوف بصفاته، وليس في المخلوق شيء -لا من ذاته ولا من صفاته- إلا واللَّه تعالى خلقه وأبدعه. وأيضًا فكل صفة لازمة لموصوفها لا يكون الموصوف إلا بها، فإن كان مفتقرًا إلى الفاعل: فالفاعل فعله بصفاته، وإن كان غنيًا عن الفاعل: استغنى بصفاته عن الفاعل، وتسمية أهل المنطق لبعضها ذاتيًا ولبعضها عرضيًا لا يمنع اشتراكها في هذا الحكم. وقول القائل: لو قدر صفة زائدة على الثمان لكان صفة كان أو نقص، إنما يفيده نفي ما زاد على الثمان وهذا لا يضر المعارض، بل يقوي معارضته؛ فإن تخصيص الصفات بإثبات ثمان دون ما زاد ونقص تخصيص بقدر وعدد؛ فإن كان كل مختص يفتقر إلى مخصص مباين للموصوف فالسؤال قائم. فإن قال القائل: هذه الصفات على هذا الوجه من لوازم الذات لا تفتقر إلى موجب غير الذات. قيل له: فهكذا مورد النزاع وبطل ما ذكرتَه من أن اختصاص كل موصوف بصفات ومقدار يفتقر إلى مخصص منفصل عنه. الوجه الثاني: أن ما ذكره من الكلام في أخص وصف هو أيضًا لازم لهم، كما أن ما ذكره في الصفات هو أيضًا لازم لهم، فإن هذا معارضة باختصاص الحقيقة في نفسها، وذلك معارضة باختصاصها ببعض الصفات دون بعض، وبعدد من الصفات دون ما زاد، وسواء قيل بإثبات أخص وصف أو لم يقل فإنه لابد من ذات متميزة بنفسها عما سواها. الوجه الثالث: أن يقال: أهل الإثبات للصفات لهم فيما زاد على الثمانية ثلاثة أقوال معروفة: أحدها: إثبات صفات أخرى كالرضى والغضب والوجه واليدين والاستواء. الثاني: قول من ينفي هذه الصفات كما ذكره الشهرستاني وغيره، وهو أضعف الأقوال. الثالث: قول الواقفة الذين يجوزون إثبات صفات زائدة لكن يقولون لم يقم عندنا دليل على نفي ذلك ولا إثباته، وهذه طريقة محققي من لم يُثبت الصفات الخبرية، وهذا اختيار الرازي والأمدي وغيرهما، وإذا كان كذلك فالمعارضة بالصفات ثابتة على كل قول من الأقوال الثلاثة إذ لابد فيها من اختصاص فإن كان كل مختص يفتقر إلى مخصص مباين لزم افتقار صفات اللَّه تعالى إلى مباين له" (١). _________ (١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٣/ ٣٧٨ - ٣٨٥) باختصار وتصرف.

стр. 176

٥ - نقول لكم: هذا الدليل مع أنه باطل ولا تقوم به حجة، مع ذلك يلزمكم فيها أثبتموه نظير ما لزمكم فيما نفيتموه، وعلى كلا الحالين فلم تستفيدوا شيئًا، غير أنكم عطلتم النصوص عما دلت عليه وحرفتم الكلم عن مواضعه. قال ابن القيم: "لما أصَّلوا هم وأتباعهم من الجهمية أن المختص بصفة أو حقيقة أو قدر لا بُدَّ له من تخصيص منفصل، لزمهم من هذا الأصل إنكار حقيقته وذاته وصفاته، إذ لو أثبتوا له ذلك بزعمهم لزم أن يكون له مخصص غيره خصصه بتلك الماهية والصفات والقدر، فلزم أيضًا من هذا الأصل الباطل ما لزم من الأصل الذي قبله، وهم طردوا هذا الأصل وجحدوا حقيقة الرب وصفاته، وإخوانهم من الجهمية لمَّا لم يمكنهم أن يُصرحوا به بين أظهر المسلمين صرحوا بالأصل وبما أمكنهم أن يُصرحوا به من اللوازم: كنفي الصفات، ونفي العلو، والمباينة، والكلام، والوجه، واليدين، والاستواء، والنزول، ولما أصلوا ذلك لزمهم القول بأنه في كل مكان بذاته، وأنه تعالى في الأجواف والأمكنة التي يتعالى عنها، فلما صاح عليهم أهل العلم والإيمان من كل قُطر من أقطار الأرض قالوا: نقول إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق العرش ولا تحته، فلما رأى عُبَّادهم ومتصوفوهم أن الإرادة والعبادة والطلب لا تُعَلَّقُ بمعبود هذا شأنه وأن القلوب لا تعرفه والألسنة لا تعرفه، فروا إلى أن قالوا: فهو عين هذا العالم لا غيره وكل هذه اللوازم أُسِّسَت على ذلك الأصل الفاسد" (١). وقال أيضًا: "وأما دليل امتناع الاختصاص بغير مخصص أو غير ذلك، فجميع هذه الشبه الباطلة تنفي كل معنى حمَلتُم عليه النصوص، ويلزمكم فيما أثبتموه نظير ما لزمكم فيما نفيتموه، وإذا كان الإلزام ثابتًا على التقديرين لم تستفيدوا بتأويل النصوص وحملها على خلاف حقائقها إلا تحريف الكلم عن مواضعه، والقول على اللَّه بلا علم، والجناية على الكتاب والسنة" (٢). ٦ - أن هناك من علمائكم من رد دليل الاختصاص وضعفه وبيَّن تهافته، وهو الآمدي، حيث قال في كتابه غاية المرام: "وقد سلك بعض الأصحاب في الرد على هؤلاء طريقًا شاملًا فقال: لو كان الباري مقدَّرًا بقدْر، متصوَّرًا بصورة، متناهيًا بحد ونهاية، مختصًا بجهة، متغيرًا بصفة حادثة في ذاته لكان محدثًا؛ إذ العقل الصريح _________ (١) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٤/ ١٤٢٦). (٢) انظر: نفس المصدر لابن القيم (٤/ ١٥٠٩).

стр. 177

يقضي بأن المقادير في تجويز العقل متساوية، فما من مقدار وشكل يُقدَّرُ في العقل إلا ويجوز أن يكون مخصوصًا بغيره، فاختصاصه بها اختص به من مقدار أو شكل أو غيره يستدعي مخصِّصًا ولو استدعي مخصصًا لكان الباري حَادثًا. ولكن هذا المسلك مما لا يقوى وذلك أنه وإن سلم أن ما يفرض من المقادير والجهات وغيرها ممكنة في أنفسها وأن ما وقع منها لا بد له من مخصص، لكن انما يلزم أن يكون الباري حادثًا أن لو كان المخصص خارجًا عن ذاته ونفسه، ولعل صاحب هذه المقالة لا يقول به وعند ذلك فلا يلزم أن يكون الباري حادثًا ولا محتاجًا إلى غيره أصلًا" (١). وقال الآمدي أيضًا في أبكار الأفكار: "وهذا المسلك ضعيف أيضًا؛ إذ لقائل أن يقول: المقدمة الأولى وإن كانت مسلمة غير أن المقدمة الثانية وهي: أن كل مفتقر إلى المخصص محدَث" ممنوعة، وما ذُكر في تقريرها باطل. . . وبتقدير حدوث ما أُشير إليه من الصفات فلا يلزم أن تكون الأجسام والجواهر حادثة لجواز أن تكون هذه الصفات متعاقبة عليها إلى غير النهاية" (٢). الرد عليهم في استخدامهم ألفاظًا مجملة: هؤلاء المعطلة النفاة استخدموا ألفاظًا مجملة لم يرد في الكتاب ولا في السنة نفيها ولا إثباتها، جعلوها عمدةً وحجة فنفوا بها الحق وأثبتوا الباطل، مثل لفظ: "التحيز" و"الجهة" و"التركيب" و"الجسمية" و"الأعراض" ونحوها، وقع بسبب ذلك كثير من الانحراف والتفرق في الأمة، وضل بسببه كثير من الناس. قال ابن تيمية: "وأصل ذلك: أنهم أتوا بألفاظ ليست في الكتاب ولا في السنة وهي ألفاظ مجملة مثل: "متحيز" و"حدود" و"جسم" و"مركب" ونحو ذلك ونفوا مدلولها وجعلوا ذلك مقدمة بينهم مسلمة ومدلولا عليها بنوع قياس وذلك القياس أوقعهم فيه مسلك سلكوه في إثبات حدوث العالم بحدوث الأعراض أو إثبات إمكان الجسم بالتركيب من الأجزاء فوجب طرد الدليل بالحدوث والإمكان لكل ما شمله هذا الدليل؛ إذ الدليل القطعي لا يقبل الترك لمعارض راجح فرأوا ذلك يعكر عليهم من جهة النصوص ومن جهة العقل من ناحية أخرى فصاروا أحزابا. تارة يغلبون القياس الأول ويدفعون ما عارضه وهم المعتزلة وتارة يغلبون القياس الثاني ويدفعون الأول كهشام بن الحكم الرافضي فإنه قد قيل: أول ما تكلم في الجسم نفيًا _________ (١) انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص ١٨١) باختصار. (٢) انظر: أبكار الأفكار في أصول الدين للآمدي (٣/ ٣٢٠ - ٣٢١).

стр. 178

وإثباتًا من زمن هشام بن الحكم وأبي الهذيل العلاف فإن أبا الهذيل ونحوه من قدماء المعتزلة نفوا الجسم لما سلكوا من القياس، فعارضهم هشام وأثبت الجسم لما سلكوه من القياس، واعتقد الأولون إحالة ثبوته، واعتقد هذا إحالة نفيه، وتارة يجمعون بين النصوص والقياس بجمع يظهر فيه الإحالة والتناقض. فما أعلم أحدًا من الخارجين عن الكتاب والسنة من جميع فرسان الكلام والفلسفة إلا ولا بد أن يتناقض فيحيل ما أوجب نظيره ويوجب ما أحال نظيره إذ كلامهم من عند غير اللَّه وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢] والصواب ما عليه أئمة الهدى وهو أن يوصف اللَّه بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث، ويَتَّبعَ في ذلك سبيل السلف الماضين أهل العلم والإيمان، والمعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات فتكون من باب تحريف الكلم عن مواضعه، ولا يعرض عنها فيكون من باب الذين إذا ذكروا بآيات ربهم يخرون عليها صما وعميانا ولا يترك تدبر القرآن فيكون من باب الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني" (١). * * * _________ (١) انظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥).

стр. 179

الفصل الثالث: شبه المتكلمين الصفاتية الأشاعرة المحرفين المؤولين الصفة المحبة للَّه تعالى، والرد عليها. وفيه مطلبان: المطلب الأول: شبه المتكلمين الصفاتية الأشاعرة المحرفين المسؤولين لصفة المحبة للَّه تعالى. المطلب الثاني: الرد على شبه المتكلمين الصفاتية الأشاعرة المحرفين المسؤولين لصفة المحبة للَّه تعالى. * * *

стр. 180

المطلب الأول: شبه الصفاتية الأشاعرة المحرفين المؤولين الصفة المحبة للَّه تعالى. استدلوا بعدة شُبه وهي: ١ - أن المحبة هي ميل القلب إلى المحبوب، وهذا لا يوصف به إلا المخلوق، واللَّه تعالى منزه عن ذلك (١). ٢ - أن المحبة لا تكون إلا لما يناسب المحبوب، ولا مناسبة بين القديم والمحدث، وبين الواجب والممكن وبين الخالق والمخلوق (٢). ٣ - أن المحبة والرضا يقتضيان ملاءمة ومناسبة بين الحب والمحبوب، ويوجب للمحب بدرك محبوبه فرحًا ولذةً وسرورًا، وكذلك البعض لا يكون إلا عن منافرة بين المبغض والمبغض، وذلك يقتضي للمبغض بدرك المبغض أذًى وبغضًا ونحو ذلك، والملاءمة والمنافرة تقتضي الحاجة؛ إذ ما لا يحتاج الحي إليه لا يحبه، وما لا يضره كيف يبغضه؟ واللَّه غني لا تجوز عليه الحاجة؛ إذ لو جازت عليه الحاجة للزم حدوثه وإمكانه، وهو غني عن العالمين، فلهذا فسرت المحبة والرضا بالإرادة إذ يفعل النفع والضر. ٤ - أن العقل يمنع من إثبات صفة المحبة، بعكس صفات الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، فتلك الصفات أثبتناها بالعقل؛ لأن الفعل الحادث دل على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دل على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع والبصر. والكلام أو ضد ذلك (٣). * * * _________ (١) انظر: إحياء علوم الدين للغزالي (٤/ ٣٢٨) الناشر: دار المعرفة بيروت، وانظر: جامع المسائل لابن تيمية (٣/ ١٧٥) تحقيق: محمد عزير شمس. إشراف: بكر بن عبد اللَّه أبو زيد. الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع. الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ. (٢) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (٥/ ٤٠٠). (٣) انظر: التدمرية لابن تيمية (ص ٣٣).
следующие страницы →