← Акыда

Акыда · id 132403

صفات رب العالمين - رسائل جامعية - ناقص

ابن المحب الصامت

Полный текст (3 288 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٥ - نقول لكم: هذا الدليل مع أنه باطل ولا تقوم به حجة، مع ذلك يلزمكم فيها أثبتموه نظير ما لزمكم فيما نفيتموه، وعلى كلا الحالين فلم تستفيدوا شيئًا، غير أنكم عطلتم النصوص عما دلت عليه وحرفتم الكلم عن مواضعه. قال ابن القيم: "لما أصَّلوا هم وأتباعهم من الجهمية أن المختص بصفة أو حقيقة أو قدر لا بُدَّ له من تخصيص منفصل، لزمهم من هذا الأصل إنكار حقيقته وذاته وصفاته، إذ لو أثبتوا له ذلك بزعمهم لزم أن يكون له مخصص غيره خصصه بتلك الماهية والصفات والقدر، فلزم أيضًا من هذا الأصل الباطل ما لزم من الأصل الذي قبله، وهم طردوا هذا الأصل وجحدوا حقيقة الرب وصفاته، وإخوانهم من الجهمية لمَّا لم يمكنهم أن يُصرحوا به بين أظهر المسلمين صرحوا بالأصل وبما أمكنهم أن يُصرحوا به من اللوازم: كنفي الصفات، ونفي العلو، والمباينة، والكلام، والوجه، واليدين، والاستواء، والنزول، ولما أصلوا ذلك لزمهم القول بأنه في كل مكان بذاته، وأنه تعالى في الأجواف والأمكنة التي يتعالى عنها، فلما صاح عليهم أهل العلم والإيمان من كل قُطر من أقطار الأرض قالوا: نقول إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق العرش ولا تحته، فلما رأى عُبَّادهم ومتصوفوهم أن الإرادة والعبادة والطلب لا تُعَلَّقُ بمعبود هذا شأنه وأن القلوب لا تعرفه والألسنة لا تعرفه، فروا إلى أن قالوا: فهو عين هذا العالم لا غيره وكل هذه اللوازم أُسِّسَت على ذلك الأصل الفاسد" (١). وقال أيضًا: "وأما دليل امتناع الاختصاص بغير مخصص أو غير ذلك، فجميع هذه الشبه الباطلة تنفي كل معنى حمَلتُم عليه النصوص، ويلزمكم فيما أثبتموه نظير ما لزمكم فيما نفيتموه، وإذا كان الإلزام ثابتًا على التقديرين لم تستفيدوا بتأويل النصوص وحملها على خلاف حقائقها إلا تحريف الكلم عن مواضعه، والقول على اللَّه بلا علم، والجناية على الكتاب والسنة" (٢). ٦ - أن هناك من علمائكم من رد دليل الاختصاص وضعفه وبيَّن تهافته، وهو الآمدي، حيث قال في كتابه غاية المرام: "وقد سلك بعض الأصحاب في الرد على هؤلاء طريقًا شاملًا فقال: لو كان الباري مقدَّرًا بقدْر، متصوَّرًا بصورة، متناهيًا بحد ونهاية، مختصًا بجهة، متغيرًا بصفة حادثة في ذاته لكان محدثًا؛ إذ العقل الصريح _________ (١) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٤/ ١٤٢٦). (٢) انظر: نفس المصدر لابن القيم (٤/ ١٥٠٩).

стр. 177

يقضي بأن المقادير في تجويز العقل متساوية، فما من مقدار وشكل يُقدَّرُ في العقل إلا ويجوز أن يكون مخصوصًا بغيره، فاختصاصه بها اختص به من مقدار أو شكل أو غيره يستدعي مخصِّصًا ولو استدعي مخصصًا لكان الباري حَادثًا. ولكن هذا المسلك مما لا يقوى وذلك أنه وإن سلم أن ما يفرض من المقادير والجهات وغيرها ممكنة في أنفسها وأن ما وقع منها لا بد له من مخصص، لكن انما يلزم أن يكون الباري حادثًا أن لو كان المخصص خارجًا عن ذاته ونفسه، ولعل صاحب هذه المقالة لا يقول به وعند ذلك فلا يلزم أن يكون الباري حادثًا ولا محتاجًا إلى غيره أصلًا" (١). وقال الآمدي أيضًا في أبكار الأفكار: "وهذا المسلك ضعيف أيضًا؛ إذ لقائل أن يقول: المقدمة الأولى وإن كانت مسلمة غير أن المقدمة الثانية وهي: أن كل مفتقر إلى المخصص محدَث" ممنوعة، وما ذُكر في تقريرها باطل. . . وبتقدير حدوث ما أُشير إليه من الصفات فلا يلزم أن تكون الأجسام والجواهر حادثة لجواز أن تكون هذه الصفات متعاقبة عليها إلى غير النهاية" (٢). الرد عليهم في استخدامهم ألفاظًا مجملة: هؤلاء المعطلة النفاة استخدموا ألفاظًا مجملة لم يرد في الكتاب ولا في السنة نفيها ولا إثباتها، جعلوها عمدةً وحجة فنفوا بها الحق وأثبتوا الباطل، مثل لفظ: "التحيز" و"الجهة" و"التركيب" و"الجسمية" و"الأعراض" ونحوها، وقع بسبب ذلك كثير من الانحراف والتفرق في الأمة، وضل بسببه كثير من الناس. قال ابن تيمية: "وأصل ذلك: أنهم أتوا بألفاظ ليست في الكتاب ولا في السنة وهي ألفاظ مجملة مثل: "متحيز" و"حدود" و"جسم" و"مركب" ونحو ذلك ونفوا مدلولها وجعلوا ذلك مقدمة بينهم مسلمة ومدلولا عليها بنوع قياس وذلك القياس أوقعهم فيه مسلك سلكوه في إثبات حدوث العالم بحدوث الأعراض أو إثبات إمكان الجسم بالتركيب من الأجزاء فوجب طرد الدليل بالحدوث والإمكان لكل ما شمله هذا الدليل؛ إذ الدليل القطعي لا يقبل الترك لمعارض راجح فرأوا ذلك يعكر عليهم من جهة النصوص ومن جهة العقل من ناحية أخرى فصاروا أحزابا. تارة يغلبون القياس الأول ويدفعون ما عارضه وهم المعتزلة وتارة يغلبون القياس الثاني ويدفعون الأول كهشام بن الحكم الرافضي فإنه قد قيل: أول ما تكلم في الجسم نفيًا _________ (١) انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص ١٨١) باختصار. (٢) انظر: أبكار الأفكار في أصول الدين للآمدي (٣/ ٣٢٠ - ٣٢١).

стр. 178

وإثباتًا من زمن هشام بن الحكم وأبي الهذيل العلاف فإن أبا الهذيل ونحوه من قدماء المعتزلة نفوا الجسم لما سلكوا من القياس، فعارضهم هشام وأثبت الجسم لما سلكوه من القياس، واعتقد الأولون إحالة ثبوته، واعتقد هذا إحالة نفيه، وتارة يجمعون بين النصوص والقياس بجمع يظهر فيه الإحالة والتناقض. فما أعلم أحدًا من الخارجين عن الكتاب والسنة من جميع فرسان الكلام والفلسفة إلا ولا بد أن يتناقض فيحيل ما أوجب نظيره ويوجب ما أحال نظيره إذ كلامهم من عند غير اللَّه وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢] والصواب ما عليه أئمة الهدى وهو أن يوصف اللَّه بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث، ويَتَّبعَ في ذلك سبيل السلف الماضين أهل العلم والإيمان، والمعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات فتكون من باب تحريف الكلم عن مواضعه، ولا يعرض عنها فيكون من باب الذين إذا ذكروا بآيات ربهم يخرون عليها صما وعميانا ولا يترك تدبر القرآن فيكون من باب الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني" (١). * * * _________ (١) انظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥).

стр. 179

الفصل الثالث: شبه المتكلمين الصفاتية الأشاعرة المحرفين المؤولين الصفة المحبة للَّه تعالى، والرد عليها. وفيه مطلبان: المطلب الأول: شبه المتكلمين الصفاتية الأشاعرة المحرفين المسؤولين لصفة المحبة للَّه تعالى. المطلب الثاني: الرد على شبه المتكلمين الصفاتية الأشاعرة المحرفين المسؤولين لصفة المحبة للَّه تعالى. * * *

стр. 180

المطلب الأول: شبه الصفاتية الأشاعرة المحرفين المؤولين الصفة المحبة للَّه تعالى. استدلوا بعدة شُبه وهي: ١ - أن المحبة هي ميل القلب إلى المحبوب، وهذا لا يوصف به إلا المخلوق، واللَّه تعالى منزه عن ذلك (١). ٢ - أن المحبة لا تكون إلا لما يناسب المحبوب، ولا مناسبة بين القديم والمحدث، وبين الواجب والممكن وبين الخالق والمخلوق (٢). ٣ - أن المحبة والرضا يقتضيان ملاءمة ومناسبة بين الحب والمحبوب، ويوجب للمحب بدرك محبوبه فرحًا ولذةً وسرورًا، وكذلك البعض لا يكون إلا عن منافرة بين المبغض والمبغض، وذلك يقتضي للمبغض بدرك المبغض أذًى وبغضًا ونحو ذلك، والملاءمة والمنافرة تقتضي الحاجة؛ إذ ما لا يحتاج الحي إليه لا يحبه، وما لا يضره كيف يبغضه؟ واللَّه غني لا تجوز عليه الحاجة؛ إذ لو جازت عليه الحاجة للزم حدوثه وإمكانه، وهو غني عن العالمين، فلهذا فسرت المحبة والرضا بالإرادة إذ يفعل النفع والضر. ٤ - أن العقل يمنع من إثبات صفة المحبة، بعكس صفات الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، فتلك الصفات أثبتناها بالعقل؛ لأن الفعل الحادث دل على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دل على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع والبصر. والكلام أو ضد ذلك (٣). * * * _________ (١) انظر: إحياء علوم الدين للغزالي (٤/ ٣٢٨) الناشر: دار المعرفة بيروت، وانظر: جامع المسائل لابن تيمية (٣/ ١٧٥) تحقيق: محمد عزير شمس. إشراف: بكر بن عبد اللَّه أبو زيد. الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع. الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ. (٢) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (٥/ ٤٠٠). (٣) انظر: التدمرية لابن تيمية (ص ٣٣).

стр. 181

المطلب الثاني: الرد على شبه الصفاتية الأشاعرة المحرفين المؤولين لصفة المحبة للَّه تعالى. الرد عليهم في تحريفهم صفة المحبة للَّه تعالى إلى معنى الإرادة، أو إرادة الإحسان: ١ - نقول لهم: الإرادة صفة منفصلة عن المحبة، والمحبة ليست هي الإرادة وليست هي الإحسان، وما تأولتموه من المعاني يلزمكم فيما فررتم منه. فإذا تأول المتأول المحبة والرحمة والرضى والغضب بالإرادة، قيل له: يلزمك في الإرادة ما لزمك في هذه الصفات (١). ٢ - أن المحبة والرضا أخص من الإرادة، فليست المحبة والرضا والإرادة سواء؛ واللَّه تعالى لا يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يرضاه وإن كان داخلًا في مراده كما دخلت سائر المخلوقات لما في ذلك من الحكمة، وهو وإن كان شرًا بالنسبة إلى الفاعل فليس كل ما كان شرًا بالنسبة إلى شخص يكون عديم الحكمة بل للَّه في المخلوقات حكم قد يعلمها بعض الناس وقد لا يعلمها (٢). ٣ - أنهم حينما فسروا المحبة بالإرادة أو بإرادة الإحسان إنما فروا من صفة إلى صفة، فهلا أقروا النصوص على ما هي عليه ولم ينتهكوا حرمتها إذ كان التأويل لا يخرجهم مما فروا منه، فإن المتأول إما أن يذكر معنى ثبوتيًا، أو يتأول اللفظ بما هو عدم محض، فإن تأوله بمعنى ثبوتي كائنًا ما كان لزمه فيه نظير ما فر منه، فإن قال: أنا أثبت ذلك المعنى على وجه لا يستلزم تشبيها. قيل له: فهلا أثبت المعنى الذي تأولته على وجه لا يستلزم تشبيها. فإن قال: ذلك أمر لا يعقل. قيل له: فكيف عقلته في المعنى الذي أثبته؟ وأنت وسائر أهل الأرض إنما تفهم المعاني الغائبة بما تفهمها به في الشاهد، ولولا ذلك لما عقلت أنت ولا أحد شيئًا غائبًا البتة، فما أبديته في التأويل إن كان له نظير في الشاهد لزمك التشبيه، وإن لم يكن له نظير لم يمكنك تعقله البتة، وإن أولت النص بالعدم عطلته، فأنت في تأويلك بين التعطيل والتشبيه مع جنايتك على النص وانتهاك حرمته فهلا عظمت قدره وحفظت حرمته وأقررته وأمررته مع نفي التشبيه والتخلص من التعطيل؟ (٣). _________ (١) انظر: مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم (ص ٣٣). (٢) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (١/ ١٤٦). (٣) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧).

стр. 182

٤ - أن تحريفهم لمعنى المحبة بأنها الإرادة يتضمن باطلًا وهو: أنه تعالى يحب كل ما أراده من خير وشر وإيمان وكفر، وطاعة ومعصية، ولهذا وجماهير المسلمين يعرفون أنّ هذا القول معلوم الفساد بالضرورة من دين أهل الملل، وأنّ المسلمين واليهود والنصارى متفقون على أنّ اللَّه لا يُحبّ الشرك، ولا تكذيب الرسل، ولا يرضى ذلك، بل هو يُبغض ذلك ويمقته ويكرهه؛ كما ذكر اللَّه في سورة بني إسرائيل ما ذكره من المحرّمات، ثمّ قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ [الإسراء: ٣٨] (١). الرد على حجتهم الأولى: ١ - أن القول في الصفات كالقول في الذات، فإن اللَّه ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات (٢)، واللَّه تعالى ليس كمثله شي لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. ٢ - نقول لمن قال ذلك القول: ما الفرق بين ما قررته وبين ما تأولته؟ فإن قال: لأن الحب هو ميل القلب إلى المحبوب، وذلك لا يليق باللَّه. قيل له: هذا حبنا، ومحبة اللَّه ليس مثل محبتنا، بل يقال له: هذا هو مقتضى المحبة فينا أو موجبه، ليس هو نفس المحبة، واللَّه تعالى لا يوصف بما نحتاج إليه نحن في ثبوت الصفات، فإنه عليم، ولا يحتاج في علمه إلى النظر والاستدلال الذي يحصل لنا العلم، وهو قدير ولا يحتاج إلى مزاج وعلاج يحصل له القوة، وهو بصير ولا يحتاج إلى شحمة، وهو متكلم ولا يحتاج إلى لسان وشفتين، فكذلك غضبه لا يفتقر إلى ما يفتقر إليه غضبنا. فإن قال: أنا لا أعرف المحبة إلا هكذا. قيل له: فتأول الإرادة، فإن الإرادة فينا هي ميل القلب إلى جلب ما ينفعه أو دفع ما يضره، واللَّه تعالى لا يوصف بذلك. فإن قال: إرادته ليست كإرادتنا. قيل له: فقل في المحبة كذلك، وهكذا في سائر الصفات (٣)، وما قيل في صفة المحبة للَّه يقال أيضًا في صفة الغضب والرضى ونحوها من صفات اللَّه . _________ (١) انظر: النبوات لابن تيمية (١/ ٢٨٨). (٢) انظر: التدمرية لابن تيمية (ص ٤٣). (٣) انظر: جامع المسائل لابن تيمية (٣/ ١٧٥) بتصرف.

стр. 183

٣ - أن يقال لهم: القول في بعض الصفات كالقول في بعض: فإن كان المخاطب ممن يقرّ بأن اللَّه حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة. ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازًا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات. قيل له: لا فرق بين ما نفيتَه وبين ما أثبتَّه، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر. فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل. وإن قلت: له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به. قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به. وإن قال: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام. قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة. فإن قلت: هذه إرادة المخلوق. قيل لك: وهذا غضب المخلوق. وكذلك يُلْزَم بالقول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته، إن نفي عن الغضب والمحبة والرضا ونحو ذلك ما هو من خصائص المخلوقين، فهذا منتف عن السمع والبصر والكلام وجميع الصفات. وإن قال: إنه لا حقيقة هذا إلا ما يختص بالمخلوقين فيجب نفيه عنه. قيل له: وهكذا السمع والبصر والكلام والعلم والقدرة. فهذا المُفرِّق بين بعض الصفات وبعض، يقال له فيما نفاه كما يقوله هو لمنازعه فيما أثبته. فإذا قال المعتزلي: ليس له إرادة ولا كلام قائم به، لأن هذه الصفات لا تقوم إلا بالمخلوقات، فإنه يُبَيِّن للمعتزلي أن هذه الصفات يتصف بها القديم، ولا تكون كصفات المحدثات. فهكذا يقول له المثبتون لسائر الصفات من المحبة والرضا ونحو ذلك (١). _________ (١) انظر: التدمرية لابن تيمية (ص ٣١ - ٣٣).

стр. 184

الرد على حجتهم الثانية: ١ - يقال لهم: هذا الكلام مجمل فإن أرادوا بالمناسبة أنه ليس بينهما توالد فهذا حق، وإن أرادوا أنه ليس بينهما من المناسبة ما بين الناكح والمنكوح، والآكل والمأكول، أو نحو ذلك فهذا أيضًا حق، وإن أرادوا أنه لا مناسبة بينهما توجب أن يكون أحدهما محبًا عابدًا والآخر معبودًا محبوبًا فهذا هو رأس المسألة، فالاحتجاج به مصادرة على المطلوب ويكفي في ذلك المنع. ثم يقال: بل لا مناسبة تقتضي المحبة الكاملة إلا المناسبة التي بين المخلوق والخالق الذي لا إله غيره، الذي هو في السماء إله وفي الأرض إله، وله المثل الأعلى في السموات والأرض، وحقيقة قول هؤلاء جحد كون اللَّه معبودا في الحقيقة (١). ٢ - يقال لهم: إذا قدر موجودان: أحدهما: يحب العلم والصدق والعدل والإحسان ونحو ذلك. والآخر: لا فرق عنده بين هذه الأمور وبين الجهل والكذب والظلم ونحو ذلك لا يحب هذا ولا يبغض هذا، كان الذي يحب تلك الأمور أكمل من هذا. فدل على أن من جرده عن "صفات الكمال والوجود" بأن لا يكون له علم كالجماد فالذي يعلم أكمل منه؛ ومعلوم أن الذي يحب المحمود ويبغض المذموم: أكمل ممن يحبهما أو يبغضهما. وأصل هذه المسألة الفرق بين محبة اللَّه ورضاه وغضبه وسخطه وبين إرادته كما هو مذهب السلف والفقهاء وأكثر المثبتين للقدر من أهل السنة وغيرهم. وصار طائفة من القدرية والمثبتين للقدر إلى أنه لا فرق بينهما. ثم قالت القدرية: هو لا يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يريد ذلك فيكون ما لم يشأ ويشاء ما لم يكن. وقالت المثبتة: ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وإذن قد أراد الكفر والفسوق والعصيان ولم يرده دينا أو أراده من الكافر ولم يرده من المؤمن فهو لذلك يجب الكفر والفسوق والعصيان ولا يحبه دينا ويحبه من الكافر ولا يحبه من المؤمن. _________ (١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٠/ ٧٤).

стр. 185

وكلا القولين خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها؛ فإنهم متفقون على أنه ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته ومجمعون على أنه لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر وأن الكفار يبيتون ما لا يرضى من القول والذين نفوا محبته بنوها على هذا الأصل الفاسد (١). ويقال لهم: هذا إنكار لحقيقة لا إله إلا اللَّه؛ فأن الإله هو: المألوه المستحق لغاية الحب بغاية التعظيم فنفوا هذا المعنى بتسميته مناسبة كما نفوا محبته ورضاه وفرحه وغضبه وسخطه وكرامته ورأفته ورحمته وضحكه وتعجبه بتسميتها كيفيات محسوسة، ونفوا حياته وسمعه وبصره وقدرته وكلامه وعلمه بتسميتها أعراضًا، ونفوا أفعاله بتسميتها حوادث، ونفوا علوه على خلقه واستوائه على عرشه والمعراج برسوله إليه بتسمية ذلك تجسيمًا وتركيبًا (٢). الرد على حجتهم الثالثة: يقال لهم: الجواب من وجهين: أحدهما: الإلزام وهو أن نقول: الإرادة لا تكون إلا للمناسبة بين المريد والمراد وملاءمته في ذلك تقتضي الحاجة، وإلا فما لا يحتاج إليه الحي لا ينتفع به ولا يريده، ولذلك إذا أراد به العقوبة والإضرار لا يكون إلا لنُفرة وبغض، وإلا فما لم يتألم به الحي أصلًا لا يكرهه ولا يدفعه، وكذلك نفس نفع الغير وضرره هو في الحي متنافر من الحاجة، فإن الواحد منا إنما يحسن إلى غيره لجلب منفعة أو لدفع مضرة وإنما يضر. غيره لجلب منفعة أو دفع مضرة فإذا كان الذي يثبت صفة وينفي أخرى يلزمه فيما أثبته نظير ما يلزمه فيما نفاه لم يكن إثبات إحداهما ونفي الأخرى أولى من العكس ولو عكس عاكس فنفى ما أثبته من الإرادة وأثبت ما نفاه من المحبة لما ذكره لم يكن بينهما فرق وحينئذ فالواجب إما نفي الجميع ولا سبيل إليه للعلم الضروري بوجود نفع الخلق والإحسان إليهم وأن ذلك يستلزم الإرادة وأما إثبات الجميع كما جاءت به النصوص وحينئذ فمن توهم أنه يلزم من ذلك محذور فأحد الأمرين لازم: إما أن ذلك المحذور لا يلزم أو أنه إن لزم فليس بمحذور. الجواب الثاني: أن الذي يُعلم قطعًا هو: أن اللَّه قديم واجب الوجود كامل، وأنه لا يجوز عليه الحدوث ولا الإمكان ولا النقص، لكن كون هذه الأمور التي جاءت بها النصوص مستلزمة للحدوث والإمكان أو _________ (١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦/ ١١٥ - ١١٦) والنبوات له أيضًا (١/ ٢٨٧). (٢) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٤/ ١٤٩١).

стр. 186

النقص هو موضع النظر فإن اللَّه غني واجب بنفسه وقد عرف أن قيام الصفات به لا يلزم حدوثه ولا إمكانه ولا حاجته (١). الرد على حجتهم الرابعة: يقال لمن قال ذلك: لك جوابان: أحدهما: أن يقال: عدم الدليل المعيَّن لا يستلزم عدم المدلول المعيَّن، فهب أن ما سلكته من الدليل العقلي لا يثبت ذلك فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل، لأن النافي عليه الدليل، كما على المثبت. والسمع قد دل عليه، ولم يعارض، ذلك معارض عقلي ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالمُ عن المعارِض المقاوم. الثاني: أن يقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبتَّ به تلك من العقليات، فيقال: نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة، كدلالة التخصيص على المشيئة، وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكفار يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهد والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه، والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته -وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة- تدل على حكمته البالغة كما يدل التخصيص على المشيئة وأَوْلَى، لقوة العلة الغائية، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة (٢). * * * _________ (١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١١/ ٣٥٧ - ٣٥٩). (٢) انظر: التدمرية لابن تيمية (ص ٣٣ - ٣٥).

стр. 187

المسألة الثالثة: رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة. وفيها ثلاثة فصول: الفصل الأول: القول في إثبات رؤية اللَّه تعالى في الآخرة. الفصل الثاني: الأدلة الشرعية والعقلية التي استدل بها المعطلة لنفي رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة، والرد عليها. الفصل الثالث: الأدلة العقلية والنقلية للفريق الثاني وهم الأشاعرة القائلين: بأن اللَّه تعالى يُرى في غير جهة، والرد عليها. * * *

стр. 188

الفصل الأول: القول في إثبات رؤية اللَّه تعالى في الآخرة. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: منهج المؤلف في إثبات رؤية اللَّه تعالى في الآخرة. المطلب الثاني: مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة. المطلب الثالث: الفرق المخالفة في إثبات رؤية اللَّه تعالى في الآخرة. * * *

стр. 189

المطلب الأول: منهج المؤلف في إثبات رؤية اللَّه تعالى في الآخرة عقد المؤلف ﵀ بابًا لأثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، أورد فيه الآيات والأحاديث الدالة على ذلك، وأنه تعالى يُرى بالأبصار حقيقة عيانا، وأورد في أربعة أبواب أخرى عددا من الأدلة على إثبات الرؤية، وهي كما يلي: ١ - باب قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾ [الانفطار: ٦]. ورؤية اللَّه يوم القيامة وفي الجنة. ٢ - باب قول اللَّه تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ [النحل: ٧٤]. وقوله: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ [المرسلات: ٢٣]. وقوله: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ [الممتحنة: ٧]. ٣ - باب تجلي اللَّه للمؤمنين في الجنة. ٤ - باب مخاصرة العبد ربه. ٥ - بابٌ [ذكر المؤلف فيه أحاديث التجلي والرؤية]. وقد أورد المؤلف ﵀ في الأبواب السابقة أكثر من بضعة عشر حديثًا، كلها تدل على إثبات رؤية اللَّه في الدار الآخرة. * * *

стр. 190

المطلب الثاني: مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة. أجمع سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الدين على إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة عيان بأبصارهم، رؤية حقيقة، وأنهم يتنعَّمون ويتلذذون برؤيته ﷻ . وهي مما تواترت بها الأحاديث عن النبي ﷺ . قال الإمام النووي: "اعلم أن مذهب أهل السنة بأجمعهم أن رؤية اللَّه تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا وأجمعوا أيضًا على وقوعها في الآخرة وأن المؤمنين يرون اللَّه تعالى دون الكافرين، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية اللَّه تعالى في الآخرة للمؤمنين، ورواها نحو من عشرين صحابية عن رسول اللَّه ﷺ وآيات القرآن فيها مشهورة" (١). قال الإمام محمد الأمين الشنقيطي: "تواترت الأحاديث الصحاح في الصحيحين وغيرهما من السنن والمسانيد والأجزاء عن نحو من عشرين صحابيًّا كرامة فضلاء عن النبي ﷺ ، أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، ولا يكاد ينازع من له إنصاف في تواتر أحاديث رؤية اللَّه يوم القيامة" (٢). وقد نظم ذلك بعض العلماء (٣) فقال: مما تواترَ حديثُ مَنْ كَذَبْ … وَمَنْ بَنَى للَّهِ بيتًا واحْتَسَبْ ورؤيةُ شَفَاعَةٌ والْحَوضُ … وَمْسْحُ خُفَّيْنِ وَهذى بَعْضُ ورؤية اللَّه تعالى هي أعظم النعيم وأعلاه، وغايته ومنتهاه، وهو لكل مؤمن اصطفاه، فهي أجل مسائل الدين وأشرفه. قال الإمام ابن أبي العز الحنفي: "هذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس المتنافسون، وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون، وعن بابه مردودون" (٤). والأدلة على ذلك ثابتة صريحة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل. _________ (١) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (٣/ ١٥). (٢) انظر: العَذْبُ النَّمِيرُ مِنْ مَجَالِسِ الشَّنْقِيطِيِّ في التفسير (٤/ ١٥٠). (٣) انظر: نظم المتناثر من الحديث المتواتر لمحمد بن جعفر الكتاني (ص ١٨). (٤) انظر: شرح الطحاوية للقاضي ابن أبي العز (١/ ٢٠٨).

стр. 191

أدلة الكتاب: وردت في كتاب اللَّه تعالى عدة أدلة تدل دلالة صريحة على إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وهي كما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] عن عكرمة قال: "تنظر إلى ربها نظرًا" (١). وقال عكرمة وإسماعيل بن أبي خالد وأشياخ من أهل الكوفة: "تنظر إلى ربها نظرًا" (٢). وعن الحسن قال: "تنظر إلى الخالق، وحُقَّ لها أن تَنْضُرَ وهي تنظر إلى الخالق" (٣). قال الواحدي: "قال ابن عباس، في رواية عطاء: "يريد إلى اللَّه ناظرة"، وقال في رواية الكلبي: "تنظر إلى اللَّه يومئذ، لا تحجب عنه"، وقال مقاتل: "تنظر إلى ربها معاينة" (٤). قال الطبري: "الصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن وعكرمة، من أن معنى ذلك تنظر إلى خالقها، وبذلك جاء الأثر عن رسول اللَّه ﷺ " (٥). وقال الزجاج: "نُضِّرَت بِنَعِيم الجنة والنَّظَرِ إِلَى رَبِّهَا" (٦). وقال السمعاني: "قوله: ﴿نَاضِرَةٌ﴾ بالضاد أي: مسرورة طلقة هشة بشة، والنضرة: هي النعمة والبهجة في اللغة. وقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ هو النظر إلى اللَّه تعالى بالأعين، وهو ثابت للمؤمنين في الجنة بوعد اللَّه تعالى وبخبر الرسول" (٧). ٢ - قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال أبو بكر الصديق ﵁: "النظر إلى وجه اللَّه" (٨). وقال قتادة: "الحسني الجنة، والزيادة فيما بلغنا النظر إلى وجه اللَّه" (٩). _________ (١) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٣/ ٥٠٧). (٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٣/ ٥٠٧). (٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٣/ ٥٠٧). (٤) انظر: التفسير الوسيط للواحدي (٤/ ٣٩٣ - ٣٩٤). (٥) انظر: تفسير الطبري (٢٣/ ٥٠٩) بتصرف. (٦) انظر: معاني القرآن لأبي إسحاق الزجاج (٥/ ٢٥٣). (٧) انظر: تفسير القرآن لأبي المظفر السمعاني (٦/ ١٠٦). (٨) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١٥٦ و ١٦١) و نسبه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٣٠٦) إلى ابن أبي شيبة، وابن خزيمة، وابن المنذر، وأبي الشيخ، والدارقطني، وابن منده في الرد على الجهمية، واللالكائي والآجري، والبيهقي. (٩) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢/ ١٧٤ رقم ١١٥٥).

стр. 192

وقال عامر بن سعد: "الزيادة: النظر إلى وجه الرحمن" (١). وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: "إذا دخل أهل الجنة الجنة قال لهم: إنه قد بقي من حقكم شيءٌ لم تُعْطَوْه! قال: فيتجلى لهم ﵎. قال: فيصغر عندهم كل شيء أعطوه. قال: ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، قال: ﴿الْحُسْنَى﴾ الجنة، والزيادة النظر إلى وجه ربهم، ولا يرهقُ وجوههم قترٌ ولا ذلةٌ بعد ذلك" (٢). قال البغوي: "للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسني، وهي الجنة، وزيادة: وهي النظر إلى وجه اللَّه الكريم، هذا قول جماعة من الصحابة، منهم أبو بكر الصديق ﵁، وحذيفة، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت ﵃ وهو قول الحسن، وعكرمة وعطاء، ومقاتل، والضحاك، والسدي" (٣). قال القرطبي: "للذين أحسنوا العمل في الدنيا لهم الحسني وهي الجنة والزيادة النظر إلى وجه اللَّه الكريم، وهو قول جماعة من التابعين، وهو الصحيح في الباب" (٤). ٣ - قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣٥]. قال أنس ﵁ في قول اللَّه ﵎: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ قال: "يتجلَّى لهم كلَّ جمعةٍ" (٥). وقال الطبري: "يقول: وعندنا لهم على ما أعطيناهم من هذه الكرامة التي وصف جل ثناؤه صفتها مزيد يزيدهم إياه وقيل: إن ذلك المزيد: النظر إلى اللَّه جل ثناؤه" (٦). قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]. قال الحسن: "في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قال: يكشف الحجاب، فينظر إليه المؤمنون والكافرون، ثم يحجب عنه الكافرون وينظر إليه المؤمنون. كل يوم غدوة وعشية" (٧). _________ (١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١٥٧). (٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١٥٩). (٣) انظر: تفسير البغوي (٤/ ١٣٠). (٤) انظر: تفسير القرطبي (٨/ ٨٣٠) باختصار. (٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (رقم ٩٤) والدارمي في الرد على الجهمية (رقم ١٩٨) والبزار في مسنده (رقم ٧٥٢٨) وقال: "وعثمان صالح وهذا الحديث لا نعلم رواه عن أنس بهذا اللفظ إِلا عثمان بن عمير أبو اليقظان". وبنحوه رواه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٥١٩ رقم ٨١٣). قال ابن تيمية: "إسناده صحيح" مجموع الفتاوى (٦/ ٤١٥). (٦) انظر: تفسير الطبري (٢١/ ٤٥٤). (٧) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٨/ ٣٥١).

стр. 193

وعن أشهب بن عبد العزيز، صاحب مالك قال: قال رجل لمالك: يا أبا عبد اللَّه هل يَرى المؤمنون ربهم يوم القيامة؟ قال: "لو لم يَر المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يُعيِّر اللَّه الكفار بالحجاب، فقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١). وقال الإمام الشافعي في قول اللَّه : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قال: "فلا حجبهم في السَّخَط: كان في هذا دليل على أنهم يرونه في الرضا" (٢). وقال الربيع بن سليمان: "كنت ذات يوم عند الشَّافِعِي ﵀ وجاءه كتاب من الصعيد -وهو اسم موضع بمصر- يسألونه عن قول اللَّه جل ذكره: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ الآية. فكتب فيه: لما حجب اللَّه قومًا بالسخط، دلَّ على أن قومًا يرونه بالرضا. قال الربيع: قلت له: أو تدين بهذا يا سيدي؟ فقال: واللَّه لو لم يوقن محمد ابن إدريس أنه يرى ربه في الميعاد لما عبده في الدنيا" (٣). وقال الزجاج: "وفي هذه الآية دليل على أن اللَّه يُرَى في الآخرة، لولا ذلك لما كان في هذه الآية فائدة، ولا خسَّت منزلة الكفار بأنهم يحجبون عن اللَّه وقال تعالى في المؤمنين: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] فأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ المؤمنين ينظرون إلى اللَّه، وأن الكفار يُحْجَبُونَ عَنْه" (٤). ٢ - الآيات الكريمة التي ورد فيها ذكر لقيا اللَّه تعالى في الآخرة مثل: قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧]. وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾ [الأحزاب: ٤٤]. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. _________ (١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٤٦٨ رقم ٨٠٨). (٢) انظر: أحكام القرآن للشافعي، جمع الإمام البيهقي (١/ ٤٠). (٣) انظر مناقب الشافعي للبيهقي (١/ ٤١٩). (٤) انظر: معاني القرآن لأبي إسحاق الزجاج (٥/ ٢٩٩).

стр. 194

قال ابن القيم: "أجمع أهل اللسان على أن اللقاء متي نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع اقتضى المعاينة والرؤية ولا ينتقض هذا بقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧] فقد دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة بل والكفار أيضًا كما في الصحيحين من حديث التجلي يوم القيامة" (١). قال أبو العباس أحمد بن يحيى المشهور بثعلب: في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]. "أجمع أهل اللغة أن اللقاء هاهنا لا يكون إِلا معاينة ونظرا بالأبصار" (٢). أدلة السنة: بينا فيما سبق أن السنة النبوية تواترت عن عشرين صحابيًا بإثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، والتي أثبتت رؤية اللَّه في الآخرة، ومنها: ١ - حديث عمار بن ياسر ﵁ حين سمع النبي ﷺ يدعو بهذا الدعاء: "اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضاء بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين" (٣). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن أناسا قالوا: يا رسول اللَّه هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا. قال: فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا. قال: "فإنكم ترون ربكم يوم القيامة كذلك. . . " (٤). _________ (١) انظر: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم (١/ ٦٠٨). (٢) انظر: الإبانة الكبرى لابن بطة (٧/ ٦٢). (٣) أخرجه النسائي (رقم ١٣٠٥) وابن حبان (رقم ١٩٧١) والطبراني في كتاب الدعاء (رقم ٦٢٤) وابن أبي عاصم في السنة (رقم ٤٢٥) وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٢٩) والدارمي في الرد على الجهمية (رقم ١٨٨) وتمام الرازي في فوائده (٢/ ١٤٧ رقم ١٣٨٧) والدارقطني في كتاب رؤية اللَّه (رقم ١٥٨) والحاكم في المستدرك (رقم ١٩٢٣) وصححه، ووافقه الذهبي، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٥٤٠ رقم ٨٤٥) والبيهيقي في الأسماء والصفات (رقم ٢٢٧). (٤) أخرجه البخاري (رقم ٦٥٧٣) ومسلم (رقم ٢٩٩) وغيرهما.

стр. 195

٣ - عن أبي موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر، على وجهه في جنة عدن" (١). ٤ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا يا رسول اللَّه: هل نرى ربنا ؟ قال: "هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة في غير سحاب؟ " قال: قلنا: لا، قال: "هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر في غير سحاب؟ " قال: قلنا: لا، قال: "فإنكم لا تضارون في رؤيته لك يوم القيامة إلا كما لا تضارون في رؤيتهما" (٢). دليل الإجماع: أجمع سلف الأمة وأئمتها من الصحابة ﵃، ومن بعدهم على إثبات رؤية اللَّه تعالى في الآخرة، رؤية حقيقة بالأبصار عيانًا، كما ورد في الكتاب والسنة. وحكى الإجماع على ذلك غير واحد من الأئمة رحمه اللَّه تعالى. قال الإمام ابن جرير الطبري: "رؤية المؤمنين ربهم لك يوم القيامة، وهو ديننا الذي ندين اللَّه به، وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة، فهو: أن أهل الجنة يرونه على ما صحت به الأخبار عن رسول اللَّه ﷺ " (٣). وقال الإمام أبو الحسن الأشعري: "وأجمعوا على أن المؤمنين يرون اللَّه من يوم القيامة بأعين وجوههم على ما أخبر به تعالى في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة] وقد بين معنى ذلك النبي ﷺ ودفع كل إشكال فيه بقوله للمؤمنين: "ترون ربكم عيانًا" (٤). وقال الإمام ابن أبي زمنين المالكي: "قول أهل السنة: إن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة وأنه يحتجب عن الكفار والمشركين فلا يرونه" (٥). _________ (١) أخرجه البخاري (رقم ٤٨٧٨) ومسلم (رقم ١٨٠) وغيرهما. (٢) أخرجه البخاري (رقم ٧٤٣٩) والإمام أحمد في مسنده (رقم ١١١٢٠) وابن ماجه (رقم ١٧٩) وابن حبان (رقم ٧٣٧٧) وابن أبي عاصم في كتاب السنة (رقم ٤٥٢) وابن منده في كتاب الإيمان (رقم ٨١٧) والدارقطني في كتاب رؤية اللَّه (رقم ١٠) وابن النحاس في كتاب رؤية اللَّه (رقم ٥). (٣) انظر: صريح السنة للطبري (ص ٢٠). (٤) انظر: رسالة إلى أهل الثغر للأشعري (ص ١٣٤). (٥) انظر: أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ١٢٠).

стр. 196

دليل العقل: أن العقل لا يمنع رؤية اللَّه تعالى، لأن كل موجود صح وجوده وثبت كانت رؤيته ممكنة، وما كانت رؤيته ممتنعة أو متعذرة فهو المعدوم، وكذلك إذا كانت الرؤية إنها تثبت للشيء لكماله، فاللَّه تعالى أولى بالكمال فتكون الرؤية في حقه تعالى أولى، ورؤيته تعالى في الدنيا عيانًا ممتنعة لضعف الإنسان وعجزه، أما في الآخرة فهي ثابتة متحققة. قال ابن تيمية: "معلوم أن الرؤية تعلق بالموجود دون المعدوم، ومعلوم أنها أمر وجودي محض لا يسيطر فيها أمر علمي وإذا كانت أمرا وجوديا محضا، ولا تتعلق إلا بالموجود فالمصحح لها الفارق بين ما يمكن رؤيته وما لا يمكن رؤيته: إما أن يكون وجودا محضًا، أو متضمنًا أمرًا عدميًا. والثاني باطل لأن العدم لا يكون له تأثير في الوجود المحض فلا يكون سببًا له، ولا يكون أيضًا شرطًا أو جزءًا من السبب إلا أن يتضمن وجودًا فيكون ذلك الوجود هو المؤثر في الوجود ويكون ذلك العدم دليلًا عليه ومستلزمًا له ونحو ذلك، وهذا من الأمور البينة عند التأمل. وإذا كان المقتضى جواز الرؤية، والمصحح للرؤية، والفارق بينما تجوز رؤيته وبينما لا تجوز: إما أن يكون وجودًا محضًا فلا حاجة بنا إلى تعيينه، سواء قيل هو مطلق الوجود أو القيام بالنفس، أو بالعين بشرط المقابلة والمحاذاة، أو غير ذلك مما يقال إنه مع وجوده تصح الرؤية ومع عدمه تمتنع، لكن المقصود أنه أمور وجودية، وإذا كان كذلك فقد علم أن اللَّه تعالى هو أحق بالوجود، وكماله من كل موجود، إذ وجوده هو الوجود الواجب، ووجود كل ما سواه هو من وجوده، وله الكمال التام في جميع الأمور الوجودية المحضة فإنها هي الصفات التي بها يكون كمال الوجود، وحينئذ فيكون اللَّه -وله المثل الأعلى- أحق بأن تجوز رؤيته لكان وجوده، ولكن لم نره في الدنيا لعجزنا عن ذلك وضعفنا كما لا نستطيع التحديق في شعاع الشمس" (١). وقال ابن القيم: "إن الرؤية أمر وجودي لا يتعلق إلا بموجود، وما كان أكمل وجودا كان أحق بأن يرى، فالباري سبحانه أحق بأن يرى من كل ما سواه؛ لأن وجوده أكمل من وجود كل ما سواه، يوضحه: أن تعذر الرؤية: إما خفاء المرئي، وإما لآفة وضعف في الرائي، والرب سبحانه أظهر من كل موجود، وإنما تعذرت رؤيته في الدنيا لضعف القوة الباصرة عن النظر إليه، فإذا كان الرائي في دار البقاء كانت قوة الباصرة في غاية القوة لأنها دائمة فقويت على رؤيته تعالى، وإذا جاز أن يرى سبحانه فالرؤية المعقولة عند جميع بني آدم _________ (١) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٢/ ٤٣٠ - ٤٣٢) باختصار.

стр. 197

عربهم وعجمهم وتركهم وسائر طوائفهم أن يكون المرئي مقابلًا للرائي مواجهة له مباينًا عنه، لا تعقل الأمم رؤية غير ذلك، وإذا كانت الرؤية مستلزمة لمواجهة الرائي ومباينته للمرئي لزم ضرورة أن يكون مرئيًا له من فوقه أو من تحته أو عن يمينه أو عن شماله أو خلفه أو أمامه، وقد دل النقل الصريح على أنهم إنما يرونه سبحانه من فوقهم لا من تحتهم" (١). * * * _________ (١) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٤/ ١٣٣٢).

стр. 198

المطلب الثالث: الفرق المخالفة في إثبات رؤية اللَّه تعالى في الآخرة. خالف في ذلك فرقتان من فرق الضلال، وقد تفرقوا إلى ثلاث فرق، وهي كما يلي: الفرقة الأولى: المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والزيدية والمرجئة، ذهبوا إلى نفي رؤية اللَّه تعالى في الآخرة، وحرفوها إلى معنى العلم به ومعرفته تعالى. قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: "ومما يجب نفيه عن اللَّه تعالى الرؤية" (١). وقال أيضًا: "الرؤية بالأبصار على اللَّه تستحيل، والرؤية بالمعرفة والعلم تجوز عليه" (٢). وعندهم أن من زعم أن اللَّه يرى بالأبصار فهو مشبه للَّه بخلقه، والمشبه عندهم كافر باللَّه تعالى (٣). قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: "أعلم أن من خالفنا في هذه المسألة لا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يحقق الرؤية فيقول: إن اللَّه يُرى بلا مقابلًا لنا أو حالًا في المقابل أو في حكم المقابل، أولا يحقق فيقول: إنه تعالى يُري بلا كيف، فمن ذهب إلى المذهب الأول فإنه يكون كافرًا؛ لأنه جاهل باللَّه تعالى، والجهل كفر، والدليل على ذلك إجماع الأمة، وإجماع الأمة حجة. ومن قال: إنه تعالى يُري بلا كيف فلا يكفر؛ لأن التكفير إنما يعرف شرعا، ولا دلالة من جهة الشرع يدل على ذلك" (٤). الفرقة الثانية: وهم جمهور الأشاعرة المتأخرون، فقد ذهبوا إلى القول بأن اللَّه يرى بلا جهة، فأثبتوا رؤية اللَّه في الآخرة لورود النصوص والإجماع على ذلك، لكنهم جعلوا ذلك إلى غير جهة (٥). الفرقة الثالثة: وذهب بعض الأشاعرة إلى القول بأن المقصود بالرؤية هو: "نوع إدراك هو كمالٌ ومزيد كشف بالإضافة إلى التخيل" (٦). فجعلوا حقيقة الرؤية كشف وزيادةَ علمٍ باللَّه تعالى. * * * _________ (١) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٢٣٢). (٢) انظر: المختصر في أصول الدين للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٣٣٧). (٣) انظر: الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد (ص ٦٨). (٤) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٢٧٦ - ٢٧٧). (٥) انظر: الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به للباقلاني (ص ١٧٧ و ١٧٨). (٦) انظر: الاقتصاد في الاعتقاد لأبي حامد الغزالي (ص ٤٥).

стр. 199

الفصل الثاني: الأدلة الشرعية والعقلية التي استدل بها المعطلة لنفي رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة، والرد عليها. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الأدلة الشرعية التي استدلت بها المعطلة على نفيهم رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة. المطلب الثاني: الرد على شبه المعطلة في استدلالهم بالأدلة الشرعية لنفي رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة. المطلب الثالث: الأدلة العقلية التي استدل بها المعطلة على نفيهم رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة. المطلب الرابع: الرد على شبه المعطلة في استدلالهم بالأدلة العقلية لنفي رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة. * * *

стр. 200

المطلب الأول: الأدلة الشرعية التي استدل بها المعطلة لنفي رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة. استدل المعطلة على مذهبهم بعدة أدلة من القرآن الكريم وهي: ١ - قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام]. وجه الدلالة: أن الإدراك إذا قرن بالبصر لا يحتمل إلا الرؤية، وثبت أنه تعالى نفي عن نفسه إدراك البصر، ونجد في ذلك تمدُّحًا راجعًا إلى ذاته، وما كان من نفيه تمدُّحًا راجعًا إلى ذاته كان إثباته نقصًا، والنقائص غير جائزة على اللَّه تعالى في حال من الأحوال (١). وقالوا أيضًا: أنه نفى أن يدرك بالأبصار، وقد علمنا أن الإدراك إذا قرن بالبصر أفاد ما تفيده رؤية البصر، وإذا كان إذا أطلق فقد يستعمل بمعنى اللحوق، فيقال: أدرك الغلام إذا بلغ، وأدركت الثمرة إذا نضجت، وأدرك فلان فلانة إذا لحقه، وقال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠] يعني: لحقه الغرق، وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)﴾ [الشعراء: ٦١] يعني: لملحوقون، وقد يقال عند الإطلاق: أدركت الحرارة والبرودة وأدركت الصوت، وكل ذلك إنما يصح إذا لم يقرن بالبصر، ومتي قرن به زال الاحتمال عنه، فاختص بفائدة واحدة وهي الرؤية بالبصر، فإذا صح ذلك فيجب أن يكون: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ في باب الدلالة على أنه لا يُرى، بمنزلة قوله لو قال: (لا تراه الأبصار) فثبت أنه نفى عن نفسه إدراك البصر فيتناول جميع الأبصار في جميع الأوقات، يبين ما ذكرناه: أنه لا فرق بين قولهم: أدركت ببصري هذا الشخص، وبين قولهم: رأيت ببصري هذا الشخص، أو أبصرت ببصري هذا الشخص، حتى لو قال: أدركت ببصري وما رأيت، أو رأيت وما أدركت لعد متناقضة، ومن علامات اتفاق اللفظين في الفائدة أن يثبتا في الاستعمال معًا ويزولا معًا، حتى لو أثبت بأحدهما ونفى بالآخر لتناقض الكلام (٢). قالوا: ومما يؤيد العموم أن عائشة ﵂ لما أنكرت قول ابن عباس في أن محمدًا ﷺ رأى ربه ليلة المعراج تمسكت في نصرة ما ذهبت إليه بهذه الآية، ولو لم تكن هذه الآية مفيدة للعموم بالنسبة إلى كل الأشخاص وكل الأحوال لما تم ذلك الاستدلال، ولا شك أنها من أكثر الناس علمًا بلغة العرب، فثبت أن هذه الآية دالة على النفي بالنسبة إلى كل الأشخاص وذلك يفيد المطلوب. _________ (١) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٢٣٣). (٢) انظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار المعتزلي (٤/ ١٤٤) وشرح الأصول الخمسة له أيضًا (ص ٢٣٤).

стр. 201

وأيضًا: إن الباري تعالى تمدح بكونه لا يُرى، حيث إن قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ وقعت في أثناء المدائح فإن ما قبلها مشتمل على المدح والثناء، وقوله بعدها: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أيضًا مدح وثناء، فيجب أن يكون قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ مدحا وثناء، وذلك يوجب الركاكة، وهي غير لائقة بكلام اللَّه تعالى وتقدس، وحينئذ نقول: إن كل ما كان عدمه مدحًا ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته نقصا في حق اللَّه تعالى، والنقص على اللَّه تعالى محال، لقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١] وقوله ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ [الإخلاص: ٣] إلى غير ذلك، فوجب أن يقال: كونه تعالى مرئيًا محال (١). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قالوا: دلت هذه الآية على عدم رؤية اللَّه تعالى على التأبيد في الدنيا والآخرة، وأنه مما يمتنع على اللَّه ، وذلك لما يلي: الوجه الأول: قال تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ وكلمة "لن" تفيد النفي على التأبيد، قال الزمخشري: "إنها لتأكيد النفي الذي تعطيه لا، وذلك أن "لا" تنفي المستقبل، تقول: لا أفعل غدًا، فإذا أكدت نفيها قلت: لن أفعل غدًا، والمعنى أن فعله ينافي حالي، كقوله تعالى: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] فقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] نفي للرؤية فيها يستقبل، و ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ تأكيد وبيان؛ لأن النفي مناف لصفاته. فإن قلتَ: كيف اتصل الاستدراك في قوله ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ بما قبله؟ قلت: اتصل به على معنى: "أن النظر إليَّ محالٌ فلا تطلبه، ولكن عليك بنظر آخر وهو أن تنظر إلى الجبل الذي يرجف بك وبمن طلبت الرؤية لأجلهم كيف أفعل به وكيف أجعله، دكًّا بسبب طلبك الرؤية؛ لتستعظم _________ (١) انظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار المعتزلي (٤/ ١٥٠) وشرح الأصول الخمسة له أيضًا (ص ٢٣٥ - ٢٣٧) وتفسير الرازي (١٣/ ٩٩) الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت. الطبعة الثالثة ١٤٢٠ هـ.

стр. 202

ما أقدمت عليه بما أريك من عظم أثره "كأنه عز وعلا حقق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد إليه في قوله: ﴿. . . وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ [مريم] " (١). قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: "ولن موضوعة للتأبيد، فقد نَفَى أن يكون مرئيًا البتة، وهذا يدل على استحالة الرؤية عليه، فإن قالوا: أليس أنه تعالى قال حاكيا عن اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾ [البقرة: ٩٥] أي: لا يتمنون الموت، ثم قال حاكيا عنهم: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ [الزخرف: ٧٧]: فكيف يقال إن لَن موضوعة للتأبيد؟ قلنا: إنَّ "لَن" موضوعة للتأبيد، ثم ليس يجب أن لا يصح استعماله إِلا حقيقة، بل لا يمتنع أن يستعمل مجازًا، وصار الحال فيها كالحال في قولهم: أسد وخنزير وحمار، فكما أن موضعها وحقيقتها لحيوانات مخصوصة ثم تستعمل في غيرها على سبيل المجاز والتوسع، واستعمالهم في غيرها لا يقدح في حقيقتها كذلك ههنا" (٢). الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] ووجه الدلالة: أنه علق الرؤية حال تحركه وتدكدكه لا قبل ذلك. قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: "علَّقَ الرؤية باستقرار الجبل فلا يخلو: إما أن يكون علقها باستقراره بعد تحركه وتدكدكه، أو علقها به حال تحركه، لا يجوز أن تكون الرؤية علقها باستقرار الجبل؛ لأن الجبل قد استقر ولم ير موسى ربه، فيجب أن يكون قد علق ذلك باستقرار الجبل بحال تحركه، دالًّا بذلك على أن الرؤية مستحيلة عليه، كاستحالة استقرار الجبل حال تحركه، ويكون هذا بمنزلة قوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] " (٣). الوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] فلو كانت الرؤية جائزة ممكنة لم يخر موسى صعقًا عند طلبه لها. _________ (١) انظر: الكشاف للزمخشري (٢/ ١٥٤) الناشر: دار الكتاب العربي بيروت. الطبعة الثالثة ١٤٠٧ هـ. (٢) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٢٦٤ - ٢٦٥). (٣) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٢٦٥).

стр. 203

قال الزمخشري: "وخرَّ موسى صعقًا من هول ما رأى، ومعناه: خر مغشيًا عليه غشيةً كالموت، ورُوي أن الملائكة مرت عليه وهو مغشيٌ عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم ويقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة" (١). الوجه الرابع: قوله تعالى عن موسى: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قالوا: فهذا تنزيه للَّه تعالى عما لا يجوز عليه وهو الرؤية، فقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ الكلمة للتنزيه، فوجب أن يكون المراد منه تنزيه اللَّه تعالى عما تقدم ذكره، والذي تقدم ذكره هو رؤية اللَّه تعالى. فكان قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا له عن الرؤية، فثبت بهذا أن نفي الرؤية تنزيه للَّه تعالى، وتنزيه اللَّه إنما يكون عن النقائص والآفات وذلك على اللَّه محال فثبت أن الرؤية على اللَّه ممتنعة (٢). قال الزمخشري: "فلما أفاق من صعقته قال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أنزهك مما لا يجوز عليك من الرؤية وغيرها" (٣). الوجه الخامس: قوله تعالى: عن موسى ﵇: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قالوا: ولولا أن طلب الرؤية ذنب لما تاب منه، ولولا أنه ذنب ينافي صحة الإسلام لما قال: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). قال الزمخشري: "تبت إليك من طلب الرؤية ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بأنك لست بمرئي ولا تدرك بشيء من الحواس، فإن قيل: فإن كان طلب الرؤية للغرض الذي ذكرته فمم تاب؟ قلت: من إجرائه تلك المقالة العظيمة -وإن كان لغرض صحيح- على لسانه من غير إذن فيه من اللَّه تعالى" (٥). ٣ - أن اللَّه تعالى ما ذكر سؤال الرؤية إِلا استعظمه، وذلك في آيات، وهي: ١ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣] فسمَّي ذلك ظلما وعاقبهم في الحال، فلو كانت الرؤية _________ (١) انظر: الكشاف للزمخشري (٢/ ١٥٤) الناشر: دار الكتاب العربي بيروت. الطبعة الثالثة ١٤٠٧ هـ. (٢) انظر: تفسير الرازي (١٤/ ٣٥٧). (٣) انظر: الكشاف للزمخشري (٢/ ١٥٥). (٤) انظر: تفسير الرازي (١٤/ ٣٥٧). (٥) انظر: الكشاف للزمخشري (٢/ ١٥٥ - ١٥٦) بتصرف يسير.

стр. 204

جائزة لجرى سؤالهم لها مجرى من يسأل معجزة زائدة، فإن قلت: أليس إنه قد أجرى إنزال الكتاب من السماء مجرى الرؤية في كون كل واحد منهما عُتُّوًا، فكما أن إنزال الكتاب غير ممتنع في نفسه فكذا سؤال الرؤية؟ قلت: الظاهر يقتضي كون كل واحد منها ممتنعة ترك العمل به في إنزال الكتاب فيبقى معمولا به في الرؤية. ٢ - وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾ [البقرة: ٥٥] فإن الرؤية لو كانت جائزة لكان قولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ كقول الأمم لأنبيائهم: "لن نؤمن إِلا بإحياء ميت" في أنه لا يُستعظم ولا تأخذهم الصاعقة. ٣ - وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾ [الفرقان: ٢١] فالرؤية لو كانت جائزة وهي عند مجزيها من أعظم المنافع لم يكن التماسها عتوا لأن من سأل اللَّه تعالى نعمة في الدين أو الدنيا لم يكن عاتيا وجرى ذلك مجرى ما يقال: لن نؤمن لك حتى يحيي اللَّه بدعائك هذا الميت، فلو أن الرؤية كانت جائزة لما كان سؤالها عتوًا ومنكرًا، وذلك ممنوع (١). ٤ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ [الشورى: ٥١]. ووجه الدلالة: أن اللَّه حصر تكليمه للبشرة في الوحي إلى الرسل، وتكليمه لهم من وراء حجاب، وإرساله إياهم إلى الأمم ليكلمهم على ألسنتهم، وإذا لم يره من يُكلمه في وقت الوحي لم يره في غيره إجماعًا، وإذا لم يره هو أصلًا لم يره غيره أيضًا، إذ لا قائل بالفرق (٢). * * * _________ (١) انظر: تفسير الرازي (٣/ ٥٢٠) باختصار وتصرف، وشرح مواقف الإيجي لعلي الجرجاني (٨/ ١٥٨) ضبطه وصححه: محمود الدمياطي. الناشر: دار الكتب العلمية بيروت. الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ. (٢) انظر: شرح مواقف الإيجي لعلي الجرجاني (٨/ ١٥٩).

стр. 205

المطلب الثاني: الرد على شبه المعطلة في استدلالهم بالأدلة الشرعية لنفي رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة. الرد على حجتهم الأولى: أن الآية الكريمة حجة عليهم، ولا حجة لهم فيها بأي حال من الأحوال، وذلك للأوجه التالية. الوجه الأول: أن استدلالهم ذلك كذب على اللغة، ودعوى مجردة عن الدليل؛ لأن اللَّه تعالى إنما نفي الإدراك، والإدراك في اللغة معن زائد على النظر والرؤية، وهو معنى الإحاطة ليس هذا المعنى في النظر والرؤية، فالإدراك منفي عن اللَّه تعالى على كل حال في الدنيا والآخرة، برهان ذلك قول اللَّه : ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)﴾ [الشعراء: ٦١] وأخبر تعالى أنه رأى بعضهم بعضًا فصحت منهم الرؤية لبني إسرائيل، ونفى اللَّه الإدراك بقول موسى ﵇ لهم: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] فأخبر تعالى أنه رأى أصحاب فرعون بني إسرائيل ولم يدركوهم، ولا شك في أن ما نفاه اللَّه تعالى غير الذي أثبته، فالإدراك غير الرؤية، والحجة لقولنا هو قول اللَّه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] (١). قال ابن تيمية: "الآية حجة عليهم لا لهم؛ لأن الإدراك إما أن يراد به مطلق الرؤية أو الرؤية المقيدة بالإحاطة، والأول باطل لأنه ليس كل من رأى شيئًا يقال أنه أدركه، كما لا يقال أحاط به، كما سئل ابن عباس ﵄ عن ذلك فقال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى، قال: أكلها ترى؟ قال لا". ومن رأى جوانب الجيش أو الجبل أو البستان أو المدينة لا يقال أنه أدركها وإنما يقال أدركها إذا أحاط بها رؤية، ونحن في هذا المقام ليس علينا بيان ذلك وإنما ذكرنا هذا بيانا لسند المنع، بل المستدل بالآية عليه أن يبين أن الإدراك في لغة العرب مرادف للرؤية، وأن كل من رأى شيئًا يقال في لغتهم أنه أدركه، وهذا لا سبيل إليه، كيف وبين لفظ الرؤية ولفظ الإدراك عموم وخصوص أو اشتراك لفظي؟! فقد تقع رؤية بلا إدراك، وقد يقع إدراك بلا رؤية، فإن الإدراك يُستعمل في: إدراك العلم وإدراك القدرة، فقد يدرك الشيء بالقدرة وإن لم يشاهد: كالأعمى الذي طلب رجلًا هاربًا منه فأدركه ولم يره، وقد قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢] فنفى موسى الإدراك مع إثبات الترائي، فعلم أنه قد يكون رؤية بلا إدراك، والإدراك هنا هو: إدراك القدرة، أي ملحوقون محاط بنا، وإذا انتفى هذا الإدراك فقد تنتفي إحاطة البصر أيضًا. _________ (١) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٣/ ٢ - ٣) الناشر: مكتبة الخانجي القاهرة، بتصرف.

стр. 206

ومما يبين ذلك: أن اللَّه تعالى ذكر هذه الآية يمدح بها نفسه ، ومعلوم أن كون الشيء لا يُرى ليس صفة مدح؛ لأن النفي المحض لا يكون مدح إن لم يتضمن أمرًا ثبوتيًا، ولأن المعدوم أيضًا لا يرى، والمعدوم لا يُمدح فعلم أن مجرد نفي الرؤية لا مدح فيه، وهذا أصل مستمر وهو أن العدم المحض الذي لا يتضمن ثبوتًا لا مدح فيه ولا كمال" (١). وقال ابن القيم: "فلم ينف موسى ﵇ الرؤية، ولم يريدوا بقولهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ إنا لمرئيون؛ فإن موسى صلوات اللَّه وسلامه عليه نفى إدراكهم إياهم بقوله: ﴿كَلَّا﴾ وأخبر اللَّه سبحانه أنه لا يخاف دَرَكَهَم بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ [طه: ٧٧]. فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يُرى ولا يُدرك، كما لا يُعلم ولا يُحاط به، وهذا هو الذي فهمته الصحابة والأئمة من بعدهم من الآية. قال ابن عباس ﵄: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] لا تحيط به الأبصار. وقال قتادة: "هو أعظم من أن تدركه الأبصار". وقال ابن عطية: "ينظرون إلى اللَّه ولا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصرُه يحيط بهم" (٢). الوجه الثاني: أن الآية رد عليكم، فهي حجة لأثبات الرؤية لا نفيها، وذلك لأمرين: الأول: أن معنى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] كما جاء عن ابن عباس وجماعة من السلف: أن الإدراك المنفي هنا هو الإحاطة. والمعنى: لا تحيط به الأبصار (٣). والإدراك قد يطلق على الإحاطة كثيرًا، كقوله: ﴿أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠]، أي: أحاط به من جميع جهاته. ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] أي: محاط بنا. وعلى هذا فمعنى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ أي: لا تحيط به الأبصار، وإن كانت تراه في الجملة، فالإدراك المنفي هو الإحاطة. والإحاطة لا يستلزم نفيها نفي مطلق الرؤية الثابت في الأحاديث المتواترة والآيات القرآنية. الثاني: أن معنى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي: لا تدركه في دار الدنيا، بدليل قوله: في الآخرة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة]. فلما قيد نظرها إلى ربها بقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم القيامة، عرفنا أن ذلك _________ (١) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (٢/ ٣١٧ - ٣٢٠) باختصار. (٢) انظر: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم (٦٢٠). (٣) انظر: تفسير الطبري (٩/ ٤٥٩).

стр. 207

النظر مقيد بالقيامة، وأن: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي: في دار الدنيا. ولو سلمنا من أن الإدراك: الرؤية، وأن الآية عامة: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ فعمومها تخصصه آيات أخر بيوم القيامة (٢): ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون (١٥)﴾ [المطففين] أي: بخلاف المؤمنين فليسوا بمحجوبين عن ربهم، وقد تقرر في الأصول أن المفهوم يخصص العام، سواء كان مفهوم موافقة، أو مفهوم مخالفة (١). الوجه الثالث: قد يقال أيضًا: إن المراد نفي الرؤية وقد عدم إذن اللَّه تعالى للأبصار بالإدراك، والدليل على صحة إرادة هذا القيد أن إرادة الإبصار فعل من أفعال العبيد وكسب من كسبهم، وقد ثبت بغير ما دليل أن العباد لا يقدرون على شيء من المقدورات إِلا بإذن اللَّه تعالى ومشيئته وتمكينه، فلا تدركه الأبصار إِلا بإذنه وهو المطلوب. ويؤيد هذا البيان ويشيد أركانه أنَّ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وقع بعد قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ووجه التأييد: أن اللَّه تعالى أخبر بأنه على كل شيء وكيل أي متولٍّ لأموره، ومعلومٌ أن الأبصار من الأشياء وأن إدراكها من أمورها، فهو متوليها ومتصرف فيها على حسب مشيئته، فيفيض عليها الإدراك ويأذن لها إذا شاء كيف شاء وعلى الحد الذي شاء، ويقبض عنها الإدراك قبضًا كُليًا أو جُزئيًا في أي وقت شاء كيف شاء، ولا يخفى على هذا أنه غاية التمدح بالعزة والقهر والغلبة؛ فإن من هو على كل شيء وكيل إذا لم تدركه الأبصار إِلا بإذنه مع كونه يدرك الأبصار -ولا تخفى عليه خافية- كان ذلك غاية في عزته وقهره وكونه غالبًا على أمره (٢). الوجه الرابع: أنَّ: "تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ" موجبة كلية؛ لأن موضعها جمع محلي كلية باللام الاستغراقية، وقد دخل عليها النفي فرفعها ورفع الموجبة الكلية سالبة جزئية، وبالجملة فيحتمل قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] إسناد النفي إلى الكل، بأن يلاحظ أو لا دخول النفي، ثم ورود العموم عليه فيكون سالبة جزئية، ومع احتمال المعنى الثاني فلم يبق فيه حجة لكم علينا؛ لأن أبصار الكفار لا تدركه إجماعًا، هذا ما نقوله لو ثبت أن اللام في الجمع للعموم والاستغراق، وإلا عكسنا القضية وقلنا: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] سالبة مهملة في قوة الجزئية فالمعنى: لا تدركه بعض الأبصار، وتخصيص البعض بالنفي يدل بالمفهوم على الإثبات للبعض، فالآية حجة لنا لا علينا (٣). _________ (١) انظر: العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (٣/ ٥٣ - ٥٤) بتصرف. . (٢) انظر: روح المعاني للألوسي (٤/ ٢٣٢). (٣) انظر: شرح مواقف الإيجي للجرجاني (٨/ ١٥٦ - ١٥٧)، "اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع" لأبي الحسن الأشعري (٦٥).

стр. 208

الوجه الخامس: أن قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] الآية، وإن عمت في الأشخاص باستغراق اللام، فإنها لا تعم في الأزمان؛ لأنها سالبة مطلقة لا دائمة، ونحن نقول بموجبه حيث لا يرى في الدنيا (١)، وبهذا علمنا أن الوقت الذي قال إنه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فيه غير الوقت الذي أخبرنا أنها تنظر إليه فيه (٢). الوجه السادس: ويقال لهم: إذا كان قول اللَّه سبحانه: في: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] في العموم كقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؛ لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر فخبرونا أليس الأبصار والعيون لا تدركه رؤيةً ولا لمسًا ولا ذوقًا ولا على وجه من الوجوه؟ فإن قالوا: نعم، فيقال لهم: أخبرونا عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أتزعمون أنه يدركها لمسًا وذوقًا بأن يلمسها؟ فمن قولهم: لا. فيقال لهم: فقد انتقض قولكم: إن قوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ في العموم كقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (٣). الوجه السابع: أما قولهم: "إن اللَّه تمدح بأن لا يرى"، فقول باطل؛ لأن العدم المحض الذي لا يتضمن إثباتًا لا مدح فيه ولا كمال. قال ابن تيمية: "قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، إنما نفي الإدراك الذي هو الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء. ولم ينف مجرد الرؤية، لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يُرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُئي، كما أنه لا يُحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رُئي لا يحاط به رؤية. فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحة وصفة كان، وكان ذلك دليلا على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها (٤). فتبين بهذا أن قول المعطلة النفاة دعو مجردة عن الدليل، فثبوت المدح في سياق الكلام ليس لهم فيه حجة على امتناع الرؤية، بل الحجة عليهم في إثبات صحة الرؤية؛ لأنه يمتنع حصول التمدح بنفي الرؤية، لمشاركة المعدوم في ذلك، وإنما يحصل التمدح بحيث تصح رؤيته، ثم إنه تعالى يحجب الأبصار عن رؤيته. _________ (١) انظر: "شرح المواقف" (٨/ ١٤٠). (٢) انظر: اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع لأبي الحسن الأشعري (ص ٦٥). (٣) انظر: الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري (ص ٥٩ - ٦٠). (٤) انظر: التدمرية لابن تيمية (ص ٥٩).

стр. 209

قال ابن القيم: "هذه الآية وهي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها؛ فان اللَّه سبحانه إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال ولا يمدح به، وإنما يمدح الرب ﵎ بالعدم إذا تضمن أمرًا وجوديًا: كتمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن كمال القيومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال ربوبيته وإلهيئة وقهره، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال الصمدية وغناه، ونفي الشفاعة عنده بدون إذنه المتضمن كمال توحيده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتظمن كمال عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته، وفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته، ولهذا لم يتمدح بعدم محض لا يتضمن أمرًا ثبوتيًا فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه، فلو كان المراد بقوله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أنه لا يُرى بحال لم يكن في ذلك مدح ولا كمال؛ لمشاركة المعدوم له في ذلك فان العدم الصرف لا يُرى ولا تُدركه الأبصار، والرب ﷻ يتعالى إن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض، فإذا المعنى أنه يُرى ولا يُدرك ولا يُحاط به كما كان المعنى في قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: ٦١] أنه يعلم كل شيء، وفي قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] أنه كامل القدرة، وفي قوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] أنه كامل العدل، وفي قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أنه كامل القيومية، فقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] يدل على غاية عظمته وأنه أكبر من كل شيء وأنه لعظمته لا يدرك بحيث يحاط به فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية" (١). الرد على حجتهم الثانية: الرد على الوجه الأول: أن الآية الكريمة حجة عليهم وأنها تدل على إمكان رؤية اللَّه تعالى، وليس فيها ما يزعمونه من استحالة رؤية اللَّه تعالى وامتناعها، وقولهم ذلك باطل لغةً وشرعًا، بدليل ما يلي: أن قولهم: "إن لن موضوعة للتأبيد" باطل، ومخالف للغة العرب وما دلت عليه من المعاني. قال أبو القاسم السهيلي: "إن العرب إنما تنفي بـ "لن" ما كان ممكنًا عند الخطاب مظنونًا أنه سيكون، فتقول له: "لن _________ (١) انظر: حادي الأرواح لابن القيم (٢٩٣ - ٢٩٤).

стр. 210

يكون" لما يمكن أن يكون؛ لأن "لن" فيها معنى "أن"، وإذا كان الأمر عندهم على الشك لا على الظن كأنه يقول: أيكون أم لا يكون؟ -قلت: في النفي لا يكون- وهذا كله مُقوٍّ لتركيبها من "لا" و"أن" (١). وبهذا يتبين أن من زعم أن "لن" تفيد النفي على التأبيد المطلق فقوله باطل مردود. قال الإمام جمال الدين بن مالك ﵀: ومن رأى النفي بلن مؤبدا … فقوله أردد وخلافه اعضدا (٢) وقال ابن القيم: "وقد أكذبهم اللَّه في قولهم بتأبيد النفي بـ "لن" صريحًا بقوله: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ [الزخرف: ٧٧] فهذا تمنٍّ للموت، فلو اقتضت "لن" دوام النفي تناقض الكلام؛ كيف وهي مقرونة بالتأبيد بقوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] ولكن ذلك لا ينافي تمنيه في النار؛ لأن التأبيد قد يراد به: التأبيد المقيد والتأبيد المطلق، فالمقيد كالتأبيد بمدة الحياة، كقولك: "واللَّه لا أكلمه أبدًا"، والمطلق كقولك: "واللَّه لا أكفر بربي أبدًا"، وإذا كان كذلك فالآية إنما اقتضت نفي تمني الموت أبد الحياة الدنيا، ولم يتعرض للآخرة أصلًا؛ وذلك لأنهم لحبهم الحياة وكراهتهم للجزاء لا يتمنون الموت وهذا منتف في الآخرة" (٣). الرد على الوجه الثاني: أنه علقه على استقرار الجبل من حيث هو من غير قيد بحال السكون أو الحركة، وإلا لزم الإضمار في الكلام، وأنه -أي استقرار الجبل- من حيث هو ممكن قطعًا؛ إذ لو فُرض وقوعه لم يلزم منه محال لذاته، وأيضًا فاستقرار الجبل عند حركته أي في زمانها ليس بمحال؛ إذ في ذلك الوقت قد يحصل الاستقرار بدل الحركة ولا محذور فيه، إنما المحال هو الاستقرار مع الحركة في كونهما مجتمعين لا وقوع شيء منهما في وقت آخر بدل صاحبه (٤). وقال ابن تيمية: "فأخبر سبحانه أنه تجلى للجبل وأنه لما تجلى له جعله دكًا فتجليه له: إما أن يكون مجرد خلق الرؤية فيه كما يقولون إن ذلك هو تجليه لسائر من يراه، أو يكون تجليه هو رفع الحجاب حتى ظهر للجبل؟ فإن كان التجلي هو خلق الرؤية كان قد أخبر أن الجبل أطاق رؤيته وأن الجبل رأى اللَّه، وإذا كان كذلك لم يجب أن يصير دكًا إذا ورد عليه ما يعجز عن مقاومته فإذا كان التجلي ليس هو إلا أن جُعل رائيًا فمعلوم أنه يكون _________ (١) انظر: نتائج الفكر في النَّحو لأبي القاسم السُّهَيلي (ص ١٠٣) وأبو القاسم السهيلي ومذهبه النحوي لمحمد إبراهيم البنا (ص ٣٦١). (٢) انظر: شرح الكافية الشافية لابن مالك (٣/ ١٥١٥). (٣) انظر: بدائع الفوائد لابن القيم (١/ ١٦٨). (٤) انظر: شرح مواقف الإيجي للجرجاني (٨/ ١٢١).

стр. 211

قادرًا على ما جُعل فاعلًا له فلا يكون دكًا ولو كان كذلك لكان العبارة المناسبة أن يقال: فلما رأى الجبلُ ربَّه جعله دكًا فلما دل القرآن مع ما ورد به الحديث في تفسير هذه الآية أن التجلي هو ظهوره وأنه مع ذلك قد لا يطيق المتجلي له رؤيته لعجزه وأن التجلي ليس هو خلق الرؤية فيه علم أنه قد يتجلى لمن يراه ولمن لا يراه وأن التجلي ليس هو خلق الرؤية فيه عند الاحتجاب فعلم أن هناك حجابا خارجًا عن الإنسان وأن التجلي يكون برفع كل الحجاب" (١). الرد على الوجه الثالث: أنه ليس فيها دلالة على المنع، بل إن دلالتها على الجواز أقرب؛ فإن الصعق لم يحدث لموسى ﵇ إلا عندما رأى الجبل يتدكدك لمَّا تجلى له الرب ﵎ ظهورا، أو على القول أن موسى رأى اللَّه -على ضعفه- فصعق، وهذا يدل على الجواز وإنما كان الصعق نتيجة عدم تحمل موسى رؤية اللَّه تعالى في هذه الدار الفانية. أما ما ذكره الزمخشري من الأثر المروي عن ابن عباس في "مرور الملائكة على موسى وهو صَعِق" فباطل؛ لإنه من رواية الواقدي (٢)، والواقدي متروك لا يحتج به. وقد احتج برواية باطلة، وترك الأحاديث الكثيرة الصحيحة المتواترة، والتي تثبت رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة. وهذه حكاية إنما يوردها من يتعسف لامتناع الرؤية فيتخذها عونًا وظهرا على المعتقد الفاسد. والوجه التورك بالغلط على ناقلها، وتنزيه الملائكة ﵈ من إهانة موسى كليم اللَّه بالوكز بالرجل والغمص في الخطاب" (٣). على أن هناك رواية أخرى لذلك الأثر، وهي أقل ضعفا منها من طريق: أبي سعد سعيد بن المرزبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] فمَرَّت به الملائكةُ وقد صُعق، فقالت: يا ابن النساء الحيض لقد سألت ربك أمرًا عظيمًا. فلما أفاق قال: سبحانك لا إله إلا أنت، تبت إليك، وأنا أول المؤمنين، قال: أنا أول من آمن أنه لا يراك أحد من خلقك، يعني في الدنيا" (٤). _________ (١) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٨/ ١٣١ - ١٣٢). (٢) انظر: الكشف والبيان عن تفسير القرآن الثعلبي (٤/ ٢٧٩). (٣) انظر: الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال لأحمد الإسكندري المالكي (٢/ ١١٥) من هامش الكشاف. (٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٤٣٣)، وفيه أبو سعد سعيد بن المرزبان البقال التابعي المقرئ تلميذ ابن عباس، وقد ضُعف، وبعضهم يوثقه، على خلاف بينهم فيه، انظر: الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي (٤/ ٤٣٢ - ٤٣٦).

стр. 212

وهي كما ترى لا تنفي الرؤية مطلقًا، إنما تمنع منها في الدنيا فقط، وتبين أن المراد بالإيمان به تعالى أي: أنه لا يراه أحد من خلقه في الدنيا. الرد على الوجه الرابع: أن التسبيح كما أنه تنزيه للَّه تعالى عن النقائص، فهو كذلك تعظيم وإجلال للَّه تعالى. والمراد هو تنزيه اللَّه تعالى وتعظيمه وإجلاله عن أن يُرى في الدنيا أو أن يتحمل رؤيته مخلوق في هذه الدنيا، بل ثبتت الرؤية للَّه تعالى في الدار الآخرة عن اللَّه وعن رسوله ﷺ . والرؤية ليست كما تزعمون من النقائص، فإنها في المخلوق كمال وكل كمال اتصف به المخلوق لا نقص فيه بحال فاللَّه أحق وأولى أن يتصف به، لا سيما وقد أثبتها اللَّه لنفسه، وخص بها أهل جنته، وأثبتها له رسوله ﷺ ، بل وسألها موسى ﵇ في الدنيا، ولم يعاتبه اللَّه على ذلك، فكيف يقال بعد ذلك: أنها من النقائص وجميع الأدلة من الكتاب والسنة خلاف ذلك؟ وقد سبق أن بيَّنَّا أن الذي تمتنع رؤيته بإطلاق هو المعدوم، وأن ذلك لا مدح فيه البته بأي وجه من الوجوه، وهذا هو الذي يتنزه اللَّه تعالى عنه. الرد على الوجه الخامس: أن قولكم ذلك لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها لا من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان. وليست توبة موسى ﵇ بعدما أفاق لذنب قاله أو فعله، وإنما لأنه علم أن رؤية اللَّه في الدنيا غير ممكنة لأحد من البشر، بدليل اندكاك الجبل حينما تجلى اللَّه تعالى له. قال مجاهد: "سبحانك تبت إليك"، أن أسألك الرؤية" (١). وأيضًا لم يعاتبه اللَّه تعالى على سؤاله الرؤية، ولم ينهه عن ذلك كما نهى نوحًا ﵇ في سؤاله منه تعالى أن ينجي ولده الذي أُغرق لأنه من أهله، حينما قال اللَّه تعالى له: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ [هود: ٤٦]. ولذلك سارع نوح ﵇ للاستعاذة باللَّه من سؤاله ذلك، وبادر بالتوبة وطلب المغفرة والرحمة منه تعالى، كما قال اللَّه تعالى عنه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ [هود: ٤٧]. قال الباقلاني: "لم يقل جل اسمه أنه تاب من مسألته إياه الرؤية، فيمكن أن يكون ذكر ذنوبا له قد قدم التوبة منها، فجدد التوبة عند ذكرها لهول ما رأى، كما يسارع الناس إلى التوبة ويجددونها عند مشاهدة الأهوال _________ (١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٤٣٤).

стр. 213

والآيات، ويحتمل أن يكون المعنى في قوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] من ترك استئذاني لك في هذه المسألة العظيمة، ومثلها ما لا يكون معه تكليف لمعرفتك والعلم بك. ويحتمل أن يكون أراد بقوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ أي: تبت إليك أن أسألك الرؤية لهول ما أصابني، لا لأنها مستحيلة عليك، ولا لأني عاص في سؤالي، كما يقول القائل: تبت من كلام فلان ومعاملته، ومن ركوب البحر، ومن الحج ماشيًا، إذا ناله في ذلك تعب ونصب وشدة، وإن كان ذلك مباحًا حسنًا جائزًا، والتوبة هي الرجوع عن الشيء، ومن ذلك سمي الإقلاع عن الذنوب والعود إلى طاعة اللَّه تعالى توبة منها، ومعنى المراد بقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] أي: رجع بهم إلى التفضل والامتنان ليرجعوا عما كانوا عليه، فقوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ أي: رجعت عن سؤالي إياك الرؤية، وهذا هو أصل التوبة، وليس الرجوع عن الشيء يقتضي كونه عصيانًا فبطل تعلقهم بالآية" (١). وقال الواحدي: "تبت إليك من مسألتي الرؤية، وذلك أنه سألها من غير استئذان من اللَّه، فلذلك تاب" (٢). وقال الزجاج: "وقوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. أي: أول المؤمنين بأنك لا تُرى في الدنيا" (٣). وقال ابن أبي زمنين: "يعني: المصدقين بأنك لا تُرى في الدنيا" (٤). وقال السمعاني: " ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ يعني: من سؤال الرؤية قبل الإذن ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: أنا أول المؤمنين بأن من يراك متجليًا في الدنيا لا يستقر مكانه، وقيل معناه: أنا أول المؤمنين بأنك لا تُرى في الدنيا" (٥). وقال القرطبي: "وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية" (٦). _________ (١) انظر: التمهيد للباقلاني (ص ٢٧٠ - ٢٧١) عني بتصحيحه: ريتشرد مكارئي اليسوعي. المكتبة الشرقية بيروت. ١٩٥٧ م. (٢) انظر: تفسير الوسيط للواحدي (٢/ ٤٨٠). (٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٢/ ٣٧٤). (٤) انظر: تفسير ابن أبي زمنين (٢/ ١٤١). (٥) انظر: تفسير السمعاني (٢/ ٢١٣). (٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٧/ ٢٧٩).

стр. 214

فإذا كان الجبل العظيم الراسي القوي لم يصمد لرؤية اللَّه تعالى بل تفتت وتدكدك حتى استوى بالأرض، فلا يمكن لبشر بعد ذلك أن يرى اللَّه تعالى في الدنيا عيانًا. بل المَلَك المخلوق لا أحد يستطع رؤيته في الدنيا على خلقته التي خلقه اللَّه عليها إلا من ثبته اللَّه تعالى من الأنبياء والمرسلين، أما سائر البشر فلا يستطيعون ذلك. قال ابن تيمية: " ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قيل: أول المؤمنين بأنه لا يراك حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، فهذا للعجز الموجود في المخلوق، لا لامتناعٍ في ذات المرئي، بل كان المانع من ذاته، لم يكن إلا لنقص وجوده حتى ينتهي الأمر إلى المعدوم الذي لا يتصور أن يُرى خارج الرائي، ولهذا كان البشر يعجزون عن رؤية المَلَك في صورته إلا من أيده اللَّه، كما أيد نبينا ﷺ قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ [الأنعام: ٨ - ٩] قال غير واحد من السلف: هم لا يطيقون أن يروا المَلَك في صورته، فلو أنزلنا إليهم ملَكًا لجعلناه في صورة بشر، وحينئذ كان يشتبه عليهم هل هو ملك أو بشر، فما كانوا ينتفعون بإرسال الملك إليهم، فأرسلنا إليهم بشرًا من جنسهم يمكنهم رؤيته والتلقي عنه، وكان هذا من تمام الإحسان إلى الخلق والرحمة" (١). وقد رد الإمام ابن القيم عليهم في استدلالهم بهذه الآية ردا مفصلًا، فقال ﵀: "وقد أخبر اللَّه عن أعلم الخلق به في زمانه وهو كليمه ونجيه وصفيه من أهل الأرض أنه سأل ربه تعالى النظر إليه فقال له ربه ﵎: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وبيان الدلالة من هذه الآية من وجوه عديدة: أحدها: أن لا يظن بكليم الرحمن ورسوله الكريم عليه أن يسأل ربَّه ما لا يجوز عليه، بل هو من أبطل الباطل وأعظم المحال. الوجه الثاني: أن اللَّه لم ينكر عليه سؤاله، ولو كان محالا لأنكره عليه. الوجه الثالث: أنه أجابه بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ولم يقل: إني لا أُرى، ولا: إني لست بمرئي، ولا تجوز رؤيتي، والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله، وهذا يدل على أنه مَرئٌّ، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار؛ لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى يوضحه: _________ (١) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (٢/ ٣٣٣).

стр. 215

الوجه الرابع: وهو قوله: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] فأعلمه ان الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت لتجليه له في هذه الدار، فكيف بالبشر الضعيف الذي خلق من ضعف؟. الوجه الخامس: أن اللَّه قادر على أن يجعل الجبل مستقرًا مكانه، وليس هذا بممتنع في مقدوره، بل هو ممكن وقد علق به الرؤية، ولو كانت مُحالًا في ذاتها لم يُعلِّقها بالممكن في ذاته. الوجه السادس: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] وهذا من أبين الأدلة على جواز رؤيته ﵎؛ فإنه إذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامته ويريهم نفسه؟ وأعلم سبحانه موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار فالبَشَرُ أضعف. الوجه السابع: أن ربه سبحانه قد كلمه منه إليه، وخَاطبه وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطِبه كلامه معه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز، ولهذا لا يتم إنكار الرؤية إلا بإنكار التكليم، وقد جمعت هذه الطوائف بين إنكار الأمرين، وأما قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ فإنما يدل على النفي في المستقبل، ولا يدل على دوام النفي ولو قيدت بالتأبيد، فكيف إذا أطلقت؟! قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] مع قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] (١). الرد على الحجة الثالثة: أما الآية الأولى والثانية: فإن الاستعظام إنما كان لطلبهم الرؤية استخفافًا وعنادًا وتعنتًا وإنكارًا لنبوة موسى ﵇، وليس طلبا للعلم ولا الازدياد منه. قال أبو الحسن الأشعري: "إن بني إسرائيل سألوا رؤية اللَّه على طريق الإنكار لنبوة موسى ﷺ ، وترك الإيمان به حتى يروا اللَّه، لأنهم قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] فلما سألوه الرؤية على طريق ترك الإيمان بموسى ﷺ حتى يريهم اللَّه نفسه، استعظم سؤالهم من غير أن تكون الرؤية مستحيلة عليه، كما استعظم اللَّهُ سؤال أهل الكتاب أن ينزل عليهم كتابًا من السماء من غير أن يكون ذلك مستحيلًا، ولكن لأنهم أبوا أن يؤمنوا بنبي اللَّه حتى ينزل عليهم من السماء كتابًا" (٢). _________ (١) انظر: حادي الأرواح لابن القيم (ص ٢٨٥ - ٢٨٧) باختصار. (٢) انظر: الإبانة عن أصول الديانة للأشعري (ص ٤٨).
следующие страницы →