← Акыда

Акыда · id 132403

صفات رب العالمين - رسائل جامعية - ناقص

ابن المحب الصامت

Полный текст (3 288 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قادرًا على ما جُعل فاعلًا له فلا يكون دكًا ولو كان كذلك لكان العبارة المناسبة أن يقال: فلما رأى الجبلُ ربَّه جعله دكًا فلما دل القرآن مع ما ورد به الحديث في تفسير هذه الآية أن التجلي هو ظهوره وأنه مع ذلك قد لا يطيق المتجلي له رؤيته لعجزه وأن التجلي ليس هو خلق الرؤية فيه علم أنه قد يتجلى لمن يراه ولمن لا يراه وأن التجلي ليس هو خلق الرؤية فيه عند الاحتجاب فعلم أن هناك حجابا خارجًا عن الإنسان وأن التجلي يكون برفع كل الحجاب" (١). الرد على الوجه الثالث: أنه ليس فيها دلالة على المنع، بل إن دلالتها على الجواز أقرب؛ فإن الصعق لم يحدث لموسى ﵇ إلا عندما رأى الجبل يتدكدك لمَّا تجلى له الرب ﵎ ظهورا، أو على القول أن موسى رأى اللَّه -على ضعفه- فصعق، وهذا يدل على الجواز وإنما كان الصعق نتيجة عدم تحمل موسى رؤية اللَّه تعالى في هذه الدار الفانية. أما ما ذكره الزمخشري من الأثر المروي عن ابن عباس في "مرور الملائكة على موسى وهو صَعِق" فباطل؛ لإنه من رواية الواقدي (٢)، والواقدي متروك لا يحتج به. وقد احتج برواية باطلة، وترك الأحاديث الكثيرة الصحيحة المتواترة، والتي تثبت رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة. وهذه حكاية إنما يوردها من يتعسف لامتناع الرؤية فيتخذها عونًا وظهرا على المعتقد الفاسد. والوجه التورك بالغلط على ناقلها، وتنزيه الملائكة ﵈ من إهانة موسى كليم اللَّه بالوكز بالرجل والغمص في الخطاب" (٣). على أن هناك رواية أخرى لذلك الأثر، وهي أقل ضعفا منها من طريق: أبي سعد سعيد بن المرزبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] فمَرَّت به الملائكةُ وقد صُعق، فقالت: يا ابن النساء الحيض لقد سألت ربك أمرًا عظيمًا. فلما أفاق قال: سبحانك لا إله إلا أنت، تبت إليك، وأنا أول المؤمنين، قال: أنا أول من آمن أنه لا يراك أحد من خلقك، يعني في الدنيا" (٤). _________ (١) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٨/ ١٣١ - ١٣٢). (٢) انظر: الكشف والبيان عن تفسير القرآن الثعلبي (٤/ ٢٧٩). (٣) انظر: الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال لأحمد الإسكندري المالكي (٢/ ١١٥) من هامش الكشاف. (٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٤٣٣)، وفيه أبو سعد سعيد بن المرزبان البقال التابعي المقرئ تلميذ ابن عباس، وقد ضُعف، وبعضهم يوثقه، على خلاف بينهم فيه، انظر: الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي (٤/ ٤٣٢ - ٤٣٦).

стр. 212

وهي كما ترى لا تنفي الرؤية مطلقًا، إنما تمنع منها في الدنيا فقط، وتبين أن المراد بالإيمان به تعالى أي: أنه لا يراه أحد من خلقه في الدنيا. الرد على الوجه الرابع: أن التسبيح كما أنه تنزيه للَّه تعالى عن النقائص، فهو كذلك تعظيم وإجلال للَّه تعالى. والمراد هو تنزيه اللَّه تعالى وتعظيمه وإجلاله عن أن يُرى في الدنيا أو أن يتحمل رؤيته مخلوق في هذه الدنيا، بل ثبتت الرؤية للَّه تعالى في الدار الآخرة عن اللَّه وعن رسوله ﷺ . والرؤية ليست كما تزعمون من النقائص، فإنها في المخلوق كمال وكل كمال اتصف به المخلوق لا نقص فيه بحال فاللَّه أحق وأولى أن يتصف به، لا سيما وقد أثبتها اللَّه لنفسه، وخص بها أهل جنته، وأثبتها له رسوله ﷺ ، بل وسألها موسى ﵇ في الدنيا، ولم يعاتبه اللَّه على ذلك، فكيف يقال بعد ذلك: أنها من النقائص وجميع الأدلة من الكتاب والسنة خلاف ذلك؟ وقد سبق أن بيَّنَّا أن الذي تمتنع رؤيته بإطلاق هو المعدوم، وأن ذلك لا مدح فيه البته بأي وجه من الوجوه، وهذا هو الذي يتنزه اللَّه تعالى عنه. الرد على الوجه الخامس: أن قولكم ذلك لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها لا من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان. وليست توبة موسى ﵇ بعدما أفاق لذنب قاله أو فعله، وإنما لأنه علم أن رؤية اللَّه في الدنيا غير ممكنة لأحد من البشر، بدليل اندكاك الجبل حينما تجلى اللَّه تعالى له. قال مجاهد: "سبحانك تبت إليك"، أن أسألك الرؤية" (١). وأيضًا لم يعاتبه اللَّه تعالى على سؤاله الرؤية، ولم ينهه عن ذلك كما نهى نوحًا ﵇ في سؤاله منه تعالى أن ينجي ولده الذي أُغرق لأنه من أهله، حينما قال اللَّه تعالى له: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ [هود: ٤٦]. ولذلك سارع نوح ﵇ للاستعاذة باللَّه من سؤاله ذلك، وبادر بالتوبة وطلب المغفرة والرحمة منه تعالى، كما قال اللَّه تعالى عنه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ [هود: ٤٧]. قال الباقلاني: "لم يقل جل اسمه أنه تاب من مسألته إياه الرؤية، فيمكن أن يكون ذكر ذنوبا له قد قدم التوبة منها، فجدد التوبة عند ذكرها لهول ما رأى، كما يسارع الناس إلى التوبة ويجددونها عند مشاهدة الأهوال _________ (١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٤٣٤).

стр. 213

والآيات، ويحتمل أن يكون المعنى في قوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] من ترك استئذاني لك في هذه المسألة العظيمة، ومثلها ما لا يكون معه تكليف لمعرفتك والعلم بك. ويحتمل أن يكون أراد بقوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ أي: تبت إليك أن أسألك الرؤية لهول ما أصابني، لا لأنها مستحيلة عليك، ولا لأني عاص في سؤالي، كما يقول القائل: تبت من كلام فلان ومعاملته، ومن ركوب البحر، ومن الحج ماشيًا، إذا ناله في ذلك تعب ونصب وشدة، وإن كان ذلك مباحًا حسنًا جائزًا، والتوبة هي الرجوع عن الشيء، ومن ذلك سمي الإقلاع عن الذنوب والعود إلى طاعة اللَّه تعالى توبة منها، ومعنى المراد بقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] أي: رجع بهم إلى التفضل والامتنان ليرجعوا عما كانوا عليه، فقوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ أي: رجعت عن سؤالي إياك الرؤية، وهذا هو أصل التوبة، وليس الرجوع عن الشيء يقتضي كونه عصيانًا فبطل تعلقهم بالآية" (١). وقال الواحدي: "تبت إليك من مسألتي الرؤية، وذلك أنه سألها من غير استئذان من اللَّه، فلذلك تاب" (٢). وقال الزجاج: "وقوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. أي: أول المؤمنين بأنك لا تُرى في الدنيا" (٣). وقال ابن أبي زمنين: "يعني: المصدقين بأنك لا تُرى في الدنيا" (٤). وقال السمعاني: " ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ يعني: من سؤال الرؤية قبل الإذن ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: أنا أول المؤمنين بأن من يراك متجليًا في الدنيا لا يستقر مكانه، وقيل معناه: أنا أول المؤمنين بأنك لا تُرى في الدنيا" (٥). وقال القرطبي: "وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية" (٦). _________ (١) انظر: التمهيد للباقلاني (ص ٢٧٠ - ٢٧١) عني بتصحيحه: ريتشرد مكارئي اليسوعي. المكتبة الشرقية بيروت. ١٩٥٧ م. (٢) انظر: تفسير الوسيط للواحدي (٢/ ٤٨٠). (٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٢/ ٣٧٤). (٤) انظر: تفسير ابن أبي زمنين (٢/ ١٤١). (٥) انظر: تفسير السمعاني (٢/ ٢١٣). (٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٧/ ٢٧٩).

стр. 214

فإذا كان الجبل العظيم الراسي القوي لم يصمد لرؤية اللَّه تعالى بل تفتت وتدكدك حتى استوى بالأرض، فلا يمكن لبشر بعد ذلك أن يرى اللَّه تعالى في الدنيا عيانًا. بل المَلَك المخلوق لا أحد يستطع رؤيته في الدنيا على خلقته التي خلقه اللَّه عليها إلا من ثبته اللَّه تعالى من الأنبياء والمرسلين، أما سائر البشر فلا يستطيعون ذلك. قال ابن تيمية: " ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قيل: أول المؤمنين بأنه لا يراك حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، فهذا للعجز الموجود في المخلوق، لا لامتناعٍ في ذات المرئي، بل كان المانع من ذاته، لم يكن إلا لنقص وجوده حتى ينتهي الأمر إلى المعدوم الذي لا يتصور أن يُرى خارج الرائي، ولهذا كان البشر يعجزون عن رؤية المَلَك في صورته إلا من أيده اللَّه، كما أيد نبينا ﷺ قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ [الأنعام: ٨ - ٩] قال غير واحد من السلف: هم لا يطيقون أن يروا المَلَك في صورته، فلو أنزلنا إليهم ملَكًا لجعلناه في صورة بشر، وحينئذ كان يشتبه عليهم هل هو ملك أو بشر، فما كانوا ينتفعون بإرسال الملك إليهم، فأرسلنا إليهم بشرًا من جنسهم يمكنهم رؤيته والتلقي عنه، وكان هذا من تمام الإحسان إلى الخلق والرحمة" (١). وقد رد الإمام ابن القيم عليهم في استدلالهم بهذه الآية ردا مفصلًا، فقال ﵀: "وقد أخبر اللَّه عن أعلم الخلق به في زمانه وهو كليمه ونجيه وصفيه من أهل الأرض أنه سأل ربه تعالى النظر إليه فقال له ربه ﵎: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وبيان الدلالة من هذه الآية من وجوه عديدة: أحدها: أن لا يظن بكليم الرحمن ورسوله الكريم عليه أن يسأل ربَّه ما لا يجوز عليه، بل هو من أبطل الباطل وأعظم المحال. الوجه الثاني: أن اللَّه لم ينكر عليه سؤاله، ولو كان محالا لأنكره عليه. الوجه الثالث: أنه أجابه بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ولم يقل: إني لا أُرى، ولا: إني لست بمرئي، ولا تجوز رؤيتي، والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله، وهذا يدل على أنه مَرئٌّ، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار؛ لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى يوضحه: _________ (١) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (٢/ ٣٣٣).

стр. 215

الوجه الرابع: وهو قوله: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] فأعلمه ان الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت لتجليه له في هذه الدار، فكيف بالبشر الضعيف الذي خلق من ضعف؟. الوجه الخامس: أن اللَّه قادر على أن يجعل الجبل مستقرًا مكانه، وليس هذا بممتنع في مقدوره، بل هو ممكن وقد علق به الرؤية، ولو كانت مُحالًا في ذاتها لم يُعلِّقها بالممكن في ذاته. الوجه السادس: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] وهذا من أبين الأدلة على جواز رؤيته ﵎؛ فإنه إذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامته ويريهم نفسه؟ وأعلم سبحانه موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار فالبَشَرُ أضعف. الوجه السابع: أن ربه سبحانه قد كلمه منه إليه، وخَاطبه وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطِبه كلامه معه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز، ولهذا لا يتم إنكار الرؤية إلا بإنكار التكليم، وقد جمعت هذه الطوائف بين إنكار الأمرين، وأما قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ فإنما يدل على النفي في المستقبل، ولا يدل على دوام النفي ولو قيدت بالتأبيد، فكيف إذا أطلقت؟! قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] مع قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] (١). الرد على الحجة الثالثة: أما الآية الأولى والثانية: فإن الاستعظام إنما كان لطلبهم الرؤية استخفافًا وعنادًا وتعنتًا وإنكارًا لنبوة موسى ﵇، وليس طلبا للعلم ولا الازدياد منه. قال أبو الحسن الأشعري: "إن بني إسرائيل سألوا رؤية اللَّه على طريق الإنكار لنبوة موسى ﷺ ، وترك الإيمان به حتى يروا اللَّه، لأنهم قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] فلما سألوه الرؤية على طريق ترك الإيمان بموسى ﷺ حتى يريهم اللَّه نفسه، استعظم سؤالهم من غير أن تكون الرؤية مستحيلة عليه، كما استعظم اللَّهُ سؤال أهل الكتاب أن ينزل عليهم كتابًا من السماء من غير أن يكون ذلك مستحيلًا، ولكن لأنهم أبوا أن يؤمنوا بنبي اللَّه حتى ينزل عليهم من السماء كتابًا" (٢). _________ (١) انظر: حادي الأرواح لابن القيم (ص ٢٨٥ - ٢٨٧) باختصار. (٢) انظر: الإبانة عن أصول الديانة للأشعري (ص ٤٨).

стр. 216

وقال الباقلاني: "لم ينكر اللَّه تعالى مسألة خلاف بني إسرائيل أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، ومسألة أسلافهم أن يروا اللَّه جهرة لاستحالة ذلك؛ وإنما أنكره لأنهم سألوا ذلك على طريق العناد لموسى ومحمد صلى اللَّه عليهما، والشك في نبوتهما، والتقدم بين أيديهما، والامتناع من فعل ما أوجب عليهم من الإيمان باللَّه ، حتى يفعل ما يؤثرونه ويقتاتونه" (١). ومما يبين ذلك ويوضحه أن اللَّه أكرم بني إسرائيل بكثير من الإكرام ونجاهم من كثير من الهلاك، وأنزل عليهم كثيرًا من الآيات، ومع ذلك لم يؤمنوا بذلك كله وطلبوا من موسى أن يروا اللَّه جهرة في الدنيا -مع علمهم بامتناع ذلك- عنادًا واستخفافًا. قال الطبري: "فأعلم ربنا ﵎ الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بني إسرائيل، الذين كانوا على عهد رسول اللَّه ﷺ أنهم لن يعدوا أن يكونوا -في تكذيبهم محمدًا ﷺ وجحودهم نبوته، وتركهم الإقرار به وبما جاء به، مع علمهم به ومعرفتهم بحقيقة أمره- كأسلافهم وآبائهم الذين قص اللَّه علينا قصصهم (٢). أما الآية الثالثة: فيقال: أنهم سبق وأن طلبوا إنزال الملائكة ورؤية اللَّه تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] وهم طلبوا قبل ذلك وبعده كثيرًا من الآيات تعنتًا وعنادًا واستكبارًا واستخفافًا. قال الزجاج: "فأعلَمَ اللَّه أن الذين لا يوقنون بالبعث، ولا يرجون الثواب على الأعمال عند لقاء اللَّه طلبوا من الآيات ما لم يأت أمة من الأمم، فأعلم اللَّه أنهم قد استكبروا في أنفسهم وعَتوا عُتوًا كبيرًا" (٣). فتبين بهذا أنهم لم يطلبوا ذلك طلب عِلْمٍ لينتفعوا به ويزدادوا منه، وإنما كان ذلك سؤال تحدٍّ واستكبارٍ وعُتوٍّ؛ لأنهم طلبوا ذلك في الدنيا. قال الواحدي: "وإنما وصفوا بالعتو عند طلب الرؤية؛ لأنهم طلبوها في الدنيا عنادًا للحق وإباءً على اللَّه ورسوله في طاعتهما" (٤). _________ (١) انظر: التمهيد للباقلاني (ص ٢٧٣). (٢) انظر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم (٢/ ٣٠٥). (٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٦٣). (٤) انظر: الوسيط للواحدي (٣/ ٣٣٨).

стр. 217

ومما يوضحه: "أن أصحاب موسي سألوا موسى رؤية اللَّه في الدنيا إلحافًا فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] لم يقولوا: حتى نرى اللَّه في الآخرة، ولكن في الدنيا، وقد سبق من اللَّه القول بأنه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أبصار أهل الدنيا فأخذتهم الصاعقة بظلمهم وسؤالهم ما حظره على أهل الدنيا، ولو قد سألوه رؤيته في الآخرة كما سأل أصحاب محمد ﷺ محمدًا ﷺ لم تصبهم تلك الصاعقة ولم يقل لهم إلا ما قال محمد ﷺ لأصحابه إذ سألوه: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: (نعم لا تضارون في رؤيته) فلم يعبهم اللَّه تعالى ولا رسوله بسؤالهم عن ذلك بل حَسَّنه لهم وبشَّرهم بشرى جميلة" (١). الرد على حجتهم الرابعة: أن دلالة الآية على إثبات الرؤية أدل منها على امتناعها، وذلك لما يلي: ١ - أنه أثبت التكليم من وراء حجاب، ولا يكون حجاب إلا لرؤية (٢). ٢ - أن التكليم من وراء حجاب نوع غير الوحي، ويقتضي وأن المكلَّم بذلك محجوب أن يرى اللَّه؛ لأن التكليم المسموع قد يكون مع رؤية المستمع للمتكلم، وقد يكون مع كونه محجوبًا عنه، بخلاف الوحي، فإنه يقع في قلبه (٣). ٣ - أن الحجاب عن الرؤية المذكور في الآية الكريمة إنما هو في الدنيا، فلا يمكن لمخلوق أن يرى اللَّه تعالى، أما الآخرة، فاللَّه تعالى يرفع الحجاب عمن شاء من خلقه فيرونه عَيانًا كما روى عن عدي بن حاتم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه" (٤). * * * _________ (١) انظر: نقض الدّارميّ على بشر المريسيّ (١/ ٣٦٧) تحقيق: رشيد الألمعي. الناشر: مكتبة الرشد الرياض. الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ. (٢) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٤/ ٤٥٤). (٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (١٠/ ٢١٣). (٤) انظر: أخرجه البخاري (رقم ٦٥٣٩ و ٧٥١٢ و ٧٤٤٣) واللفظ له، ومسلم (رقم ١٠١٦) وغيرهما.

стр. 218

المطلب الثالث: الأدلة العقلية التي استدل بها المعطلة لنفي رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة. استدل المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم على مذهبهم بأدلة عقلية، وهي شبهات إبليسية، جعلوها حجة في معارضتهم للآيات الكريمة والأحاديث الثابتة الصحيحة، وهي كما يلي: أولًا: دليل الموانع: وهو زعمهم أن اللَّه لا يُرى لاستحالة رؤيته، وليس لامتناعها، ففرق بين النوعين. قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: "ما لا يُرى ينقسم إلى: ما لا يُرى لمنع، وإلى ما لا يُرى لاستحالة الرؤية عليه، والقديم تعالى إنما يُرى لاستحالة الرؤية عليه لا لمنع" (١). وقال أيضًا: "والموانع المعقولة من الرؤية ستة: الحجاب، والرقة، واللطافة، والبعد المُفرِط، وكون المرئي في غير جهة محاذاة الرائي، وكون محله ينقض هذه الأوصاف، وشيء منها لا يجوز على اللَّه تعالى بحال من الأحوال (٢). وهذه الشروط الستة الأخيرة لا يمكن اعتبارها إلا في رؤية الأجسام، واللَّه تعالى ليس بجسم، فلا يمكن اعتبار هذه الشرائط في رؤيته، فعلى هذا ولو صحت رؤيته لوجب أن لا يصير في حصول رؤيته إلا أمران: سلامة الحاسة، وكونه بحيث يصح أن يُرى، وهذان الأمران حاصلان الآن، فثبت أنه لو صحت رؤيته لوجب أن نراه الآن، ولمَّا لم يكن الأمر كذلك وجب أن يقال: إنما لا نراه الآن لأنه لا تصح رؤيته (٣). والموانع على ضربين: أحدهما ما يمنع بنفسه، والثاني: يمنع بشرط. أما المانع بنفسه فهو: كالحجاب، وكون المرئي في غير جهة محاذاة الرائي. وأما المانع بشرط فهو على قسمين: الأول: ما يمنع لأمر يرجع إلى الرائي. والثاني: ما يمنع لأمر يرجع إلى المرئي. وما يرجع إلى الرائي: فهو كالرقة واللطافة، فإنه إنما يمنع لأمر يرجع إلى الرائي وهو ضعف الشعاع. وأما ما يرجع إلى المرئي: فنحو البعد المُفْرِط، فإنه إنما لا يُرى لبعده، حتى لو قربُ لرُئي (٤). _________ (١) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٢٥٣). (٢) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٢٥٧ - ٢٥٨) والأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ٢٩٧ - ٢٩٨). (٣) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ٢٩٧). (٤) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٢٥٩ - ٢٦٠).

стр. 219

ثانيًا: دليل المقابلة: وهو أن الرؤية تقتضي مقابلة المرئي للرائي، وإذا كان كذلك فتكون الرؤية ممتنعة في حق اللَّه . قال عبد الجبار المعتزلي: "إن الواحد منا راء بحاسة، والرائي بالحاسة لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلًا أو حالًا في المقابل أو في حكم المقابل، وقد ثبت أن اللَّه تعالى لا يجوز أن يكون مقابلًا ولا حالًا في المقال ولا في حكم المقابل، وهذه الدلالة مبنية على أصول: أحدها: أن الواحد منا راءٍ بالحاسة. والثاني: أن الرائي بالحاسة لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلًا أو حالًا في المقابل أو في حكم المقابل. والثالث: أن القديم تعالى لا يجوز أن يكون مقابلًا ولا حالًا في المقابل ولا في حكم المقابل. أما الأول: فالذي يدل عليه أن أحدنا متى كان له حاسة صحيحة والموانع مرتفعة والمُدركُ موجود: يجب أن يرى، ومتى لم يكن كذلك استحالة أن يُرى، فيجب أن يكون لصحة الحاسة في ذلك تأثير؛ لأن بهذه الطريقة يعلم تأثير المؤثرات من الأسباب والعلل والشروط. وأما الثاني: فالشيء المرئي إذا كان كذلك وجب أن يُرى، وإذا لم يكن كذلك لم يُر، فيجب أن تكون المقابلة أو ما في حكمها شرطًا في الرؤية؛ لأنه بهذه الطريقة يعلم تأثير الشروط. وأما الثالث: فلأن المقابلة والحلول إنما تصح على الأجسام والأعراض واللَّه تعالى ليس بجسم ولا عرض فلا يجوز أن يكون مقابلًا ولا حالًا في المقابل ولا في حكم المقابل" (١). ثالثًا: دليل الانطباع: وهو: أن كل ما يكون مرئيًا فلا بد وأن تنطبع صورته ومثاله في العين، واللَّه تعالى يتنزه عن الصورة والمثال، فوجب أن تمتنع رؤيته (٢). رابعًا: أن كل ما كان مرئيًا فلا بد له من لون وشكل، ودليله الاستقراء واللَّه تعالى منزه عن ذلك فوجب ألا يرى (٣). * * * _________ (١) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٢٤٨ - ٢٤٩) والأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ٢٩٧ - ٢٩٨). (٢) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ٢٩٨). (٣) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ٢٩٨) والتمهيد للباقلاني (ص ٢٧٨).

стр. 220

المطلب الرابع: الرد على شبه المعطلة في استدلالهم بالأدلة العقلية لنفي رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة. الرد على الدليل الأول وهو دليل الموانع: ١ - قال الرازي: لا نسلم أن عند حصول الشرائط الثمانية يجب حصول الإبصار، ويدل على أنه غير واجب عقلًا وجهان: أولا: أنا نرى الجسم الكبير من البعد صغيرًا وإن رأينا جميع أجزائه، وجب أن لا نراه صغيرًا، بل كبيرًا، وإن لم نر شيئًا من أجزائه وجب ألا نراه البتة. وإن رأينا بعض أجزائه دون البعض مع أن جميع الأجزاء بالنسبة إلى "القرب والبعد واللطافة والكثافة وعدم الحجاب وسلامة الحاسة وصحة الرؤية" متساوية لزم أن لا يكون الإدراك مع حصول هذه الشروط متساويًا. ولا يقال: إنا إذا أبصرنا شيئًا اتصل بطرفيه من العين خطان شعاعيان كساقي المثلث، وصار عرض المرئي كمالخط الثالث، فحصل هناك مثلث، ثم يخرج من نقطة الناظر خط آخر إلى وسط المرئي قائم عليه، يقسم ذلك المثلث الأول إلى مثلثين، وكل واحد منهما مثلث قائم الزاوية، وهذا يصلح أن يكون وترا لكل واحد من الزاويتين الحادتين الواقعتين على طرفي المثلث الأول الكبير، والخطان الطرفيان كل واحد منهما وتر للزاويتين القائمتين، ولا شك أن وتر القائمة أعظم من وتر الحادة، فالخطان الطرفيان كل واحد منهما أطول من الخط الوسطي، وإذا كان ذلك كذلك لم تكن أجزاء المرئي بالنسبة إلى الرائي متساوية في القرب والبعد، لأنا نقول: لنفرض أن هذا التفاوت واقع بمقدار شبر، فلو كان المانع من الرؤية هذا القدر من التفاوت في البعد لكنا إذا جعلنا المرئي أبعد مما كان قبل ذلك بمقدار شبر وجب أن لا نراه البتة، لكنا نراه، فعلمنا أنه ليس السبب في عدم رؤية بعض الأجزاء ذلك القدر من التفاوت في البعد" (١). فإن قيل: لا يلزم من رؤيتنا جميع أجزائه أن نراه كبيرا، وإنما يلزم ذلك أن لو كانت رؤيته صغيرا وكبيرا بحسب رؤية الأجزاء وعدمها وهو ممنوع. قلنا: وضعفه ظاهر بناء على تركب الأجزاء التي لا تتجزأ، إذ على هذا التقدير إن رأى الأجزاء كلها وجب أن يرى الجسم كما هو في الواقع سواء كان قريبا أو بعيدا، وذلك لأن الرؤية لكلٍّ منها أو بعضها أصغر مما هو عليه توجب الانقسام فيما لا يتجزأ لثبوت ما هو أصغر منه، ورؤية كل من الأجزاء أكبر مما هو عليه _________ (١) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ٣٠١ - ٣٠٢).

стр. 221

بمثل أو بأزيد منه توجب ألا يرى إلا ضعفا أو أكبر من ذلك، وهو باطل قطعا، ورؤيته أكبر بأقل من مثل توجب الانقسام، ورؤية بعضها على ما هو عليه بعضها أكبر بمثل توجب ترجيحا بلا مرجح، فوجب أن يرى الكل على حاله، فلا تفاوت حينئذ بالصغر والكبر، فتعين أن يكون التفاوت بحسب رؤية بعض دون بعض (١). ثانيا: إذا نظرنا إلى مجموع كفٍّ من التراب، رأيناه وذلك الكيف من التراب عبارة عن مجموع تلك الذوات وتلك الأجزاء الصغيرة، فإما أن يكون إدراك كل واحد من تلك الذوات مشروطا بإدراك الآخر فيلزم الدور؟ وإما أن لا يكون إدراك شيء منها مشروطا بإدراك الآخر وحينئذ يكون إدراك كل واحد من تلك الذوات حالتي الاجتماع والانفراد على السوية؟ مع أنا نراها حال الاجتماع ولا نراها حال الانفراد، وحينئذ لا يكون الإدراك واجب الحصولِ عند حصول تلك الشرائط، وإما أن يكون إدراك البعض مشروطا بإدراك الباقي ولا ينعكس، وهذا محال، ومع أنه محال فالمقصود حاصل. أما أنه محال: فلأن الأجزاء متساوية فيكون هذا مفتقرا إلى ذلك، مع أن ذلك غني عن هذا، وهذا ترجيح من غير مرجح وهو محال، وأما أن المقصود حاصل، فلأن إدراك أحد تلك الأجزاء إذا كان غنيا عن إدراك الآخر كان حاله عند الاجتماع وعند الانفراد في صحة الإدراك على السوية، وحينئذ يعود المحذور، فهذان برهانان قويان في بيان أنه عند حصول هذه الشرائط فالإدراك غير واجب الحصول. وقولهم: لو لم يجب الإدراك لجاز أن يكون بحضرتنا جبال وبوقات ونحن لا نراها ولا نسمعها (٢). قلنا: هذا معارض بجملة العاديات، فإن الأمور العاديَّة تجوز نفائضها مع جزمنا بعدم وقوعها، ولا سفسطة هاهنا، فكذا الحال في الجبال الشاهقة التي لا نراها، فإنا نجوز وجودها وتجزم بعدمها؛ وذلك لأن الجواز لا يستلزم الوقوع ولا ينافي الجزم بعدمه، فمجرد تجويزها لا يكون سفسطة. ثم نقول: إن كان مأخذ الجزم بعدم الجبل المذكور ما ذكرتم من وجوب الرؤية عند اجتماع شرائطها لوجب أن لا نجزم به إلا بعد العلم بهذا، واللازم باطل؛ لأنه لا يجزم به من لا يخطر بباله هذه المسألة؛ ولأنه ينجر إلى أن يكون ذلك الجزم نظريا مع اتفاق الكل على كونه ضروريا (٣). _________ (١) انظر: شرح المواقف للجرجاني (٨/ ١٥٢ - ١٥٣) باختصار. (٢) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ٣٠٣). (٣) انظر: شرح المواقف للجرجاني (٨/ ١٥٢ - ١٥٣).

стр. 222

سلمنا أنه عند حضور هذه الشرائط في الشاهد يكون الإدراك واجب الحصول، فلم قلتم: أن في حق اللَّه تعالى يجب أن يكون كذلك؟ وتحقيقه هو: أن ذات اللَّه تعالى مخالفة بالحقيقة والماهية لهذه الحوادث، والمختلفان في الماهية لا يجب استواؤهما في اللوازم، فلم يلزم من كون الإدراك واجبا في الشاهد عند حضور هذه الشرائط كونه واجبا في الغائب عند حضورها، ومما يدل عليه: أن الإدراك في الشاهد مشروط بشرائط ثمانية، وفي الغائب نقطع بأنه لا يمكن اعتباره، فكذلك لا يمتنع أن يكون الإدراك في الشاهد واجب الحصول، وفي الغائب لا يكون واجبًا" (١). ٢ - أن قولكم: إثبات الرؤية يستلزم إثبات الجسمية، وهذا منتف عن اللَّه تعالى، غير صحيح، فلا يلزم من إثبات الرؤية إثبات الجسمية، ثم إن لفظ الجسم لم يرد في الشرع لا نفيًا ولا إثباتًا. قال ابن تيمية: "نفاة الرؤية -من الجهمية والمعتزلة وغيرهم- إذا قالوا: إثباتها يستلزم أن يكون اللَّه جسمًا، وذلك مُنتفٍ، وادَّعوا أن العقل دَلَّ على المقدمتين، احتيج حينئذ إلى بيان بطلان المقدمتين، أو إحداهما، فإما أن يبطل نفس التلازم، أو نفي اللازم، أو المقدمتان جميعًا. وهنا افترقت طرق مثبتة الرؤية: فطائفة نازعت في الأولى، كالأشعري وأمثاله -وهو الذي حكاه الأشعري عن أهل الحديث وأصحاب السنة- وقالوا: لا نسلم أن كل مرئي يجب أن يكون جسمًا. فقالت النفاة: لأن كل مرئي في جهة، وما كان في جهة فهو جسم. فافترقت نفاة الجسم على قولين: طائفة قالت: لا نسلم أن كل مرئي يكون في جهة، وطائفة قالت: لا نسلم أن كل ما كان في جهة فهو جسم. فادعت نفاة الرؤية أن العلم الضروري حاصل بالمقدمتين، وأن المنازع فيهما مكابر. وهذا هو البحث المشهور بين المعتزلة والأشعرية، فلهذا صار الحُذَّاق من متأخري الأشعرية على نفي الرؤية وموافقة المعتزلة، فإذا أطلقوها موافقة لأهل السنة فسَّروها بما تُفسِّرُها به المعتزلة، وقالوا: النزاع بيننا وبين المعتزلة لفظي. وطائفة نازعت في المقدمة الثانية -وهي انتفاء اللازم- وهي كالهشامية والكرامية وغيرهم، فأخذت المعتزلة وموافقوهم يشنعون على هؤلاء، وهؤلاء وإن كان في قولهم بدعة وخطأ، ففي قول المعتزلة من البدعة والخطأ أكثر مما في قولهم. _________ (١) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ٣٠٣).

стр. 223

ومن أراد أن يناظر مناظرة شرعية بالعقل الصريح فلا يلتزم لفظًا بدعيًا، ولا يخالف دليلًا عقليًا ولا شرعيًا، فإنه يسلك طريق أهل السنة والحديث والأئمة الذين لا يوافقون على إطلاق الإثبات ولا النفي بل يقولون: ما تعنون بقولكم: إن كل مرئي جسم؟ فإن فسروا ذلك: بأن كل مرئي يجب أن يكون قد ركَّبَه مُرَكِّبٌ، أو أن يكون كان متفرقًا فاجتمع، أو أنه يمكن تفريقه، ونحو ذلك، منعوا هم المقدمة الأولى، وقالوا: هذه السموات مرئية مشهودة، ونحن لا نعلم أنها كانت متفرقة مجتمعة، وإذا جاز أن يُرى ما يقبل التفريق فيما لا يقبله أولى بإمكان رؤيته، فاللَّه تعالى أحق بأن تُمكنَ رؤيته من السموات ومن كل قائم بنفسه، فإن المقتضي للرؤية لا يجوز أن يكون أمرًا عدميًا، بل لا يكون إلا وجوديًا، وكلما كان الوجود أكمل كانت الرؤية أجوز. وإن قالوا: "مرادنا بالجسم المركَّبِ أنه مُركَّبٌ من الجواهر المنفردة، أو من المادة والصورة"، نازعوهم في هذا، وقالوا: دعوى كون السموات مركبة من جواهر منفردة، أو من مادة وصورة دعوى ممنوعة أو باطلة، وبيَّنوا فساد قول من يدعي هذا، وقول من يثبت الجوهر الفرد أو يثبت المادة والصورة، وقالوا: إن اللَّه خلق هذا الجسم المشهود هكذا، وإن ركَّبه ركَّبه من أجسام أخرى، وهو سبحانه يخلق الجسم من الجسم، كما يخلق الإنسان من الماء المهين، وقد رب العظام في مواضعها من بدن ابن آدم، وركَّب الكواكب في السماء، فهذا معروف. وأما أن يقال: "إنه خلق أجزاء لطيفة لا تقبل الانقسام ثم ركب منها العالم"، فهذا لا يُعلمُ بعقل ولا سمع، بل هو باطل؛ لأن كل جزء لا بد أن يتميز منه جانب عن جانب، والأجزاء المتصاغرة كأجزاء الماء تستحيل عند تصغرها، كما يستحيل الماء إلى الهواء، مع أن المستحيل يتميز بعضه عن بعض. والأدلة العقلية بينت جواز الرؤية وإمكانها، وليست العمدة على دليل الأشعري ومن وافقه في الاستدلال؛ لأن المصحح للرؤية مطلق الوجود. وإن قالوا: "مرادنا أن المرئي لا بد أن يكون معاينا تجاه الرائي، وما كان كذلك فهو جسم"، ونحو هذا الكلام، قالوا لهم: الصادق المصدوق ﷺ قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر"، وقال: "هل تضامون في رؤية الشمس صحوة ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فهل تضامون في رؤية القمر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر". وهذا تشبيه للرؤية، لا للمرئي بالمرئي، وفي لفظ في الصحيح: "إنكم ترون ربكم عيانًا" فإذن قد أخبرنا أنا نراه عيانًا.

стр. 224

وقد أخبرنا أيضًا أنه قد: "استوى على العرش" فهذه النصوص يصدق بعضها بعضًا، والعقل أيضًا يوافقها، ويدل على أنه سبحانه مباين لمخلوقاته فوق سماواته، وأن وجود موجود لا مباين للعالم ولا محايث له محال في بديهة العقل، فإذا كانت الرؤية مستلزمة لهذه المعاني فهذا حق، وإذا سميتم انتم هذا قولًا بالجهة وقولًا بالتجسيم لم يكن هذا القول نافية لما علم بالشرع والعقل، إذ كان معنى هذا القول -والحال هذه- ليس منتفيًا لا بشرع ولا عقل" (١). الرد على الدليل الثاني وهو دليل المقابلة: قال الرازي: الجواب عنها من وجهين: الأول: أن ذكر الدلائل لا بد أن يكون مسبوقًا بتعيين محل النزاع، فنقول: محل النزاع: أن الموجود المنزه عن المكان والجهة هل تجوز رؤيته أم لا؟ فإن ادعيتم أن العلم بامتناع رؤيته ضروري (٢) فذلك باطل من وجوه: الأول: أن البديهي متفق عليه بين العقلاء، وهذا غير متفق عليه فلا يكون بديهيًا. الثاني: أنا إذا عرضنا على عقولنا رؤية هذا الموجود، بالتفسير الذي لخصناه، وعرضنا على عقولنا: أن الواحد نصف الإثنين لم نجد القضية الأولى في قوة هذه الثانية. الثالث: أن حكم الوهم والخيال في معرفة اللَّه تعالى: إما أن يكون مقبولًا أو لا يكون مقبولًا، فإن كان مقبولًا لا يمتنع إثبات ذات منزهة عن الكمية والكيفية والجهة، والمعتزلي يسلم أن ذلك باطل، وإن لم يكن مقبولًا لم يكن حكم الوهم بأن ما كان منزهًا عن الجهة، كان غير مرئي واجب القبول؛ لأن الوهم والخيال لمَّا صار كل واحد منها مردود الحكم في بعض الأحكام لم يبق الاعتماد عليها في شيء من المواضع. وبالجملة: فإن كان حكم الوهم حقا كان الحق مع المجسم، وإن كان مردودًا كان الحق معنا، أما المعتزلي: فإنه يُرَدُّ حكمه في إثبات الجسم والجهة، ويُقبلُ حكمه في مسألة الرؤية، فكان كلامه متناقضًا. فثبت بما ذكرنا: أن من نفى الرؤية بالوجه الذي ذكرناه لا بد وأن يعول في نفيها على الدليل لا على ادعاء الضرورة (٣). _________ (١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (١/ ٢٥٠ - ٢٣٥) بتصرف يسير. (٢) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ٣٠٣). (٣) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨).

стр. 225

وإن ادعيتم أن هذا العلم استدلالي فلا بد فيه من الدليل، وقولكم: "إن كل مرئي لا بد وأن يكون مقابلًا" يقرب من أنه إعادة للدعوى؛ لأن المقابل هو الذي يكون مختصًا بجهة قدام الرائي، فكأنكم قلتم: "الدليل على أن ما لا يكون في الجهة لا يكون مرئية هو أن كل ما كان مرئية يكون في الجهة". والمنطقيون يسمون هذه القضية الثانية عكس نقيض القضية الأولى، وفي الحقيقة لا فرق بين القضيتين في الظهور والخفاء، فلم يجز جعل أحدهما حجة في صحة الأخرى، بل يقرب هذا من أن يكون إعادة المطلوب بعبارة أخرى. والوجه الثاني في الجواب: ثبت أن المقابلة شرط للرؤية في الشاهد، فلم قلتم: إنه في الغائب كذلك؟ وتقريره: ما ذكرناه في الجواب عن الشبهة الأولى (١)، هو أن ذات اللَّه تعالى مخالفة بالحقيقة والماهية لهذه الحوادث، والمختلفان في الماهية لا يجب استواؤهما في اللوازم، فلم يلزم من كون الإدراك واجبًا في الشاهد عند حضور هذه الشرائط كونه واجبًا في الغالب عند حضورها، ومما يدل عليه: أن الإدراك في الشاهد مشروط بشرائط ثمانية هي: سلامة الحاسة، وكون الشيء بحيث أن يكون جائز الرؤية، وأن لا يكون في غاية البعد، وأن لا يكون في غاية القرب، وأن يكون مقابلًا للرائي أو في حكم المقابل، وأن لا يكون في غاية اللطافة، وأن لا يكون بين الرائي والمرئي حجاب، وأن لا يكون في غاية الصغر، فلا يمكن اعتبار هذه الشرائط في رؤيته (٢). وفي الغالب نقطع بأنه لا يمكن اعتباره، فكذلك لا يمتنع أن يكون الإدراك في الشاهد واجب الحصول، وفي الغائب لا يكون واجبًا (٣). وتمام الكشف والتحقيق: أنا ذكرنا في المقدمات: أن المراد من الرؤية أن يحصل لنا انكشاف بالنسبة إلى ذاته المخصوصة، وهو يجري مجرى الانكشاف الحاصل عند إبصار الألوان والأضواء، وإذا كان الأمر كذلك فإذا الانكشاف يجب أن يكون على وفق المكشوف، فإن كان المكشوف مخصوصًا بالجهة والحيز: وجب أن يكون الانكشاف كذلك، وإن كان المكشوف منزهًا عن الجهة: وجب أن يكون انكشافه منزهًا عن الحيز والجهة" (٤). _________ (١) انظر: نفس المصدر (١/ ٣٠٣ - ٣٠٤). (٢) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ٣٠٣). (٣) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ٣٠٣). (٤) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، وشرح المواقف للجرجاني (٨/ ١٥٥).

стр. 226

وهذا الجواب السابق مع ما فيه من حق إلا أنه اشتمل على باطل وهو: أن الجواب عن دليل المعتزلة بتسليم نفي الجهة والمقابلة عن اللَّه تعالى باطل؛ لأن إثبات رؤية حقيقية بالأبصار عيانًا من غير مقابلة أو جهة مكابرة عقلية، لأن الجهة من لوازم الرؤية وإثبات الملزوم ونفي اللازم مغالطة ظاهرة. قال ابن تيمية: "يقال: هذا المنكر للرؤية المستدل على نفيها بانتفاء لازمها وهو الجهة: قولك ليس في جهة، وكل ما ليس في جهة لا يرى، فهو لا يرى، وهكذا جميع نفاة الحق ينفونه لانتفاء لازمه في ظنهم، فيقولون لو رئي للزم كذا، واللازم منتف فينتفي الملزوم. والجواب العام لمثل هذه الحجج الفاسدة: بمنع إحدى المقدمتين: إما معينة وإما غير معينة، فإنه لا بد أن تكون إحداهما باطلة أو كلتاهما باطلة، وكثيرًا ما يكون اللفظ فيها مجملًا يصح باعتبار ويفسد باعتبار، وقد جعلوا الدليل هو ذلك اللفظ المجمل، ويسميه المنطقيون الحد الأوسط، فيصح في مقدمة بمعنى، ويصح في الأخرى بمعنى آخر، ولكن اللفظ مجمل، فيظن الظان لما في اللفظ من الإجمال وفي المعنى من الاشتباه أن المعنى المذكور في هذه المقدمة هو المعنى المذكور في المقدمة الأخرى، ولا يكون الأمر كذلك. مثال ذلك في مسألة الرؤية أن يقال له: أتريد بالجهة أمرا وجوديا أو أمرا عدميا؟ فإذا أردت به أمرا وجوديا كان التقدير: كل ما ليس في شيء موجود لا يرى. وهذه المقدمة ممنوعة ولا دليل على إثباتها بل هي باطلة فإن سطح العالم يمكن أن يرى وليس العالم في عالم آخر. وإن أردت بالجهة أمرًا عدميًا كمانت المقدمة الثانية ممنوعة، فلا نسلم أنه ليس بجهة بهذا التفسير. وهذا مما خاطبت به غير واحد من الشيعة والمعتزلة فنفعه اللَّه به، وانكشف بسبب هذا التفصيل ما وقع في هذا المقام من الاشتباه والتعطيل وكانوا يعتقدون أن ما معهم من العقليات النافية للرؤية قطعية لا يقبل في نقيضها نص الرسل، فلما تبين لهم أنها شبهات مبنية على ألفاظ مجملة ومعان مشتبهة، تبين أن الذي ثبت عن الرسول هو الحق المقبول" (١). وقال أيضًا: "يقال لهم: ما تعنون بأن هذا إثبات للجهة والجهة ممتنعة؟ أتعنون بالجهة أمرًا وجوديًا أو أمرًا عدميًا؟ _________ (١) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩).

стр. 227

فإن أردتم أمرًا وجوديًا. وقد علم أنه ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، واللَّه فوق سماواته بائن من مخلوقاته، لم يكن. والحالة هذه في جهة موجودة، فقولكم: إن المرئي لا بد أن يكون في جهة موجودة قول باطل، فإن سطح العالم مرئي، وليس هو في عالم آخر. وإن فسرتم الجهة بأمر عدمي كما تقولون: إن الجسم في حيز، ولا حيز تقدير مكان، وتجعلون ما وراء العالم حيزًا. فيقال لكم: الجهة. والحيز. إذا كان أمرًا عدميًا فهو لا شيء، وما كان في جهة عدمية أو حيز عدمي، فليس هو في شيء، ولا فرق بين قول القائل: هذا ليس في شيء وبين قوله: هو في العدم أو أمر عدمي فإذا كان الخالق تعالى مباينًا للمخلوقات عاليًا عليها، وما ثم موجود إلا الخالق أو المخلوق، لم يكن معه غيره من الموجودات، فضلًا عن أن يكون هو سبحانه في شيء موجود يحصره أو يحيط به. فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل، ويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية، فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا، ومن تكلم بما فيه معني باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه، ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حق وباطلا نسبوه إلى البدعة أيضًا، وقالوا: إنما قابل بدعة ببدعة، وردة باطلًا بباطل" (١). الرد على الدليل الثاني والثالث: أن نمنع كون الرؤية بالانطباع إما مطلقًا أو في الغائب لاختلاف الرؤيتين (٢). ونقول أيضًا: أن الرؤية عبارة عن الانكشاف التام، فإن كان الشيء له صورة كان انكشافه بانكشاف صورته ولونه، وإن كان منزهًا عن الصورة واللون كان انكشافه كذلك أيضًا؛ لأنَّ شرط الانكشاف أن يحصل على وفق ماهية المكشوف (٣). والحكم بأن المرئي لابد وأن تنطبع صورته ومثاله في العين، وأنه لا بد وأن يكون ذا لون وشكل مبني على أن هذه الأشياء المشاهدة المحسوسة لا تُرى إلا كذلك، ثم قالوا: "لو صح أن يُرى اللَّه فلا يُرى إلا كذلك" وهو ممنوع في حقه تعالى، والحق أنه تحكمٌ محض وقياس للخالق على المخلوق، وهو باطل قطعًا؛ لأنه قياس مع _________ (١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (١/ ٢٥٣ - ٢٥٤) ومنهاج السنة النبوية له أيضًا (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩). (٢) انظر: شرح للمواقف للجرجاني (٨/ ١٥٥). (٣) انظر: الأربعين في أصول الدين الرازي (١/ ٣٠٤).

стр. 228

الفارق، فاللَّه تعالى ليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء من خلقه، فلا يصح قياسه عليه. قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١] (١). * * * _________ (١) انظر: رؤية اللَّه تعالى وتحقيق الكلام فيها لأحمد بن ناصر آل حمد (ص ٧٢).

стр. 229

الفصل الثالث: الأدلة العقلية والنقلية للفريق الثاني وهم الأشاعرة القائلين: بأن اللَّه تعالى يُرى في غير جهة، والرد عليها. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الأدلة العقلية للأشاعرة القائلين: بأن اللَّه تعالى يُرى في غير جهة. المطلب الثاني: الرد على أدلة الأشاعرة العقلية القائلين بأن اللَّه تعالى يُرى في غير جهة. المطلب الثالث: الأدلة الشرعية للأشاعرة القائلين: بأن اللَّه تعالى يُرى في غير جهة. المطلب الرابع: الرد على الأشاعرة في تحريفهم للأدلة النقلية. * * *

стр. 230

المطلب الأول: الأدلة العقلية للأشاعرة القائلين بأن اللَّه تعالى يُرى في غير جهة. استدل الأشاعرة على جواز رؤية اللَّه تعالى بأدلة عقلية، وهي: ١ - دليل الوجود: وهو أن كل موجود مرئي سواءً أمكن مشاهدته أم لم يمكن. قال الجويني: "الدليل على جواز الرؤية عقلًا أن الرب موجود، وكل موجود مرئي" (١). ويدخل في ذلك جميع الموجودات كالأصوات والروائح والملموسات والطعوم (٢). ٢ - معنى الرؤية ومفهوما والمراد بها. وجميع ذلك هو حقيقة الرؤية. قال الغزالي: "لا حقيقة لها إلا أنها نوع إدراك هو كمال ومزيد كشف بالاضافة إلى التخيل، إلا أن هذا الكمال في الكشف غير مبذول في هذا العالم، والنفس في شغل البدن وكدورة صفائه، فهو محجوب عنه. وكما لا يبعد أن يكون الجفن أو الستر أو سواد ما في العين سببًا بحكم اطراد العادة الامتناع الإبصار للمتخيلات فلا يبعد أن تكون كدورة النفس وتراكم حجب الأشغال بحكم اطراد العادة مانعًا من إبصار المعلومات. فإذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور، وزكيت القلوب بالشراب الطهور، وصفيت بأنوع التصفية والتنقية، لم يمتنع أن تشتغل بسببها لمزيد استكمال واستيضاح في ذات اللَّه سبحانه أو في سائر المعلومات، يكون ارتفاع درجته عن العلم المعهود كارتفاع درجة الإبصار عن التخيل، يعبر عن ذلك بلقاء اللَّه تعالى ومشاهدته أو رؤيته أو إبصاره أو ما شئت من العبارات. فلا مشاحة فيها وبعد إيضاح المعاني. وإذا كان ذلك ممكنًا بأن خلقت هذه الحالة في العين، كان اسم الرؤية بحكم وضع اللغة عليه أصدق وخلقه في العين غير مستحيل. كما أن خلقها في القلب غير مستحيل فإذا فهم المراد بها أطلقه أهل الحق من الرؤية، علم أن العقل لا يحيله بل يوجبه، وأن الشرع قد شهد له فلا يبقى للمنازعة وجه إلا على سبيل العناد أو المشاحنة في إطلاق عبارة الرؤية أو القصور عن درك هذه المعاني الدقيقة التي ذكرناها" (٣). ٣ - أن كل مرئي فهو في جهة، وهذا إنما هو حكم الشاهد لا حكم الغائب، وهذا الموضع ليس من المواضع التي يجب فيها نقل حكم الشاهد إلى الغائب، وإنه جائز أن يرى الإنسان ما ليس في جهة، إذا كان جائزًا أن يرى الإنسان بالقوة المبصرة نفسها دون عين (٤). _________ (١) انظر: لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة للجويني (ص ١١٥). (٢) انظر: شرح المواقف للجرجاني (ص ١٣٩). (٣) انظر: الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص ٤٥ - ٤٦) باختصار. (٤) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٢/ ٤٣٩).

стр. 231

٤ - أنه يمكن رؤية ما ليس في جهة، ومن أنكر ذلك فلا يقدر على انكار رؤية الإنسان نفسه في المرآة، ومعلوم أنه ليس في مقابلة نفسه (١). ٥ - أن رؤية غير الأجسام ممكنة وذلك لما يلي: الأول: أن الشيء لا يخلو أن يُرى من جهة ما هو ملوَّن، أو من جهة أنه جسم، أو من جهة أنه لون، أو من جهة أنه موجود، وربما من جهات أخر غير هذه الموجودة، وباطل أن يُرى من قِبَل أنه جسم؛ إذ لو كان ذلك كذلك لما رُئي ما هو غير جسم، وباطل أن يُرى من قبل أنه ملوَّن؛ إذ لو كان كذلك لمارئي اللون، وباطل أن يُرى لمكان أنه لون؛ إذ لو كان ذلك كذلك لمارئي الجسم، وإذا بطلت جميع هذه الأقسام التي تُتوهم في هذا الباب فلم يبق أن يُرى الشيء إِلا من قبل أنه موجود. الثاني: أن الحواس إنما تُدركُ ذوات الأشياء وما تنفصل به الموجودات بعضها من بعض، وهي أحوال ليست بذوات، فالحواس لا تدركها وإنما تدرك الذات، والذات هي نفس الوجود المشترك لجميع الموجودات، فإذًا: الحواس إنما تُدرِكُ الشيء من حيث هو موجود (٢). * * * _________ (١) انظر: الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص ٤٣). (٢) انظر: مناهج الأدلة لابن رشد (ص ١٨٧ - ١٨٩) وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٢/ ٤٤٢ و ٤٤٥) ودرء تعارض العقل والنقل له (٦/ ٢٣٠ - ٢٣٣).

стр. 232

المطلب الثاني: الرد على أدلة الأشاعرة العقلية القائلين: بأن اللَّه تعالى يُرى في غير جهة. الرد على الدليل العقلي الأول: أن قولهم: "أن كل موجود يُري" غير صحيح، حيث جعلوا ذلك عامًا لكل موجود كالأصوات والروائح والطعوم وغيرها، وهذه مكابرة للعقل، ومناقضة للواقع. فإن المعاني ونحوها لا يمكن رؤيتها، ومن زعم ذلك فقد قال بالمحال، والتخبط في المقال، وقد اعترف كبار الأشاعرة المخالفين للأشعري نفسه بعدم صحة هذا الدليل، وعدم سلامته من الاعتراضات والإشكالات. قال الرازي: "اعلم أن جمهور الأصحاب عولوا في إثبات أنه تعالى يصح أن يُرى على دليل الوجود، وأما نحن فعاجزون عن تمشيه، ونحن نذكر ذلك الدليل، ثم نوجه عليه ما عندنا من الاعتراضات" (١). وقد اعترف الرازي بعد إيراده للاستشكالات والاعتراضات على دليل الوجود بعجزه عن الجواب عنها فقال: "فهذا ما عندي من الأسئلة في هذا الدليل، وأنا غير قادر على الأجوبة عنها. . . اعلم أن الدليل العقلي المعول عليه في هذه المسألة هذا الذي أوردناه وأوردنا عليه هذه الاسئلة واعترفنا بالعجز عن الجواب عنها" (٢). وقال أيضًا: "ثبت أن صحة الرؤية حكم مشترك فيه بين الجواهر والأعراض والحكم المشترك فيه لا بد له من علة مشتركة فيها والمشترك بين الجوهر والعرض إما الحدوث أو الوجود والحدوث لا يصلح للعلية لأن الحدوث عبارة عن وجود بعد عدم والقيد العلمي لا يصلح للعلية فوجب أن تكون العلة هي الوجود واللَّه تعالى موجود فوجب القول بصحة رؤيته، وهذا عندي ضعيف" (٣). ولذلك توقف الرازي في القول بالدليل العقلي لعدم صحته عنده وعدم سلامته من الاعتراضات والإشكالات. قال في كتابه المطالب العالية: "الدلائل التي تمسك بها نفاة الرؤية في غاية الضعف والسقوط، وأما مثبتوا الرؤية فقد عولوا على أن قالوا: "اللَّه تعالى موجود، وكل موجود فإنه تصح رؤيته" ودليلهم في الإثبات: أن كل موجود تصح رؤيته، قد ذكرناه في أحكام الموجودات، وأوردنا عليه اعتراضات قوية لا يمكن دفعها البتة، وإذا عرفت ضعف دلائل الفريقين فنقول: بقي هذا البحث في محل التوقف" (٤). _________ (١) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ٢٦٨). (٢) انظر: نفس المصدر (١/ ٢٧٧). (٣) انظر: معالم أصول الدين للرازي (ص ٢٦٨). (٤) انظر: المطالب العالية للرازي (٢/ ٨٧).

стр. 233

وقال الشهرستاني: "وأما جواز الرؤية فالمسلك العقلي ما ذكرناه وقد وردت عليه تلك الإشكالات ولم تسكن النفس في جوابها كل السكون ولا تحركت الأفكار العقلية الى التفصي عنها كل الحركة" (١). وقال الآمدي: "والواجب البداية بتقديم النظر في طرف الجواز العقلي أولًا ثم في وقوعه شرعًا ثانيًا، وقد سلك المتكلمون في ذلك ومن أهل الحق مسالك لا تقوى: المسلك الأول: وهو ما اشتهر من قولهم: الرؤية تتعلق بالموجودات المختلفة كالجواهر والأعراض. . . " ثم قال عن هذا الدليل: "ومن نظر بعين التحقيق علم أن المتعلِّق به منحرف عن سواء الطريق" (٢). وقال أيضًا: "ولما تخيل بعض الأصحاب زيغ هذه الطريقة عن الصواب انتهج منهجا آخر فقال: إن الجواهر والأعراض متعلق الرؤية، ولا محالة أن بينهما اتفاقًا وافتراقًا. . . وهذا الإسهاب أيضًا مما لا يشفي غليلًا" (٣). وقال أيضًا: "لو سلم أن ما وقع به الافتراق لا يصلح أن يكون مصححًا فإن المصحح لا بد وأن يكون أمرًا مشتركًا فلا بد من بيان أنه لا مشترك إِلا "الوجود" والا فمع جواز القول باشتراكها في معنى آخر غير الوجود فيجوز أن يكون هو المصحح أو داخلًا في المصحح، وعند ذلك فلا يلزم جواز تعلق الرؤية بواجب الوجود؛ لجواز أن يكون المصحح غير شامل له كما في الوجود، وذلك لا دليل عليه غير البحث والسبر وهو ما لا يرقى إلى ذروة اليقين بل لعله مما يقصر عن إفادة الظن والتخمين. . . ثم إنه لو قدر أنه لا مشترك إِلا الوجود فلا بد من بيان أن وجود واجب الوجود مجانس للوجود الذي هو متعلق الرؤية شاهدا حتى يلزم تعلق الرؤية به وذلك مما يعز ويشق جدًا" (٤). وقال في ختام إيراده للاستشكالات والاعتراضات: "وعلى الجملة فلسنا نعتمد في هذه المسألة على غير المسلك العقلي الذي أوضحناه؛ إذ ما سواه لا يخرج عن الظواهر السمعية والاستبصارات العقلية، وهي مما يتقاصر عن إفادة القطع واليقين، فلا يُذكر إِلا على سبيل التقريب واستدراج قانع بها إلى الإعتقاد الحقيقي، إذ _________ (١) انظر: نهاية الإقدام للشهرستاني (ص ٣٢٩) وغاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص ١٦٢). (٢) انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص ١٤٢ - ١٤٣). (٣) انظر: نفس المصدر (ص ١٤٤ - ١٤٥). (٤) انظر: نفس المصدر (ص ١٤٧).

стр. 234

رب شخص يكون انقياده إلى ظواهر الكتاب والسنة واتفاق الأمة اتم من انقياده إلى المسالك العقلية والطرق اليقينية خشونة معركها وقصوره عن مدركها" (١). الرد على الدليل العقلي الثاني: ١ - أن قولهم: "بأن الرؤية هي زيادة علم وكشف". هو نفس قول المعتزلة المنكرين للرؤية، فلا فرق بينهم في ذلك. قال ابن تيمية: "أئمة أصحاب الأشعري المتأخرين لما تأملوا ذلك عادوا في الرؤية إلى قول المعتزلة أو قريب منه وفسروها بزيادة العلم كما يفسرها بذلك الجهمية والمعتزلة وغيرهم وهذا في الحقيقة تعطيل للرؤية الثابتة بالنصوص والإجماع والمعلوم جوازها بدلائل المعقول بل المعلوم بدلائل العقول امتناع وجود موجود قائم بنفسه لا يمكن تعلقها به" (٢). وقال أيضًا: "نفاة الرؤية من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة يتأولون النصوص فيها تارة برؤية أفعال اللَّه، وتارة برؤية القلب الذي هو زيادة العلم" (٣). وقد اعترف بهذا كبار حذاق المتكلمين الأشعرية، وأن قولهم هو نفس قول المعتزلة. قال ابن تيمية: "وهذا صار حذاقهم إلى إنكار الرؤية وقالوا: قولنا هو قول المعتزلة في الباطن؛ فإنهم فسروا الرؤية بزيادة انكشاف ونحو ذلك مما لا ننازع فيه المعتزلة" (٤). وقال أيضًا: "فلهذا صار الحذاق من متأخري الأشعرية على نفي الرؤية وموافقة المعتزلة، فإذا أطلقوها موافقة لأهل السنة فسروها بما تفسرها به المعتزلة، وقالوا: النزاع بيننا وبين المعتزلة لفظي" (٥). ٢ - أن تحريفكم لمعنى الرؤية بالكشف وزيادة العلم قول مبتدع لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها، وهو خلاف ما نُقل عن الصادق المصدوق ﷺ حينما أخبرنا عن رؤية اللَّه تعالى فقال: "إنكم سترون ربكم عيانا" (٦). _________ (١) انظر: نفس المصدر (ص ١٥٤). (٢) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥) باختصار. (٣) انظر: جامع المسائل لابن تيمية (٥/ ٧٣). (٤) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٦/ ٨٥). (٥) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (١/ ٢٥٠). (٦) أخرجه البخاري (رقم ٧٤٣٥).

стр. 235

قال ابن تيمية: "وأما دعواه ودعوى غيره من الجهمية من المعتزلة ونحوهم أن الرؤية التي أخبر بها الرسول مزيد علم فمن سمع النصوص علم بالاضطرار أن الرسول إنما أخبر برؤية المعاينة، وأيضًا فإن أدلة المعقول الصريحة تجوز هذه الرؤية" (١). وقال أيضًا: "أما إثبات رؤية اللَّه تعالى بالأبصار في الآخرة فهو قول سلف الأمة وأئمتها، وجماهير المسلمين من أهل المذاهب الأربعة وغيرها، وقد تواترت فيه الأحاديث عن النبي ﷺ عند علماء الحديث، وجمهور القائلين بالرؤية يقولون: يرى عيانا مواجهة، كما هو المعروف بالعقل" (٢). الرد على الدليل العقلي الثالث: ١ - نقول لهم: تفريقكم في نقل حكم الشاهد إلى الغائب بين الرؤية وبين غيرها من الصفات تفريق بين متماثلين، فكما نقلتم حكم الشاهد إلى الغائب في صفة الحياة والعلم، فكذلك يلزمكم في الرؤية. وهؤلاء اختلط عليهم إدراك العقل مع إدراك البصر، فإن العقل هو الذي يدرك ما ليس في جهة -أعني في مكان- وأما إدراك البصر فظاهر من أمره أن من شرطه أن يكون المرئي منه في جهة -أعني في مكان- ولا في كل جهة فقط بل في جهة ما مخصوصة، ولذلك ليس تتأتى الرؤية بأي وضع اتفق أن يكون البصر من المرئي، بل بأوضاع محدودة وشروط محدودة أيضًا، وهي ثلاثة أشياء: "حضور الضوء، والجسم الشفاف المتوسط بين البصر والمبصر، وكون المبصر ذا ألوان ضرورة"، والرد هذه الأمور المعروفة بنفسها في الأبصار هو رَدٌّ للأوائل المعلومة بالطبع للجميع، وإبطال لجميع علوم المناظر والهندسة، وقد قال القوم -أعني الأشعرية-: "إن أحد المواضع التي يجب أن ينقل فيها حكم الشاهد إلى الغائب هو الشرط، مثل: حكمنا أن كل عالم حي؛ لكون الحياة تظهر من الشاهد شرطا في وجود العالم"، وإن كان كذلك قلنا لهم: وكذلك يظهر في الشاهد أن هذه الأشياء هي شروط في الرؤية فألحقوا الغائب منها بالشاهد على أصلكم (٣). ٢ - أن قولكم: "جائز أن يرى الإنسان ما ليس في جهة" هذا إنما يكون متصورًا في العقول، أما في الخارج فلا يوجد مرئيٌ إِلا وهو في جهة. _________ (١) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٢/ ٤٥٢). (٢) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٣/ ٣٤١). (٣) انظر: مناهج الأدلة لابن رشد (ص ١٨٦) وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠) والدرء له أيضًا (٦/ ٢٢٩).

стр. 236

٣ - يقال لهم: قولكم: "ما ليس في جهة" هذا اللفظ قول مبتدع لم يرد به الشرع إثباتًا ولا نفيًا، ثم ماذا تقصدون به؟ إن قصدتم أنه لا داخل العالم ولا خارجه فقد قلتم الباطل والمحال، وإن قصدتم أنه ليس فوق العرش إله فقد جحدتم رب العالمين، وإن قصدتم أنه بذاته في كل مكان فقد قلتم قولا أعظم من قول النصاري في عيسى ﵇، وإن قصدتم أنه تعالى لا تحيط به المخلوقات، بل هو بائن عن المخلوقات، فقد أصابتم المعنى وأخطأتم في استعمال اللفظ؛ لأنه. قال ابن تيمية: "من قال: إن اللَّه ليس في جهة، قيل له: ما تريد بذلك؟ فإن أراد بذلك أنه ليس فوق السماوات رَبٌّ يُعبَد، ولا على العرش إلهٌ، ومحمد لم يُعرج به إلى اللَّه تعالى، والأيدي لا تُرفع إلى اللَّه تعالى في الدعاء، ولا تتوجه القلوب إليه، فهذا فرعوني معطل جاحد لرب العالمين. وإن كان مُعتقدًا أنه مُقِرٌّ به، فهو جاهل متناقض في كلامه. ومن هنا دخل أهل الحلول والاتحاد كابن عربي، وقالوا: إن اللَّه بذاته في كل مكان، وأن وجود المخلوقات هو وجود الخالق. وإن قال: مرادي بقولي: "ليس في جهة" أنه لا تحيط به المخلوقات، بل هو بائن عن المخلوقات، فقد أصاب في هذا المعنى. وكذلك من قال: إن اللَّه متحيز، أو قال: ليس بمتحيز، إن أراد بقوله: "متحيز" أن المخلوقات تحوزه وتحيط به فقد أخطأ. وإن أراد أنه منحاز عن المخلوقات لا تحويه فقد أصاب. وإن أراد: ليس ببائن عنها، بل هو لا داخل فيها ولا خارج عنها فقد أخطأ. والناس في ذلك ثلاثة أصناف: أهل الحلول والاتحاد، وأهل النفي والجحود، وأهل الإيمان والتوحيد والسنة. فأهل الحلول يقولون: إنه بذاته في كل مكان، وقد يقولون بالاتحاد والوحدة، فيقولون: وجود المخلوقات وجود الخالق، كما هو مذهب ابن عربي صاحب "الفصوص" وابن سبعين ونحوهما. وأما أهل النفي والجحود فيقولون: لا هو داخل العالم ولا خارج عنه، ولا مباين له ولا حال فيه، ولا فوق العالم ولا فيه، ولا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء، ولا يتقرب إليه شيء، ولا يدنو منه شيء، ولا يتجلى الشيء ولا يراه أحد، ونحو ذلك. وهذا قول متكلمة الجهمية، كما أن الأول قول عباد الجهمية. فمتكلمة الجهمية لا يعبدون شيئًا، ومتعبدة الجهمية يعبدون كل شيء، وكلاهما مرجعهم إلى التعطيل والجحود الذي هو قول فرعون" (١). _________ (١) انظر: جامع المسائل لابن تيمية (٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤).

стр. 237

٤ - أن استلزام الرؤية لأن يكون اللَّه بجهة من الرائي ثابت لا محذور فيه، فقد دل العقل الصريح والنقل الصحيح والقياس الصحيح وهو قياس التنبية وقياس الأولى على إثبات ذلك. قال ابن تيمية: "الوجه الثالث: أن كون الرؤية مستلزمة لأن يكون اللَّه بجهة من الرائي أمر ثبت بالنصوص المتواترة وفيه مع إخباره أنهم يرونه إخبارهم أنه يرونه في جهة منهم من وجوه: أحدها: أن الرؤية في لغتهم لا تُعرف إلا لرؤية ما يكونُ بجهةٍ منهم، فأما رؤية ما ليس في الجهة فهذا لم يكونوا يتصورونه ولا يعرفونه فضلًا عن أن يكون اللفظ يدل عليه. ولست تجد أحدًا من الناس يتصور وجود موجود في غير جهة، فضلا عن أن يتصور أنه يُرى، فضلًا عن أن يكون اسم الرؤية المشهورة في اللغات كلها يدل على هذه الرؤية الخاصة. الثاني: أنه شبه لهم رؤيتَه برؤية الشمس والقمر، وليس ذلك تشبيها للمرئي بالمرئي، ومن المعلوم أنه إذا كانت رؤيته مثل رؤية الشمس والقمر وجب أن يُرى في جهة من الرائي، كما أن رؤية الشمس والقمر كذلك، فإنه لو لم يكن كذلك لأخبرهم برؤية مطلقة نتأولها على ما يتأول من يقول بالرؤية في غير جهة، أما بعد أن يستفسرهم عن رؤية الشمس صحوة ورؤية البدر صحوة ويقول: "إنكم ترون ربكم كذلك" فهذا لا يمكن أن يتأول على الرؤية التي يزعمونها، فإن هذا اللفظ لا يحتملها لا حقيقةً ولا مجازًا. الثالث: أنه شبه رؤيتَه برؤية أظهر المرئيات إذا لم يكن ثم حجاب منفصل عن الرائي يحول بينه وبين المرئي، ومن يقول: "إنه يُرى في غير جهة" يمتنع عنده أن يكون بينه وبين العباد حجابٌ منفصلٌ عنهم، إذ الحجاب لا يكون إلا لجسم، ولمَّا يكون في جهة، وهم يقولون: "الحجاب عدم خلق الإدراك في العين"، والنبي ﷺ مثل رؤيته برؤية هذين النورين العظيمين إذا لم يكن دونها حجاب. الرابع: أنه أخبر أنهم: "لا يضارُّون في رؤيته" وفي حديث آخر: "لا يضامون" ونَفيُ الضَّيرِ والضَّيم إنما يكون لإمكان لحوقه للرائي، ومعلوم أنا يُسمُّونَه رؤية وهو "رؤية ما ليس بجهة" من الرائي لا فوقه ولا في شيء من جهاته لا يتصور فيها ضَيرٌ ولا ضَيمٌ حتى يُنفي ذلك، بخلاف رؤية ما يواجه الرائي ويكون فوقه، فإنه قد يلحقه فيه ضَيمٌ وضَيرٌ إما بالازدحام عليه أو كلال البصر لخفائه: كالهلال، وإما لجلائه: كالشمس والقمر. الوجه الرابع: أن كون اللَّه يُرى بجهة من الرائي ثبت بإجماع السلف والأئمة" (١). _________ (١) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٤/ ٤٣٢ - ٤٤٩) باختصار وتصرف.

стр. 238

الرد على الدليل العقلي الرابع: أن قولهم ذلك مغالطة للواقع، فالمرآة في جهة الناظر إليها، وهو إنما ينظر إلى صورته فيها. فإن الذي يُبصَرُ هو خيال ذاته فقط، والخيال منه هو في جهة إذا كان الخيال في المرآة، والمرآة في جهة (١). قال ابن القيم: "قال العقلاء هذا تلبيس فإنه إنما يرى خيال صورته وهو عرض منطبع في الجسم الصقيل وهو في جهة منه ولا يرى حقيقة صورته القائمة به" (٢). الرد على الدليل العقلي الخامس: قولكم: أن رؤية غير الأجسام ممكنة، قول باطل مخالف للعقل الصريح والواقع، ومكابرة للمعقول والمحسوس. فأما الوجه الأول في استدلالكم: فالمغالطة في هذا القول بيِّنة؛ فإن المرئي منه ما هو مرئي بذاته ومنه ما هو مرئي من قبل المرئي بذاته، وهذه هي حال اللون والجسم، فإن اللون مرئي بذاته، والجسم مرئي من قبل اللون، ولذلك ما لم يكن له لون لم يُبصَر، ولو كان الشيء إنما يُرى من حيث هو موجود فقط لوجب أن تُبصر الأصواتُ وسائرُ المحسوسات الخمس، فكان يكون البصر والسمع وسائر الحواس الخمس حاسة واحدة، وهذا كله خلاف ما يُعقل، وقد اضطر المتكلمون لمكان هذه المسألة وما أشبهها أن يُسلِّموا أن الألوان ممكنة أن تسمع، والأصوات ممكنة أن تُرى، وهذا كله خروج عن الطبع وعما يمكن أن يعقله الإنسان، فإنه من الظاهر أن حاسة البصر غير حاسة السمع، وأن محسوس هذه غير محسوس تلك، وأن آلة هذه غير آلة تلك، وأنه ليس يمكن أن ينقلب البصر سمعًا، كما ليس يمكن أن يعود اللون صوتًا، وعلى هذا فتكون الأشياء كلها شيئًا واحدًا حتى المتضادات، وهذا شيء فيها أحسب يُسلِّمه المتكلمون من أهل ملتنا، أو يلزمهم تسليمه -يعني هؤلاء الأشعرية- وهو رأي سوفسطائي لأقوام قدماء مشهورين بالسفسطة. وأما الوجه الثاني في استدلالكم: ففي غاية الفساد، ومن أبين ما يظهر به فساد هذا القول أنه لو كان البصر إنما يدرك الأشياء لوجودها لما أمكنه أن يفرق بين الأبيض والأسود؛ لأن الأشياء لا تفترق بالشيء الذي تشترك فيه، ولكان بالجملة لا يمكن في الحواس: لا في البصر أن يُدرِكَ فصول الألوان، ولا في السمع أن يُدرِكَ فصول الأصوات، ولا في الطعم أن يُدرِكَ فصول المطعومات، وللزم أن تكون مدارك المحسوسات بالحس واحدًا، فلا يكون فرق بين مدرك السمع وبين مدرك البصر، وهذا كله في غاية الخروج عما يعقله الإنسان، _________ (١) انظر: مناهج الأدلة لابن رشد (ص ١٨٧) وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٢/ ٤٤١) والدرء له أيضًا (٦/ ٢٣٠). (٢) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٤/ ١٣٣٣).

стр. 239

والسبب في مثل هذه الحيرة الواقعة في الشريعة حتى ألجأت القائمين بنصرتها في زعمهم إلى مثل هذه الأقاويل الهجينة التي هي ضُحكةٌ عند من عني بتمييز أصناف الأقاويل أدنى عناية، هو التصريح في الشرع بها لم يأذن اللَّه ورسوله به، فإذا متى أخذ الشرع في أوصاف اللَّه تعالى على ظاهره لم تعرض فيه هذه الشبهة ولا غيرها لأنه إذا قيل إنه نور وإن له حجابا من نور كما جاء في القرآن والسنن الثابتة ثم قيل إن المؤمنين يرونه في الدار الآخرة كما ترى الشمس لم يعرض في هذا شك ولا شبهة في حق الجمهور ولا في حق العلماء وذلك أنه قد تبرهن عند العلماء أن تلك الحال مزيد علم لكن متى صرح به للجمهور بطلت عندهم الشريعة كلُّها أو كفَّروا المُصرِّح لهم بها، فمن خرج عن منهاج الشريعة في هذه الأشياء فقد ضل عن سواء السبيل" (١). * * * _________ (١) انظر: مناهج الأدلة لابن رشد (ص ١٨٧ - ١٩٠) وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٦/ ٢٣٠ - ٢٣٦).

стр. 240

المطلب الثالث: الأدلة الشرعية للأشاعرة القائلين: بأن اللَّه تعالى يُرى في غير جهة. استدل الأشاعرة بالأدلة الواردة في القرآن والسنة على صحة رؤية اللَّه تعالى في الآخرة، وإمكان وقوعها. ومع قولهم بصحة ذلك إلا أنهم قد حكموا بأن دلالتها على الرؤية ظنية وليست قطعية. قال الرازي: "المسألة العاشرة: قيل: الدلائل النقلية لا تفيد اليقين؛ لأنها مبنية على نقل اللغات ونقل النحو والتصريف، وعدم الاشتراك، وعدم المجاز، وعدم الإضرار، وعدم النقل، وعدم التقديم والتأخير، وعدم التخصيص، وعدم النسخ، وعدم المعارض العقلي، وعدم هذه الأشياء مظنون لا معلوم، والموقوف على المظنون مظنون، وإذا ثبت هذا ظهر أن الدلائل النقلية ظنية، وأن العقلية قطعية، والظن لا يعارض القطع" (١). وقد ذهب جمهورهم ومتأخروهم لذلك إلى عدم إثبات رؤية حقيقة بالأبصار، وإنما يحرفونها ويؤولونها إما مجازًا، أو زيادة علم وكشف، ويجعلونها في غير جهة. ومن الأدلة التي استدلوا بها القرآن الكريم: ١ - قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة]. قال الرازي: "والنظر إلى الشيء يوجب رؤيته، فجاز أن يكون المراد من النظر هو الرؤية على سبيل إطلاق اسم السبب على المسبب، وأيضًا حكى اللَّه تعالى عن الخليل ﵇ أنه قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] وليس المراد منه القرب بالجهة، فكذا ههنا" (٢). وقال الغزالي: "وإن حصل له العلوم اليقينية إما على سبيل الحدس وإما على سبيل الفكر، ونزه أخلاقه وحسنها وعمل بموجب الشرع فله الدرجة العليا في السعادة، وله الوصول بلا انفصال وهو النظر الى الجمال الحق والجلال المحض، والكمال الصِّرْف، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ فحق العاقل أن يسعى لطلب تلك السعادة ويحترز عن مضادها وعوائقها" (٣) وقال الجرجاني: "أمثال هذه الظواهر لا تفيد إلا ظنونًا ضعيفة جدًا، وحينئذ لا تصلح هذه الظواهر للتعديل عليها في المسائل العلمية التي يُطلبُ فيها اليقين" (٤). _________ (١) انظر: معالم أصول الدين للرازي (ص ٢٥). (٢) انظر: تأسيس التقديس للرازي (ص ٢٠٩). (٣) انظر: معارج القدس في مدارج معرفة النفس للغزالي (ص ١٤٥). (٤) انظر: شرح المواقف للجرجاني (٨/ ١٥٠).

стр. 241

٢ - قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين]. قال الرازي: "يجوز أن يكون المراد من الحجاب عدم الرؤية؛ وذلك لأن الحجاب يقتضي المنع من الرؤية، فكان إطلاق لفظ الحجاب على المنع من الرؤية: مجازة، من باب إطلاق السبب على المسبب" (١). وقال الجرجاني: "ذكر ذلك تحقيرًا لشأنهم فلزم منه كون المؤمنين مبرئين عنه، فوجب أن لا يكونوا محجوبين عنه بل رائين له، وهذا المسلك أيضًا من الظواهر المفيدة للظن" (٢). ٣ - قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣]. قال الغزالي: "أي في الدنيا فإذا ارتفع الحجاب بالموت بقيت النفس ملوثة بكدورات الدنيا غير منفكة عنها بالكلية وإن كانت متفاوتة في ذلك التلوث فمنها ما تراكم عليها الخبث والصدأ فصارت كالمرآة التي قد فسد بطول تراكم الخبث جوهرها ولا تقبل الاصلاح والتصقيل وهؤلاء هم المحجوبون عن ربهم أبد الآباد، ووقت القيامة مجهول فعند ذلك يستعد بصفائه ونقائه من الكدورات حيث لا يرهق وجهه غبرة ولا قترة لأن يتجلى فيه الحق ﷻ ، فيتجلى له تجليا يكون انكشاف تجليه بالإضافة إلى ما عليه كانكشاف تجلي المرئيات بالإضافة إلى ما تخيَّله، وهذه المشاهدة والتجلي هي التي تسمى رؤية، فإذا الرؤية حق بشرط أن لا تفهم من الرؤية استكمال الخيال في متخيل متصور مخصوص بجهة ومكان، فإن ذلك مما يتعالى عنه رب العالمين علوًا كبيرًا، بل كما عرفته في الدنيا معرفة حقيقية تامة من غير تصور وتخيل وتقدير شكل وصورة، فتراه في الآخرة كذلك، بل أقول المعرفة الحاصلة في الدنيا بعينها هي التي تستكمل فتبلغ كمال الانكشاف والوضوح وتنقلب مشاهدة، فلا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا اختلاف إلا من حيث زيادة الكشف والوضوح، فإذا لم يكن في المعرفة إثبات صورة وجهة فلا يكون في استكمال المعرفة بعينها وترقيها في الوضوح إلى غاية الكشف أيضًا جهة وصورة؛ لأنها هي بعينها إلا في زيادة الكشف، كما أن الصورة المرئية هي المتخيلة بعينها إلا في زيادة الكشف، ولهذا لا يفوز بدرجة النظر والرؤية إلا العارفون في الدنيا؛ لأن المعرفة هي البِذرُ الذي ينقلب في الآخرة مشاهدة كما تنقلب النواة شجرة والبذور زرعا ومن لا نواة له فكيف يحصل له نخل فكذلك من لا يعرف اللَّه في الدنيا فكيف يراه في الآخرة" (٣). _________ (١) انظر: نفس المصدر (ص ٢١٠). (٢) انظر: شرح المواقف للجرجاني (٨/ ١٥٠). (٣) انظر: معارج القدس في مدارج معرفة النفس للغزالي (ص ١٥٧ - ١٥٩) باختصار.

стр. 242

ومن الأدلة التي استدلوا بها من السنة النبوية: حديث عمار بن ياسر ﵁ حين سمع النبي ﷺ يدعو بهذا الدعاء: "اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضاء بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين" (١). قال الغزالي: "لذة النظر إلى وجه اللَّه الكريم، هذه المعرفة وإن عظمت لذتها، فلا نسبة لها إلى لذة النظر إلى وجه اللَّه الكريم في الدار الآخرة، وذلك لا يتصور في الدنيا لسر. لا يمكن الآن كشفه، ولا ينبغي أن تفهم من النظر ما يفهمه العوام والمتكلمون، فيحتاج في تقديره إلى جهة ومقابلة، فلذلك من نظر من أقعده القصور في بحبوحة عالم الشهادة حتى لم يُجاوز المحسوسات التي هي مدركات البهائم، لكن ينبغي أن تفهم أن الحضرة الربوبية تنطبع صورتها وترتيبها العجيب على ما هو عليه من البهاء والعظمة والجلال والمجد في قلب العارف، كما تنطبع مثلا صورة العالم المحسوس في حواسك، فكأنك تنظر إليه وإن غمَّت عينيك، فإن فتحت العين، وجدت الصورة المبصرة مثل الصورة المتخيلة قبل فتح العين لا تخالفها في شيء، إلا أن الإبصار في غاية الوضوح بالنسبة إلى التخيُّل، وكذلك ينبغي أن تعلم أن في إدراك ما لا يدخل في الخيال والحس أيضًا في درجتين متفاوتين في الوضوح غاية التفاوت، ونسبة الثانية إلى الأولى كنسبة الإبصار إلى التخيُّل، فتكون الثانية غاية الكشف، فيُسمَّى لذلك مشاهدة ورؤية. والرؤية لم تُسمَّ رؤيةً لأنها في العين؛ إذ لو خُلقت في الجبهة لكانت رؤية، بل لأنها غاية الكشف، فكما أن تغميض الأجفان حجاب عن غاية الكشف في المبُصر، فكدورة الشهوات وشواغل هذا القالب المُظلم حجاب عن غاية المشاهدة؛ ولذلك قال اللَّه تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فإذا ارتفع هذا الحجاب بعد الموت انقلبت المعرفة بعينها مشاهدة، ويكون مشاهدة كل واحد على _________ (١) أخرجه النسائي (رقم ١٣٠٥) وابن حبان (رقم ١٩٧١) والطبراني في كتاب الدعاء (رقم ٦٢٤) وابن أبي عاصم في السنة (رقم ٤٢٥) وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٢٩) والدارمي في الرد على الجهمية (رقم ١٨٨) وتمام الرازي في فوائده (٢/ ١٤٧ رقم ١٣٨٧) والدارقطني في كتاب رؤية اللَّه (رقم ١٥٨) والحاكم في المستدرك (رقم ١٩٢٣) وصححه، ووافقه الذهبي، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٥٤٠ رقم ٨٤٥) والبيهقي في الأسماء والصفات (رقم ٢٢٧).

стр. 243

قدر معرفته، ولذلك تزيد لذة أولياء اللَّه سبحانه في النظر على لذة غيرهم، ويتجلى اللَّه تعالى لأبي بكر ﵁ خاصة، ويتجلى للناس عامة، وكذلك لا يراه إلا العارفون؛ لأن المعرفة بِذْرُ النظر، بل هي التي تنقلب مشاهدة كما ينقلب التخيلُ إبصارًا، فلذلك لا يقتضي مقابلة ولا جهة" (١). * * * _________ (١) انظر: الأربعين في أصول الدين للغزالي (ص ٢٥٤ - ٢٥٥) تحقيق: عبد اللَّه عبد الحميد عرواني. الناشر: دار القلم دمشق. الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ.

стр. 244

المطلب الرابع: الرد على الأشاعرة في تحريفهم للأدلة النقلية. لقد خالف جمهور الأشاعرة مخالفة صريحة ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها من إثبات رؤية اللَّه في الدار الآخرة رؤية حقيقة بالأبصار عيانًا، وتناقضوا حينما أثبتوا رؤية في غير جهة، وحقيقة قولهم هو موافقة المعطلة في إنكار الرؤية، والرد عليهم كما يلي: ١ - تفسيرهم لتلك الآيات الكريم، والأحاديث الصحيحة، إنما هو تحريف للكلم عن مواضعه، فلم يقل تلك التحريفات لا رسول اللَّه ﷺ ولا أصحابه ﵃ ولا التابعون لهم بإحسان، ولا أئمة الإسلام من الأئمة الأربعة ونحوهم. ٢ - أنهم في تحريفهم لأدلة الرؤية عن معانيها الحقيقة الثابتة قد خالفوا إمامهم الإمام أبا الحسن الأشعري المنتسبين إليه، وخالفوا كبار أتباعه المتقدمين، وهذا حال جمهور الأشاعرة الذين ينتسبون للإمام الأشعري، فقد خالفوه في كثير مما تبرأ منه من أقوال الجهمية والمعتزلة، ومنها مسألة الرؤية. قال أبو الحسن الأشعري: "الباب الأول: الكلام في إثبات رؤية اللَّه سبحانه بالأبصار في الآخرة، قال اللَّه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ [القيامة]، يعني: مشرقة، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة]، يعني: رائية؛ لأن النظر إذا ذكر مع ذكر "الوجه" فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه، كما إذا ذكر أهل اللسان نظر القلب فقالوا: "أُنظرْ في هذا الأمر بقلبك"، لم يكن معناه نظر العينين، وكذلك إذا ذكر النظر مع "الوجه" لم يكن معناه نظر الانتظار الذي يكون للقلب، وأيضًا فإن نظر الانتظار لا يكون في الجنة؛ لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير، وأهل الجنة في "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت" من العيش السليم والنعيم المقيم. وإذا كان هذا هكذا لم يجز أن يكونوا منتظرين؛ لأنهم كلما خطر ببالهم شيء أُتُوا به مع خُطُورهِ ببالهم، وإذا كان ذلك كذلك فلا يجوز أن يكون اللَّه أراد نظر التعطف؛ لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم، وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر، وهو: أن معنى قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة]، أنها رائية ترى ربها ، والرؤية إذا أطلقت إطلاقا ومثلت برؤية العيان لم يكن معناها إلا رؤية العيان، إن المسلمين اتفقوا على أن الجنة فيها "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" من العيش السليم، والنعيم المقيم، وليس نعيم في الجنة أفضل من رؤية اللَّه تعالى بالأبصار. وأكثر مَن عَبَدَ اللَّه تعالى عَبَدَه للنظر إلى وجهه الكريم -أرانا اللَّه إياه بفضله- فإذا لم يكن بعد رؤية اللَّه أفضل من رؤية نبيه ﷺ ، وكانت رؤية نبي اللَّه أفضل لذات الجنة كانت رؤية اللَّه أفضل من رؤية نبيه ﷺ ، وإذا كان ذلك كذلك لم يحرم اللَّه أنبياءه المرسلين، وملائكته المقربين، وجماعة المؤمنين،

стр. 245

والصديقين النظر إلى وجهه الكريم؛ وذلك أن الرؤية لا تؤثر في المرئي؛ لأن رؤية الرائي تقوم به، فإذا كان هذا هكذا، وكانت الرؤية غير مؤثرة في المرئي لم توجب تشبيهًا ولا انقلابًا عن حقيقةٍ، ولم يستحِلْ على اللَّه أن يُريَ عبادَه المؤمنين نفسَه في جنانه" (١). قال ابن تيمية: "فهذا كله من كلام الأشعري مثل احتجاجه بما ذكره عن المسلمين جميعًا من قولهم: إن اللَّه احتجب بسمع سموات على أنه فوق العرش، وهو إنما احتجب عن أن يراه خلقه، لم يحتجب عن أن يراهم هو، فعُلِمَ أن هذا يحجب العباد عن رؤيته، وهذا يقتضي أنهم يرونه برفع هذه الحجب، وذلك يقتضي أنهم يرونه في الجهة، فإن من يثبت رؤيته في غير جهة من الرائي لا يقول بجواز الحجب المنفصلة أيضًا كما تقدم، وكذلك احتجابه بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] وأن الآية دلت على أن اللَّه يحجب بعض المخلوقات دون بعض فعلم أنه لا يحتجب عن بعضهم واحتجاجه بذلك على أن اللَّه فوق العرش يقتضي أن يحتجب عمن يراه ببعض مخلوقاته وهذا يستلزم أنه لا يرى إلا في جهة من الرائي وكذلك احتجاجه في مسألة العلم بأن اللَّه نور وأن ذلك يقتضي أنه يرى ويقتضي أن رؤيته توجب علوه وكلام الأشعري في مسألة الرؤية والعلو يقتضي تلازمهما" (٢). ٣ - أنهم يقصدون بقولهم: "في غير جهة" نفي علو اللَّه تعالى عن خلقه، وفوقيته على عرشه واستوائه عليه. قال الرازي: "نقول: قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأعراف: ٥٤] آية محكمة دالة على أن قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] من المتشابهات التي يجب تأويلها، وهذه نكتة لطيفة، ونظير هذا أنه تعالى قال في أول سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الأنعام: ٣] ثم قال بعده بقليل: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] فدلت هذه الآية المتأخرة على أن كل ما في السموات فهو ملك اللَّه، فلو كان اللَّه في السموات لزم كونه ملكًا لنفسه وذلك محال، فهكذا هاهنا، فثبت بمجموع هذه الدلائل العقلية والنقلية أنه لا يمكن حمل قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] على الجلوس والاستقرار وشغل المكان والحيز، وعند هذا حصل للعلماء الراسخين مذهبان: الأول: أن نقطع بكونه تعالى متعاليًا عن المكان والجهة، ولا نخوض في تأويل الآية _________ (١) انظر: الإبانة عن أصول الديانة للأشعري (ص ٣٥ - ٥٥) باختصار وتصرف. (٢) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٤/ ٤٦٢).

стр. 246

على التفصيل، بل نفوض علمها إلى اللَّه، وهو الذي قررناه في تفسير قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] وهذا المذهب هو الذي نختاره ونقول به ونعتمد عليه" (١). وجعل الرازي القول بنفي الجهة المتسلزمة للعلو والفوقية أمرًا بدهيًا اتفق عليه العقلاء سوى من شذ عنهم، ولم يشذ عن جميع العقلاء إلا فريقان وهم الحنابلة والكرامية. قال الرازي: "إن العلوم البديهية لا يجوز وقوع الاختلاف فيها للجميع العظيم، فلو كان وقوع هذه المقدمة بديهيًا لامتنع إطباق الجمع العظيم على إنكاره، ونرى جمهور الأذكيا من العقلاء متفقين على بطلان هذه المقدمة؛ فإن إثبات الجهة للَّه تعالى لم يقل به إلا الحنبلية والكرامية، وأما كل من سواهم فهم متفقون على أن ذاته منزه عن الاختصاص بالحيز والجهة، فظهر أن هذه المقدمة ليس بديهية" (٢). وقد أخطأ الرازي في ذلك القول خطأً عظيمًا، وجَهِل ما كان عليه سلفُ الأمة وأئمتُها من إثبات الرؤية في الآخرة إثباتًا حقيقيًا بالأبصار عيانًا، وقد بيَّن ابن تيمية خطأ الرازي في ذلك وانحرافَه عن منهج الأنبياء والمرسلين، وتحريفَه لكلام رب العالمين. قال ابن تيمية: "بل خصومه في هذا الباب جميع الأنبياء والمرسلين وجميع الصحابة والتابعين، وجميع أئمة الدين من الأولين والآخرين، وجميع المؤمنين الباقين على الفطرة الصحيحة -دع ما قد تنازع فيه من ذلك- فإنهم لا يطلقون على اللَّه هذا الإطلاق الذي ذكره، وإن كان فيهم وفي سائر الطوائف من نص بالصفات التي يطلق عليها هو وأمثاله أنها أجزاء وأبعاض، لكنهم لا يطلقون الألفاظ الموهمة المجملة إلا إذا نص الشرع، فأما ما لم يرد به الشرع فلا يطلقونه إلا إذا تبين معناه الصحيح الموافق للشرع، ونفي المعنى الباطل وفي لفظ الأجزاء، والأبعاض إجمال وإيهام كما سنذكره إن شاء اللَّه، وما علمت أحدا من الحنابلة من يطلقه من غير بيان، بل كتبهم مصرحة بنفي ذلك المعنى الباطل، ومنهم من لا يتكلم في ذلك بنفي ولا إثبات. فلا ريب أن الكتب الموجودة بأيدي الناس، تشهد بأن جميع السلف من القرون الثلاثة كانوا على خلاف ما ذكره، وأن الأئمة المتبوعين عند الناس والمشايخ المقتدى بهم، كانوا على خلاف ما ذكره، وهذه أئمة المالكية، والشافعية، والحنفية، وأهل الحديث، والصوفية على ذلك، بل أئمة الصفاتية من الكلابية والكرامية والأشعرية _________ (١) انظر: تفسير الرازي (١٤/ ٢٦٩). (٢) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ١٥٢).

стр. 247

على خلاف ما قاله، فهذه كتب ابن كلاب (١) إمام طائفته، ثم الحارث المحاسبي (٢) ونحوه، ثم أبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه مثل أبي عبد اللَّه بن مجاهد (٣) وأبي الحسن الطبري (٤)، وأبي العباس القلانسي (٥)، وغيره -كما سيأتي إن شاء اللَّه حكاية قوله وقول غيره- والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي علي بن شاذان (٦) وغيرهم، كلهم يقولون: بإثبات العلو للَّه على العرش واستوائه عليه دون ما سواه، ويضللون من يفسر ذلك بالاستيلاء والقهر ونحوه - كما قد حكينا بعض أقوالهم في جواب الاستفتاء، وفي جواب هذه المسائل الموردة عليه وذكرنا أن أبا الحسن الأشعري ذكر أن هذا قول جميع أهل السنة والحديث، وبه يقول الرازي وهو قد حكي أيضًا في كتبه ذلك عن بعض أئمة أصحابه، وذكر للأشعري نفسه قولين -وقد تكلمنا على ذلك- فكيف يزعم أن خصومه إنما هم الكرامية والحنابلة! بل لم يوافقه إلا فريق قليل من أهل القبلة" (٧). _________ (١) رأس المتكلمين بالبصرة في زمانه، أبو محمد عبد اللَّه بن سعيد بن كلاب القطان، البصري، صاحب التصانيف في الرد على المعتزلة، وربما وافقهم، وقد كان باقيا قبل الأربعين ومائتين. انظر: السير للذهبي (١١/ ١٧٤) والتاريخ له (٥/ ٩٨١). (٢) الحارث بن أسد أبو عبد اللَّه المحاسبي، شيخ الجنيد، قال الخطيب: للحارث كتب كثيرة في الزهد، وفي أصول الديانات، والرد على المخالفين من المعتزلة والرافضة وغيرهما، وكتبه كثيرة الفوائد جمة المنافع. وقال الذهبي: وقد كان الحارث كبير الشأن قليل المِثْل، لكنه دخل في شيء يسير من الكلام، فنقموه عليه، وقال: وورد أن الإمام أحمد أثنى على حال الحارث من وجه، وحذر منه. وحذر من كتبه أبو زرعة الرازي، توفي سنة ٢٤٣ هـ. انظر: تاريخ الخطيب (٩/ ١٠٤) وطبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح (١/ ٤٣٩) والسير للذهبي (١٢/ ١١٢) والتاريخ له (٥/ ١١٠٣). (٣) محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد أبو عبد اللَّه الطائي المتكلم صاحب أبي الحسن الأشعري وهو من أهل البصرة، قدم بغداد، وعليه درس القاضي أبو بكر محمد ابن الطيب الكلام، وله كتب حسان في الأصول، كان ثخين الستر، حسن التدين، جميل الطريقة. انظر: تاريخ الخطيب (٢/ ٢٠٠). (٤) علي بن محمد بن مهدي، أبو الحسن الطبري المتكلم الأصولي، رحل في طلب العلم، وصحب أبا الحسن الأشعري بالبصرة مدة، وتخرج به، وصنف التصانيف، وتبحر في علم الكلام، وهو مؤلف كتاب مشكل الأحاديث الواردة في الصفات. انظر: التاريخ للذهبي (٨/ ٤٩٢) وتبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص ١٩٥) وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٣/ ٤٦٦). (٥) أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسي الرازي، من شيوخ الإمام أبي أحمد الحاكم محدث خراسان، ومعاصر لأبي علي محمد ابن عبد الوهاب الثقفي شيخ خراسان المتوفي سنة ٣٢٨ هـ، زادت تصانيفه في الكلام على مائة وخمسين كتابًا، وقد سلك طريقة ابن كلاب ووافقه. انظر: تاريخ ابن عساكر (١٢/ ٣٩٩) وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (١/ ٦٩) وإيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل لابن جماعة (ص ٢٣). (٦) أبو علي الحسن بن أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان. تأتي ترجمته في الحديث (رقم ١٥٧). (٧) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (١/ ٢٣١ - ٢٣٥).

стр. 248

وقال أيضًا: "أكثر طوائف العقلاء يقولون بالعلو، وبامتناع وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، وأما كلام من نقل مذهب السلف والأئمة فأكثر من أن يمكن سطره. . . وعن جرير بن عبد الحميد الرازي أنه قال: "كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم، وإنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء إله". وجميع الطوائف تنكر هذا، إلا من تلقى ذلك عن الجهمية، كالمعتزلة ونحوهم من الفلاسفة، فأما العامة من جميع الأمم فلا يستريب اثنان في أن فطرهم مقرة بأن اللَّه فوق العالم، وأنهم إذا قيل لهم: "لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، ولا يقرب إليه شيء، ولا يقرب هو من شيء، ولا يحجب العباد عنه شيء، ولا تُرفع إليه الأيدي، ولا تتوجه القلوب إليه طالبة له في العلو" فإن فطرهم تنكر ذلك، وإذا أنكروا هذا في هذه القضية المعينة التي هي المطلوب، فإنكارهم لذلك في القضايا المطلقة العامة التي تتناول هذا وغيره أبلغ وأبلغ، وأما خواص الأمم فمن المعلوم أن قول النفاة لم يُنقل عن نبي من الأنبياء، بل جميع المنقول عن الأنبياء موافق لقول أهل الإثبات، وكذلك خيار هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم ينقل عنهم إلا ما يوافق قول أهل الإثبات، وأول من ظهر عنه قول النفاة هو الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وكانا في أوائل المائة الثانية فقتلهما المسلمون، وأما سائر أئمة المسلمين، مثل: مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، فالكتب مملوءة بالنقل عنهم لِمَا يوافق قول أهل الإثبات، وكذلك شيوخ أهل الدين، مثل: الفضيل بن عياض، وبشر الحافي (١)، وأحمد بن أبي الحواري (٢)، _________ (١) بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد اللَّه أبو نصر المعروف بالحافي مروزي، سكن بغداد، وهو ابن عم علي بن خشرم، وكان ممن فاق أهل عصره في الورع والزهد، وتفرد بوفور العقل، وأنواع الفضل، وحسن الطريقة، واستقامة المذهب، وعزوف النفس، وإسقاط الفضول، توفي سنة ٢٢٧ هـ. انظر: تاريخ الخطيب (٧/ ٥٤٥). (٢) أحمد بن عبد اللَّه بن ميمون أبو الحسن بن أبي الحَواري ثقة زاهد د ق. التقريب لابن حجر (رقم ٦١).

стр. 249

وسهل بن عبد اللَّه التستري (١)، وعمرو بن عثمان المكي (٢)، والحارث المحاسبي، ومحمد بن خفيف الشيرازي (٣)، وغير هؤلاء. وكُتُبُ أهل الآثار مملوءة بالنقل عن السلف والأئمة لِمَا يوافق قول أهل الإثبات، ولم يُنقل عن أحد منهم حَرفٌ واحدٌ صحيحٌ يوافق قول النفاة، فإذا كان سلف الأئمة وأئمتها وأفضل قرونها متفقين على قول أهل الإثبات، فكيف يقال: "ليس هذا إلا قول الكرامية والحنبلية"؟، ومن المعلوم أن ظهور قول أهل الإثبات قبل زمن أحمد بن حنبل كان أعظم من ظهوره في هذا الزمان، فكيف يضاف ذلك إلى أتباعه؟. وأيضًا فعبد اللَّه بن سعيد بن كلاب، والحارث المحاسبي، وأبو العباس القلانسي، وأبو الحسن بن مهدي الطبري، وعامة قدماء الأشعرية يقولون: إن اللَّه بذاته فوق العرش، ويردون على النفاة غاية الرد، وكلامهم في ذلك كثير مذكور في غير هذا الموضع. والمقصود هنا التنبيه على بطلان ما يعارض به النفاة من الحجج العقلية، وأما النفي فلم يكن يُعرف إلا عن الجهمية كالمعتزلة ونحوهم، ومن وافقهم من الفلاسفة، وإلا فالمنقول عن أكثر الفلاسفة هو قول أهل الإثبات، كما نقله ابن رشد الحفيد عنهم، وهو من أعظم الناس انتصارًا لهم، وسلوكًا لطريقتهم، لا سيَّما لأرسطو وأتباعه، كما أنه يميل إلى القول بقدم العالم أيضًا. الثاني: من أجوبة قوله: "لو كان بديهيًا لامتنع اتفاق الجمع العظيم على إنكاره، وهم ما سوى الحنابلة والكرامية". هو أن يقال: لم يُطْبِق على ذلك إلا من أخذه بعضهم عن بعض، كما اخذ النصارى دينهم بعضهم عن بعض، وكذلك اليهود والرافضة وغيرهم. _________ (١) أبو محمد سهل بن عبد اللَّه بن يونس بن عيسى بن عبد اللَّه بن رفيع التستري الصالح المشهور؛ لم يكن له في وقته نظير في المعاملات والورع؛ وكان صاحب كرامات، ولقي الشيخ ذا النون المصري بمكة، وكان سبب سلوكه هذا الطريق خاله محمد بن سوار، توفي سنة ٢٨٣ هـ. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ٤٢٩) والسير للذهبي (١٣/ ٢٣٠) والتاريخ له (٦/ ٧٥٦). (٢) الإمام الرباني شيخ الصوفية الزاهد عمرو بن عثمان بن بنِ كُرَبِ بنِ غُصَصٍ، أبو عبد اللَّه المكي، كان من مشايخ الصوفية، سكن بغداد حتى مات بها، وحدث وله مصنفات في التصوف، توفي سنة ٢٩٧ هـ. انظر: تاريخ الخطيب (١٤/ ١٣٦) والسير للذهبي (١٤/ ٥٧). (٣) الشيخ الإمام العارف الفقيه القدوة ذو الفنون شيخ إقليم فارس محمد بن خفيف بن إسْكفشَار الضبي الشيرازي أبو عبد اللَّه الصوفي، شيخ المشايخ وذو القدم الراسخ في العلم والدين كان سيدا جليلا وإماما حفيلا، توفي سنة ٣٧١ هـ. انظر: تاريخ ابن عساكر (٥٢/ ٤٠٥) والسير للذهبي (١٦/ ٣٤٢) والتاريخ له (٨/ ٣٦٥).

стр. 250

فأما أهل الفِطَر التي لم تُغيَّر فلا ينكرون هذا العلم، وإذا كان كذلك فأهل المذاهب الموروثة لا يمتنع إطباقهم على جحد العلوم البديهية، فإنه ما من طائفة من طوائف الضلال -وإن كثرت- إلا وهي مجتمعة على جحد بعض العلوم الضرورية. الثالث: أن يقال: ما من طائفة من طوائف الكلام والفلسفة إلا وجمهور الناس يقولون: "إنهم جحدوا العلوم الضرورية". فالقائلون بأن الممكن قد يترجح أحد طرفيه بلا مرجح من القادر أو غيره، يقول جمهور العقلاء: إنهم جحدوا العلوم الضرورية. والقائلون بأن الأجسام لا تبقى والأعراض لا تبقى، يقول جمهور الناس: إنهم جحدوا العلوم الضرورية. والقائلون بأن الأصوات المتعاقبة تكون قديمة أزلية الأعيان باقية، وأن الأصوات المسموعة من الآدميين هي قديمة، يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلم الضروري. والقائلون بأن الكلام هو معنى واحد: هو الأمر بكل ما أمر به، والخبر عن كل ما أخبر به، وأنه وإن عبر عنه بالعربية كان هو القرآن، وإن عبر عنه بالعبرية كان هو التوراة، يقول جمهور العقلاء: إنهم جحدوا العلم الضروري. والقائلون بأن العالمِ هو العِلم والمعلوم، والعاقل هو العَقل والمعقول، والعاشق هو العشق والمعشوق، واللذة هي الملتذ، والعلم هو القدرة، والقدرة هي الإرادة، يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلوم الضرورية. والقائلون بأن الوجود الواجب وجود مطلق بشرط الإطلاق أو لا بشرط، يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلوم الضرورية. والقائلون بأن النفس لا تدرِك إلا الكليات دون الجزئيات، يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلم الضروري. والقائلون بأن كل موجود يجوز أن تتعلق به الإدراكات الخمسة، وأن الصوت يُرى، والطعم يُسمع، واللون يُشم، يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلم الضروري. والقائلون بأنه يحدث إرادة لا في محل، أو يحدث فناء لا في محل، يقول جمهور العقلاء: أن فساد قولهم معلوم بالضرورة. والقائلون بأن الإرادة تحدُث في الإنسان من غير سبب يوجب حدوثها، مما يقول جمهور العقلاء: إن فساد قولهم معلوم بالضرورة.
следующие страницы →