Полный текст (3 288 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
على التفصيل، بل نفوض علمها إلى اللَّه، وهو الذي قررناه في تفسير قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] وهذا المذهب هو الذي نختاره ونقول به ونعتمد عليه" (١).
وجعل الرازي القول بنفي الجهة المتسلزمة للعلو والفوقية أمرًا بدهيًا اتفق عليه العقلاء سوى من شذ عنهم، ولم يشذ عن جميع العقلاء إلا فريقان وهم الحنابلة والكرامية.
قال الرازي: "إن العلوم البديهية لا يجوز وقوع الاختلاف فيها للجميع العظيم، فلو كان وقوع هذه المقدمة بديهيًا لامتنع إطباق الجمع العظيم على إنكاره، ونرى جمهور الأذكيا من العقلاء متفقين على بطلان هذه المقدمة؛ فإن إثبات الجهة للَّه تعالى لم يقل به إلا الحنبلية والكرامية، وأما كل من سواهم فهم متفقون على أن ذاته منزه عن الاختصاص بالحيز والجهة، فظهر أن هذه المقدمة ليس بديهية" (٢).
وقد أخطأ الرازي في ذلك القول خطأً عظيمًا، وجَهِل ما كان عليه سلفُ الأمة وأئمتُها من إثبات الرؤية في الآخرة إثباتًا حقيقيًا بالأبصار عيانًا، وقد بيَّن ابن تيمية خطأ الرازي في ذلك وانحرافَه عن منهج الأنبياء والمرسلين، وتحريفَه لكلام رب العالمين.
قال ابن تيمية: "بل خصومه في هذا الباب جميع الأنبياء والمرسلين وجميع الصحابة والتابعين، وجميع أئمة الدين من الأولين والآخرين، وجميع المؤمنين الباقين على الفطرة الصحيحة -دع ما قد تنازع فيه من ذلك- فإنهم لا يطلقون على اللَّه هذا الإطلاق الذي ذكره، وإن كان فيهم وفي سائر الطوائف من نص بالصفات التي يطلق عليها هو وأمثاله أنها أجزاء وأبعاض، لكنهم لا يطلقون الألفاظ الموهمة المجملة إلا إذا نص الشرع، فأما ما لم يرد به الشرع فلا يطلقونه إلا إذا تبين معناه الصحيح الموافق للشرع، ونفي المعنى الباطل وفي لفظ الأجزاء، والأبعاض إجمال وإيهام كما سنذكره إن شاء اللَّه، وما علمت أحدا من الحنابلة من يطلقه من غير بيان، بل كتبهم مصرحة بنفي ذلك المعنى الباطل، ومنهم من لا يتكلم في ذلك بنفي ولا إثبات.
فلا ريب أن الكتب الموجودة بأيدي الناس، تشهد بأن جميع السلف من القرون الثلاثة كانوا على خلاف ما ذكره، وأن الأئمة المتبوعين عند الناس والمشايخ المقتدى بهم، كانوا على خلاف ما ذكره، وهذه أئمة المالكية، والشافعية، والحنفية، وأهل الحديث، والصوفية على ذلك، بل أئمة الصفاتية من الكلابية والكرامية والأشعرية
_________
(١) انظر: تفسير الرازي (١٤/ ٢٦٩).
(٢) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ١٥٢).
стр. 247
على خلاف ما قاله، فهذه كتب ابن كلاب (١) إمام طائفته، ثم الحارث المحاسبي (٢) ونحوه، ثم أبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه مثل أبي عبد اللَّه بن مجاهد (٣) وأبي الحسن الطبري (٤)، وأبي العباس القلانسي (٥)، وغيره -كما سيأتي إن شاء اللَّه حكاية قوله وقول غيره- والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي علي بن شاذان (٦) وغيرهم، كلهم يقولون: بإثبات العلو للَّه على العرش واستوائه عليه دون ما سواه، ويضللون من يفسر ذلك بالاستيلاء والقهر ونحوه - كما قد حكينا بعض أقوالهم في جواب الاستفتاء، وفي جواب هذه المسائل الموردة عليه وذكرنا أن أبا الحسن الأشعري ذكر أن هذا قول جميع أهل السنة والحديث، وبه يقول الرازي وهو قد حكي أيضًا في كتبه ذلك عن بعض أئمة أصحابه، وذكر للأشعري نفسه قولين -وقد تكلمنا على ذلك- فكيف يزعم أن خصومه إنما هم الكرامية والحنابلة! بل لم يوافقه إلا فريق قليل من أهل القبلة" (٧).
_________
(١) رأس المتكلمين بالبصرة في زمانه، أبو محمد عبد اللَّه بن سعيد بن كلاب القطان، البصري، صاحب التصانيف في الرد على المعتزلة، وربما وافقهم، وقد كان باقيا قبل الأربعين ومائتين. انظر: السير للذهبي (١١/ ١٧٤) والتاريخ له (٥/ ٩٨١).
(٢) الحارث بن أسد أبو عبد اللَّه المحاسبي، شيخ الجنيد، قال الخطيب: للحارث كتب كثيرة في الزهد، وفي أصول الديانات، والرد على المخالفين من المعتزلة والرافضة وغيرهما، وكتبه كثيرة الفوائد جمة المنافع. وقال الذهبي: وقد كان الحارث كبير الشأن قليل المِثْل، لكنه دخل في شيء يسير من الكلام، فنقموه عليه، وقال: وورد أن الإمام أحمد أثنى على حال الحارث من وجه، وحذر منه. وحذر من كتبه أبو زرعة الرازي، توفي سنة ٢٤٣ هـ. انظر: تاريخ الخطيب (٩/ ١٠٤) وطبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح (١/ ٤٣٩) والسير للذهبي (١٢/ ١١٢) والتاريخ له (٥/ ١١٠٣).
(٣) محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد أبو عبد اللَّه الطائي المتكلم صاحب أبي الحسن الأشعري وهو من أهل البصرة، قدم بغداد، وعليه درس القاضي أبو بكر محمد ابن الطيب الكلام، وله كتب حسان في الأصول، كان ثخين الستر، حسن التدين، جميل الطريقة. انظر: تاريخ الخطيب (٢/ ٢٠٠).
(٤) علي بن محمد بن مهدي، أبو الحسن الطبري المتكلم الأصولي، رحل في طلب العلم، وصحب أبا الحسن الأشعري بالبصرة مدة، وتخرج به، وصنف التصانيف، وتبحر في علم الكلام، وهو مؤلف كتاب مشكل الأحاديث الواردة في الصفات. انظر: التاريخ للذهبي (٨/ ٤٩٢) وتبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص ١٩٥) وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٣/ ٤٦٦).
(٥) أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسي الرازي، من شيوخ الإمام أبي أحمد الحاكم محدث خراسان، ومعاصر لأبي علي محمد ابن عبد الوهاب الثقفي شيخ خراسان المتوفي سنة ٣٢٨ هـ، زادت تصانيفه في الكلام على مائة وخمسين كتابًا، وقد سلك طريقة ابن كلاب ووافقه. انظر: تاريخ ابن عساكر (١٢/ ٣٩٩) وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (١/ ٦٩) وإيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل لابن جماعة (ص ٢٣).
(٦) أبو علي الحسن بن أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان. تأتي ترجمته في الحديث (رقم ١٥٧).
(٧) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (١/ ٢٣١ - ٢٣٥).
стр. 248
وقال أيضًا: "أكثر طوائف العقلاء يقولون بالعلو، وبامتناع وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، وأما كلام من نقل مذهب السلف والأئمة فأكثر من أن يمكن سطره. . . وعن جرير بن عبد الحميد الرازي أنه قال: "كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم، وإنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء إله".
وجميع الطوائف تنكر هذا، إلا من تلقى ذلك عن الجهمية، كالمعتزلة ونحوهم من الفلاسفة، فأما العامة من جميع الأمم فلا يستريب اثنان في أن فطرهم مقرة بأن اللَّه فوق العالم، وأنهم إذا قيل لهم: "لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، ولا يقرب إليه شيء، ولا يقرب هو من شيء، ولا يحجب العباد عنه شيء، ولا تُرفع إليه الأيدي، ولا تتوجه القلوب إليه طالبة له في العلو" فإن فطرهم تنكر ذلك، وإذا أنكروا هذا في هذه القضية المعينة التي هي المطلوب، فإنكارهم لذلك في القضايا المطلقة العامة التي تتناول هذا وغيره أبلغ وأبلغ، وأما خواص الأمم فمن المعلوم أن قول النفاة لم يُنقل عن نبي من الأنبياء، بل جميع المنقول عن الأنبياء موافق لقول أهل الإثبات، وكذلك خيار هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم ينقل عنهم إلا ما يوافق قول أهل الإثبات، وأول من ظهر عنه قول النفاة هو الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وكانا في أوائل المائة الثانية فقتلهما المسلمون، وأما سائر أئمة المسلمين، مثل: مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، فالكتب مملوءة بالنقل عنهم لِمَا يوافق قول أهل الإثبات، وكذلك شيوخ أهل الدين، مثل: الفضيل بن عياض، وبشر الحافي (١)، وأحمد بن أبي الحواري (٢)،
_________
(١) بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد اللَّه أبو نصر المعروف بالحافي مروزي، سكن بغداد، وهو ابن عم علي بن خشرم، وكان ممن فاق أهل عصره في الورع والزهد، وتفرد بوفور العقل، وأنواع الفضل، وحسن الطريقة، واستقامة المذهب، وعزوف النفس، وإسقاط الفضول، توفي سنة ٢٢٧ هـ. انظر: تاريخ الخطيب (٧/ ٥٤٥).
(٢) أحمد بن عبد اللَّه بن ميمون أبو الحسن بن أبي الحَواري ثقة زاهد د ق. التقريب لابن حجر (رقم ٦١).
стр. 249
وسهل بن عبد اللَّه التستري (١)، وعمرو بن عثمان المكي (٢)، والحارث المحاسبي، ومحمد بن خفيف الشيرازي (٣)، وغير هؤلاء.
وكُتُبُ أهل الآثار مملوءة بالنقل عن السلف والأئمة لِمَا يوافق قول أهل الإثبات، ولم يُنقل عن أحد منهم حَرفٌ واحدٌ صحيحٌ يوافق قول النفاة، فإذا كان سلف الأئمة وأئمتها وأفضل قرونها متفقين على قول أهل الإثبات، فكيف يقال: "ليس هذا إلا قول الكرامية والحنبلية"؟، ومن المعلوم أن ظهور قول أهل الإثبات قبل زمن أحمد بن حنبل كان أعظم من ظهوره في هذا الزمان، فكيف يضاف ذلك إلى أتباعه؟.
وأيضًا فعبد اللَّه بن سعيد بن كلاب، والحارث المحاسبي، وأبو العباس القلانسي، وأبو الحسن بن مهدي الطبري، وعامة قدماء الأشعرية يقولون: إن اللَّه بذاته فوق العرش، ويردون على النفاة غاية الرد، وكلامهم في ذلك كثير مذكور في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا التنبيه على بطلان ما يعارض به النفاة من الحجج العقلية، وأما النفي فلم يكن يُعرف إلا عن الجهمية كالمعتزلة ونحوهم، ومن وافقهم من الفلاسفة، وإلا فالمنقول عن أكثر الفلاسفة هو قول أهل الإثبات، كما نقله ابن رشد الحفيد عنهم، وهو من أعظم الناس انتصارًا لهم، وسلوكًا لطريقتهم، لا سيَّما لأرسطو وأتباعه، كما أنه يميل إلى القول بقدم العالم أيضًا.
الثاني: من أجوبة قوله: "لو كان بديهيًا لامتنع اتفاق الجمع العظيم على إنكاره، وهم ما سوى الحنابلة والكرامية".
هو أن يقال: لم يُطْبِق على ذلك إلا من أخذه بعضهم عن بعض، كما اخذ النصارى دينهم بعضهم عن بعض، وكذلك اليهود والرافضة وغيرهم.
_________
(١) أبو محمد سهل بن عبد اللَّه بن يونس بن عيسى بن عبد اللَّه بن رفيع التستري الصالح المشهور؛ لم يكن له في وقته نظير في المعاملات والورع؛ وكان صاحب كرامات، ولقي الشيخ ذا النون المصري بمكة، وكان سبب سلوكه هذا الطريق خاله محمد بن سوار، توفي سنة ٢٨٣ هـ. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ٤٢٩) والسير للذهبي (١٣/ ٢٣٠) والتاريخ له (٦/ ٧٥٦).
(٢) الإمام الرباني شيخ الصوفية الزاهد عمرو بن عثمان بن بنِ كُرَبِ بنِ غُصَصٍ، أبو عبد اللَّه المكي، كان من مشايخ الصوفية، سكن بغداد حتى مات بها، وحدث وله مصنفات في التصوف، توفي سنة ٢٩٧ هـ. انظر: تاريخ الخطيب (١٤/ ١٣٦) والسير للذهبي (١٤/ ٥٧).
(٣) الشيخ الإمام العارف الفقيه القدوة ذو الفنون شيخ إقليم فارس محمد بن خفيف بن إسْكفشَار الضبي الشيرازي أبو عبد اللَّه الصوفي، شيخ المشايخ وذو القدم الراسخ في العلم والدين كان سيدا جليلا وإماما حفيلا، توفي سنة ٣٧١ هـ. انظر: تاريخ ابن عساكر (٥٢/ ٤٠٥) والسير للذهبي (١٦/ ٣٤٢) والتاريخ له (٨/ ٣٦٥).
стр. 250
فأما أهل الفِطَر التي لم تُغيَّر فلا ينكرون هذا العلم، وإذا كان كذلك فأهل المذاهب الموروثة لا يمتنع إطباقهم على جحد العلوم البديهية، فإنه ما من طائفة من طوائف الضلال -وإن كثرت- إلا وهي مجتمعة على جحد بعض العلوم الضرورية.
الثالث: أن يقال: ما من طائفة من طوائف الكلام والفلسفة إلا وجمهور الناس يقولون: "إنهم جحدوا العلوم الضرورية". فالقائلون بأن الممكن قد يترجح أحد طرفيه بلا مرجح من القادر أو غيره، يقول جمهور العقلاء: إنهم جحدوا العلوم الضرورية.
والقائلون بأن الأجسام لا تبقى والأعراض لا تبقى، يقول جمهور الناس: إنهم جحدوا العلوم الضرورية.
والقائلون بأن الأصوات المتعاقبة تكون قديمة أزلية الأعيان باقية، وأن الأصوات المسموعة من الآدميين هي قديمة، يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلم الضروري.
والقائلون بأن الكلام هو معنى واحد: هو الأمر بكل ما أمر به، والخبر عن كل ما أخبر به، وأنه وإن عبر عنه بالعربية كان هو القرآن، وإن عبر عنه بالعبرية كان هو التوراة، يقول جمهور العقلاء: إنهم جحدوا العلم الضروري.
والقائلون بأن العالمِ هو العِلم والمعلوم، والعاقل هو العَقل والمعقول، والعاشق هو العشق والمعشوق، واللذة هي الملتذ، والعلم هو القدرة، والقدرة هي الإرادة، يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلوم الضرورية.
والقائلون بأن الوجود الواجب وجود مطلق بشرط الإطلاق أو لا بشرط، يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلوم الضرورية.
والقائلون بأن النفس لا تدرِك إلا الكليات دون الجزئيات، يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلم الضروري.
والقائلون بأن كل موجود يجوز أن تتعلق به الإدراكات الخمسة، وأن الصوت يُرى، والطعم يُسمع، واللون يُشم، يقول جمهور العقلاء: إنهم خالفوا العلم الضروري.
والقائلون بأنه يحدث إرادة لا في محل، أو يحدث فناء لا في محل، يقول جمهور العقلاء: أن فساد قولهم معلوم بالضرورة.
والقائلون بأن الإرادة تحدُث في الإنسان من غير سبب يوجب حدوثها، مما يقول جمهور العقلاء: إن فساد قولهم معلوم بالضرورة.
стр. 251
والقائلون بأنه حي عليم قدير، من غير حياة ولا علم ولا قدرة، مما يقول جمهور العقلاء: إن فساد قولهم معلوم بالضرورة.
والقائلون بأن النبي ﷺ نص على عليٍّ بالخلافة نصًا جليًا أشاعه بين المسلمين، فكتموه ولم يظهروه، يقول جمهور العقلاء: إن قولهم معلوم الفساد بالضرورة.
والقائلون بأن للأمة إمامًا معصومًا عمره سنتان -أو ثلاث أو أربع- دخل السرداب من أكثر من أربعمائة سنة، أو أن عليًا لم يمت، وأمثال ذلك، يقول جمهور الناس: إن قولهم معلوم الفساد بالضرورة.
وكذلك قول القائلين بأن الأعراض لا تبقي زمانين، مما يقول جمهور العقلاء: إن فساده معلوم بالضرورة.
وكذلك من يقول: إن النبي ﷺ كان يسمي المنافقين مؤمنين، ويجعل إيمانهم كإيمان المؤمنين غير المنافقين، وهم مع ذلك مخلدون في النار، مما يعلم جمهور العقلاء المسلمين فساده بالاضطرار من دين الإسلام.
وكذلك القائلون بأن القرآن العزيز زيد فيه زيادات، ونقص منه أشياء، مما يعلم بالضرورة امتناعه في العادة.
وقول النصارى: إن الكلمة اتحدت بالمسيح، وإنها ليس هي الآب الجامع للأقانيم، وهي مع ذلك الرب الذي يخلق ويرزق، وهي جوهر، والجوهر عندهم واحد ليس إِلا الآب، مما يقول الناس: إنه معلوم الفساد بالضرورة. ومثل هذا إذا تتبعناه كثير.
فوجود الأقوال التي يقول جمهور الناس: إنها معلومة الفساد بالضرورة في قول طوائف كثيرة من الناس أكثر من أن تُستوعب، فكيف يقال: "لا يجوز إطباق الجمع الكثير على إنكار ما علم بالبديهة"؟
الوجه الرابع: أن يُقال: هذا معارض بها هو أبلغ منه، فإن الجموع الكثيرة يقولون: إنهم يجدون في أنفسهم عند الضرورة معني يطلب العلو في توجه قلوبهم إلى اللَّه ودعائه، وأنه يمتنع في عقولهم وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه، وأن هذا معلوم نهم بالضرورة، فإن امتنع اتفاق الجمع العظيم على مخالفة البديهة، فتجب الحجة المثبِتة، فيبطل نقيضها، وإن لم تمتنع بطلت حجة النفاة، فيثبت بطلانها على التقديرين" (١).
٤ - أن الذي ورد عن سلف الأمة وأئمتها هو إثبات الجهة، وهي جهة العلو والفوقية للَّه تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وهو عكس ما ادعوه من نفي الجهة، وعكس ما زعموه من النهي عن إطلاقها أو القول بها.
_________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٦/ ٢٥٠ و ٥٦٥ - ٢٧٢) باختصار وتصرف.
стр. 252
قال أبو عبد اللَّه القرطبي: "كان السلف الأول ﵃ لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها للَّه تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته. قال مالك ﵀: الاستواء معلوم -يعني في اللغة- والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة ﵂. وهذا القدر كاف، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء" (١).
* * *
_________
(١) انظر: تفسير القرطبي (٧/ ٢١٩ - ٢٢٠) باختصار.
стр. 253
المسألة الرابعة: الإيمان بالقدر
وفيها أربعة فصول:
الفصل الأول: القول في الإيمان بالقدر.
الفصل الثاني: شبه القدرية في باب القدر، والرد عليهم.
الفصل الثالث: شبه الجبرية في باب القدر، والرد عليها.
الفصل الرابع: شبه الأشاعرة في باب القدر، والرد عليها.
الفصل الخامس: شبه الماتريدية في باب القدر، والرد عليها.
* * *
стр. 254
الفصل الأول: القول في الإيمان بالقدر.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: منهج المؤلف في باب القدر.
المطلب الثاني: مذهب أهل السنة والجماعة في باب القدر.
المطلب الثالث: الفِرَق المخالفة في باب القدر.
* * *
стр. 255
المطلب الأول: منهج المؤلف في باب القدر.
المؤلف رحمه اللَّه تعالى من أهل السنة الذين يؤمنون بالقدر خيره وشره، وقد عقد بابًا لذلك وهو: باب قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر].
وأورد فيه حديث عبد اللَّه بن عمرو قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ : يقول: "كتب اللَّه مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. قال: وكان عرشه على الماء" (١).
* * *
_________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (رقم ٢٦٥٣) والإمام أحمد في مسنده (رقم ٦٥٧٩) وعبد بن حميد في مسنده كما المنتخب (رقم ٣٤٣) والترمذي في سننه (رقم ٢١٥٦) والمخلص في المخلصيات (رقم ٢٥٨٨) وعنه المصنف، وغيرهم.
стр. 256
المطلب الثاني: مذهب أهل السنة والجماعة في باب القدر
الإيمان بالقدر أصل من أصول الإيمان وركن من أركانه الستة التي لا يتم إيمان العبد إِلا بها.
قال ابن تيمية: "مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب وغيره ما دل عليه الكتاب والسنة وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان: وهو أن اللَّه خالق كل شيء وربه ومليكه وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير أفعال العباد. وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ فلا يكون في الوجود شيء إِلا بمشيئته وقدرته لا يمتنع عليه شيء شاءه؛ بل هو قادر على كل شيء ولا يشاء شيئًا إِلا وهو قادر عليه. وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون وقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها وقد قدر اللَّه مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم: قدر آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وكتب ذلك وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء وقدرته على كل شيء ومشيئته لكل ما كان وعلمه بالأشياء قبل أن تكون وتقديره لها وكتابته إياها قبل أن تكون. . . وسلف الأمة وأئمتها متفقون أيضًا على أن العباد مأمورون بما أمرهم اللَّه به منهيون عما نهاهم اللَّه عنه ومتفقون على الإيمان بوعده ووعيده الذي نطق به الكتاب والسنة ومتفقون أنه لا حجة لأحد على اللَّه في واجب تركه ولا محرم فعله بل اللَّه الحجة البالغة على عباده. . . ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر وأن اللَّه خالق كل شيء وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأن العباد لهم مشيئة وقدرة يفعلون بمشيئتهم وقدرتهم ما أقدرهم اللَّه عليه مع قولهم إن العباد لا يشاءون إِلا أن يشاء اللَّه" (١).
ومعنى الإيمان بالقدر: الإيمان بأن اللَّه تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها أزلًا قبل إيجادها ثم أوجدها بقدرته، ومشيئته على وفْقِ ما علمه منها، وأنه كتبها في اللوح المحفوظ قبل إحداثها (٢).
فعن عمر بن الخطاب في سؤال جبريل ﵇ الرسول ﷺ عن الإيمان قال: "أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت".
_________
(١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٨/ ٤٤٩ - ٤٥٩) باختصار.
(٢) انظر: شرح العقيدة الواسطية لمحمد خليل الهراس (ص ٦٥) وشرح النووي على صحيح مسلم (١/ ١٥٤).
стр. 257
والإيمان بالقدر له أربعة مراتب وهي أركانه، ولا يتم الإيمان بالقدر إِلا بالإيمان بها كلها، فمن أقرَّ بها اكتمل إيمانه بالقدر، ومن انتقص واحدًا منها أو أكثر اختل إيمانه بالقدر.
والمراتب هي: العلم والكتابة و المشيئة والخلق (١).
الأدلة من الكتاب: دل الكتاب على في مواضع كثيرة منه على الإيمان بالقدر، ومنها:
قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر]. وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى] وقوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ [المرسلات] وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير]. وغيرها كثير جدًا من الآيات الكريمة التي تدل على هذا الركن العظيم من أركان الإيمان الستة.
الأدلة من السنة: ورد في السنة النبوية أيضًا أدلة كثيرة جدًا على الإيمان بالقدر، ومنها:
١ - حديث عبد اللَّه بن عمرو قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ : يقول: "كتب اللَّه مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. قال: وكان عرشه على الماء" (٢).
٢ - حديث عمر بن الخطاب حينما سأل جبريل رسول اللَّه ﷺ : قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: "أن تؤمن باللَّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"، قال: "صدقت" (٣).
٣ - حديث عبد اللَّه بن عمرو أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يؤمن المرء حتى يؤمن بالقدر خيره وشره" (٤).
٤ - حديث عبد اللَّه بن مسعود قال: حدثنا رسول اللَّه ﷺ وهو الصادق المصدوق: "أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا أو أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثله، ثم يكون مضغة مثله، ثم يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات، فيكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد. . . " (٥).
_________
(١) انظر: القضاء والقدر لعمر الأشقر (ص ٢٦) والتنبيهات اللطيفة لعبد الرحمن السعدي (ص ٩٠).
(٢) أخرجه مسلم (رقم ٢٦٥٣) والإمام أحمد (رقم ٦٥٧٩) وعبد بن حميد (رقم ٣٤٣) والترمذي (رقم ٢١٥٦) والمخلص في المخلصيات (رقم ٢٥٨٨) وعنه المصنف، وغيرهم.
(٣) أخرجه مسلم (رقم ٨) وأبو داود (رقم ٤٦٩٥) والترمذي (رقم ٢٦١٠ و ٢٦١٠) وغيرهم.
(٤) أخرجه الإمام أحمد (رقم ٦٧٠٣) وابنه عبد اللَّه في السنة (رقم ٩١٦) وابن بطة في الإبانة الكبرى (رقم ١٤٦٣) واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (رقم ١١٠٨) وغيرهم.
(٥) أخرجه البخاري (رقم ٧٤٥٤) ومسلم (رقم ٢٦٤٣) وغيرهما.
стр. 258
٥ - حديث أبي بن كعب حينما قال لابن الديلمي: "ولو أنفقت جبل أحد ذهبا في سبيل اللَّه، ما قبله اللَّه منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير ذلك، لدخلت النار، قال: فأتيت حذيفة، فقال لي مثل ذلك، وأتيت ابن مسعود، فقال لي مثل ذلك، وأتيت زيد بن ثابت، فحدثني عن النبي ﷺ مثل ذلك" (١). وهناك أدلة كثيرة جدا من السنة النبوية على الإيمان بالقدر خيره وشره، وفيما ذُكر كفاية وللَّه الحمد.
دليل الإجماع:
أجمع السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الإسلام على الإيمان بالقدر خيره وشره.
قال ابن عبد البر: "أما أهل السنة فمجتمعون على الإيمان بالقدر على ما جاء في هذه الآثار ومثله من ذلك وعلى اعتقاد معانيها وترك المجادلة فيها" (٢).
وقال ابن أبي زمنين: "قول أهل السنة: أن المقادير كلها خيرها وشرها حلوها ومرها من اللَّه فإنه خلق الخلق وقد علم ما يعملون وما إليه يصيرون، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع" (٣).
قال ابن القطان الفاسي: "وأجمعوا على أن الإقرار بالقدر مع الإيمان به واجب، وأجمعوا أنه تعالى قدر أفعال جميع الخلق وآجالهم وأرزاقهم قبل خلقه لهم، وأثبت في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم، وأجمعوا على أنه الخالق لجميع أفعال العباد وأرزاقهم والمُنشئ لجميع الحوادث وحده، لا خالق لشيء منها سواه. وأجمعوا على أن الخلق لا يقدرون على الخروج عما سبق به علم اللَّه فيهم وإرادته لهم" (٤).
وقال النووي: "قد تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر اللَّه " (٥).
دليل الفطرة: أن الخلق مفطورون على الإقرار بقدر اللَّه تعالى، وأنه تعالى الخالق لكل شيء، حتى أن المشركين مع أنهم انحرفوا عن عبادة اللَّه وحده إلا أنهم مقرون بالقدر قائلون بالاحتجاج به، إلا أنهم يحتجون به خطأً
_________
(١) أخرجه الإمام أحمد (رقم ٢١٥٨٩) وأبو داود (رقم ٤٦٩٩) وابن ماجه (رقم ٧٧) وعبد بن حميد (رقم ٢٤٧) وابن حبان (رقم ٧٢٧).
(٢) انظر: الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار لابن عبد البر (٨/ ٢٦٤).
(٣) انظر: أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ١٩٧).
(٤) انظر: الإقناع في مسائل الإجماع لابن القطان الفاسي (١/ ٥٤ - ٥٦).
(٥) انظر: شرح النووي تصحيح مسلم (١/ ١٥٥).
стр. 259
على شركهم، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ [النحل: ٣٥].
قال ابن تيمية: "وهؤلاء المشركون -المحتجون بالقدر على ترك ما أرسل اللَّه به رسله من توحيده والإيمان به- لو احتج به بعضهم على بعض في إسقاط حقوقه ومخالفة أمره لم يقبله منه، بل كان هؤلاء المشركون يذم بعضهم بعضا، ويعادي بعضهم بعضا، ويقاتل بعضهم بعضا على فعل ما يرونه تركًا لحقهم أو ظلمًا، فلما جاءهم رسول اللَّه ﷺ يدعوهم إلى حق اللَّه على عباده وطاعة أمره احتجوا بالقدر، فصاروا يحتجون بالقدر على ترك حق ربهم ومخالفة أمره بما لا يقبلونه ممن ترك حقهم وخالف أمرهم" (١).
ومع ذلك لم يقل أحد منهم بنفي القدر مطلق، بل أثبتوه في كثير من أقوالهم وأشعارهم.
قال الإمام اللغوي أحمد بن يحيى ثعلب: "ولا أعلم عربية قدرية، قيل له: يقع في قلوب العرب القول بالقدر؟ قال: معاذ اللَّه، ما في العرب إلا مثبت القدر خيره وشره، أهل الجاهلية والإسلام، ذلك في أشعارهم وكلامهم كثيرٌ بيِّنٌ، ثم أنشد:
تجري المقادير على غرز الإبر … ما تنفذ الإبرة إلا بقدر
قال: وأنشد لامرئ القيس: إن الشقاء على الأشقينِ مكتوبُ" (٢).
دليل العقل: أن العقل السليم كما أقرَّ بأن اللَّه هو الخالق المالك المدبر، فإنه كذلك يُقرُّ بأن اللَّه المقدر لكل شيء الذي لا يقع شيء في الوجود إلا بمشيئته وإرادته، وهذا هو ما استدل به موسي ﵇ كما قال تعالى عنه: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه]، فاللَّه تعالى هو الذي خلق الخلق فسواه، وقدر فهداه، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى]، وهو تعالى على كل شيء قدير، وعلمه محيط بكل شيء قال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
* * *
_________
(١) منهاج السنة لابن تيمية (٣/ ٥٧).
(٢) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٤/ ٧٧٩ - ٧٨٠).
стр. 260
المطلب الثالث: الفِرَق المخالفة في باب القدر.
خالف في باب القدر ثلاث فرق وهي كما يلي:
الأولى: القدرية من المعتزلة والرافضة واليهود: وهم نفاة القدر القائلين بأن العبد يخلق فعل نفسه، وأنه مسقل بإرادته وقدرته، وهي منفصلة عن مشيئة اللَّه وقدرته (١).
قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: "اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم، وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن اللَّه أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها ولا محدث سواهم، وأن من قال أن اللَّه سبحانه خالقها ومُحدثها فقد عظُم خطؤه، وأحالوا حدوث فعل من فاعلين" (٢).
وقال أيضًا: "أفعال العباد غير مخلوقة فيهم، وأنهم المحدثون لها" (٣).
الثانية: الجبرية من الجهمية وغيرهم، وهم الذين نفوا قدرة العبد ومشيئته، وأن كل ما يفعله العبد لا قدرة ومشيئة له فيه وإنما هو بإرادة اللَّه تعالى ومشيئته، فهو مجبور عليه غير مختار في فعله (٤).
الثالثة: الأشاعرة ومن وافقهم، قالوا: بأن أفعال العباد خلق للَّه تعالى وكسب للعباد، فاللَّه خالقٌ والعبد كاسبٌ، والعبد إذا توجهت إرادته نحو عمل ما، خلق اللَّه قدرة العبد وخلق معها الفعل فقدرة العبد تختص بكسب الفعل، وقدرة اللَّه تختص بخلق الفعل، ومناط التكليف والثواب والعقاب على الكسب.
فمذهبهم أن أفعال العباد مخلوقة للَّه مقدورة له، وليس للإنسان فيها غير اكتسابها، فالفاعل الحقيقي عندهم هو اللَّه، وما الإنسان إلا مكتسب للفعل الذي أحدثه اللَّه على يد هذا الإنسان.
قال أبو الحسن الأشعري: "ومعنى الكسب أن يكون الفعل بقدرة محدثة فكل من وقع منه الفعل بقدرة قديمة فهو فاعل خالق ومن وقع منه بقدرة محدثة فهو مكتسب، وهذا قول أهل الحق" (٥).
وقال الآمدي: "ذهب أهل الحق إلى أن أفعال العباد مضافة إليهم بالاكتساب وإلى اللَّه تعالى بالخلق والاختراع، وأنه لا أثر للقدرة الحادثة فيها أصلًا" (٦).
_________
(١) انظر: الصفدية لابن تيمية (٢/ ١٠٧).
(٢) انظر: المغني للقاضي عبد الجبار المعتزلي (٨/ ٣).
(٣) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٣٢٣).
(٤) انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٥) والنبوات لابن تيمية (١/ ٤٦١ - ٤٦٢ و ٥٨٠).
(٥) انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (ص ٥٣٩).
(٦) انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص ١٨٢) باختصار.
стр. 261
وقال الجويني في الإرشاد: "والوجه القطع بأن القدرة الحادثة لا تؤثر في مقدورها أصلًا، فالإرادة المتعلقة بفعل العبد لا تؤثر في متعلقها" (١).
وقال الشهرستاني: "إن اللَّه تعالى أجرى سنته بأن يحقق عقيب القدرة الحادثة أو تحتها أو معها: الفعل الحاصل إذا أراده العبد وتجرد له، ويسمى هذا الفعل كسبة فيكون خلق من اللَّه تعالى إبداعًا وإحداثًا، وكسبًا من العبد حصولًا تحت قدرته" (٢).
وقال الجرجاني في شرح المواقف: "أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة اللَّه تعالى وحدها، وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل اللَّه سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارًا، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنًا لهما فيكون فعل العبد مخلوقًا للَّه إبداعًا وإحداثًا، ومكسوبًا للعبد، والمراد بكسبه إياه: مقارنته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلًا له" (٣).
قال البيجوري: "وقد عرفوا الكسب بتعريفين، الأول: أنه ما يقع به المقدور من غير صحة انفراد القادر به، وهو العبد ينفرد بذلك المقدور، وبل ومن غير صحة المشاركة، إذ لا تأثير منه بوجه ما، وإنما له مجرد المقارنه، والخالق الحق منفرد بعموم التأثير. والثاني: ما يقع به المقدور في محل قدرته، وبالجملة فليس للعبد تأثير ما، فهو مجبور باطنًا، مختار ظاهرًا" (٤).
وقال أيضًا: "ومعنى قولهم: من غير صحة إنفراد القادر به، من غير تجويز كون العبد منفردًا بفعل ذلك المقدور، بل ومن غير صحة كون العبد مشاركًا في فعل ذلك المقدور؛ إذ لا تأثير للعبد بوجهٍ ما، لا على الاستقلال ولا على المشاركة، واللَّه هو المنفرد بعموم التأثير، وليس للعبد إلا مجرد المقارنة وتوجه القصد" (٥).
وقال الدردير: "إن قدرته تعالى أبرزت الأشياء على طِبْق إرادته من العدم إلى الوجود، وهذا الإبراز هو المسمى بالإيجاد والاختراع، وهو المراد بتعلُّق القدرة القديمة، وأما قدرتنا فقد تعلقت ببعض الأفعال، وهي الأفعال الاختيارية، أي: التي لنا فيها الاختيار والميل والقصد من غير إيجاد واختراع، وهذا التعلق على طِبْقِ
_________
(١) انظر: الإرشاد للجويني (ص ٢١٠) باختصار.
(٢) انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٩٧).
(٣) انظر: شرح المواقف للجرجاني (٨/ ١٦٣).
(٤) انظر: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد لإبراهيم البيجوري (ص ١٧٦) باختصار.
(٥) انظر: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد للبيجوري (ص ٢١٩).
стр. 262
إرادتنا هو المسمي: بالكسب والاكتساب، فأفعالنا الاختيارية قد تعلقت بها القدرتان، القدرة القديمة، والقدرة الحادثة، وليس للقدرة الحادثة تأثير، وإنما لها مجرد مقارنة" (١).
الرابعة: الماتريدية قالوا: بأن أفعال العباد خلق اللَّه تعالى وكسب للعباد، فاللَّه خالقٌ والعبد كاسبٌ (٢).
إلا أنهم لهم في تعريف الكسب مذهبا مختلفًا، فهم يثبتون أن قدرة اللَّه تعالى تؤثر في أصل الفعل، وقدرة العبد تؤثر في صفة الفعل، وتأثير العبد هذا هو الكسب عندهم.
فقالوا في تعريفه: "أصل الفعل بقدرة اللَّه، والاتصاف بكونه طاعة أو معصية بقدرة العبد" (٣).
ومعنى هذا عندهم أن اللَّه تعالى لا يخلق فعل العبد إلا بعد أن يريده العبد ويختاره، فقالوا: "أن ما يخترعه فيه باختيار العبد ذلك، وله عليه قدرة، فأثرُ تَعلُّقِ قدرتِهِ به كونه فعلًا له، فيكون اللَّه تعالى مخترعًا فعل العبد باختياره، لولا اختيارُ العبدِ وقصدُه واكتسابُه لما خلقه اللَّه تعالى فعلًا له" (٤).
وقالوا أيضًا: "فعلم من وجدان ما يدل على الاختيار ووجدان أن اختيار العبد ليس مؤثرًا في وجود الحالة المذكورة أنه جرت عادته تعالى أنا متى قصدنا الحركة الاختيارية قصدًا جازمًا من غير اضطرار إلى القصد يخلق اللَّه عقيبه الحالة المذكورة الاختيارية، وإن لم نقصد لم يخلق" (٥).
وقولهم السابق يثبت أن للعبد إرادة جزئية غير مخلوقة، وأنها راجعة إليهم دون اللَّه تعالى، واللَّه لا يخلق فعل العبد إلا بعد أن يريده العبد ويختاره، وهذا هو نفس قول المعتزلة.
* * *
_________
(١) انظر: شرح الخريدة البهية للدردير (ص ٦١ - ٦٢).
(٢) انظر: كتاب التوحيد لأبي منصور الماتريدي (ص ٢٢٥ - ٢٢٦).
(٣) انظر: إشارات المرام من عبارات الإمام أبي حنيفة النعمان للقاضي كمال الدين البياضي (ص ٢٥٦).
(٤) انظر: تبصرة الأدلة في أصول الدين لأبي المعين النسفي (ص ٢٢٥ - ٢٢٦).
(٥) انظر: إشارات المرام للقاضي كمال الدين البياضي (ص ٢٥٨ - ٢٥٩).
стр. 263
الفصل الثاني: شبه القدرية في باب القدر، والرد عليهم.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: شبه القدرية النقلية في باب القدر، والرد عليهم.
المطلب الثاني: شبه القدرية العقلية في باب القدر، والرد عليهم.
* * *
стр. 264
المطلب الأول: شبه القدرية النقلية في باب القدر، والرد عليهم.
استدلوا بأدلة عديدة من النقل من أشهرها ما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣].
قالوا: "نفى اللَّه التفاوت عن خلقه، فلا يخلو: إما أن يكون المراد بالتفاوت من جهة الخِلقة أو من جهة الحكمة، لا يجوز أن يكون المراد به التفاوت من جهة الخِلقة؛ لأن في خلقة المخلوقات من التفاوت ما لا يخفى، فليس إلا أن المراد به التفاوت من جهة الحِكمة على ما قلناه، إذا ثبت هذا لم يصح في أفعال العباد أن تكون من جهة اللَّه تعالى لاشتمالها على التفاوت وغيره" (١).
الرد عليهم: أن الآية الكريمة لا دليل فيها على مذهبهم، بل هي رد عليهم، وذلك لما يلي:
١ - ليس المراد بالتفاوت ما زعموه من الحكمةِ. بل هو تفاوت الخِلقة.
قال ابن جرير: "ما ترى في خلق الرحمن الذي خلق لا في سماء ولا في أرض، ولا في غير ذلك من تفاوت، يعني من اختلاف" (٢).
وقال البغوي: "ومعناه: ما ترى يا ابن آدم في خلق الرحمن من اعوجاج واختلاف وتناقض بل هي مستقيمة مستوية. وأصله من "الفوت" وهو أن يفوت بعضها بعضا لقلة استوائها ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ كرر النظر، معناه: انظر ثم ارجع ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ شقوق وصدوع" (٣).
٢ - أنه تعالى إنما عنى ما ترى في السماوات من فطور؛ لأنه ذكر خلق السماوات، ولم يذكر الكفر، وإذا كان هذا على ما قلناه بطل ما قالوه (٤).
٣ - يقال لهم إن اللَّه تعالى أخبر أنه لا يُرى في خلق السموات من تفاوت لأنه قال: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ يعني: بعضها فوق بعض ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ يعني السموات والأرض ثم قال: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ يعني في السماء ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ يعني من صدوع وشقوق يريد الإخبار عن إتقان فعلها وعجيب صنعها، والكفر لا فطور فيه ولا شقوق، ولولا الجهل ما تعلقوا بمثل هذا التأويل (٥).
_________
(١) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٣٥٥).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٣/ ١١٩).
(٣) انظر: تفسير البغوي (٨/ ١٧٦).
(٤) انظر: الإبانة للأشعري (ص ١٨٨).
(٥) انظر: تمهيد الأوائل للباقلاني (ص ٣٥٣).
стр. 265
٤ - أن التفاوت المعهود هو ما نافر النفوس أو خرج عن المعهود، فنحن نسمي الصورة المضطربة بأن فيها تفاوتًا فليس ذا التفاوت الذي نفاه اللَّه تعالى عن خلقه فإذ ليس هو هذا الذي يسميه الناس تفاوتا فلم يبق إِلا أن التفاوت الذي نفاه اللَّه تعالى عما خلق هو شيء غير موجود فيه البتة لأنه لو وجد في خلق اللَّه تعالى تفاوتا لكُذِّبَ قولُ اللَّه : ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ ولا يُكَذِّبُ اللَّهَ تعالى إِلا كافرٌ، فبطل ظن المعتزلة إن الكفر والظلم والكذب والجور تفاوت؛ لأن كل ذلك موجود في خلق اللَّه مرئي فيه مشاهد بالعيان فيه فبطل احتجاجهم (١).
٥ - يقال لهم: "أن هذا سوء فهم؛ وذلك أن هذا أراد به سبحان وتعالى خلق السموات في الصورة، وأنه ليس فيها فطور ولا شقوق، أجمع المفسرون على ذلك، فلا حجة لكم فيها، ثم إن أول الآية حجة عليكم؛ لأنه قال: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ وبين الموت والحياة تفاوت، وهو خالق الجميع لا خالق لذلك غيره، فكذلك كفر الكافرين وإيمان المؤمنين وإن كان بينهما تفاوت في الحكم فليس بينهما تفاوت في الإيجاد والاختراع وإحكام الخلق، فصح أن الآية حجة عليهم لا لهم" (٢).
٦ - أن المعنى أن السماء مستوية مستديرة لا اعوجاج فيها ولا اختلاف بينها ولا تفاوت، فالفَلَك الذي خلقه وجعله مستديرًا ما له من فروج، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧)﴾ [الذاريات] وقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ [ق] فهو سبحانه سواها كما سوى الشمس والقمر وغير ذلك من المخلوقات فعدل بين أجزائها، ولو كان أحد جانبي السياء داخلا أو خارجا لكان فيها فروج وهي الفتوق والشقوق ولم يكن سواها كمن بني قبة ولم يسوها، وكذلك لو جعل أحد جانبيها أطول أو أنقص ونحو ذلك. فالعدل والتسوية لازم لجميع المخلوقات والمصنوعات. فمتى لم تصنع بالعدل والتسوية بين المتماثلين وقع فيها الفساد (٣). وعدم التفاوت إنما يكون فيها يستدير من أشكال الأجسام دون المضلعات من المثلث أو المربع أو غيرهما فإنه يتفاوت لأن زواياه مخالفة لقوائمه والجسم المستدير متشابه الجوانب والنواحي ليس بعضه مخالفا لبعض (٤).
_________
(١) انظر: الفصل لابن حزم (٣/ ٣٩ - ٤٠).
(٢) انظر: الإنصاف للباقلاني (ص ١٤٤).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٦/ ١٣٤ - ١٣٥) باختصار وتصرف.
(٤) انظر: نفس المصدر لابن تيمية (٢٥/ ١٩٤).
стр. 266
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧].
قالوا: "وهذا يدل على أن أفعال العباد غير مخلوقة، ووجه الاستدلال به: أنه لا يخلو: إما أن يكون المراد به أن جميع ما فعله اللَّه تعالى فهو إحسان، أو المراد به أن جميعه حسن، لا يجوز أن يراد به الإحسان؛ لأن في أفعال اللَّه تعالى ما لا يكون إحسانًا كالعقاب، فليس إِلا أن المراد به الحسن على ما تقوله، إذا ثبت هذا -ومعلوم أن أفعال العباد تشتمل على الحسن والقبيح- فلا يجوز أن تكون مضافة إلى اللَّه تعالى" (١).
الرد عليهم:
١ - أن معنى الآية ليس كما تأولتم وحرفتم، وإنما معناه الصحيح: أن اللَّه أتقن خلقَ كل شيء وأحكمه (٢).
٢ - يقال لهم: "ليس أحسن من معني: حَسَن بسبيل، وإنما معنى أحسن أنه يحسن ويِعلَم كيف يَخلقُ كما يقال: فلان يحسن الظلم ويحسن السفه ويحسن فعل الخير والجميل؛ أي: يعلم كيف يفعل ويعرفه، وليس معنى قولهم يحسن القبيح والسفه أنه يجعل ذلك حسنًا فبطل ما قلتم" (٣). قال مقاتل: "عَلِمَ كيف تُحلق الأشياء من غير أن يعلمه أحد". وقال السدي: "أحسنه لم يتعلمه من أحد، والإحسان العلم، يقال: فلان يحسن كذا إذا علمه" (٤).
٣ - أن اللَّه تعالى أنكر على الكافرين ما زعموه من وجود خالق مع اللَّه، فقال تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦] فهذه الآية بينت ما تعلق به المعتزلة، وذلك أن قومًا جعلوا للَّه شركاء خلقوا كخلقه فجعلوهم خالقين، فأنكر اللَّه تعالى ذلك فعلى هذا خرج قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ويبين بطلان ظنون المعتزلة في هذه الآية قول اللَّه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧] أفيكون مسلمًا من أوجب للَّه تعالى شركاء من أجل قول اللَّه تعالى للكفار الذين جعلوا له شركاء يخلقون كخلقه: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ ولا شك في أن هذا الخطاب إنما خرج جوابا عن إيجابهم له الشركاء تعالى اللَّه عن ذلك وقد علمنا بضرورة العقل والنص أنه ليس للَّه تعالى شركاء وأنه لا خالق غيره وأنه خالق كل شيء في العالم من عرض أو جوهر وبهذا خرج قوله تعالى: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] مع قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] فلو أمكن أن يكون في العالم خالق غير اللَّه
_________
(١) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٣٥٧).
(٢) انظر: تفسير الطبري (١٨/ ٥٩٧).
(٣) انظر: تمهيد الأوائل للباقلاني (ص ٣٥٢).
(٤) انظر: التفسير الوسيط للواحدي (٣/ ٤٥٠).
стр. 267
تعالى يخلق شيئًا لما أنكر ذلك ؛ إذ هو لا ينكر وجود الموجودات وإنما ينكر الباطل فصح ضرورة لا شك فيها أنه لا خالق غير اللَّه تعالى، فإذ لا شك في هذا فليس في قول اللَّه تعالى: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] المؤمنون إثبات أن في العالم خالقا غير اللَّه تعالى يخلق شيئًا (١).
٤ - أن كل ما خلقه اللَّه فله فيه حكمة كما قال: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] وقال: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، وهو سبحانه غني عن العالمين، فالحكمة تتضمن شيئين: أحدهما: حكمة تعود إليه يحبها ويرضاها. والثاني إلى عباده هي نعمة عليهم يفرحون بها ويلتذون بها، وهذا في المأمورات وفي المخلوقات، أما في المأمورات فإن الطاعة هو يحبها ويرضاها؛ ويفرح بتوبة التائب أعظم فرح، هكذا سائر ما أمر به؛ وكذلك ما خلقه خلقه لحكمة تعود إليه يحبها وخلقه لرحمة بالعباد ينتفعون بها، وأنتم تزعمون أنه تعالى يخلق ويأمر لحكمة تعود إلى العباد فقط وهو نفعهم والإحسان إليهم؛ فلم يخلق ولم يأمر إِلا لذلك، ثم منكم من تكلم في تفصيل الحكمة، فأنكر القدر؛ ووضع لربه شرعًا بالتعديل والتجويز (٢).
وأنتم متناقضون في هذا القول؛ لأن الإحسان إلى الغير محمود لكونه يعود منه على فاعله حكم يحمد لأجله، إما التكميل نفسه بذلك، وإما لقصده الحمد والثواب بذلك، وإما لرقة وألم يجده في نفسه يدفع بالإحسان ذلك الألم، وإما لالتذاذه وسروره وفرحه بالإحسان، فإن النفس الكريمة تفرح وتسر وتلتذ بالخير الذي يحصل منها إلى غيرها، فالإحسان إلى الغير محمود، لكون المحسن يعود إليه من فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله، أما إذا قدر أن وجود الإحسان وعدمه بالنسبة إلى الفاعل سواء، لم يعلم أن مثل هذا الفعل يحسن منه، بل مثل هذا يعد عبثا في عقول العقلاء، وكل من فعل فعلا ليس فيه لنفسه لذة ولا مصلحة ولا منفعة بوجه من الوجوه لا عاجلة ولا آجلة كان عبثا، ولم يكن محمودا على هذا، وأنتم عللتم أفعاله فرارا من العبث، فوقعتم في العبث، فإن العبث هو الفعل الذي ليس فيه مصلحة ولا منفعة ولا فائدة تعود على الفاعل (٣).
الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨].
قالوا: "بيَّن اللَّه تعالى أن أفعاله كلها متقنة، والإتقان يتضمن الإحكام والحُسن جميعًا، حتى لو كان محكمًا ولا يكون حَسَنًا لكان لا يوصف بالإتقان، ألا ترى أن أحدنا لو تكلم بكلام فصيح يشتمل على الفحش
_________
(١) انظر: الفصل لابن حزم (٣/ ٣٧) بتصرف.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٨/ ٣٥ - ٣٨) باختصار وتصرف.
(٣) انظر: مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية (١١٩ - ١٢٠).
стр. 268
والخنا، فإنه وإن وُصف بالإحكام لا يوصف بالإتقان، إذا ثبت هذا -ومعلوم أن في أفعال العباد ما يشتمل على التهود والتنصر والتمجس وليس شيءُ من ذلك متقنًا- فلا يجوز أن يكون اللَّه تعالى خالقًا لها" (١).
والمراد بصنع اللَّه حينئذٍ "الإثابة والمعاقبة. وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتي بها على الحكمة والصواب، حيث قال: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يعني أنَّ مقابلته الحسنة بالثواب والسيئة بالعقاب: من جملة إحكامه للأشياء وإتقانه لها، وإجرائه لها على قضايا الحكمة أنه عالم بما يفعل العباد وبما يستوجبون عليه، فيكافئهم على حسب ذلك" (٢).
الرد عليهم: أن الآية لا تدل على ما ذهبتم إليه من نفي خلق اللَّه لأفعال العباد، أو جَعْلِ المراد بصنع اللَّه إثابته ومعاقبته ومكافأته، بل هي حجة عليكم وذلك لما يلي:
١ - أن معنى قوله تعالى: ﴿أَتْقَنَ﴾ أي: "أوثقَ خلقَه، وأحكمَه، وأحسنَ كل شيء خلقه" (٣). فيكون المعنى: "أتقن كُلَّ ما خلقَ، وأودعَ فيه من الحكمة ما أودع" (٤). وهذا عام في الخلقِ جميعِه.
٢ - أن قولكم هذا يستلزم أن الإتقان أيضًا يكون الأعراض الحَسَنة دون السيئة، وهذا ممتنع، لأن الإتقان لا يحصل إِلَّا في المُركَّبات فيمتنع وصف الأعراض بها (٥).
٣ - أنه يجب التفريق في الإرادة الإلهية بين نوعين: إرادة تتعلق بالأمر المتضمنة للمحبة والرضا وهي الإرادة الدينية، وإرادة تتعلق باخلق وهي المشيئة والإرادة الكونية القدرية، فكل الأفعال لا تخرج عن قدرة اللَّه تعالى، وهو تعالى خالق العباد وأفعالهم بإرادته، ومع ذلك لم يأمر بالكفر والفسوق والعصيان، كما أنه تعالى لا يأمر بالفحشاء ولا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر، وهذا ما فهمه السلف الصالح، مثل قول ابن مسعود لما سئل عن المفوَّضَة: "أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن اللَّه، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، واللَّه ورسوله بريئان منه". وكذلك قال أبو بكر في الكلالة، وقال عمر نحو ذلك. ومرادهم أن الصواب قد أمر اللَّه
_________
(١) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٣٥٨).
(٢) انظر: تفسير الزمخشري (٣/ ٣٨٧) وهذه الاعتزالية لم يتفطن لها ابن المنير في كتابه الانتصاف من الكشاف.
(٣) انظر: تفسير الطبري (١٨/ ١٣٨).
(٤) انظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٢١٧).
(٥) انظر: تفسير الرازي (٢٤/ ٥٧٤).
стр. 269
به وشرعه وأحبه ورضيه، والخطأ لم يأمر به ولم يحبه ولم يشرعه، بل هو مما زينه الشيطان لنفسي ففعلتُه بأمر الشيطان، فهو مني ومن الشيطان (١).
ففهموا أن الشر مخلوقٌ لحِكمة، ولكنَّه لا يُنسب إلى اللَّه تعالى مفردًا، فإنه لا يخلق شرًا محضًا بل كل ما يخلقه: ففيه حكمة، هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس. وهو شر جزئي إضافي، فأما شر كلي أو شر مطلق فالرب منزه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس إليه، وأما الشر الجزئي الإضافي فهو خير باعتبار حكمته، ولهذا لا يضاف الشر إليه مفردًا قط، بل إما أن يدخل في العموم كقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر: ٦٢] أو يضاف لسبب كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ [الفلق] أو يحذف فاعله كقوله فيما حكاه عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ [الجن] (٢)، ولهذا قال أكثر المثبتة للقدر بأن أفعال العباد مخلوقة للَّه تعالى وهي فعل العبد، فإذا قيل: هي فعل اللَّه، فالمراد أنها مفعولة له لا أنها هي الفعل الذي هو مسمى المصدر، وأكثر الأئمة يفرقون بين الخلق والمخلوق، ولا نزاع بين المسلمين أن اللَّه عادل ليس ظالمًا، لكن ليس كل ما كان ظلية من العبد يكون ظلمًا من الرب، ولا ما كان قبيحًا من العبد يكون قبيحًا من الرب، فإن اللَّه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله (٣).
٤ - أن الصُّنْعَ في الآية الكريمة ليس المراد به الإثابة أو المعاقبة، ولكن بمعنى إتقان الخلق والفعل، والحِذق في ذلك، قال ابن فارس: "صَنَعَ: الصاد والنون والعين أصلٌ صحيحٌ واحدٌ، وهو عملُ الشيءِ صنعًا، وامرأة صناع ورجل صنع، إذا كانا حاذقين فيما يصنعانه" (٤).
وهذا يدل على أن اللَّه خالق لكل شي للعباد وأفعالهم، أحسن خلقه وأحكمه وأتقنه غاية الإتقان.
_________
(١) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (٣/ ١٤٥).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٤/ ٢٦٦) ومنهاج السنة له (٣/ ١٤٢) (٥/ ٤١٠).
(٣) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (٣/ ١٤٩ - ١٥١) باختصار وتصرف.
(٤) انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس (٣/ ٣١٣).
стр. 270
الدليل الرابع:
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص].
قالوا: "نفى اللَّه تعالى أن يكون في خلقه باطل، فلولا أن هذه القبائح وغيرها من التصرفات من جهتنا ومتعلقة بنا، وإلا كان يجب أن تكون الأباطيل كلها من قبله، فيكون مبطلًا كاذبًا تعالى اللَّه عما يقولون علوًا كبيرًا" (١).
الرد عليهم: أن تأويلكم للآية هو تحريف لمعناها الذي دلت عليه، وقول على اللَّه بلا علم، وهي حجة عليكم لا لكم لما يلي:
١ - أن معنى الآية أن اللَّه تعالى لم يخلق السموات والأرض وما بينها عبثًا ولهوًا، ما خلقناهما إِلا ليُعمل فيها بطاعته، وينتهي إلى أمره ونهيه، والذين كفروا ظنوا أنها خُلقت باطلًا ولعبًا، فكفروا باللَّه فلم يوحدوه، ولم يعرفوا عظمته (٢).
وأيضًا خلقها اللَّه تعالى للبعث والحساب، والجنة والنار، وكان المشركون يقولون: إن اللَّه خلق هذه الأشياء لغير بعث. قال: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أنهم لا يبعثون وأن اللَّه خالق هذه الأشياء باطلًا (٣).
٢ - أن ما لا يستعان به على النفع الدائم فهو نفع يتعقبه، ومنه يسمى العبث واللعب باطلا، وإن كان العابث اللاعب فيه منفعته زائلة، لما فيه من اللذة الحاضرة، لكن هو باطل إذا لم يستعن به على الحق الذي يدوم نفعه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون]. فإن الدنيا وإن كان فيها نوع لذة ومنفعة حاضرة فتلك زائلة منقطعة، فهي باطلة، والفعل لمثل ذلك من باب العبث واللعب، واللَّه ﵎ منزه عن ذلك، إنا خلق هذا الذي ينقص ويزول لما يبقى ويدوم، والذي يبقى ويدوم هو الحق، والذي يزول وينقص قد فسد وهلك (٤).
_________
(١) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٣٦٢).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٠/ ٧٨).
(٣) انظر: تفسير ابن أبي زمنين (٤/ ٨٨).
(٤) انظر: جامع المسائل لابن تيمية (١/ ٤٨ - ٤٩).
стр. 271
٣ - أن الباطل نوعان أيضًا:
أحدهما: المعدوم، وإذا كان معدومًا كان اعتقاد وجوده والخبر عن وجوده باطلًا؛ لأن الاعتقاد والخبر تابع للمعتَقَد المخبر عنه يصح بصحته ويبطل ببطلانه، فإذا كان المعتقَد المخبر عنه باطلًا كان الاعتقاد والخبر كذلك؛ وهو الكذب.
الثاني: ما ليس بنافع ولا مفيد كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧] وكقول النبي: "كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إِلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق" وقوله عن عمر: "إن هذا رجل لا يحب الباطل" وما لا منفعة فيه: فالأمر به باطل وقصده وعمله باطل؛ إذ العمل به والقصد إليه والأمر به باطل (١).
وبهذا يتبين فساد قولهم بنفي خلق اللَّه تعالى لأفعال العباد، وكذلك بطلان استدلالهم على ذلك بالآيات الكريمة، وأن الحجة عليهم ثابتة.
* * *
_________
(١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢/ ٤١٥ - ٤١٦).
стр. 272
المطلب الثاني: شبه القدرية العقلية في باب القدر، والرد عليهم.
استدل القدرية من المعتزلة والرافضة ونحوهم على مذهبهم في أن العباد يخلقون أفعالهم بشبهات عقلية متعددة، وهي كما يلي:
الشبهة الأولى: لو كانت أفعالنا خلقًا للَّه لكانت مقدورة لنا وله، ولو كان ذلك كذلك لجاز أن نفعلها ويتركها هو، أو نتركها ويفعلها، فيكون الشيء الواحد مفعولا متروكًا (١).
الرد عليهم:
١ - أن هذا الاحتمال باطل، لأنه لا يمكن للمخلوق أن يفعل شيئًا خارجًا عن قدرة اللَّه وإرادته ومشيئته.
٢ - أن المَلِكَ إذا جرى في مُلكه ما لا يريد دلَّ ذلك على نقصه أو ضعفه أو عجزه، واللَّه تعالى موصوف بصفات الكمال، لا يجوز عليه في ملكه نقص ولا ضعف ولا عجز، فكيف يكون في مُلكه ما لا يُريده، ويُريده أضعف خلقه فيكون؟! كلا أن يأمر بالفحشاء أو يكون في ملكه إلا ما يشاء (٢).
٣ - أن الرب سبحانه فاعل غير منفعل، والعبد فاعل منفعل وهو في فاعليته منفعل للفاعل الذي لا ينفعل بوجه، فالجبرية شهدت كونه منفعلا يجري عليه الحكم بمنزلة الآلة والمحل وجعلوا حركته بمنزلة حركات الأشجار ولم يجعلوه فاعلا إلا على سبيل المجاز فقام وقعد وأكل وشرب وصلى وصام عندهم بمنزلة مرض وألم ومات ونحو ذلك مما هو فيه منفعل محض، والقدرية شهدت كونه فاعلا محضا غير منفعل في فعله وكل من الطائفتين نظر بعين عوراء وأهل العلم والاعتدال أعطوا كلا المقامين حقه ولم يبطلوا أحد الأمرين بالآخر فاستقام لهم نظرهم ومناظرتهم واستقر عندهم الشرع والقدر في نصابه ومهدوا وقوع الثواب والعقاب على من هو أولى به فأثبتوا نطق العبد حقيقة وإنطاق اللَّه له حقيقة قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] فالإنطاق فعل اللَّه الذي لا يجوز تعطيله والنطق فعل العبد الذي لا يمكن إنكاره، وكذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] وقوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي﴾ [الأنعام: ١١] فالتسيير فعله حقيقة والسير فعل العبد حقيقة، فالتسيير فعل محض، والسير فعل وانفعال، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] فهو سبحانه المُزَوِّج ورسوله المتزوج، وقوله: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤]
_________
(١) انظر: تمهيد الأوائل للباقلاني (ص ٣٠٦).
(٢) انظر: الإنصاف للباقلاني (ص ١٥٥).
стр. 273
فهو المُزَوِّج وهم المتزوجون، وقد جمع سبحانه بين الأمرين في قوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] فالإزاغة فعله والزيغ فعلهم (١).
الشبهة الثانية: أنه لا يجوز أن تكون أفعالنا خلقًا للَّه تعالى؛ لأنه لو كان الخالق لها لم يصح أمره بها ونهيه عن بعضها، وإثابته على الحسن والجميل منها، وذمه وعقابه على القبيح من جملتها (٢).
ولا تخلو أفعال العباد من ثلاثة أوجه: إما كلها من اللَّه ولا فعل لهم فلم يستحقوا ثوابًا ولا عقابًا ولا مدحًا ولا ذمًا، أو تكون منهم ومن اللَّه، فيجب المدح والذم لهم جميعًا، أو منهم فقط فكان لهم الثواب والعقاب والمدح والذم (٣).
قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: "لو كان تعالى هو الخالق لفعلهم لوجب أن لا يستحقوا الذم على قبيحه، والمدح على حَسَنه؛ لأن استحقاق الذم والمدح على فعل الغير لا يصح" (٤).
الرد عليهم:
١ - يقال لهم: لِمَ أنكرتم أن لا يكون اللَّه تعالى آمرًا لأحدٍ من خلقه بخلق شيء من الأفعال، ولا ناهيًا له عن ذلك، ولا مُثيبًا لأحد على أن خلق شيئًا، ولا معاقبًا له على ذلك؛ لأن الخلق مستحيل على العبد، وأن يكون إنما أمر بكتساب ما خلقه، ونهى عن ذلك، وأثاب وعاقب وذمَّ ومدح ووعد وتوعد، على أن اكتسب العبد ما نهى عنه وأمر به فقط؟ بل ما أنكرتم أن يكون إنما جعل هذه الأفعال علمًا على إثابة من أحب إثابتَه، وعِقاب من أحب عقابه فقط؟ (٥).
فما دام أن الثواب والعقاب يكون بحكم اللَّه تعالى، فلا منافاة بين خلق اللَّه تعالى لأفعال العباد وبين إثابتهم أو عقابهم عليها؛ فإن الإثابة والعقاب على الأفعال التي فعلوها لا على الخلق.
٢ - أننا لا نقول: إن المدح والثواب، ولا الذم والعقاب يحصل بفعل الفاعل منا، حتى يوجب ذلك كونه خلقًا له واختراعًا، بل نقول: إن ذلك يحصل بحكم اللَّه تعالى، ويجب ويستحق بحكمه لا بأن يوجب الواجب فِعلَ
_________
(١) انظر: شفاء العليل لابن القيم (ص ١٣٤) باختصار.
(٢) انظر: تمهيد الأوائل للباقلاني (ص ٣٠٧).
(٣) انظر: المنية والأمل لابن المرتضي (ص ٥٥) تحقيق: عصام الدين محمد علي الناشر: دار المعرفة الجامعية.
(٤) انظر: المغني في أبواب العدل والتوحيد للقاضي عبد الجبار المعتزلي (٨/ ١٩٣).
(٥) انظر: تمهيد الأوائل للباقلاني (ص ٣٠٧).
стр. 274
فعلٍ أوجبه عليه، ألا ترى بالإجماع منا ومنكم ومن جميع المسلمين: أن الدية تجب على العاقلة بقتل غيرها خطأ، وإن لم تفعل العاقلة شيئًا يستحق به إيجاب ذلك عليها، وإن ذلك الذي فعلته ليس خَلقًا لها، بل هو خَلق لغيرها، وهو اللَّه تعالى عند المسلمين، وخَلق للقاتل على زعمكم، فصح أن الوجوب حصل بإيجاب اللَّه تعالى وحُكمه، لا بخَلق العاقلة وفعلها، وكذلك جميع الأحكام في الدنيا والآخرة، إنما تجب وتستحق بإيجاب اللَّه تعالى وإرادته، لا بكونها خلقًا للفاعل، ومثل ذلك: الأكل في الصيام ناسيًا فعل العبد، كما هو فعلٌ له عند تعمده، لكن اللَّه تعالى حكم بأن أحدهما مبطل ومفطر، ويذم ويعاقب عليه، والآخر بالضد من ذلك، وإن كان الجميع فعلا للعبد؛ فصح أن ذلك إنما يكون بحكم اللَّه تعالى، لا بكونه خلق للفاعل، فصح ما قُلناه وبَطَل ما توهموه (١).
٣ - أنهم بنوا قولهم ذلك ردًا على الجبرية الذين قالوا: أن العباد مجبورون على ما يكون منهم من أفعال من خير أو شر، وكلا القولين باطلان.
فأفعال العباد هي خلقٌ للَّه وكسبٌ للعباد، وهي بمنزلة الأسباب للمسببات، والقدرة المخلوقة هي سبب وواسطة في خلق اللَّه الفعل بهذه القدرة، كما خلق النبات بالماء وكما خلق الغيث بالسحاب، وكما خلق جميع المسببات والمخلوقات بوسائط وأسباب فهذا حق وهذا شأن جميع الأسباب والمسببات. وليس إضافة التأثير بهذا التفسير إلى قدرة العبد شركا وإلا فيكون إثبات جميع الأسباب شركا. وقد قال الحكيم الخبير: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]. ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]. فبين أنه المعذب، وأن أيدينا أسباب وآلات وأوساط وأدوات في وصول العذاب إليهم (٢).
فالعباد لهم مشيئة وإرادة وقُدرة، ولكنها تحت مشيئة اللَّه تعالى وإردته وقدرته. قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٩] وقدرة العبد وإرادته واختياره وفعله حقيقة لا مجاز، وهذا يدل على أن الفعل غير المفعول، فحركاتهم واعتقاداتهم أفعال لهم حقيقة، وهي مفعولة للَّه سبحانه مخلوقة له حقيقة، والذي قام بالرب علمه وقدرته ومشيئته وتكوينه، والذي قام بهم هو فعلهم وكسبهم وحركاتهم
_________
(١) انظر: الإنصاف للباقلاني (ص ١٤٨ - ١٤٩).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٨/ ٣٨٩ - ٣٩٠).
стр. 275
وسكناتهم، الذي شاءهه منهم وخلقها لهم، ومشيئتهم وفعلهم بعد مشيئته تعالى، فما يشاؤن إلا أن يشاء اللَّه، وما يفعلون إلا أن يشاء اللَّه (١).
وكما أنا فارقنا مجوس الأمة بإثبات أنه تعالى خالق فارقنا الجبرية بإثبات أن العبد كاسب فاعل صانع عامل، والجبر المعقول الذي أنكره سلف الأمة وعلماء السنة هو أن يكون الفعل صادرا على الشيء من غير إرادة ولا مشيئة ولا اختيار، مثل حركة الأشجار بهبوب الرياح وحركة المحموم والمفلوج والمرتعش، وتنقسم أفعال العبد إلى قسمين: اختياري واضطراري، واختص المختار منها بإثبات الأمر والنهي عليه (٢).
٤ - وأما قولهم: "أو تكون الأفعال من الخلق ومن اللَّه، فيجب المدح والذم لهم جميعا". فباطل؛ فهذا هو عين الإشراك والتشبيه في حقيقة المعنى وهو الاختراع تعالى اللَّه عن ذلك علوا كبيرا، وأما نحن فلا يلزمنا إيجاب الشركة للَّه تعالى فيها قلنا لأن الإشراك لا يجب بين المشتركين إلا باتفاقها فيها اشتركا فيه، وبرهان ذلك أن أموالنا ملك لنا وملك للَّه بإجماع منا ومنهم وليس ذلك بموجب أن تكون شركاؤه فيها لاختلاف جهات الملك لأن اللَّه تعالى إنما هو مالك لها لأنها مخلوقة له تعالى وهو مصرفنا فيها وناقلها عنا وناقلنا عنها كيف شاء اللَّه تعالى وهي ملكنا لأنها كسب وملزمون إحكامها ومباح لنا التصرف فيها بالوجوه التي أباحها اللَّه تعالى لنا وأيضًا فنحن عالمون بأن محمدا رسول اللَّه واللَّه تعالى عالم بذلك وليس ذلك موجبا لأن نكون شركاءه في ذلك العلم لاختلاف الأمر في ذلك لأن علمنا عرض محمول فينا وهو غيرنا وعلم اللَّه تعالى ليس هو غيره ومثل هذا كثير جدا لا يحصى في دهر طويل بل لا يحصيه مفصلا إلا اللَّه وحده لا شريك له. فكيف لم يجب الاشتراك البتة بين اللَّه تعالى وبينا عندهم في هذه الوجوه كلها ووجب أن يكون شركاؤه في شيء ليس للاشتراك البتة فيه مدخل وهو خلقه تعالى لأفعال لنا هو فاعل لها بمعني مخترع لها ونحن فاعلون لها بمعنى ظهورها محمولة فينا وهذا خلاف فعل اللَّه تعالى لها وقد قال بعض أصحابنا بأن الأفعال للَّه تعالى من جهة الخلق وهي لنا من جهة الكسب (٣).
_________
(١) انظر: شفاء العليل لابن القيم (ص ٥٢) باختصار وتصرف.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٨/ ٣٩٣ - ٣٩٤) باختصار وتصرف.
(٣) انظر: الفصل لابن حزم (٣/ ٥٠ - ٥١) بتصرف.
стр. 276
الشبهة الثالثة: قالوا: "وجدنا أفعالنا واقعة على حسب قصدنا، فوجب أن تكون خلقًا لنا، وفعلًا لنا؛ قالوا: وبيان ذلك؛ أن الواحد منا إذا أراد أن يقوم قام، وإذا أراد أن يقعد قعد، وإذا أراد أن يتحرك تحرك، وإذا أراد أن يسكن سكن، وغير ذلك. فإذا حصلت أفعاله على حسب قصده ومقتضى إرادته، دل على أن أفعاله خلق له وفعل له" (١).
وقالوا: "إن العلم بوقوع تصرفنا بحسب دواعينا وقصودنا وغير ذلك من أحوالنا حاصل على وجه لا يمكن دفعه عن النفس، ومعلوم استمرار ذلك، فكل ما نقض هذه الجملة يجب بطلانه" (٢).
وقال القاضي عبد الجبار المعتزلي: "أن هذه التصرفات يجب وقوعها بحسب قصودنا ودواعينا، ويجب انتفاؤها بحسب كراهتنا وصرفنا، مع سلامة الأحوال؛ إما محققًا أو مقدرًا، فلولا أنها محتاجة إلينا ومتعلقة بنا؛ وإلا لما وجب ذلك فيها" (٣).
الرد عليهم: إن هذه الشبهة باطلة، وبيان ذلك من وجوه، منها:
١ - قولكم "إن أفعال العباد تحصل بحسب قصودهم. . " غير صحيح؛ فإنا نرى من يريد شيئًا ويقصده، ولا يحصل له ما يريد ولا ما يقصد، فإنه ربما أراد أن ينطق بصواب فيخطئ، وربما أراد أكلا لقوة وصحة، فيضعف ويمرض؛ وربما ابتاع سلعة ليربح فيخسر، وربما أراد القيام فيعرض له ما يمنعه منه إلى غير ذلك، فبطل ما ذكرتموه، وصح أن فعله خلق لغيره يجري على حسب مشيئة الخالق تعالى، وإنما يظهر كسبه لذلك الفعل بعد تقدم المشيئة والخلق من الخالق (٤).
٢ - أن وقوع الكسب من الخلق على حسب القصد منهم، لا يدل على أنه خلق لهم واختراع، ألا ترى أن مَشيَ الفرس والدابة يحصل على قصد الراكب وإرادته من عدو وتقريب واستطراف ووقوف إلى غير ذلك. ولا يقول عاقل: إن الراكب خلق جري الفرس ولا سرعتها ولا غير ذلك من أفعالها، فبطل أن يكون حصول الفعل على قصد الفاعل يدل على أنه خلقه، وكذلك السفن يحصل سيرها وتوجهها في السير من يمين إلى شان على حسب قصد الملاح، ولا يدل ذلك على أن الملاح خلق سير السفن ولا توجهها، فإن كابروا الحقائق.
_________
(١) انظر: الإنصاف للباقلاني (ص ١٤٧) وتمهيد الأوائل له (ص ٣٠٧).
(٢) انظر: المجموع في المحيط بالتكليف من كلان القاضي عبد الجبار المعتزلي جمع أبي محمد الحسن بن أحمد بن متوية النجراني (ص ٣٥٧).
(٣) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٣٣٦).
(٤) انظر: الإنصاف للباقلاني (ص ١٤٧).
стр. 277
وقالوا: نقول إن ذلك خلقه الملاح والفارس، فقد خرجوا عن الدين وسووا بين الخالق والعباد وأن قدرة كل واحد منها تتعلق بمقدورات، وهذا كفر صراح، وإن قالوا: حركات السفن تقع على حسب قصد الملاح وليس بخلق له، قلنا: فكذلك أفعال أحدنا قد تقع ولا نقول: إنها تقع في كل حال على حسب قصده، ولا يدل ذلك على أن خلقها فاخترعها يؤكد هذا أيضًا أن نمو الزرع يحصل على حسب قصد الزارع وقيامه عليه بسقيه وغير ذلك، ولا يقول أحد أن نمو الزرع خلقه الزارع، ولا أنه خلق في الحبة أضعاف عددها، وكذلك ما حصل فيه النمو من الفسيل والتين وغير ذلك، وإن كان حاصلا على حسب إرادة القائم عليه وقصده؛ وكذلك فيما يحصل من الواحد منا إذا أراد اللَّه تعالى حصوله على حسب قصده لا يدل على أنه هو خلقه، بل الخالق له هو اللَّه تعالى (١).
الشبهة الرابعة: وهي أن القول بأن العباد خلقوا أفعالهم فيه نفي الظلم والجَور عن اللَّه تعالى، وذلك من وجهين:
الأول: أنه لا يجوز أن يكون اللَّه خالق الظلم والجور والكذب؛ لأن من فعل الظلم كان ظالمًا، ومن فعل الجور كان جائرًا، ومن فعل الكذب كان كاذبًا، واللَّه تعالى يتنزه عن جميع ذلك، فصح أن هذه الأشياء ليست بفعلٍ له، ولا خلق له (٢).
قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: "وأحد ما يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقًا الأفعال العباد؛ هو أن في أفعال العباد ما هو ظلم وجور، فلو كان تعالى خالقًا لها؛ لوجب أن يكون ظالمًا جائرة تعالى اللَّه عن ذلك علوًا كبيرًا" (٣).
الثاني: تعذيب المكلفين على ذنوبهم كيف تستقيم الحكمة فيه على قولكم بأن اللَّه تعالى خلقها فيهم؟! فأين العدل في تعذيبهم على ما هو فاعله وخالقه فيهم؟! (٤).
الرد عليهم:
١ - أما كون الفعل قبيحا من فاعله فلا يقتضي أن يكون قبيحا من خالقه، كما أن كونه أكلًا وشُربًا لفاعله لا يقتضي أن يكون كذلك لخالقه؛ لأن الخالق خلقه في غيره لم يقم بذاته، فالمتصف به من قام به الفعل لا من خلقه
_________
(١) انظر: نفس المصدر للباقلاني (ص ١٤٨) باختصار وتصرف.
(٢) انظر: الإنصاف للباقلاني (ص ١٥٠) وتمهيد الأوائل له (ص ٣٠٧).
(٣) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٣٤٥).
(٤) انظر: مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم (ص ٢٤١) وشرح الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٦٤٥).
стр. 278
في غيره، كما أنه إذا خلق لغيره لونا وريحا وحركة وقدرة وعلما كان ذلك الغير هو المتصف بذلك اللون والريح والحركة والقدرة والعلم، فهو المتحرك بتلك الحركة، والمتلون بذلك اللون، والعالم بذلك العلم، والقادر بتلك القدرة، فكذلك إذا خلق في غيره كلاما أو صلاة أو صياما أو طوافا كان ذلك الغير هو المتكلم بذلك الكلام، وهو المصلي، وهو الصائم، وهو الطائف وكذلك إذا خلق في غيره رائحة خبيثة منتنة كان هو الخبيث المنتن، ولم يكن الرب تعالى موصوفا بما خلقه في غيره، وإذا خلق الإنسان هلوعًا جزوعًا - كما أخبر تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ [المعارج]، لم يكن هو سبحانه لا هلوعًا ولا جزوعًا ولا منوعًا، كما تزعم القدرية أنه إذا جعل الإنسان ظالما كاذبا كان هو ظالما كاذبا! تعالى عن ذلك.
وهذا يدل على قول جماهير المثبتين للقدر القائلين: بأنه خالق أفعال العباد، فإنهم يقولون: إن اللَّه تعالى خالق العبد وجميع ما يقوم به من إرادته وقدرته وحركاته وغير ذلك (١).
٢ - أن قولهم "إن في أفعال العباد ما هو ظلم وجور فلو كانت خالقًا للَّه لنسبت إليه" غير صحيح؛ لأن كون الباري تعالى خالقًا لا يوجب أن يتصف بما خلق من الظلم والجور والمعصية وغيرها؛ ألا ترى أن الأسود صفة لمن قام به السواد، ولا يكون صفة للَّه تعالى، وإن كان تعالى هو خالق السواد، فكذلك الظلم والجور وغيرها كلها صفات لمن حل به الجور والظلم ولا يوجب ذلك وصف خالقها بها (٢).
٣ - أن اللَّه تعالى خلق أفعال عباده، فإنها من جملة الأشياء، ومن المخلوقات ما هو مضر لبعض الناس، ومن ذلك الأفعال التي هي ظلم من فاعلها وإن لم تكن ظلمًا من خالقها، كما أنه إذا خلق فعل العبد الذي هو صوم لم يكن هو صائمًا، وإذا خلق فعله الذي هو طواف لم يكن هو طائفًا، وإذا خلق فعله الذي هو ركوع وسجود لم يكن هو راكعًا ولا ساجدًا، وإذا خلق جوعه وعطشه لم يكن جائعًا ولا عطشانًا؛ فاللَّه تعالى إذا خلق في محلٍّ صفةً أو فعلًا لم يتصف هو بتلك الصفة ولا ذلك الفعل، إذ لو كان كذلك لاتصف بكل ما خلقه من الأعراض (٣).
٤ - أن اللَّه تعالى خلق الظلم ظلمًا للظالم به، وخلق الجور جورًا للجائر به، وخلق الكذب كذبًا للكاذب به، كما أنه خلق الظلمة ظُلمةً للمظلم بها، وخلق الضوء ضوءً للمستضيء به، فكما أنه تعالى خلق الظلمة لليل،
_________
(١) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥).
(٢) انظر: الإنصاف للباقلاني (ص ١٤٩) بتصرف.
(٣) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (١/ ٤٥٦).
стр. 279
والضياء النهار، ولا يوجب ذلك كونه ظلمة ولا ضياء، فكذلك خلق الطاعة طاعةً للطائع بها، والكذب كذبًا للكاذب به، والجور جورًا للجائر به، ولا يوجب ذلك كونه جائرًا ولا ظالمًا ولا كاذبًا، فصح ما قلناه وبطل ما قالوه (١).
٥ - أن الظلم والكذب والجور إنما يكون كذلك إذا خالف الأمر، وهذا كله يصح الوصف به لمن فوقه آمرٌ أمره، وناهٍ نهاه، وهم الخلق، وأما الخالق فليس فوقه آمرٌ ولا ناهٍ، فلا يصح وصفه بشيء من هذا (٢).
٦ - أما قولهم: "تعذيب المكلفين على ذنوبهم كيف تستقيم الحكمة فيه على قولكم بأن اللَّه تعالى خلقها فيهم؟! فأين العدل في تعذيبهم على ما هو فاعله وخالقه فيهم؟! ".
فالرد عليهم هو: "أن ما يُبتلى به العبد من الذنوب الوجودية، وإن كانت خلقًا للَّه تعالى فهي عقوبة له على ذنوب قبلها، فالذنب يكسب الذنب، ومن عقاب السيئة السيئة بعدها، فالذنوب كالأمراض التي يورث بعضها بعضًا. بقي أن يقال: فالكلام في الذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب. يقال: هو عقوبة أيضًا على عدم فعل ما خُلق له وفُطر عليه، فإن اللَّه خلقه لعبادته وحده لا شريك له، وفطره على محبته وتأليهه والإنابة إليه، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]. فلما لم يفعل ما خُلق له وفُطر عليه من محبة اللَّه وعبوديته عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي، فإنه صادف قلبًا خاليًا قابلًا للخير والشر، ولو كان فيه الخير الذي يمنع ضده لم يتمكن منه الشر قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، وقال إبليس لعنه اللَّه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص]، وقال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر] والإخلاص خلوص القلب من تأله من سوى اللَّه وإرادته ومحبته، فخلص للَّه، فلم يتمكن الشيطان من إغوائه، وأما إذا صادفه فارغًا من ذلك تمكن منه بحسب فراغه وخُلُوِّه، فيكون جَعْلُهُ مذنبًا مسيئًا في هذا الحال عقوبةً له على عدم الإخلاص، وهو محض العدل.
_________
(١) انظر: الإنصاف للباقلاني (ص ١٥٠) بتصرف.
(٢) انظر: نفس المصدر للباقلاني (ص ١٥٠) بتصرف.
стр. 280
فإن قالوا: فذلك العدم من خلَقَهُ فيه؟ قلنا: هذا سؤال فاسد. فإن العدم كاسمه لا يفتقر إلى التكوين والإحداث، فعدم الفعل ليس أمرًا وجوديًا حتى يضاف إلى الفاعل، بل هو شر محض، والشر ليس إلى الرب ﵎ (١).
الشبهة الخامسة: أنه لا يجوز أن يقال للجور والكذب هذا خلق اللَّه، بل يُعرَضُ عن ذلكَ ولا يُقال، فصحَّ أنه خَلقٌ لغيره (٢).
الرد عليهم:
١ - أن هذا غير صحيح، لكن إن أردت الإطلاق في العموم فجائز أن نقول: يا خالق المخلوقات، ويا خالق الموجودات، ويا خالق كل شيء، ويا خالق الضر والنفع، أما من أراد الخصوص فقال: يا خالق الكذب والجور، فلا يجوز من طريق الأدب ومن طريق الإذن في ذلك، كما أنا نقول: يا خالق المخلوقات فيعم بذلك السموات والرص والشمس والقمر، والقردة، والخنازير، والكلاب، والجُعلان، وغير ذلك من سائر المخلوقات، فلا يجوز على الإنفراد أن تقول: يا خالق الأقذار والأنجاس، ونحو ذلك من طريق الأدب، وأيضًا لم يُؤذن لنا في ذلك، بل ندعوه بأسمائه الحُسنى كما أمر فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] (٣).
٢ - أن قولكم ذلك هو نفس قول المجوس الذين زعموا أن خالق الشر إله آخر، فالمجوسية: الذين يجعلون للَّه شركاء في خلقه كما جعل الأولون له شركاء في عبادته. يقولون: خالق الخير، غير خالق الشر، ويقول من كان منهم في ملتنا: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة اللَّه تعالى، وربما قالوا: ولا يعلمها أيضًا، ويقولون: إن جميع أفعال الحيوان واقع بغير قدرته ولا صنعه فيجحدون مشيئته النافذة وقدرته الشاملة؛ ولهذا قال ابن عباس: القدر نظام التوحيد فمن وحد اللَّه وآمن بالقدر تم توحيده ومن وحد اللَّه وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده (٤).
_________
(١) انظر: مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم (ص ٢٤١) بتصرف، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (١٤/ ٣٣١).
(٢) انظر: الإنصاف للباقلاني (ص ١٥٠).
(٣) انظر: المصدر السابق للباقلاني (ص ١٥١) بتصرف.
(٤) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (١/ ٤٥٦) بتصرف.
стр. 281
الشبهة السادسة: قالوا: "إذا كان اللَّه لم يزل عالمًا بكفر الكافرين، فما معنى إرسال الرسل إليهم؟ وما معني الاحتجاج عليهم؟ وما معنى تعريضهم لما قد علم أنهم لا يتعرضون له؟ هل يكون حكيمًا من دعا من يعلم أنه لا يستجيب له ومن لا يرجو إجابته؟ " (١).
الرد عليهم: الجواب على هذه الشبهة من وجوه:
١ - أن هذه الشبهة باطلة؛ لأن فيها اعتراضًا على اللَّه تعالى، بنفي علمه وحكمته، وهذا لا يقول به مسلم يشهد ألا إله إلا اللَّه ويشهد أن محمدًا رسول اللَّه (٢).
٢ - أن القدر يؤمَن به ولا يحتج به، فمن لم يؤمن بالقدر ضارع المجوس، ومن احتج به ضارع المشركين، ومن أقر بالأمر والقدر وطعن في عدل اللَّه وحكمته كان شبيها بإبليس؛ فإن اللَّه ذكر عنه أنه طعن في حكمته وعارضه برأيه وهواه وأنه قال: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] (٣) والاعتراض على اللَّه تعالى بمثل تلك الشبهة: مضارعة للمجوس وتشبه بإبليس وطعن في حكمة اللَّه وعدله، تعالى اللَّه عن ذلك علوًا كبيرًا.
٣ - من المعلوم أن اللَّه تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لتصدق الرسل فيما أخبرت وتطاع فيما أمرت كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، والإيمان بالقدر من تمام ذلك. فمن أثبت القدر وجعل ذلك معارضا للأمر فقد أذهب الأصل، ومعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث اللَّه به رسله فهو كافر (٤).
٤ - أن الرسل صلوات اللَّه عليهم بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها فأتباع الرسل أكمل الناس في ذلك (٥)، ومما جاءت به الرسل الإيمان بالقضاء والقدر وأن اللَّه خالق كل شيء، وأن للعبد قدرة واختيارا لا تخرج عن قدرة اللَّه ومشيئته.
_________
(١) انظر: الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد لأبي الحسين عبد الرحيم بن محمد الخياط المعتزلي (ص ١١٧).
(٢) انظر: النبوات لابن تيمية (٢/ ٩٥٦) وشفاء العليل لابن القيم (ص ٢١٨).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٨/ ١١٤).
(٤) انظر: نفس المصدر (٨/ ١٠٦).
(٥) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (٣/ ٨٤).
стр. 282
فالإيمان بالقضاء والقدر عندهم من تمام التوحيد وشهادة أن لا إله إلا اللَّه، والقيام بالأمر والنهي موجب شهادة أن محمدًا رسول اللَّه. ومن لم يقر بالقضاء والقدر ويقوم بالأمر والنهي فقد كذب بالشهادتين وإن نطق بهما بلسانه (١).
٥ - يقال لهم: الموفقون المهديون آمنوا بقدر اللَّه وشرعه ولم يعارضوا أحدهما بالآخر بل صدر منهما الآخر عندهم وقرره فكان الأمر تفصيلا للقدر وكاشفا عنه وحاكما عليه والا أصل للأمر ومنفذ له وشاهد له ومصدق له فلولا القدر لما وجد الأمر ولا تحقق ولا قام على سَاقه، ولولا الأمر لما تميز القدر ولا تبينت مراتبه وتصاريفه فالقدر مظهر للأمر والأمر تفصيل له واللَّه سبحانه له الخلق والأمر فلا يكون إلا خالقا آمرا فأمره تصريف لقدره وقدره منفذ لأمره (٢).
وبهذا يتبين بطلان مذهب القدرية، وفساد استدلالهم، ومخالفتهم لما جاء به ﷺ وبُعدهم عنه.
* * *
_________
(١) انظر: طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم (ص ٨٨).
(٢) انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم (٢/ ٥٦٦).
стр. 283
الفصل الثالث: شبه الجبرية في باب القدر، والرد عليهم.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: شبه الجبرية النقلية في باب القدر، والرد عليهم.
المطلب الثاني: شبه الجبرية العقلية في باب القدر، والرد عليهم.
* * *
стр. 284
المطلب الأول: شبه الجبرية النقلية في باب القدر، والرد عليهم (١).
استدل الجبرية لإثبات مذهبهم بعموم آيات من كتاب اللَّه تعالى وهي كما يلي:
أولًا: الآيات الدالة على إثبات عموم خلق اللَّه تعالى لكل شيء، مثل:
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
قالوا: وأفعال العباد خلقها اللَّه وحده، وما دام كذلك فهم مجبورون على أفعالهم المخلوقة، فلا قدرة لهم فيها ولا اختيار.
ثانيًا: الآيات الدالة على إثبات المشيئة والاختيار للَّه تعالى وحده، ونفي ذلك عن العباد، ومن ذلك:
قول اللَّه تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨].
وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠].
وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٩]. قالوا: وهذا يدل على أنه لا مشيئة للمخلوق، وأنه مجبور على ما شاء اللَّه تعالى منه من أفعال، فلا إرادة له ولا مشيئة.
الرد عليهم:
أن هذه الآيات التي استد ليتم بها تثبت أن اللَّه خالق كل شي وخالق للعباد وأفعالهم، وأن مشيئته عامة لكل شيء لا تخرج عنها أي مشيئة لمخلوق، ومع ذلك فليس فيها نفي قدرة العبد واختياره ومشيئته، بل وردت كثير من الآيات التي تثبت للعبد قدرة واختيارا ومشيئة، منها: قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] وغيرها، وكذلك أثبتت أنهم يحاسبون على أعمالهم التي عملوها بقدرتهم مشيئتهم واختيارهم ويجازون عليها، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾ [غافر] فكما أثبتم خلق اللَّه لكل شيء بتلك الآيات، فيلزمكم أن تثبتوا للعبد قدرة واختيارًا بالآيات الآخرى، وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه.
ثالثًا: الآيات الدالة على أن اللَّه تعالى هو الهادي لمن يشاء وهو المضل لمن يشاء، ومنها:
_________
(١) انظر: القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس فيه لعبد الرحمن المحمود (ص ٣٣١).
стр. 285
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾ [إبراهيم: ٤]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ [الأنعام].
قالوا: فإذا كانت الهداية والإضلال من اللَّه كما دلت عليه الآيات، فالناس إذن مجبورون على ما اختاره اللَّه لهم من ذلك وخلقهم عليه، لا مشيئة لهم في ذلك ولا اختيار.
رابعًا: الآيات الدالة على الختم والطبع على قلوب العصاة، ومنها:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [البقرة]، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨)﴾ [النحل]، وقوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء].
قالوا: فهذا يدل على أن اللَّه اختار لهم الختم والطبع وخلقه فيهم، فلا قدرة للمخلوق في دفع ذلك ولا اختيار له، فهو مجبور لا إرادة له فيه ولا مشيئة.
الرد عليهم:
أن الآيات لا تدل على مذهبكم، فليس الإنسان مجبورا، واللَّه تعالى يهدي من اتبع الهدى وآمن وعمل صالحًا كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر]، وقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة].
كذلك عاقب اللَّه من كفر وصد عن سبيله بإضلاله وإضلال عمله كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١)﴾ [محمد].
فالمهديُّ من خصه اللَّه بهدايته وشرح صدره لدينه وشريعته، والضال من جعل صدره ضيقًا حرجًا عن معرفته ومحبته، كأنما يتصاعد في السماء وليس ذلك في قدرته وأن ذلك عدل في عقوبته لمن لم يقدره حق قدره وجحد كمال ربوبيته وكفر بنعمته وآثر عبادة الشيطان على عبوديته فسد عليه باب توفيقه وهدايته وفتح عليه أبواب غيه وضلاله فضاق صدره وقسا قلبه وتعطلت من عبودية ربها جوارحه وامتلأت بالظلمة جوانحه
следующие страницы →