← Акыда

Акыда · id 132403

صفات رب العالمين - رسائل جامعية - ناقص

ابن المحب الصامت

Полный текст (3 288 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الشبهة السادسة: قالوا: "إذا كان اللَّه لم يزل عالمًا بكفر الكافرين، فما معنى إرسال الرسل إليهم؟ وما معني الاحتجاج عليهم؟ وما معنى تعريضهم لما قد علم أنهم لا يتعرضون له؟ هل يكون حكيمًا من دعا من يعلم أنه لا يستجيب له ومن لا يرجو إجابته؟ " (١). الرد عليهم: الجواب على هذه الشبهة من وجوه: ١ - أن هذه الشبهة باطلة؛ لأن فيها اعتراضًا على اللَّه تعالى، بنفي علمه وحكمته، وهذا لا يقول به مسلم يشهد ألا إله إلا اللَّه ويشهد أن محمدًا رسول اللَّه (٢). ٢ - أن القدر يؤمَن به ولا يحتج به، فمن لم يؤمن بالقدر ضارع المجوس، ومن احتج به ضارع المشركين، ومن أقر بالأمر والقدر وطعن في عدل اللَّه وحكمته كان شبيها بإبليس؛ فإن اللَّه ذكر عنه أنه طعن في حكمته وعارضه برأيه وهواه وأنه قال: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] (٣) والاعتراض على اللَّه تعالى بمثل تلك الشبهة: مضارعة للمجوس وتشبه بإبليس وطعن في حكمة اللَّه وعدله، تعالى اللَّه عن ذلك علوًا كبيرًا. ٣ - من المعلوم أن اللَّه تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لتصدق الرسل فيما أخبرت وتطاع فيما أمرت كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، والإيمان بالقدر من تمام ذلك. فمن أثبت القدر وجعل ذلك معارضا للأمر فقد أذهب الأصل، ومعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث اللَّه به رسله فهو كافر (٤). ٤ - أن الرسل صلوات اللَّه عليهم بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها فأتباع الرسل أكمل الناس في ذلك (٥)، ومما جاءت به الرسل الإيمان بالقضاء والقدر وأن اللَّه خالق كل شيء، وأن للعبد قدرة واختيارا لا تخرج عن قدرة اللَّه ومشيئته. _________ (١) انظر: الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد لأبي الحسين عبد الرحيم بن محمد الخياط المعتزلي (ص ١١٧). (٢) انظر: النبوات لابن تيمية (٢/ ٩٥٦) وشفاء العليل لابن القيم (ص ٢١٨). (٣) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٨/ ١١٤). (٤) انظر: نفس المصدر (٨/ ١٠٦). (٥) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (٣/ ٨٤).

стр. 282

فالإيمان بالقضاء والقدر عندهم من تمام التوحيد وشهادة أن لا إله إلا اللَّه، والقيام بالأمر والنهي موجب شهادة أن محمدًا رسول اللَّه. ومن لم يقر بالقضاء والقدر ويقوم بالأمر والنهي فقد كذب بالشهادتين وإن نطق بهما بلسانه (١). ٥ - يقال لهم: الموفقون المهديون آمنوا بقدر اللَّه وشرعه ولم يعارضوا أحدهما بالآخر بل صدر منهما الآخر عندهم وقرره فكان الأمر تفصيلا للقدر وكاشفا عنه وحاكما عليه والا أصل للأمر ومنفذ له وشاهد له ومصدق له فلولا القدر لما وجد الأمر ولا تحقق ولا قام على سَاقه، ولولا الأمر لما تميز القدر ولا تبينت مراتبه وتصاريفه فالقدر مظهر للأمر والأمر تفصيل له واللَّه سبحانه له الخلق والأمر فلا يكون إلا خالقا آمرا فأمره تصريف لقدره وقدره منفذ لأمره (٢). وبهذا يتبين بطلان مذهب القدرية، وفساد استدلالهم، ومخالفتهم لما جاء به ﷺ وبُعدهم عنه. * * * _________ (١) انظر: طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم (ص ٨٨). (٢) انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم (٢/ ٥٦٦).

стр. 283

الفصل الثالث: شبه الجبرية في باب القدر، والرد عليهم. وفيه مطلبان: المطلب الأول: شبه الجبرية النقلية في باب القدر، والرد عليهم. المطلب الثاني: شبه الجبرية العقلية في باب القدر، والرد عليهم. * * *

стр. 284

المطلب الأول: شبه الجبرية النقلية في باب القدر، والرد عليهم (١). استدل الجبرية لإثبات مذهبهم بعموم آيات من كتاب اللَّه تعالى وهي كما يلي: أولًا: الآيات الدالة على إثبات عموم خلق اللَّه تعالى لكل شيء، مثل: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]. قالوا: وأفعال العباد خلقها اللَّه وحده، وما دام كذلك فهم مجبورون على أفعالهم المخلوقة، فلا قدرة لهم فيها ولا اختيار. ثانيًا: الآيات الدالة على إثبات المشيئة والاختيار للَّه تعالى وحده، ونفي ذلك عن العباد، ومن ذلك: قول اللَّه تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]. وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠]. وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٩]. قالوا: وهذا يدل على أنه لا مشيئة للمخلوق، وأنه مجبور على ما شاء اللَّه تعالى منه من أفعال، فلا إرادة له ولا مشيئة. الرد عليهم: أن هذه الآيات التي استد ليتم بها تثبت أن اللَّه خالق كل شي وخالق للعباد وأفعالهم، وأن مشيئته عامة لكل شيء لا تخرج عنها أي مشيئة لمخلوق، ومع ذلك فليس فيها نفي قدرة العبد واختياره ومشيئته، بل وردت كثير من الآيات التي تثبت للعبد قدرة واختيارا ومشيئة، منها: قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] وغيرها، وكذلك أثبتت أنهم يحاسبون على أعمالهم التي عملوها بقدرتهم مشيئتهم واختيارهم ويجازون عليها، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾ [غافر] فكما أثبتم خلق اللَّه لكل شيء بتلك الآيات، فيلزمكم أن تثبتوا للعبد قدرة واختيارًا بالآيات الآخرى، وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه. ثالثًا: الآيات الدالة على أن اللَّه تعالى هو الهادي لمن يشاء وهو المضل لمن يشاء، ومنها: _________ (١) انظر: القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس فيه لعبد الرحمن المحمود (ص ٣٣١).

стр. 285

قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾ [إبراهيم: ٤]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ [الأنعام]. قالوا: فإذا كانت الهداية والإضلال من اللَّه كما دلت عليه الآيات، فالناس إذن مجبورون على ما اختاره اللَّه لهم من ذلك وخلقهم عليه، لا مشيئة لهم في ذلك ولا اختيار. رابعًا: الآيات الدالة على الختم والطبع على قلوب العصاة، ومنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [البقرة]، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨)﴾ [النحل]، وقوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء]. قالوا: فهذا يدل على أن اللَّه اختار لهم الختم والطبع وخلقه فيهم، فلا قدرة للمخلوق في دفع ذلك ولا اختيار له، فهو مجبور لا إرادة له فيه ولا مشيئة. الرد عليهم: أن الآيات لا تدل على مذهبكم، فليس الإنسان مجبورا، واللَّه تعالى يهدي من اتبع الهدى وآمن وعمل صالحًا كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر]، وقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة]. كذلك عاقب اللَّه من كفر وصد عن سبيله بإضلاله وإضلال عمله كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١)﴾ [محمد]. فالمهديُّ من خصه اللَّه بهدايته وشرح صدره لدينه وشريعته، والضال من جعل صدره ضيقًا حرجًا عن معرفته ومحبته، كأنما يتصاعد في السماء وليس ذلك في قدرته وأن ذلك عدل في عقوبته لمن لم يقدره حق قدره وجحد كمال ربوبيته وكفر بنعمته وآثر عبادة الشيطان على عبوديته فسد عليه باب توفيقه وهدايته وفتح عليه أبواب غيه وضلاله فضاق صدره وقسا قلبه وتعطلت من عبودية ربها جوارحه وامتلأت بالظلمة جوانحه

стр. 286

والذنب له حيث أعرض عن الإيمان واستبدل به الكفر والفسوق والعصيان ورضي بموالاة الشيطان وهانت عليه معاداة الرحمن (١). قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤] وقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]. فالطبع والختم والغشاوة لم يفعلها الرب سبحانه بعبده من أول وهلة حين أمره بالإيمان أو بينه له وإنما فعله بعد تكرار الدعوة منه سبحانه والتأكيد في البيان والإرشاد وتكرار الإعراض منهم والمبالغة في الكفر والعناد فحينئذ يطبع على قلوبهم ويختم عليها فلا تقبل الهدى بعد ذلك والإعراض والكفر الأول لم يكن مع ختم وطبع بل كان اختيارا فلما تكرر منهم صار طبيعة وسجية (٢). خامسًا: الآيات التي فيها إثبات الفعل للَّه تعالى وحده، ونفيه عن العبد، مثل: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]. قالوا: ففي الآية الأولى أثبت اللَّه تعالى أنه قتلهم وأثبت أنه هو الذي رماهم بنفسه، ونفى اللَّه ذلك عن الرسول ﷺ ومن معه من المؤمنين، فدل أن العبد مجبور لا فعل له ولا مشيئة ولا اختيار. وأما الآية الثانية فإذا كانت الحسنة والسيئة كلها من اللَّه فهذا دليل على أنه لا قدرة للعبد في ذلك وأنه مجبور على ما خلقه اللَّه فيه من حسنة أو سيئة. الرد عليهم: أما الآية الأولى: فهي دليل عليكم لا لكم؛ ولم يُرد به أن فعل العبد هو فعل اللَّه تعالى -كما تظنه طائفة من الغالطين- فإن ذلك لو كان صحيحا لكان ينبغي أن يقال لكل أحد حتى يقال للماشي: ما مشيت إذ مشيت ولكن اللَّه مشي ويقال للراكب: وما ركبت إذ ركبت ولكن اللَّه ركب ويقال للمتكلم: ما تكلمت إذ تكلمت ولكن اللَّه تكلم، ويقال مثل ذلك للآكل والشارب والصائم والمصلي ونحو ذلك، وطردُ ذلك: يستلزم أن يقال _________ (١) انظر: شفاء العليل لابن القيم (ص ١٠٨). (٢) انظر: نفس المصدر لابن القيم (ص ٩١).

стр. 287

للكافر: ما كفرت إذ كفرت ولكن اللَّه كفر، ويقال للكاذب: ما كذبت إذ كذبت ولكن اللَّه كذب، ومن قال مثل هذا فهو كافر ملحد خارج عن العقل والدين (١). واللَّه تعالى أثبت لرسوله ﷺ رميًا بقوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ فعلم أن المثبت غير المنفي وذلك أن الرمي له ابتداء وانتهاء، فابتداؤه الحذف، وانتهاؤه الإصابة، وكل منهما يسمى رميا، فالمعنى حينئذ -واللَّه تعالى أعلم- وما أصبت إذ حذفت ولكن اللَّه أصاب، وإلا فطرد قولهم: وما صليت إذ صليت ولكن اللَّه صلى! ما صمت إذ صمت! وما زنيت إذ زنيت! وما سرقت إذ سرقت! وفساد هذا ظاهر (٢). فمعناه: وما أوصلت إذ حذفت ولكن اللَّه أوصل المرمي؛ فإن النبي ﷺ كان قد رمي المشركين بقبضة من تراب وقال: (شاهت الوجوه) فأوصلها اللَّه إلى وجوه المشركين وعيونهم؛ وكانت قدرة النبي ﷺ عاجزة عن إيصالها إليهم والرمي له مبدأ وهو الحذف ومنتهى وهو الوصول؛ فأثبت اللَّه لنبيه المبدأ بقوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ ونفى عنه المنتهى وأثبته لنفسه بقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ وإلا فلا يجوز أن يكون المثبت عين المنفي؛ فإن هذا تناقض (٣). وأما الآية الثانية فالمراد بالحسنة النعم، وبالسيئة والمصائب. قال البغوي: " ﴿حَسَنَةً﴾ أي خصب ورخص في السعر ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يعني: الجدب وغلاء الأسعار، وقيل: المراد بالحسنة الظفر والغنيمة يوم بدر، وبالسيئة القتل والهزيمة يوم أحد، ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: الحسنة والسيئة كلها من عند اللَّه، قوله : ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ خير ونعمة ﴿فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ بلية أو أمرٍ تكرهه، ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: بذنوبك" (٤). وليس المراد بالحسنة والسيئة الطاعة والمعصية، فلم يثبت هذا عن أحد من السلف، ولكن قد يقال: إنه مراد مع الأول باعتبار أن ما يهديه اللَّه إليه من الطاعة هو نعمة في حقه من اللَّه أصابته، وما يقع منه من المعصية هو سيئة أصابته، ونفسه التي عملت السيئة، وإذا كان الجزاء من نفسه فالعمل الذي أوجب الجزاء أولى أن _________ (١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢/ ٣٣١). (٢) انظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٦٤٢). (٣) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢/ ٣٧٥). (٤) انظر: تفسير البغوي (٢/ ٢٥٢) باختصار.

стр. 288

يكون من نفسه، فلا منافاة أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه، مع أن الجميع مقدر كما تقدم، وقد روي عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يقرأ: فمن نفسك وأنا قدرتها عليك (١). فالخير كله من اللَّه والشر -كله من النفس فإن الشر- هو الذنوب وعقوبتها والذنوب من النفس وعقوباتها مترتبة عليها واللَّه هو الذي قدر ذلك وقضاه وكل من عنده قضاء وقدرا وإن كانت نفس العبد سببه بخلاف الخير والحسنات فإن سببها مجرد فضل اللَّه ومنه وتوفيقه كما تقدم تقريره ومنها أنه سبحانه لما رد قولهم أن الحسنة من اللَّه والسيئة من رسوله وأبطله بقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ رفع وهم من توهم أن نفسه لا تأثير لها في السيئة ولا هي منها أصلا بقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِك﴾ [النساء: ٧٩] وخاطبه بهذا تنبيها لغيره كما تقدم ومنها أنه قال في الرد عليهم: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولم يقل من اللَّه لما جمع بين الحسنات والسيئات والحسنة مضافة إلى اللَّه من كل وجه والسيئة إنها تضاف إليه قضاء وقدرا وخلقا وأنه خالقها كما هو خالق الحسنة فلهذا قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو سبحانه إنما خلقها لحكمة فلا تضاف إليه من جهة كونها سيئة بل من جهة ما تضمنته من الحكمة والعدل والحمد وتضاف إلى النفس كونها سيئة ولما ذكر الحسنة مفردة عن السيئة قال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ولم يقل من عند اللَّه فالخير منه وأنه موجب أسمائه وصفاته والشر الذي هو بالنسبة إلى العبد شر من عنده سبحانه فإنه مخلوق له عدلا منه وحكمة ثم قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ولم يقل من عندك لأن النفس طبيعتها ومقتضاها ذلك فهو من نفسها والجميع من عند اللَّه فالسيئة من نفس الإنسان بلا ريب والحسنة من اللَّه بلا ريب وكلاهما من عنده سبحانه قضاء وقدرا وخلقا ففرق بين ما من اللَّه وبين ما من عنده والشر. لا يضاف إلى اللَّه إرادة ولا محبة ولا فعلا ولا وصفا ولا اسما فإنه لا يريد إلا الخير ولا يحب إلا الخير ولا يفعل شرا ولا يوصف به ولا يسمى باسمه (٢). وبهذا يتبين فساد مذهب الجبرية، وبطلان استدلالهم بالآيات الكريمة، وأن جميع ذلك دليل عليهم وحجة عليهم لا لهم، فالعبد له قدرة واختيار وفعل وهو مع ذلك لا يخرج عن قدرة اللَّه تعالى ومشيئته، فاللَّه خالق، والعبد فاعل، وباللَّه التوفيق. * * * _________ (١) انظر: الحسنة والسيئة لابن تيمية (ص ٢٤). (٢) انظر: شفاء العليل لابن القيم (ص ١٦٦).

стр. 289

المطلب الثاني: شبه الجبرية العقلية في باب القدر، والرد عليهم. الشبهة الأولى: قالوا: لما كان اللَّه تعالى فعالًا وكان لا يشبهه شيء من خلقه وجب ألا يكون أحد فعالًا غيره، ومعنى إضافة الفعل إلى الإنسان إنما هو كما تقول: مات زيد، وإنما أماته اللَّه تعالى، وقام البناء وإنما أقامه اللَّه تعالى (١). الرد عليهم: يقال لهم احتجاجكم بهذه الشبهة باطل وذلك لما يلي: ١ - أنه قد ثبت بالنص أن للإنسان أفعالًا وأعمالًا واختيارًا كما قال تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩] فأثبت اللَّه لهم الفعل، وكما قال تعالى عن أهل الجنة: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ فعلمنا أن للإنسان اختيارًا لأن أهل الدنيا وأهل الجنة سواء في أن اللَّه تعالى خالق أعمال الجميع. وهذا لا يتعارض مع قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] الآية؛ لأن الاختيار الذي هو فعل للَّه تعالى -وهو منفي عما سواه- هو غير الاختيار الذي أضافه إلى خلقه ووصفهم به؛ لأن الاختيار الذي توحد اللَّه به هو أنه يفعل ما شاء كيف شاء وإذا شاء وليست هذه صفة شيء من خلقه، وأما الاختيار الذي أضافه اللَّه تعالى إلى خلقه فهو ما خلق فيهم من الميل إلى الشيء والإيثار له على غيره فقط. ٢ - أن الاشتراك في الأسماء لا يقع من أجله التشابه ألا ترى أنك تقول: اللَّه الحي، والإنسان حي، والإنسان حكيم كريم عليم، واللَّه تعالى حكيم كريم عليم، وليس هذا يوجب اشتباهًا بلا خلاف، وإنما يقع الاشتباه بالصفات الموجودة في الموصوفين، والفرق بين الفعل الواقع من اللَّه ، والفعل الواقع منا هو: أن اللَّه تعالى اخترعه وجعله جسما أو عرضا أو حركة أو سكونا أو معرفة أو إرادة أو كراهية، وفعل كل ذلك فينا بغير معاناة منه. وأما نحن فإنما كان فعلا لنا لأنه خلقه فينا وخلق اختيارنا له وأظهره فينا محمولا لاكتساب منفعة أو لدفع مضرة ولم نخترعه نحن (٢). _________ (١) انظر: الفصل لابن حزم (٣/ ١٤). (٢) انظر: نفس المصدر لابن حزم (٣/ ١٥ - ١٦) باختصار.

стр. 290

الشبهة الثانية: قولهم: أنه يترتب على القول بإثبات القدرة للعبد قصور قدرة اللَّه عن بعض المخلوقات ووجود شريك له في الخلق، واللَّه يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] الآية. ويقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات] (١). الرد عليهم: يقال لهم: اعتقادكم هذا باطل فإنه لا يترتب على القول بأن تلعبد قدرة ومشيئة تحت قدرة اللَّه ومشيئته ما ذكرتم من قصور قدرة اللَّه عن بعض المخلوقات ووجود الشريك إلا إذا قيل بأن العبد مستقل بقدرته ومشيئته. كما أن استدلالكم بهذه الآيات على هذا الاعتقاد باطل؛ فإنها لا تدل على ما زعمتموه؛ إذ أنها لا تنافي وجود قدرة للعبد تحت قدرة اللَّه يفعل بها، فتكون أعماله فعلا له مخلوقة للَّه. الشبهة الثالثة: قالوا: إن اللَّه علم وأراد أزلًا وجُودَ أفعال العباد، وتعلقت قدرته بوجودها فيما لا يزال، فما وقع من أفعال العباد فهو بقضاء اللَّه وقُدرته، والعباد مجبورون عليها (٢). الرد عليهم: أن تعلُّقَ علم اللَّه وإرادته بأفعال العباد لا يجعلهم مجبورين في أفعالهم؛ لأن اللَّه علم أزلًا بأفعال العباد، وبأن العبد يختارها، ليس سالبًا لاختيار العبد، وإنها محقق لاختياره، وهذا معلوم عند كافة العقلاء، كما أن تعلق قدرته بوجودها لا يُنافي أن تكون أفعال العباد واقعة بقدرتهم وأنهم الفاعلون لها (٣). * * * _________ (١) انظر: مجلة البحوث الإسلامية. الناشر: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالرياض (٣٤/ ٢٣٢). (٢) انظر: القضاء والقدر لعبد الرحمن المحمود (ص ٣٣١). (٣) انظر: نفس المصدر لعبد الرحمن المحمود (ص ٣٥٤).

стр. 291

الفصل الرابع: شبه الأشاعرة في باب القدر، والرد عليها. الشبهة الأولى: أنه لا خالق إلا اللَّه، وأن أعمال العباد مخلوقة للَّه مقدرة، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات]، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئًا، وهم يخلقون (١). الرد عليهم: ١ - أن الآية الكريمة معناها أن اللَّه خلق الإنسان وخلق الأصنام التي صنعوها ونحوتدها بدليل أن "ما" في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَعْمَلُون﴾ ليست مصدرية، وإنما موصولة بمعنى "الذي" أي والذي تنحتونه، ومن جعلها مصدرية فقد غلط (٢). ٢ - أنه لو كانت الآية كما زعمتم لم يكن فيها دليل على ما يوجب ذمهم على ذلك ونهيهم عنه، فلو أريد واللَّه خلقكم وعملكم الذي هو الكفر وغيره، لم يكن في ذلك ما يناسب ذمهم، ولم يكن في بيان خلق اللَّه تعالى لأفعال عباده ما يوجب ذمهم على الشرك (٣). ٣ - أن ذلك كان من إبراهيم ﵇ توبيخًا لهم على عبادة الأوثان والأصنام التي نحتوها، كما قال تعالى عنه في آية أخرى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] ولهذا استفهم استفهام منكر فقال: ﴿. . . قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات] أي: وخلق ما تنحتون، فكيف يجوز أن تعبدوا ما تصنعونه بأيديكم وتدعون رب العالمين؟! (٤). الشبهة الثانية: أن إثبات تأثير قدرة العبد الحادثة في الفعل يستلزم إثبات خالق مع اللَّه، وذلك لأمرين: الأول: لو كان العبد مُحدِثًا الأفعال نفسه للزم وجود خالق غير اللَّه، ووجود خالق غير اللَّه محال، ويلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم. الثاني: لو كان العبد موجد لفعل نفسه ومحدثًا له لكان عالمًا به، واللازم ممتنع فالملزوم ممتنع (٥). _________ (١) انظر: الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري (ص ٢٣). (٢) انظر: المسائل والأجوبة لابن تيمية (ص ١١٤) والفوائد لابن القيم (١/ ١٤٣) الناشر: دار الكتاب العربي بيروت. (٣) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (٣/ ٣٣٧). (٤) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١١/ ٦٨١). (٥) انظر: أبكار الأفكار للآمدي (٢/ ٤٠٠) باختصار.

стр. 292

الرد عليهم: ١ - أن إثباتهم قدرة للعبد غير مؤثرة باطل؛ فإنه إذا تبين أن اللَّه قد خلق العبد وخلق صفاته التي بها يقع الفعل من القدرة والإرادة وهما من أسباب العمل، وخلق أيضًا عمله على وفق سنته من تأثير الأسباب في مسبباتها فلا حرج بعد ذلك، ولا يلزم أن تكون الأسباب هي الخالقة للفعل. ٢ - أن التأثير إذا فسر بوجود شرط الحادث أو سبب يتوقف حدوث الحادث به على سبب آخر، وانتفاء موانع -وكل ذلك بخلق اللَّه تعالى- فهذا حق، وتأثير قدرة العبد في مقدورها ثابت بهذا الاعتبار، وإن فسر التأثير بأن المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا معاون مانع، فليس شيء من المخلوقات مؤثرا، بل اللَّه وحده خالق كل شيء لا شريك له ولا ند له، فيما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن. . . فإذا عرف ما في لفظ "التأثير من الإجمال والاشتراك ارتفعت الشبهة، وعرف العدل المتوسط بين الطائفتين (١). ٣ - التأثير اسم مشترك، قد يراد بالتأثير الانفراد بالابتداع والتوحيد بالاختراع فإن أريد بتأثير قدرة العبد هذه القدرة فحاشا للَّه لم يقله سني، وإنما هو المعزو إلى أهل الضلال، وإن أريد بالتأثير نوع معاونة إما في صفة من صفات الفعل أو في وجه من وجوهه -كما قاله كثير من متكلمي أهل الإثبات- فهو أيضًا باطل بما به بطل التأثير في ذات الفعل؛ إذ لا فرق بين إضافة الانفراد بالتأثير إلى غير اللَّه سبحانه في ذرة أو فيل، وهل هو إلا شرك دون شرك وإن كان قائل هذه المقالة ما نحا إلا نحو الحق. وإن أريد بالتأثير أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود كان يتوسط القدرة المحدثة، بمعنى أن القدرة المخلوقة هي سبب وواسطة في خلق اللَّه الفعل بهذه القدرة، كما خلق النبات بالماء، وكما خلق الغيث بالسحاب، وكما خلق جميع المسببات والمخلوقات بوسائط وأسباب، فهذا التفسير إلى قدرة العبد شركا، وإلا فيكون إثبات جميع الأسباب شركًا، وقد قال الحكيم الخبير: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]. ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]. فبين أنه المعذِّب، وأن أيدينا أسباب وآلات وأوساط وأدوات في وصول العذاب إليهم (٢). _________ (١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٨/ ١٣٤ - ١٣٥) باختصار. (٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٨/ ٣٨٩ - ٣٩٠).

стр. 293

٤ - أن الذي عليه السلف وأتباعهم وأئمة أهل السنة وجمهور أهل الإسلام المثبتون للقدر، المخالفون للمعتزلة: إثبات الأسباب، وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثير كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها، واللَّه تعالى خلق الأسباب والمسببات، والأسباب ليست مستقلة بالمسببات، بل لا بد لها من أسباب أخر تعاونها، ولها مع ذلك أضداد تمانعها، والسبب لا يكون حتى يخلق اللَّه جميع أسبابه، ويدفع عنه أضداده المعارضة له، وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته كما يخلق سائر المخلوقات، فقدرة العبد سبب من الأسباب، وفعل العبد لا يكون بها وحدها، بل لا بد من الإرادة الجازمة مع القدرة، وإذا أريد بالقدرة القوة بالإنسان فلا بد من إزالة الموانع كإزالة القيد والحبس ونحو ذلك، والصاد عن السبيل كالعدُوِّ وغيره (١). الشبهة الثالثة: أنه لا يجوز أن يحدث الفعل على حقيقته إلا من محدث أحدثه وقصد إلى فعله، ذلك أنا وجدنا الكفر قبيحًا فاسدًا باطلًا متناقضًا، ووجدنا الإيمان حسنًا متعبًا مؤلمًا، ووجدنا الكافر يقصد إلى أن يكون الكفر حسنًا حقًا فيكون خلاف قصده، ووجدنا الإيمان لو شاء المؤمن أن لا يكون متعبًا مؤلمًا لم يكن ذلك كائنًا على حسب مشيته وإرادته، ولن يجوز أن يكون محدث الكفر الكافر الذي يريده حسنًا صوابًا حقًا على خلاف ذلك، وكذلك المؤمن الذي لو جهد أن يقع الإيمان خلاف ما وقع من إيلامه وإتعابه لم يكن إلى ذلك سبيل، وإذا لم يجز ذلك فقد وجب أن يكون محدث ذلك هو اللَّه تعالى رب العالمين القاصد إلى ذلك (٢). الرد عليهم: ١ - أن اللَّه تعالى خلق العبد وأفعاله، والعبد فاعل تفعله حقيقة، وقد أثبت المشيئة للعبد في آيات كثيرة، وأثبت له قدرة واختيارًا وهي لا تخرج عن مشيئة اللَّه وقدرته، ونسب اللَّه الفعل للعبد فيما يأتيه من إيمان أو كُفر، والعبد يُسمَّى مؤمنًا بإيمانه هو وفعله للإيمان بنفسه، والكافر كذلك يُسمى كافرًا بكفره وفعله للكفر بنفسه، كما قال تعالى عن المؤمن: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥] وقال: ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] وقال عن الكفر: ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾ [فاطر: ٣٩]. ٢ - من المسلم به أنه لا دخل لقدرة العبد في خلاف شيء قدَّره اللَّه وقضاه كونًا، فالخلق كلهم لا يخرجون عن ذلك أبدًا، أما ما قدره اللَّه وقضاه دينًا وشرعًا، فقد يفعله العبد وقد يخالفه بقدرته اختياره _________ (١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٨/ ٤٨٧ - ٤٨٨). (٢) انظر: اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع للأشعري (ص ٧١ - ٧٢) باختصار.

стр. 294

ومشيئته، وقد يكون العبد سببًا في إيمان غيره بتحسين الإيمان له وتزيينه وبيان حلاوته وما يحصل في القلب والبدن من لذة وسعادة نتيجة لذلك، وقد يكون للعبد أيضًا سببًا في كفر غيره بتزيينه الكفر وتحسينه لهن وتقبيح الإيمان له وتنفيره عنه. ٣ - أن اللذة والإتعاب والإيلام لا يوصف به الفعل أبدًا، فسبب اللذة إحساس الملائم، وسبب الألم إحساس المنافي، ليس اللذة والألم نفس الإحساس والإدراك؛ وإنما هو نتيجته وثمرته ومقصوده (١). ٤ - أنّ الأشعري المنكر للحسن والقبح العقلي أقر هنا بقبح الكفر وحسن الإيمان عقلًا، مع أنه لا يقول بالحسن والقبح العقليّين، لأنهما عنده لا يُعلمان إلا بالشرع فقط (٢). الشبهة الرابعة: أن الدليل على خلق اللَّه حركة الاضطرار قائمٌ في خلق حركة الاكتساب، فكما أن حركة الاضطرار إن كان الذي يدل على أن اللَّه خلقها حدوثُها فكذلك القصة في حركة الاكتساب، وكذلك الذي يدل على أن خلقها حاجتها إلى زمان ومكان فكذلك قصة حركة الاكتساب، فوجب خلق حركة الاكتساب بمثل ما وجب به خلق حركة الاضطرار (٣). الرد عليهم: ١ - أن الانسان يجد من نفسه تفرقة بين الحركة الاضطرارية والحركة الاختيارية، وليست التفرقة واقعة بالنسبة إلى الحركتين من حيث هما ذاتان أو من حيث هما موجودان ولا غير ذلك، بل التفرقة إنما هي راجعة إلى كون إحداهما مقدورة مرادة والأخرى ليست مقدورة ولا مرادة، وإذا لم تكن التفرقة إلا لتعلق القدرة بإحداهما دون الأخرى فلا يخلو: إما أن يكون لتعلق القدرة تأثير أو ليس لها تأثير، لا جائز أن يقال بأنه لا تأثير لها، وإلا لما حصلت التفرقة؛ إذ لا فرق بين انتفاء التعلق وبين ثبوته مع انتفاء التأثير فيما يرجع إلى التفرقة فتعين القول بالتأثير (٤). _________ (١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٠/ ١٤٠). (٢) انظر: الإرشاد للجويني (ص ٢٥٨) والمحصل للرازي (ص ٢٠٢) وشرح المواقف للجرجاني (٨/ ١٨١ - ١٨٢). (٣) انظر: اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع للأشعري (ص ٧٤ - ٧٥) باختصار. (٤) انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص ٢١٩ - ٢٢٠).

стр. 295

٢ - أن الثواب والعقاب والمدح والذم إنما هو مرتب على عمل العبد الاختياري دون الاضطراري، ولولا ذلك العمل الاختياري الذي يفعله العبد بمشيئته واختياره وقدرته لما أُرسلت الرسل وأنزلت الكتب وشُرعت الشرائع وجاءت الأوامر والنواهي، ووجبت الموالاة والمعاداة (١). الرد عليهم في مسألة الكسب: أولًا: أنهم حاولوا التوسط بين الجبرية والمعتزلة، فحينما قالوا بالكسب ظنوا أنهم فروا من قول الجبرية، وزعموا أنهم بذلك يثبتون للعبد قدرة واختيارة، وحينما قالوا بعدم تأثير قدرة العبد الحادثة في الفعل ظنوا أنهم فروا من قول المعتزلة، وأنهم بذلك أثبتوا وحدانية اللَّه تعالى في أفعاله، فلا مؤثر إلا اللَّه وحده، ولا يوجد تأثير للأسباب في مسبباتها، وقولهم ذلك لا حقيقة له معقولة، بل يرجع إلى مذهب الجبرية (٢). ثانيًا: أن تفسيرهم الكسب بالاقتران مخالف للغة العرب واستعمال القرآن الكريم، فالكسب أصله في اللغة الجمع وهو طلب الرزق، يقال: كسبت شيئًا واكتسبته بمعنى وكسبت أهلي خيرا وكسبت الرجل مالًا فكسبه، وهذا مما جاء على فعلته ففعل، والكواسب الجوارح، وتكسب تكلف الكسب، والكسب قد وقع في القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: عقد القلب وعزمه كقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] أي بما عزمتم عليه وقصدتموه، وقال الزجاج: "أي يؤاخذكم بعزمكم" على أن لا تبروا وأن لا تتقوا وأن تعتلوا في ذلك بأنكم حلفتم وكأنه التفت إلى لفظ المؤاخذة وأنها تقتضي تعذيبا فجعل كسب قلوبهم عزمهم على ترك البر والتقوى لمكان اليمين والقول الأول أصح وهو قول جمهور أهل التفسير فإنه قابل به لغو اليمين وهو أن لا يقصد اليمين فكسب القلب المقابل للغو اليمين هو عقده وعزمه كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] فتعقيد الإيمان هو كسب القلب. الثاني: كسب المال من التجارة قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] فالأول للتُّجار والثاني للزُّراع. الثالث: السعي والعمل كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٥٢]: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ٧٠] فهذا كله _________ (١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٧/ ١٤٤) وشفاء العليل لابن القيم (ص ٣٥). (٢) انظر: المواقف في علم الكلام (ص: ٤٢٨).

стр. 296

للعمل (١). فهو في اللغة بمعنى الجمع والطلب، يقال: كَسَبْتُ شيئًا واكتسبتُه بمعنى، وكسَّبتُ أهلي خيرًا وكسَّبتُ الرجل مالًا فكسبه (٢). فظهر مما تقدم أن الكسب يرجع إلى ما يكسبه الإنسان من عمل القلب أو عمل الجوارح وهو المعبر عنه بالاجتراح والعمل، وظهر أن تفسير الأشعرية للكسب بالمقارنة قول لم يسبقوا إليه (٣). ثالثا: إذا قيل لهؤلاء: الكسب الذي أثبتموه لا تعقل حقيقته، فإذا قالوا: الكسب ما وجد في محل القدرة المحدثة مقارنًا لها من غير أن يكون للقدرة تأثير فيه، قيل لهم: فلا فرق بين هذا الكسب وبين سائر ما يحدث في غير محلها وغير مقارن لها؛ إذ اشتراك الشيئين في زمانها ومحلهما لا يوجب كون أحدهما له قدرة على الآخر، كاشتراك العرضين الحادثين في محل واحد في زمان واحد، بل قد يقال: ليس جعل الكسب قدرة والقدرة كسبًا بأولى من العكس إذا لم يكن إلا مجرد المقارنة في الزمان والمحل (٤). رابعًا: أن بناء التكليف على هذه المقارنة غير معقول، وينتهي إلى القول بتكليف العاجز، فإنَّ فِعْل العبد كما يقارن القدرة الحادثة من الكاسب كذلك يقارن علمه وسمعه وبصره وغير ذلك من بقية الصفات، فأي مزية للقدرة إذا في تعلقها بالفعل؟ ولذا قال جمهور العقلاء إن كسب الأشعري من محالات الكلام، والعقلاء متفقون على عدم تكليف العاجز، والقرآن الكريم شاهدٌ بذلك: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا﴾ [البقرة: ٢٨٦] والاقتران ليس من عمل المكلف فليس في وسعه (٥). خامسًا: أن كسب الأشعري لا حقيقة له، لأنهم فسروه بأنه عبارة عن اقتران المقدور بالقدرة الحادثة، وقالوا: الخلق هو المقدور بالقدرة القديمة. وما دام العبد ليس بفاعل، ولا له قدرة مؤثرة في الفعل فالزعم بأنه كاسب، وتسمية فعله كسبا لا حقيقة له، لأنه القائل بذلك لا يستطيع أن يوجد فرقا بين الفعل الذي نفاه عن العبد، والكسب الذي أثبته له. _________ (١) انظر: شفاء العليل لابن القيم (ص ١٢٠) باختصار. (٢) انظر: القاموس المحيط للفيروزأبادي (ص: ١٦٧). مادة (كسب). (٣) انظر: الشرح الجديد على جوهرة التوحيد لمحمد بن أحمد لعدوي (ص ٧٩) الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى الباب الحلبي وأولاده بمصر. الطبعة الأولى ١٣٦٦ هـ. (٤) انظر: الصفدية لابن تيمية (ص ١٥١ - ١٥٢). (٥) انظر: الشرح الجديد لجوهرة التوحيد للعدوي (ص ٨٠).

стр. 297

وقد أقر الرازي بأن الكسب الذي قاله به الأشاعرة لا يعقل فقال: "وعند هذا التحقيق يظهر أن الكسب اسم بلا مسمى" (١). وصرح التفتازاني بذلك فقال: "فإن الإنسان مضطر في صورة مختار كالقلم في يد الكاتب" (٢). واعترف الشعراني بأن الكسب الأشعري مُشكل وأنه من أدق المسائل وأغمضها، لكنه أحال لمعرفته إلى الكشف الصوفي فقال: "اعلم يا أخي أن مسألة الكسب من أدق مسائل الأصول وأغمضها، ولا يزيل أشكالها إلّا الكشف" (٣). وقال اللقاني: "مسألة الكسب وهي من غوامض مباحث الكلام حتى شرب بها المثل فقيل: أخفى من كسب الأشعري" (٤). سادسًا: أن الأشعرية قد تنازعوا في معنى قدرة العبد على الطاعة، كل منهم يقول قولا ينقض الآخر: فقال الأشعري: هي العرض المقارن للطاعة. وقال الجويني: هي سلامة الأسباب والآلات. وأورد على كلام الأشعري أنه يلزم من هذا تكليف العاجز؛ وأجيب عنه بأنه قادر بالقوة القريبة لما اتصف به من سلامة الآلات بناء على قول الأشعري: أن العرض لا يبقى زمانين. ورُد ذلك بأن العرض يبقي زمانين، وعليه فلا مانع من تقدم القدرة على الطاعة عنها (٥). ولكن الإشكال ما زال باقيًا حيث خصصوا تقدم القدرة بالطاعة فقط وأخروجوا الكافر من ذلك، وكذلك ما زالت القدرة عندهم غير مؤثرة، فلذلك قالوا: "وبالجملة فليس للعبد تأثير ما، فهو مجبورٌ باطنًا، مختارٌ ظاهرًا" (٦). _________ (١) انظر: محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين للرازي (ص ١٩٩). (٢) انظر: شرح المقاصد لمسعود بن عمر التفتازاني (٤/ ٢٦٤). (٣) انظر: اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر لعبد الوهاب بن أحمد الشعراني (ص ٥٦٢). (٤) انظر: هداية المريد إلى جوهرة التوحيد لإبراهيم اللقاني (ص ٢٥١). (٥) انظر: تحفة المريد للبيجوري (ص ١٦٩) باختصار وتصرف. (٦) انظر: نفس المصدر للبيجوري (ص ١٧٧).

стр. 298

سابعًا: أن زعْمَ الأشاعرةِ بأنهم يفرقون بين الكسب الذي أثبتوه وبين الخلق: بأن الكسب: عبارة عن اقتران المقدور بالقدرة الحادثة، والخلق هو المقدور بالقدرة القديمة، وقولهم أيضًا: الكسب هو الفعل القائم بمحل القدرة عليه، والخلق هو الفعل الخارج عن محل القدرة عليه، مردود بما يلي: • أن هذا لا يوجب فرق بين كون العبد كسَبَ، وبين كونه فعل، وأوجد، وأحدث، وصنع، وعمل، ونحو ذلك، فإن فعله وإحداثَه وعَملَه وصُنعَه هو أيضًا مقدور بالقدرة الحادثة، وهو قائم في محل القدرة الحادثة. • وأيضًا فهذا فرق لا حقيقة له؛ فإن كون المقدور في محل القدرة أو خارجة عن محلها لا يعود إلى نفس تأثير القدرة فيه، وهو مبني على أصلين: أن اللَّه لا يقدر على فعل يقوم بنفسه، وأن خلقه للعالم هو نفس العالم، وأكثر العقلاء من المسلمين وغيرهم على خلاف ذلك، والثاني: أن قدرة العبد لا يكون مقدورها إلا في محل وجودها، ولا يكون شيء من مقدورها خارجا عن محلها. • إذا فُسر التأثير بمجرد الاقتران فلا فرق بين أن يكون الفارق في المحل أو خارجًا عن المحل. • من المستقر في فطر الناس: أن من فعل العدل فهو عادل، ومن فعل الظلم فهو ظالم، ومن فعل الكذب فهو كاذب، فإذا لم يكن العبد فاعلًا لكذبه وظلمه وعدله، بل اللَّه فاعل ذلك، لزم أن يكون هو المتصف بالكذب والظلم، وهذا كما قلتم أنتم: من المستقر في فطر الناس أن من قام به العلم فهو عالم، ومن قامت به القدرة فهو قادر، ومن قامت به الحركة فهو متحرك، ومن قام به التكلم فهو متكلم، ومن قامت به الإرادة فهو مريد، وقلتم: إذا كان الكلام مخلوقًا كان كلامًا للمحل الذي خلقه فيه كسائر الصفات، فهذه القاعدة المطردة فيمن قامت به الصفات نظيرها أيضًا من فعل الأفعال. • القرآن مملوء بذكر إضافة الأفعال إلى العباد كقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] وقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وقوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠٥]. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧] وأمثال ذلك. • أن الشرع والعقل متفقان على أن العبد يُحمد ويُذم على فعَلَه، ويكون حَسَنةً له أو سَيئةً، فلو لم يكن إلا فعل غيره لكان ذلك الغير هو المحمود المذموم عليها (١). ثامنًا: أن الأشاعرة ضلوا في هذا الباب بسبب اعتقادهم أن الفعل هو المفعول، والخلق هو المخلوق، فلم يفرقوا بين ما يقوم باللَّه تعالى من الأفعال، وما هو منفصل عنه، فجعلوا كل أفعال اللَّه مفعولة له منفصلة _________ (١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٨/ ١١٨ - ١١٩) بتصرف يسير.

стр. 299

عنه، فلما اعتقدوا أن أفعال العباد مخلوقة مفعولة للَّه قالوا: فهي فعله، فقيل لهم مع ذلك: أهي فعل العبد؟ فاضطربوا، فمنهم من قال: هي كسبه لا فعله، ولم يفرقوا بين الكسب والفعل بفرق محقق. ومنهم من قال: بل هي فعل بين فاعلين، ومنهم من قال: بل الرب فعَلَ ذاتَ الفعلِ، والعبدُ فعَلَ صفاته. والتحقيق ما عليه أئمة السنة وجمهور الأمة من الفرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق، فأفعال العباد هي كغيرها من المحدثات مخلوقة مفعولة للَّه، كما أن نفس العبد وسائر صفاته مخلوقة مفعولة للَّه، وليس ذلك نفس خلقه وفعله بل هي مخلوقة ومفعولة، وهذه الأفعال هي فعل العبد القائم به، ليست قائمة باللَّه ولا يتصف بها، فإنه لا يتصف بمخلوقاته ومفعولاته؛ وإنما يتصف بخلقه وفعله، كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته، والعبد فاعل لهذه الأفعال وهو المتصف بها، وله عليها قدرة، وهو فاعلها باختياره ومشيئته، وذلك كله مخلوق للَّه، فهي فعل العبد ومفعولة للرب، لكن هذه الصفات لم يخلقها اللَّه بتوسط قدرة العبد ومشيئته؛ بخلاف أفعاله الاختيارية؛ فإنه خلقها بتوسط خلقه لمشيئة العبد وقدرته كما خلق غير ذلك من المسببات بواسطة أسباب أخر (١). فقول القائل: "هذا فعل هذا، وفعل هذا" لفظ فيه إجمال، فإنه تارة يراد بالفعل نفس الفعل، وتارة يراد به مسمى المصدر، فيقول: فعل هذا أفعله فعلًا، وعملت هذا أعمله عملًا، فإذا أريد بالعمل نفس الفعل الذي هو مسمى المصدر كصلاة الإنسان، وصيامه، ونحو ذلك، فالعمل هنا هو المعمول، وقد اتحدَّ هنا مسمى المصدر والفعل، وإذا أريد بذلك ما يحصل بعملهِ كنساجة الثوب وبناء الدار ونحو ذلك، فالعمل هنا غير المعمول. قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣] فجعل هذه المصنوعات معمولة للجن، ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات] أي: واللَّه خلقكم وخلق الأصنام التي تنحتونها، والمقصود أن لفظ "الفعل" و"العمل" و"الصُّنع" أنواع، وذلك كلفظ البناء والخياطة والتجارة تقع على نفس مسمى المصدر، وعلى المفعول، وكذلك لفظ "التلاوة" و"القراءة" و"الكلام" و"القول" يقع على نفس مسمى المصدر، وعلى ما يحصل بذلك من نفس القول والكلام، فيراد بالتلاوة والقراءة نفس القرآن المقروء المتلو، كما يراد بها مسمى المصدر. _________ (١) انظر: نفس المصدر لابن تيمية (٨/ ١١٨ - ١١٩) واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩).

стр. 300

فالقائل إذا قال: هذه التصرفات فعل اللَّه أو فعل العبد، فإن أراد بذلك أنها فعل اللَّه بمعنى المصدر فهذا باطل باتفاق المسلمين، وبصريح العقل، ولكن من قال هي فعل اللَّه وأراد به أنها مفعولة مخلوقة للَّه كسائر المخلوقات فهذا حق. وأما من قال: خَلْقُ الربِّ تعالى لمخلوقاته ليس هو نفس مخلوقاته، قال: إن أفعال العباد مخلوقة كسائر المخلوقات، ومفعولة للرب كسائر المفعولات، ولم يقل: إنها نفس فعل الرب وخلقه، بل قال: إنها نفس فعل العبد، وعلى هذا تزول الشبهة، فإنه يقال: الكذب والظلم ونحو ذلك من القبائح يتصف بها من كانت فعلا له، كما يفعلها العبد، وتقوم به، ولا يتصف بها من كانت مخلوقة له إذا كان قد جعلها صفة لغيره، كما أنه سبحانه لا يتصف بها خلقه في غيره من الطعوم والألوان والروائح والأشكال والمقادير والحركات وغير ذلك، فإذا كان قد خلق لون الإنسان لم يكن هو المتلون به، وإذا خلق رائحة منتنة أو طعمًا مرًا أو صورة قبيحة ونحو ذلك مما هو مكروه مذموم مستقبح، لم يكن هو متصف بهذه المخلوقات القبيحة المذمومة المكروهة والأفعال القبيحة، ومعنى قبحها كونها ضارة لفاعلها، وسببًا لذمه وعقابه، وجالبة لألمه وعذابه، وهذا أمر يعود على الفاعل الذي قامت به، لا على الخالق الذي خلقها فعلًا لغيره (١). وبهذا يتبين انحراف المذهب الأشعري عن الحق وطريق السلف مذهب أهل السنة والجماعة، وقربه الشديد من مذهب الجبرية باعتراف عدد من أئمتهم، واللَّه الموفق. * * * _________ (١) انظر: المصدر السابق لابن تيمية (٨/ ١٢١ - ١٢٣) بتصرف يسير.

стр. 301

الفصل الخامس: شبه الماتريدية في باب القدر، والرد عليها. الشبهة الأولى: أنا نجد أفعال العباد تخرج على حسن وقبح لا يعلم أهلها أنها تبلغ في الحسن ذلك ولا في القبح، بل هم عندهم نفسهم في تحسينها وتزيينها، وهي تخرج على غير ذلك بأن جعل أفعالهم على ما هي عليه ليست لهم، ولو جاز كونها على ذلك لهم وهم لا يعرفون مبلغ الحسن والقبح فإذًا لا جهل يقبح الفعل ولا علم يحسنه، فثبت أن فعلهم من هذا الوجه ليس لهم (١). الرد عليهم: ١ - أن الزعم بأن ما تدركه عقول الناس وأفهامهم من أفعالهم يثبت أنها لهم، وأن ما لم تدركه يثبت أنها للَّه، غير صحيح فلا دليل في ذلك على ما ذهبتم إليه، لا سيما وأن عقول الناس وأفهامهم تتفاوت في إدراك أفعالهم وأحوالهم، فليس كل ما يدركه أحدهم ويفهمه من الأحوال يدركه ويفهمه الآخر، وهذا يؤدي إلى عدم تمييز ما هو من أفعال اللَّه من أفعال العباد. ٢ - أن اللَّه تعالى هو خالق العباد وأفعالهم، والعباد هم الفاعلون حقيقة لأفعالهم، وقد مر بيان ذلك سابقًا. ٣ - أنكم لا تفرقون بين الخلق والمخلوق والفعل والمفعول، فزعمتم أن أفعال العباد هي أفعال للَّه تعالى، والحق أن أفعال العباد هي أفعالهم حقيقة ومفعولة للرب تعالى؛ إذ إن الفعل غير المفعول، فللعبد فعلُهُ حقيقة، واللَّه خالقه وخالق ما فعل به من القدرة والإرادة وخالق فاعليته، وسر المسألة أن العبد فاعل منفعل، فربه تعالى هو الذي جعله فاعلًا بقدرته ومشيئته، وأقدره على الفعل وأحدث له المشيئة التي يفعل بها (٢). الشبهة الثانية: أنا نجد الأفعال مؤذية لأهلها ومتعبة ومؤلمة، ومُحالٌ تأذِّي الطبع بلا مؤذٍ، وتعَبِه بلا مُتعبٍ، وتألمه بلا مؤلم، فثبت أنها مؤلمة متعبة مؤذية إن قَصد أربابُها إلى أن يتلذذوا بها ويتمتعوا، فثبت أنها كذلك لا بهم (٣). الرد عليهم: ١ - أن الأعمال التي يفعلها العبد نوعان إضطراري واختياري، وما يفعله مختارًا هو فعله حقيقة وليس فعل غيره من البشر، وكل أفعال العبد هي خلق له حقيقة، وهي فعل للعبد حقيقة، وقد سبق بيان هذا وإيضاحه. _________ (١) انظر: كتاب التوحيد لأبي منصور الماتريدي (ص ٢٣٠). (٢) انظر: شفاء العليل لابن القيم (ص ١٣١). (٣) انظر: كتاب التوحيد لأبي منصور الماتريدي (ص ٢٣٠).

стр. 302

١ - أن اللذة والألم والتعب لا يوصف بها الفعل أبدًا، فسبب اللذة إحساس الملائم، وسبب الألم إحساس المنافي، ليس اللذة والألم نفس الإحساس والإدراك؛ وإنما هو نتيجته وثمرته ومقصوده، وقد سبق بيان هذا. الشبهة الثالثة: القول بالمتعارف في الخلق: أن لا خالق غير اللَّه، ولا رب سواه، ولو جعلنا حدث الأفعال وخروجها من العدم إلى الوجود ثم فناءها بعد الوجود ثم خروجها على تقدير من أربابها لجعلنا لها وصف الخلق الذي به صار الخلق خلقًا، وفي ذلك لزوم القول بخالق سواه، وفي جوازه مناقضة قول من ذكرت مع ما لو جاز ذلك لجاز القول برب فعله، وذلك مدفوع (١). الرد عليهم: ١ - أن الفعل الذي يفعله العبد هو فعله حقيقة، وليس معنى هذا أنه خالق مع اللَّه، وقد زعم من نفي تأثير قدرة العبد في الفعل أن إثبات ذلك يقتضي أن يكون مشاركًا في الخلق، وقد بينا بطلان ذلك فيما سبق. ٢ - أنكم تثبتون تأثيرًا لقدرة العبد في صفة الفعل، فيلزمكم ما نفيتموه هنا، فإما أن تثبتوا قدرة للعبد على الفعل وأن فعله حقيقة ثابتة له، وهو لا يخرج عن قدرة اللَّه ومشيئته، وإما أن تنفوا عنه التأثير بتاتًا فتكونون جبرية خالصة. الشبهة الرابعة: أن العباد إذ أفعالهم في الحقيقة حركات وسكون في الظاهر، واللَّه قادر عليها، لولا ذلك ما أقدرهم عليها، فصارت هي لأنفسها تحت قدرته عليها، فإذا أقدر العبد على ذلك ذهبت عنه القدرة، فإذا قدرته زالت عنه وصار قادرة بقدرة تزول، ومن ذلك وصْفُهُ فهو عبدٌ لا رب (٢). الرد عليهم: ١ - أن قدرة اللَّه على العبد وخلقه له ولفعلِه، لا يعني ذلك أنه ليس للعبد قدرة واختيار، فاللَّه تعالى خلق للعبد قدرة ومشيئة واختيارًا، بها يقدر العبد على فعله ويختاره ويشاؤه، ويستحق عليها المدح أو الذم والثواب أو العقاب. ٢ - أن إثبات قدرة مؤثرة للعبد لا يعني أنه رب خالق، فقد أثبت اللَّه تعالى للعبد قدرة على الفعل وتأثيرًا فيه في كثير من الآيات، وهو مع ذلك تحت قدرة اللَّه تعالى ومشيئته، وسبق بيان هذا فيما مضى. _________ (١) انظر: كتاب التوحيد لأبي منصور الماتريدي (ص ٢٣٠). (٢) انظر: كتاب التوحيد لأبي منصور الماتريدي (ص ٢٣١).

стр. 303

الشبهة الخامسة: أنه لو جاز خروج شيء هو تحت القدرة عن أن يكون له عليه قدرة بل ليس هو شيئًا واحدًا بل لعله أكثر من جميع الخلق، كيف نؤمن بوعده و وعيده؟ وكيف يطمئن السامع إلى ما وعده من البعث أن يكون؟ وما أخبر أنه لو شاء لخلق مثل الذي خلق؟ وهو لا يقدر على فعل بعوض فضلًا عن فعل هو أقوى منه (١). الرد عليهم: ١ - أن إثبات قدرة مؤثرة للعبد لا يعني خروجه من تحت القدرة الإلهية، فكل الخلق تحت قدرة اللَّه ومشيئته، ومع أن العبد تحت القدرة الإلهية، فله قدرة تخصه وله فعله الذي شاءه واختاره، وقد أثبت له ذلك رب العالمين في كتابه المبين. ٢ - أن اللَّه تعالى نفي عن العبد انفرداه بالمشئية أو مشاركته للخالق في الخلق والفعل، وهذا معلوم بالضرورة، وليس في إثبات قدرة للعبد مؤثرة ما يدل على ذلك. ٢ - أنكم وقعتم في ما نفيتموه هنا، حيث زعمتم أن للعبد قدرة جزئية ليست تحت القدرة الإلهية، وكذلك زعمتم أن اللَّه لا يحلق فعل العبد إلا إذا أراده العبد، وقولكم هذا فيه إثبات وجود قدرة للعبدة خارجة عن القدرة الإلهية، أو لها تأثير في القدرة الإلهية، وهذا من أبطل الباطل، ومعاذ اللَّه واللَّه أكبر وأجل وأعظم وأعز أن يكون في عبده شيء غير مخلوق له ولا هو داخل تحت قدرته ومشيئته، فما قَدَرَ اللَّهَ حق قدره من زعم ذلك، ولا عرفه حق معرفته ولا عظَّمه حق تعظيمه، بل العبد جسمُهُ وروحُهُ وصفاتُهُ وأفعالُهُ ودواعيه وكلُّ ذرةٍ فيه مخلوقٌ للَّه خلقًا تصرف به في عبده، وقدرة العبد وإرادته ودواعيه جزء من أجزاء سبب الفعل، غير مستقل بإيجاده، ومع ذلك فهذا الجزء مخلوق للَّه فيه، فهو عبد مخلوق من كل وجه وبكل اعتبار، وفقرُهُ إلى خالقه وبارئه من لوازم ذاته، وقلبُه بيد خالقه وبين أصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء، فيجعلُهُ مريدًا لما شاء وقوعه منه كارهًا لما لم يشأ وقوعه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن (٢). _________ (١) انظر: كتاب التوحيد لأبي منصور الماتريدي (ص ٢٣٢). (٢) انظر: شفاء العليل لابن القيم (ص ١٤٤).

стр. 304

الشبهة السادسة: أن العالم لا يخلو من الأعراض والأجسام، وكل أنواع الأعراض أمكن في الحقيقة أن تكون فعلًا لغيره، فيكون العالَم للَّه وخلقه من طريق الإنشاء والوجود، وفي ذلك بطلان القول بوحدانية صانع العالم (١). الرد عليهم: ١ - أن إثبات قدرة العبد على فعله وتأثيره فيه لا يعني مشاركته للخالق في فعله بخلق الأعراض، فمثلًا: الإنسان إذا كتب بالقلم وضرب بالعصا ونجر بالقدوم هل يكون القلم شريكه أو يضاف إليه شيء من نفس الفعل وصفاته؟ أم هل يصلح أن تلغي أثره وتقطع خبره، وتجعل وجوده كعدمه؟ أم يقال: به فعل وبه صنع؟ وللَّه المثل الأعلى. فإن الأسباب بيد العبد ليست من فعله، وهو محتاج إليها لا يتمكن إلا بها، واللَّه سبحانه خلق الأسباب ومسبباتها، وجعل خلق البعض شرطًا وسببًا في خلق غيره، وهو مع ذلك غني عن الاشتراط والتسبب ونظم بعضها ببعض، لكن لحكمة تتعلق بالأسباب وتعود إليها واللَّه عزيز حكيم (٢). ٢ - أن العبد بجملته مخلوق له جسمه وروحه وصفاته وأفعاله وأحواله فهو مخلوق من جميع الوجوه وخلق على نشأة وصفة يتمكن بها من إحداث إرادته وأفعاله وتلك النشأة بمشيئة اللَّه وقدرته وتكوينه فهو الذي خلقه وكونه كذلك وهو لم يجعل نفسه كذلك بل خالقه وباريه جعله محدثًا لإرادته وأفعاله وبذلك أمره ونهاه وأقام عليه حجته وعرضه للثواب والعقاب فأمره بما هو متمكن من إحداثه ونهاه عما هو متمكن من تركه ورتب ثوابه وعقابه على هذه الأفعال والتروك التي مكنه منها وأقدره عليها وناطها به وفطر خلقه على مدحه وذمه عليها مؤمنهم وكافرهم المقر بالشرائع منهم والجاحد لها فكان مريدًا شائيًا بمشيئة اللَّه له ولولا مشيئة اللَّه أن يكون شائيًا لكان أعجز وأضعف من أن يجعل نفسه شائيا فالرب سبحانه أعطاه مشيئة وقدره وإرادة وعرفه ما ينفعه وما يضره وأمره أن يجري مشيئته وإرادته وقدرته في الطريق التي يصل بها إلى غاية صلاحه (٣). ٣ - أن اللَّه تعالى يخلق الأشياء بالأسباب، وهذه سنة من سنن اللَّه تعالى، ومع ذلك لم يقل أحدٌ بأنها مشاركة للَّه تعالى في فعله أو في الخلق، وليس في ذلك ما زعمتموه من بطلان وحدانية اللَّه تعالى، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل: ٦٥] وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) _________ (١) انظر: كتاب التوحيد لأبي منصور الماتريدي (ص ٢٣٣). (٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٨/ ٣٩١) بتصرف يسير. (٣) انظر: شفاء العليل لابن القيم (ص ١٣٧ - ١٣٨).

стр. 305

وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ٩ - ١١] وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧] وقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦] وقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ١٤] ونحو ذلك (١). ٤ - أنكم لا تفرقون بين الفعل والمفعول ولا بين الخلق والمخلوق، حيث ظننتم أن الفعل هو المفعول، فلذلك وقعتم في الخطأ فزعمتم أن أفعال العباد هي فعلٌ للَّه تعالى، وهذا باطل، والصحيح أن بينهما فرقًا: ففعل العبد فعل له حقيقة وهو ليس فعلٌ للَّه تعالى، ولكنه مخلوق للَّه ومفعول للَّه؛ فليس هو نفس فعل اللَّه، ففرق بين الخلق والمخلوق، والفعل والمفعول (٢)، وقد سبق بيان هذا. فظهر بهذا خطأ الماتريدية، وبعدهم عن الحق بمقدار ما أحدثوا من الأقوال والآراء المنحرفة، وعدم تمسكهم بما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، والحمد للَّه رب العالمين. * * * _________ (١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٨/ ٤٨٦) بتصرف يسير. (٢) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٨) بتصرف.

стр. 306

الفرق بين الكسب الأشعري والكسب الماتريدي: من خلال استعراض مذهب الأشعرية والماتريدية وأقوالهم وأدلتهم والردود عليهم يتبين لنا أنهم اتفقوا على أن اللَّه تعالى خالق لأفعال العباد، وأن العباد كاسبون لأفعالهم. وخالفوا المعتزلة في إخراجهم أفعال العباد عن قدرة اللَّه تعالى وفي قولهم: أن العبد هو الخالق لفعله. لكن الأشعرية والماتريدية اختلفوا في تحديد معنى الكسب الذي أثبتوه، كل يُفسره بمعنى يختلف عن الآخر، ويظهر اختلافهم في ذلك في الأمور التالية: الأول: زعم الأشعري إن قدرة العبد مقارنة للفعل وليست قبله ولا بعده. أما الماتريدية فقالوا بأن قدرة العبد على الفعل تقع عند الفعل وقبله. الثاني: زعم الأشعرية إن قدرة العبد لا تقع إلا لمقدور واحد فقط. أما الماتريدية فقالوا بأن قدرة العبد تقع لمقدورين، وتصلح للضدين. الثالث: زعم الأشعرية أن قدرة العبد غير مؤثرة في الفعل. أما الماتريدية فقالوا بأن قدرة العبد تؤثر في صفة الفعل لا في أصله. الرابع: قال الأشعرية موافقة لأهل السنة: أن اللَّه خالق لفعل العبد وإرادته. أما الماتريدية فقد ذهبوا إلى أن هناك إرادة جزئية للعبد لا تتعلق بها قدرة اللَّه. الخامس: قال الأشعرية موافقة لأهل السنة بأن إرادة العبد تحت قدرة اللَّه ومشيئته، فهي متعلقة بها. أما الماتريدية فقالوا بأن اللَّه تعالى لا يخلق فعل العبد إلا بعد أن يريده العبد ويختاره. هذه المقارنة بين المذهبين الأشعري والماتريدي في مسألة الكسب تبين مدى البعد عن مذهب السلف أهل السنة والجماعة، والتخبط الذي يحصل جراء تلك الأقوال الفاسدة، ولا سلامة ولا نجاة إلا بسلوك طريق سلف الأمة وأئمتها أهل السنة والجماعة واقفتاء أثرهم اعتقادًا وقولًا وعملًا.

стр. 307

المبحث الخامس: وصف النسخة الخطية. حصلت وللَّه الحمد والمنة على صورة من هذا المخطوط للأصل المحفوظ بمخطوطات المكتبة الظاهرية بدمشق رقم (٣٧٩٣). ويوجد بمركز إحياء التراث بجامعة أم القرى نسخة مصورة قديمة للمخطوط (ميكروفيلم) برقم (١٣٠). ١ - اسمه كما على غلاف المخطوط: "صفات رب العالمين" ٢ - الناسخ: بخط المؤلف نفسه، ويوجد في مواضع منه قليلة كتابة الإجازة به بخط الإمام يوسف بن حسن بن عبد الهادي الحنبلي الشهور بابن المبرد. ٣ - حجمه: يقع المخطوط في (٤٨٥ لوحًا) تقريبًا، وعدد صفحات المخطوط (٩٥٠ صفحة) تقريبًا. ٤ - أوله: (لفوق سمائه على عرشه. . .). ٥ - آخره: "ومثل البرق الذي في المطر مثل الإيمان، وهو النور الذي في القرآن يهتدي الناس بمعاني القرآن كما يهتدي الناس في مثل تلك الليلة بالبرق". ٦ - وصف غلاف المخطوط: مكتوب في أعلى المخطوط في منتصف السطر: كتاب صفات رب العالمين لمحمد بن أحمد بن المحب المقدسي الحنبلي رحمه اللَّه تعالى وكُتب تحته: كتبه الحج محمد مراد الشطي وكُتب أسفله إلى الناحية اليُسرى: مجاميع ٥٧ وكُتب تحته بمسافة قليلة: ٣٧٩٣ وتحته ختم المكتبة الظاهرية العلمية بدمشق ٧ - وصف المخطوط: نوع الخط: نسخي مشرقي قليل الإعجام القياس: ١٣ × ٢٠ سم عدد الأسطر: ٢٥ سطرًا تقريبا، ويوجد تفاوت بين الألواح، لكثرة اللحق والإضافة.

стр. 308

المبحث السادس: منهج التحقيق: كان عمل الباحث في هذا التحقيق، هو منهج النسخة الأم؛ وذلك لأن هذا المخطوط هو بخط المؤلف، ولا يوجد للكتاب -بعد البحث والتنقيب- أي نسخة أخرى، وكان منهج التحقيق كالتالي: ١ - كتابة النص بالرسم الإملائي الحديث. ٢ - كتابة الآيات الكريمة وفق الرسم العثماني. ٣ - عزو الآيات ضمن المتن المُحقق وجعلها بين معكوفين. ٤ - تخريج الأحاديث والآثار من الصحيحين، فإذا لم يكن الحديث فيها أو في أحدهما أخرجه من السنن الأربع والمسند للإمام أحمد، فإذا لم يوجد فيها ذكرت من خرجه في كتابه، وأذكر درجة الحديث في ذلك قدر الاستطاعة. ٥ - الترجمة الأعلام غير المشهورين غالبًا، وقد يُختصر في ذلك أحيانًا. ٦ - تمييز العناوين الرئيسية كالأبواب والفصول بلون مغاير. ٧ - بيان معاني الكلمات الغريبة. ٨ - وضع الفهارس الفنية في آخر الكتاب: فهرس المصادر والمراجع. فهرس الآيات. فهرس الأحاديث والآثار. فهرس الأعلام. فهرس الأشعار. فهرس الموضوعات.

стр. 309

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم جامعة أم القرى بمكة المكرمة كلية الدعوة وأصول الدين قسم العقيدة (صفات رب العالمين) لشمس الدين ابن المحب الصامت (٧١٢ هـ - ٧٨٩ هـ) من بداية (باب الرزق)، إلى نهاية (باب نزول الله جلَّ ثناؤه يوم القيامة) للحصول على درجة الماجستير في العقيدة الإسلامية دراسة وتحقيق الطالب: فواز بن فرحان بن راضي الشمري الرقم الجامعي: ٤٣٣٨٠٣٩٧ إشراف أ. د. هشام بن إسماعيل الصيني الأستاذ المشارك بقسم العقيدة كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى بمكة المكرمة الفصل الدراسي الأول لعام ١٤٣٦ هـ - ١٤٣٧ هـ.

стр. 310

المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد سيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: إن العلم يشرف بشرف المعلوم، وأفضل العلوم على الإطلاق ما يعرِّفنا بربنا ، وإن باب الإيمان بأسماء الله وصفاته هو مما جاءت الرسل ﵈ بالدعوة إليه، وبتحقيق الإيمان بها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل تَحْسُنُ عبادةُ العبد لربه ؛ لأن الأسماء والصفات لها آثار على العبد كإخلاص العبادة والخوف والرجاء والمحبة والتوكل والاستعانة والاستعاذة وغيرها، فتكون مكانةُ الباري في قلب العبد الغايةَ العظمى التي ليس لأحد مثل مكانتها سواه ، لا شريك له في ربوبيته ولا ألوهيته ولا أسمائه وصفاته ، وبذلك يحقق العبدُ التوحيدَ في قلبه وجوارحه، فتتحقق العبودية لله ، وتخضع القلوب لجلاله، وتسكن النفوس لعظمته، وتفوز برضا بارئها . أسباب اختيار الموضوع: لقد أكرمني الله بأن كنت أحد طلاب قسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، وبعد اجتياز السنة المنهجية بنجاح رغبت في الدخول في مشروع تحقيق مخطوط "صفات رب العالمين" لابن المحب الصامت (٧١٢ هـ - ٧٨٩ هـ)، وبفضل الله أملك نسخة من هذه المخطوطة، حصلت عليها من الشيخ صقر الغامدي، ومن الشبكة العنكبوتية، وعرضت الفكرة على فضيلة د. فهد بن محمد القرشي، ليكون المخطوط للدراسة والتحقيق لرسالة الماجستير، فوافق فضيلته على الموضوع. أما عن القدر الذي سيتم تحقيقه في موضوعي: فهو من بداية (باب الرزق)، إلى نهاية (باب نزول الله جل ثناؤه يوم القيامة)، أي: من بداية اللوحة (٧٩/أ) إلى (١٣٣/أ) لمؤلفه الإمام المحدث أبي بكر محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ ابنِ المحبِّ، المقدسي

стр. 311

الحنبلي، الصامت، والذي لم أجد دراسة عنه مع أنه من العلماء الكبار البارزين في الحديث وعلومه والفقه واللغة والعقائد، وخاصة أنه من تلاميذ شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية وأبي الحجاج المزي، ﵏ جميعا. أهمية هذا الكتاب: يكتسب هذا الكتاب أهميته من عدة أمور: ١ - من موضوعه، فموضوعه مهم، وهو (صفات رب العالمين)، والذي يعتبر من الموضوعات المهمة لتعلقه بصفات رب العالمين . ٢ - من مؤلفه، فقد صاغ عبارته عالم جليل عاش في ظلال القرآن الكريم والسنة، وعاصر الإمام ابن تيمية وابن القيم الجوزية، وقد توفي المصنِّف سنة (٧٨٩ هـ). ٣ - إن هذا القدر من المخطوط - بعد بحث - لم يسبق دراسته وتحقيقه ونشره أكاديميًّا. ٤ - أنه على منهج السلف، فيذكر صفات الله تعالى ويدلل عليها من الكتاب والسنة، ولا يتعداهما. ٥ - أنَّ كتابه لم يقتصر على أسماء الله وصفاته، بل أورد فيه شيئا من أحاديث الخوارج، وأحاديث الفتن، وأورد كذلك ما يكون يوم القيامة من الشفاعة ومن نعيم أهل الجنة وعذاب النار. ٦ - أنه كثيرا ما يروي عن شيخه الحافظ أبي الحجاج المزي وشيخ الإسلام ابن تيمية، وأكثر النقل عن ابن تيمية خَاصَّةً. ٧ - أنَّ المصنِّف عالم بالحديث والعلل، وينقل أقوال العلماء في الرجال، ويخرج حتى من الأجزاء الحديثية الصغيرة. ٨ - أنه ينقل عن كتب في العقيدة والحديث والعلل ومعرفة الصحابة والأدب وغيرها تعتبر في عداد المفقود في زماننا، ويورد أقوالاً لعلماء لا نجدها عند غيره، خصوصاً أقوالاً لابن تيمية ليست فيما وصلنا من مصنفاته.

стр. 312

الدراسات السابقة: عند البحث عن الدراسات الأكاديمية السابقة المتعلقة بالإمام أبي بكر محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ ابنِ المحبِّ، المقدسي الحنبلي، الصامت ﵀، لم أجد دراسة تتعلق بهذا الإمام. خطة البحث: لقد قسمت العمل في دراستي وتحقيقي لهذا المخطوط إلى مقدمة وقسمين: القسم الأول: الدراسة، وتقع في بابين: - الباب الأول: تعريف موجز بالمؤلف، والكلام فيه على الأمور التالية: • الفصل الأول: حياة المؤلف: ١ - نسبه. ٢ - أسرته. ٣ - مولده واسمه وكنيته. ٤ - شخصيته وصفاته. ٥ - طلبه للعلم وثناء العلماء عليه. ٦ - توليه التدريس. ٧ - رحلاته العلمية والعملية. ٨ - شيوخه. ٩ - تلاميذه. ١٠ - آثاره العلمية. ١١ - وفاته. • الفصل الثاني: عصر المؤلف: ١ - الحالة السياسية.

стр. 313

٢ - الحالة الاجتماعية والاقتصادية. ٣ - الحالة الدينية. - الباب الثاني: في الحديث عن كتاب (صفات رب العالمين) لابنِ المحبِّ الصامت، وفيه فصلان: • الفصل الأول: التعريف بالكتاب، والكلام فيه عن الأمور التالية: ٤ - اسم الكتاب، وتوثيق نسبته إلى مصنفه، وسبب تأليفه. ٥ - موضوعه ومنهجه في تأليفه. ٦ - وصف النسخة الخطية الوحيدة. • الفصل الثاني: وفيه بيان ودراسة لأهم ما جاء في الكتاب في الجزء الذي أقوم بتحقيقه من اللوحة (٧٩/أ) إلى نهاية اللوحة (١٣٣/أ)، أي أن عدد اللوحات التي سأقوم بتحقيقها (٥٥) لوحة. القسم الثاني من البحث: هو النص المحقق، وهو الآتي: ١) باب الرزق وقوله: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠]، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ٣١]، وقوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] ٢) باب عفو الله وفضله ونعمته وآلائه. ٣) أبواب القضاء والقدر. ٤) باب قول الله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. ٥) باب في النزول. ٦) باب قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. ٧) بابٌ. ٨) باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا … ﴾ [البقرة: ٢٦].

стр. 314

٩) باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. ١٠) باب رؤية الله يوم القيامة وفي الجنة. ١١) باب القعود. ١٢) باب الضحك. ١٣) باب المسح باليد. ١٤) باب قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. ١٥) باب قول الله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ١٦) بابٌ. ١٧) باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧]. ١٨) باب الحُجْزَةِ. ١٩) باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥]، وقوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢]. ٢٠) بابٌ. ٢١) باب ضحك الله إلى أوليائه. ٢٢) بابٌ. ٢٣) باب الدليل على أن الله على العرش. ٢٤) باب إثبات الوجه لله تعالى. ٢٥) باب إثبات اليدين لله . ٢٦) باب خلق الله الفردوس بيده. ٢٧) باب إثبات الخط لله.

стр. 315

٢٨) باب أخذ الله صدقة المؤمن بيده. ٢٩) باب الرد على من ينكر العرش والكرسي. ٣٠) باب الدليل على أن الجنة فوق السماء. ٣١) باب قول الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]. ٣٢) بابٌ. ٣٣) باب قول الله تعالى: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠]. ٣٤) بابٌ. ٣٥) بابٌ. ٣٦) باب الأصابع. ٣٧) بابٌ. ٣٨) باب مِنْ عظمة الله في خلق الجراد. ٣٩) باب قول الله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]. ٤٠) باب قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]. ٤١) باب قول الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]. ٤٢) باب قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ الآيات [فصلت: ٩]. ٤٣) باب قول الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. ٤٤) بابٌ. ٤٥) بابٌ. ٤٦) باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧].

стр. 316

٤٧) باب قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: ٢٨]. ٤٨) باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦]. ٤٩) باب قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. ٥٠) الجزء الرابع من كتاب صفات رب العالمين في أحاديث النزول. ٥١) باب ذكر الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ في نزول الله ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا فيغفر لمن استغفره ويعطي من سأله. ٥٢) باب في نزول الله إلى الأرض. ٥٣) باب من روى أن الله جل ثناؤه ينزل ليلة النصف من شعبان. ٥٤) باب من روى النزول ليلة عرفة. ٥٥) باب من قال ينزل في شهر رمضان كل ليلة. ٥٦) باب نزول الله جل ثناؤه يوم القيامة، وقول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]. منهج التحقيق: اتَّبعت في تحقيق هذا المخطوط المنهج التالي: ١ - قراءة النص المثبت في النسخة الوحيدة التي بين يَدَيَّ. ٢ - عزو الآيات الكريمة إلى سورها، وكتابتها بالرسم العثماني. ٣ - أقوم بتخريج الأحاديث إذا لم تكن في الكتب الستة أو مسند أحمد، وإذا خرَّجها الألباني في كتبه أو غيره فلا أخرَّجها، وأكتفي بالإحالة إلى تخريجاتهم.

стр. 317

٤ - أكتفي عند التخريج بذكر رقم الحديث عادةً، أو بالجزء والصفحة، ولا أذكر الأبواب إلا إذا دعت الحاجة؛ حتى لا تطول الهوامش ويزداد حجم الكتاب، والكتاب يُحَقَّقُ في قسم العقيدة، وليس في قسم الكتاب والسنة، والله ولي التوفيق. ٥ - وكذلك في الحال مع كتب التراجم، أذكر رقم الترجمة، أو الجزء والصفحة. ٦ - في مجموعات الأجزاء الحديثية: أذكر الرقم التسلسلي العام للحديث في المجموع، لا رقمه التسلسلي الخاص في الجزء. ٧ - أحكم على الأحاديث بالصحة والضعف إن تبين ذلك لي، وأذكر أقوال العلماء في تصحيحها وتضعيفها، لأنَّها تصب في باب عظيم، وهو باب الصفات، وهي من العقيدة، والعقيدة لا تثبت إلا بالكتاب والسنة الصحيحة. ٨ - عند ذكر حكم الألباني على حديث، فحكمه موجود في المصدر الذي حققه الألباني والمذكور في الهامش كسنن الترمذي أو ظلال الجنة، وغيرهما. أما أحكام شعيب الأرنؤوط فهي في المسند، وإلا فهي في المصادر التي حققها والمذكور في الهامش، كصحيح ابن حبان، وشرح مشكل الآثار، وغيرهما. ٩ - أقوم بتخريج طريق المصنِّف إذا كان الطريق غير مشهور وإن كان المتن مشهوراً. ١٠ - أقدم في التخريج: الأسانيد الأقرب إلى أسانيد المصنف، بغض النظر عن قِدَمِ المصدر أو تأخُّره، أو أي اعتبار آخر. فمثلا: قد أقدم في التخريج أمالي أبي القاسم ابن بِشْرَانَ على صحيح البخاري؛ لأن إسناد ابن بِشْرَانَ أقرب إلى إسناد المصنف، ثم أذكر الأقرب فالقريب، حتى أصل إلى صحيح البخاري. ١١ - أوثق الآثار والأقوال ما أمكن ذلك. ١٢ - قمت بترقيم الأحاديث والأخبار ترقيما تسلسليًّا، مُبْتَدِأً فيه من حيث انتهى المحقق "صقر الغامدي"، ولم أُرَقِّمْ تخريجاتِ المصنِّف وتوابعها، بل أجعلها تابعة للحديث الذي يخرِّجه. ١٣ - أسعى للوقوف على مَوَارِدِ المصنِّف التي ينقل منها، فإن وجدتها ذكرتها، وأذكر

стр. 318

طريق الْمَوْرِدِ في الهامش قبل اسم أعلى شيخ اتفق وروده مع طريق أصحاب الإجازات كابن حجر في (المعجم المفهرس) وغيره، ثم أذكر المورد: بعد الحُكْم على الإسناد، وقَبْلَ التخريج. ١٤ - وإذا ذَكَرَ المصنِّف حديثًا أو خبراً فذكرتُ مَوْرِدَهُ، ثم قال المصنِّف في الحديث الذي يليه "وَبِهَذَا الإِسْنَادِ" ونحو هذه العبارة: فإني أكتفي بما ذكرتُهُ في الأول ولا أعيد ذِكْرَ الْمَوْرِدِ. أما إذا تكرَّر طريق المصنِّف إلى موارده، فإني أُحِيل إلى المكان الأول الذي ذكرتُ فيه الْمَوْرِدَ، ولا أُحِيل إلى المعجم المفهرس. ١٥ - لا أذكر جميع الفروق بين المخطوط وبين المصادر المطبوعة التي نقل منها المصنِّف إلا إذا كان في ذكرها توضيح للمتن أو بيان خطأ في الإسناد أو ما تقتضيه مصلحة التحقيق. ١٦ - أترجم للرجال الوارِدِينَ في الكتاب، سواء في الأسانيد أو غيرها، ولا أترجم للصحابة ﵃، ولا للمشاهير كمحمد بن سيرين والزهري وأحمد بن حنبل وأبو نُعَيْمٍ الأصبهاني وغيرهم، وربما أترجم لبعض المشاهير إذا دَعَتِ الحاجةُ كأن يُذكر في ترجمته أنه مدلِّس أو اختلط أو نحوها مما يتعلق بالعِلَلِ. ١٧ - أقوم بترجمة الرجال ترجمةً حديثية، لأن المصنِّف سَلَكَ في تصنيفه منهجَ المحدثين، ولا أُفَصِّلُ في المترجَمِينَ في "تقريب التهذيب"، ولا أذكر سنة وفاتهم لظهور أمرهم وشهرتهم إلا للتفريق وإزالة الخلط والالتباس بين راويَيْنِ متشابهَيْنِ أو ما يقتضيه التحقيق. ١٨ - إذا وقع تصحيفٌ في الأسانيد في أسماء المتقدِّمين - وليس المتأخرين - فإني أتركها كما هي ولا أصلحها، وأذكر الصواب في الهامش؛ ذلك أنه يُحْتَمَلُ أنَّ هذا التصحيف قد أثبته المصنِّفون القدماء لبيان علة أو خطأ لأحد الرواة، وابنُ المحب ينقل عن هؤلاء المصنِّفين ويذكر إسنادَ سماعاته لكتبهم. ١٩ - إذا كتبتُ تحويل الإسناد بين معقوفتين [ح] فهذه لم ترد في الأصل، وأدرجتُها في المتن لإزالة الالتباس الناتج عن طول أسانيد المصنف.

стр. 319

٢٠ - كلمة (يَسْأَلنِي) وما يُشتق منها: يكتبها المصنِّف في بعض المواضع: بحذف الألف (يسلني) (مسلته) (يسلوني) (يسلونك)، فكتبتها في كل التحقيق بالألف (يَسْأَلنِي) (مَسْأَلَته) (يَسْأَلُونِي) (يَسْأَلُونَكَ). ٢١ - أشرح غريب الحديث من كتب غريب الحديث وكتب اللغة. ٢٢ - أقوم بالتعريف بالأماكن التي يرد ذكرها في المخطوط. ٢٣ - قمت بعمل الفهارس اللازمة للكتاب تيسيراً للرجوع إليه وللانتفاع به، واشتملت على ما يلي: أ) فهرس الآيات الكريمة. ب) فهرس الأحاديث الشريفة. ت) فهرس الآثار. ث) فهرس الأبيات الشعرية. ج) فهرس موارد المصنِّف. ح) فهرس "الكُتُبِ" التي ذكرها المصنِّف في كتابه. خ) فهرس الأعلام والمترجَم لهم. د) فهرس المصادر والمراجع. ذ) فهرس الموضوعات.

стр. 320

وفي الختام أشكر الله أولا وآخراً، ثم أشكر فضيلة الدكتور فهد القرشي على جهوده، وأشكر مشرفي الدراسي أ. د. هشام الصيني على جهوده وصبره، كما أشكر أمين القسم فضيلة الدكتور إبراهيم خليفة، ووكيل الكلية للدراسات العليا فضيلة د. نواف الحارثي على جهودهما المباركة، وأشكر أصحاب الفضيلة أساتذتي، ومنسوبي الكلية، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ملاحظة: الخطة قابلة للتعديل حسب ما تقتضيه مصلحة الدراسة والتحقيق. مقدِّمه الطالب فواز بن فرحان بن راضي الشمري قسم العقيدة الرقم الجامعي: ٤٣٣٨٠٣٩٧
следующие страницы →