Полный текст (3 288 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
٤٧) باب قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: ٢٨].
٤٨) باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦].
٤٩) باب قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
٥٠) الجزء الرابع من كتاب صفات رب العالمين في أحاديث النزول.
٥١) باب ذكر الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ في نزول الله ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا فيغفر لمن استغفره ويعطي من سأله.
٥٢) باب في نزول الله إلى الأرض.
٥٣) باب من روى أن الله جل ثناؤه ينزل ليلة النصف من شعبان.
٥٤) باب من روى النزول ليلة عرفة.
٥٥) باب من قال ينزل في شهر رمضان كل ليلة.
٥٦) باب نزول الله جل ثناؤه يوم القيامة، وقول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
منهج التحقيق:
اتَّبعت في تحقيق هذا المخطوط المنهج التالي:
١ - قراءة النص المثبت في النسخة الوحيدة التي بين يَدَيَّ.
٢ - عزو الآيات الكريمة إلى سورها، وكتابتها بالرسم العثماني.
٣ - أقوم بتخريج الأحاديث إذا لم تكن في الكتب الستة أو مسند أحمد، وإذا خرَّجها الألباني في كتبه أو غيره فلا أخرَّجها، وأكتفي بالإحالة إلى تخريجاتهم.
стр. 317
٤ - أكتفي عند التخريج بذكر رقم الحديث عادةً، أو بالجزء والصفحة، ولا أذكر الأبواب إلا إذا دعت الحاجة؛ حتى لا تطول الهوامش ويزداد حجم الكتاب، والكتاب يُحَقَّقُ في قسم العقيدة، وليس في قسم الكتاب والسنة، والله ولي التوفيق.
٥ - وكذلك في الحال مع كتب التراجم، أذكر رقم الترجمة، أو الجزء والصفحة.
٦ - في مجموعات الأجزاء الحديثية: أذكر الرقم التسلسلي العام للحديث في المجموع، لا رقمه التسلسلي الخاص في الجزء.
٧ - أحكم على الأحاديث بالصحة والضعف إن تبين ذلك لي، وأذكر أقوال العلماء في تصحيحها وتضعيفها، لأنَّها تصب في باب عظيم، وهو باب الصفات، وهي من العقيدة، والعقيدة لا تثبت إلا بالكتاب والسنة الصحيحة.
٨ - عند ذكر حكم الألباني على حديث، فحكمه موجود في المصدر الذي حققه الألباني والمذكور في الهامش كسنن الترمذي أو ظلال الجنة، وغيرهما. أما أحكام شعيب الأرنؤوط فهي في المسند، وإلا فهي في المصادر التي حققها والمذكور في الهامش، كصحيح ابن حبان، وشرح مشكل الآثار، وغيرهما.
٩ - أقوم بتخريج طريق المصنِّف إذا كان الطريق غير مشهور وإن كان المتن مشهوراً.
١٠ - أقدم في التخريج: الأسانيد الأقرب إلى أسانيد المصنف، بغض النظر عن قِدَمِ المصدر أو تأخُّره، أو أي اعتبار آخر. فمثلا: قد أقدم في التخريج أمالي أبي القاسم ابن بِشْرَانَ على صحيح البخاري؛ لأن إسناد ابن بِشْرَانَ أقرب إلى إسناد المصنف، ثم أذكر الأقرب فالقريب، حتى أصل إلى صحيح البخاري.
١١ - أوثق الآثار والأقوال ما أمكن ذلك.
١٢ - قمت بترقيم الأحاديث والأخبار ترقيما تسلسليًّا، مُبْتَدِأً فيه من حيث انتهى المحقق "صقر الغامدي"، ولم أُرَقِّمْ تخريجاتِ المصنِّف وتوابعها، بل أجعلها تابعة للحديث الذي يخرِّجه.
١٣ - أسعى للوقوف على مَوَارِدِ المصنِّف التي ينقل منها، فإن وجدتها ذكرتها، وأذكر
стр. 318
طريق الْمَوْرِدِ في الهامش قبل اسم أعلى شيخ اتفق وروده مع طريق أصحاب الإجازات كابن حجر في (المعجم المفهرس) وغيره، ثم أذكر المورد: بعد الحُكْم على الإسناد، وقَبْلَ التخريج.
١٤ - وإذا ذَكَرَ المصنِّف حديثًا أو خبراً فذكرتُ مَوْرِدَهُ، ثم قال المصنِّف في الحديث الذي يليه "وَبِهَذَا الإِسْنَادِ" ونحو هذه العبارة: فإني أكتفي بما ذكرتُهُ في الأول ولا أعيد ذِكْرَ الْمَوْرِدِ. أما إذا تكرَّر طريق المصنِّف إلى موارده، فإني أُحِيل إلى المكان الأول الذي ذكرتُ فيه الْمَوْرِدَ، ولا أُحِيل إلى المعجم المفهرس.
١٥ - لا أذكر جميع الفروق بين المخطوط وبين المصادر المطبوعة التي نقل منها المصنِّف إلا إذا كان في ذكرها توضيح للمتن أو بيان خطأ في الإسناد أو ما تقتضيه مصلحة التحقيق.
١٦ - أترجم للرجال الوارِدِينَ في الكتاب، سواء في الأسانيد أو غيرها، ولا أترجم للصحابة ﵃، ولا للمشاهير كمحمد بن سيرين والزهري وأحمد بن حنبل وأبو نُعَيْمٍ الأصبهاني وغيرهم، وربما أترجم لبعض المشاهير إذا دَعَتِ الحاجةُ كأن يُذكر في ترجمته أنه مدلِّس أو اختلط أو نحوها مما يتعلق بالعِلَلِ.
١٧ - أقوم بترجمة الرجال ترجمةً حديثية، لأن المصنِّف سَلَكَ في تصنيفه منهجَ المحدثين، ولا أُفَصِّلُ في المترجَمِينَ في "تقريب التهذيب"، ولا أذكر سنة وفاتهم لظهور أمرهم وشهرتهم إلا للتفريق وإزالة الخلط والالتباس بين راويَيْنِ متشابهَيْنِ أو ما يقتضيه التحقيق.
١٨ - إذا وقع تصحيفٌ في الأسانيد في أسماء المتقدِّمين - وليس المتأخرين - فإني أتركها كما هي ولا أصلحها، وأذكر الصواب في الهامش؛ ذلك أنه يُحْتَمَلُ أنَّ هذا التصحيف قد أثبته المصنِّفون القدماء لبيان علة أو خطأ لأحد الرواة، وابنُ المحب ينقل عن هؤلاء المصنِّفين ويذكر إسنادَ سماعاته لكتبهم.
١٩ - إذا كتبتُ تحويل الإسناد بين معقوفتين [ح] فهذه لم ترد في الأصل، وأدرجتُها في المتن لإزالة الالتباس الناتج عن طول أسانيد المصنف.
стр. 319
٢٠ - كلمة (يَسْأَلنِي) وما يُشتق منها: يكتبها المصنِّف في بعض المواضع: بحذف الألف (يسلني) (مسلته) (يسلوني) (يسلونك)، فكتبتها في كل التحقيق بالألف (يَسْأَلنِي) (مَسْأَلَته) (يَسْأَلُونِي) (يَسْأَلُونَكَ).
٢١ - أشرح غريب الحديث من كتب غريب الحديث وكتب اللغة.
٢٢ - أقوم بالتعريف بالأماكن التي يرد ذكرها في المخطوط.
٢٣ - قمت بعمل الفهارس اللازمة للكتاب تيسيراً للرجوع إليه وللانتفاع به، واشتملت على ما يلي:
أ) فهرس الآيات الكريمة.
ب) فهرس الأحاديث الشريفة.
ت) فهرس الآثار.
ث) فهرس الأبيات الشعرية.
ج) فهرس موارد المصنِّف.
ح) فهرس "الكُتُبِ" التي ذكرها المصنِّف في كتابه.
خ) فهرس الأعلام والمترجَم لهم.
د) فهرس المصادر والمراجع.
ذ) فهرس الموضوعات.
стр. 320
وفي الختام أشكر الله أولا وآخراً، ثم أشكر فضيلة الدكتور فهد القرشي على جهوده، وأشكر مشرفي الدراسي أ. د. هشام الصيني على جهوده وصبره، كما أشكر أمين القسم فضيلة الدكتور إبراهيم خليفة، ووكيل الكلية للدراسات العليا فضيلة د. نواف الحارثي على جهودهما المباركة، وأشكر أصحاب الفضيلة أساتذتي، ومنسوبي الكلية، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ملاحظة:
الخطة قابلة للتعديل حسب ما تقتضيه مصلحة الدراسة والتحقيق.
مقدِّمه الطالب
فواز بن فرحان بن راضي الشمري
قسم العقيدة
الرقم الجامعي: ٤٣٣٨٠٣٩٧
стр. 321
القسم الأول:
الدراسة
وتقع في بابين:
- الباب الأول: تعريف موجز بالمؤلف.
- الباب الثاني: في الحديث عن كتاب (صفات رب العالمين) لابنِ المحبِّ الصامت.
стр. 322
الباب الأول: تعريف موجز بالمؤلف
والكلام فيه على الأمور التالية:
• الفصل الأول: حياة المؤلف:
• الفصل الثاني: عصر المؤلف:
стр. 323
الفصل الأول: حياة المؤلف
نسبه:
محمَّد بن عبد الله بن أحمد بن المحب عبد الله بن أحمد بن محمَّد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرَّحمن بن إسماعيل بن منصور بن عبد الرَّحمن (١).
كنيته:
أبو بكر، ابن المحب (٢).
لقبه:
لقد لقب ابن المحب الصامت بألقاب كما هي عادة علماء عصره، منها: المقدسي، الصالحي، الصامت، شمس الدين، السعدي (٣).
المقدسي: هذه النسبة إلى بيت المقدس؛ فابن المحب من فلسطين، إحدى بلاد الشام من القدس (٤).
الصالحي: نسبة إلى صالحية دمشق الكبرى؛ فهو من أهل الصالحية، وهي قرية في دمشق (٥).
الصامت: لقب بذلك لكثرة سكوته عن فضول الكلام، وكان يكره أن يدعى بهذا اللقب
_________
(١) غاية النهاية، ابن الجزري (٢/ ١٧٥)، الرد الوافر، ابن ناصر الدين (ص ٤٧)، الدرر الكامنة (٥/ ٢٠٩)، فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، عبد الحي الكتاني (٢/ ٥٨١)، طبقات الحفاظ، جلال الدين السيوطي (ص ٥٣٩)، برنامج الوادي آشي، (ص ٩١)، شذرات الذهب، ابن العماد (٨/ ٥٢٩).
(٢) غاية النهاية (٢/ ١٧٥)، الرد الوافر (ص ٤٧)، الدرر الكامنة (٥/ ٢٠٩)، طبقات الحفاظ، جلال الدين السيوطي (ص ٥٣٩).
(٣) غاية النهاية (٢/ ١٧٥)، الرد الوافر (ص ٤٧)، الدرر الكامنة (٥/ ٢٠٩).
(٤) الأنساب، للسمعاني (١٢/ ٣٨٩).
(٥) الرد الوافر (ص ٤٨)، برنامج الوادي آشي (ص ٩١)، لب اللباب في تحرير الأنساب (٢/ ٢٣٠).
стр. 324
بين الناس (١).
شمس الدِّين: وهو لَقَبٌ يدلُّ على رسوخ قدمه في العلم والورع.
مولده:
ولد يوم الجمعة أول رمضان سنة اثنتي عشرة وسبعمائة (٢).
نشأته:
لقد نشأ ابن المحبِّ في بيئة علميَّة؛ فأبوه الشَّيخ العالم الحافظ القدوة محبُّ الدِّين (٣)، وكان لهذه البيئة العلميَّة عظيم الأثر عليه؛ حيث بادر والده فأجلسه بين يدي العلماء منذ نعومة أظفاره؛ لينهل من علمهم، ويغترف من بحار فوائدهم، ثمَّ سمع الكثير بإفادة والده، ثمَّ قرأ بنفسه، فسمع ما لا يُحَدُّ ولا يُوصَفُ من الكتب والأجزاء، وخرَّج وأفاد وسمع منه الطَّلبة والحفَّاظ (٤).
ويتَّضح من خلال وفيات شيوخه، كعيسى المطعم وغيره، أنَّه بدأ طلب العلم في الخامسة من عمره، وبذلك تكون بداية طلبه للعلم مبكِّرة جدًّا؛ ولعلَّ كَوْنَ والده عالماً هو ما جعله يبادر به في هذه السِّنِّ المبكِّرة لطلب العلم وتحصيله.
مذهبه:
كان الإمام ابن المحبِّ الصَّامت حنبليَّ المذهب (٥).
قال أبو عبد الله الوادي: «حنبلي المذهب» (٦).
وفاته:
بعد حياة حافلة بخدمة العلوم الشَّرعيَّة قولاً وعملاً وتعليماً وتأليفاً انتهت حياة الإمام
_________
(١) الرد الوافر (ص ٤٨)، الدرر الكامنة (٥/ ٢١٠)، طبقات الحفاظ، للسيوطي (ص ٥٣٩).
(٢) غاية النهاية (٢/ ١٧٥)، الرد الوافر (ص ٤٨)، المعجم المختص بالمحدثين، الذهبي (ص ٢٣٥).
(٣) معجم شيوخ الذهبي (١/ ٣١٩).
(٤) غاية النهاية في طبقات القراء، ابن الجزري (٢/ ١٧٥).
(٥) غاية النهاية في طبقات القراء، ابن الجزري (٢/ ١٧٥).
(٦) برنامج الوادي آشي (ص ٩٢).
стр. 325
بلقاء ربِّه ﵎ لتبقى آثاره العلمية حيةً بيننا.
توفِّي ليلة الأحد بالصَّالحيَّة الخامس من شوَّال سنة تسع وثمانين وسبعمائة، وَدُفِنَ من الغَدِ بسفح قاسيون (١).
ثناء العلماء عليه:
حسنت سيرة الإمام ابن المحبِّ الصَّامت، وذاع صِيتُه في الآفاق، وأثنى عليه جلَّة من العلماء ثناء حسناً، يليق بمنزلته ومقامه.
قال ابن الجزري: «شيخنا وإمامنا ومبرزنا الحافظ الكبير شمس الدِّين أبو بكر ابن الحافظ محبِّ الدِّين أبي محمَّد، الشَّهيرُ بابن المحبِّ الصَّامت» (٢).
وقال أيضاً: «وكان صالحاً قانتاً قانعاً باليسير متقشِّفاً، لا يألف لأحد غيري، ربَّما جاءني إلى منزلي، فأسمعني، وأسمع أهلي، وأولادي، وانتهى إليه الحفظ في زمانه رجالاً، ومتنًا، ومعرفة الأجزاء، ورواتها» (٣).
وقال ابن ناصر الدِّين: «الشَّيخ الإمام الزَّاهد العابد العلاَّمة النَّبيل المحدِّث الأصيل الحافظ الكبير المسند الكثير عمدة الحفَّاظ شيخ المحدِّثين» (٤).
وقال الذَّهبيُّ: «فيه عقل وسكون، وذهنه جيِّد، وهمَّته عالية في التَّحصيل» (٥).
وقال ابن حجر: «وكان كثير المروءة، حسن الهيئة، من رؤساء أهل دمشق» (٦).
وقال الغزي: «الإمام المحدث الحافظ» (٧).
_________
(١) غاية النهاية (٢/ ١٧٥)، الرد الوافر، ابن ناصر الدين (ص ٤٨)، الدرر الكامنة (٥/ ٢١٠)، ديوان الإسلام (٤/ ١٦٢)، السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي (٥/ ٢٠٤)، ذيل طبقات الحفاظ، السيوطي (ص ٢٤٢)، طبقات الحفاظ، جلال الدين السيوطي (ص ٥٣٩).
(٢) غاية النهاية (٢/ ١٧٥)، الرد الوافر، ابن ناصر الدين (ص ٤٧)، الدرر الكامنة (٢/ ٢٠٩).
(٣) غاية النهاية في طبقات القراء، ابن الجزري (٢/ ١٧٥).
(٤) الرد الوافر، ابن ناصر الدين (ص ٤٧).
(٥) المعجم المختص بالمحدثين، الذهبي (ص ٢٣٥).
(٦) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر (٥/ ٢١٠).
(٧) ديوان الإسلام، الغزي (٤/ ١٦٢).
стр. 326
وقال الكتاني: «سمع العالي والنازل، وكتب عن الأصاغر والأكابر» (١).
وقال المقريزي: «وكان إماماً في الحديث والورع والزهد» (٢).
وقال السيوطي: «كان مكثرًا شيوخًا وسماعًا، وقرأ الكثير، وأجاد، وَخَرَّجَ، وأفاد، وكان عالمًا متقنًا، فقيهًا، أفتى، ودرَّس» (٣).
وقال ابن العماد: «الشَّيخ الإمام الحافظ الأصيل، بقيَّة المحدِّثين» (٤).
شيوخه:
ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ نشأة الشَّيخ ابن المحبِّ الصَّامت في بيت العلم، وخدمته، وملازمته للعلماء الكبار، أتاحت له الفرص أن يتلقَّى العلم على أيدي كثير من العلماء؛ فلقد درَّس على يد كثير من المشايخ الكبار الَّذين ملأ ذكرُهم الآفاق، في شتَّى العلوم الدِّينيَّة.
قال ابن حجر: «وكان مكثرًا شيوخاً، وسماعاً، وطلب بنفسه، فقرأ الكثير فأجاد» (٥).
ومن هؤلاء:
١ - شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله ابن أبي القاسم ابن محمَّد بن تيمية الحراني.
ولد بحران في ربيع الأول سنة (٦٦١ هـ)، وتوفي سنة (٧٢٨ هـ) (٦)، وشهرته في الإمامة والسنة والتأليف بلغت الآفاق.
٢ - عيسى الْمُطَعِّمُ: عيسى بن عبد الرحمن بن معالي بن أحمد أبو محمد المقدسي ثم الصالحي الحنبلي السِّمْسَارُ الْمُطَعِّمُ.
_________
(١) فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، الكتاني (٢/ ٥٨١).
(٢) السلوك لمعرفة دول الملوك، المقريزي (٥/ ٢٠٤).
(٣) طبقات الحفاظ، جلال الدين السيوطي (ص ٥٣٩).
(٤) شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ابن العماد (٨/ ٥٢٩).
(٥) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (٥/ ٢١٠).
(٦) معجم الشيوخ الكبير، للذهبي (١/ ٥٦).
стр. 327
ولد سنة (٦٢٦ هـ)، وتوفي سنة (٧١٧ هـ)، قال عنه ابن ناصر الدين: هو شيخ مشايخنا (١).
٣ - أبو بكر ابن أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي.
ولد سنة خمس أو ستٍّ وعشرين وستِّ مائة، وتوفِّي في رجب سنة (٧١٨ هـ)، انتهى إليه علو الإسناد كوالده، له "مشيخة" خرَّجها البرزالي (٢).
٤ - ابن النَّشْوِ: أبو الفتح محمد بن عبد الرحيم بن عباس القرشي الدمشقي ابن النَّشْوِ الحريري.
ولد بالقاهرة سنة (٦٤١ هـ)، وتوفي في ثالث شوال سنة (٧٢٠ هـ)، قال الذهبي: كَانَ دَيِّنًا وَقُورًا، لا بَأْسَ بِهِ. وقال الصفدي: فيه أمانة ومعرفة. مَاتَ سَنَةَ (٧٢٠ هـ) (٣).
٥ - شمس الدين أبو نصر محمد بن محمد بن محمد بن هبة الله ابن الشيرازي، الدمشقي، ولد سنة (٦٢٩ هـ)، وتوفي سنة (٧٢٣ هـ)، قال ابن كثير: شَيْخُنَا الْأَصِيلُ، كَانَ شَيْخًا حَسَنًا خَيِّرًا مُبَارَكًا مُتَوَاضِعًا (٤).
٦ - ابن الزَّرَّادِ: محمد بن أحمد ابن أبي الهَيْجَاءِ ابن الزَّرَّادِ الصالحي الحنبلي.
ولد سنة (٦٤٦ هـ) وتوفي سنة (٧٢٦ هـ)، قال الذهبي: الْمُسْنِدُ الْعَالِمُ الرِّحْلَةُ، خَرَّجْتُ لَهُ جُزْءًا ضَخْمًا، وَكَانَ خَيِّرًا مُتَوَاضِعًا حَسَنَ الْبِشْرِ لَهُ مُشَارَكَةٌ فِي الْعِلْمِ (٥).
٧ - ابن مزيز: أحمد بن إدريس بن محمد ابن أبي الفرج مفرج بن إدريس بن الحسين بن مزيز الحموي تاج الدين أبو العباس. ولد سنة (٦٤٣ هـ)، وتوفي سنة (٧٣٣ هـ)، قال الصفدي: الشيخ الإمام الفاضل الرئيس المعمر، قرأ عليه الشيخ تقي الدين ابن تيمية وعلى أبيه جزءاً في سنة ثمانين، وكان ديناً، ورئيساً وقوراً صيناً (٦).
_________
(١) توضيح المشتبه لابن ناصر الدين (٥/ ٦١) الدرر الكامنة لابن حجر (٤/ ٢٣٩).
(٢) معجم الشيوخ الكبير، للذهبي (٢/ ٤٠٢) سلم الوصول إلى طبقات الفحول (١/ ٧٨).
(٣) معجم الشيوخ الكبير، للذهبي (٢/ ٢١٣)، أعيان العصر وأعوان النصر، للصفدي (٥/ ٥١١).
(٤) مرآة الجنان وعبرة اليقظان، لليافعي (٤/ ٢٠٣)، البداية والنهاية (١٨/ ٢٣٥).
(٥) معجم الشيوخ الكبير للذهبي (٢/ ١٧٠). وانظر: العبر (٤/ ٧٨)، شذرات الذهب (٨/ ١٣٠).
(٦) أعيان العصر وأعوان النصر (١/ ١٧٠). وانظر: الوافي بالوفيات (٦/ ١٤٧) الدرر الكامنة (١/ ١١٥).
стр. 328
٨ - أم عبد الله زينب بنت الكمال أحمد بن عبد الرحيم المقدسية.
مولدها سنة (٦٤٦ هـ)، وتوفيت سنة (٧٤٠ هـ)، عن أربعٍ وتسعين سنة، قال الذهبي: "شَيْخَةٌ صَالِحَةٌ مُتَوَاضِعَةٌ خَيِّرَةٌ". ووصفها أبو الطيب الحسني بمسنِدة الدنيا (١).
٩ - موسى بن علي ابن أبي طالب ابن أبي عبد الله ابن أبي البركات ابن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب الحسيني الشريف عز الدين أبو الفتح الموسوي المصري.
قال الذهبي: كَانَ لا بَأْسَ بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مَاتَ فِي ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ (٧١٥ هـ) (٢).
١٠ - ابن درادة: علم الدين، أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الكريم بن علي بن جعفر بن درادة المصري، المسنِد. مات في ربيع الثاني سنة (٧١٩ هـ) (٣).
١١ - حسن بن عمر بن عيسى بن خليل بن ابراهيم الكردي أبو علي، نزيل مصر، بَقِيَّة المسندين والمكثرين ببلاده، مات سنة (٧٢٠ هـ) بالجيزة (٤).
١٢ - المِزِّيُّ: يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الملك بن يوسف المِزِّيُ، أبو الحجاج جمال الدين، الإمام، الحافظ، صاحب "تهذيب الكمال" الذي لم يؤلف مثله، قال الذهبي: كان يقرر طريقة السلف في السنة. ولد سنة (٦٥٤ هـ)، وتوفي سنة (٧٤٢ هـ) (٥).
١٣ - البِرْزَالِيُّ: القاسم بن محمد بن يوسف بن الحافظ زكي الدين محمد بن يوسف البِرْزَالِيُّ الأشبيلي، الدمشقي، الشافعي، عَلَمُ الدِّين، أبو محمد، الإمام الحافظ، صاحب "التاريخ"، ولد سنة (٦٦٥ هـ)، وتوفِّي سنة (٧٣٩ هـ)، قال الذهبي: صاحب سنة واتباع (٦).
_________
(١) معجم الشيوخ الكبير للذهبي (١/ ٢٤٨)، ذيل التقييد في رواة السنن والأسانيد (١٨١٥) فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، الكتاني (١/ ٤٦٠).
(٢) معجم الشيوخ الكبير للذهبي (٢/ ٣٤٦) ذيل التقييد في رواة السنن والأسانيد (٢/ ٢٨٢).
(٣) المعين في طبقات المحدثين، الذهبي (ص ٢٣١)، الدرر الكامنة (١/ ١٩٥).
(٤) أعيان العصر وأعوان النصر، الصفدي (٢/ ٢٢٨)، الدرر الكامنة (٢/ ١٣٧).
(٥) تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٩٤) معجم الشيوخ للسبكي (١٦١).
(٦) ذيل تاريخ الإسلام (٥٣/ ٤٥٥) معجم الشيوخ للسبكي (٩٩).
стр. 329
١٤ - الذَّهبيُّ: محمَّد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله التُّركمانيُّ الأصل الفارقيُّ ثمَّ الدِّمشقيُّ، الحافظ، أبو عبد الله شمس الدِّين الذَّهبيُّ، كان على منهج السلف، تشهد بذلك مصنفاته ككتاب العرش، والعلو للعلي الغفار، والمنتقى من منهاج الاعتدال، ولد في ثالث ربيع الآخر سنة (٦٧٣ هـ)، وتوفِّي في ليلة الثَّالث من ذي القعدة سنة (٧٤٨ هـ) (١).
تلاميذه:
سمع من الإمام ابن المحبِّ الصَّامت خلق كثير من العلماء، والحفَّاظ، والصُّدور، والرُّؤَسَاء، وتخرَّج به خَلْقٌ كثير من الفقهاء، وسار علمه وفتاويه في الآفاق، ووقع على دينه وعلمه وَزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ ومعرفته وكرامته الوفاق، وانتفع النَّاس في سائر البلاد الإسلاميَّة بتصانيفه، وأكبُّوا على تحصيل تواليفه (٢)، ومن هؤلاء:
١ - محمَّد بن محمَّد بن محمَّد بن عليِّ بن يوسف بن الجزريِّ، أبو الخير، شيخ القراء، الحافظ، البارع، له: النشر في القراءت العشر؛ وغاية النهاية، أورد في بعض تصانيفه ما يدل على ميله إلى تصوف وتبرك بالقبور، عفا الله عنه (٣)، ولد سنة (٧٥١ هـ)، وتوفِّي سنة (٨٣٣ هـ) (٤).
٢ - محمَّد بن عليِّ بن محمَّد الحُرْنِيُّ، قال ابن ناصر: سمع من شيخنا الحافظ أبي بكر ابن المحبِّ (٥).
٣ - عمر بن إبراهيم بن محمَّد بن مفلح الرَّامينيُّ المقدسيُّ ثمَّ الصَّالحيُّ الحنبلي، الشَّيخ الإمام الواعظ الأستاذ قاضي القضاة نظام الدِّين ابن قاضي القضاة برهان الدِّين. مولده سنة (٧٨٠ هـ)، توفِّي سنة (٨٧٢ هـ)، وله "مشيخة" ذكرها الزركلي (٦).
_________
(١) انظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر (٥/ ٦٨).
(٢) تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين، لابن العطار (ص ٦٣).
(٣) انظر على سبيل المثال: غاية النهاية (١/ ٤٤٦) (٢/ ٢٣، ٩٧) عرف التعريف بالمولد الشريف (ص ٢٣) ط دار الحديث الكتانية.
(٤) غاية النهاية في طبقات القراء، لابن الجزري (٢/ ٢٤٧).
(٥) توضيح المشتبه، ابن ناصر (٢/ ٢٦٦).
(٦) المقصد الأرشد في ذكر أصحاب أحمد، لابن مفلح (٢/ ٢٩٣) الأعلام للزركلي (٥/ ٣٩).
стр. 330
٤ - عبد الرَّحيم بن عبد الكريم بن نصر الله بن سعد الله ابن أبي حامد ابن أبي الطَّاهر بن عمر بن خليفة القرشي البكري الشافعي، أبو السعادات وأبو الفضائل، ولد في ليلة الخميس ثالث صفر سنة (٧٤٤ هـ)، ومات في ليلة الأحد سابع عشري صفر سنة (٨٢٨ هـ)، سمع الكثير من الشيوخ وحدث بالكثير، وكان كثير العبادة والتلاوة والصيام مع كبر سنه لا يفارق الخمس الصلوات مع الجماعة (١).
آثاره العلمية:
لم يكن الإمام ابن المحبِّ الصَّامت من المكثرين في التَّأليف، وقد وقفتُ على مصنَّفاتٍ له، هي:
١ - صفات ربِّ العالمين، وهو موضوع الدِّراسة.
٢ - ترتيب مسند الإمام أحمد (٢).
٣ - كتاب التَّذكرة في الضُّعفاء (٣).
٤ - الأحاديث الْمُتَبَايِنَاتُ، خرَّجها (٤) لنفسه (٥).
٥ - الأحاديث الْمُتَبَايِنَاتُ، خرَّجها لِلْبِرْزَالِيِّ (٦).
_________
(١) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، السخاوي (٤/ ١٨٢) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة (٢/ ١٦٨).
(٢) غاية النهاية، ابن الجزري (٢/ ١٧٥) قال: (رتبه على الصحابة). الرد الوافر، ابن ناصر الدين (ص ٤٨) وقال: (رتبه على الأبواب)، التبيان لبديعة البيان، له (٢/ ٣٢٠)، ديوان الإسلام (٤/ ١٦٢) وقال: (رتبه على الحروف).
وصلت إلينا منه: قطعةٌ من مسند أبي سعيد الخُدْرِيِّ ﵁، طبُعت باسم (مسند أبي سعيد الخُدْرِيِّ من "ترتيب مسند الإمام أحمد" و "جامع المسانيد والسنن" لابن كثير (٧٧٤ هـ)، مع تعليقات ابن حجر)، دار المودة، المنصورة، مصر، ١٤٢٩ هـ، ت: حسين عكاشة.
(٣) الرد الوافر، ابن ناصر الدين (ص ٤٨) التبيان لبديعة البيان (٢/ ٣٢٠ - ٣٢١) له.
(٤) التَّخْرِيجُ هُنَا: هُوَ إِخْرَاجُ الْمُحَدِّثِ الْأَحَادِيثَ مِنْ بُطُونِ الْأَجْزَاءِ وَالْمَشْيَخَاتِ وَالْكُتُبِ وَنَحْوِهَا، وَسِيَاقُهَا مِنْ مَرْوِيَّاتِ نَفْسِهِ أَوْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَوْ أَقْرَانِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا وَعَزْوُهَا لِمَنْ رَوَاهَا مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ وَالدَّوَاوِينِ مَعَ بَيَانِ الْبَدَلِ وَالْمُوَافَقَةِ وَنَحْوِهِمَا. فتح المغيث للسخاوي (٣/ ٣١٧).
(٥) المعجم المختص بالمحدثين، الذهبي (ص ٢٣٥).
(٦) المعجم المختص بالمحدثين، الذهبي (ص ٢٣٦).
стр. 331
٦ - أربعون حديثا متباينة المتن والإسناد، خرَّجها لِلْمِزِّيِّ (١).
٧ - حواشي على تهذيب الكمال (٢).
٨ - ذيل على كتاب المختارة، لضياء الدِّين المقدسيِّ (٣).
٩ - تسمية من شهد بدراً وذكر الاختلاف فيهم (٤).
_________
(١) التبيان لبديعة البيان، ابن ناصر الدين (٢/ ٣٢٠ - ٣٢١).
(٢) ديوان الإسلام، الغزي (٤/ ١٦٢).
(٣) غاية النهاية (٢/ ١٧٥)، معجم المؤلفين، عمر كحالة (١٠/ ١٩٦). وسماه ابن ناصر: "تكملة المختارة"، انظر: الرد الوافر (ص ٤٨) توضيح المشتبه (٥/ ٦١).
(٤) مخطوطة، بخط يده، ناقصة من أولها، [الظاهرية مجموع رقم ٣٧٨٣ عام - مجاميع العمرية ٤٧]، ورقة (١٣٥ - ١٤٩). فهرس مجاميع المدرسة العمرية في دار الكتب الظاهرية بدمشق (ص ٢٤٥). وقد ذكر الألباني نسبة هذا الكتاب إلى ابن المحب في المنتخب من مخطوطات الحديث بالظاهرية (ص ١٥٢). ثم في شهر صفر ١٤٣٨ هـ: أعلنت دار النوادر عن طباعتها للكتاب، بتحقيق: فريد بن فريد الخاجة. مكتبة نظام يعقوبي الخاصة، المنامة، البحرين.
стр. 332
الفصل الثاني: عصر المؤلف
الحياة السياسية في عصر الإمام ابن المحب الصامت:
في هذه الصفحات القلائل نضع صورة حية للحياة السياسية في العصر الذي عاش فيه الإمام ابن المحب الصامت، فقد عاش ابن المحب في الفترة من سنة (٧١٢ هـ- ٧٨٩ هـ) وكانت بلاد الشام في هذه الفترة تحت الحكم المملوكي، وكان الحاكم الأعلى لبلاد الشام ومصر واحد، ومقر قيادته في مصر، وهو الذي يقوم بتولية نائبه بدمشق، والدولة المملوكية قامت على انقاض الدولة الأيوبية، حيث إن الملوك والأمراء كانوا يعززون ملكهم بالمماليك، وممن عزز ملكه بذلك الصالح نجم الدين أيوب حيث دبر المماليك مؤامرة استطاعوا من خلالها خلع الملك العادل سيف الدين وتنصيب أخيه نجم الدين مكانه، فأراد نجم الدين رد الجميل لهم، فأكرمهم، وأغدق عليهم العطايا، واستطاعوا بفضل الله تعالى، ثم بفضل بسالتهم وشجاعتهم أن يحرزوا انتصارات فائقة على الحملات الصليبية، وبعد هزيمة لويس التاسع سنة (٦٤٨ هـ) انتهت بذلك دولة الأيوبيين، وبدأت دولة المماليك، فتزوج أيبك من شجرة الدر، وتولى سلطان البلاد، وكان السلطان إما يقتل، أو يعزل، ويتولى القاتل الحكم مكانه، ولقد كان قلق داخل السياسة الداخلية، ناجم عن الخيانات والقتل والانقلابات العسكرية التي تتم بين الحين والآخر حتى أنه قد لا يمر على تولي السلطان عام، ويكون إما مقتولاً أو معزولاً، وعلى الرغم من ذلك إلا أنه كان هناك تلاحم وتكاتف في وجه أعداء الإسلام.
وهناك بعض الخطوب حدثت في زمن ابن المحب،،،
ففي العام الذي ولد فيها ابن المحب الصامت حصل للناس خوف بدمشق بسبب أن التتار قد تحركوا للمجيء إلى الشام، فانزعج الناس من ذلك وخافوا، وتحول كثير منهم إلى البلد، وازدحموا في الأبواب، واتضح أن هذا إشاعة من بعض المسئولين.
وفي عام سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة بويع الخليفة الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بن المستكفي بالله سليمان ابن الحاكم العباسي وكان ولي عهد أبيه.
وفي سنة سبع وخمسين وسبعمائة - وكان عمر ابن المحب الصامت إذ ذاك خمس وأربعون سنة - غارت الفرنج ومن تبعهم من المسلمين العجز المتحربين في السواحل، واستباحوا بلد صيدا، وآياس، وغير ذلك من البلاد الساحلية، ولما بلغ ابن المحب سبعاً وأربعين سنة، وكان ذلك سنة تسع وخمسين
стр. 333
وسبعمائة عاث الإفرنج في الأرض فساداً، فأغاروا على سواحل البلاد الإسلامية، فقتلوا ونهبوا، ومضت السنون والأيام والليالي، والدولة تعيش نوعاً من الاستقرار السياسي حتى موت ابن المحب الصامت رحمه الله تعالى (١).
وهذه صورة مبسطة للحياة السياسة في عصر الإمام ابن المحب الصامت منذ أن ولد إلى أن مات مع أطيب التمنيات، وهي تجسد لنا ما كان عليه عصر الإمام ابن المحب الصامت، من استقرار سياسي عام يشويه قلاقل وقتن داخلية، واتحاد قوى في مواجه العدو الخارجي، ومما يدل على هذه القلاقل ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية، حيث قال: "وفي العشر الأخير من رمضان سنة (٧٤٨ هـ) جاء البريد من نائب غزة إلى نائب دمشق بقتل السلطان الملك المظفر حاجي بن الناصر محمد، وقع بينه وبين الأمراء فتحيزوا عنه إلى قبة النصر فخرج إليهم في طائفة قليلة فقتل في الحال، وسحب إلى مقبرة هناك، ويقال قطع قطعا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولما كان يوم الجمعة آخر النهار ورد من الديار المصرية أمير للبيعة لأخيه السلطان الناصر حسن بن السلطان الناصر محمد بن قلاوون" (٢).
الحياة الاجتماعية في عصر الإمام ابن المحب الصامت:
من المعلوم أنَّ الحياة الاجتماعيَّة لا تنفصل عن الحياة السِّياسيَّة؛ فكلَّما كان هناك استقرار سياسيٌّ، كان هناك ازدهار في جميع نواحي شئون الحياة الاجتماعيَّة، والحياة الاجتماعيَّة في عصر ابن المحبِّ الصَّامت إلى حدٍّ ما مستقرَّة، وإن خالطتها منغصات.
إن العصر المملوكي عموما - الذي عاش فيه ابن المحب - كان قائماً على الطبقية، فهناك طبقة الحكام، وطبقة المحكومين، وطبقة العلماء، وكان للعلماء دور بارز في الدولة المملوكية فكانوا يرجعون إليهم في مدلهمات الأمور، وكانت طبقة الحكام مميزة، ولا تقبل الانخراط مع طبقة المحكومين.
_________
(١) العبر في خبر من غبر (٤/ ٦٩ - ١٧٦)، مرآة الجنان وعبرة اليقظان، لليافعي (٤/ ١٨٩ - ٢٢٥)، ابن كثير الدمشقي الحافظ المفسر المؤرخ الفقيه، تأليف: د. محمد الزحيلي (ص ١٤ - ١٩).
(٢) البداية والنهاية، ابن كثير (١٨/ ٤٩٩).
стр. 334
وفي ذلك العصر الذي عاش فيه ابن المحب حدث بعض الغلاء الشديد، وارتفعت الأسعار، وضاق بالناس الحال، إلى أن فرج الله بجلب القمح بأمر السلطان من مصر.
وفي سنة أربع وأربعين وسبعمائة حدثت الزلزلة العظمى العامة، فهدمت مدينة منبج إحدى بلاد الشام، وتهدمت منها أماكن بحلب، وغيرها، واستمرت على ذلك أياماً، وفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة وكان عمر ابن المحب الصامت إذ ذاك سبعة وثلاثون سنة، عم البلاد الإسلامية الطاعون فكان يموت في دمشق في اليوم الواحد أربعمائة نفس (١).
وتفاقمت في تلك الفترة الخلافات العقائدية، يقول ابن كثير: " ثم دخلت سنة ست عشرة وسبعمائة، وفيها وقعت فتنة بين الحنابلة والشافعية ببعلبك بسبب العقائد، وترافعوا إلى دمشق، فحضروا بدار السعادة عند نائب السلطنة تنكز، فأصلح بينهم، وانفصل الحال على خير من غير محاققة ولا تشويش على أحد من الفريقين، وذلك يوم الثلاثاء سادس عشر المحرم" (٢).
وعلى الرغم من انتشار العلوم الشريعة واعتناء المماليك بالنهضة العلمية، إلا أنه كان هناك ظهور للغناء داخل بيوت الله على الوجه التعبدي بيد الصوفية، قال ابن القيم: "ومن أعظم المنكرات: تمكينهم (٣) من إقامة هذا الشعار الملعون (٤) هو وأهله في المسجد الأقصى، عشية عرفة، ويقيمونه أيضاً في مسجد الخَيْفِ أيام مِنَى، وقد أخرجناهم منه بالضرب والنفي مراراً، ورأيتهم يقيمون بالمسجد الحرام نفسه والناس في الطواف، فاستدعيتُ حِزْبَ الله وفرقنا شملهم، ورأيتهم يقيمون بعرفات، والناس في الدعاء والتضرع والابتهال والضجيج إلى الله، وهم في هذا السماع الملعون باليَرَاعِ (٥) والدُّفِّ والغناء، فإقرار هذه الطائفة على ذلك فسق يقدح في عدالة مَن أقرَّهم ومنصبه الديني" (٦).
_________
(١) العبر في خبر من غبر (٤/ ١٣٠ - ١٥٠)، البداية والنهاية (١٨/ ١٢٣).
(٢) البداية والنهاية (١٨/ ١٤٩).
(٣) يعني: الصوفية.
(٤) يعني: الغناء.
(٥) اليَرَاعُ: وَاحِدَتُهُ يَرَاعَةٌ، وهو مِزْمارُ الرَّاعِي. لسان العرب (٨/ ٤١٣) مادَّة: يرع.
(٦) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ٢٣١).
стр. 335
وهذان الأمران السابقان (تفاقم الخلافات العقائدية، وغناء الصوفية في المساجد) وإن كانا ذَوَيْ جانب ديني، فإن لهما جانبا اجتماعيا؛ لأنهما يؤديانِ إلى فتن واضطرابات في المجتمع.
وظهرت في تلك الفترة بعض الأمراض والمفاسد الاجتماعية التي سرت بين الناس، ومن ذلك انتشار المحلل، ويصور لنا ابن القيم مدى المأساة التي حلت على الأواسط الاجتماعية في دمشق، وانتشار عملية التحليل المحرمة للمطلقات بصورة فجة، فيقول: " لو شاهدت الحرائر المصونات، على حوانيت المحللين متبذلات، تنظر المرأة إلى التيس نظرة الشاة إلى شفرة الجازر، وتقول: يا ليتني قبل هذا كنت من أهل المقابر، حتى إذا تشارطا على ما يجلب اللعنة والمقت، نهض واستتبعها خلفه للوقت، بلا زفاف ولا إعلان، بل بالتخفي والكتمان، فلا جهاز ينقل، ولا فراش إلى بيت الزوج يحول، ولا صواحب يهدينها إليه، ولا مصلحات يجلينها عليه، ولا مهر مقبوض ولا مؤخر ولا نفقة ولا كسوة تقدر، ولا وليمة ولا نثار، ولا دف إعلان ولا شعار، والزوج يبذل المهر وهذا التيس يطأ بالأجر" (١).
الحياة الدينية في زمن ابن المحب:
لقد عاش ابن المحب في عصر ساءت فيه الحالة الدينية في البلاد، وانشغل الناس بدنياهم، فعم المنكرات، وارتكبت المحرمات، وكان هذا نتيجة طبيعية لفساد الحكام، وانتشار اللهو واللعب، والانكباب على ملذات الحياة، وحب الترف والنعيم.
وقد ذكرتُ في "الحياة الاجتماعية": (تفاقم الخلافات العقائدية، وغناء الصوفية في المساجد)، فراجعهما.
قال ابن كثير في معرض حديثه عن البيعة للملك الأشرف علاء الدين كجك ابن السلطان الملك الناصر، وذلك بعد عزل أخيه المنصور: " لما صدر عنه من الأفعال التي ذكر أنه تعاطاها
_________
(١) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، المحقق: محمد حامد الفقي، مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية (١/ ٢٦٨)
стр. 336
من شرب المسكر، وغشيان المنكرات، وتعاطي ما لا يليق به، ومعاشرة الخاصكية (١) من المردان وغيرهم، فتمالأ على خلعه كبار الأمراء لما رأوا الأمر تفاقم إلى الفساد العريض، فأحضروا الخليفة الحاكم بأمر الله أبي الربيع سليمان، فأثبت بين يديه ما نسب إلى الملك المنصور المذكور من الأمور، فحينئذ خلعه، وخلعه الأمراء الكبار وغيرهم" (٢).
وقال ابن العماد في سبب عزل الملك المنصور: " قال السيوطي: لفساده وشرب الخمور، حتّى قيل: إنه جامع زوجات أبيه، ونفي إلى قوص، وقتل بها." (٣).
ولقد انتشرت في هذا العصر المذاهب الفقهية المختلفة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والمالكية، ولكن مع كل أسف لقد احتدم الخلاف بين أتباع تلك المذاهب، حتى صارت خصوامات بينهم، وتغير حال العلماء من قيامهم بدورهم للإصلاح بين الناس إلى حاجتهم إلى من يصلح بينهم.
قال ابن كثير: " وفي يوم الثلاثاء ثالث عشرين رجب رسم للأئمة الثلاثة الحنفي والمالكي والحنبلي بالصلاة في الحائط القبلي من الأموي، فعين المحراب الجديد الذي بين الزيادة والمقصورة للإمام الحنفي، وعين محراب الصحابة للمالكي وعين محراب مقصورة الخضر الذي كان يصلي فيه المالكي للحنبلي، وعوض إمام محراب الصحابة بالكلاسة، وكان قبل ذلك في حال العمارة قد بلغ محراب الحنفية من المقصورة المعروفة بهم، ومحراب الحنابلة من خلفهم في الرواق الثالث الغربي وكانا بين الأعمدة، فنقلت تلك المحاريب، وعوضوا بالمحاريب المستقرة بالحائط القبلي واستقر الأمر كذلك" (٤).
وقال أيضاً: " فاجتمعت مع نائب السلطنة بالقاعة التي في صدر إيوان دار السعادة، وجلس
_________
(١) الخاصكية: قسم من المماليك السلطانية يتميزون عن بقية المماليك السلطانية بانضوائهم وهم صغار في خدمة السلطان، فهو الذي يتولى تربيتهم وعتقهم. معجم مصطلحات التاريخ والحضارة الإسلامية، أنور محمود زناتي (٣٨١).
(٢) البداية والنهاية، لابن كثير (١٨/ ٤٢٩)
(٣) شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد (٨/ ٢٣٦).
(٤) البداية والنهاية (١٤/ ١٥٥)، الدارس في تاريخ المدارس، عبد القادر النعيمي (١/ ٤٦٥).
стр. 337
نائب السلطنة في صدر المكان، وجلسنا حوله، فكان أول ما قال: كنا نحن الترك وغيرنا إذا اختلفنا واختصمنا نجئ بالعلماء فيصلحون بيننا، فصرنا نحن إذا اختلفت العلماء واختصموا فمن يصلح بينهم؟ وشرع في تأنيب من شنع على الشافعي " (١).
كما انتشر في هذا العصر الفرق والطوائف المخالفة لأهل السنة والجماعة من أمثال الشيعة الروافض، والصوفية، وبلغت الانقسامات بين تلك الفرق مبلغًا عظيمًا، حتى في المقابر، فأصبح للصوفية مدافن خاصة بهم، فلا يدفنون إلا في مقابر خاصة بها تسمى مقابر الصوفية (٢).
قال ابن كثير: "في يوم الاثنين السادس عشر من جمادى الأولى (سنة ٧٥٥ هـ) اجتاز رجل من الروافض من أهل الحلة بجامع دمشق وهو يسب أول من ظلم آل محمد، ويكرر ذلك لا يفتر، ولم يصل مع الناس ولا صلى على الجنازة الحاضرة، على أن الناس في الصلاة، وهو يكرر ويرفع صوته به، فلما فرغنا من الصلاة نبهت عليه الناس فأخذوه وإذا قاضي القضاة الشافعي في تلك الجنازة حاضر مع الناس، فجئت إليه واستنطقته من الذي ظلم آل محمد؟ فقال: أبو بكر الصديق، ثم قال جهرة والناس يسمعون: لعن الله أبا بكر وعمر وعثمان ومعاوية ويزيد، فأعاد ذلك مرتين، فأمر به الحاكم إلى السجن، ثم استحضره المالكي وجلده بالسياط، وهو مع ذلك يصرخ بالسب واللعن والكلام الذي لا يصدر إلا عن شقي، واسم هذا اللعين علي بن أبي الفضل بن محمد بن حسين ابن كثير قبحه الله وأخزاه، ثم لما كان يوم الخميس سابع عشره عقد له مجلس بدار السعادة وحضر القضاة الأربعة وطلب إلى هنالك فقدر الله أن حكم المالكي بقتله، فأخذ سريعا فضرب عنقه تحت القلعة وحرقه العامة وطافوا برأسه البلد ونادوا عليه هذا جزاء من سب أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد ناظرت هذا الجاهل بدار القاضي المالكي وإذا عند شيء مما يقوله الرافضة الغلاة، وقد تلقى عن أصحاب ابن مطهر أشياء في الكفر والزندقة، قبحه الله وإياهم" (٣).
_________
(١) البداية والنهاية (١٨/ ٧١١).
(٢) الدارس في تاريخ المدارس (١/ ٢٧).
(٣) البداية والنهاية (١٨/ ٥٦٠ - ٥٦١).
стр. 338
الباب الثاني: في الحديث عن كتاب
(صفات رب العالمين) لابنِ المحبِّ الصامت
وفيه فصلان:
• الفصل الأول: التعريف بالكتاب.
• الفصل الثاني: وفيه بيان ودراسة لأهم ما جاء في الكتاب في الجزء الذي أقوم بتحقيقه.
стр. 339
الفصل الأول: التعريف بالكتاب
والكلام فيه على الأمور التالية:
اسم الكتاب:
اسم الكتاب كما ورد على غلافه: "صفات رب العالمين".
توثيق نسبة الكتاب إلى مصنفه:
١ - أن الكتاب بخط المصنف نفسه، ذكر ذلك الألباني ﵀ (١).
٢ - أنه كُتب في غلاف الكتاب: اسم الكتاب واسم مؤلفه، وهو ابن المحب الصامت.
٣ - أن الإمام يُوسُفَ بْنَ حَسَنِ ابْنِ عَبْدِ الهَادِي الشهير بابن الْمِبْرَدِ كتب في عدة مواضع إسنادَ إجازته بالمناولة إلى ابن المحب الصامت (٢).
٤ - أن الإمام يُوسُفَ بْنَ حَسَنِ ابْنِ عَبْدِ الهَادِي الشهير بابن الْمِبْرَدِ ذكر هذا الكتاب ضمن مصنفات ابن المحب الصامت (٣)، وكذلك عزاه إليه الألباني ﵀ كما مر (٤).
٥ - ما يذكره المصنِّف من الرواية عن أبيه (٥)، وجده (٦)، وعم أبيه (٧).
_________
(١) المنتخب من مخطوطات الحديث بالظاهرية (ص ١٥٤).
(٢) انظر على سبيل المثال: [٨٦/ب] [١١٣/ب].
(٣) الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد (ص ١٢١) وسماه: "إثبات أحاديث الصفات". وجمع الجيوش والدساكر على ابن عساكر (ص ١١٤) وسماه: "كتاب الصفات".
(٤) المنتخب من مخطوطات الحديث بالظاهرية (ص ١٥٤).
(٥) انظر على سبيل المثال: [١٠٧٥].
(٦) انظر على سبيل المثال: [٧٧٨].
(٧) انظر على سبيل المثال: [٩٥٠].
стр. 340
سبب تأليف الكتاب:
يوجد سقط في أول الكتاب وآخره، فلذلك لم أقف على ما كتبه المصنف عن منهجه في الكتاب وسبب تأليفه، ولكن سبب التأليف يتضح عند قراءة الكتاب، وهو:
١ - أنه أراد جمع الآيات الكريمات الدالة على صفات الله ، وجمع ما وقف عليه من الأحاديث والآثار المسنَدة الدالة على الصفات، فصار كتابه موسوعيا في بابه.
٢ - لا يحفى أن إثبات العقيدة الصحيحة ونشرها بين الناس وتعليمهم إياها هو أهم أسباب تأليف الكتاب.
٣ - أراد المصنِّف بيان علل الأحاديث الواردة في الأسماء والصفات، فصار كتابه مُسْنَداً مُعَلَّلاً.
موضوع الكتاب:
موضوع الكتاب يتضح من عنوانه، فالكتاب تناول باب صفات الله ، ذكر فيه الكثير من الآيات الدالة على صفات الله العُلَى، وأخرج الآلاف من الأحاديث الشريفة والآثار عن السلف الدالة عليها أيضا، وهو بذلك يثبتها على طريقة السلف، ويذكر في بعض المواضع ردودا على المنكرين للصفات أو بعضها.
منهج المصنف في تأليفه للكتاب:
١ - منهج المصنِّف في التصنيف: هو منهج أهل الحديث، وكتابه كتاب حديثي، تناول فيه المصنِّف باباً من أبواب التوحيد، وهو باب صفات رب العالمين .
٢ - التزم المصنِّف طريقة السلف في إثبات صفات الله ، أي بالقرآن الكريم والسنة المطهرة وفهم السلف ﵏.
٣ - إذا أراد المصنِّف الاستدلال على إثبات صفة من صفات الله ، فإنه يبوِّب لها، ثم يورد في أول الباب الآيات الكريمات، ثم يخرج الأحاديث، وقد يذكر أقوال السلف أيضا، ويستأنس بشيء مما وقف عليه في "الزبور".
٤ - يذكر المصنِّف إسناد سماعاته (إجازته) إلى الأصول والأجزاء دون أن يسميها،
стр. 341
فمثلاً (١): إذا أراد أن يذكر حديثا في صحيح البخاري، فإنه يذكر إسناد سماعاته إلى صحيح البخاري، ثم يذكر الحديث الذي أخرجه البخاري، ولا يذكر اسم الكتاب، ولا يميز بين إسناد سماعاته وإسناد المصنِّفين الذين يَنْقُلُ عنهم، ولم ينفرد ابن المحب بهذا المنهج، فقد جرت بذلك عادة المصنِّفين المتأخرين.
٥ - ينقل المصنِّف من الأصول والأجزاء بالنص، وَيُثْبِتُ ما ورد فيها دون تصحيح للتصحيفات أو إتمام للسقط؛ وذلك لأمانته العلمية، ومراعاةً لمنهج العلماء في تعاملهم مع الأصول والأجزاء.
٦ - إذا أراد المصنِّف الإشارة إلى انتهاء النقل: فإنه يرسم عقبه: دائرة صغيرة بوسطها نقطة.
٧ - يقوم المصنِّف بإخراج الأحاديث والأخبار بإسناده غالبا، ثم يعزوها إلى السنن والمسند والأجزاء الحديثية المشهورة وغير المشهورة، أو يكتفي ببعض من ذلك.
٨ - ينقل المصنف أحياناً من الكتب الحديثية وغيرها مباشرةً دون أن يذكر إسناد سماعه لها، ويسميها.
٩ - قد ينقل عن مصنفات متأخرة، ككتاب العلو، تأليف الذهبي، دون الرجوع إلى المصدر الأصلي، والمثال عليه: قال المصنِّف (رواه أبو هريرة، وهو في صحيح مسلم لِسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عنه)، وهذا وَهْمٌ اقتبسه من الذهبي في "العلو"، فالحديث لم يخرجه مسلم (٢).
١٠ - إذا عزى الأحاديث إلى "النسائي" فإنه كثيراً ما يقصد "السنن الكبرى" له.
١١ - يحرص المصنِّف على إخراج الأحاديث التي وردت في الأجزاء النادرة أو غير المشهورة، ويقدمها على غيرها، حتى وإن كان غيرها أصح وأثبت منها.
١٢ - قد يكرر الحديث الواحد بنفس الإسناد والمتن، أو الذي اتحد مخرجه وإن اختلفت بعض ألفاظه.
_________
(١) انظر على سبيل المثال: ما سيأتي برقم [٨٢٨].
(٢) انظر صفحة (٦٤٢).
стр. 342
١٣ - لم يقتصر المصنِّف على الصحيح من الأحاديث والأخبار، بل يذكر الضعيف بأنواعه، بل والموضوع أيضا، وأحيانا يحكم عليها بالصحة أو الضعف أو الوضع، وقد صرَّح المصنِّف في بعض المواضع أنه أورد الموضوع ليبيِّنَ حَالَهُ.
١٤ - يتعرض المصنِّف في بعض المواطن لعلوم الحديث وعلله، فيتكلم في الرجال وينقل أقوال أئمة الجرح والتعديل فيهم، ويبين بعض غريب الحديث.
١٥ - عند تَعَرُّضِهِ لعلل الحديث، يذكر الاختلاف في أسانيدها ومتونها، وربما يشير إشارات خفية إلى العلل، كأن يخرج الحديث الواحد من عدة طرق على وجه واحد، ثم يخرجه من وجه مخالف في المتن أو الإسناد.
١٦ - ينقل أقوال الأئمة في بيان غريب الحديث.
١٧ - ينقل أقوال الأئمة في بيان عقيدة السلف في قضيةٍ ما في توحيد الأسماء والصفات، وفي ردهم على أهل البدع.
١٨ - قد يهمل لفظ الصلاة على النبي ﷺ ، وربما يذكرها دون التسليم فيقول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ).
١٩ - لا يذكر لفظ الترضي على الصحابة ﵃ اختصاراً.
وصف النسخة الخطية الوحيدة:
حصلت على هذا القدر الذي حققته من المخطوطة الملونة من زميلي صقر الغامدي جزاه الله خيرا، وهي نسخة وحيدة محفوظة بأكملها في المكتبة الظاهرية بدمشق (٣٧٣٩).
والمخطوطة الملونة مع وضوح تصويرها إلا أنه في بعض اللوحات المصورة لا تظهر أطراف الهوامش، والمصنف يكتب على الهوامش.
غير أنه يوجد تصوير آخر كامل غير ملون (أبيض وأسود) لنفس المخطوطة منشور على الشبكة العنكبوتية، يمتاز بظهور كافة الهوامش في كل اللوحات التي قمت بتحقيقها، غير أن جودة التصوير أقل من الملونة، كما أن هناك كلمات في وسط (الصفحات المصورة غير الملونة) لا تظهر في التصوير، لكنها واضحة في التصوير الملون. وبهذا يكون لكل مصورة منهما مميزات.
стр. 343
١ - اسم الكتاب كما هو مكتوب على غلاف المخطوطة: "صفات رب العالمين".
٢ - المؤلف: هو ابن المحب الصامت.
٣ - الناسخ: هو المؤلِّف نفسه، كتبها بخط يده. ويوجد في مواضع قليلة إجازة بخط يُوسُفَ بْنِ حَسَنِ ابْنِ عَبْدِ الهَادِي الشهير بابن الْمِبْرَدِ.
٤ - والنسخة الخطية: هي مسودة لم يبيضها المصنِّف، وكان يزيد على ما يكتب بين الفينة والأخرى، حتى يكتب على الهوامش الأربعة في الصفحة الواحدة، ويكتب بين الأسطر أيضا.
٥ - وصف غلاف المخطوط: مكتوب في أعلى غلاف المخطوط في المتنصف: (كتاب صفات رب العالمين، لمحمد بن أحمد بن المحب المقدسي الحنبلي، رحمه الله تعالى).
وكتب تحته: (كتبه الحاج محمد مراد الشطي).
وكتب أسفله من الناحية اليسرى: (مجاميع ٥٧) وكتب تحته: (٣٧٣٩).
وتحته ختم المكتبة الظاهرية العلمية بدمشق.
٦ - يقع القدر الذي حققته في (٥٥) لوحة، من بداية (باب الرزق)، إلى نهاية (باب نزول الله جل ثناؤه يوم القيامة)، أي: من بداية اللوحة (٧٩/أ) إلى (١٣٣/أ).
٧ - نوع الخط: نسخي مشرقي قليل الإعجام، صعب القراءة.
٨ - قياس اللوحة: ١٣ x ٢٠ سم، وقد تقل في بعض اللوحات إلى نصف الحجم، وبعضها أقل.
٩ - عدد الأسطر: ٢٥ سطرا تقريبا في الصفحة الواحدة، وبعضها ١٩ إلى ٢٠، ويوجد تفاوت بين اللوحات لكثرة اللحق والإضافة.
١٠ - يوجد خلل في ترتيب بعض اللوحات، وفي بعضها أشار المصنِّف إلى ترتيبها، وهي:
- آخر ما ورد في (٨٢/أ) هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٤] فكتب تحتها: ﴿فِي ضَلَالٍ﴾، وتتمة الآية ورد في (٨٣/ب). فالخلل في الترتيب وقع في (٨٢/ب) إلى (٨٤/أ)، فرتبتها انظر: [٧٥١].
- يوجد عدم ترتيب من (٩٦/أ) إلى (٩٨/ب)، فرتبتها. انظر [٩٠٤] وما بعده.
стр. 344
- وفي اللوحة (١٢٠/ب) كتب المصنف ما يشير به إلى تقديم (ب) على (أ).
- (١٢١/ب) تقدمت على (١٢١/أ).
- وهناك باب يندرج تحته خبر واحد كتبه في غير موضعه، وكتب فوقه: (تُؤَخَّرُ)، وهو اللوحة (١١٦/أ) فأخرتها وكتبتها برقم [١١٧٠].
١١ - وبسبب اللحق والإضافة: كتب المصنف أخبارا في غير أبوابها، وهي:
- اللوحة (١٣١/أ) احتوت على حديث واحد فقط عن "النزول يوم عرفة"، رواه عبد الله بن عمر ﴿. فأخرته وكتبته تحت مرويات ابن عمر ﴿في ذاك الباب برقم [١١٩٥].
- الخبر الذي برقم [٨١١] متعلق بصفة القعود، كتبه المصنف قبل "باب القعود".
- وحديث عن النزول يوم عرفة ورد في اللوحة (١٢٩/أ) في غير بابه المناسب، وكتب بالهامش الأيمن: (يُؤَخَّرُ)، فكتبته في مكانه المناسب تحت "باب النزول يوم عرفة" برقم [١٢٠٣].
- الحديث الذي برقم [١٢١٦] أخرجه المصنف في "باب النزول في شهر رمضان كل ليلة"، بينما مكانه في "باب في نزول الله إلى الأرض" (١).
١٢ - يوجد سقط بعد (١١٠/ب) لوحة أو أكثر، أدى إلى بتر في النص. انظر [١٠٣٥].
كما أن اللوحات (٨٤/ب) (٨٥/أ - ب) (٨٦/أ) (١١٢/ب) (١١٣/أ) فارغة، لكنها لم تؤدي إلى سقط، فهي صفحات بيضاء زائدة.
_________
(١) انظر [١١٧٠].
стр. 345
الفصل الثاني:
الصفات التي رُوي فيها خلاف عن بعض أهل السنة والجماعة
المبحث الأول:
ثبوت صفة النزول لله تعالى (١)
يُثْبِتُ أهلُ السُّنة والجماعة صفةَ النزول لله على الوجه الذي يليق به كما جاءت في الكتاب والسنة، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا تأويل، ويقولون: إن الله ينزل نزولاً يليق بجلاله.
قال ابن رجب: وهذا قول أئمَّة السَّلَف (٢).
وقال الترمذي: «وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي هَذَا الحَدِيثِ وَمَا يُشْبِهُ هَذَا مِنَ الرِّوَايَاتِ مِنَ الصِّفَاتِ: وَنُزُولِ الرَّبِّ ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالُوا: قَدْ تَثْبُتُ الرِّوَايَاتُ فِي هَذَا وَيُؤْمَنُ بِهَا وَلَا يُتَوَهَّمُ وَلَا يُقَالُ: كَيْفَ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبَارَكِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ: أَمِرُّوهَا بِلَا كَيْفٍ "، وَهَكَذَا قَوْلُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ» (٣).
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيِّ: كَانَ مَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ يَقُولَانِ: «أَمِرُّوا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كَمَا جَاءَتْ، وَلَا تُنَاظِرُوا فِيهَا» (٤).
_________
(١) صفة النزول: وردت عند المصنف في مواضع كثيرة، انظر صفحة (٤٧٠) وما بعدها.
(٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن رجب (٦/ ٥٣٥).
(٣) سنن الترمذي (٣/ ٤١ - ٤٢).
(٤) أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٧٣٥) وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١٨٠١) من طريق أَحْمَدَ بْنِ زُهَيْرٍ، ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، ثنا بَقِيَّةُ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، به، وإسناده صحيح.
стр. 346
قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: «وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَسُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ فِي الْأَحَادِيثِ فِي الصِّفَاتِ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ قَالُوا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ. قَالَ أَبُو عُمَرَ نَحْوَ حَدِيثِ التَّنَزُّلِ وَحَدِيثِ، «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»، «وَأَنَّهُ يُدْخِلُ قَدَمَهُ فِي جَهَنَّمَ»، وَأَنَّهُ يَضَعُ السَّمَوَاتِ عَلَى أُصْبُعٍ، وَأَنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَمَا كَانَ مِثْلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ» (١).
_________
(١) جامع بيان العلم وفضله (١٨٠٢). الاعتصام، الشاطبي (٣/ ٣٠٥).
стр. 347
ونُسب إلى بعض السلف: أنَّ المقصود بنزول الله تعالى نزول أمره ورحمته.
روي هذا القول عن الإمام مالك، والإمام أحمد (١)، والأوزاعي (٢)، والقاضي عياض (٣).
قال ابن عبد البر: «وقد قال قوم من أهل الأثر أيضاً: إنَّه ينزل أمره، وتنزل رحمته. وَرُوِيَ ذلك عن حبيب كاتب ملك وغيره (٤).
وقال ابن فُورَك (٥): روي لنا عن الأوزاعي ﵀ أنه سئل عن هذا الخبر فقال: "يفعل ما يشاء". وهذا إشارة منه إلى أن ذلك فعل يظهر منه عز ذكره" (٦).
أدلة القول الأول:
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ (٧).
وجه الدلالة من الحديث:
قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: رُوِّينَا عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَسُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ فِي الْأَحَادِيثِ فِي الصِّفَاتِ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ قَالُوا: «أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ» (٨).
_________
(١) التمهيد لابن عبد البر (٧/ ١٤٣)، مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٦/ ٤٠٤)، مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم (ص ٤٧٤).
(٢) شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد، أبو عمرو، كان مولده في حياة الصحابة ﵃، توفي سنة ١٥٧ هـ. سير أعلام النبلاء (٧/ ١٠٧).
(٣) مشكل الحديث وبيانه، لابن فورك (ص ٢٠٥)، إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (٣/ ١٠٩).
(٤) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر (٧/ ١٤٣).
(٥) مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ بنِ فُورَكَ الأَصْبَهَانِيّ. كَانَ أَشْعَريّاً، رَأْساً فِي فَنِّ الكَلَام، أَخَذَ عَن أَبِي الحَسَنِ البَاهِلِيّ صَاحِبِ الأَشْعَرِيّ، توفي سنة (٤٠٦ هـ). سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢١٦).
(٦) مشكل الحديث وبيانه، لابن فورك (ص ٢٠٥).
(٧) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل (٢/ ٥٣) (١١٤٥).
(٨) جامع بيان العلم (١٨٠٢) تحريم النظر في كتب الكلام، لابن قدامة (ص ٣٨) العرش للذهبي (١٧٢).
стр. 348
ومذهب أهل السُّنَّة وفقهاء الأمَّة ترك القول في تأويله.
أدلة القول الثاني:
ذُكِرَتْ لهم استدلالات بالقرآن الكريم والسنة النبوية، وسنعرض أدلتهم مع مناقشتها،،،
أولاً: من القرآن الكريم:
قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
وجه الدلالة من الآية:
روي عن الإمام أحمد أنه فسَّر مجيء الرب في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ قال: أَمْرُهُ وَقُدْرَتُهُ (١). كما قال النَّبيُّ ﷺ من حديث أَبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» (٢).
وقد فسَّر الإمام أحمد أيضا: مجيء البقرة وآل عمران بمجيء ثوابهما (٣).
إن أصحاب هذا القول (القول الثاني) أوَّلوا نزول الرب بنزول أمره ورحمته، وقالوا إن صفة المجيء روي عن أحمد تأويلها، فالنزول كذلك يؤَّل كالمجيء.
مناقشة:
_________
(١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٦/ ٤٠٤).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن، وسورة البقرة (١/ ٥٥٣) (٨٠٤).
(٣) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٦/ ٤٠٤).
стр. 349
أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الاستدلال: بأنَّ أصحاب الإمام أحمد اخْتَلَفُوا فِيمَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ على ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
القول الأول: أن هذا القول نقله حَنْبَلٌ (١) عن الإمام أحمد في مناظرة له مع الجهمية يوم المحنة، وهَذَا غَلَطٌ مِنْ حَنْبَلٍ، انْفَرَدَ بِهِ دُونَ الَّذِينَ ذَكَرُوا عَنْهُ الْمُنَاظَرَةَ مِثْلَ صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ (٢) وَالْمَرُّوذِيِّ (٣) وَغَيْرِهِمْ. فَإِنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا هَذَا، وَحَنْبَلٌ يَنْفَرِدُ بِرِوَايَاتِ يُغَلِّطُهُ فِيهَا طَائِفَةٌ كَالْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ (٤).
قَالَ أَبُو إسْحَاقَ ابْنُ شَاقْلَا (٥): هَذَا غَلَطٌ مِنْ حَنْبَلٍ لَا شَكَّ فِيهِ.
وقال ابن القيم: إِنَّهَا غَلَطٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّ حَنْبَلًا تَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ، وَهُوَ كَثِيرُ الْمَفَارِيدِ الْمُخَالِفَةِ لِلْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ وَإِذَا تَفَرَّدَ بِمَا خَالَفَ الْمَشْهُورَ عَنْهُ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِجَادَّةِ مَذْهَبِهِ، هَذَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ، فَكَيْفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؟ (٦).
وقال ابن رجب: «قال ابن حامد (٧): رأيت بعض أصحابنا حكى عن أبي عبد الله في الإتيان
_________
(١) حَنْبَلُ بنُ إِسْحَاقَ بنِ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيُّ، ابْنُ عَمِّ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَتِلْمِيْذُهُ ستأتي ترجمته [٨٢٧].
(٢) ابني الإمام أحمد بن حنبل.
(٣) الإِمَامُ، القُدْوَةُ، الفَقِيْهُ، المُحَدِّثُ شَيْخُ الإِسْلَامِ، أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحَجَّاجِ المَرُّوْذِيُّ، نَزِيْلُ بَغْدَادَ، وَصَاحِبُ الإِمَامِ أَحْمَدَ، لَازَمَهُ، وَكَانَ أَجَلَّ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ إِمَاماً فِي السُّنَّةِ، شَدِيْدَ الَاتِّبَاعِ، لَهُ جَلَالَةٌ عَجِيْبَةٌ بِبَغْدَادَ، توفي سنة (٢٧٥ هـ). سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٧٣).
(٤) غُلَامُ الخَلاَّلِ، الشَّيْخُ، الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، شَيْخُ الحنَابلَةِ، أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ جَعْفَرِ بنِ أَحْمَدَ بنِ يزْدَادَ البَغْدَادِيُّ الفَقِيْهُ، تِلْمِيْذُ أَبِي بَكْرٍ الخَلاَّلِ، كَانَ كَبِيرَ الشَّأْنِ، مِنْ بحورِ العِلْمِ، لَهُ البَاعُ الأَطولُ فِي الفِقْهِ، وَهُوَ ثِقَةٌ فِيمَا ينقُلُهُ، توفي سنة (٣٦٣ هـ). سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٤٣). وقال في العبر (٢/ ١١٦): "صاحب الخَلَّال".
(٥) شَيْخُ الحَنَابلَةِ، أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عُمَرَ بنِ حَمْدَانَ بنِ شَاقلَا البَغْدَادِيُّ البَزَّازُ، كَانَ رَأْساً فِي الأُصولِ وَالفُروعِ، وَتفقَّهَ بِأَبِي بَكْرٍ غُلَامِ الخَلاَّلِ، وَتخرَّجَ بِهِ أَئِمَّةٌ، ماتَ سَنَةَ (٣٦٩ هـ). سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٩٢).
(٦) مختصر الصواعق المرسلة (ص ٤٧٤).
(٧) شَيْخُ الحَنَابِلَة وَمُفتيهُم، أَبُو عَبْدِ اللهِ الحَسَنُ بنُ حَامِد بن عَلِيِّ بنِ مَرْوَانَ البَغْدَادِيُّ، الوَرَّاق، وَهُوَ أَكْبَرُ تَلَامذَةِ أَبِي بَكْرٍ غُلَام الخلاَّل، توفي سنة (٤٠٣ هـ). سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٠٣).
стр. 350
أنَّه قال: تأتي قُدْرَتُهُ. قال: وهذا على حَدِّ الوَهْمِ مِنْ قَائِلِهِ، وخطأ في إضافته إليه» (١).
الْقَوْلُ الثَّانِي: إنه قالها في المناظرة لهم يوم المحنة إلزامًا لهم على قولهم، فالجهمية تؤول صفة المجيء والإتيان بمجيء أمره، قال تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، قال الجهمية: أي يأتي أمر ربك. وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] قال الجهمية: أي وجاء أمر ربك. قالت الجهمية: لأن المجيء لا يكون إلاَّ لمخلوق، ودل الحديث على أن البقرة وآل عمران تجيئان يوم القيامة، فالقرآن مخلوق.
فألزمهم أحمد بقولهم، قال لهم: أنتم تتمسكون بتأويل في شأنكم كله، إذا كنتم تقولون: يأتي أمر ربك. جاء أمر ربك. فقولوا بأن مجيء البقرة وآل عمران هو مجيء ثوابهما، لا مجيء القرآن ذاته.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ جَعَلُوا هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَد، وَقَدْ يَخْتَلِفُ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ فِي مَسَائِلَ مِثْلِ هَذِهِ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ الْمَشْهُورَ عَنْهُ رِدُّ التَّأْوِيلِ (٢). .
لكن لا يثبت هذا التأويل عن أحمد، وعلى التسليم: هو من باب إلزام الخصم بقوله. فلا يصح أن يجعل التأويل قولا ثانيا لأحمد.
أما ما ذُكر عن الأوزاعي: روي بصيغة التضعيف مما يدل على ضعفه، وعلى فرض صحته، فهو كلام عام، يدل على أنه الله يفعل ما يشاء، والنزول من أفعال الله ، وهو مثل قول إسحاق ابن راهويه حين قال الجهمي له: (كَفَرْتُ بِرَبٍّ يَنْزِلُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ)، فقال ابن راهويه: (آمَنْتُ بِرَبٍّ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (٣). فكلام الأوزاعي ليس فيه تأويل، وقد قال الأوزاعي: "كُنَّا - وَالتَّابِعُونَ مُتَوَافِرُونَ - نَقُولُ: إنَّ اللهَ -تَعَالَى- فَوْقَ عَرْشِهِ، وَنُؤمِنُ بِمَا وَردَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ
_________
(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن رجب (٦/ ٥٣٤).
(٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٨/ ٤٠٨) (١٦/ ٤٠٤) بتصرف.
(٣) الأسماء والصفات للبيهقي (٩٥١). وسيأتي بتمامه [١٠٦٩].
стр. 351
صِفَاتِهِ، وَمَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ الطَّوَائِفِ أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ إِمرَارُ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا كَمَا جَاءتْ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلَا تَحرِيفٍ، وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَكْيِيفٍ، فَإِنَّ الكَلَامَ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَلَى الكَلَامِ فِي الذَّاتِ المُقَدَّسَةِ" (١).
وصح عن الأوزاعي وجماعة: أنهم كانوا يُمِرُّونَ أحاديث الصفات كما جاءت، أي: مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ، وقد مضى (٢).
_________
(١) سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٠٢).
(٢) انظر صفحة (٣٨).
стр. 352
ثانيا: من السنة النبوية:
- الدليل الأول: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ (١).
وجه الدلالة من الحديث:
المراد بالنزول هنا: نزول أمره ورحمته، وليس نزوله (٢).
قال ابن عبد البر: «وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَبَلِيُّ - وَكَانَ مِنْ ثِقَاتِ الْمُسْلِمِينَ بِالْقَيْرَوَانِ - قَالَ: حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ سَوَادَةَ بِمِصْرَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْحَدِيثِ «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ فِي اللَّيْلِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا» فَقَالَ مَالِكٌ: "يَتَنَزَّلُ أَمْرُهُ"» (٣).
- مناقشة:
نوقش هذا الدَّليل من أوجه:
الأول: أن هذا النقل لا يصح عن مالك من أي وجه، فَالجَبَلِيُّ: مجهول (٤)، وجامع بن سوادة: ضعفه الدارقطني (٥)، أما حبيب: قال عنه ابن حجر: متروك، كذبه أبو داود وجماعة (٦). وستأتي هذه المسألة بمزيد تفصيل (٧).
الثاني: أنه روي عن مالك ﵀ إثبات الصفات عموما بلا تأويل، وإثبات صفة النزول.
_________
(١) تقدم تخريجه في صفحة (٤٢).
(٢) التمهيد لابن عبد البر (٧/ ١٤٣)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٦/ ٤٠٤).
(٣) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٧/ ١٤٣).
(٤) مجموع الفتوى (٥/ ٤٠١ - ٤٠٢) مختصر الصواعق المرسلة (ص ٤٧٥).
(٥) لسان الميزان (٢/ ٤١٥).
(٦) التقريب (١٠٨٧).
(٧) انظر [١٠٨٠].
стр. 353
أخرج ابن أبي زَمَنِين (١) من طريق زهير بن عَبَّاد الرُّؤَاسي (٢) أنه قال: كُلُّ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ اَلْمَشَايِخِ: مَالِكٍ وَسُفْيَانَ وَفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ … وَابْنِ اَلْمُبَارَكِ وَوَكِيعٍ كَانُوا يَقُولُونَ: اَلنُّزُولُ حَقٌّ (٣).
وقال ابن القيم: (وَقَالَ مَالِكٌ: وَلِهَذَا أَمْضِ الْحَدِيثَ كَمَا وَرَدَ بِلَا كَيْفٍ وَلَا تَحْدِيدٍ إِلَّا بِمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] يَنْزِلُ كَيْفَ شَاءَ بِقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَعَظَمَتِهِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ) (٤).
ومضى أن مالكاً قال فِي الْأَحَادِيثِ فِي الصِّفَاتِ: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ (٥).
الثالث: أن التأويل بنزول أمره: ليس بشيء؛ لأنَّ أَمْرَهُ ورحمته لا يزالان ينزلان أبدًا في اللَّيل والنَّهار، وتعالى الملك الجبَّار الَّذي إذا أراد أمرًا قال له كن فيكون في أيِّ وقت شاء، ويختص برحمته من يشاء متى شاء، لا إله إلاَّ هو الكبير المتعال (٦).
- الدليل الثاني: أخرج مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَنْزِلُ اللهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا لِشَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ لِثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، أَوْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ، وَلَا ظَلُومٍ».
حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ ﵎ يَقُولُ: «ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ -تَبَارَكَ
_________
(١) مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عِيْسَى بن مُحَمَّدٍ المُرِّيُّ، الأَنْدَلُسِيُّ، الإِلبيرِي، المعروف ابْنُ أَبِي زَمَنِيْنَ، اسْتبحر مِنَ العِلْم، وَصَنَّفَ فِي الزُّهْد وَالرَّقائِق، وُلِدَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ (٣٢٤ هـ)، وَتُوُفِّيَ فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ، سَنَة (٣٩٩ هـ). سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٨٩).
(٢) وثقه أبو حاتم الرازي، وقال الدارقطني: مجهول. وأشار الذهبي قبل اسمه بـ[صح]، أي: أن العمل على توثيقه. ميزان الاعتدال (٢/ ٨٣).
(٣) أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ١١٣).
(٤) مختصر الصواعق المرسلة (ص ٤٦٨).
(٥) انظر صفحة (٣٨).
(٦) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر (٧/ ١٤٣).
стр. 354
وَتَعَالَى- يَقُولُ: «مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُومٍ، وَلَا ظَلُومٍ» (١).
- وجه الدلالة من الحديث:
قوله: «ثمَّ يَبْسِطُ يَدَيْهِ» عبارة عن نَشْرِ رَحْمَتِهِ، واستعارة بكثرة عطائه، وإجابته، وإسباغ نعمته، ولا يعترض على هذا بأنَّ أمره ونهيه وأفعاله في كلِّ حين لا يختصُّ بوقت دون وقت؛ فقد يكون المراد بالأمر هنا فى هذه القضيَّة يختصُّ لقائم اللَّيل، كما يختصُّ رمضان ويوم عرفة وليلة القدر وليلة نصف شعبان وغيرها من الأوقات بأوامر من أوامره، وقضايا من قضاياه، لا تكون فى سائر الأوقات، كما جاء فى كتاب الله، وحديث نبيِّه ﵇ (٢).
مناقشة:
نوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: هل الرَّحمة والأمر صفة قائمة بذات الله تعالى أم مخلوق مستقلٌّ؟ فلو قلنا الرَّحمة والأمر صفة قائمة بذات الله تعالى، فيلزم من نزولها نزول الذَّات، ولو قلتم مخلوق منفصل، كان الَّذي ينزل ويأتي لفصل القضاء مخلوقًا محدثًا، لا ربَّ العالمين، وهذا معلوم البطلان قطعاً، وهو تكذيب صريح للخبر؛ فإنَّه يَصِحُّ معه أن يقال: لا ينزل إلى سماء الدُّنيا، ولا يأتي لفصل القضاء، وإنَّما الذي ينزل ويأتي غيره، وبهذا بطل القول بنزول أمره، وصحَّ القول بنزول ذاته.
الثاني: أنَّ نزول رحمته وأمره لا يختصُّ بالثُّلث الأخير، ولا بوقت دون وقت ينزل أمره ورحمته، فلا تنقطع رحمته ولا أمره عن العالم العلويِّ والسُّفليِّ طَرْفَةَ عَيْنٍ (٣).
والصواب من ذلك:
أنَّ الله ينزل نزولاً يليق بجلاله من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل؛ لما يأتي:
_________
(١) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل، والإجابة فيه (٧٥٨) - (١٧١).
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض (٣/ ١١٠).
(٣) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص ٤٧٤).
стр. 355
١ - القول بإثبات النُّزول لله تعالى هو قول سَلَفِ هذه الأمَّة.
٢ - القول بنزول أمره تمَّ مناقشته بما يُضْعِفُ الاستدلال به.
٣ - أنَّ جميع هذه التَّأويلات مبتدعة، لم يَقُلْ أحد من الصَّحابة ﵃ شيئًا منها، ولا أحد من التَّابعين لهم بإحسان؛ وهي خلاف المعروف المتواتر عن أئمَّة السُّنَّة والحديث: أحمد بن حنبل، وغيره من أئمَّة السُّنَّة، ولكنَّ بعض الخائضين بالتَّأويلات الفاسدة يتشبَّث بألفاظ تُنْقَلُ عن بعض الأئمَّة، وتكون إمَّا غلطًا، أو محرَّفة (١).
_________
(١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٥/ ٤٠٩).
следующие страницы →