← Акыда

Акыда · id 132403

صفات رب العالمين - رسائل جامعية - ناقص

ابن المحب الصامت

Полный текст (3 288 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

صِفَاتِهِ، وَمَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ الطَّوَائِفِ أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ إِمرَارُ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا كَمَا جَاءتْ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلَا تَحرِيفٍ، وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَكْيِيفٍ، فَإِنَّ الكَلَامَ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَلَى الكَلَامِ فِي الذَّاتِ المُقَدَّسَةِ" (١). وصح عن الأوزاعي وجماعة: أنهم كانوا يُمِرُّونَ أحاديث الصفات كما جاءت، أي: مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ، وقد مضى (٢). _________ (١) سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٠٢). (٢) انظر صفحة (٣٨).

стр. 352

ثانيا: من السنة النبوية: - الدليل الأول: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ (١). وجه الدلالة من الحديث: المراد بالنزول هنا: نزول أمره ورحمته، وليس نزوله (٢). قال ابن عبد البر: «وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَبَلِيُّ - وَكَانَ مِنْ ثِقَاتِ الْمُسْلِمِينَ بِالْقَيْرَوَانِ - قَالَ: حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ سَوَادَةَ بِمِصْرَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْحَدِيثِ «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ فِي اللَّيْلِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا» فَقَالَ مَالِكٌ: "يَتَنَزَّلُ أَمْرُهُ"» (٣). - مناقشة: نوقش هذا الدَّليل من أوجه: الأول: أن هذا النقل لا يصح عن مالك من أي وجه، فَالجَبَلِيُّ: مجهول (٤)، وجامع بن سوادة: ضعفه الدارقطني (٥)، أما حبيب: قال عنه ابن حجر: متروك، كذبه أبو داود وجماعة (٦). وستأتي هذه المسألة بمزيد تفصيل (٧). الثاني: أنه روي عن مالك ﵀ إثبات الصفات عموما بلا تأويل، وإثبات صفة النزول. _________ (١) تقدم تخريجه في صفحة (٤٢). (٢) التمهيد لابن عبد البر (٧/ ١٤٣)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٦/ ٤٠٤). (٣) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٧/ ١٤٣). (٤) مجموع الفتوى (٥/ ٤٠١ - ٤٠٢) مختصر الصواعق المرسلة (ص ٤٧٥). (٥) لسان الميزان (٢/ ٤١٥). (٦) التقريب (١٠٨٧). (٧) انظر [١٠٨٠].

стр. 353

أخرج ابن أبي زَمَنِين (١) من طريق زهير بن عَبَّاد الرُّؤَاسي (٢) أنه قال: كُلُّ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ اَلْمَشَايِخِ: مَالِكٍ وَسُفْيَانَ وَفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ … وَابْنِ اَلْمُبَارَكِ وَوَكِيعٍ كَانُوا يَقُولُونَ: اَلنُّزُولُ حَقٌّ (٣). وقال ابن القيم: (وَقَالَ مَالِكٌ: وَلِهَذَا أَمْضِ الْحَدِيثَ كَمَا وَرَدَ بِلَا كَيْفٍ وَلَا تَحْدِيدٍ إِلَّا بِمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] يَنْزِلُ كَيْفَ شَاءَ بِقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَعَظَمَتِهِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ) (٤). ومضى أن مالكاً قال فِي الْأَحَادِيثِ فِي الصِّفَاتِ: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ (٥). الثالث: أن التأويل بنزول أمره: ليس بشيء؛ لأنَّ أَمْرَهُ ورحمته لا يزالان ينزلان أبدًا في اللَّيل والنَّهار، وتعالى الملك الجبَّار الَّذي إذا أراد أمرًا قال له كن فيكون في أيِّ وقت شاء، ويختص برحمته من يشاء متى شاء، لا إله إلاَّ هو الكبير المتعال (٦). - الدليل الثاني: أخرج مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَنْزِلُ اللهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا لِشَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ لِثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، أَوْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ، وَلَا ظَلُومٍ». حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ ﵎ يَقُولُ: «ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ -تَبَارَكَ _________ (١) مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عِيْسَى بن مُحَمَّدٍ المُرِّيُّ، الأَنْدَلُسِيُّ، الإِلبيرِي، المعروف ابْنُ أَبِي زَمَنِيْنَ، اسْتبحر مِنَ العِلْم، وَصَنَّفَ فِي الزُّهْد وَالرَّقائِق، وُلِدَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ (٣٢٤ هـ)، وَتُوُفِّيَ فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ، سَنَة (٣٩٩ هـ). سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٨٩). (٢) وثقه أبو حاتم الرازي، وقال الدارقطني: مجهول. وأشار الذهبي قبل اسمه بـ[صح]، أي: أن العمل على توثيقه. ميزان الاعتدال (٢/ ٨٣). (٣) أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ١١٣). (٤) مختصر الصواعق المرسلة (ص ٤٦٨). (٥) انظر صفحة (٣٨). (٦) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر (٧/ ١٤٣).

стр. 354

وَتَعَالَى- يَقُولُ: «مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُومٍ، وَلَا ظَلُومٍ» (١). - وجه الدلالة من الحديث: قوله: «ثمَّ يَبْسِطُ يَدَيْهِ» عبارة عن نَشْرِ رَحْمَتِهِ، واستعارة بكثرة عطائه، وإجابته، وإسباغ نعمته، ولا يعترض على هذا بأنَّ أمره ونهيه وأفعاله في كلِّ حين لا يختصُّ بوقت دون وقت؛ فقد يكون المراد بالأمر هنا فى هذه القضيَّة يختصُّ لقائم اللَّيل، كما يختصُّ رمضان ويوم عرفة وليلة القدر وليلة نصف شعبان وغيرها من الأوقات بأوامر من أوامره، وقضايا من قضاياه، لا تكون فى سائر الأوقات، كما جاء فى كتاب الله، وحديث نبيِّه ﵇ (٢). مناقشة: نوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: هل الرَّحمة والأمر صفة قائمة بذات الله تعالى أم مخلوق مستقلٌّ؟ فلو قلنا الرَّحمة والأمر صفة قائمة بذات الله تعالى، فيلزم من نزولها نزول الذَّات، ولو قلتم مخلوق منفصل، كان الَّذي ينزل ويأتي لفصل القضاء مخلوقًا محدثًا، لا ربَّ العالمين، وهذا معلوم البطلان قطعاً، وهو تكذيب صريح للخبر؛ فإنَّه يَصِحُّ معه أن يقال: لا ينزل إلى سماء الدُّنيا، ولا يأتي لفصل القضاء، وإنَّما الذي ينزل ويأتي غيره، وبهذا بطل القول بنزول أمره، وصحَّ القول بنزول ذاته. الثاني: أنَّ نزول رحمته وأمره لا يختصُّ بالثُّلث الأخير، ولا بوقت دون وقت ينزل أمره ورحمته، فلا تنقطع رحمته ولا أمره عن العالم العلويِّ والسُّفليِّ طَرْفَةَ عَيْنٍ (٣). والصواب من ذلك: أنَّ الله ينزل نزولاً يليق بجلاله من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل؛ لما يأتي: _________ (١) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل، والإجابة فيه (٧٥٨) - (١٧١). (٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض (٣/ ١١٠). (٣) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص ٤٧٤).

стр. 355

١ - القول بإثبات النُّزول لله تعالى هو قول سَلَفِ هذه الأمَّة. ٢ - القول بنزول أمره تمَّ مناقشته بما يُضْعِفُ الاستدلال به. ٣ - أنَّ جميع هذه التَّأويلات مبتدعة، لم يَقُلْ أحد من الصَّحابة ﵃ شيئًا منها، ولا أحد من التَّابعين لهم بإحسان؛ وهي خلاف المعروف المتواتر عن أئمَّة السُّنَّة والحديث: أحمد بن حنبل، وغيره من أئمَّة السُّنَّة، ولكنَّ بعض الخائضين بالتَّأويلات الفاسدة يتشبَّث بألفاظ تُنْقَلُ عن بعض الأئمَّة، وتكون إمَّا غلطًا، أو محرَّفة (١). _________ (١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٥/ ٤٠٩).

стр. 356

المبحث الثاني: مسألة القول بخلو العرش منه إذا نزل (١) لأهل الحديث في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: ينزل ويخلو منه العرش. القول الثاني: ينزل ولا يخلو منه العرش. القول الثالث: نثبت نزولاً، ولا نقول يخلو أو لا يخلو. القول الأول: ينزل ويخلو منه العرش (٢): قال ابن تيمية: (لم يبلغنا هذا القول إلا عن طائفة قليلة من أهل الحديث) (٣). وقفتُ على عالِمَيْنِ من أهل الحديث نسب إليهما هذا القول، هما: أبو القاسم ابن منده (٤)، وابن حامد الحنبلي (٥)،،، أما أبو القاسم ابن منده: فنسب شيخ الإسلام هذا القول إليه وقال: (ومِن أهل الحديث مَن يقول: بل يخلو منه العرش، وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن محمد بن منده مصنفًا في الإنكار على من قال: لا يخلو منه العرش، وسماه: "الرد على من زعم أن الله في كل مكان، وعلى من زعم أن الله ليس له مكان، وعلى من تأول النزول على غير النزول") (٦). _________ (١) وردت مسألة خلو العرش عند المصنف برقم [١٠٤٨]. وانظر: صفة النزول الإلهي ورد الشبهات حولها، تأليف: عبد القادر الغامدي (ص ٢٨٩). (٢) العرش، تأليف الذهبي (١/ ٢٢٤)، شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ٦٥)، مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٥/ ٤١٤)، مختصر الصواعق المرسلة (ص ٤٦٩). (٣) شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ٦٦) بتصرف. (٤) أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى بنِ مَنْدَه العَبْدِيُّ الأَصْبَهَانِيُّ، قال الذهبي: أَطلق عبَارَاتٍ بَدَّعَهُ بَعْضُهُمْ بِهَا، وَهُوَ فِي تَوَالِيفِهِ حَاطِبُ لَيْلٍ؛ يَرْوِي الغَثَّ وَالسَّمِينَ، ستأتي ترجمته [٧٥٠]. (٥) أَبُو عَبْدِ اللهِ الحَسَنُ بنُ حَامِد بن عَلِيِّ بنِ مَرْوَانَ البَغْدَادِيُّ، مضت ترجمته في ص (٤٤). (٦) شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ٤٣).

стр. 357

وأما ابن حامد: نقل عنه شيخ الإسلام أنه قال: (فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا الْأَصْلُ فِي نُزُولِ ذَاتِهِ مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ وَلَا حَدٍّ، فَإِنَّا نَقُولُ: إنَّهُ بِانْتِقَالِ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، إلَّا أَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَتْ: يَنْزِلُ مِنْ غَيْرِ انْتِقَالٍ مِنْ مَكَانِهِ كَيْفَ شَاءَ. وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا لَا غَيْرَهُ) (١). قال ابن القيم: (أَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ: "إِنَّهُ نُزُولُ انْتِقَالٍ"، فَهُوَ مُوَافِقٌ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ) (٢). أدلة أصحاب هذا القول: ١ - أن هذا حقيقة النزول عند العرب، وهذا على ظاهر الأحاديث التي فيها أنه يرتفع عند الفجر بعد نزوله في الثلث الآخر (٣). ٢ - أن حديث النزول قد رواه جماعة من الصحابة ﵃، لم ينقل عن أحد منهم: (لا يخلو منه العرش) (٤). مناقشة: ما ذكروه في دليلهم الأول: هو حقيقة نزول أجسادهم، وليس حقيقة نزول الرب كنزول المخلوق. كما أنه ليس كحقيقة نزول بعض المخلوقات، فالروح مثلا تصعد وقت النوم، وهي لا تزال في البدن لا تفارقه إلا عند الموت. والألفاظ في اللغة ذات القدر المشترك لا يلزم منها التماثل، وتكون مقيدة بحسب إضافتها وأما ما ذكروه في دليلهم الثاني: قال ابن تيمية: (القائلون بذلك لم يقولوا: إن هذا اللفظ في الحديث، وليس في الحديث أيضًا أنه لا يخلو منه العرش أو يخلو منه العرش، كما يدعيه المدعون لذلك، فليس في الحديث لا لفظ المثبتين لذلك، ولا لفظ النفاة له) (٥). _________ (١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦/ ١٦٤ - ١٦٥). (٢) مختصر الصواعق المرسلة (ص ٤٧٠). (٣) المسائل العقدية من كتاب الروايتين والوجهين (ص ٦٠). وحديث الارتفاع سيأتي [١١١٤]. (٤) شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ٤٥). (٥) شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ٤٥).

стр. 358

فلا يصلح هذا دليلا لهم. القول الثاني: ينزل ولا يخلو منه العرش: وهو قول جمهور أهل الحديث، منهم: الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وحمَّاد بن زيد، وعثمان ابن سعيد الدَّارميِّ، وغيرهم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: هو الصواب (١). سأل بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ (٢) حمَّادَ بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء: «ينزل ربُّنا إلى سماء الدُّنيا» يتحوَّل من مكان إلى مكان؟ فسكت حمَّاد بن زيد، ثمَّ قال: هو في مكانه يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهِ كَيْفَ شاء (٣). قال إسحاق بن راهويه: «دخلتُ على عبد الله بن طاهر (٤)، فقال: ما هذه الأحاديث الَّتي تَرْوُونَهَا؟ قلت: أي شيء أَصْلَحَ الله الأمير؟ قال: تروون أنَّ الله ينزل إلى السَّماء الدُّنيا. قلت: نعم، رواه الثِّقات الَّذين يروون الأحكام. قال: أَيَنْزِلُ وَيَدَعُ عَرْشَهُ؟ قال: فقلت: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو العرش منه؟ قال: نعم (٥). فَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ يَقُوْلُ: هو في مكانه يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهِ كيف شاء، فأثبت قُرْبَهُ إلى خَلْقِهِ مع كونه فوق عرشه، وعبد الله بن طاهر وهو من خيار مَنْ وَلِيَ الأمر بخراسان كان يعرف أنَّ الله فوق العرش، وأشكل عليه أنَّه ينزل؛ لِتَوَهُّمِهِ أنَّ ذلك يقتضي أن يخلو منه العرش، فأقرَّه الإمام إسحاق على أنَّه فوق العرش، وقال له: يَقْدِرُ أن ينزل مِنْ غير أن يخلو منه العرش؟ فقال له الأمير: نعم، فقال له إسحاق: لم تتكلَّم في هذا؟ يقول: فإذا كان قادرًا على ذلك لم يلزم من _________ (١) العرش، تأليف الذهبي (١/ ٢٢٤)، شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ٦٦). وانظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٥/ ٤١٤)، مختصر الصواعق المرسلة (ص ٤٦٩). (٢) بشر بن السري، أبو عمرو الأفوه، بصري، تحول إلى مكة، كان واعظاً ثقة متقنا طعن فيه برأي جهم ثم اعتذر، توفي سنة (١٩٦ هـ). الجرح والتعديل (٢/ ٣٥٨) التقريب (٦٨٧). (٣) شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ٤٠)، العرش، الذهبي (١/ ٢٢٩). (٤) عَبْدُ اللهِ بنُ طَاهِر بنِ الحُسَيْنِ بنِ مُصْعَبٍ، الأَمِيْرُ العَادِلُ، حَاكِمُ خُرَاسَانَ، سيأتي [١٠٦٨]. (٥) العرش، الذهبي (١/ ٢٣٠).

стр. 359

نزوله خُلُوُّ العرش منه، فلا يجوز أن يعترض على النُّزول بأنَّه يَلْزَمُ مِنْهُ خُلُوُّ العرش (١). قال أحمد بن محمَّد البَرْدَعِيُّ التَّميميُّ (٢): لَمَّا أشكل على مُسَدَّدِ بن مسرهد (٣) أَمْرُ السُّنَّة، وما وقع فيه النَّاس من القَدَر، والرَّفض، والاعتزال، والإرجاء، وَخَلْقِ القرآن، كتب إلى أحمد بن حنبل: أن أكتب إليَّ سُنَّةَ رسول الله ﷺ فَكَتَبَ إليه: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، أمَّا بعد .. ثمَّ ذكر فيها: وينزل الله إلى السَّماء الدُّنيا ولا يخلو منه العرش (٤). وطعن بعضهم في هذه الرسالة وقالوا: راويها عن أحمد بن حنبل مجهول لا يعرف (٥)، فأجاب شيخ الإسلام: (هي مشهورة عند أهل الحديث والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم، تلقوها بالقبول) (٦). أدلة أصحاب هذا القول: ١ - أن العلو صفة ذاتية لله تعالى، فلا يكون دائما إلا عاليا، وأن خلو العرش يلزم منه أن يكون الرب في وقت نزوله ليس عاليا. ٢ - أن كرسيه وسع السموات والأرض، قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] فمن هذه عظمته كيف يحصره مخلوق، سماء أو غيرها، حتى يقال: إنه إذا نزل يخلو منه العرش، أو يصير _________ (١) شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ٤١). (٢) أحمد بن محمَّد البَرْدَعِيُّ مجهول، لا يعرف في أصحاب أحمد من اسمه أحمد بن محمَّد. ينظر: شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ٤٤). (٣) مُسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَدِ بنِ مُسَرْبَلٍ الأَسَدِيُّ، الإِمَامُ، الحَافِظُ، الحُجَّةُ، أَبُو الحَسَنِ الأَسَدِيُّ، البَصْرِيُّ، أَحَدُ أَعْلَامِ الحَدِيْثِ. وُلِدَ سنة (١٥٠ هـ)، وتوفي سنة (٢٢٨ هـ). سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٩١). (٤) شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ٤٤). (٥) شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ٤٠)، وكتب د. عبد العزيز الحميدي دراسة عن رسالة مسدد، وشكك في نسبتها إليه، انظر: براءة الأئمة الأربعة من مسائل المتكلمين (ص ١٠٠). (٦) شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ٥٤).

стр. 360

فوقه، أو يحصره مخلوق أو يحيط به (١). القول الثالث: نثبت نزولاً، ولا نقول يخلو أو لا يخلو: وهذا قَوْلُ ابْنِ بَطَّةَ، والحافظ عبد الغنيِّ المقدسيِّ (٢)، وغيرهما (٣). قال ابن بطَّة: «ينزل ربُّنا » ولا نقول: إنَّه يزول، بل ينزل كيف شاء، لا نصف نزوله، ولا نحدُّه، ولا نقول: إنَّ نُزُولَهُ زَوَالُهُ (٤). وقال الحافظ المقدسيُّ: «ومن قال يخلو العرش عند النُّزول أو لا يخلو، فقد أتى بقول مبتدع، ورأي مخترع (٥). وقال ابن القيِّم: وأمَّا الَّذين أمسكوا عن الأمرين وقالوا: لا نقول يتحرَّك وينتقل، ولا ننفي ذلك عنه، فهم أسعد بالصَّواب والاتِّباع؛ فإنَّهم نطقوا بما نطق به النَّصُّ، وسكتوا عمَّا سكت عنه، وتظهر صحَّة هذه الطَّريقة ظهورًا تامًّا فيما إذا كانت الألفاظ الَّتي سكت النَّصُّ عنها مجملة محتملة لمعنيين: صحيح، وفاسد، كلفظ الحركة والانتقال والجسم والحيِّز والجهة والأعراض والحوادث والعلَّة والتَّغيُّر والتَّركيب، ونحو ذلك من الألفاظ الَّتي تحتها حقٌّ وباطل، فهذه لا تُقْبَلُ مُطْلَقًا، ولا تُرَدُّ مُطْلَقًا؛ فإنَّ الله - سبحانه - لم يُثْبِتْ لنفسه هذه المسمَّيات، ولم يَنْفِهَا عنه، فمن أثبتها مطلقًا فقد أخطأ، ومن نَفَاهَا مُطْلقًا فقد أخطأ؛ فإنَّ معانيها منقسمة إلى ما يمتنع إثباته لله، وما يجب إثباته له. فإنَّ الانتقال يراد به انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج إليه إلى مكان آخر يحتاج إليه، وهو يمتنع إثباته للرَّبِّ تعالى، وكذلك الحركة إذا أريد بها هذا المعنى امتنع إثباتها لله تعالى، ويراد بالحركة والانتقال حركة الفاعل من كونه فاعلاً، وانتقاله أيضًا من كونه غير فاعل _________ (١) شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ١١٧، ١٩١). (٢) عَبْدُ الغَنِيِّ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ عَلِيِّ بنِ سُرُوْرٍ المَقْدِسِيُّ، الجَمَّاعِيْليُّ سيأتي [٧٧٨]. (٣) العرش، تأليف: الذهبي (١/ ٢٢٤)، شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ٦٥)، مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٥/ ٤١٤)، مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص ٤٦٩). (٤) الإبانة الكبرى، لابن بطة (٧/ ٢٣٧). (٥) الاقتصاد في الاعتقاد، لعبد الغني المقدسي (ص ١١٢).

стр. 361

إلى كونه فاعلاً. فهذا المعنى حَقٌّ في نَفْسِهِ لا يُعْقَلُ كون الفاعل إلاَّ به، فَنَفْيُهُ عن الفاعل نَفْيٌ لحقيقة الفعل، وَتَعْطِيْلٌ له، وقد يُرَادُ بالحركة والانتقال ما هو أعمُّ من ذلك، وهو فعل يقوم بذات الفاعل يتعلَّق بالمكان الَّذي قصد له، وأراد إيقاع الفعل بنفسه فيه. وقد دلَّ القرآن والسُّنَّة والإجماع على أنَّه - سبحانه - يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظُلَلٍ من الغمام والملائكة، وينزل كلَّ ليلة إلى سماء الدُّنيا، وينزل عشيَّة عَرَفَةَ، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنة. وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة، فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين، فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له، وحركة الحي من لوازم ذاته، ولا فرق بين الحي والميت إلا بالحركة والشعور؛ فكلُّ حيٍّ متحرك بالإرادة وله شعور، فنفي الحركة عنه كنفي الشعور، وذلك يستلزم نفي الحياة (١). قال ابن عثيمين: وعندي أنَّ هذه الطَّريقة أسلم طريقة؛ أن لا نسأل عن شيء لم يَسأل عنه الصَّحابة ﵃ وأن نلقِّم من سأل عنه حجرًا، فإذا قال قائل: أنا أريد المعقول، قلنا: اجعل عقلك في نفسك، وفكر في نفسك، أما في مثل هذا الأمر فلا تفكِّر فيه ما دام لم يأتك خبر عنه. وللأسف فإنَّ بعض النَّاس يجادل ويقول: دعوني أتصوَّر النُّزول حقيقة؛ حتَّى أتبيَّن هل خلا منه العرش أم لا؟ فنقول: سبحان الله! ألا يسعك ما وسع الصَّحابة ﵃؟ اسكت واترك هذا الكلام الذي لم يَقُلْهُ الصحابة ﵃ للرَّسول ﷺ وهم أشدُّ النَّاس حرصاً على العلم بالله (٢). مناقشة: إن هذه المسألة لم يتكلم فيها أحد في عهد الصحابة ﵃، إنما أثيرت بعد زمن الصحابة ﵃ عندما أحدث الجهمية بدعهم، فأجاب العلماء عن هذه الشبهة وغيرها من الشبهات، ولو أثيرت هذه البدعة في عهد الصحابة ﵃ لما سكتوا عنها ﵃، والأئمة تكلموا في مسائل من أجل _________ (١) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص ٤٧٣). (٢) الدرة المضيَّة في عقد أهل الفرقة المرضيَّة، لابن عثيمين (ص ٢٧٥).

стр. 362

الرد على المبتدعة، كبدعة خلق القرآن والوقف والقدر وصفة العلو وغيرها، بل كان السكوت عن بدعة القول بخلق القرآن وغيرها آنذاك: غير محمود، فالأئمة لم يبتدؤوا الخوض في هذه المسائل، ولا يرتضون الخوض فيها، إنما تكلموا فيها في معرض الرد على المبتدعة من أجل بيان الحق. أخرج الآجري: حَدَّثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَسْأَلُ: هَلْ لَهُمْ رُخْصَةٌ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، ثُمَّ يَسْكُتُ؟ فَقَالَ: وَلَمْ يَسْكُتْ؟ لَوْلَا مَا وَقَعَ فِيهِ النَّاسُ كَانَ يَسَعُهُ السُّكُوتُ، وَلَكِنْ حَيْثُ تَكَلَّمُوا فِيمَا تَكَلَّمُوا، لِأَيِّ شَيْءٍ لَا يَتَكَلَّمُونَ؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ (١): مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى يَقُولُ: لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْإِيمَانِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَلَمَّا جَاءَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ فَأَحْدَثَ الْكُفْرَ بِقَوْلِهِ: "الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ"، لَمْ يَسَعِ الْعُلَمَاءَ إِلَّا الرَّدُّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرَ مَخْلُوقٍ بِلَا شَكٍّ، وَلَا تَوَقُّفٍ فِيهِ، فَمَنْ لَمْ يَقُلْ غَيْرَ مَخْلُوقٍ سُمِّيَ وَاقِفِيًّا، شَاكًّا فِي دِينِهِ (٢). الرأي الراجح: الصَّواب هو القول الثَّاني بأنَّه لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه، مع دنوِّه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه (٣)؛ لما يأتي: ١ - أنَّ الله على كلِّ شيء قدير. ٢ - القول بأنَّه يخلو منه عرشه فيه تشبيه بالمخلوقات، والله ليس كمثله شيء. ٣ - هذا القول هو المأثور عن سلف الأمَّة وأئمَّتها. _________ (١) هو الآجري نفسه. (٢) الشريعة للآجري (١٨٧) إسناده صحيح. ابن مَخْلَدٍ: هو مُحَمَّدُ بنُ مَخْلَدِ بنِ حَفْصٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ الدُّورِيُّ العَطَّارُ، قال الدارقطني: ثقة مأمون. سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٥٦). (٣) شرح حديث النزول لابن تيمية (ص ٦٦).

стр. 363

المبحث الثالث: النزول بالذات (١) مر بنا في المبحث الأول (٢) أن أهل السنة والجماعة يثبتون صفة النزول لله على الوجه الذي يليق به بلا تأويل. وأما إضافة لفظ "الذات" إلى النزول، فيُذكر عن المنتسبين إلى أهل السُّنَّة والجماعة قولان: القول الأول: أنه ينزل بذاته. القول الثاني: نقول ينزل، ولا نقول بذاته ولا بغير ذاته، بل نطلق اللفظ كما أطلقه رسول الله ﷺ ونسكت عمَّا سكت عنه. القول الأول: أنه ينزل بذاته: وهو قول نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ والإمام أَبِي القَاسِمِ التَّيْمِيِّ وَأَبِي الْفَرَجِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، وطوائف من أهل الحديث والسنة والصوفية والمتكلمين (٣): أدلة هذا القول: عن أنس بن مالك ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: إنَّ الله - جلَّ اسمُه - إذا أراد أن ينزل نزل بذاته (٤). مناقشة: أولا: هذا الحديث لا يصح، وإليك أقوال العلماء فيه،،، قال أبو موسى المديني (٥): إسناده مدخول، وفيه يقال: وعلى بعضهم مطعن لا تقوم بمثله _________ (١) وردت مسألة إضافة لفظ "الذات" إلى النزول عند المصنِّف برقم [١٠٦٤]. وانظر: صفة النزول الإلهي ورد الشبهات حولها، تأليف: عبد القادر الغامدي (ص ٢٧٩). (٢) انظر صفحة (٣٧). (٣) مختصر الصواعق المرسلة (ص ٤٤٤، ٤٦٩). وانظر: الاستذكار لابن عبد البر (٢/ ٥٣٠) فتح الباري لابن رجب (٦/ ٥٣٣) الردود لبكر أبو زيد (ص ٤٦٧). (٤) العلو للعلي الغفار، تأليف الذهبي (ص ٩١). وسيأتي [١٠٦٤]. (٥) محمد بن أبي بكر عمر بن أحمد بن عمر الْمَدِيني الأَصْبَهَانِيُّ، سيأتي [٧٧٩].

стр. 364

الحجَّة، ولا يجوز نسبة قوله إلى رسوله ﷺ وإن كنَّا نعتقد صحَّته، إلاَّ أن يُرَدَّ بإسناد صحيح (١). وقال الذَّهبيُّ: هذا إسناد ساقط، وَبِشْرٌ لا نَدْرِيْ من هو، وقال في رواية: (بذاته)، ولعلَّ هذا موضوع (٢). _________ (١) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص ٤٦٩). (٢) إبطال التأويلات لأخبار الصفات، القاضي أبو يعلى (ص ٢٦٥)، العلو للعلي الغفار في إيضاح صحيح الأخبار وسقيمها، الذهبي (ص ٩١).

стр. 365

القول الثاني: نقول ينزل، ولا نقول بذاته ولا بغير ذاته، بل نطلق اللفظ كما أطلقه رسول الله ﷺ ونسكت عمَّا سكت عنه (١): أدلة هذا القول: - الدليل الأول: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ (٢). - الدليل الثاني: عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَنْزِلُ اللهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا لِشَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ لِثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ أَوْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ، وَلَا ظَلُومٍ؟ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ ﵎ يَقُولُ: «مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُومٍ، وَلَا ظَلُومٍ» (٣). وجه الدلالة من الحديثين: لفظ النُّزول في الحديثين مجمل، وليس فيه أنَّ النُّزول يكون بذاته أو بغير ذاته، وليس المسلم في حاجة إلى أن يقول ينزل بذاته، ما دام الفعل أضيف إليه؛ فهو له (٤). والذي عليه أهل العلم من أهل السُّنَّة والحقِّ الإيمان بمثل هذا وشبهه من القرآن والسُّنن دون كيفيَّة، فيقولون: ينزل، ولا يقولون: كيف النُّزول؟ ولا يقولون: كيف الاستواء؟ ولا كيف المجيء في قوله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [سورة الفجر آية: ٢٢]، ولا كيف التَّجلِّي في قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٤٣] (٥). _________ (١) مختصر الصواعق المرسلة (ص ٤٦٩)، فتح الباري لابن رجب (٦/ ٥٣٣). (٢) تقدم تخريجه في صفحة (٤٢). (٣) تقدم تخريجه في صفحة (٤٨). (٤) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (٨/ ٤٠٠). (٥) الاستذكار، لابن عبد البر (٢/ ٥٣٠).

стр. 366

قال عبَّاد بن العوَّام (١): قدم علينا شريك واسطًا، فقلنا له: إنَّ عندنا قومًا ينكرون هذه الأحاديث؛ أنَّ الله يَنْزِلُ إلى السَّماء الدنيا. فقال شريك: إنَّما جاءنا بهذه الأحاديث من جاء بالسُّنن عن رسول الله ﷺ الصَّلاةِ، والصِّيَامِ، والزَّكاةِ، والحجِّ، وإنَّما عرفنا الله بهذه الأحاديث (٢). وقال الشَّافعيُّ: ليس في سُنَّةِ رسول الله ﷺ إلاَّ اتِّباعُهَا، ولا نعترض عليه بِكَيْفٍ، ولا يَسَعُ عالماً فيما ثبت من السُّنَّة إلاَّ التَّسليمَ؛ لأنَّ الله قد فَرَضَ اتِّباعَها، وقد قال قوم: إنَّه ينزل أَمْرُهُ، وَتَنْزِلُ رَحْمَتُهُ وَنِعْمَتُهُ، وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ أَمْرَهُ بما شاء من رحمته ونقمته، ينزل باللَّيل والنَّهار بلا تَوْقِيتِ ثُلُثِ اللَّيلِ ولا غَيْرِهِ (٣). وخلاصة القول في المسألة: أن الأحاديث صريحة في إطلاق لفظ النزول، ولم يرد فيها لفظ (بذاته)، فمن أطلقها إنما أراد بها الرد على الجهمية والمعطلة والمفوضة، ومن لم يطلقها فقد وقف مع النصوص، مع إقراره بأن الأحاديث صريحة في ذلك. _________ (١) عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ بنِ عُمَرَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ المُنْذِرِ الكِلَابِيُّ، الإمام، المحدث، كَانَ مِنْ نُبَلَاءِ الرِّجَالِ فِي كُلِّ أَمْرِهِ. تُوُفِّيَ سَنَةَ بِضْعٍ وَثَمَانِيْنَ وَمائَةٍ. ينظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي (٨/ ٥١١). (٢) الشريعة، الآجري (٣/ ١١٢٦)، شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٩)، الاستذكار، لابن عبد البر (٢/ ٥٣٠). (٣) الاستذكار، لابن عبد البر (٢/ ٥٣٠).

стр. 367

المبحث الرابع: النزول والإتيان والمجيء يكون بحركة وانتقال أم لا (١)؟ يُذكر عن المنتسبين إلى أهل السُّنَّة والجماعة في المسألة قولان: القول الأول: نزول انتقال. القول الثاني: الإمساك عن القول في المسألة. القول الأول: نزول انتقال. وهو قول أبي عبد الله ابن حامد (٢) (٣). قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي كِتَابِ "الْوَجْهَيْنِ وَالرِّوَايَتَيْنِ": ذَهَبَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إِلَى أَنَّهُ نُزُولُ انْتِقَالٍ، قَالَ: لِأَنَّ هَذَا حَقِيقَةُ النُّزُولِ عِنْدَ الْعَرَبِ (٤). أدلة هذا القول: - الدليل الأول: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ (٥). - الدليل الثاني: عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَنْزِلُ اللهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا لِشَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ لِثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ أَوْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلَا ظَلُومٍ؟. وفي رواية: ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ ﵎ يَقُولُ: «مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُومٍ وَلَا ظَلُومٍ» (٦). _________ (١) هذه المسألة متعلقة بالمبحث الثاني (ص ٥١) ومتعلقة بها، ذكرتها هنا إتماما لها. وانظر: صفة النزول الإلهي ورد الشبهات حولها، تأليف: عبد القادر الغامدي (ص ٣٣٢). (٢) أَبُو عَبْدِ اللهِ الحَسَنُ بنُ حَامِد بن عَلِيِّ بنِ مَرْوَانَ البَغْدَادِيُّ، مضت ترجمته في ص (٤٢). (٣) مختصر الصواعق المرسلة (ص ٤٦٩)، العرش، تأليف: الذهبي (١/ ٢٢٧). (٤) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص ٤٦٩). (٥) تقدم تخريجه في صفحة (٤٢). (٦) تقدم تخريجه في صفحة (٤٨).

стр. 368

- وجه الدلالة من الحديثين: استدلَّ أبو عبد الله ابن حامد بدلالة اللُّزوم؛ فالنُّزول في لغة العرب معناه: انْحِطَاطٌ من عُلُوٍّ (١). قال ابن فارس: النُّون والزَّاء واللاَّم كلمة صحيحة تدلُّ على هبوط شيء ووقوعه. ونزل عن دابَّته نزولاً. ونزل المطر من السَّماء نزولاً (٢). هذه هي حقيقة النُّزول عند العرب؛ أن يكون بحركة وانتقال، والقرآن الكريم نزل بلغة العرب، والله يخاطبنا بها، وليس في العقل ولا في النَّقل ما يُحِيْلُ الانتقالَ عليه؛ فإنَّه كالمجيء والإتيان والذَّهاب والهبوط، هذه أنواع الفعل اللاَّزم القائم به، كما أنَّ الخَلْقَ والرِّزْقَ والإماتة والإحياء والقبض والبسط أَنْوَاعٌ للفعل المتعدِّي، وهو -سبحانه- مَوْصُوْفٌ بالنَّوْعَيْنِ، وقد يجمعهما، كَقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]. والانتقال جنس لأنواع المجيء والإتيان والنُّزول والهبوط والصُّعود والدُّنُوِّ والتَّدلِّي ونحوها، وإثبات النَّوع مع نفي جنسه جمع بين النَّقيضين، كما أنَّه ليس في القول بلازم النُّزول والمجيء والإتيان والاستواء والصعود محذور البتَّة، ولا يستلزم ذلك نقصًا ولا سَلْبَ كمال، بل هو الكمال نفسه، وهذه الأفعال كمال ومدح؛ فهي حَقٌّ دَلَّ عليه النَّقْلُ، وَلَازِمُ الْحَقِّ حَقٌّ (٣). مناقشة: القول باللُّزوم هنا باطل؛ لأنَّ القائل بالنُّزول هو الله ورسوله ﷺ ، ولم يُخْبِرِ اللهُ ولا رسولُه أنَّ نزوله بانتقال، فبطل الإلزام (٤). _________ (١) تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي (٣٠/ ٤٧٨)، مادة: نزل. (٢) مقاييس اللغة، لابن فارس (٥/ ٤١٧)، مادة: نزل. (٣) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص ٤٧٠). (٤) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص ٤٧٢).

стр. 369

القول الثاني: الإمساك عن القول في المسألة. وهو اختيار كثير من أهل الحديث والفقهاء والصوفية، كابن بطة وَغَيْرِهِ (١). وهؤلاء فيهم من يَقِفُ عن إثبات اللَّفظ مع الموافقة على المعنى، وهو قول كثير منهم، ومنهم من يمسك عن إثبات المعنى، وعن اللَّفظ (٢). أدلة هذا القول: - الدليل الأول: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ (٣). - الدليل الثاني: عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَنْزِلُ اللهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا لِشَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ لِثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ أَوْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلَا ظَلُومٍ؟ وفي رواية: ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ ﵎ يَقُولُ: «مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُومٍ وَلَا ظَلُومٍ؟» (٤). وجه الدلالة من الحديثين: لفظ النُّزول في الحديثين لَفْظٌ مُجْمَلٌ، ليس فيه إثبات للحركة، ولا نَفْيُهُ عنها، وما كان كذلك فالقاعدة تقول: الألفاظ التي سكت النَّصُّ من الكتاب والسُّنَّة عنها مجملة محتملة لمعنيين: صحيح، وفاسد؛ كلفظ الحركة، والانتقال، ونحو ذلك من الألفاظ الَّتي تحتها حقٌّ وَبَاطِلٌ، فهذه لا تُقْبَلُ مُطْلَقًا، ولا تُرَدُّ مُطْلَقًا؛ فإنَّ الله -سبحانه- لم يُثْبِتْ لنفسه هذه المسمَّيات، ولم يَنْفِهَا عنه (٥). _________ (١) شرح حديث النزول لابن تيمية (ص ١٨٨). (٢) العرش، الذهبي (١/ ٢٢٧). (٣) تقدم تخريجه في صفحة (٤٢). (٤) تقدم تخريجه في صفحة (٤٨). (٥) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص ٤٧٤).

стр. 370

قال سفيان بن عيينة: كلُّ ما وَصَفَ اللهُ نَفْسَهُ في كتابه فتفسيره قراءته والسُّكوت عنه؛ ليس لأحد أن يفسِّره إلاَّ الله ورسوله (١). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كنت أنا وأبي عَابِرَيْنِ في المسجد، فسمع قاصًّا يقصُّ بحديث النُّزول، فقال: إذا كان ليلة النِّصف من شعبان ينزل الله إلى سماء الدُّنيا بلا زَوَالٍ ولا انْتِقَالٍ ولا تغيُّر حال. فارتعد أبي ﵀ واصفرَّ لَوْنُهُ، وَلَزِمَ يدي، وأمسكتُه حتَّى سكن ثمَّ قال: قف بنا على هذا المتخوِّض. فلمَّا حاذاه قال: يا هذا، رسول الله أَغْيَرُ على ربِّه مِنْكَ، قل كما قال رَسُولُ الله ﷺ . وانصرف (٢). قال حمَّاد بن زيد: (هو في مكانه يقرب من خلقه كما يشاء). فعلق ابن رجب بقوله: (ومراده أنَّ نزوله ليس هو انتقالاً من مكان إلى مكان كنزول المخلوقين) (٣). وقال ابن تيمية: فإن قال لنا: كيف النُّزول منه جلَّ وعزَّ؟ قلنا: لا نحكم على النُّزول منه بشيء، ولكنَّا نبيِّن كيف النُّزول منَّا، وما تحتمله اللُّغة من هذا اللَّفظ، والله أعلم بما أراد. والنُّزول منَّا يكون بمعنيين: أحدهما: الانتقال من مكان إلى مكان، كنزولك من الجبل إلى الحضيض، ومن السَّطح إلى الدَّار. والمعنى الآخر: إقبالك إلى الشَّيء بالإرادة والنِّيَّة. كذلك الهبوط والارتفاع والبلوغ والمصير وأشباه هذا من الكلام (٤). قال ابن القيِّم: وأمَّا الذين أمسكوا عن الأمرين وقالوا: لا نقول يتحرَّك وينتقل، ولا ننفي ذلك عنه، فهم أسعد بالصَّواب والاتِّباع (٥). _________ (١) لوامع الأنوار البهية، السفاريني (١/ ٢٦١). (٢) الاقتصاد في الاعتقاد، لعبد الغني المقدسي (ص ١١٠). (٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن رجب (٣/ ١١٧). (٤) شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ٦١). (٥) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص ٤٧٤).

стр. 371

الرأي الراجح: الرَّاجح القول بأنَّ الله ينزل، ولا نقول بحركة وانتقال، ولا بدون حركة وانتقال، بل نمسك عن ذلك؛ لما يأتي: ١ - القائلون بذلك نطقوا بما نطق به النَّصُّ، وسكتوا عمَّا سكت عنه. ٢ - الألفاظ الَّتي سكت النَّصُّ من الكتاب والسُّنَّة عنها مجملة محتملة لمعنيين: صحيح وفاسد، كلفظ الحركة والانتقال والجسم والحيِّز والجهة والأعراض والحوادث والعلَّة والتَّغيُّر والتَّركيب، ونحو ذلك من الألفاظ التي تحتها حَقٌّ وباطل؛ فهذه لا تُقْبَلُ مطلقًا، ولا تُرَدُّ مُطْلَقًا؛ فإنَّ الله سبحانه لم يثبت لنفسه هذه المسمَّيات، ولم يَنْفِهَا عنه. ٣ - من أَثْبَتَ الألفاظ المجملة مطلقًا فقد أخطأ، ومن نفاها مطلقًا فقد أخطأ؛ فإنَّ معانيها منقسمة إلى ما يَمْتَنِعُ إثباته لله، وما يجب إثباتُه له؛ فإنَّ الانتقال يراد به انتقال الجسم والعَرَضِ من مكان هو محتاج إليه إلى مكان آخر يحتاج إليه، وهو يمتنع إثباته للرَّبِّ تعالى، وكذلك الحركة إذا أريد بها هذا المعنى، امتنع إثباتها لله تعالى، ويراد بالحركة والانتقال حركة الفاعل من كونه فاعلاً، وانتقاله أيضًا من كَوْنِهِ غير فاعل إلى كونه فاعلاً. فهذا المعنى حَقٌّ في نفسه، لا يُعْقَلُ كون الفاعل إلاَّ به، فنفيه عن الفاعل نَفْيٌ لحقيقة الفعل، وتعطيل له، وقد يراد بالحركة والانتقال ما هو أَعَمُّ من ذلك، وهو فعل يقوم بذات الفاعل يتعلَّق بالمكان الَّذي قصد له، وأراد إيقاع الفعل بنفسه فيه، وقد دلَّ القرآن والسُّنَّة والإجماع على أنَّه -سبحانه- يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظُلَلٍ من الغمام والملائكة، وينزل كلَّ ليلة إلى سماء الدُّنيا، وينزل عشيَّة عَرَفَةَ، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنَّة. وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة، فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصَّة بالمخلوقين؛ فإنَّها ليست من لوازم أفعاله المختصَّة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نَفْيُهُ عنه، وما كان من خصائص الخَلْقِ لم يجز إثباته له، وحركة الحيِّ من لوازم ذاته، ولا

стр. 372

فَرْقَ بين الحيِّ والميِّت إلاَّ بالحركة والشُّعور؛ فكلُّ حيٍّ مُتَحَرِّكٌ بالإرادة، وله شُعُوْرٌ؛ فَنَفْيُ الحركة عنه كَنَفْيِ الشُّعُورِ، وذلك يستلزم نَفْيَ الحياة (١). _________ (١) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص ٤٧٤).

стр. 373

المبحث الخامس: صفة القعود (١) اختلف المنتسبون إلى أهل السُّنَّة والجماعة في إثبات صفة الجلوس أو القعود لله على قولين: - القول الأول: إثبات صفة القعود لله تعالى. - القول الثاني: عدم إثبات صفة القعود لله تعالى (٢). القول الأول: إثبات صفة القعود لله تعالى. وهو قول أكثر أهل السُّنَّة (٣). أدلة هذا القول: - أولاً: القرآن الكريم: - الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [سورة الإسراء آية: ٧٩]. وجه الدلالة من الآية: قال مجاهد: يجلسه معه على العرش (٤). - ثانياً: السُّنَّة النَّبويَّة: - الدَّليل الأوَّل: أَتَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتِ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ، فَعَظَّمَ الرَّبَّ وَقَالَ: «إِنَّ كُرْسِيَّهُ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّهُ يَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَمَا يَفْضُلُ مِنْهُ قِيدُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ، مَدَّ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَ، وَإِنَّ لَهُ أَطِيطًا كَأَطِيطِ الرَّحْلِ الْجَدِيدِ إِذَا رُكِبَ مِنْ ثِقَلِهِ» (٥). _________ (١) بوب المصنف لصفة القعود، وأخرج أحاديث فيه، انظر الحديث [٨١٢] وما بعده. (٢) إثبات الحد لله تعالى، محمود ابن أبي القاسم الدشتي، قسم الدراسة (ص ٦٤، ١٥٤، ١٥٥). (٣) مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٣٥). وانظر: إثبات الحد لله (ص ١٥٠) العرش للذهبي (٢/ ١٥٦). (٤) أخرجه الطبري في جامع البيان عن تأويل آي القرآن (١٥/ ٤٧). من طريق مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ. وهذا إسناد مقطوع ضعيف؛ لضعف ليث، قال عنه ابن حجر: صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك. التقريب (٥٦٨٥). والخبر ضعفه الألباني في ظلال الجنة (٦٩٥). (٥) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢/ ٦٥٠)، وابن بطة في الإبان الكبرى (٧/ ١٧٨). صححه ابن القيم، انظر: تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته، لابن القيم (١٣/ ١٣). وقال الألباني: منكر. الضعيفة (٨٦٦).

стр. 374

وجه الدلالة من الحديث: الحديث ينصُّ بصريح العبارة الَّتي لا تقبل التَّأويل أنَّ الله يَجْلِسُ على كرسيِّه. - الدَّليل الثَّاني: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَقُولُ اللهُ لِلْعُلَمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا قَعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ لِقَضَاءِ عِبَادِهِ: إِنِّي لَمْ أَجْعَلْ عِلْمِي وحُكْمِي فِيكُمْ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَغْفِرَ لَكُمْ، عَلَى مَا كَانَ فِيكُمْ، وَلَا أُبَالِي» (١). وجه الدلالة من الحديث: أثبت الرَّسول ﷺ صفة القعود لله . - الدَّليل الثَّالث: بَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵃ يَسْأَلُهُ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ: أَنْ نَعَمْ قَدْ رَآهُ، فَرَدَّ رَسُولَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: كَيْفَ رَآهُ؟ فَقَالَ: رَآهُ عَلَى كُرْسِيٍّ مِنْ ذَهَبٍ تَحْمِلُهُ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةَ: مَلَكٌ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، وَمَلَكٌ فِي صُورَةِ أَسَدٍ، وَمَلَكٌ فِي صُورَةِ ثَوْرٍ، وَمَلَكٌ فِي صُورَةِ نَسْرٍ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ دُونَهُ فِرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ (٢). وجه الدلالة من الحديث: الحديث نَصٌّ في المسألة؛ فهو يثبت صفة الجلوس لله تعالى. - الدليل الرابع: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ حُشِرَ النَّاسُ عُرَاةً حُفَاةً غُرْلًا، ثُمَّ يَجْلِسُ اللَّهُ عَلَى كُرْسِيِّهِ» (٣). _________ (١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٨٤) (١٣٨١). قال ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٥/ ٢٧٢): إسناده جيد. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (١/ ١٢٦): رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وقال الألباني: موضوع. الضعيفة (٨٦٧). وسيأتي [٨١١]. (٢) السنة، عبد الله بن أحمد (٢١٧). إسناده ضعيف، وانظر تخريجه في الشريعة للآجري (١٠٣٤). (٣) أخرجه الروياني في مسنده (٢/ ٤٧٠) (١٤٩١) قال: أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نَا عَمِّي، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، بطوله. ولفظ الجلوس منكر، تفرد به أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، صدوق تغير بأخرة. التقريب (٦٧). ومحمد بن مسلم الطائفي: صدوق يخطئ من حفظه. التقريب (٦٢٩٣). والحديث أخرجه جماعة كالبخاري في الأدب المفرد (٩٧٠) من طرق أخرى عن القاسم بن عبد الواحد، ولم يذكروا لفظ الجلوس.

стр. 375

وجه الدلالة من الحديث: حدَّث العلماء المرضيُّون وأولياؤه المقبولون: أنَّ محمَّدًا رَسُولَ الله ﷺ يُجْلِسُهُ ربُّه على العَرْشِ معه (١). - الدَّليل الخامس: وفي الحديث الطَّويل: إِنَّا جَالَسْنَا اليَوْمَ رَبَّنَا الجَبَّارَ، وَيَحِقُّنَا أَنْ نَنْقَلِبَ بِمِثْلِ مَا انْقَلَبْنَا (٢). وجه الدلالة من الحديث: قول أهل الجنَّة: «جَالَسْنَا اليَوْمَ رَبَّنَا الجَبَّارَ» إِثْبَاتٌ لِصِفَةِ الجلوس لله . - الدَّليل السَّادس: عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، تَلَقَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا نَظَرَ جَعْفَرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَجَلَ؛ إِعْظَامًا مِنْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: «يَا حَبِيبِي، أَنْتَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِخَلْقِي وَخُلُقِي، وَخُلِقْتَ مِنَ الطِّينَةِ الَّتِي خُلِقْتُ مِنْهَا، يَا حَبِيبِي، حَدِّثْنِي عَنْ بَعْضِ عَجَائِبِ أَرْضِ الْحَبَشَةِ». قَالَ: نَعَمْ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ فِي بَعْضِ طُرُقِهَا، إِذَا أَنَا بِعَجُوزٍ عَلَى رَأْسِهَا مِكْتَلٌ، وَأَقْبَلَ شَابٌّ يَرْكُضُ عَلَى فَرَسٍ لَهُ، فَزَحَمَهَا، وَأَلْقَى الْمِكْتَلَ عَنْ رَأْسِهَا، فَاسْتَوَتْ قَائِمَةً، وَأَتْبَعَتْهُ الْبَصَرَ، وَهِيَ تَقُولُ: الْوَيْلُ لَكَ غَدًا إِذَا جَلَسَ الْمَلِكُ عَلَى كُرْسِيِّهِ، فَاقْتَصَّ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ. قَالَ جَابِرٌ: فَنَظَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّ دُمُوعَهُ لَتَنْحَدِرُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِثْلَ الْجِمَارِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا قَدَّسَ اللَّهُ أُمَّةً لَا يَأْخُذً الْمَظْلُومُ حَقَّهُ مِنَ الظَّالِمِ، غَيْرَ مُتَعْتَعٍ» (٣). _________ (١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٣٧٤). (٢) أخرجه الترمذي في السنن (٢٥٤٩). وضعفه الألباني. (٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٣٣٤) (٦٥٥). قال الهيثميُّ في «مجمع الزَّوائد ومنبع الفوائد» (٥/ ٢٠٩): رواه الطَّبرانيُّ في الأوسط، وفيه مكِّيُّ بن عبد الله الرعينيُّ، وهو ضعيف. أقول: إسناده ضعيف جدا، ومكيٌّ قال عنه الذهبي: له مناكير. وقال العُقيلي: حَدِيثُهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. الميزان (٤/ ١٧٩). وسيأتي تخريجه [٨١٢].

стр. 376

وجه الدلالة من الحديث: بيَّن النَّبيُّ ﷺ أنَّ الله عِنْدَ القَضَاءِ يَكُونُ جالساً على كرسيِّه، فيقضي بين العباد، فيقتصُّ للمظلوم من الظَّالم. - الدليل السابع: عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «إِذَا جَلَسَ الرَّبُّ عَلَى الْكُرْسِيِّ» (١). وجه الدلالة من الحديث: أثبت الحديث أنَّ الجلوس صفة من صفات الله تعالى. قال وكيع: «أَدْرَكْنَا الْأَعْمَشَ وَسُفْيَانَ يُحَدِّثُونَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَا يُنْكِرُونَهَا» (٢). قال ابن تيمية: «الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ تَقْعُدُ رُوحُهُ وَتَجْلِسُ وَتُسْأَلُ وَتُنَعَّمُ وَتُعَذَّبُ وَتَصِيحُ وَذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِبَدَنِهِ؛ مَعَ كَوْنِهِ مُضْطَجِعًا فِي قَبْرِهِ ..... وَإِذَا كَانَ قُعُودُ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ لَيْسَ هُوَ مِثْلَ قُعُودِ الْبَدَنِ، فَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ لَفْظِ "الْقُعُودِ وَالْجُلُوسِ" فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَحَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَغَيْرِهِمَا أَوْلَى أَنْ لَا يُمَاثِلَ صِفَاتِ أَجْسَامِ الْعِبَادِ» (٣). _________ (١) السنة، لعبد الله بن أحمد (٥٨٥) (٥٨٧) إسناده ضعيف، فيه عبد الله بن خليفة الهمداني الكوفي، قال الذهبي: لا يكاد يعرف. وقال ابن حجر: مقبول. ميزان الاعتدال (٢/ ٤١٤) التقريب (٣٢٩٤). قال الذَّهبيُّ: هذا الحديث صحيح عند جماعة من المحدِّثين، أخرجه الحافظ ضياء الدِّين المقدسيُّ في صحيحه، وهو من شرط ابن حبان، فلا أدري أخرجه أم لا؟ فإنَّ عنده أنَّ العدل الحافظ إذا حدَّث عن رجل لم يعرف بجرح، فإن ذلك إسناد صحيح. فإذا كان هؤلاء الأئمَّة: أبو إسحاق السبيعي، والثوري، والأعمش، وإسرائيل، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو أحمد الزبيري، ووكيع، وأحمد بن حنبل، وغيرهم ممَّن يطول ذكرهم وعددهم الَّذين هم سُرُج الهدى ومصابيح الدُّجَى، قد تلقَّوا هذا الحديث بالقبول وحدَّثوا به، ولم ينكروه، ولم يطعنوا في إسناده، فمن نحن حتَّى ننكره ونتحذلق عليهم؟ بل نؤمن به، وَنَكِلُ عِلْمَهُ إلى الله . انظر: العرش، الذهبي (٢/ ١٥٦). (٢) السنة عبد الله بن أحمد (١/ ٣٠٢) (٥٨٧). (٣) شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ١٥٠ - ١٥١).

стр. 377

استدل ابن تيمية هنا بقياس الأولى، فَمَثَّلَ بالإنسان، فإن صفة قعوده أثناء حياته (قعود البدن) ليست كقعوده في قبره بعد مماته (قعود الروح مع اضطجاع البدن في القبر)، وهذا الاختلاف وقع في مخلوق واحد، فمن باب أولى ألا يكون قعود الخالق كقعود المخلوق. أخرج عبد الله بن أحمد: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو جَعْفَرٍ الدَّارِمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ خَارِجَةَ يَقُولُ: «الْجَهْمِيَّةُ كُفَّارٌ بَلِّغُوا نِسَاءَهُمْ أَنَّهُنَّ طَوَالِقُ، وَأَنَّهُنَّ لَا يَحْلِلْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ، لَا تَعُودُوا مَرْضَاهُمْ، وَلَا تَشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ»، ثُمَّ تَلَا: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢] إِلَى قَوْلِهِ : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وَهَلْ يَكُونُ الِاسْتِوَاءُ إِلَّا بِجُلُوسٍ (١). فالحاصل أنَّ صفة القعود والجلوس كان السَّلف يذكرونها ولا ينكرونها؛ لأنَّ هذا سبيل الصِّفات كلِّها؛ فإنَّها تثبت على ما يَلِيقُ بالله (٢). _________ (١) السن، عبد الله بن أحمد (١٠) إسناده ضعيف. أحمد: ثقة حافظ. التقريب (٣٩). وأبوه: مجهول. لسان الميزان (٤/ ٦٠). وخارجة: هو ابن مصعب بن خارجة، أبو الحجاج السرخسي، متروك، وكان يدلس عن الكذابين، ويقال إن ابن معين كذبه، من الثامنة مات سنة (١٦٨ هـ)، ت ق. التقريب (١٦١٢). (٢) الإعلام بمخالفات الموافقات والاعتصام، ناصر بن حمد بن حمين الفهد (ص ٥٩).

стр. 378

القول الثاني: عدم إثبات صفة القعود لله تعالى. وهو قول المتأخِّرين من أهل السُّنَّة (١). أدلة القول الثاني: استدلَّ القائلون بعدم ثبوت صفة الجلوس لله تعالى، حيث إنَّه لم يَثبت فيها حديث عن الرسول ﷺ ، وصفاتُ الله توقيفية، لا تثبت إلا بالقرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة. قال الشَّيخ الألبانيُّ: «ولا أعلم في جلوس الرَّبِّ تعالى حديثًا ثابتًا» (٢). _________ (١) إثبات الحد لله تعالى، محمود ابن أبي القاسم الدشتي، قسم الدراسة (ص ٦٤). (٢) مختصر العلو للعلي العظيم للذهبي، للألباني (ص ٩٣).

стр. 379

المبحث السادس: صفة الحُجْزَةِ (١) إن أهل السُّنَّة والجماعة يثبتون صفة الحُجْزَةِ (٢) لله تعالى. وقال أهل التأويل: بعدم ثبوت صفة الحجزة لله تعالى (٣). أدلة المثبتين: - الدليل الأول: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ لَهُ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ. قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَذَاكِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] (٤). - الدليل الثاني: عن ابْنِ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ الرَّحِمَ شُجْنَةٌ (٥) آخِذَةٌ بِحُجْزَةِ الرَّحْمَنِ، يَصِلُ مَنْ وَصَلَهَا، وَيَقْطَعُ مَنْ قَطَعَهَا (٦). وجه الدلالة من الحديث: دلَّت هذه الأحاديث على أنَّ الحُجْزَةَ من صفات الله تعالى. _________ (١) بوب المصنف لصفة الحُجْزَةِ وأخرج حديثا فيه، سيأتي برقم [٨٤٦]. (٢) الحَقْوُ وَالحُجْزَةُ: مَوْضِعُ عَقْدِ الإِزَارِ وَشَدِّهِ. النهاية في غريب الحديث (١/ ٣٤٤) مادَّة: حجز. لسان العرب (١٤/ ١٨٩) مادَّة: حقا. (٣) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنة، محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي (٢/ ٨٢)، قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر، القنوجي (ص ٧١). (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب: ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] (٦/ ١٣٤) (٤٨٣٠). (٥) الشَّجَنُ والشِّجْنةُ والشُّجْنةُ والشَّجْنةُ: الغُصْنُ الْمُشْتَبِكُ، أو عُرُوقُ الشَّجَرِ الْمُشْتَبِكَةُ. لسان العرب (١٣/ ٢٣٣) مادَّة: شجن. (٦) أخرجه أحمد في المسند (٣٠٠١). صححه شعيب الأرنؤوط في تحقيقه للمسند. وسيأتي [٨٤٦].

стр. 380

قال أبو بكر المَرُّوذِيُّ (١): جاءني كتاب من دمشق، فعرضته على أبي عبد الله، فنظر فيه، وكان فيه أنَّ رجلاً ذكر حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّ الله خَلَقَ الخَلْقَ حتَّى إذا فرغ منهم قامت الرَّحم، فأخذت بحَقْوِ الرَّحمن، وكان الرَّجل تلقَّاه -يعني حديث أبي هريرة- فرفع المحدِّث رأسه فقال: أَخَافُ أن تكون كفرت. فقال أبو عبد الله: هذا جهمي. وقال أبو طالب: سمعت أبا عبد الله سئل عن حديث هشام بن عمَّار أنَّه قرأ عليه حديث «يجيء الرَّحم» يوم القيامة فتتعلَّق بالرَّحمن، فقال: أَخَافُ أن تكون قد كَفَرْتَ. فقال: هذا شاميٌّ، ما له ولهذا؟ قلت: ما تقول؟ قال: يمضي الحديث على ما جاء (٢). وقال أبو موسى المديني: وفي الحَدِيثِ: "إنَّ الرَّحِمَ أَخَذَتْ بحُجْزة الرَّحْمن" … وإجراؤه على ظاهره أَوْلَى (٣). وقال القنوجيُّ (٤): ومن صفاته سبحانه: اليد، واليمين .... والحَقْو (٥). أدلة أهل التأويل: - الدليل الأول: عن ابْنِ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ الرَّحِمَ شُجْنَةٌ آخِذَةٌ بِحُجْزَةِ الرَّحْمَنِ، يَصِلُ مَنْ وَصَلَهَا، وَيَقْطَعُ مَنْ قَطَعَهَا (٦). وجه الدلالة من الحديث: قالوا: المراد بالحجزة هنا قائمة العرش، يدلُّ على ذلك ما رواه أَبِو سَعِيدٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ _________ (١) أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحَجَّاجِ المَرُّوذِيُّ، مضت ترجمته في صفحة (٤١). (٢) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لابن تيمية (٦/ ٢١٠). (٣) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث، أبو موسى المديني (١/ ٤٠٥). (٤) محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لُطْف الله الحسيني البخاري القنوجي، أبو الطيّب: من رجال النهضة الإسلامية المجددين. ولد ونشأ في قنوج (بالهند) وتعلم في دهلي. وسافر إلى بهوبال طلبا للمعيشة، ففاز بثروة وافرة، وتزوج بملكة بهويال، ولقب بنواب عالي الجاه أمير الملك بهادر. له نيف وستون مصنفا بالعربية والفارسية والهندسية. توفي سنة (١٣٠٧ هـ). الأعلام، للزركلي (٦/ ١٦٨). (٥) قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر، القنوجي (ص ٧١). (٦) تقدم تخريجه في صفحة (٧٤).

стр. 381

قَالَ: «النَّاسُ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ» (١). وعزى ابنُ حجر (٢) هذا القول إلى شيخه عمر بن رسلان البلقيني (٣). مناقشة: (هذا على مذهب أهل التَّأويل المذموم، والصَّواب عدم حمل كلام الله ورسوله ﷺ على الاصطلاحات الحادثة بعد مضيِّ عصر الصَّحابة ﵃ وأتباعهم؛ لأنَّ الله ورسوله ﷺ خاطبا النَّاس بلغة العرب، والمخاطَبون فهموا مراده، وما كانوا يفرِّقون بين الحقيقة والمجاز) (٤). أقول: تقسيم الألفاظ إلى "حقيقة ومجاز"، لم يوجد في عصر الصحابة ﵃ ولا التابعين، إنما استحدث بعدهم بزمن. - الدليل الثاني: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ لَهُ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَاكِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] (٥). _________ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ … ﴾ إلى قوله - ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] (٤/ ١٥٣) (٣٣٩٨). (٢) فتح الباري لابن حجر (١٠/ ٤١٨). (٣) شيخ الإسلام سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير بن صالح البلقيني الكناني، مجتهد عصره، وعالم المائة الثامنة، له شرح على جامع الترمذي سماه: "الْعرف الشذي على جَامع التِّرْمِذِيّ"، توفي سنة (٨٠٥ هـ). حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة (١/ ٣٢٩) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٤/ ٤٢، ترجمة ٧٣٧) (٤) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، عبد الله بن محمد الغنيمان (٢/ ٣٨٢). (٥) تقدم تخريجه في صفحة (٧٤).

стр. 382

وجه الدلالة من الحديث: شبَّه حالة الرَّحم وما هي عليه من الافتقار إلى الصِّلة والذَّبِّ عنها بحال مستجير يأخذ بحقو المستجار به، ثمَّ أسند على سبيل الاستعارة التَّخييليَّة ما هو لازم للمشبَّه به من القيام، فيكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة، ثمَّ رشِّحت الاستعارة بالقول والأخذ وبلفظ الحقو؛ فهو استعارة أخرى، والتَّثنية فيه للتَّأكيد؛ لأنَّ الأخذ باليدين آكد في الاستجارة من الأخذ بيد واحدة (١). قال الخطابي (٢): لا أعلم أحدًا من العلماء حمل الحقو على ظاهر مقتضاه في اللُّغة، وإنَّما معناه اللِّياذ والاعتصام؛ تمثُّلاً له بفعل من اعتصم بحبل ذي عزَّة، واستجار بذي ملكة وقدرة (٣). الرأي الراجح: الرَّاجح هو ثبوت صفة الحجزة لله تعالى؛ لما يأتي: ١ - ثبوت ذلك في الأحاديث الصَّحيحة. ٢ - قال ابن الوزير: اعلم أنَّ مذهب السَّلف أنَّ كلَّ من بلغه حديث من أحاديث الصِّفات، يجب عليه فيه سبعة أمور: التَّقديس، ثمَّ التَّصديق، ثمَّ الاعتراف بالعجز، ثمَّ السُّكوت، ثمَّ الإمساك، ثمَّ الكفُّ، ثمَّ التَّسليم. أمَّا التَّقديس، فتنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات جميعها. وأمَّا التَّصديق فهو الإيمان بأنَّ ما ذكره حَقٌّ على الوجه الذي قاله وأراده. وأمَّا الاعتراف بالعجز، فهو أن يقرَّ بأنَّ معرفة مراده ﵇ ليس من شأنه. وأمَّا السُّكوت فهو أن لا يسأل عن معناه، ولا يخوض فيه، ويعلم أنَّ سؤاله عنه بدعة، وأنَّه في خوضه فيه مُخَاطِرٌ بِدِيْنِهِ، وأنَّه يوشك أن يكفر لو خاض فيه، وهو لا يشعر. _________ (١) فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر (٨/ ٥٨٠). (٢) أَبُو سُلَيْمَانَ حَمْدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ خَطَّابٍ البُسْتِيُّ، الخَطَّابِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ. له معالم الحديث، وُلِدَ: سَنَةَ بِضْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِ مائَةٍ. توفي سنة (٣٨٨ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٧/ ٢٣). (٣) أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات، الكرمي (ص ١٨٤).

стр. 383

وأمَّا الإمساك: فلا يتصرَّف في تلك الألفاط بالتَّصريف، والتَّبديل، والزِّيادة فيه، والنُّقصان منه، والجمع والتَّفريق، بل لا ينطق إلاَّ بذلك اللَّفظ، وعلى ذلك الوجه. وأمَّا الكفُّ فإنَّه يكفُّ باطنه عن البحث عنه، والتَّفكُّر فيه. وأمَّا التَّسليم فأن لا يعتقد برسول الله ﷺ وأصحابه وتابعيهم تهمة، ولا يوجِّه إليهم ظنَّة؛ لقيام الدَّليل على صدقه ﷺ ومعرفته بما يجوز على الله تعالى ممَّا لا يجوز، وعدالة الصَّحابة وتابعيهم، وثناء الله تعالى عليهم في كتابه العزيز، وشهادته لهم بأنَّهم خير القرون بعده. فهذه سَبْعُ وظائف اعْتَقَدَ كافَّةُ السَّلَف وُجُوبَهَا (١). _________ (١) العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، لابن الوزير (٣/ ٣٤١).

стр. 384

المبحث السابع: إطلاق الحد على الله تعالى (١) الحد من باب الإخبار عن الله ، وباب الإخبار يختلف عن باب الأسماء والصفات، فالأسماء والصفات توقيفية، فما أخبرنا الله أنه اسماً له أو صفة، يثبت له كما جاء في القرآن وصحيح السنة، وما لا فلا، ولا يسمى الله ، ولا يوصف، بما لم يسم أو يصف به نفسه، في كتابه، أو على لسان نبيه ﷺ . قال الذهبي: " فالأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيهما عن الله تعالى هو كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه" (٢). أما الإخبار عنه فهو باب واسع، فلا يتقيد فيه بما تقيد في باب الأسماء والصفات. قال الذهبي: " إن باب الإخبار لا يشترط فيه التوقيف، فما يدخل في الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته. كـ (الشيء) و (الموجود) و (القائم بنفسه)، فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فالإخبار عنه قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيء، أي باسم لا ينافي الحسن، ولا يجب أن يكون حسناً. ولا يجوز أن يخبر عن الله باسم سيء، فيخبر عن الله بما لم يرد إثباته ونفيه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حقاً يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله وجب رده" (٣). وقد اختلف المنتسبون إلى أهل السُّنَّة في إثبات الحدِّ لله تعالى على ثلاثة أقوال: الإثبات، والنفي، والتوقف. _________ (١) ورد إطلاق الحد عند المصنف برقم [٨٨٩]. (٢) العرش، الذهبي (١/ ٢٣٨). (٣) العرش، الذهبي (١/ ٢٤٠).

стр. 385

القول الأول: أنَّ الله تعالى له حَدٌّ لا يعلمه أَحَدٌ غَيْرُهُ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا قول السلف والأئمة، وأهل الحديث والكلام والفقه والتصوف (١). وممن قال بهذا القول: الإمام عبد الله بن المبارك، والإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبو عبد الله ابن بطة، وسأورد أقوالهم. قيل لابن المبارك: كيف نعرف الله ؟ قال: على العرش بِحَدٍّ. قال أحمد بن حنبل: قد بلغني ذلك عنه، وأعجبه، ثمَّ قال أبو عبد الله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، ثمَّ قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] (٢). وقال عبد الله بن المبارك: «نعرف ربنا فوق سبع سمواتٍ على العرش، بائن من خلقه بِحَدٍّ، ولا نقول كما قالت الجهمية: ها هنا، وأشار بيده إلى الأرض» (٣). قيل لأحمد بن حنبل: يُحْكَى عن ابن المبارك - وقيل له: كيف تعرف ربَّنا؟ - قال: في السَّماء السَّابعة على عرشه بحدٍّ. فقال أحمد: هكذا هو عندنا (٤). فقلنا له - يعني لأحمد -: ما معنى قول ابن المبارك "بحد"؟ قال: لا أعرفه، ولكن لهذا شواهد من القرآن في خمسة مواضع: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٧]، و ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] (٥). وقال أحمد بن حنبل: ولله عرش، وللعرش حَمَلَةٌ يحملونه، وله حَدٌّ، والله أعلم بِحَدِّهِ (٦). _________ (١) درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٣٠١). (٢) الإبانة الكبرى، لابن بطة (٧/ ١٥٨). (٣) رواه الدارمي في نقضه على المريسي (١/ ٢٢٤)، وعبد الله بن أحمد في السُّنَّة (٢١٦). قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ١٨٤): «وهذا مشهور عن ابن المبارك، ثابتٌ عنه من غير وجه». وسيأتي [٨٨٩]. (٤) درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية (٢/ ٣٤). (٥) بيان تلبيس الجهمية، ابن تيمية (٢/ ٦١٤). (٦) العرش، الذهبي (١/ ٢٥٤).

стр. 386

وقيل لإسحاق بن راهويه: قَوْلُ الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] كيف تقول فيه؟ قال: وحيث ما كنت فهو أقرب إليك من حبل الوريد، وهو بائن من خلقه، قال حرب: قلت لإسحاق بن راهويه: العرش بحدٍّ؟ قال: نعم (١). وقال الإمام أبو سعيد الدَّارِمِيُّ: أنَّ الله تعالى له حَدٌّ لا يعلمه أَحَدٌ غَيْرُهُ، ولا يجوز لأحد أن يتوهَّم لحدِّه في نفسه، ولكن يؤمن بالحدِّ، وَيَكِلُ عِلْمَ ذلك إلى الله؛ فهو على عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، فَهَذَانِ حَدَّانِ اثْنَانِ (٢). وقال ابن بَطَّة: الجهميَّة تجحد أنَّ لله عرشًا، وقالوا: لا نقول: إنَّ الله على العرش؛ لأنَّه أعظم من العرش، ومتى اعترفنا أنَّه على العرش، فقد حَدَدْنَاهُ، وقد خَلَتْ مِنْهُ أماكن كثيرة غير العرش، فَرَدُّوا نَصَّ التَّنزيل، وكذَّبوا أخبار الرَّسول ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩]، وقال: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، وجاءت الأخبار وصحيح الآثار من جهة النَّقل عن أهل العدالة وأئمَّة المسلمين عن المصطفى ﷺ مِنْ ذِكْرِ العرش ما لا يُنْكِرُهُ إلاَّ المُلْحِدَةُ الضَّالَّةُ (٣). وقال: وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَجَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ عَلَى عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ، لَا يَأْبَى ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرْهُ إِلَّا مَنِ انْتَحَلَ مَذَاهِبَ الْحُلُولِيَّةِ، وَهُمْ قَوْمٌ زَاغَتْ قُلُوبُهُمْ، وَاسْتَهْوَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَمَرَقُوا مِنَ الدِّينِ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ ذَاتَهُ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ، فَقَالُوا: إِنَّهُ فِي الْأَرْضِ كَمَا هُوَ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ بِذَاتِهِ حَالٌّ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأمَّا الحدُّ المركَّب من الجنس والفصل، فلا يجوز في حقِّ الله _________ (١) الإبانة الكبرى، لابن بطة (٧/ ١٥٨). (٢) نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله من التوحيد، أبو سعيد الدارمي (١/ ٢٢٤). (٣) الإبانة الكبرى، لابن بطة (٧/ ١٦٨). (٤) الإبانة الكبرى لابن بطة (٧/ ١٣٦)

стр. 387

تعالى. فأمَّا حَدُّ عَيْنِهِ الذَّاتيَّة فَيُرَادُ به: عَلِيٌّ بِذَاتِهِ، وَحَدٌّ بصفاته، وَحَدٌّ بمقداره. فأمَّا الأوَّلُ فهو بمعنى انفصاله عن غيره، وَتَمَيُّزِهِ عَنْهُ؛ بِحَيْثُ لا يختلط به، وهذا دَاخِلٌ فيما قَصَدَهُ ابْنُ المبارك وَغَيْرُهُ؛ خلافًا للجهميَّة الَّذين يجعلونه مختلطًا بالمخلوقات؛ ولهذا قال: بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ بِحَدٍّ؛ فإنَّ الحدَّ هو الفَصْلُ والتَّمييز بينه وبين غيره. وَالحَدُّ بهذا المعنى مُتَّفَقٌ عليه بين أهل السُّنَّة القائلين بأنَّ الله فوق العرش، بل وعند الَّذين يَقُولُون: لا داخل العالم ولا خارجه أيضًا؛ فإنَّ الأعراض المختلفة كالطَّعم واللَّون إذا قامت بجسم واحد، كانت متميِّزة بخصائصها وحدودها، وليست متميِّزة بأعيانها وذواتها (١). - القول الثاني: نفي الحدِّ عن الله تعالى: يَقُولُ ابن تيمية: «ثمَّ إنَّ كثيرًا من أئمَّة السُّنَّة والحديث أو أكثرهم يقولون: إنَّه فوق سماواته على عرشه بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ بِحَدٍّ، وَمِنْهُمْ مَنْ لم يطلق لفظ الحدِّ، وَبَعْضُهُم أَنْكَرَ الحَدَّ (٢). قال أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَشَرِيكٌ وَأَبُو عَوَانَةَ لَا يُحِدُّونَ وَلَا يُشَبِّهُونَ وَلَا يُمَثِّلُونَ، يَرْوُونَ الْحَدِيثَ لَا يَقُولُونَ كَيْفَ، وَإِذَا سُئِلُوا أَجَابُوا بِالْأَثَرِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ قَوْلُنَا (٣). وقال ابن قتيبة: وعدل القول في هذه الأخبار أن نؤمن بما صحَّ منها بنقل الثِّقات لها، فنؤمن بالرُّؤية والتَّجلِّي، وأنَّه يعجب وينزل إلى السَّماء الدُّنيا، وأنَّه على العرش استوى، وبالنَّفس واليدين، من غير أن نقول في ذلك بكيفيَّة أو بحدٍّ، أو أن نقيس على ما جاء ما لم يَأْتِ، فنرجو أن نكون في ذلك القول والعقد على سبيل النَّجاة غداً إن شاء الله تعالى (٤). _________ (١) المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام، لابن تيمية (١/ ٦٧). (٢) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لابن تيمية (٢/ ٥٢٧). (٣) الأسماء والصفات، للبيهقي (٩٠١)، السنن الكبرى، له (٣/ ٣). (٤) الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، لابن قتيبة (ص ٥٣).

стр. 388

- القول الثالث: التوقف في المسألة: قال أبو إسماعيل الأنصاريُّ (١): سمعت يحيى بن عمَّار الواعظ (٢)، وقد سألته عن ابن حبَّان، فقال: نحن أخرجناه من سجستان، كان له علم كثير، ولم يكن له كبير دين، قدم علينا، فأنكر الحدَّ لله، فأخرجناه. قال الذَّهبيُّ: إنكاركم عليه بدعة أيضًا، والخوض في ذلك ممَّا لم يأذن به الله، ولا أتى نَصٌّ بإثبات ذلك ولا بِنَفْيِهِ، وَمِنْ حُسْنِ إسلام المرء تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ، وَتَعَالَى اللهُ أن يُحَدَّ أو يُوصَفَ إلاَّ بما وَصَفَ به نَفْسَهُ، أو عَلَّمَهُ رُسُلَهُ بالمعنى الَّذي أراد، بلا مِثْلٍ ولا كَيْفٍ؛ ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٣). وقال في ميزان الاعتدال: إنكاره الحدَّ وإثباتُكم للحدِّ نَوْعٌ من فضول الكلام، والسُّكوت عن الطَّرَفَيْنِ أولى؛ إذ لم يَأْتِ نَصٌّ بنفي ذلك ولا إثباته، والله تعالى ليس كمثله شيء، فمن أثبته قال له خصمه: جعلت لله حدًّا برأيك، ولا نَصَّ مَعَكَ بالحدِّ، والمحدود مخلوق، تعالى الله عن ذلك. وقال هو للنَّافي: سَاوَيْتَ رَبَّكَ بالشَّيء المعدوم؛ إذ المعدوم لا حَدَّ له، فمن نزَّه الله وسكت سَلِمَ، وَتَابَعَ السَّلَفَ (٤). - أدلة القول الأول: أولاً: القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي _________ (١) عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ، ستأتي ترجمته [٨٩٠]. (٢) يحيَى بنُ عَمَّارِ بنِ يَحْيَى بنِ عَمَّارِ بنِ العَنْبَسِ، الإِمَامُ، المُحَدِّثُ، الوَاعِظُ، شَيْخُ سِجِسْتَان، أَبُو زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ تُوُفِّيَ بهَرَاة سنة (٤٢٢ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٧/ ٤٨٣). (٣) سير أعلام النبلاء، الذهبي (١٦/ ٩٨). (٤) ميزان الاعتدال في نقد الرجال، الذهبي (٣/ ٥٠٧).

стр. 389

السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦، ١٧]. وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]. وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]. وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]. وجه الدلالة من الآيات: دلَّت الآيات على أنَّ لله حدًّا، والله أعلم بِحَدِّهِ (١). ثانياً: السنة النبوية: - الدَّليل الأوَّل: عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ (٢)، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ (٣)، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً (٤)، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: «ائْتِنِي بِهَا» فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: «أَيْنَ اللهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (٥). - الدَّليل الثَّاني: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي: «يَا حُصَيْنُ، كَمْ تَعْبُدُ اليَوْمَ إِلَهًا؟» قَالَ أَبِي: سَبْعَةً؛ سِتَّةً فِي الأَرْضِ، وَوَاحِدًا فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «فَأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ؟» قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «يَا حُصَيْنُ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ _________ (١) إثبات الحد لله تعالى، محمود ابن أبي القاسم الدشتي (ص ١٠٧). (٢) الْجَوَّانِيَّةُ بِقُرْبِ أُحُدٍ مَوْضِعٌ فِي شَمَالِيِّ الْمَدِينَةِ. (٣) أَيْ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُونَ. (٤) أَيْ لَطَمْتُهَا لَطْمَةً. (٥) صحيح مسلم (١/ ٣٨١) (٥٣٧). المنهاج شرح صحيح مسلم للنووي (٥/ ٢٣، ٢٤).

стр. 390

تَنْفَعَانِكَ». قَالَ: فَلَمَّا أَسْلَمَ حُصَيْنٌ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ عَلِّمْنِيَ الكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي. فَقَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» (١). أَثْبَتَتِ الأحاديث السَّابقة أنَّ لله تعالى حدًّا، ولكن لا يعلمه إلاَّ هو (٢). - الدَّليل الثَّالث: قال إسماعيل الهرويُّ: باب إثبات الحدِّ لله . ثمَّ ذَكَرَ الحديث بِسَنَدِهِ (٣) كان النَّبيُّ ﷺ إذا أراد أن ينام قال: «اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ» (٤). وجه الدلالة من الحديث: قال محمود الدَّشْتِيُّ: فهذا إمام من أئمَّة المسلمين (٥) استدلَّ بهذا الحديث على أنَّ الله له حدٌّ لا يَعْلَمُهُ إلاَّ هو، ومن قال: إنَّ هذا الحديث ليس فيه دَلِيلٌ على إثبات الحدِّ لله تعالى فهو رجل غُمْرٌ، في صدره غَمَرٌ، ليس له معرفة بكلام العرب، ولا بِلُغَاتِهِمْ. فَمِنْ مَذْهَبِ أصحاب الحديث الَّذين هم أهل السُّنَّة وأئمَّةُ المسلمين وعلماءُ بيانٍ يعتقدون ويشهدون: أنَّ من قال: «ليس لله تعالى حَدٌّ» يَعْنِيْ بذلك أنَّ اللهَ في كلِّ مكان، أو ليس هو على العرش استوى كما تقرَّر في قلوب العامَّة، أو ليس سبحانه «شخصًا» (٦) ولا «شيئًا»، أو ليس لله _________ (١) أخرجه الترمذي في السنن (٣٤٨٣) وضعفه الألباني. (٢) إثبات الحد لله تعالى، محمود ابن أبي القاسم الدشتي (ص ١٠٧). (٣) الأربعون في دلائل التوحيد، أبو إسماعيل الهروي (ص ٥٧٩). (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع (٤/ ٢٠٨٤) (٢٧١٣). (٥) يعني: إسماعيل الهرويّ. (٦) كلمة "شخص" يجوز إطلاقها على الله من باب الإخبار عنه، كما أخرج مسلم (١٤٩٨) - (١٦) أن النبي ﷺ قال: «وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ».
следующие страницы →