← Акыда

Акыда · id 132403

صفات رب العالمين - رسائل جامعية - ناقص

ابن المحب الصامت

Полный текст (3 288 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقيل لإسحاق بن راهويه: قَوْلُ الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] كيف تقول فيه؟ قال: وحيث ما كنت فهو أقرب إليك من حبل الوريد، وهو بائن من خلقه، قال حرب: قلت لإسحاق بن راهويه: العرش بحدٍّ؟ قال: نعم (١). وقال الإمام أبو سعيد الدَّارِمِيُّ: أنَّ الله تعالى له حَدٌّ لا يعلمه أَحَدٌ غَيْرُهُ، ولا يجوز لأحد أن يتوهَّم لحدِّه في نفسه، ولكن يؤمن بالحدِّ، وَيَكِلُ عِلْمَ ذلك إلى الله؛ فهو على عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، فَهَذَانِ حَدَّانِ اثْنَانِ (٢). وقال ابن بَطَّة: الجهميَّة تجحد أنَّ لله عرشًا، وقالوا: لا نقول: إنَّ الله على العرش؛ لأنَّه أعظم من العرش، ومتى اعترفنا أنَّه على العرش، فقد حَدَدْنَاهُ، وقد خَلَتْ مِنْهُ أماكن كثيرة غير العرش، فَرَدُّوا نَصَّ التَّنزيل، وكذَّبوا أخبار الرَّسول ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩]، وقال: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، وجاءت الأخبار وصحيح الآثار من جهة النَّقل عن أهل العدالة وأئمَّة المسلمين عن المصطفى ﷺ مِنْ ذِكْرِ العرش ما لا يُنْكِرُهُ إلاَّ المُلْحِدَةُ الضَّالَّةُ (٣). وقال: وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَجَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ عَلَى عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ، لَا يَأْبَى ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرْهُ إِلَّا مَنِ انْتَحَلَ مَذَاهِبَ الْحُلُولِيَّةِ، وَهُمْ قَوْمٌ زَاغَتْ قُلُوبُهُمْ، وَاسْتَهْوَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَمَرَقُوا مِنَ الدِّينِ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ ذَاتَهُ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ، فَقَالُوا: إِنَّهُ فِي الْأَرْضِ كَمَا هُوَ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ بِذَاتِهِ حَالٌّ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأمَّا الحدُّ المركَّب من الجنس والفصل، فلا يجوز في حقِّ الله _________ (١) الإبانة الكبرى، لابن بطة (٧/ ١٥٨). (٢) نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله من التوحيد، أبو سعيد الدارمي (١/ ٢٢٤). (٣) الإبانة الكبرى، لابن بطة (٧/ ١٦٨). (٤) الإبانة الكبرى لابن بطة (٧/ ١٣٦)

стр. 387

تعالى. فأمَّا حَدُّ عَيْنِهِ الذَّاتيَّة فَيُرَادُ به: عَلِيٌّ بِذَاتِهِ، وَحَدٌّ بصفاته، وَحَدٌّ بمقداره. فأمَّا الأوَّلُ فهو بمعنى انفصاله عن غيره، وَتَمَيُّزِهِ عَنْهُ؛ بِحَيْثُ لا يختلط به، وهذا دَاخِلٌ فيما قَصَدَهُ ابْنُ المبارك وَغَيْرُهُ؛ خلافًا للجهميَّة الَّذين يجعلونه مختلطًا بالمخلوقات؛ ولهذا قال: بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ بِحَدٍّ؛ فإنَّ الحدَّ هو الفَصْلُ والتَّمييز بينه وبين غيره. وَالحَدُّ بهذا المعنى مُتَّفَقٌ عليه بين أهل السُّنَّة القائلين بأنَّ الله فوق العرش، بل وعند الَّذين يَقُولُون: لا داخل العالم ولا خارجه أيضًا؛ فإنَّ الأعراض المختلفة كالطَّعم واللَّون إذا قامت بجسم واحد، كانت متميِّزة بخصائصها وحدودها، وليست متميِّزة بأعيانها وذواتها (١). - القول الثاني: نفي الحدِّ عن الله تعالى: يَقُولُ ابن تيمية: «ثمَّ إنَّ كثيرًا من أئمَّة السُّنَّة والحديث أو أكثرهم يقولون: إنَّه فوق سماواته على عرشه بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ بِحَدٍّ، وَمِنْهُمْ مَنْ لم يطلق لفظ الحدِّ، وَبَعْضُهُم أَنْكَرَ الحَدَّ (٢). قال أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَشَرِيكٌ وَأَبُو عَوَانَةَ لَا يُحِدُّونَ وَلَا يُشَبِّهُونَ وَلَا يُمَثِّلُونَ، يَرْوُونَ الْحَدِيثَ لَا يَقُولُونَ كَيْفَ، وَإِذَا سُئِلُوا أَجَابُوا بِالْأَثَرِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ قَوْلُنَا (٣). وقال ابن قتيبة: وعدل القول في هذه الأخبار أن نؤمن بما صحَّ منها بنقل الثِّقات لها، فنؤمن بالرُّؤية والتَّجلِّي، وأنَّه يعجب وينزل إلى السَّماء الدُّنيا، وأنَّه على العرش استوى، وبالنَّفس واليدين، من غير أن نقول في ذلك بكيفيَّة أو بحدٍّ، أو أن نقيس على ما جاء ما لم يَأْتِ، فنرجو أن نكون في ذلك القول والعقد على سبيل النَّجاة غداً إن شاء الله تعالى (٤). _________ (١) المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام، لابن تيمية (١/ ٦٧). (٢) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لابن تيمية (٢/ ٥٢٧). (٣) الأسماء والصفات، للبيهقي (٩٠١)، السنن الكبرى، له (٣/ ٣). (٤) الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، لابن قتيبة (ص ٥٣).

стр. 388

- القول الثالث: التوقف في المسألة: قال أبو إسماعيل الأنصاريُّ (١): سمعت يحيى بن عمَّار الواعظ (٢)، وقد سألته عن ابن حبَّان، فقال: نحن أخرجناه من سجستان، كان له علم كثير، ولم يكن له كبير دين، قدم علينا، فأنكر الحدَّ لله، فأخرجناه. قال الذَّهبيُّ: إنكاركم عليه بدعة أيضًا، والخوض في ذلك ممَّا لم يأذن به الله، ولا أتى نَصٌّ بإثبات ذلك ولا بِنَفْيِهِ، وَمِنْ حُسْنِ إسلام المرء تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ، وَتَعَالَى اللهُ أن يُحَدَّ أو يُوصَفَ إلاَّ بما وَصَفَ به نَفْسَهُ، أو عَلَّمَهُ رُسُلَهُ بالمعنى الَّذي أراد، بلا مِثْلٍ ولا كَيْفٍ؛ ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٣). وقال في ميزان الاعتدال: إنكاره الحدَّ وإثباتُكم للحدِّ نَوْعٌ من فضول الكلام، والسُّكوت عن الطَّرَفَيْنِ أولى؛ إذ لم يَأْتِ نَصٌّ بنفي ذلك ولا إثباته، والله تعالى ليس كمثله شيء، فمن أثبته قال له خصمه: جعلت لله حدًّا برأيك، ولا نَصَّ مَعَكَ بالحدِّ، والمحدود مخلوق، تعالى الله عن ذلك. وقال هو للنَّافي: سَاوَيْتَ رَبَّكَ بالشَّيء المعدوم؛ إذ المعدوم لا حَدَّ له، فمن نزَّه الله وسكت سَلِمَ، وَتَابَعَ السَّلَفَ (٤). - أدلة القول الأول: أولاً: القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي _________ (١) عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ، ستأتي ترجمته [٨٩٠]. (٢) يحيَى بنُ عَمَّارِ بنِ يَحْيَى بنِ عَمَّارِ بنِ العَنْبَسِ، الإِمَامُ، المُحَدِّثُ، الوَاعِظُ، شَيْخُ سِجِسْتَان، أَبُو زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ تُوُفِّيَ بهَرَاة سنة (٤٢٢ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٧/ ٤٨٣). (٣) سير أعلام النبلاء، الذهبي (١٦/ ٩٨). (٤) ميزان الاعتدال في نقد الرجال، الذهبي (٣/ ٥٠٧).

стр. 389

السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦، ١٧]. وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]. وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]. وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]. وجه الدلالة من الآيات: دلَّت الآيات على أنَّ لله حدًّا، والله أعلم بِحَدِّهِ (١). ثانياً: السنة النبوية: - الدَّليل الأوَّل: عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ (٢)، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ (٣)، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً (٤)، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: «ائْتِنِي بِهَا» فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: «أَيْنَ اللهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (٥). - الدَّليل الثَّاني: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي: «يَا حُصَيْنُ، كَمْ تَعْبُدُ اليَوْمَ إِلَهًا؟» قَالَ أَبِي: سَبْعَةً؛ سِتَّةً فِي الأَرْضِ، وَوَاحِدًا فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «فَأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ؟» قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «يَا حُصَيْنُ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ _________ (١) إثبات الحد لله تعالى، محمود ابن أبي القاسم الدشتي (ص ١٠٧). (٢) الْجَوَّانِيَّةُ بِقُرْبِ أُحُدٍ مَوْضِعٌ فِي شَمَالِيِّ الْمَدِينَةِ. (٣) أَيْ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُونَ. (٤) أَيْ لَطَمْتُهَا لَطْمَةً. (٥) صحيح مسلم (١/ ٣٨١) (٥٣٧). المنهاج شرح صحيح مسلم للنووي (٥/ ٢٣، ٢٤).

стр. 390

تَنْفَعَانِكَ». قَالَ: فَلَمَّا أَسْلَمَ حُصَيْنٌ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ عَلِّمْنِيَ الكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي. فَقَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» (١). أَثْبَتَتِ الأحاديث السَّابقة أنَّ لله تعالى حدًّا، ولكن لا يعلمه إلاَّ هو (٢). - الدَّليل الثَّالث: قال إسماعيل الهرويُّ: باب إثبات الحدِّ لله . ثمَّ ذَكَرَ الحديث بِسَنَدِهِ (٣) كان النَّبيُّ ﷺ إذا أراد أن ينام قال: «اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ» (٤). وجه الدلالة من الحديث: قال محمود الدَّشْتِيُّ: فهذا إمام من أئمَّة المسلمين (٥) استدلَّ بهذا الحديث على أنَّ الله له حدٌّ لا يَعْلَمُهُ إلاَّ هو، ومن قال: إنَّ هذا الحديث ليس فيه دَلِيلٌ على إثبات الحدِّ لله تعالى فهو رجل غُمْرٌ، في صدره غَمَرٌ، ليس له معرفة بكلام العرب، ولا بِلُغَاتِهِمْ. فَمِنْ مَذْهَبِ أصحاب الحديث الَّذين هم أهل السُّنَّة وأئمَّةُ المسلمين وعلماءُ بيانٍ يعتقدون ويشهدون: أنَّ من قال: «ليس لله تعالى حَدٌّ» يَعْنِيْ بذلك أنَّ اللهَ في كلِّ مكان، أو ليس هو على العرش استوى كما تقرَّر في قلوب العامَّة، أو ليس سبحانه «شخصًا» (٦) ولا «شيئًا»، أو ليس لله _________ (١) أخرجه الترمذي في السنن (٣٤٨٣) وضعفه الألباني. (٢) إثبات الحد لله تعالى، محمود ابن أبي القاسم الدشتي (ص ١٠٧). (٣) الأربعون في دلائل التوحيد، أبو إسماعيل الهروي (ص ٥٧٩). (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع (٤/ ٢٠٨٤) (٢٧١٣). (٥) يعني: إسماعيل الهرويّ. (٦) كلمة "شخص" يجوز إطلاقها على الله من باب الإخبار عنه، كما أخرج مسلم (١٤٩٨) - (١٦) أن النبي ﷺ قال: «وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ».

стр. 391

جهة، ولا له مكانٌ- فقد ارتدَّ عن دين الإسلام، وَلَحِقَ بالمشركين، وَكَفَرَ بالله وبآياته وبما جاء به رسوله ﷺ تعالى اللهُ عمَّا يَقُولُ خُصُومُنَا عُلُوًّا كبيرًا. وقد قال الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى آية: ١١]؛ أي: ليس كَذَاتِهِ ذاتٌ، ولا كَصِفَاتِهِ صِفَاتٌ. ثمَّ أثبت لنفسه الصِّفَةَ من غير تشبيه، وَنَفَىْ التَّشبيهَ من غير تعطيل، ومن قال بالحدِّ يقول: إنَّهُ من صفات الله التي ثَبَتَتْ بالكتاب والسُّنَّة. ويعتقد أنَّ الله له ذات وصفات، ليس كَذَاتِهِ ذَاتٌ، ولا كَصِفَاتِهِ صِفَاتٌ، وأنَّ الحدَّ من صفات الله بالدَّليل من الكتاب والسُّنَّة. قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، والآيات الخمسة الَّتي قال الإمام أحمد حين سألوه عن قول ابن المبارك: «إنَّ اللهَ على العرش استوى بحدٍّ». قال: لهذا شواهد في القرآن في خمسة مواضع: قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]. فهذه البراهين من قول الله تعالى تدلُّ على أنَّ الله على عرشه بحدٍّ (١). - الدليل الرابع: قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ قَالَ: «فِي عَمَاءٍ مَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، وَمَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ، ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ» (٢). _________ (١) إثبات الحد لله تعالى، محمود ابن أبي القاسم الدشتي (ص ١٢٩ - ١٣٠). (٢) رواه الطيالسي في مسنده (١٠٩٣)، والإمام أحمد في المسند (٦/ ٥٨٦) (١٦٤٥٠) والترمذي (٥/ ٢٨٨) (٣١٠٩)، وابن ماجه (١/ ٦٤) (١٨٢) في سننهما، وعبد الله ابن الإمام أحمد في السنة (١/ ٢٤٥)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٧١) (٦١٢)، والطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٢٠٧) (٤٦٨)، وابن بطة في الإبانة (٧/ ١٦٨). وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٩/ ٦).

стр. 392

وجه الدلالة من الحديث: الحديث يثبت أنَّ لله تعالى حدًّا؛ حيث نصَّ على مكانه، والمكان يَدُلُّ على أنَّ له حَدًّا، ولكن لا يعلمه إلاَّ هو (١). قال الأزهري: قال أبو عبيد: العماء في كلام العرب: السَّحاب؛ أي: هو في ارتفاعه قد بلغ السَّحاب؛ فالسَّحاب ينجاب عنه؛ أي: ينكشف. قال أبو عبيد: وإنَّما تأوَّلنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عنهم، ولا ندري كيف كان ذاك العماء. قال: وأمَّا العمى في البصر فمقصور، وليس هو من هذا الحديث في شيء. قلت - الأزهري -: وقد بَلَغَنِي عن أبي الهيثم ولم يَعْزُهُ لي إليه ثِقَةٌ أنَّه قَالَ في تفسير هذا الحديث: ولفظه: إنَّه كان في عمىً؛ مَقْصُوْرٌ. قال: وَكُلُّ أَمْرٍ لا تدركه القلوب بالعقول فهو عمىً. قال: والمعنى أنَّه كان حيث لا يدركه عقول بني آدم، ولا يبلغ كُنْهَهُ وَصْفٌ (٢). أدلة القول الثاني: أولاً: القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٠٣]. أي: بِلا حَدٍّ، ولا غَايَة (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [سورة طه آية: ١١٠]. وجه الدلالة من الآيتين: لا تدركه؛ أي: لا تُحِيطُ به. وهذا يَقْتَضِي أَنْ لا حَدَّ له (٤). _________ (١) إثبات الحدِّ لله تعالى، محمود ابن أبي القاسم الدشتي (ص ١٣٠). (٢) تهذيب اللغة، الأزهري (٣/ ١٥٦). (٣) العرش، الذهبي (١/ ٢٥٨). (٤) أنوار التنزيل وأسرار التأويل، البيضاوي (٢/ ١٧٦).

стр. 393

الرأي الراجح: الرَّاجح في المسألة أنَّ الله تعالى له حَدٌّ لا يعلمه أحد غيره، ولا يجوز لأحد أن يتوهَّم لحدِّه في نفسه، ولكن يؤمن بالحدِّ، وَيَكِلُ عِلْمَ ذلك إلى الله؛ فهو على عرشه فوق سماواته، فهذان حدَّان اثنان؛ لما يأتي: ١ - في إثبات هذا اللَّفظ رَدٌّ على الجهميَّة فيما زعموا. ٢ - في معنى الحَدِّ إثبات مباينة الله لخلقه، وعلوِّه عليهم، واستوائه على عرشه.

стр. 394

المبحث الثامن: إثبات صفة الساق لله - (١) يثبت أئمة السلف صفة الساق لله ، هذا هو الأصل المقرر عندهم، غير أنه نُقِلَ عنهم قولان في تفسير الآية: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]. - القول الأول: الساق في هذه الآية صفة من صفات الله تعالى، وهو قول أبي سعيد الخُدْرِيِّ ﵁ وطائفة (٢). - والقول الثاني: المراد بالساق الواردة في الآية: الشِّدَّة. وهو مروي عن ابن عباس ﵁ وغيره. قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، قال جماعة من الصَّحابة والتَّابعين من أهل التَّأويل: يبدو عن أمر شديد (٣). وهذا الخلاف المروي عنهم ليس في إثبات صفة السَّاق لله ، فإنهم يثبتونها قطعا بأدلةٍ أخرى أيضا، إنما الخلاف محصور في تفسير الآية؛ هل المراد بها الكشف عن الشِّدَّة، أو المراد الكشف عن ساق الله؟ والله أعلم (٤). فالحاصل: أن الخلاف بينهم في هذه الآية: هل هي من آيات الصفات أم لا؟ مع أن صفة "الساق" ثابتة عندهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وعن أبي سعيد وطائفة أنَّهم عدُّوها في الصِّفات؛ للحديث الَّذي رواه أبو سعيد في «الصحيحين»، ولا ريب أنَّ ظاهر القرآن يدلُّ على أنَّ هذه من الصِّفات (٥). وقال أيضاً: والصَّحابة قد تنازعوا في تفسير الآية هل المراد به الكشف عن الشِّدَّة أو المراد _________ (١) بوَّب المصنِّف لصفة الساق، وأخرج حديثا سيأتي برقم [١٠١٦]. (٢) دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية (٢/ ٤٨٢)، بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لابن تيمية (٥/ ٤٧٢)، المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام، لابن تيمية (١/ ٧١). (٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير (٢٣/ ١٨٦). (٤) صفات الله الواردة في الكتاب والسنة، تأليف: علوي السقَّاف (ص ١٩٢). (٥) دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية (٢/ ٤٨٢).

стр. 395

به أنَّه يكشف الرَّبُّ عن ساقه (١). وقال: ولا أعلم خلافًا عن الصحابة في شيء مما يعد من الصفات المذكورة في القرآن إلا هذه الآية؛ لعدم الإضافة فيها. والذي يجعلها من الصفات يقول فيها كقوله في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، ونحو ذلك؛ فإنَّ الصِّفات تثبت، ويجب تنزيه الرَّبِّ عن التَّمثيل؛ لأنَّه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٢). وقال: والصَّحابة قد تنازعوا في تفسير الآية، هل المراد به الكشف عن الشِّدَّة، أو المراد به أنَّه يكشف الرَّبُّ عن ساقه؟ ولم يتنازع الصَّحابة والتَّابعون في ما يذكر من آيات الصِّفات إلاَّ في هذه الآية (٣). قال ابن العثيمين: إنَّ لعلماء السَّلَف في قوله: ﴿عَنْ سَاقٍ﴾ قولين: - القول الأول: أنَّ المراد به الشِّدَّة. - والقول الثَّاني: أنَّ المراد به ساق الله (٤). أدلة القول الأول: أولاً: القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]. وجه الدلالة من الآية: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [سورة القلم، آية: ٤٢] لم يقل يوم يكشف السَّاق، وهذا يبين خطأ من قال المراد بهذه كشف الشدة، وأن الشدة تسمى _________ (١) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لابن تيمية (٥/ ٤٧٢). (٢) المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام، لابن تيمية (١/ ٧١). (٣) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لابن تيمية (٥/ ٤٧٢). (٤) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (٨/ ٢٥٥).

стр. 396

ساقاً، وأنه لو أريد ذلك، لقيل: يوم يكشف عن الشدة أو يكشف الشدة، وأيضاً فيوم القيامة لا يكشف الشدة عن الكفار، والرواية في ذلك عن ابن عباس ساقطة الإسناد (١). وقال الشَّوكانيُّ: وقد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صحَّ عن رسول الله ﷺ كما عرفت، وذلك لا يستلزم تجسيمًا ولا تشبيهًا؛ فليس كمثله شيء (٢). وقال السَّعديُّ: إذا كان يوم القيامة، وانكشف فيه من القلاقل والزَّلازل والأهوال ما لا يدخل تحت الوهم، وأتى الباري لفصل القضاء بين عباده ومجازاتهم فكشف عن ساقه الكريمة الَّتي لا يشبهها شيء (٣). ثانياً: السنة النبوية: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، فَيَبْقَى كُلُّ مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا» (٤). وجه الدلالة من الحديث: دل حديث أبي سعيد الخُدْرِيِّ ﵁ دلالة صريحة على أن الساق من صفات الله ، وهو حديث صحيح. قال أبو سليمان الخطابي: وهذا الحديث ممَّا قد تهيب القول فيه شيوخنا، فَأَجْرَوْهُ على ظاهر لفظه، ولم يَكْشِفُوا عن باطن معناه، على نحو مذهبهم في التَّوقُّف عن تفسير كلِّ ما لا يحيط العلم بِكُنْهِهِ من هذا الباب (٥). _________ (١) الرد على البكري، لابن تيمية (٢/ ٥٤٣). (٢) فتح القدير، الشوكاني (٥/ ٣٣٢). (٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، السعدي (ص ٨٨١). (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، بَابُ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] (٦/ ١٥٩) (٤٩١٩). (٥) أعلام الحديث، الخطابي (٣/ ١٩٣٠).

стр. 397

أدلة القول الثاني: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، وقد روي عن ابن عباس ﵁ وغيره أن المراد بالساق: الشِّدَّةُ، وسيأتي عرض أقوالهم. وجه الدلالة من الآية: قال ابن قتيبة: وأصل هذا: أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناته والجد فيه، شمر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة. هذا قول الفرَّاء وأبي عبيدة واللُّغويِّين. وقد أضيف هذا الأمر إلى الله تعالى (١). قال الخطابي: روي عن ابن عبَّاس أنَّه قال: عن شِدَّةٍ وكرب. قال الْخَطَّابِيُّ: فيحتمل أن يكون معنى قوله: يكشف ربُّنا عن ساقه؛ أي: عن قُدْرَتِهِ الَّتي تنكشف عند الشِّدَّة والمعزَّة (٢). آثار مروية عن ابن عباس ﴿وغيره في تفسير الآية: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قَالَ: «إِذَا خَفِي عَلَيْكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ فَابْتَغُوهُ فِي الشِّعْرِ، فَإِنَّهُ دِيوَانُ الْعَرَبِ». أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشَّاعِرِ: اصْبِرْ عَنَاقَ إِنَّهُ شَرٌّ بَاقٍ قَدْ سَنَّ قَوْمَكَ ضَرْبُ الْأَعْنَاقْ وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَنْ سَاقْ (٣) وعن ابن عباس ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: يَوْمُ كَرَبٍ وَشِدَّةٍ (٤). وعنه: قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] يقول: حين يكشف الأمر، وتبدو الأعمال، وكشفه: دخول الآخرة، وكشف الأمر عنه (٥). _________ (١) تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة (ص ٨٩). (٢) أعلام الحديث، الخطابي (٣/ ١٩٣٠). وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (٧٤٥). (٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٤٢) (٣٨٤٥) وقال: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. ووافقه الذهبي. (٤) الزهد والرقائق، لابن المبارك (٢/ ١٠٥)، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري (٢٣/ ١٨٧)، شرح السنة، البغوي (١٥/ ١٣٨). (٥) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري (٢٣/ ١٨٧).

стр. 398

وعنه أيضاَ: في قوله : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: هُوَ الْأَمْرُ الشَّدِيدُ الْمُفْظِعُ مِنَ الْهَوْلِ يَوْمَ الْقِيَامَة (١). وعن مجاهد، قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: شدَّة الأمر وَجَدُّهُ (٢). وعن ابن عبَّاس في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] يقول: حِينَ يُكْشَفُ الْأَمْرُ وَتَبْدُو الْأَعْمَالُ، وَكشْفُهُ دُخُولُ الْآخِرَةِ وَكَشَفُ الْأَمْرِ عَنْهُ (٣). وقال ابن عبَّاس: هي أوَّل ساعة تكون في يوم القيامة، غير أنَّ في حديث الحارث قال: وقال ابن عبَّاس: هي أشدُّ ساعة تكون في يوم القيامة (٤). وعن سعيد بن جُبير (٥)، أنَّ ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: عَنْ بَلَاءٍ عَظِيمٍ (٦). وعن سعيد بن جبير قال: عن شدَّة الأمر (٧). وعن قتادة (٨) في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [سورة القلم آية: ٤٢] قال: عن أَمْرٍ فَظِيْعٍ جَلِيْلٍ (٩). وعن معمر عن قتادة في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: يوم يكشف عن شدَّة _________ (١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري (٢٣/ ١٨٧). (٢) الزهد والرقائق، لابن المبارك (٢/ ١٠٥)، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري (٢٣/ ١٨٨). (٣) الأسماء والصفات، للبيهقي (٧٤٩). (٤) الزهد والرقائق، لابن المبارك (٢/ ١٠٥). (٥) سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرِ بنِ هِشَامٍ الوَالِبِيُّ مَوْلَاهُم، الإِمَامُ، الحَافِظُ، المُقْرِئُ، المُفَسِّرُ، رَوَى عَنِ: ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَكْثَرَ وَجَوَّدَ، قتله الحجاج بن يوسف سنة (٩٥ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (٤/ ٣٢١). (٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، اللالكائي (٧٢٤). (٧) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري (٢٣/ ١٨٨). (٨) قَتَادَةُ بنُ دِعَامَةَ السَّدُوْسِيُّ، أَبُو الخَطَّابِ البَصْرِيُّ، ثقة ثبت، سيأتي [٧٩٣]. (٩) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري (٢٣/ ١٨٨).

стр. 399

الأمر (١). وعن عكرمة في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: هو يَوْمُ كَرْبٍ وشدَّة (٢). قال الخطابي: وقال غير ابن عباس من أهل التَّفسير والتَّأويل في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] أي: عن الأمر الشَّديد. وأنشدوا: قد شمَّرت عن ساقها فشدُّوا وجدَّت الحرب بكم فجدُّوا وقال بعض الأعراب: عجبت من نفسي ومن إشفاقها ومن طرادي الطَّير عن أرزاقها في سنة قد كشفت عن ساقها وإنَّما جاء ذكر الكشف عن السَّاق على معنى الشِّدَّة (٣). قال ابن كثير: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] يعني: يوم القيامة، وما يكون فيه من الأهوال والزَّلازل والبلاء والامتحان والأمور العظام (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا رَيْبَ أنَّ ظَاهِرَ القرآن لا يَدُلُّ على أنَّ هذه من الصِّفات؛ فإنَّه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] نَكِرَةٌ في الإثبات لم يُضِفْهَا إلى الله، ولم يقل عن ساقه، فمع عدم التَّعريف بالإضافة لا يَظْهَرُ أنَّه من الصِّفات إلاَّ بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل؛ إنَّما التَّأويل صَرْفُ الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف (٥). مناقشة: القول بأنَّ المراد بالسَّاق الشِّدَّة لا يَصِحُّ من وُجُوهٍ: - الأوَّل: لغة العرب في مثل ذلك أن يُقَالَ: «كَشَفَتِ الشِّدَّةُ عن القوم» لا: كُشِفَ عنها، كما _________ (١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري (٢٣/ ١٨٩). (٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري (٢٣/ ١٩٥). (٣) أعلام الحديث، الخطابي (٣/ ١٩٣٠). (٤) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (٨/ ١٩٨). (٥) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٦/ ٣٩٥).

стр. 400

قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٥]، وقال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ [المؤمنون: ٧٥]؛ فالعذاب والشِّدَّة هو المكشوف، لا المكشوف عنه. - الثاني: يوم القيامة تحدث الشِّدَّة وتشتدُّ ولا تُزَالُ إلاَّ بدخول الجنَّة (١). قال ابن القيِّم: والَّذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، وإنَّما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدريِّ المتَّفق على صحَّته، وهو حديث الشَّفاعة الطويل، وفيه: «فَيَكْشِفُ الْرَّبُّ عَنْ سَاقِهِ، فَيَخِرُّوْنَ لَهُ سُجَّدًا»، وَمَنْ حَمَلَ الآية على ذلك قال: قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] مطابق لقوله: فيكشف عن ساقه، فيخرُّون له سجَّدًا، وتنكيره للتَّعظيم والتَّفخيم، كأنَّه قال: يكشف عن ساق عظيمة جلَّت عظمتها وتعالى شأنها أن يكون لها نظير أو مثيل أو شبيه. قالوا: وحمل الآية على الشِّدَّة لا يَصِحُّ بِوَجْهٍ، فإن لغة القوم في مثل ذلك أن يقال: كُشِفَتِ الشِّدَّة عن القوم، لا كُشِف عنها، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠]، وقال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ [المؤمنون: ٧٥]؛ فالعذاب والشِّدَّة هو المكشوف لا المكشوف عنه، وأيضاً فهناك تحدث الشِّدَّة وتشتد ولا تزال إلا بدخول الجنة، وهناك لا يدعون إلى السجود، وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشِّدَّة (٢). الرأي الراجح: الراجح هو القول الأول، وهو أن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] هي آية من آيات الصفات، والمراد بها صفة الساق لله ؛ لدلالة حديث أبي سعيد الخدري ﵁ دلالة صريحة، وهو حديث صحيح، أخرجه البخاري وغيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [سورة القلم، آية: ٤٢] لم يقل يوم يكشف السَّاق، وهذا يبين خطأ من قال المراد بهذه كشف الشدة، وأن الشدة تسمى _________ (١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (١/ ٢٥٣). (٢) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (١/ ٢٥٣).

стр. 401

ساقاً، وأنه لو أريد ذلك، لقيل: يوم يكشف عن الشدة أو يكشف الشدة، وأيضاً فيوم القيامة لا يكشف الشدة عن الكفار، والرواية في ذلك عن ابن عباس ساقطة الإسناد (١). _________ (١) الرد على البكري، لابن تيمية (٢/ ٥٤٣).

стр. 402

المبحث التاسع: صفة الضحك (١) يثبت أهل السُّنَّة والجماعة صفة الضحك لله تعالى كما جاءت في الأحاديث الشريفة. وخالف ابن عبد البر وغيره فقالوا: المراد بالضحك الرحمة والرضوان والعفو والغفران (٢). أدلة المثبتين: هي أدلة كثيرة جدا، سأذكر بعضها،،، - الدليل الأول: عن عبد الله بن مسعود ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً ...... فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِيهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟ أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ، أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ "، فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ، قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: " مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ (٣). - الدليل الثاني: روى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ نحوه، ولفظه: « … ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ ﵎ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ؟، وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ ﵎ مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ اللهُ مِنْهُ قَالَ: ادْخُلْ الْجَنَّةَ» (٤). - الدليل الثالث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَنِي الجَهْدُ، فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا رَجُلٌ يُضَيِّفُهُ _________ (١) بوب المصنِّف لصفة الضحك، وأخرج حديثا سيأتي برقم [٨١٦]. (٢) الاستذكار، لابن عبد البر (٥/ ٩٧). (٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، بَابُ آخَرِ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا (١/ ١٧٤) (١٨٧). (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (١/ ١٦٣) (١٨٢).

стр. 403

هَذِهِ اللَّيْلَةَ، يَرْحَمُهُ اللَّهُ؟» فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ، قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ العَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ، وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ أَوْ ضَحِكَ - مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] (١). وجه الدلالة من الأحاديث: لقد أثبتت الأحاديث صفة الضَّحك لله تعالى (٢)، ولا يلزم من إثباتها أي محذور، وليس فيه أي تشبيه لله بخلقه، خصوصًا وقد مدح الله نفسه بها، ولا يتصور التَّشبيه إلاَّ من لم يعرف الحقَّ، ولم يطلع على مذهب السلف؛ ذلك أنَّها صفات تليق بالله وكما لا نَعْرِفُ ذاته، فكذلك لا نعرف كيفية صفاته (٣). فكما أنَّ النطق صفة كمال، فكذلك الضحك صفة كمال، فمن يتكلم أكمل ممَّن لا يتكلم، ومن يضحك أكمل ممن لا يضحك، وإذا كان الضحك فينا مستلزمًا لشيء من النقص فالله منزه عن ذلك، وذلك الأكثر مختصٌّ لا عامٌّ، فليس حقيقة الضَّحك مطلقًا مقرونة بالنقص، كما أن ذواتنا وصفاتنا مقرونة بالنَّقص، ووجودنا مقرون بالنَّقص، ولا يلزم أن يكون الرب موجدًا وألا تكون له ذات (٤). قال ابن خُزَيْمَةَ: بَابُ ذِكْرِ إِثْبَاتِ ضَحِكِ رَبِّنَا بِلَا صِفَةٍ تَصِفُ ضَحِكَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، لَا وَلَا يُشَبِّهْ ضَحِكَهُ بِضَحِكِ الْمَخْلُوقِينَ، وَضَحِكُهُمْ كَذَلِكَ، بَلْ نُؤْمِنُ بِأَنَّهُ يَضْحَكُ، كَمَا أَعْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَنَسْكُتُ عَنْ صِفَةِ ضَحِكِهِ جَلَّ وَعَلَا، إِذِ اللَّهُ اسْتَأْثَرَ بِصِفَةِ ضَحِكِهِ، لَمْ يُطْلِعْنَا عَلَى ذَلِكَ، _________ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] الآية (٦/ ١٤٨) (٤٨٨٩). (٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، لابن القيم (ص ٢٨٥)، إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، التويجري (٣/ ٢٩٦). (٣) فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها، د. غالب بن علي عواجي (٣/ ١٢٨٤). (٤) الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال، لابن تيمية (ص ٥٥).

стр. 404

فَنَحْنُ قَائِلُونَ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ، بِقُلُوبِنَا مُنْصِتُونَ عَمَّا لَمْ يُبَيَّنْ لَنَا، مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ (١). وقال ابن تيمية: وكذلك أحاديث الضَّحك متواترة عن النَّبيِّ، وقد رواها الأئمَّة (٢). وقال معمر بن أحمد الأصبهاني شيخ الصوفية (٣): أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث، وأهل المعرفة والتصوف، من المتقدمين والمتأخرين، فذكر أشياء في الوصية، إلى أن قال فيها: ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكاً (٤). - الدليل الرابع: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ: يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى القَاتِلِ، فَيُسْتَشْهَدُ (٥). وجه الدلالة من الحديث: أثبت هذا الحديث صفة الضحك لله تعالى، ولو كان تفسير الضحك الرضا والرحمة والصفح عن الذنوب، لما كان لأبي رزين أن يقول: من ربٍّ يضحك، بل كان عليه أن يقول: لن نعدم الخير من ربٍّ يرحم (٦). قال الحافظ المقدسي: فهذا وما أشبهه مما صحَّ سنده وعدلت رواته، نؤمن به، ولا نردُّه ولا نجحده ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله لا شبيه له ولا نظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ _________ (١) كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ، تأليف: ابن خزيمة (٢/ ٥٦٣). (٢) الفتاوى الكبرى، لابن تيمية (٦/ ٦١٤). (٣) معمر بن أحمد بن محمد بن زياد، شيخ الصوفية. ينظر: تذكرة الحفاظ، للذهبي (٣/ ١٩٠). (٤) العرش، الذهبي (٢/ ٤٤٧). (٥) متفق عليه. البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الكافر يقتل المسلم، ثم يسلم، فيسدد بعد ويقتل (٤/ ٢٤) (٢٨٢٦)، مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة (٣/ ١٥٠٤) (١٨٩٠). (٦) القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد، عبد الرازق البدر (ص ١٠٨).

стр. 405

الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وكل ما تخيِّل في الذِّهن أو خطر بالبَال فإنَّ الله تعالى بخلافه (١). والضحك من الله دَلِيلٌ على حصول الخير (٢). - الدليل الخامس: عَنِ امْرَأَةٍ، مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا، أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ، قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، صَاحَتْ أُمُّهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا يَرْقَأُ دَمْعُكِ، وَيَذْهَبُ حُزْنُكِ، فَإِنَّ ابْنَكِ أَوَّلُ مَنْ ضَحِكَ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَاهْتَزَّ مِنْهُ الْعَرْشُ» (٣). وجه الدلالة من الحديث: دلَّ الحديث على أنَّ الضَّحك صفة لله تعالى، ولو كان المراد به الرَّحمة أو الرِّضا، ما كان يقول النَّبيُّ ﷺ : «أوَّل من ضحك الله إليه» (٤). أدلة المأولين: - الدليل الأول: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ: يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى القَاتِلِ، فَيُسْتَشْهَدُ (٥). وجه الدلالة من الآية: قال ابن عبد البرِّ: وأمَّا قوله: «يَضْحَكُ اللهُ إليه»؛ أي: يتلقَّاه الله بالرَّحمة والرضوان والعفو والغفران. ولفظ الضَّحك ها هنا مجازٌ؛ لأنَّ الضحك لا يكون من الله على ما هو من البشر؛ لأنَّه ليس كمثله شيء ولا تشبهه الأشياء (٦). _________ (١) لمعة الاعتقاد، الحافظ المقدسي (ص ١١ - ١٢). (٢) شرح سنن ابن ماجه (ص ١٦)، شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، عبد الله بن محمد الغنيمان (٢/ ١٠٥). (٣) المسند (٢٨٢٢٩)، وضعفه الألباني في ظلال الجنة (٥٥٩) وشعيب في المسند. وسيأتي [٨٥٨]. (٤) نقض الدارمي على المريسي (٢/ ٧٩٧). (٥) تقدم تخريجه في صفحة (٩٩). (٦) الاستذكار، لابن عبد البر (٥/ ٩٧).

стр. 406

وقال ابن فورك: فالمعنى إظهار إجابته، والإنعام عليه، وابتداؤه بالكرم والرحمة (١). وقال المازَري: الضَّحك من الله محمول على إظهار الرِّضا والقبول؛ إذ الضحك في البشر علامة على ذلك. ويقال: ضحكت الأرض، إذا ظهر نباتها. وفي بعض الحديث «فَيَبْعَثُ الله سحاباً فَيَضْحَكُ أحْسَن الضَّحِكِ» فجعل انجلاءه كل البرق ضحكاً على الاستعارة، كأنَّه تعالى لما أظهر له رحمته استعير له اسم الضَّحك مجازاً (٢). وقال الطيِّبي: الضحك من الله محمول على غاية الرضا والرأفة، فالمعنى أنه تعالى يتجلى لهم ضاحكاً، أي راضياً عنهم متعطفاً عليهم؛ لأن الملك إذا نظر إلى بعض رعيته بعين الرضا، لا يدع من إنعام وإكرام إلا فعل في حقه (٣). وقال القاضي عياض: الضَّحك في البشر أمر اختصُّوا به، وحالة تغيُّر أوجبها سرور القلب، فتنبسط له عروق القلب، فيجرق الدَّم فيها، فيقبض إلى سائر عروق الجسد، فيثور لذلك حرارة يبسط لها الوجه ويضيق عنها الفم فينفتح، وهو التَّجسم، فإذا زاد السرور وتمادى ولم يضبط الإنسان نفسه واستخفه سروره قَهْقَهَ، والتَّغيُّرات وأوصاف الحَدَثِ منفيَّة عن الله تعالى، وجاءت الآثار الصَّحيحة بإضافة الضَّحك إليه، فحمل العلماء ذلك على الرضا بفعل عبده، ومحبَّته للقائه، وإظهار نعمه وفضله عليه، وإيجابها له. وقد حملوه أيضًا على التَّجلِّي للعبد، وكشف الحجاب عن بصره حتَّى يراه، والضَّحك يعبَّر به عن الظُّهور (٤). - الدليل الثاني: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَنِي الجَهْدُ، فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا رَجُلٌ يُضَيِّفُهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، يَرْحَمُهُ اللَّهُ؟» فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ، قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ العَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ، وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ غَدَا _________ (١) مشكل الحديث وبيانه، لابن فورك (ص ٤٧٧). (٢) المُعْلم بفوائد مسلم، المازري (١/ ٣٣٩). (٣) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، الطيبي (٤/ ١٢٠٦) (٤) إكمال المُعْلم بفوائد مسلم (١/ ٥٥٨).

стр. 407

الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ أَوْ ضَحِكَ - مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] (١). وجه الدلالة من الحديث: الضَّحك هنا معناه: الرَّحمة والرضا. قال الخطابيُّ: تأويله على معنى الرِّضا أشبه وأقرب، وذلك أن الضحك من الكرام يدل على الرضا والاستهلال منهم مقدمة إنجاح الطلبة وقبول الوسيلة. والأجواد يوصفون عند المسألة بالبشر وحسن اللِّقاء (٢). مناقشة: - الأول: ليس في إثبات الضَّحك تشبيه لله تعالى بالمخلوقات، حيث التَّشبيه الممتنع على الله أن يشارك المخلوقات في شيء من خصائصها، وأن يكون مماثلاً لها في شيء من صفاته، كالحياة والعلم والقدرة؛ فإنَّه وإن وصف بها فلا تماثل صفة الخالق صفة المخلوق، كالحدوث والموت والفناء والإمكان (٣). - الثاني: الصَّحابة ﵃ كانوا يسألون النَّبيَّ ﷺ عمَّا يُشْكِلُ عليهم من الصِّفات، فيُجيبهم بتقريرها، لا بالمجاز والتَّأويل الباطل (٤). - الثالث: قال ابن القيِّم: من تأوَّل الضَّحك بالرضا، والرضا بالإرادة، إنَّما فرَّ من صفة إلى صفة، فهلا أقر النُّصوص على ما هي عليه ولم ينتهك حرمته؟ فإنَّ المتأول إمَّا أن يذكر معنى ثبوتيًّا، أو يتأوَّل اللَّفظ بما هو عدم محض، فإنَّ تأوُّله بمعنى ثبوتيٍّ كَائِنٌ لَزِمَهُ فيه نظير ما فرَّ منه (٥). _________ (١) صحيح البخاري (٤٨٨٩). (٢) أعلام الحديث، الخطابي (٣/ ١٩٢٢) (٣) الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال، لابن تيمية (ص ٥٦). (٤) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم، اختصره: محمد البعلي (ص ٥٣٩). (٥) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (١/ ٢٣٦).

стр. 408

الرأي الراجح: الرَّأي الرَّاجح هو ثبوت صفة الضَّحك لله تعالى؛ لما يأتي: ١ - ثبوتها في السُّنَّة الصَّحيحة. ٢ - التَّأويل يخالف التَّصديق، وهو فرار من صفة إلى صفة، فعليه كما أثبت الأخرى أن يثبت الأُولى. ٣ - هكذا أخبر الله عن نفسه، فهل نحن أعلم أم الله؟

стр. 409

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة أم القرى كلية الدعوة وأصول الدين قسم العقيدة كتاب صفات رب العالمين لابن المحب الصامت (٧١٢ هـ - ٧٨٩ هـ) من باب ما ذكر في الساعد والذراع والباع والراحة والكتف والصدر. إلى: ذكرُ الصوت. دراسة وتحقيق رسالة مُقدّمة لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الماجستير في العقيدة دراسة وتحقيق: الطالبة: أمامة بنت محمد محفوظ المهدي الرقم الجامعي: ٤٣٨٠٣٥٨ إشراف د. هشام بن إسماعيل الصيني الأستاذ المشارك بقسم العقيدة كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م

стр. 410

ملخَّص الرِّسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فهذا البحث هو تحقيق لـ جزء من: (كتاب صفات رب العالمين للإمام شمس الدين أبي بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت المقدسي من باب ما ذكر في السَّاعد والذِّراع والباع والرَّاحة والكتف والصَّدر، إلى ما ذكر في الصَّوت). الدرجة العلمية: ماجستير - عقيدة. موضوع الرسالة: صفات رب العالمين. وهذه الرسالة جاءت في مقدمة وقسمين وخاتمة وفهارس: المقدمة: وتحتوي على أهداف التحقيق، أهمية الكتاب، أسباب اختياره، الصعوبات التي واجهت الباحث، والخطة. القسم الأول: الدراسة: وفيه مباحث: المبحث الأول: عصر المصنِّف: (الناحية السياسية - الناحية الإجتماعية - الناحية العلمية). المبحث الثاني: حياتة الشَّخصية: (اسمه ونسبه وكنيته - مولده - نشأته وأسرته - شيوخه - تلاميذه - صفاته وثناء العلماء عليه - عقيدته - مؤلفاته - وفاته). المبحث الثالث: دراسة الكتاب (اسم الكتاب - توثيق نسبة الكتاب لمصنفه - وصف المخطوط - موارد المصنف في الكتاب - أبواب الجزء المحقق - ملحوظات على الكتاب - دراسة موضوعات الكتاب). المبحث الرابع: منهج التحقيق. القسم الثاني: التحقيق. الخاتمة، وذكرت فيها أهم النتائج والتوصيات: ١ - أهمية كتاب صفات رب العالمين في جمعه للأدلة القرآنية، وكثير من الأحاديث والآثار، وذكر أقوال العلماء في بعض الصفات الواردة. ٢ - دقة الحافظ ابن المحب ﵀ في نقل الأحاديث بأسانيدها. مع بيان الصحيح والضعيف منها أحيانًا. ٣ - كثرة المراجع والمصادر التي نقل منها وعزى إليها ابن المحب. وهذا يدل على غزارة علمه، وسعة اطلاعه ﵀. ٤ - اشتمال كتاب الصفات على الكثير من الكتب المفقودة، وهذا يعد كنزًا للباحثين عنها. ٥ - الاهتمام بكتب علماء السنة المخطوطة بالتحقيق والدراسة. ثم المراجع والمصادر. والفهارس العلمية.

стр. 411

المُقَدِّمَة الحمد لله أهل الحمد ووليّه، المبتدئ بنعمه، والهادي لطاعته، أنزل علينا خير كتبه، وبعث لنا خير رسله، ليُبيِّن للناس ما نزِّل إليهم ولعلهم يتذكرون. والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، وعلى صحابته أجمعين، وعلى التابعين الذين حموا الدِّين من تحريف الغاليين، وتزييف المبطلين. أما بعد: فلا ريب أنَّ العلم بأسماء الله وصفاته أشرف العلوم الشرعيَّة، وأزكى المقاصد العليَّة، وأعظم الغايات السنيَّة؛ لتعلقه بأشرف معلوم وهو الله ، فمعرفته سبحانه والعلم بأسمائه وصفاته، وأفعاله أجلّ علوم الدين كلها، وإرادة وجهه أجلّ المقاصد، وعبادته أشرف الأعمال. وقد قال الإمام ابن القيم ﵀: "إن دعوة الرسل تدور على ثلاثة أمور: تعريف الربّ المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله، الأصل الثاني: معرفة الطريقة الموصلة إليه، وهي ذكره وشكره وعبادته التي تجمع كمال حبّه وكمال الذّل له، الأصل الثالث: تعريفهم ما لهم بعد الوصول إليه في دار كرامته من النعيم الذي أفضله وأجله رضاه عنهم وتجليه لهم ورؤيتهم وجهه الأعلى وسلامه عليهم وتكليمه إياهم ". ولقد منَّ الله عليَّ بالمشاركة في تحقيق جزء من مخطوط (كتاب صفات رب العالمين لابن المحب الصامت) من باب: (ما ذكر في السَّاعد والذِّراع إلى نهاية الجزء الثامن) وذلك لنيل درجة الماجستير. وحيث إنه قد سبقني عدد من الباحثين والباحثات في تحقيق أجزاء سابقة من هذا المخطوط كرسائل علمية، واعتنوا بقسمم الدراسة عناية فائقة وأخص منهم: الشيخ صقر الغامدي، فكتبت فيه ما يفي بالغرض من تعريف بهذا الكتاب. * أهداف التحقيق: ١ - إخراج كتاب صفات رب العالمين. ٢ - ابتغاء مرضات الله وهو أهم هدف وأسمى غاية أرجوها من البحث. ٣ - إظهار لعقيدة ابن المحب والتي هي عقيدة أهل السنة والجماعة. ٤ - التمسك بفهم سلف الأمة وأئمتها المتقدمين لنصوص أسماء الله وصفاته.

стр. 412

٥ - بيان حقيقة مذهب السلف أهل السنة والجماعة، والذي كان عليه الأئمة الأسلاف أهل الحديث كالإمام مالك وعبد الله بن المبارك والإمام أحمد، وسفيان الثوري، والبخاري، والدارمي، والآجري، وغيرهم ممن سلك طريقهم واقتفى أثرهم. ٦ - الاعتماد على الكتاب والسنة الصحيحة في إثبات أسماء الله الحسنى وصفاته العلى على ما يليق بجلاله وعظمته، وبقية أمور الاعتقاد، وعدم تجاوز ذلك. ٧ - الرد على من خالف السلف - أهل السنة والجماعة -، وبيان ما هم عليه من الخطأ والضلال. * أهمية الكتاب: ١ - أن الإمام ﵀ تطرق لباب صفات رب العالمين، وشرف العلم بشرف المعلوم، والباري أشرف المعلومات، فالعلم بصفاته أشرف العلوم. ٢ - جمع فيه ابن المحب جميع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في الصفة التي يبوب لها. ٣ - أن مؤلفه من العلماء المتقدمين وخاصة أنه تلميذ لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ٤ - في الكتاب نقولات عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وبعضها مما قيَّده هو عن شيخه، أو أملاه الشيخ عليه، أو أجاز له به. ٥ - اشتمال الكتاب على مجموعة من الأحاديث والنقولات القيمة من الكتب، لا سيما أنَّ منها المفقود والمخطوط. وسيأتي في مصادر المؤلف ص () وما بعدها. ٦ - أن الإمام ﵀ يروي الأحاديث والآثار بأسانيده - غالبًا - ويتكلم على تخريج كثير منها. ٧ - جمع فيه طرق الحديث وذكر المتابعات والشواهد للحديث، ومن خرَّجها من الأئمة في كتبهم. حتى أنه يخرج من الأجزاء الحديثية الصغيرة. ٨ - نقل أقوال العلماء في الحكم على الحديث وعلى الرجال. وهذا مما يعزِّز من قيمة الكتاب. * أسباب اختيار الموضوع: هذا الكتاب الذي عنيت بتحقيقه من بين ما تركه علماء العقيدة، الذين وقفوا حياتهم لخدمة الدين وتوضيح عقيدة أهل السنة والجماعة، ومما دفعني إلى هذا الموضوع، ورغبني في تحقيق هذا الكتاب أيضًا ما يلي: ١ - تعلق هذا البحث بأشرف العلوم، وهو العلم عن صفات الباري .

стр. 413

٢ - أملًا أن يضيف هذا الكتاب جديدًا إلى المكتبة العقدية وخاصة في باب صفات الله تعالى. ٣ - إحياء جهود الأئمة الذين بذلوا أغلى ما عندهم من جهد ووقت. ٤ - أن هذا المخطوط لم يسبق تحقيقه ونشره، وإخراجه محققًا عمل يستحق بذل الوقت والجهد فيه. ٥ - قيمة الكتاب العلمية لأنه ينقل عن كثير من الكتب التي لا تزال مفقودة أو ناقصة. ٦ - الرغبة في خدمة العلم وأهله، وابتغاء أجره عند الله سبحانه في الدار الآخرة. وبناء على هذه الأسباب والمبررات، وقع اختياري على هذا الموضوع ليكون مادة لبحثي في الماجستير، والذي أسأل الله تعالى أن يضع له القبول والرضا. * الدراسات السابقة: بالنسبة لدراسة وتحقيق كتاب (صفات رب العالمين) فلم أجد - من خلال بحثي - أحدًا قام بتحقيق الكتاب، أو نشره قبل هذا العمل. * الصعوبات التي واجهت الباحث: هناك عدد من المشاكل واجهت الباحثة أثناء تحقيق هذا المخطوط، ويمكن إيجازها فيما يلى: ١/ أن الكتاب مسودَّة للمؤلف، يضيف إليه بين الحين والآخر ما يراه من الآيات والأحاديث والآثار. ٢/ التداخل الذي يوجد في عدد من صفحات الكتاب بين الأسطر مما يجعل الباحث يقف محتارًا في تمييز بعضها عن بعض. ٣/ صعوبة خط المصنِّف رحمه الله تعالى، وذلك راجع للأسباب التالية: أ - قلة الإعجام لدرجة يصعب معها قراءة الكلمة، أو الكلمات، لاحتمالها عدة أوجه. ب - وصْلُ بعضِ الكلماتِ مع كلمات أخرى، مما يحصل معه الاشتباه والخطأ عند قراءتها. ٤/ ضعف التصوير في بعض ألواح المخطوط، مما يؤدي إلى اختفاء بعض الكلمات أو عدم وضوحها. ٥/ صعوبة تمييز الأعلام بعضهم عن بعض وذلك للتشابه الواقع في أسماء كل منهم. ٦/ عزو بعض الأقوال إلى قائليها دون تحديد الكتاب الذي ورد فيه القول، ما يستدعي استعراض غالب كتبه إلى أن أظفر بالمعلومة، أو أعجز عن الوصول إليها. ٧/ تعدد مصادر المصنف ﵀ في تخريجه للأحاديث، وتنوعها ما بين مطبوع ومخطوط ومفقود، مما زاد من صعوبة البحث.

стр. 414

هذه بعض المشاكل التي واجهت الباحثة في تحقيق هذا المخطوط، ولكن ولله الحمد والمنة، تغلبت على كثيرٍ منها. * خطة البحث: اشتمل البحث على مقدمة، وقسمين، وخاتمة، ثم المراجع والفهارس، وبيانها كالتالي: القسم الأول: الدِّراسة. وفيه مباحث: المبحث الأول: عصر المصِّنف. أولًا: الناحية السياسية. ثانيًا: الناحية الإجتماعية. ثالثًا: الناحية العلمية. المبحث الثاني: حياته الشخصية. أولًا: اسمه ونسبه وكنيته. ثانيًا: مولده. ثالثًا: نشأته وأسرته. رابعًا: شيوخه. خامسًا: تلاميذه. سادسًا: صفاته وثناء العلماء عليه. سابعًا: عقيدته. ثامنًا: مؤلفاته. تاسعًا: وفاته. المبحث الثالث: التعريف بالكتاب. أولًا: اسم الكتاب. ثانيًا: توثيق نسبة الكتاب لمصنفه. ثالثًا: وصف المخطوط. رابعًا: موارد المصنف في الكتاب.

стр. 415

خامسًا: أبواب الجزء المحقق. سادسًا: ملحوظات على الكتاب. سابعًا: دراسة موضوعات الكتاب. المبحث الرابع: منهج التحقيق. القسم الثاني: التحقيق. الخاتمة، والنتائج. المراجع والمصادر. الفهارس العامة، وهي كالتالي: أولًا: فهرس للآيات القرآنية. ثانيًا: فهرس للأحاديث النبوية. ثالثًا: فهرس للآثار. رابعًا: فهرس للأبيات الشعرية. خامسًا: فهرس للأعلام. سادسًا: فهرس للألفاظ الغريبة. سابعًا: فهرس للمواضع والأماكن. ثامنًا: فهرس للطوائف والقبائل والجماعات. تاسعًا: فهرس للمصادر والمراجع. عاشرًا: فهرس لموضوعات الكتاب. وأخيرًا .. فإني أشكر الله على جزيل عطائه، وعظيم آلائه، أن وفقني بتيسير أمور هذه الرسالة وتسخير أسبابها، فلا حول لنا ولا قوة إلا به ﷻ ، وتقدست أسماؤه وتعالت صفاته، فله الحمد أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا. ثم إني أتقدم بجزيل الشكر لوالدي الكريمين - حفظهما الله - اللذين تعبا وسهرا في تربيتي ورعايتي، وأعاناني على طلب العلم وتحصيله، وأسأله سبحانه أن يجزيهما عني خير الجزاء، لما أسدياه إليَّ من جميل لا يُنسى، وكرم لا ينقطع، وأدعوا لهما بما علمني ربي وأمرني ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤].

стр. 416

وشكري لزوجي الذي عانى معي، وأعطاني من وقته حتى أتم هذه الرسالة، فله خالص الدعاء وجزيل الشكر. كما أتقدم بالشكر لفضيلة الشيخ الدكتور: هشام بن إسماعيل الصيني - حفظه الله -، على ما بذله من قراءة هذا البحث، وعلى توجيهاته وإرشاداته الجليلة، فجزاه الله خيرًا، وبارك في علمه وعمله. والشكر موصول لفضيلة الدكتورة: مريم بنت بنيان الحربي - حفظها المولى ورعاها - على ما بذلته من وقت وجهد في الإشراف على هذا البحث فترة من الوقت ليست بالقصيرة. فلها مني الشكر والتقدير. كما أتقدم بالشكر للشيخ: صلاح الشلاحي - حفظه الله - الذي ساعدني في قراءة ما أشكل عليّ قراءته من المخطوط، وكذلك الأستاذة الدكتورة: ابتسام جمال - حفظها الله - والشيخ: صقر الغامدي - حفظه الله - على ما ساعداني فيه حتى وضعت أقدامي على البحث فجزاهم الله خيرًا. ولا أنسى أن أشكر كل من قدَّم لي يد العون في هذا العمل من إخوة وأخوات وزميلات ودكتورات سواءً كان بمشورة علمية، أو إبداء نصح، أو دعاء صادق في ظهر الغيب، فأسأل الله أن يبارك جهودهم، ويعظم أجورهم. وأخيرًا أسأله سبحانه أن يرزقني الإخلاص والقبول، وأن يجعل في هذا البحث النَّفع المأمول، وأن يدخر لي ثوابه في صحائف أعمال ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعراء: ٨٨، ٨٩] فقد أنفقتُ فيه ليالي وأيامًا كثيرة، وبذلت في دراسته وتحقيقه وتخريج أحاديثه طاقات وفيرة، ولست بهذا أدعي كماله وتمامه، غير أنَّ حسبي أنَّي حاولت جهدي أن يكون إلى الصواب أقرب، وبالحسن والإتقان مطَيَّب، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان .. وأرجو ممن يقرؤه أن يعذرني فيما يرى من خطأ أو زلل، فالكمال لله وحده المتعالي عن العلل، وأن يدعو لي بحسن العاقبة والعمل. وفي الختام سبحان ربي رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين .. كتبته: أمامة بنت محمد محفوظ المهدي تحريرًا في مكة: ليلة الثالث عشر من جماد الآخرة من عام ١٤٣٧ هـ

стр. 417

القسم الأول: الدِّراسة وتحته أربعة مباحث * المبحث الأولى: عصر المصَنِّف ﵀. * المبحث الثاني: حياته الشَّخصية. * المبحث الثالث: التعريف بالكتاب. * المبحث الرابع: منهج التَّحقيق.

стр. 418

المبحث الأول عَصْر المصَنِّف ﵀. * أولًا: الحالة السِّياسيَّة. * ثانيًا: الحالة الإجْتماعية. * ثالثًا: الحالة العِلمية.

стр. 419

المبحث الأول: عصر المصَنِّف عاش الإمام ابن المحب ﵀ في القرن الثَّامن الهجري في الفترة ما بين سنتي (٧١٢ هـ - ٧٨٩ هـ) وتعدُّ هذه الفترة التي عاش فيها من أهم مراحل دولة المماليك (١)، والتي قامت على أنقاض الدولة الأيوبية، خلال القرن السَّابع الهجري. وتعود بداية ظهور المماليك في الدولة الإسلامية إلى الخليفة المأمون العباسي (٢)، فهو أول من استكثر من المماليك، ثم تلاه أخوه المعتصم (٣)، الذي أراد أن يحدّ من نفوذ جنوده من الفرس فكوّن جيشًا أغلبه من التركمان، كان يشتريهم صغارًا ويربيهم حتى وصل عددهم إلى عشرين ألفًا. ثم أكثر منهم السلطان نجم الدين بن أيوب (٤)، من حكام الدولة الأيوبية، لضعف شأنهم بعد وفاة صلاح الدين (٥) ﵀ سنة (٥٨٩ هـ)، وانقسام الدولة بين الأيوبيين، وقيام المنافسات والحروب الكثيرة، مما اضطر كل منهم للبحث عن عصبية تحمية وقت الشِّدَّة، وتساعده في صدّ أعدائه، والوقوف في وجه الصليبين في الشام (٦). _________ (١) مماليك: جمع مملوك، وهو الرقيق الذي يباع ويشترى، وهي اسم مفعول من الفعل (ملك)، واسم الفاعل (مالك) والمملوك هو عبد مالكه، ولكنه يختلف عن العبد الذي بمعنى الخادم. انظر: المماليك البحرية وقضائهم على الصليبين في الشام لشفيق جاسر أحمد (ص ١٠٧). (٢) هو: عبد الله بن هارون الرشيد العباسي، الخليفة أبو العباس، قرأ العلم والأدب والأخبار والتعقليات، وعلم الأوائل، وأمر بتعريب كتبهم، ودعا إلى القول بخلق القرآن وبالغ - نسأل الله السلامة -، وبعد وفاة أبيه جرت بينه وبين أخيه الأمين خطوب وبلاء وحروب، إلى أن قُتِل الأمين، وبايع الناس المأمون سنة (١٩٨ هـ)، وكان عالمًا فصيحًا مفوَّهًا، مات سنة (٢١٨ هـ). انظر: السير (١٠/ ٢٧٢ رقم الترجمة ٧٢). (٣) هو: محمد بن هارون بن الرشيد العباسي، الخليفة المعتصم أبو إسحاق، بويع بعهد من المأمون سنة (٢١٨ هـ)، كان ذا قوة وبطش وشجاعة وهيبة، وأمر ببناء مدينة سامرَّا، مات سنة (٢٢٧ هـ). انظر: السير للذهبي (١٠/ ٢٩٠ رقم الترجمة ٧٣). (٤) هو: الملك الصالح أيوب بن الملك الكامل محمد ابن العادل، أبو الفتوح، ناب عن أبيه لما ذهب لحصار الناصر داود كان يحب أهل الفضل والدين، وله نهمة في إنشاء الأبنية العظيمة، قتل سنة (٦٤٧ هـ). انظر: السير للذهبي (٢٣/ ١٨٧ رقم الترجمة ١١٣). (٥) هو: صلاح الدين، يوسف بن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي، أبو المظفر، يلقب بالملك الناصر، ولد سنة (٥٣٢ هـ)، وكان نور الدين قد أمَّره وبعثه في عسكره مع عمه أسد الدين شيركوه، فحكم شيركوه على مصر، فما لبث أن توفي، فقام بعده صلاح الدين، وقهر بني عبيد واستولى على قصر القاهرة، وكان خليقًا للإمارة مهيبًا شجاعًا عالي الهمة، وتملك بعد نور الدين واتسعت بلاده، وفي سنة (٥٨٣ هـ) كانت وقعة حطين بينه وبين الفرنج، ثم حاصر القدس وأخذها بالأمان، وكانت له همة في إقامة الجهاد، وإبادة الأضداد، مات سنة (٥٨٩ هـ). انظر: السير للذهبي (٢١/ ٢٧٨ رقم الترجمة ١٥١). (٦) انظر: المماليك البحرية وقضائهم على الصليبين في الشام لشفيق جاسر أحمد (ص ١٠٩) وما بعدها.

стр. 420

وقد كان موطن الإمام ابن المحب ﵀ في الصالحية بدمشق التي كانت تحت ظل الدولة المملوكية. وسأتناول هذه الحقبة الزمنية بالحديث عن الحالة (السياسية والإجتماعية والعلمية) ومدى تأثيرها في حياة المصنِّف ﵀. أولًا: الحالة السِّياسيَّة: تمكن المماليك بعد سلسلة من المؤامرات التي كانوا يُحيكونها ويُدبِّرونها للسلاطين - من استلام السلطنة في مصر، وذلك بعد مقتل السلطان توران شاة (١) آخر ملوك بني أيوب سنة (٦٤٨ هـ)، وكانت بذلك بداية العهد المملوكي. وكان لدولة المماليك طوران: الطور الأول: دولة المماليك البحرية بالقاهرة (٦٤٨ - ٧٨٤ هـ): سميت بذلك لأحد أمرين: قيل لأن السُّلطان الصَّالح نجم الدين أيوب اختار لهم جزيرة الروضة في بحر النيل مركزًا لهم، وقيل: لأنهم جُلبوا عن طريق البحر (٢). الطور الثاني: دولة المماليك البرجية أو الجراكسية (٧٨٤ - ٩٢٢ هـ): سميت بذلك لأن السلطان المنصور قلاوون (٣) لما رغب في تكوين فرقة جديدة من المماليك يعتمد عليها، تكون سندًا لأولاده من بعده، خاصة مع منافسيه من كبار الأمراء، اشترى المماليك الجراكسة، الذين ينتمون إلى: بلاد الكرج (جورجيا) (٤)، وجعلهم في أبراج القلعة، فأطلق عليهم اسم البرجية (٥). _________ (١) هو: السلطان تورانشاة بن السلطان نجم الدين بن أيوب بن صلاح الدين الأيوبي، آخر ملوك بني أيوب في مصر، توفي مقتولًا على يد أمراء المماليك سنة (٦٤٨ هـ). انظر: النجوم الزاهرة لابن تغري بردي (٦/ ٣٢٣). (٢) انظر: مصر والشام في عصر المماليك والأيوبين لابن عاشور (ص ١٥٣). (٣) هو: قلاوون السلطان الملك المنصور الصالحي، أبو المعالي وأبو الفتوح سيف الدنيا والدين، اشتري بألف دينار ولهذا يسمى بالألفي، كانت عليه سكينة ووقار، عمل نيابة السلطنة للملك العادل سلامش، وبعدها بشهرين خلعوا سلامش وبايعوا الملك المنصور، واستقل بالملك، واستعمل مماليكه على نيابة البلاد وكسر التتار، وافتتح طرابلس، وعمل بالقاهرة تُربة عظيمة، ومدرسة كبيرة، مات سنة (٦٨٩ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (١٥/ ٦٤٠ رقم الترجمة ٥٨٤). (٤) هي البلاد الواقعة بين بحر قزوين والبحر الأسود. انظر: مصر والشام في عصر المماليك والأيوبين لابن عاشور (ص ٢٢٣). (٥) انظر: مصر والشام في عصر المماليك والأيوبين لابن عاشور (ص ٢٢٣).

стр. 421

وقد عاش المماليك البحرية كطائفة منفصلة عمن حولهم فقد بنى لهم الملك الصالح نجم الدين أيوب المعسكرات في جزيرة الروضة، وسماهم بالمماليك البحرية الصالحية، ولم يختلطوا - بالسكان المحليين من مسلمين، ونصارى، ولم يتزاوجوا معهم إلا فيما ندر (١). وكانوا يتعلمون: القرآن الكريم، والفقه الإسلامي، وملازمة الصلوات والأذكار، فإذا وصلوا إلى سن البلوغ تعلموا فنون الحرب والقتال (٢). ولم يكن عهد المماليك بأفضل حال من سابقه - عهد الأيوبين -؛ ذلك أنّ هذا العهد كان يواجهه عدد من المخاطر على الساحة الخارجية، فالخطر الصليبي مازال يهدد العالم الإسلامي، وذلك لوجود بعض القلاع والإمارات الصليبية على سواحل بلاد الشام، مما استدعى المماليك أن يأخذوا على عاتقهم عبء استرجاع وتحرير ما تبقى من هذه الإمارات استمرارًا لجهود السلطان صلاح الدين الأيوبي المتوفى سنة (٥٨٩ هـ) إثر هزيمته للصليبيين في موقعة حطين سنة (٥٨٣ هـ). بالإضافة إلى الخطر الصليبي كان قد ظهر على الساحة خطر لا يقل خطورة من الخطر الصليبي، ألا وهو غزو المغول لبلاد الإسلام، إذ بعد سقوط بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية على يد هولاكو (٣) عام (٦٥٦ هـ)، وزحْف المغول إلى بلاد الشام واحتلالهم لدمشق عام (٦٥٨ هـ)، ومن ثم محاولة الزحف باتجاه مصر، حيث كان المماليك قد تنبَّهوا لذلك، وخرجوا بجيوشهم لملاقاة المغول في موقعة عين جالوت سنة (٦٥٨ هـ) بقيادة السلطان المملوكي المظفر قطز (٤) ﵀، حيث حقق الله تعالى النَّصر - على يديه، _________ (١) انظر: المماليك البحرية وقضائهم على الصليبين في الشام لشفيق جاسر أحمد (ص ١١٤). (٢) انظر: المماليك البحرية وقضائهم على الصليبين في الشام لشفيق جاسر أحمد (ص ١١١ - ١١٤). (٣) هو: هولاكو بن تولي قان، ملك التتار ومقدَّمهم، كان من أعظم ملوك التتر، وكان شجاعًا حازمًا مدبرًا، ذا همة عالية، وخبرة بالحروب، هلك سنة (٦٦٣ وقيل ٦٦٤ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (١٥/ ١٠٥ رقم الترجمة ١٤٧). (٤) هو: سيف الدين قطز بن عبد الله المُعزّي، كان أكبر مماليك الملك المعز أيبك التركماتي. وكان بطلًا شجاعًا مقدامًا، حازمًا حسن التدبير، صاحب موقعة عين جالوت، وله اليد البيضاء في جهاد التتار، قتل سنة (٦٥٨ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (١٤/ ٨٨٧ رقم الترجمة ٤٥٦).

стр. 422

وبذلك تمكّن المماليك من وقف الزحف المغولي، ومن ثَمَّ بدأوا باسترجاع المدن والإمارات الإسلامية من بين أيديهم حتى تمّ تحرير سائر بلاد الشام من أيدي المغول في عهد السلطان الظاهر بيبرس (١). وبعد ذلك التاريخ دانت بلاد الشام كلها لحكم المماليك، ومنذ ذلك الوقت ارتبط تاريخ الشام بتاريخ مصر في مختلف مظاهر الحياة العسكرية والسياسية والإجتماعية والاقتصادية … والثقافية، وإن ما يحدُث في مصر من حالات ضعف وقوّة يؤثر على الشام إيجابًا وسلبًا. وقد استمرت المناوشات بين المماليك والصليبين وظلَّ المماليك يحققون الإنتصار تلو الانتصار، حتى كان تحقيق أعظم انتصار وهو فتح عكا سنة (٦٩٠ هـ) (٢)، في عهد السلطان الأشرف بن قلاوون (٣). ولكن ما لبث أن عاد الصليبيون في الثلث الأخير من القرن الثامن الهجري وأغاروا على الإسكندرية واحتلوها سنة (٧٦٧ هـ)، وذلك أنهم وصلوا إليها ولم يجدوا بها نائبًا ولا جيشًا ولا حافظًا للبحر ولا ناصرًا، فدخلوها وعاثوا فيها فسادًا، يقتلون الرجال ويأخذون الأموال، ويأسرون النساء والأطفال واستمروا كذلك حتى وصل السلطان والجيش المصري إليها، فهرب الفرنج منها آخذين معهم الكثير من الأموال والخيرات والأسرى (٤). هكذا كان حال الدولة المملوكية في الخارج، دولة قوية منِيعة مُهابَة الجانب، استطاعت الدفاع عن الدين والأرض ضد الأخطار التي هددت المنطقة فأوقفت الزحف المغولي، وقامت بإخراج بقايا فلول الصليبيين من بلاد الشام، وأحرزوا انتصارات باهرة، وما زالت أسماء مواقع عين جالوت سنة (٦٥٨ هـ) (٥)، ومرج _________ (١) هو: بيبرس أبو الفتوح، الملك الظاهر ركن الدين البندقداري الصالحي النجمي، صاحب مصر والشام، وكان على طليعة الجيوش التي حاربت التتار، وجلس على سرير الملك بعد قتل الملك المظفَّر سنة (٦٥٨ هـ) بقلعة الجبل، وكان غازيًا مجاهدًا مرابطًا، خليقًا للملك، لولا ما كان فيه من الظلم والله يرحمه ويغفر له، مات سنة (٦٧٦ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (١٥/ ٣٠٦ رقم الترجمة ٢٨٦). (٢) انظر: أحداث فتح عكا في: المماليك البحرية لشفيق جاسر (ص ١٣٦)، ومصر والشام في عصر المماليك والأيوبين لابن عاشور (ص ٢٠١). (٣) هو: شعبان بن حسين بن الملك النصر محمد بن قلاوون، أبو الفاخر، تسلطن باتفاق الأمير يلبغا وطيبغا على سلطنته بعد خلع ابن عمه الملك المنصور محمد، وكان عمره عشر سنين سنة (٧٦٤ هـ)، وكان مولده سنة (٧٥٤ هـ). انظر: النجوم الزاهرة (١١/ ٢٤). (٤) انظر: تفاصيل هذه الحملة في: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٧٠٥). (٥) انظر: تفاصيل هذه المعركة قي: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٣٩٩).

стр. 423

الصُّفَّر (وقعة شقحب) سنة (٧٠٢ هـ) (١)، وأنطاكية (٦٦٦ هـ) (٢)، وطرابلس، وفتح عكا (٦٩٠ هـ)، حيّة في التاريخ تشهد لهم بالبطولة والشجاعة (٣). أما في الداخل: فقد كان تاريخ المماليك في فترة منه متقلبًا كثير الفوضى والاضطراب، حيث كانت الفتن والاضطرابات والصِّراع على السُّلطة سائد فيه، وكانت صفة العصبية هي البارزة فيه. ولقد عاش ابن المحب معظم حياته في عهد السلطان النَّاصر محمد (٤) في ولايته الثالثة (٧٠٩ - ٧٤١ هـ)، وهو آخر عهد الاستقرار السِّياسي في دولة المماليك البحرية، فبعد وفاته تولى السَّلطنة ثمانية من أولاده خلال السنوات (٧٤١ - ٧٦٢ هـ) (٥)، ومن ثَم خلال العشرين سنة التالية (٧٦٢ - ٧٨٤ هـ) تولى السَّلطنة _________ (١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٢٦). (٢) انظر: أحداث سقوط أنطاكية بيد السلطان بيبرس في: المماليك البحرية لشفيق جاسر (ص ١٣١) وما بعدها. (٣) انظر: تاريخ المماليك لطقوش (ص ٩). (٤) هو: الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون بن عبد الله الصالحي، ولي السلطنة عقب قتل أخيه الأشرف وعمره تسع سنين، فولي السلطنة سنة إلّا ثلاثة أيام، ثم خلع بكتبغا، وكان كتبغا قد جهّز النّاصر إلى الكرك بعد أن حلف له أنه إذا ترعرع وترجّل يفرغ له عن المملكة بشرط أن يعطيه مملكة الشام استقلالًا، ثم أحضر الناصر من الكرك إلى مصر سنة (٦٩٨ هـ) وسلطنوه ثانيًا، واستقرّ بيبرس الجاشنكير وسلّار نائبا في السلطنة، ولم يكن للناصر معهما حكم البتة، وحضر الناصر وقعة غازان، وفي سنة (٧٠٢ هـ) كانت وقعة شقحب وكانت له فيها اليد البيضاء من الثبات والفتك ووقع النصر للمسلمين، وفي سنة (٧٠٨ هـ) استعفى عن السلطنة، وتسلطن بيبرس، ثم في سنة (٩٠٧ هـ) عاد لسلطنته وبنى جوامع ومدارس وخوانق، وكانت سيرته حسنة إلى أن مات سنة (٧٤١ هـ). انظر: شذرات الذهب (٨/ ٢٣٤). (٥) الحكام الذين تولوا السلطنة بعد وفاة الملك الناصر - على الترتيب -: ١/ الملك المنصور أبو بكر بن الناصر محمد: قتل في سنة (٧٤١ هـ)، وله من العمر عشرون سنة. لم يتجاوز حكمه ثلاثة أشهر، إشتهر بالقسوة واتصف بالغطرسة. ٢/ الملك الأشرف كجك: وخلع في نفس العام بعد مرور خمسة أشهر من تنصيبه، وقد ولي السلطنة وعمره خمس أو ست سنين، ثم مات سنة (٧٤٦ هـ). ٣/ الملك الناصر أحمد: نصِّب على سدة الحكم سنة (٧٤٢ هـ) وعمره أربعة وعشرون عامًا، ولم تكن له رغبة في الحكم، ففوَّض إدارة شؤون البلاد إلى وزيريه، وذهب للعيش في الكرك، فخُلع من السلطنة سنة (٧٤٣ هـ). ٤/ الملك الصالح إسماعيل: عمل على إصلاح ما فسد، لكن أخاه أحمد ثار عليه، فأرسل إليه قوة عسكرية حاصرته مدة ثلاث سنوات، قاوم خلالها ببسالة، قبل أن يستسلم نتيجة نفاذ الأقوات وانفضاض أتباعه من حوله، فقُبِض عليه، وقُتل، وبُعث برأسه إلى السلطان، وقد كان السلطان إسماعيل مشغوفًا بالنساء، مما تسبب في فساد الأوضاع، وانخفاض إيرادات الدولة، مات سنة (٧٤٦ هـ) إثر مرض ألمَّ به.

стр. 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . _________ =٥/ الملك الكامل شعبان: تولى سنة (٧٤٦ هـ)، وكان مقبل على اللهو والنساء، وشرب الخمر، فثار عليه يلبغا تنفيذًا لوصية الناصر - وهي: أنه من تسلطن من أولاده ولم يسلك الطريقة المرضية، فجروا برجلة، وملكوا غيره -، واتفق الأمراء والأجناد وأصحاب العقد والحل على خلعه، فخلع وقتل في سنة (٧٤٧ هـ)، وقد تدهورت السلطنة في عهده تدهورًا - خطيرًا نتج عنه انخفاض الدخل، وانتشار الفوضى والفساد. ٦/ الملك الظفر سيف الدين حاجي بن محمد، تولى السلطنة سنة (٧٤٧ هـ)، أقبل على اللهو والشغف بالنساء، وأظهر من الخلاعة وسوء الخلق ما جعل عهده أسوأ من عهود من سبقه، وزاد في عهده الانحلال السياسي، وضربت في عهده موجة من القحط والجفاف أهلكت الحرث والنسل، فقُتل سنة (٧٤٨ هـ) بعد أن حكم مدة سنة وثمانية أشهر. ٧/ السلطان الناصر حسن: رفع لمنصب السلطنة للمرة الأولى سنة (٧٤٨ هـ)، وكان كالمحجور عليه، واستأثر وزيره بالنفوذ في الدولة، حتى قبض عليه وسجنه واستقل بالحكم والسلطان، إلا أن الوزراء استمروا يتدخلون في شؤونه، مما حمله على ملاحقتهم، ولما اشتدت الخلافات تآمروا عليه وخلعوه عن العرش، ونصَّبوا أخاه صلاح الدين (٧٥٢ - ٧٥٥ هـ) وكان لم يتجاوز الرابعة عشر من عمره، ثم اشتد التنافس بين الأمراء فتآمروا على السلطان صلاح الدين وسجنوه، وأعيد السلطان الناصر حسن إلى العرش للمرة الثانية، لكنه لم يتمتع طويلًا حتى قبض عليه الأمير يلبغا سنة (٧٦٢ هـ)، وكانت مدة سلطنته الأولى ثلاث سنين وتسعة أشهر، والثانية ست سنين وسبعة أشهر وأيام، ومات ولم يكمل ثلاثين سنة. ٨/ الملك المنصور صلاح الدين محمد بن المظفّر حاجي بن الناصر محمد: نصبه يلبغا السلطنة سنة (٧٦٢ هـ) وكان فتى في الرابعة عشر من عمره، وهو أول أحفاد الناصر الذين تربعوا على العرش، وكان مسلوب الإرادة، منغمس في اللهو، مال إلى الطرب، وأدمن على شرب الخمر، وظل على حاله إلى أن اتفق الأمراء على خلعه، وظل محجورًا عليه حتى توفي. ٩/ الملك الأشرف شعبان بن حسين بن الملك الناصر: نصبه يلبغا سنة (٧٦٤ هـ) وكان عمره آنذاك عشر سنوات تقريبًا، وحكم مدة أربعة عشر عامًا، وهي أطول مدة حكمها سلطان من أحفاد الناصر محمد، غير أن سيرته اختلفت عن سيرة أسلافه، ظل يلبغا صاحب الحل والعقد، لكن الناس التفوا حول السلطان وتآمروا عليه، ولما علم يلبغا بذلك استدعى الأمير آنون بن الملك الأمجد حسين - أخا الملك الأشرف شعبان - ونصبة سلطانًا، فكان ذلك سببًا في نشوب اصطدامات حامية في شوارع القاهرة انتهت بمقتل يلبغا وهزيمة مماليكه. ثم خلا الجو السياسي للسلطان فاستقرت حالة البلاد نسبيًا في عام (٧٦٩ هـ) وظل الوضع على ذلك حتى عام (٧٧٨ هـ) إذ ثار بعض المماليك على السلطان وكان في طريقه إلى بلاد الحجاز، واستغل أعداؤه في الداخل هذه القفرصة وأعلنوا مقتله، وولَّوا ابنه عليًا مكانه، ولا وصل الأشرف القاهرة تم القبض عليه، وقتل (٧٧٨ هـ). ١٠/ الملك المنصور على بن الأشرف شعبان: تولى السلطة (٧٧٨ هـ) وكان طفلًا في السادسة من عمره، وظهر في عهده الأمير برقوق، مات سنة (٧٨٣ هـ). ١١/ الملك الصالح حاجي بن الأشرف شعبان: ولاه برقوق السلطة عام (٧٨٣ هـ)، وكان عمره ست سنوات، وتقلَّد برقوق منصب الأتابك، ثم أشار عليه مماليكه أن يتبوأ العرش ويحتجب عن الناس وشجعوه وهوَّنوا عليه الأمر، حتى عقد الإجتماع عام (٧٨٤ هـ)، واستقر الرأي فيه على خلع الملك الصالح أمير حاج، وتولية برقوق عرش السلطنة. وهكذا انتهى الحكم القلاووني بعد استمرار دام قرنًا من الزمان، تعاقب خلاله الأبناء والأحفاد على عرش السلطنة المملوكية. وبانتهاء حكم هذه الأسرة انتهت دولة المماليك البحرية.=

стр. 425

أربعة من أحفاده، وقد أدى هذا العدد من السلاطين إلى عدم الاستقرار والفوضى، وترك أثر واضح في نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية (١). ولم يكن للسلاطين في ذلك الوقت إلا مجرد الاسم فقط، وليس لهم من الأمر شيء، ذلك لصغر سنِّهم وضعف حيلتهم، فكان السلطان آلة في السلطنة، والمتصرف الحقيقي فيها هم الأمراء. وهكذا ظل حال هؤلاء السلاطين ألعوبة في أيدي الأمراء، وإذا ما حاول أحدهم التمرُّد عليهم أو التخلص من نفوذهم كانوا لا يتورَّعون عن عزلهم بل وقتلهم أحيانًا، فقد قتل أربعة من السلاطين أبناء قلاوون على أيدي بعض الأمراء. وأما بقية السلاطين فقلّما تجد واحدًا منهم ترك الحكم بنتيجة طبيعية كالوفاء مثلًا، بل كانوا يعُزلون ويولُّون تبعًا لرغبات وأهواء الأمراء، دون النظر إلى أدنى مصلحة للبلاد أو العباد. وفي عصر السلاطين الصغار - من أحفاد الناصر محمد بن قلاوون - بدأ بروز أمراء البرجية أو الجراكسة - وهو الأمير برقوق (٢) - الذي استطاع الوصول إلى منصب أتابك العسكر سنة (٧٨٠ هـ)، وبذلك أصبح برقوق على جانب كبير من القوة في عهد السلطان علاء الدين (٣) الذي لم يتجاوز عمره ست سنوات. وبعد وفاته عيّن برقوق أمير حاجي (٤) - حفيد الناصر محمد سنة (٧٨٣ هـ) وكان عمره وقتئذ إحدى عشرة سنة، فكان برقوق هو المتحكم في أمور الدولة، ثم بعد سنة ونصف من حكم أمير حاجي، عقد _________ =انظر: شذرات الذهب (٨/ ٢٣٦)، وتاريخ المماليك لطقوش (ص ٣٠١ - ٣١٢). (١) انظر: مصر والشام في عصر المماليك والأيوبين لابن عاشور (ص ٢١٧) وما بعدها. (٢) هو: السلطان الظاهر أبو سعيد سيف الدين برقوق بن آنص العثماني الجاركسي، كان من مماليك يلبغا العمري، ولما قتل يلبغا حبس مدة طويلة، ثم أفرج عنه، وطلبه الملك الأشرف وصار بخدمة أولاده، ولم يزل على ذلك حتى ثار من ثار من مماليك يلبغا على الملك الأشرف، سنة (٧٧٨ هـ) وقتل الأشرف، ثم حدثت وقائع، حتى صار برقوق أتابك العسكر من سنة (٧٧٩ - إلى ٧٨٢ هـ)، ووقعت وقائع بعد ذلك، حتى صار سلطان البلاد سنة (٧٨٤ هـ)، ومات سنة (٧٨٦ هـ). انظر: النجوم الزاهرة لابن تغري بردي (١١/ ٢٢١). (٣) هو: السلطان الملك المنصور علاء الدين علي ابن السلطان الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر محمد بن قلاوون، تسلطن في حياة والده، ثم جددوا له البيعة بعد مقتل والده الملك الأشرف سنة (٨٧٨ هـ) ومات (٧٨٣ هـ). انظر: النجوم الزاهرة (١١/ ١٤٨). (٤) هو: السلطان الملك الصالح أمير حاج ابن السلطان الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر محمد بن قلاوون، تسلطن بعد وفاة أخيه الملك علاء الدين علي سنة (٧٨٣ هـ)، وبعد سنة وسبعة أشهر خلع من السلطنة، واستمر عند أهله بقلعة الجبل إلى أن أعيد للسلطنة ثانيًا بعد خلع الملك الظاهر برقوق سنة (٧٩١ هـ)، وتغير لقبه إلى الملك المنصور. انظر: النجوم الزاهرة (١١/ ٢٠٦).
следующие страницы →