← Акыда

Акыда · id 132403

صفات رب العالمين - رسائل جامعية - ناقص

ابن المحب الصامت

Полный текст (3 288 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قال ابن أبي العز الحنفي - شارح العقيدة الطحاوية -: "ومذهب السَّلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرِّضى والعداوة والولاية والحبِّ والبغفر ونحو ذلك من الصِّفات التي ورد بها الكتاب والسُّنَّة، ومنع التَّأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى" (١). * صفة الضَّحك: صفةٌ من صفاتِ الله الفعليَّة الخبريَّة الثَّابتة له بالسُّنَّة الصَّحيحة. وقد أورد ابن المحب ﵀ في هذه الصِّفة أحاديث عن النبي ﷺ ، ونقل أقوال الأئمة في إثباتها لله . أما الأحاديث: منها حديث قول النبي ﷺ : "جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَأَخبَرَنِي أَنَّ رَبَّكَ عَجِبَ مِمَّا صنَعْتَ بِضَيْفِكَ، -أَوْ ضحِكَ مِمَّا صنَعْتَ بِضَيْفِكَ -" (٢). وأما أقوال العلماء في إثباتها، فقد نقل: ١. قول الإمام أحمد في رواية حنبل عنه: "يضْحَكُ الله ولا نَعْلَم كَيفَ ذَلك" (٣). ٢. وقول أبو معمر الهذلي (٤): منْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لا يَتكلَّمُ وَلا يُبْصرُ - وَلا يَسْمَعُ وَلا يَضْحَكُ وَلا يَعْجَبُ وَلا يَغْضَبُ، فَهُوَ كَافِرٌ بِاللهِ" (٥). وقد أثبت هذه الصِّفة جمع من علماء أهل السُّنَّة حيثوا بوَّبوا لهذه الصِّفة أبوابًا في كتبهم منهم: الإمام ابن خزيمة في كتابه "التوحيد" فقال: باب (ذكر إثبات ضحك ربِّنا ، بلا صفة تصِفُ ضَحِكه جلَّ ثناؤه، لا ولا يُشَبَّه ضَحِكُه بضحك المخلوقين، وضحكهم كذلك، بل نؤمن بأنه يضحك؛ كما أعلم النَّبي ﷺ ، ونسكت عن صفة ضحكه جلَّ وعلا، إذ الله استأثر بصفة ضحكه، لم يطلعنا على ذلك، _________ (١) ابن أبي العز في "الشرح العقيدة الطحاوية" (ص ٢٨٥). (٢) سيأتي تخريجه في قسم التحقيق رقم (٣٠٣). (٣) سيأتي تخريجه قسم التحقيق رقم (٣٢٤). (٤) إسماعيل بن إبراهيم بن معمر بن الحسن الهذلي، أبو معمر القطيعي، ثقة مأمون. خ م س. التقريب (رقم الترجمة ٤١٥). (٥) سيأتي تخريجه في قسم التحقيق رقم (٣٢٥).

стр. 492

فنحن قائلون بما قال النبي ﷺ ، مصَدِّقون بذلك، بقلوبنا منصتون عمَّا لم يبين لنا مما استأثر الله بعلمه) ا. هـ (١). وكذلك أبو بكر الآجري في "الشريعة" حيث قال: باب الإيمان بأن الله يضحك: اعلموا - وفقنا الله وإياكم للرشاد من القول والعمل - أنَّ أهل الحق يصفون الله بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، وبما وصفه به الصحابة ﵁. وهذا مذهب العلماء مِمَّن اتّبع ولم يبتدع، ولا يقال فيه: كيف؟ بل التسليم له، والإيمان به؛ أنَّ الله يضحك، كذا روي عن النبي ﷺ وعن صحابته ﵃، فلا ينكر هذا إلا من لا يحمد حاله عند أهل الحق) ا. هـ (٢). * صفة العُجب: صفةٌ من صفاتِ الله الفعليَّة الخبريَّة الثابتة له بالكتاب والسُّنَّة. أما ورودها في الكتاب: ففي قول الله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ [الصافات: ١٢]: على وجه القراءة بالضم (٣). وأما في السُّنَة فقد ورد غير حديث "إنَ اللهَ يَعْجَبُ" وَ"عَجِبَ رَبُّنَا". منها: قوله ﷺ : "إنَّ اللهَ ليعجب من الرَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فيَدْخُلان الجنَّة" (٤) وَقوله ﷺ : "عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلَاسِل" (٥). قال ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى": "فصلٌ: وأما قوله: "التَّعجب استعظام للمتعجب منه". فيقال: نعم. وقد يكون مقرونًا بجهل بسبب التعجب، وقد يكون لما خرج عن نظائره، والله تعالى بكل شيء عليم. _________ (١) التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٥٦٣). (٢) الآجري في "الشريعة" (٢/ ١٠٥١). (٣) وهي قراءة الإمامين: حمزة والكسائي. كما سيأتي في كلام المصنِّف ﵀. (٤) سيأتي تخريجه في قسم التحقيق رقم (٢٩٩). (٥) سيأتي تخريجه في قسم التحقيق رقم (٢٩٥).

стр. 493

فلا يجوز عليه أن لا يعلم سبب ما تعجب منه؛ بل يتعجب لخروجة عن نظائره تعظيما له. والله تعالى يعظم ما هو عظيم؛ إما لعظمة سببة أو لعظمته. فإنه وصف بعض الخير بأنه عظيم. ووصف بعض الشرِّ. بأنّه عظيم فقال تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [سورة لقمان:١٣] ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ [الصافات: ١٢] على قراءة الضم فهنا هو عجب من كفرهم مع وضوح الأدلة (١). * صفة الغَضَب: صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله بالكتاب والسُّنَّة. وقد أطال ابن المحب ﵀ في الاستشهاد لهذه الصِّفة من الكتاب والسُّنَّة. وبوَّب لها بابًا فقال: (باب إثبات الغضب لله). ومن هذه الأدلة: قول الله تعالى: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [سورة الممتحنة:١٣]، ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ [سورة طه: ٨١]، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ (٧)﴾ [سورة الفاتحة: ٧]، ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا (٩)﴾ [سورة النور: ٩] ومن السُّنَّة قوله عائشة قالت: "مَنْ أَرْضَى اللهَ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ النَّاسَ، وَمَن أسَخَطِ اللهِ بِرْضَا النَّاسَ وَكَّلَهُ اللهُ إِلَى النَّاس" (٢). وقوله ﷺ : "اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلوا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ حِينَئِذٍ يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِه" (٣)، وَ "اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَبِيلِ اللهِ" (٤). * الكلام والصَّوت والحرف: صفة الكلام: صفةٌ من صفاتِ الله الاختيارية الثَّابتة له بالكتاب والسُّنَّة. _________ (١) ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٦/ ١٢٣). (٢) سيأتي تخريجه في قسم التحقيق رقم (١٥٧). (٣) سيأتي تخريجه في قسمم التحقيق رقم (١٥٩). (٤) سيأتي تخريجه في قسم التحقيق رقم (١٦٠).

стр. 494

وهي صفة ذاتيةٌ فعليةٌ باعتبارين، فإنه باعتبار أصلها صفةٌ ذاتيةٌ، لأنَّ الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلمًا، وباعتبارآحاد الكلام صفةٌ فعليةٌ، لأن الكلام يتعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء بما شاء، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [سورة يس: ٨٢] (١). * ومن اعتقاد السَّلف في كلام الله تعالى أنَّه بصوت، وقد قامت الدَّلائل القواطع على إثباته، وهو كسائر صفاته تعالى، كما أنها لا تشبه صفات المخلوقين، فصوته تعالى لا يشبه أصواتهم. وقد عنون الإمام ﵀ بابًا بعنوان (ذكر الصَّوت) وذكر فيه الأدلة على إثبات كلام الله تعالى بصوت منها: ١ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁: قال رسول الله ﷺ : "يَقُولُ اللهُ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُك أَنْ تخرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ" (٢). ٢ - حديث عبد الله بن أُنيس الأنصاري ﵁: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يَحْشُرُ اللهُ الْعِبَادَ"، أَوْ قال: "يَحْشُرُ اللهُ النَّاسَ"، قال: وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّامِ عُرَاةً غُرْلا بُهْمًا، قُلْتُ: مَا بُهْمًا؟ قال: "لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ"، قال: "فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ، كَمَا يَسْمَعُهُ مَن قَرُبَ: أَنَا الملِكُ أَنَا الدَّيَّانُ" (٣). وهذا الحديث صريح في إثبات كلام الرَّبِّ تعالى بصوتٍ، وقد احتجَّ به على ذلك إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري ﵀، فقال: "وإنَّ اللهَ يُنادي بِصَوتٍ، يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ، فَلَيْسَ هَذَا لِغَيْرِ اللهِ جلَّ ذِكْرُه، وقي هذا دليل أنَّ صَوْتَ اللهِ لا يُشْبِهُ أصْواتَ الخَلْق، لأنَّ صَوْت الله جلَّ ذكره يُسْمَع مِنْ بُعْدٍ كما يُسْمَعُ مِن قُرْبٍ .. " (٤). _________ (١) ابن عثيمين في "القواعد المثلي" (ص ٢٥). (٢) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (٧٤٨٣)، وسيأتي في قسم التحقيق برقم (٦٥٧). (٣) أخرجه البخاري تعليقًا في كتاب باب قوْلِ اللهِ: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (٩/ ١٤١)، وسيأتي في قسم التحقيق برقم (٦٦٧). (٤) البخاري "خلق أفعال العباد" (١٤٩).

стр. 495

٣ - وحديث أبي هريرة ﵁: أن نبي الله ﷺ قال: "إِذَا قَضَى اللهُ الَأمْرَ فِي السَّمَاءِ ضرَبَتِ الملائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فـ ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سورة سبأ: ٢٣] … " (١) .. وغيرها من الأدلة التي ذكرها المصنِّف - رَحَمَة اللهُ -، وهي كافية في إثبات صفة تكلّم الرَّبّ تعالى بصَوْت، ونُمِرُّ ذلك كما جاء، فلا نكيِّفُه، ولا نُشبِّهُه بصوتِ المخلوق (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "واستفاضت الآثار عن النَّبي ﷺ والصَّحابة والتَّابعينَ ومن بعدهم مِنْ أئمة السُّنَّة أنَّه سبحانه ينادِي بصوتِ: نادى موسى، وينادي عباده يوم القيامة بصوتٍ، ويتكلم بالوحي بصوتٍ، ولم يُنقل عن أحدٍ من السَّلف أنَّه قال: إنَّ الله يتكلم بلا صوتٍ أو بلا حرفٍ، ولا أنَّه أنكر أنَّ الله يتكلم بصوتٍ أو بحرفٍ" (٣). * ومن اعتقاد السَّلف أيضًا أنَّ كلامَه سبحانه مؤَلَّف من الحُروف، ولكنَّ بعض أهل البدع نازع في إطلاق لفظ (الحرف) وأنَّه يحتاج إطلاقه إلى دليل .. وقد أورد الإمام ابن المحب ﵀ الحجج على صحة إطلاق هذه التسمية من السُّنَّة وآثار السَّلف، ومن ذلك: ١ - حديث ابن عباس ﵁: قال: بَيْنَما جِبْريلُ قاعدٌ عِنْد النَّبيّ ﷺ ، سَمِعَ نقِيْضًا مِنْ فَوقِه فَرَفَع رَأْسَهُ، فقال: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَؤمَ لم يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فقال: هَذَا مَلَك نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنزِلْ إِلَّا الْيَوْمَ، _________ (١) رواه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾، وباب ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ (٤٨٠٠) وَ (٤٧٠١). وسيأتي في قسم التحقيق برقم (٦٥٨). (٢) للاستزادة: انظر: قسم التحقيق، والجديع في "العقيدة السِّلفية في كلام رب البرية (ص ١٦٩). (٣) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥).

стр. 496

فَسَلَّمَ، فقال: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتيتَهُمَا لَمْ يُؤْتهمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَمْ تَقْرَأْ بِحَرْفٍ مِنْهَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ" (١). ٢ - وحديث عبد الله بن مسعود ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ ﴿آلم (١)﴾ حَرْف، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ" (٢). * وقد ذكر المصنِّف ﵀ أقوال السَّلف والأئمة على كون القرآن من كلام الله تعالى وهو صفة من صفاته، وأنَّه غير مخلوق كسائر صفاته . وذكر منها: ١ - قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، فَقَدِ افْتَرَى عَلَى اللهِ، وَقَالَ عَلَيه مَا لَمْ تَقُلْهُ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارَى" (٣). ٢ - قول هارون بن معروف: "مَنْ زَعَمَ أنَّ القُرآنَ مخلوق فكأنَّما عَبَد اللَّات والعُزَّى" (٤). ٣ - قول هارون المستملي: "من قال إنَّ القرآن مخلوق فهو واللهِ كافر" (٥). وقد ساق الإمام أبو القاسم اللالكائي في كتابه "شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة" القول بذلك عن خمسِ مئةٍ وخمسين نفسًا من علماء الأمة وسلفها، كلُّهم يقولون: "القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، ومن قال: مخلوق، فهو كافرٌ" (٦). فقال ﵀: "فَهَؤُلَاءِ خَمْسُ مِائَةٍ وَخَمْسُونَ نَفْسًا أَوْ أَكْثَرُ مِنَ التَّابِعِينَ، وَأَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، وَالْأَئِمَّةِ المرْضيِّينَ، سِوَى الصَّحَابَةِ الْخَيِّرِينَ، عَلَى اخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ وَمُضِيِّ، السِّنِينَ وَالْأَعْوَامِ. وَفِيهِمْ نَحْوٌ مِنْ مِائَةٍ _________ (١) سيأتي تخريجه في قسم التحقيق رقم (٣٢٩). (٢) سيأتي تخريجه في قسم التحقيق رقم (٣٣٤). (٣) انظر: قسم التحقيق رقم (٣٦٣). (٤) انظر: قسم التحقيق رقم (٣٥٩). (٥) انظر: قسم التحقيق رقم (٣٦٠). (٦) انظر: كتاب العقيدة السَّلفية للجديع (ص ١٤٦).

стр. 497

إِمَامٍ مِمَّن أَخَذَ النَّاسُ بِقَوْلِهِمْ وَتَدَيَّنُوا بِمَذَاهِبِهِمْ، وَلَوِ اشْتَغَلْتُ بِنَقْلِ قَوْلِ الْمُحَدِّثِينَ لَبَلَغَتْ أَسْمَاؤهُمْ أُلُوفًا كَثِيرَةً" (١). * ومن اعتقاد السَّلف أيضًا أنَّ القرآن كلام الله تعالى منه خرج وبدأ، وتكلَّم به بحروفه ومعانيه، فأسمعه جبريل ﵇، ونزلى به جبريل على قلب نبينا ﷺ ، وهو هذا اللسان العربي المبين، النَّازل بلغة قريش (٢). والتنصيص هذه العقيدة مأثور عن جماعة من أئمة السَّلف، منهم: ١ - سفيان الثوري .. قال: "القرآنُ كلامُ الله غيرُ مَخلوقٍ، منه بَدَأ وإليه يعودُ، مَنْ قال غيرَ هذا فهو كُفْرٌ". ٢ - الإِمام أحمدُ بن حنبل .. قال: "لقيتُ الرِّجالَ، والعُلَماءَ، والفُقَهاءَ بمكَّةَ، والمَدينةِ، والكُوفةِ، والبَصْرةِ، والشامِ، والثُّغورِ، وخُراسانَ، فرأيتُهم على السُّنَّة والجَماعَة، وسألتُ عنها - يعني هذه اللفظة - الفُقَهاءَ؟ فكلٌّ يقولُ: القرآنُ كلامُ الله غيرُ مَخْلوق، منه بدَأ، وإلية يعودُ" (٣). ٣ - شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: قال: "وأنَّ القران كلام الله بجميع جهاته منزَّل غير مخلوق ولا حرف منه مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، قال عبد الله بن المبارك: "من كفر بحرف من القرآن فقد كفر، ومن قال: لا أؤمن بهذه اللام فقد كفر" (٤). وقد أطال الإمام ابن المحب ﵀ في ذكر الأدلة من السُّنَّة على اثبات هذه الصِّفة، في باب (ما ورد في الأصْواتِ والحُروف)، ونقل في هذا الباب كثيرًا من الأحاديث التي ذكرها ابن مندة في كتابه "الرَّد على من يقول آلم حرف" حتى يكاد أن يقال أنَّه نقل جميع مروياته في هذا الكتاب. _________ (١) اللالكائي "شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة" (٢/ ٣٤٤). (٢) للاستزادة: انظر: العقيدة السَّلفية في كلام رب البرية لعبد الله الجديع (ص ١٩٣). (٣) للاستزادة: انظر: العقيدة السَّلفية في كلام رب البرية لعبد الله الجديع (ص ١٩٣). (٤) ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٤/ ١٨٢).

стр. 498

ثم ختم ابن المحب ﵀ هذا الباب بذكر أقوال علماء أهل السُّنَّة والجماعة في صفة الكلام، فذكر قول شميخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقول الإمام أحمد، وسؤال أبي بكر المروذي للإمام أحمد، وجزء من قصيدة أبي الحسن الكُرجي (١) التي نظمها على مذهب أهل السُّنَّة والحديث. وهذه الأقوال هي خلاصة مذهب أهل السُّنَّة والجماعة في اثبات صفة الكلام، فقد قال: "وبالجُملة: فلا رَيْبَ أنَّه قَد ثَبَتَ بالكِتَاب والسُّنَّة وإجماع السَّلف: أنَ اللهَ تكلَّم بالقُرآن بِحروفِه ومَعَانيه، بصَوتِ نَفْسه، ونادى موسَى بصوتِ نَفسِه، وأنَّ صوتَ الرَّبّ لا يماثِل أصوات العِباد، كما أنَّ علمَه لا يماثِل علمَهُم، وقدرته لا تماثل قُدْرَتَهم، وأنَّه بائنٌ عن مخلوقاتِه بذاتِه وصفَاتِه، وقد نصر على ذلك أَئمَّة الإِسْلام أحمد ومَنْ قبله مِن الأَئمَّة، فالصَّوت المسْمُوع من العَبد صوتُ القَارئ، والكلامُ كلامُ البارِئ" (٢). وقال أيضًا: "وَجُمْهُور الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ كَلَامُ اللهِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ اللهُ بِهِ بِحَرْفِ وَصوْتٍ، فَقَالُوا: إنَّ الْحُرُوفَ وَالْأَصوَاتَ قَدِيمَةُ الْأَعْيَانِ أَوْ الْحُرُوفُ بِلَا أَصْوَاتٍ، وَإِنَّ الْبَاءَ وَالسِّينَ وَالْمِيمَ مَعَ تَعَاقُبِهَا فِي ذَاتِهَا فَهِيَ أَزَلِيَّةُ الْأَعْيَانِ لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ" (٣). * صفة المَحَبَّة: صفةٌ فعليَّةٌ اختيارية، ثابتةٌ بالكتاب والسُّنَّة. وقد بوَّب ابن المحب ﵀ لهذه الصِّفة: (باب قول الله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. وأطال في اثبات هذه الصِّفة فجمع فيها الأدلة من الكتاب والسُّنَّة حتى جاوزت (٥٠) دليلًا. ومن هذه الأدلة: قول الله تعالى: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ [التوبة: ١٠٨]، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ [آل عمران: ١٤٦]، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣]، ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. _________ (١) محمد بن عبد الملك بن محمد الكرجي، أبو الحسن، من علماء السَّلف، ستأتي ترجمته في قسم التحقيق بعد حديث رقم (٦٧٢). (٢) سيأتي في قسم التحقيق بعد حديث رقم (٦٧٠). (٣) ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٥/ ٥٥٦).

стр. 499

وقول النبي ﷺ : ": يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ" (١). وقوله ﷺ إنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا قال لجِبْرِيلَ: إِنِّي أُحبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فيقُول جِبْرِيلُ لأهل السَّمَاءِ: إِنَّ ربكم يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، قال: فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ويُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ في الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ فمثلُ ذَلك" (٢). وغيرها من الأدلة. قال ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى": "فإن الكتاب والسُّنَّة وإجماع المسلمين: أثبتت محبة الله لعباده المؤمنين، ومحبتهم له، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] وقوله ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. ثم قال: وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين ومحبتهم له وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء ﵇" ا. هـ (٣). _________ (١) سيأتي تخريجه في قسم التحقيق رقم (٢٦٨). (٢) سيأتي تخريجه في قسم التحقيق رقم (٢٦٩). (٣) ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢/ ٣٥٤).

стр. 500

المطلب الثَّالث: مسائل متفرقة: * مسألة الأطيط: معنى الَأطِيطُ: نَقِيضُ صَوْتِ المَحامِل والرِّحال. إِذا ثَقُلَ عَلَيهَا الرُّكبان، وأَطَّ الرَّحْلُ والنِّسْعُ يَئِطُّ أَطًّا وأَطِيطًا: صَوَّتَ، وَكَذَلِكَ كلُّ شَيْءٍ أَشبه صَوْتَ الرَحْلِ الْجَدِيدِ (١). قال الذَّهبي في "العلو": "الأطيط الواقع بذات العرش من جنس الأطيط الحاصل في الرَّحل فذاك صفة للرحل وللعرش ومعاذ الله أن نعده صفة لله ثم لفظ الأطيط لم يأت به نص ثابت" (٢). وقال أيضًا: "وليس للأطيط مدخل في الصِّفات أبدًا، بل هو كاهتزاز العرش لموت سعد، وكتفطر السماء يوم القيامة ونحو ذلك". ا. هـ (٣). * مسألة وجود الجنَّة والنَّار: من الأدلة على خلقهما ووجودهما أنَّ الله تعالى قال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣] وقوله تعالى عن النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣١]. قال الطَّحاوي في "عقيدته": "والجنَّة والنَّار مخلوقتان، لا تفْنَيان أبدًا ولا تَبيدان، فإنَّ الله تعالى خلق الجنَّة والنَّار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنَّة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النَّار عدلًا منه، وكل يعمل لما قد فُرغ له، وصائر إلى ما خُلِق له، والخير والشر مُقدَّران على العباد" (٤). قال ابن أبي العز الحنفي: "اتفق أهل السُّنَّة على أنَّ الجنَّة والنَّار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل على ذلك أهل السُّنَّة، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية، فأنكرت ذلك، وقالت: بل ينشئهما الله يوم _________ (١) ابن منظور في "لسان العرب" (٧/ ٢٥٦). (٢) الذهبي في "العلو" (ص ٤٥). (٣) الذهبي في "العلو" (ص ١٠٧). (٤) الطحاوي في "العقيدة الطحاوية" (ص ٦١٤).

стр. 501

القيامة!! وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا!! وقاسوه على خلقه في أفعالهم، فهم مشبِّهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطِّلة! وقالوا: خَفق الجنَّة قبل الجزاء عبث! لأنها تصير معطلة مُددًا متطاولة!! فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى، وحرَّفوا النُّصوص عن مواضعها، وضلَّلوا وبدَّعوا من خالف شريعتَهم" (١). * مسألة الكرسي والعرش: ذكر ابن المحب ﵀ الأقوال الواردة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥]، منها: تفسير ابن عباس: "الكرسي: مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَلَا يُقَدَّرُ قَدْرَ عَرْشِهِ" (٢). قال عبد الرزاق: "الكُرسي موضِعُ القَدَمين، ولا يقدر قَدْرَه أحد" (٣). قول سعيد بن جبير: "الكُرْسِي موضِع القَدَمَين" (٤). ونقل قول يحيى بن معين أنَّه قال: شهدت زكريا بن عدي سأل وكيعًا فقال: "يا أبا سفيان هذه الأحاديث - يعني مثل: "الكُرسي موضع القدمين، ونحو هذا -؟ فقالى وكيع: "أدْرَكنا إسماعيل بن أبي خالد، وسفيان، ومُسعرًا يحدِّثون بهذه الأحاديث ولا يفسِّرون شيئًا" ا. هـ (٥). وقد أجمع علماء السَّلف على وجود العرش، وثبوت الكرسي. وقد نقل هذا الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: "العرش موجود بالكتاب والسُّنَّة وإجماع سلف الأمَّة وأئمتها، وكذلك الكرسي ثابت بالكتاب والسُّنَّة وإجماع جمهور السَّلف" (٦). وقال الطحاوي ﵀ في "عقيدته": الكرسي والعرش حقٌّ" (٧). _________ (١) الطحاوي في "العقيدة الطحاوية" (ص ٦١٤ - ٦١٥). (٢) سيأتي تخريجه في قسم التحقيق رقم (٥٥). (٣) سيأتي تخريجه في قسم التحقيق رقم (٥٦). (٤) سيأتي تخريجه في قسم التحقيق رقم (٥٧). (٥) سيأتي تخريجه في قسم التحقيق رقم (٥٨). (٦) ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٦/ ٥٨٤). (٧) الطحاوي في "العقيدة الطحاوية" (ص ٣٦٤).

стр. 502

المبحث الرابع مَنْهَج التّحْقيق

стр. 503

المبحث الرابع مَنْهَج التّحْقيق كان عمل الباحثة في هذا التحقيق، هو منهج النسخة الأم؛ وذلك لأن هذا المخطوط هو بخط المؤلف، ولا يوجد للكتاب - بعد البحث والتنقيب - أي نسخة أخرى، وكان منهج التحقيق كالتالي: ١ - المحاولة بكل ما في الإمكان لإخراج النِّصوص على الصورة الصحيحة التي كتبها المؤلف. وذلك بالمقابلة بين النسخة الموجودة والرجوع إلى أصول النصوص المذكورة في الكتاب، ومقابلتها بأصولها التي أخذت منها، فالمصنف غالبًا ما يذكر مصدر المعلومة التي أوردها، ففي حال وجود المصدر أرجع إليه وأقابله بالمخطوط. ومن الاجتهاد في قراءة النصوص المحاولة في الرجوع إلى المصادر الأخرى من الكتب المعنية بالموضوع، فمثلًا في الاستنباطات اللغوية رجعت إلى كتب اللغة، وفي أسماء الرجال رجعت إلى كتب التراجم، وفي الأحاديث إلى كتب الحديث، وهكذا إلى أن تمّ قراءة النص. ٢ - تقويم النص المخطوط، بما في الأصول المقتبس منها النص وجعل التصويب بين معكوفتين، مع الإشارة إلى ذلك في الحاشية. ٣ - استخدام قواعد الإملاء والعلامات البيانية المستعملة للكتابات في العصر - الحاضر - كما أني اصطلحت لنفسي. على البعضر منها فأضع الآيات القرآنية بين قوسين مزهرين ﴿﴾، والأحاديت النبوية والآثار بين قوسين مزدوجين " ". ٤ - تصحيح الأخطاء القرآنية التي قلّ ما ترد والإشارة إلى ذلك في الهامش. ٥ - الإشارة إلى بداية كل صفحة من المخطوط، وذلك بوضع خط مائل (/) قبل الكلمة الأولى من أولى كل صفحة، وكتابة رقم اللوحة والوجه في محاذاتها في الهامش بهذا الشكل (٢٢٧/ ب)، فالرقم يشير إلى رقم اللوحة، والحرف يشير إلى أحد وجهي اللوحة. والمقصود منه تسهيل الرجوع إلى الأصل لمن أراد الرجوع إليها. ٦ - ترقيم الأبواب والفصول ترقيمًا تسلسليًا. ٧ - ترقيم الأحاديث والآثار بأرقام تسلسلية أيضًا.

стр. 504

٨ - كتابة الآيات القرآنية الواردة في النص بالرسم العثماني، وفق المصحف المضبوط على رواية حفص عن عاصم، إلا في الموضع التي أورد المصنف فيه قراءة أخرى فإني ضبطته على تلك القراءة - وقد ورد في قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ [الصافات: ١٢]- مع عزو الايات القرآنية إلى مواضعها من القرآن الكريم بذكر اسم السورة ورقم الآية، وجعل العزو في المتن بين معكوفتين []. ٩ - تخريج الأحاديث والآثار الواردة في النَّص، من كتب السُّنَّة المختلفة .. وسأفصِّل فيها كما سيأتي. ١٠ - توثيق النُّقولات التي أوردها المصنّف من الكتب التي عزى إليها - إن كانت مطبوعة -. ١١ - صياغة عناوين جانبية للنص، في الهامش الأيسر من النَّص المحقق، مع مراعاة الإيجاز فيها. ١٢ - ترجمة الأعلام الوارد ذكرهم في النَّص. وسيأتي تفصيلها. ١٣ - بيان الغريب من ألفاظ الحديث، وذلك بالرجوع إلى "النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير" غالبًا، وإلى "لسان العرب لابن منظور" فإن لم أجد رجعت إلى غيرها وهو النادر. ١٤ - التَّعريف بالبلدان والأماكن - سوى المشهورة منها - مع العزو إلى المراجع القديمة والحديثة. ١٥ - التَّعليق على بعض المواضع العقدية، واستخراج بعض الفوائد العقدية من الأحاديث الصَّحيحة الواردة في النَّص. ١٦ - تذييل الكتاب بوضع فهارس تخدم البحث. * عملي في التراجم: ١. ترجمت للأعلام غير المشهورين الوارد ذكرهم في متن الكتاب. ٢. ضبطت الأسماء والأنساب التي تحتاج إلى ذلك. ٣. اقتصرت في الحكم على الرِّجال على ما في "التقريب" إلا إذا لم أجده فيه فإني أنقل عن غيره مقدمةً أقوال الخطيب والذهبي وابن حجر، مع مراعاة الإيجاز في تراجمهم والاعتناء بذكر وفياتهم. ٤. قد أبقيت على الرّموز التي استعملها الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابه التَّقريب، وقد بين مراده منها في بداية كتابه. ٥ - إذا تكرر اسم العلم مرة أخرى أحيل إلى الموضع الأول مع توضيح الاسم إن كان مبهمًا، وأحيانًا أشير لاسم الرَّاوي في تخريج الحديث خشية الإطالة.

стр. 505

* عملي في تخريج الأحاديث النبوية والآثار ما يلي: أولًا: قمت بترقيمها متسلسلة. ثانيًا: قمت بتخريج الأحاديث النبوية والآثار الموقوفة والمقطوعة من الكتب التي عزى إليها المصنف أولًا، وغالبًا أعقبها بغيرها من الكتب التي خرّجته: أ. إذا كان الحديث في الصَّحيحين أوفي أحدهما فإني أكتفي بالعزو إليهما - أحيانًا -، مع ذكر اسم الكتاب والباب ورقم الحديث. ب. إذا لم يكن الحديث في الصَّحيحين فإني أخرج الحديث من كتب الحديث المشهورة، بذكر رقم الحديث فقط. ثالثًا: إذا تعذّر عليّ تخريجه من الكتاب المعزو إليه - لفقده أو فقد جزء منه أو لعدم وجوده فيه - خرَّجته من غيره، إلا إذا لم أقف عليه وهو قليل. رابعًا: إذا كان الحديث في غير الصحيحين فإني أبحث عن أحكام العلماء الذين حكموا على هذا الحديث وأذكرها عقب الحديث. خامسًا: اكتفيت في الحكم على الحديث بنقل أحكام العلماء الذين حكموا عليه - غالبًا -. سادسًا: قصدت جمع طرق الحديث أو الأثر عند ذكر المصنِّف لعدد من رواة الحديث، أو اكتفائه بذكر اسم الراوي من الصحابة. * الرموز المستعملة في الرسالة: التقريب: تقريب التهذيب لابن حجر، السير: سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي، النهاية: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، الحلية: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم، الكبرى: للسنن الكبرى سواء كانت للنسائي أو للبيهقي، الكبير: المعجم الكبير للطبراني، والأوسط لمعجمه الأوسط، والصغير لمعجمه الصغير، والصحيحة: سلسلة الأحاديث الصمحيحة للألباني، والضعيفة: سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني، الكامل: الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي.

стр. 506

إذا أطلقت الرِّواية للبخاري فهي في كتابه "الصحيح"، وابن ماجة وأبي داود فهي في "السنن"، وللإمام أحمد والبزار والطيالسي فهي "المسند"، وابن خزيمة وابن حبان فهي في "الصحيح"، والحاكم: فهي في "المستدرك على الصحيحين". وهكذا.

стр. 507

صورة غلاف مخطوط كتاب "صفات رب العالمين" لمحمد بن عبد الله بن المحب الصامت ﵀

стр. 508

صورة اللوح رقم (٢٢٣) وهي بداية الجزء المحقق من كتاب "صفات رب العالمين" لابن المحب الصامت.

стр. 509

صورة اللوح رقم (٣٠٤) وهي نهاية الجزء المحقق من كتاب "صفات رب العالمين" لابن المحب.

стр. 510

صورة اللوح رقم (٤٦٩) وهي آخر لوحة من كتاب "صفات رب العالمين" لابن المحب الصامت.

стр. 511

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة أم القرى كلية الدعوة وأصول الدين قسم العقيدة كتاب صفات رب العالمين لابن المحب الصامت (٧١٢ هـ - ٧٨٩ هـ) من باب قول النبي ﷺ : "قَدرَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ". وقول الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ إلى باب الوباء والفناء دراسة وتحقيق رسالة مُقدّمة لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الماجستير في العقيدة دراسة وتحقيق الطالبة: إنعام بنت عبد العزيز قائد المنصور. الرقم الجامعي: ٤٣٢٨٠٤٤١ إشراف: د. هشام بن إسماعيل الصيني الأستاذ المشارك بقسم العقيدة كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى المجلد الأول ١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م

стр. 512

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 513

المُقدِّمة

стр. 514

- أ - ملخّص الرِّسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذا البحث هو تحقيق لجزء من: (كتابُ صفاتِ ربِّ العالَمِين لابن المحب الصامت من باب قول النبي ﷺ : "قَدرَ اللهُ مَقَادِيرَ الخلَائِقِ قَبْلَ أَن يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ"، وقول الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾. إلى باب الوباء والفناء). مقدم من الباحثة: إنعام بنت عبد العزيز المنصور، لنيل درجة الماجستير في العقيدة، من كلية الدعوة وأصول الدين، بجامعة أم القرى. موضوع الرسالة: (صفات رب العالمين). وجاءت في مقدمة وقسمين وخاتمة وفهارس. المقدمة: وبيّنت فيها: (أسباب اختيار الموضوع، وأهمية الكتاب، والصعوبات التي واجهت الباحث، والخطة). القسم الأول: الدراسة وتشتمل على فصول ومباحث. الفصل الأول: عصر المصنف: (الحالة السياسية، الحالة العلمية، الحالة الاجتماعية). الفصل الثاني: حياته الشخصية: (اسمه ولقبه، مولده، نشأته العلمية، ثناء العلماء عليه، مذهبه الفقهي، عقيدته، شيوخه، تلاميذه، مؤلفاته، وفاته). الفصل الثالث: التعريف بالكتاب: (اسم الكتاب، وموضوعه، وتوثيق نسبته لمصنفه، وصف النسخة الخطية، ومميزاتها، أبواب الجزء المحقق، مصادر المصنف في الكتاب، الرموز التي استخدمها، ملحوظات على الكتاب، منهج التحقيق). الفصل الرابع: دراسة لأهم موضوعات الكتاب: (مسألة القضاء والقدر، مسألة رؤية الله ، مسألة أشراط الساعة). القسم الثاني: التحقيق. الخاتمة، وتحتوي على أهم النتائج والتوصيات ومن أبرز النتائج: ١ - أهمية كتاب صفات رب العالمين في جمعه للأيات القرآنية، كثير من الأحاديث النبوية، والآثار المهمة، وأقوال السلف في أبواب الاعتقاد. ٢ - يُعد الكتاب من كتب العقيدة المسندة، فغالبًا ما يخرج المصنف الأحاديث من طريقه. ٣ - يُعد الكتاب كنز للباحثين لاحتوائه على عدد من الكتب المفقودة، أو أجزاء منها. ثم ذيلت البحث بالمصادر والمراجع، والفهارس المتنوعة.

стр. 515

- ب - المقدِّمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد: فقد وفقني الله تعالى في الحصول على نسخة مصورة من كتاب "صفات رب العالمين" للإمام شمس الدّين أبي بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن المحب الصامت المقدسي الحنبلي (٧١٢ هـ - ٧٨٩ هـ)، مع مجموعة من الباحثين في قسم العقيدة، والمشاركة في تحقيق جزء منه من باب قول النبي ﷺ : "قَدَّرَ اللهُ مَقَادِيرَ الخلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ". وقول الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان: ٢] إلى باب الوباء والفناء. وكما هو معلوم أن هذه الأبواب قد وقع فيها خلاف بين طوائف الأمة، فأحببت تناول هذا الموضوع على طريقة السلف الصالح؛ حيث أن طريقتهم هي الأسلم والأكمل، فأردت تحقيقه تحقيقًا علميًا كرسالة علمية لنيل درجة الماجستير في قسم العقيدة، وأسأل الله تعالى التوفيق والسداد.

стр. 516

- جـ - * أسباب اختيار الموضوع: ١. قيمة الكتاب العلمية وأهميته في بيان مذهب السلف. ٢. المساهمة - ولو بجهد قليل - في إخراج كتب التراث الإسلامي، وإخراج كنوزه الذي خلفه سلفنا - رحمهم الله تعالى -. ٣. أن هذا المخطوط لم يسبق دراسته وتحقيقه علميًا أكاديميًا. ٤. رغبتي الأكيدة في الاشتغال بعلم التحقيق، إذ أنه يوقف الباحث على علوم متنوعة. ٥. أنه مبني على تأصيل علمي مورده الكتاب والسنة. ٦. أنه يشتمل على نقول لأئمة السلف - أهل السنة والجماعة -، كثير منها إما مفقود لم يصل إلينا، أو ناقص لا يوجد منه إلا جزء منه. ٧. أن هذا المخطوط يعتبر مصدرًا مهمًا من كتب أهل السنة في الاعتقاد، لما فيه من الآثار المسندة الكثيرة، والتحقيقات العلمية. * الدراسات السابقة: عند البحث عن الدراسات الأكاديمية السابقة لكتاب "صفات رب العالمين لابن المحب الصامت - رحمه الله تعالى -"، فإني لم أجد أحدًا قام بتحقيقه ودراسته ونشره علميًا وأكاديمًا، وقد شاركني في تحقيق أجزاء هذا الكتاب عدد من الباحثين وبيانهم كالتالي: ١/ الباحث: صقر بن حسن الغامدي، من أول الكتاب إلى (باب خلق الملائكة والجن والحور العين والروح). ٢/ الباحث: فواز بن فرحان الشمري، من (باب الرزق)، إلى نهاية (باب نزول الله جلَّ ثناؤه يوم القيامة). ٣/ الباحثة: أمامة بنت محمد المهدي، من (باب ما ذكر في الساعد والذراع والباع والراحة والكتف والصدر)، إلى (ذكر الصوت). ٤/ الباحث: جابر بن عقيل العبدلي، من (باب الجمع بين الخوف والرجاء) إلى بداية (ما جاء في المصافحة). ٥/ الباحثة: أميمة بنت عيسى المسملي، من (باب البدع والأهواء والظنون) إلى آخر الكتاب.

стр. 517

- د - * أهمية الكتاب: ١. ميّز الله هذه الأمة بـ "الإسناد"، وخصها بذلك على غيرها من الأمم، ومما تميز به هذا الكتاب أنه مليء بالأحاديث والآثار المسندة. ٢. أن مؤلفه الإمام أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن المحب الصامت المقدسي الحنبلي من علماء السلف، وخاصة أنه من تلاميذ شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية "﵀". ٣. أنه بخط مؤلفه، وقد جعله مسودَّة، يضيف إليه ما يراه من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والآثار، وأقوال أهل العلم. ٤. أنه يحتوي على أبواب كثيرة في العقيدة من صفات الله تعالى، والقدر، وأحاديث الرؤية، وأشراط الساعة، والفتن، وأحاديث الخوارج، وغيرها. ٥. أنه ينقل كثيرًا من كتب أئمة أهل السنة ومنها ما هو مخطوط، ومنها ما هو مفقود كله، أو أجزاء منه. ٦. ومما يعزز من قيمة الكتاب نقله لأقوال العلماء في الحكم على الحديث أحيانًا، وكذلك جمعه لطرق الحديث وذكره للمتابعات والشواهد في بعض الأحاديث، كما أنه يخرج بعض الأحاديث بدقة عجيبة من الأجزاء الصغيرة والمجالس والأمالي ونحوها. * الصعوبات التي واجهت الباحث: هناك عدد من الصعوبات التي واجهتني أثناء التحقيق، ويمكن إيجازها فيما يلي: ١. أن الكتاب مسودَّة للمؤلف، يضيف إليه بين الحين والآخر ما يراه من الآيات والأحاديث والآثار. ٢. أنه مليء بالهوامش التي يصعب قراءتها وتحديد مكانها، مما يجعلني أقرأ اللوح أكثر من مرة، وقد أحتاج أحيانًا إلى تخريج ما في اللوح حتى أضع الهوامش في مكانها الصحيح. ٣. وجود خلل في ترتيب بعض الألواح، مما جعلني أواجه صعوبة كبيرة في التوفيق بينها، ثم إني اجتهدت في تقديم بعضها على بعض لمناسبتها للأبواب أو الأحاديث المذكورة، ونحوه. ٤. التداخل الذي يوجد بين الأسطر مما جعلني أقف محتارةً في تمييز بعضها عن بعض. ٥. صعوبة خط المؤلف رحمه الله تعالى، وذلك راجع للأسباب التالية: أ - قلة الإعجاب لدرجة يصعب معها قراءة الكلمة، أو الكلمات، لاحتمالها عدة أوجه.

стр. 518

- هـ - ب - وصل بعض الكلمات مع كلمات أخرى، مما يحصل معه الاشتباه والخطأ عند قراءتها. ٦. ضعف التصوير في بعض ألواح المخطوط، مما يؤدي إلى اختفاء بعض الكلمات أو عدم وضوحها. مما جعلني أمكث طويلًا في محاولة قراءتها، وأبحث في عدد من المصادر التي قد أجد فيها ما لم يتضح. ٧. التشابه في أسماء الرواة الواردة في أسانيد الأحاديث، فأحيانًا لا يصرح المصنف إلا بأول الاسم، أو ينسبه لأبيه أو جده، أو يذكر كنيته، وعند الرجوع لنفس الطبقة قد أجد فيها أكثر من عَلَم بنفس الاسم، فأتردد كثيرًا في تحديد ذلك الراوي، مما جعلني أرجع إلى عدد من المصادر وأستعرض الشيوخ والتلاميذ، ولا أذكر إلا ما تم التأكد منه، وقد أهمل ترجمة العَلَم - وهذا قليل جدًّا - لعدم تمييز الراوي المراد. ٨. تعدد مصادر المصنف في كتابه، فمنها المخطوط الذي لم يطبع مما جعلني أقوم بقراءته والبحث عن النص المراد توثيقه، وهذه المخطوطات مختلفة في صعوبتها ووضوحها وحجمها، وقد يكون منها المفقود جزء منه فلا أجد النص فيه، مما يستنزف مني جهدًا ووقتًا. ٩. عدم وجود عدد من المصادر التي ينقل عنها المؤلف ﵀ إما بإسناده إليها، أو بنقله عنها، مما ينتج عنه صعوبة المقارنة بينهما. هذه بعض المشاكل التي واجهتني في تحقيق هذا المخطوط، ولكن بفضل وتوفيق من الله سبحانه، تغلبت على كثير منها. * منهج التحقيق: كان عمل الباحث في هذا التحقيق، هو منهج النسخة الأم؛ وذلك لأن هذا المخطوط هو بخط المؤلف، ولا يوجد للكتاب - بعد البحث والتنقيب - أي نسخة أخرى، وكان منهج التحقيق كالتالى: ١ - كتابة النص بالرسم الإملائي الحديث. ٢ - كتابة الآيات الكريمة وفق مصحف المدينة طباعة الملك فهد ﵀. ٣ - عزو الآيات ضمن المتن المحقق وجعلها بين معكوفين. ٤ - تصحيح الآيات في المتن إن وجد فيه خطأ - وهو قليل جدًّا - والإشارة لذلك في

стр. 519

- و - الحاشية. ٥ - الإشارة إلى بداية كل صفحة من المخطوط وذلك بكتابة رقم اللوحة والوجه قبل أول كلمة فيه، وذلك للرجوع إليه لمن أراد ذلك. ٦ - وضع العناوين الرئيسية في أول الصفحات. ٧ - ترقيم الأبواب ترقيمًا تسلسليًا. ٨ - ترقيم الأحاديث والآثار ترقيمًا متسلسلًا. ٩ - تخريج الأحاديث النبوية والآثار واتبعت في تخريجها ما يلي: أولًا: إذا كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما فإني أكتفي بالعزو إليهما، وأبين فيهما اسم الكتاب والباب، ورقم الجزء والصفحة ورقم الحديث. ثانيًا: إذا لم يكن الحديث فيهما أو في أحدهما أُخرجه من السنن الأربع، والمسند للإمام أحمد والموطأ لمالك والمسند للدارمي، وأكتفي برقم الحديث فقط. ثالثا: إذا لم أجد الحديث في الكتب السابقة فإني أخرج الحديث من كتب الحديث المشهورة كالمستدرك وصحيح ابن حبان وصحيح ابن خزيمة ومعاجم الطبراني الثلاثة ونحوها. وغالبًا أقدم الأقرب لفظًا، وإذا عزى المصنف لكتاب فأقدمه على غيره. ثم إني أقوم بتخريج الحديث من الأجزاء الحديثية والأمالي والمشيخات التي يذكرها المصنف ومنها المطبوع والمخطوط بإستثناء ما تعذر عليّ الوقوف عليه. رابعا: إذا كان الحديث في غير الصحيحين، أو في غير الكتب التي التزمت بتخريج الصحيح، فإني أكتفي في الحكم على الحديث بنقل أحكام العلماء أو المحققين الذين حكموا عليه. ١٠ - الترجمة للأعلام مع إهمال ترجمة المشهورين منهم، واعتمدت في ذلك على تقريب التهذيب ولم يغنني الرجوع إليه الإعتماد عليه فقط، بل كان لزامًا عليّ الرجوع لتهذيب الكمال للتأكد من أن المذكور في السند هو المراد، بالنظر في شيوخه وتلاميذه، فإن لم أجده فيه فإني أرجع إلى الثقات وجرح التعديل، أو ميزان الاعتدال ولسان الميزان، والا ففي السير وتاريخ الإسلام للذهبي، أو تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وإن لم أجده في أحد هذه الكتب غالبًا فإني أبحث في غيرها من كتب التراجم. وإن تكرر الاسم اختصرت اسمه مع توثيقه أو بيان حاله، ثم أشرت للترجمة الأولى للإستزادة منها. وقد اتبعت في ترجمتهم لمن كان في غير التقريب الآتي: (الاسم الثلاثي - غالبًا - لقبه، وكنيته، تاريخ الولادة - إن وُجد - والوفاة، ثم ذكر اثنين

стр. 520

- ز - من الشيوخ، واثنين من التلاميذ - وأتحرى أن يكونوا من نفس السند -، ثم أختم بتوثيقه، وأبرز أقوال العلماء فيه). وضبطت ما احتاج لضبطٍ من الأسماء والأنساب. ١١ - توثيق النقول التي أوردها المصنف من الكتب التي عزى إليها "إن كانت مطبوعة". ١٢ - وضعت ما أضفته مما تستلزمه سلامة النص - وهو قليل جدًّا - بين قوسين هكذا: []. ١٣ - التعريف بالفرق والأماكن والبقاع والغزوات الغير مشهورة بشكل مختصر. ١٤ - صرح الكلمات الغريبة وذلك بالرجوع للنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، أو لسان العرب لابن منظور غالبًا، وقد أرجع لغيرهما إذا لم أجد فيهما. ١٥ - التعليق على بعض المواضع العقدية، التي أرى من الأهمية التعليق عليها. ١٦ - وضع الفهارس الفنية في آخر الكتاب. وهي على النحو التالي: • فهرس الآيات القرآنية. • فهرس الأحاديث النبوية. • فهرس الآثار. • فهرس الأبيات الشعرية. • فهرس الأعلام. • فهرس الألفاظ الغريبة. • فهرس الفرق. • فهرس البلدان. • فهرس الغزوات. • فهرس القبائل. • فهرس موضوعات الكتاب. * خطة البحث: اشتمل البحث على: مقدمة، وقسمين رئيسيين، وخاتمة، وبيانها كالتالي: القسم الأول: قسم الدِّراسة: وفيه أربعة فصول.

стр. 521

- حـ - الفصل الأول: عصر المصنف، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الحالة السياسية. المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية. المبحث الثالث: الحالة العلمية. الفصل الثاني: حياته الشخصية، وفية ستة مباحث: المبحث الأول: اسمه، وكنيته ولقبه. المبحث الثاني: مولده، ونشأته العلمية وثناء العلماء عليه. المبحث الثالث: مذهبه الفقهي، وعقيدته. المبحث الرابع: شيوخه، وتلاميذه. المبحث الخامس: مؤلفاته. المبحث السادس: وفاته. الفصل الثالث: التعريف بالكتاب. ويشتمل على المباحث التالية: المبحث الأول: اسم الكتاب، وموضوعه، وتوثيق نسبته لمصنفه. المبحث الثاني: وصف النسخة الخطية، ومميزاتها. المبحث الثالث: أبواب الجزء المحقق. المبحث الرابع: مصادر المصنف في الكتاب. المبحث الخامس: الرموز التي استخدمها المصنف. المبحث السادس: ملحوظات على الكتاب. المبحث السابع: نماذج مصورة من النسخة الخطية. الفصل الرابع: دراسة موضوعات الكتاب. ويشتمل على دراسة للموضوعات الأساسية في الكتاب، وفيه ثلاث مباحث؛ وهي كالتالي: المبحث الأول: مسألة القضاء والقدر. المبحث الثاني: مسألة رؤية الله . المبحث الثالث: مسألة أشراط الساعة.

стр. 522

- ط - القسم الثاني: قسم التحقيق. الخاتمة. المراجع والمصادر. الفهارس العامة. وأخيرًا: فإني أشكر الله على ما أتم به علي من نعمة الإلتحاق بطلب العلم الشرعي، والمشاركة في إخراج هذا الكتاب، وتسهيل أموره، وتسخير أسبابه، وإعانتي على إتمام هذا الجزء منه، سائلة المولى أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم. فاللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضى، اللهم لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. ثم إني أتقدم بأعمق الشكر وأصدقه لوالدي الغالي الشيخ/ عبد العزيز المنصور ﵀ وأسكنه فسيح جناته، الذي كان خير معين وموجه لي في بداية بحثي. ووالدتي الحبيبة - أطال الله في عمرها - التي كانت ولا زالت تُؤازرني بدعائها الصادق المستمر. وأسأل الله أن يثقل بهذا العمل ميزانهما، ويجزيهما عني خير الجزاء على ما بذلاه من جهد ووقت في تربيتي وإعانتي في طلب العلم. ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]. وأثني بالشكر لزوجي الذي بذل من وقته الكثير في معاونتي لإتمام بحثي. وكذلك إخوتي وأخواتي وأخص منهم أختي الحبيبة إيمان فجزاهم الله عني خير الجزاء. كما لا أنسى أن أشكر ابني الحبيب فراس سائلة المولى أن يجعله للإسلام قوة وللعين قرة. ثم إني أتقدم بالشكر لفضيلة الشيخ الدكتور/ هشام بن إسماعيل الصيني الذي منحني من وقته وعلمه للإشراف على رسالتي، فكان الأب الناصح والمرشد والموجه، حفظه الله وجزاه ما جزى الله به معلمًا عن طالبه، ونفع الله به العلم وأهله. كما أشكر أستاذتي الفاضلة الدكتورة/ مريم بنيان الحربي - رعاها الله - التي أشرفت على

стр. 523

- ي - رسالتي فترة من الزمن، فجزاها الله خير الجزاء. والشكر موصول لكل من ساهم في هذه الرسالة بمشورة علمية، أو كلمة، أو دعاء صادق، وأسأل الله سبحانه أن يجعل ما قدموا في ميزان حسناتهم. ويعلم الله سبحانه أني قد بذلت فيه جهدي، واستنفذت فيه طاقتي، فما كان فيه من صواب وفتح فمن الله وحده الفتاح المعين، وما كان فيه من تمصير فهذا هو الجهد البشري لابد وأن يعتريه النقص والخلل وحسبي أني بذلت جهدي وأسأل الله القبول. رحم الله الشيخ الكريم، ونفع الله بهذا الكتاب، وغفر الله لنا ما بدا فيه من تقصير. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على سيد المرسلين وإمام المتقين، محمد عليه وعلى آله أفضل صلاة وأبهى وأتم تسليم.

стр. 524

القسم الأول: الدِّراسة وفيه أربعة فصول. الفصل الأول: عصر المصنف. الفصل الثاني: حياته الشخصية. الفصل الثالث: التعريف بالكتاب. الفصل الرابع: دراسة موضوعات الكتاب.

стр. 525

الفصل الأول: عصر المصنف إن العصر الذي يعيشه المرء، والبيئة التي تحيط به، لها الأثر الكبير في حياته، وتكوين شخصيته، بل وربما دينه الذي يدين الله به، قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، … " الحديث (١). وكذلك هو حال العالِم الذي يحمل هم أمته، ويسعى لرفعتها واستقرارها، وصلاح فسادها. ومن علماء هذه الأمة ابن المحب الصامت - رحمه الله تعالى - الذي عاش في القرن الثامن الهجري، في الفترة ما بين سنتي (٧١٢ - ٧٨٩ هـ)، في مدينة الصالحية بدمشق؛ إذ كان الحكم السائد في هذه الفترة لدولة المماليك. وحتى تتضح شخصيته، ويتبين لنا مدى تأثير العوامل المحيطة به عليه، كان لزامًا عليّ أن أقوم بدراسة هذه الحقبة الزمنية التي عاشها ﵀. وسأتناول في المباحث الآتية باختصار (٢): الحالة السياسية، والحالة الاجتماعية، والحالة العلمية؛ لما لهذه الجوانب من الأثر المباشر في حياته، وليتضح لدى القارئ العصر الذي عاشه المصنف، وتأثيره عليه. _________ (١) رواه البخاري في صحيحه برقم (١٣٨٥). (٢) وقد سبقني بذلك أ/ صقر الغامدي - محقق الجزء الأول من الكتاب - فأطال وأجاد، فسأتحدث بصورة مختصرة نظرًا لما تقتضيه متطلبات البحث.

стр. 526

المبحث الأول: الحالة السياسية: • قامت دولة المماليك (١) بعد الدولة الأيوبية التي قامت في مصر وامتدت للشام والحجاز وغيرها، على يد صلاح الدين الأيوبي (٢)؛ حيث أعاد التبعية في مصر للخلافة العباسية بعد أن كانت تحت الدولة الفاطمية (٣). وقد تخلل الدولة الأيوبية الكثير من الحروب والمعارك مع الصليبين، والمخلصين للدولة الفاطمية وأتباعهم من الباطنية (٤). كما أنها لم تخلو من النزاعات الداخلية، التي كانت سببًا في ضعفها، وعدم تماسكها بين الفينة والأخرى. وقد هيئ الله لها هذا المجاهد الصالح - صلاح الدين - الذي كان يسعى إلى تحقيق _________ (١) المماليك في اللغة: هم عبيد مملكة، وهو أن يغلب عليهم فيستعبدوا وهم أحرار. ويقال: هو الذي سبى ولم يملك أبواه. تهذيب اللغة للهروي (١٠/ ١٥٠). والمماليك: هم أقوام من الترك وغيرهم كانوا يؤسرون في الحروب، إذ يشكلون أكبر نسبة للرقيق، وكانوا يجلبون من بلاد ما وراء النهر، وكان التجار يقومون بعرضهم على السلطان، فيشتريه ويبدأ بتعليمه القرآن الكريم، وآداب الشريعة الإسلامية، والفقه، وإذا صار إلى سن البلوغ أخذ في تعليمه فنون الحرب، ولا يجسر جندي ولا أمير أن يحدثهم ويدنو منهم، فينقل بذلك إلى الخدمة، ثم ينتقل بعد ذلك في أطوارها رتبة بعد رتبة، إلى أن يصير من الأمراء، فلا يبلغ هذا إلا وقد تهذبت أخلاقه، وامتزج تعظيم الإسلام وأهله بقلبه، وقد كان لهم أكابر يؤاخذونهم أشد المؤاخذة، فإن عُثر أحد مؤدبيه على أنه اقترف ذنبًا أو ترك أدبًا من آداب الدين والدنيا، قابله ذلك بعقوبة شديدة بقدر ذنبه، وقد صنع منهم ذلك قادة يجاهدون في سبيل الله، وأهل سياسة يردعون من جار أو تعدى. انظر: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر (٧/ ٢١، ٢٢)، والمماليك البحرية وقضائهم على الصليبيين في الشام لشفيق جاسر (ص: ١١٢ وما بعدها). (٢) يوسف السلطان الملك الناصر صلاح الدين، أبو المظفر ابن الأمير: نجم الدين أيوب بن شاذى الدويني الأصل، التكريتي المولد. (٥٣٢ - ٥٨٩ هـ) كان كامل العقل والقوى، شديد الهيبة، افتتح بسيفه وبأقاربه من اليمن إلى الموصل، إلى أوائل الغرب، إلى أسوان. وفي سنة ثلاث وثمانين فتح صلاح الدين طبرية، ونازل عسقلان، وكانت وقعة حطين، ثم سار فأخذ عكا، وبيروت، وقلعة كوكب، والسواحل. وسار فأخذ القدس بالأمان بعد قتال ليس بالشديد. وكان حسن الوفاء بالعهود، كثير الصفح. انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٢/ ٨٩٠) وما بعدها (رقم: ٣٧٦). (٣) الدولة الفاطمية أو العبيدة هي دولة شيعية إسماعيلية نشأت بالشام، وقامت بالمغرب، ونمت في مصر، وماتت فيها. ومؤسسها: عبيد الله المهدي. انظر: خطط الشام لكُرْد عَلي (١/ ٢٠٠) بتصرف. (٤) أشهر ألقاب الإسماعيلية، وإنما لزمهم هذا اللقب؛ لحكمهم بأن لكل ظاهر باطن، ولكل تنزيل تأويل. انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٩٢).

стр. 527

وحدة إسلامية كبرى من الفرات إلى النيل، وتحقق له ذلك بعد الاستيلاء على حلب حيث كان استيلاءه عليها ضربة كبرى على الصليبين، وبعقد صلح بينه وبين عز الدين مسعود صاحب الموصل سنة (٥٨٢ هـ) الذي رضي أن يكون تابعًا لصلاح الدين (١). وفي سنة (٥٨٣ هـ) كانت وقعة حطين التي كانت أمارة ومقدمة وبشارة لفتح بيت المقدس على أيدي المؤمنين، واستنقاذه من أيدي الكافرين، وتم له هذا الفتح العظيم (٢). وفي سنة (٦٤٧ هـ) كانت وفاة الملك الصالح أيوب، وقتل ابنه المعظم تورانشاه (٣) سنة (٤٨٦ هـ) وبذلك انتهت الدولة الأيوبية، وقامت دولة المماليك (٤). • كان الخليفة المأمون العباسي (٥) (١٩٨ - ٢١٨ هـ) أول من استكثر من المماليك، حيث ضم بلاطه عددًا من هؤلاء المماليك المعتوقين، ثم تلاه أخوه المعتصم (٢١٨ - ٢٢٧ هـ) الذي أراد أن يحد من نفوذ جنوده من الفرس والعرب فكون جيشا أغلبه من التركمان، كان يشتريهم صغارًا ويربيهم حتى وصل عددهم إلى عشرين ألفًا. أما الأيوبيون، فإن استكثارهم من المماليك كان سببًا في قيام الدولة المملوكية؛ حيث إنهم قاموا منذ وقت مبكر دولتهم (٥٩٧ هـ)، بجلب أعداد كبيرة من المماليك الصغار عن طريق النخاسين الذين كانوا يحضرونهم من شبه جزيرة القرم، وبلاد القوقاز والقفجاق، وما وراء النهر، وآسيا الصغرى، وفارس، وتركستان، وحتى من البلاد الأوربية. والذي شجع الأيوبيين في مصر والشام على الاستكثار من هؤلاء المماليك هو ضعف _________ (١) مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك لسعيد عبد الفتاح عاشور (ص: ٣٩) وما بعدها. (٢) للاستزادة انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٢/ ٣٢٠)، ومصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك (ص: ٥٣). (٣) تورانشاه بن أيوب بن محمد بن العادل السلطان الملك المعظم غياث الدين، ولد السلطان الملك الصالح نجم الدين. مات سنة (٦٤٨ هـ) كان قوي المشاركة في العلوم، حسن المباحثة، ذكيا. ووجدوه مختل العقل، سيئ التدبير. انظر: تاريخ الإسلام (١٤/ ٥٩٦) وما بعدها (رقم: ٥١١). (٤) البداية والنهاية (١٣/ ١٧٧)، ومصر والشام في عصر الأيوبين والمماليك (ص: ١١٥). (٥) المأمون عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي، أبو العباس. (١٧٠ - ٢١٨ هـ) قرأ العلم، والأدب، والأخبار، والعقليات، وعلوم الأوائل، وأمر بتعريب كتبهم، وبالغ ودعا إلى القول بخلق القرآن وبالغ، نسأل الله السلامة. أتته وفاة أبيه وهو بمرو سائرا لغزو ما وراء النهر، فبايع من قبله لأخيه الأمين، ثم جرت بينهما أمور، وخطوب، وبلاء، وحروب تشيب النواصي، إلى أن قتل الأمين، وبايع الناس المأمون، في أول سنة ثمان وتسعين ومائة. وكان المأمون عالما، فصيحا، مفوها. انظر: السير للذهبي (١٠/ ٢٧٢) وما بعدها (رقم: ٧٢).

стр. 528

شأنهم بعد وفاة صلاح الدين "﵀"، وانقسام الدولة بين الأيوبيين الذين لقبوا أنفسهم بالملوك في كل من مصر، ودمشق، وحلب، والكرك (١)، وبعلبك (٢)، وحمص، وحماه؛ حيث قامت بينهم منافسات وحروب كثيرة، كما قامت بينهم من جهة وبين أبناء البيوتات الأخرى مثل آل زنكي وأهل البلاد الآخرين حروب مشابهة، مما اضطر كل منهم للبحث عن عصبية تحميه وقت الشدة، وتساعده في صد أعدائه، فكان الإكثار من الرقيق الأبيض (المماليك) خير وسيلة لتحقيق ذلك وللوقوف في وجه الصليبيين في بلاد الشام (٣). • وقد كانت دولة المماليك تتمثل في طورين: الطور الأول: المماليك البحرية (٦٤٨ هـ - ٧٨٤ هـ). رجح ابن عاشور أن سبب تسميتها بالبحرية يرجع إلى: اختيار الصالح نجم الدين أيوب جزيرة الروضة في بحر النيل مركزًا لهم، وكان معظمهم من الأتراك، مجلوبين من بلاد القفجاق - شمالي البحر الأسود - ومن بلاد القوقاز - قرب بحر قزوين -. وقد تمكنوا من الاستئثار بحكم مصر نحو قرن وثلث، واستطاعوا مواجهة المشاكل الخارجية - المتمثلة في رد الحملات الصليبية من جهة ورد الغزو المغولي التتري على بلاد الشام من جهة أخرى -. وأما المشاكل الداخلية فقد كانت الدولة تعاني من المؤامرات والنزاعات والعصبيات، فضلًا عن الأزمات الاقتصادية التي واجهت المسلمين في مصر والشام (٤). وقد بدأت بحكم عز الدين أيبك (٥). وقد تمثل هذا الحكم في أسرتين فقط، وهما: _________ (١) كرك قرية في أصل جبل لبنان. معجم البلدان للحموي (٤/ ٤٥٢). (٢) بَعْلَبَكُّ مدينة قديمة فيها أبنية عجيبة وآثار عظيمة وقصور على أساطين الرّخام لا نظير لها في الدنيا، بينها وبين دمشق ثلاثة أيام، وقيل اثنا عشر فرسخًا من جهة الساحل. معجم البلدان (١/ ٤٥٣). (٣) انظر: المماليك البحرية لشفيق جاسر (ص: ١٠٩) وما بعدها، ومصر والشام في عصر الأيوبين والمماليك (ص: ١٥١). (٤) انظر: مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك (ص: ١٥٣) بتصرف. (٥) أيبك بن عبد الله التركماني، السلطان الملك المعز عز الدين. مات سنة: (٦٥٥ هـ) كان أكبر مماليك الملك الصالح نجم الدين، ولما قتل الملك المعظم ابن الصالح اتفقوا على أيبك التركماني، ثم سلطنوه. ولم يكن من كبار الأمراء، لكنه كان معروفا بالعقل والسداد والدين وترك المسكر، وفيه كرم وسكون. انظر: تاريخ الإسلام (١٤/ ٧٧٣) (رقم: ١٨٩).

стр. 529

١/ أسرة الظاهر بيبرس البندقداري، وقد دام حكمها مدة عشرين سنة (١). فقد حكم الظاهر بيبرس (٢) مدة ثماني عشرة معنة، وابنه الأول: السعيد بركة ما يقرب من سنتين ثم خلع، وابنه الثاني: العادل بدر الدين سلامش عدة أشهر ثم خلع. ٢/ أسرة المنصور قلاوون، وقد استمر أمرها أربع عشرة ومائة سنة (٣). حكم المنصور محمد أبو ناصر قلاوون إحدى عشرة سنة توفي بعدها (٦٧٨ - ٦٨٩)، ورجع الحكم بعده ضعيفًا إذ حكم ابنه الأشرف صلاح الدين خليل مدة أربع سنوات (٦٨٩ - ٦٩٣) وقتل بعدها، وجيء بأخيه الناصر محمد، ولم يطل عهده بأكثر من سنة حتى خلع، وتسلطن العادل كَتْبُغا مدة سنتين ثم علا السلطة المنصور لاجين عندما كان العادل في زيارة لدمشق لكن المنصور لاجين لم يلبث أن قتل، وأعيد إلى السلطنة الناصر محمد بن قلاوون، وبقي عشر سنوات (٦٨٩ - ٧٠٨) غير أنه اعتزل، فتسلم السلطة المظفر بيبرس الجاشنكير، وشعر الناصر محمد بن قلاوون أنه هضم حقه فاستعاد السلطنة بالاتفاق مع بعض الأمراء، واستمر أمره حتى توفي وقد أحبه الناس، لذا فقد حكم أبناؤه من بعده رغم ضعفهم وصغر سنهم، إذ تسلم السلطنة ثمانية من أبنائه. كان الأول منهم المنصور سيف الدين أبو بكر وخلع قبل مرور عام على حكمه. وكان أمر الثاني الأشرف علاء الدين كجك كالأول لم يصل عهده إلى العام. ويشبههما الثالث الناصر أحمد. أما الرابع فهو الصالح إسماعيل وقد حكم ثلاث سنوات (٧٤٣ - ٧٤٦) ومات بعدها. وجاء الخامس الكامل شعبان وقتل قبل أقل من عام. وكذا السادس المظفر أمير حاج كان مصيره القتل ولم يصل أمره إلى العام. وحكم السابع الناصر حسن أربعة أعوام (٧٤٨ - ٧٥٢) وخلع بعدها. وخلع الثامن الصالح صالح بعد ثلاث سنوات من حكمه (٧٥٢ - ٧٥٥). وأعيد الناصر حسن فاستمر سبع سنوات (٧٥٥ - _________ (١) انظر: التاريخ الإسلامي (٧/ ٣٦). (٢) بيبرس، السلطان الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتوح البندقداري الصالحي النجمي الأيوبى التركي، مات سنة: (٦٧٦ هـ) وأصله من صحراء القفجاق فأبيع بدمشق ونشأ بها. فأخذه الملك الصالح إليه وصار من جملة البحرية. وشهد وقعة المنصورة بدمياط وصار أميرًا في الدولة المعزية. واشتهر بالشجاعة والإقدام وبعد صيته. وجلس على سرير الملك بعد قتل الملك المظفر. وكان غازيا، مجاهدا، مرابطا، خليقا للملك، لولا ما كان فيه من الظلم والله يرحمه ويغفر له ويسامحه، فإن له أياما بيضاء في الإسلام ومواقف مشهودة وفتوحات معدودة. فبه يضرب المثل وإليه المنتهى في سياسة الملك وتفقد أحوال جنده. انظر: تاريخ الإسلام (١٥/ ٣٠٦) وما بعدها (رقم: ٢٨٦). (٣) انظر: التاريخ الإسلامي (٧/ ٣٦، ٣٧).

стр. 530

٧٦٢) وقتل بعدها. وتولّى الأمر بعدئذ المنصور محمد بن السلطان المظفر أمير حاج وخلع بعد عامين من حكمه (٧٦٢ - ٧٦٤). وجاء بعده ابن عمه الأشرف شعبان فحكم أربع عشر عامًا (٧٦٤ - ٧٧٨) وقتل بعدها. وخلفه ابنه المنصور علي لمدة خمس سنوات توفي بعدها (٧٧٨ - ٧٨٣)، وخلفه أخوه الصالح حاجي فلم يمض عليه سوى سنة حتى خلع وتسلطن الأمير برقوق من المماليك الجراكسة. غير أنه أعيد الصالح حاجي بعد سبع سنوات (٧٨٤ - ٧٩١) وحكم مدة سنة واحدة (٧٩١ - ٧٩٢). ثم أخرج السلطان برقوق من سجنه وأعيد إلى سلطانه. ونلاحظ أن أكثرهم يتولى الأمر وهو صغير فبالتالي يكون ألعوبة في أيدي كبار الأمراء، وهذا يدل على مدى ضعف هؤلاء السلاطين بإستثناء اثنين منهم. وانتهى بذلك أمر المماليك البحرية بشكل دائم وجاء عهد المماليك الجراكسة أو البرجية (١). الطور الثاني: المماليك البرجية أو الجراكسية (٧٨٤ هـ - ٩٢٢ هـ). سبب تسميتها بذلك هو: أن الملك المنصور سيف الدين قلاوون أراد أن يكَوِّن فرقة يعتمد عليها ضد منافسيه، وتكون سندًا له ولأولاده من بعده، فاشترى أعدادًا من المماليك، وبلغ عددهم سبعة آلاف. وكان قد أفرد من مماليكه ثلاث آلاف وسبعمائة من الآص والجركش، وعنى بتربيتهم، وأطلق عليهم الجراكسة نسبة إلى الأصول التي ينتمون إليها، والبرجية نسبة إلى أبراج القلعة التي وضعوا فيها (٢). ظل عصر المماليك الجراكسة أكثر من مائة وأربعة وثلاثين سنة تعاقب على عرش السلطنة ثلاثة وعشرون سلطان منهم تسعة حكموا مائة وثلاثة سنوات ارتبط بهم تاريخ دولة المماليك الجراكسة وهم الظاهر بَرْقوق، وفرج بن برقوق، والمؤيد شيخ، وبَرْسباي، وجَقْمق، وأينال، وخُشْقَدَم، وقَايْتباى، وقانصوه الغوري، بينما حكم أربعة عشر سلطانا لمدة تسع سنوات فقط (٣). وقد كان يسود السلطة النظام القهري فتكون للأقوى ولمن غلب. قاست البلاد في عهدهم الكثير بسبب المنازعات المستمرة بين طوائفهم، وما كان ينتج _________ (١) انظر: التاريخ الإسلامي (٧/ ٣٧ - ٣٩). (٢) انظر: السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي (٢/ ٢١٧، ٢١٨)، ومصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك (ص: ٢٢٣). (٣) انظر: مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك (ص: ٢٢٩، ٢٣٠).
следующие страницы →