← Акыда

Акыда · id 132403

صفات رب العالمين - رسائل جامعية - ناقص

ابن المحب الصامت

Полный текст (3 288 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

- النواحين لإبراهيم الجوزجاني (ت ٢٩٥ هـ). - الخواتيم لابن منجويه. - الرد على الجهمية لإبراهيم بن محمد بن عرفة المعروف بنفطوية. - القضاة لأبي سعيد النقاش (ت ٤١٤ هـ). - روايات الصحابة عن التابعين للخطيب (ت ٤٦٣ هـ). - الوصول إلى معرفة الأصول في مسائل العقود في السنة للطلمنكي (ت ٤٢٩ هـ). - حرمة الدين لعبد الرحمن بن منده (ت ٤٧٠ هـ). - الفاروق في الصفات لأبي إسماعيل الهروي (ت ٤٨١ هـ). - الثالت من المصباح والداعي إلى الفلاح للفقيه نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي (ت ٤٩٠ هـ). ومن المراجع التي رجع إليها مما فُقد جزء منها: - مسند إسحاق بن راهوية (ت ١٦٦ هـ). - مسند البزار (ت ٢٩٢ هـ). - مشيخة يعقوب بن سفيان الفسوي (ت ٢٧٧ هـ). - سنن سعيد بن منصور (ت ٢٢٧ هـ). - تفسير سعيد بن منصور (جزء منه مفقود والمطبوع منه إلى سورة الرعد). - الأفراد للدارقطني (ت ٣٨٥ هـ). - كتاب الأسامي والكنى لأبي أحمد الحاكم (ت ٣٧٨ هـ)، (تم تحقيق جزء منه، وأخره مفقود). - أمالي أبي سهل بن زياد القطان (ت ٣٥٠ هـ). - فوائد ابن أخي ميمي الدّقاق (ت ٣٩٠ هـ). - فضائل الصحابة لخيثمة بن سليمان الأطرابلسي (ت ٣٤٣ هـ). (مفقود، إلا جزء يسير منه وهو الجزء السادس في فضائل أبي بكر الصديق). ومن المراجع التي لم أقف عليها، وقد تكون في حكم المفقود: - الطواعين لابن أبي الدنيا (ت ٢٨١ هـ).

стр. 562

- مسند الفريابي (ت ٣٠١ هـ) - السنة لحنبل بن إسحاق (ت ٢٧٣ هـ). - ما رواه الكبار عن الصغار والآباء عن الأبناء للمنجنيقي (ت ٣٠٤ هـ). - غنية الحفاظ في تحقيق مشكل الألفاظ لعبد الغني بن عبد الواحد الجماعيلي (ت ٦٠٠ هـ). - انتقاء ابن مردويه على أبي الشيخ. - جزء ابن رزقوية (ت ٤١٢ هـ) - سنن أبي مسلم الكجي (ت ٢٩٢ هـ). - غرائب إسحاق بن إبراهيم شاذان لمحمود بن منده. - فضائل معاوية لابن أبي عاصم (ت ٢٨٧ هـ). - النصيحة لابن شاهين (ت ٣٨٥ هـ). - الرواة عن جعفر الصادق لأبي العباس بن عقدة. - مشيخة خطيب مرادا. - المحامليات. - حديث ابن السماك (ت ٣٤٤ هـ). - فضائل الخلفاء الأربعة لابن زنجوية الأصبهاني (ت ٢٥١ هـ). - فضائل الصحابة لأسد بن موسى (ت ٢١٢ هـ). - انتخاب الطبراني على ابن فارس (ت ٣٦٠ هـ). - الاخوة والاخوات للنسائي (ت ٣٠٣ هـ). وغيرها.

стр. 563

المبحث الخامس: الرموز التي استخدمها المصنف: ثنا= حدثنا، أنا= أخبرنا، وأنبا= أنبأنا، ح= تحويل السند، خ= صحيح البخاري، م= صحيح مسلم، د= سنن أبي داود، ق= سنن ابن ماجه، س= سنن النسائي، ت= سنن الترمذي، صم= الصارم المسلول، صح= حديث صحيح، بد= مقارنة أسنايد الكتب والأجزاء بأسانيد الكتب الستة، أي أن الإسناد بدل موافقة مساواة مصافحة، سي= لم تتضح، … ، وغيرها.

стр. 564

المبحث السادس: ملحوظات على الكتاب: إن الطبيعة البشرية قضت أن لا يحكم لعمل بالكمال، إذ لا بد أن يعتريه بعض الهفوات، ويطرأ عليه شيء من الهنات، وذلك لحكمة إلهية قضاها الله ، فيتميز بذلك الكتاب الإلهي عن الكتاب البشري، ثم إن هذا لا يُنقص من قدر الكتاب ولا من مكانة مصنفه رحمه الله تعالى. ومن هذه الملحوظات: - أخطاؤه في بعض الآيات وذلك مثل: في الحديث رقم (٣٥٩): في قوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله .... علي حكيم)، كتب المصنف: (عليم حكيم). بعد الحديث (٤٦٣) في قوله تعالى: (إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)، أسقط المصنف (يومئذ). في اللوح (٣٢٥/ب) كتب المصنف: (وقال الذين أشركوا)، والصواب (سيقول). - أخطاؤه في بعض التراجم: في الحديث (٢٦١) كتب المصنف: عبد الرحمن بن مسلمة، والصواب: عبد الرحمن بن صالح. في الحديث رقم (٤٠٧) كتب المصنف: زكريا بن أبان، والصواب زكريا بن إياس. في الحديث رقم (٤٣٧) كتب المصنف: عن عائذ الحضرمي، والصواب: ابن عائش الحضرمي. في الحديث رقم (٢٥٦) كتب المصنف: زكريا بن منظور عن ثعلبة بن مالك، والصواب: زكريا بن منظور بن ثعلبة بن أبي مالك. - تكراره لبعض الأحاديث وذلك لأن المخطوط مسودة له. وقد تكرر ذلك في عدد من الأحاديث وليس بكثير. وأيضًا خطؤه في عزو الأحاديث مثل: في الحديث (٦٤٩) كتب المصنف: رواه الخرائطي في مساوئ الأخلاق، والصواب في مكارم الأخلاق. - يهمل أحيانًا ذكر الصلاة والسلام على النبي ﷺ ، وأحيانا كلمة: وسلم. ولا يذكر لفظ الترضي عند ذكر الصحابي غالبًا.

стр. 565

المبحث السابع: نماذج مصورة من النسخة الخطية: صورة غلاف مخطوط "كتاب صفات رب العالمين" لابن المحب الصامت.

стр. 566

صورة اللوح رقم (٣٨٢) وهي بداية الجزء المحقق من كتاب "صفات رب العالمين" لابن المحب الصامت

стр. 567

صورة اللوح رقم (٣٨٢) وهي نهاية الجزء المحقق من كتاب "صفات رب العالمين" لابن المحب الصامت

стр. 568

صورة اللوح رقم (٤٦٩) وهي آخر لوحة من كتاب "صفات رب العالمين" لابن المحب الصامت

стр. 569

الفصل الرابع: دراسة موضوعات الجزء المحقق من الكتاب. وقسمت هذا الفصل على مباحث: المبحث الأول: مسألة القضاء والقدر. المبحث الثاني: مسألة رؤية الله المبحث الثالث: مسألة أشراط الساعة.

стр. 570

تمهيد إن حاجتنا لهذه العقيدة فوق كل حاجة، وضرورتنا إليها فوق كل ضرورة، فلا سعادة للقلوب، ولا نعيم، ولا سرور إلا بأن تعبد ربها وفاطرها . فهي من أعظم الواجبات وآكدها. وقضايا العقيدة من المسائل التي عني علماء الأمة ببيانها وتقريرها وتأصيلها، حتى لا يلتبس على الناس أمرها، فيقعوا في البدع والضلالات. ومن أبرز مسائل العقيدة التي اعتنوا بها: مسألة الأسماء والصفات إذ أن شرف العلم بها من شرف المعلوم. وممن اهتم بذلك ابن المحب ﵀ فصنف كتابه (صفات رب العالمين) في تقرير هذه المسألة، وبيانها. وقد بدأ ﵀ في كتابه بصفات الله وسرد جملة منها مع ذكره للأدلة الدالة عليها، وأعقب بعضها ببيان أقوال السلف فيها، ثم تناول بعد ذلك بعض مواضيع العقيدة المهمة والتي لا تقل أهميتها عن باب الأسماء والصفات - ولعله غلب الاسم لبدئه بالصفات، أو لكون الجزء الأكبر منه يشمل مسألة الصفات -، وهي ما سأقوم بتحقيقه في هذا الجزء الذي بين يديّ وهي على النحو التالي: أولًا/ مسألة القضاء والقدر، وتبدأ من اللوح (٣٠٧ أ) إلى (٣٣٥ ب). ثانيًا/ مسألة الرؤية. وتبدأ من اللوح (٣٣٦ ب) إلى (٣٦١ أ). ثالثًا/ مسألة أشراط الساعة، وتبدأ من اللوح (٣٦٢ ب) إلى (٣٨٢ ب). فقسم المصنف ﵀ كل مسألة على أبواب، وقد يستشهد بالآيات الكريمة بعد ذكر الباب مع بيان معانيها إن أمكن، ثم يستشهد في كل باب بجملة من الأحاديث والآثار، وكثيرًا ما يُورد الأحاديث بإسناده، ولم يشترط الصحة في جملة الأحاديث التي يذكرها، فقد يذكر أحاديث ضعيفه أو موضوعه مع بيانه لضعفها أحيانًا، ولعله يريد بذكرها بيان جملة الأحاديث الواردة في الباب. كما أنه ينقل أقوال علماء السلف في بعضر المسائل إن احتيج لذلك ليبين القول الفصل في المسألة لا سيما إن كان فيها شبهة ونحوه. وسأتناول في هذا الفصل بيان منهج أهل السنة والجماعة في هذه المسائل، ومنهج ابن المحب فيها بإيجاز.

стр. 571

وقسمت هذا الفصل على مباحث: المبحث الأول: مسألة القضاء والقدر. المطلب الأول: معنى القضاء والقدر. المطلب الثاني: مراتب القدر. المطلب الثالث: أقوال العلماء في الإيمان بالقدر. المطلب الرابع: مسائل في القضاء والقدر. المبحث الثاني: مسألة رؤية الله . المطلب الأول: معنى الرؤية. المطلب الثاني: رؤية الله في الدنيا. المطلب الثالث: رؤية الله في الآخرة. المطلب الرابع: أقسام المسلمين في رؤية الله. المطلب الخامس: الرد على من أنكر رؤية الله في الآخرة. المبحث الثالث: مسألة أشراط الساعة. المطلب الأول: معنى أشراط الساعة. المطلب الثاني: أقسام أشراط الساعة. المطلب الثالث: بعض أشراط الساعة الصغرى.

стр. 572

المبحث الأول: القضاء والقدر (١) الإيمان بالقدر من أسنى المقاصد وهو قطب رحى التوحيد ونظامه، ومبدأ الدين المبين وختامه، فهو أحد أركان الإيمان، وقاعدة أساس الإحسان، التي يرجع إليها، ويدور في جميع تصاريفه عليها، فالعدل قوام الملك، والحكمة مظهر الحمد، والتوحيد متضمن لنهاية الحكمة، وكمال النعمة، فبالقدر والحكمة ظهر خلقه وشرعه المبين: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] (٢). كل دليل في القرآن على التوحيد، فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد، ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد (٣). قال ابن عباس ﵄: "القدر: نظام التوحيد، فمن وحد الله تعالى وآمن بالقدر، فهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن وحد الله تعالى وكذب بالقدر، فإن تكذيبه بالقدر نقض للتوحيد" (٤). * المطلب الأول: معنى القضاء والقدر: القدر لغة: القضاء والحكم ومبلغ الشيء، وهو عبارة عما قضاه الله وحكم به من الأمور (٥). والقضاء لغة: أصله: القطع والفصل. يقال: قضى يقضي قضاء فهو قاض: إذا حكم وفصل. وقضاء الشيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، فيكون بمعنى الخلق. وقال الزهري: القضاء في اللغة على وجوه، مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه (٦). _________ (١) بعض الكتب التي صنفها العلماء وتناولت مسألة القدر بالتفصيل: الشريعة للآجري، والإبانة الكبرى لابن بطة العكبري، وشرح أصول الاعتقاد لللالكائي، والقضاء والقدر للبيهقي، والحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة لأبي القاسم الأصبهاني، و "مجموع الفتاوى لابن تيمية الحراني - كتاب القدر -، وشفاء العليلى في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم الجوزية، وغيرهما. (٢) انظر: شفاء العليل لابن القيم (ص: ٢). (٣) انظر: المرجع السابق (ص: ٦٥). (٤) رواه الآجري في الشريعة برقم (٤٥٦)، والفريابي في القدر برقم (٢٠٥)، وابن بطة في الإبانة الكبرى برقم (١٦١٨) و (١٦١٩) و (١٦٢٤)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد برقم (١٢٢٤) بنحوه. (٥) القاموس المحيط للفيروزآبادي (ص: ٤٦٠)، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (٤/ ٢٢). (٦) القاموس المحيط (ص: ١٣٢٥)، والنهاية لابن الأثير (٤/ ٧٨).

стр. 573

وشرعًا: ما سبق به العلم وجرى به القلم، مما هو كائن إلى الأبد، وأنه قدر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم أنها ستقع في أوقات معلومة عنده - تعالى -، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها (١). * المطلب الثاني: مراتب القدر أربعة وهي كالتالي: المرتبة الأولى: العلم، وذلك بأن تؤمن بأن الله تعالى علم كل شيء جملةً وتفصيلًا، فعَلِمَ العباد وأعمالهم وأحوالهم وطاعاتهم ومعاصيهم بعلمه القديم الأزلي الذي لم يحدث بعد أن لم يكن؛ فإنه تعالى علم ما كان ولم يزل عالمًا بما سيكون. قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. المرتبة الثانية: الكتابة، وهو الإيمان بأن الله قدر مقادير الخلق، كتب ذلك على وفق ما علم قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عند مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: "كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السِّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ"، والآيات الدالة على هاتين المرتبتين كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]. المرتبة الثالثة: المشيئة، وهي عامة، فما من شيء في السماوات والأرض إلا وهو كائن بإرادة الله ومشيئته، فلا خروج لشيء عن مشيئته، فكل ما يجري في هذا الوجود فهو بمشيئة الله، فكل حركة وسكون، كل تغير بوجود أو عدم أو زيادة أو نقص على أي وجه كل ذلك بمشيئة الله، فلا يكون في ملكه ما لا يريد أبدًا. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. المرتبة الرابعة: الخلق، ومعناه: أن الله خالق كل شيء، فما من شيء في السماوات والأرض إلا الله خالقه ومالكه ومدبره وذو سلطانه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، _________ (١) لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٣٤٨).

стр. 574

وهذا العموم لا مخصص له، حتى فعل المخلوق مخلوق لله (١). * المطلب الثالث: أقوال العلماء في الإيمان بالقدر: ١/ قال البغوي ﵀: "الإيمان بالقدر فرض لازم، وهو أن يعتقد أن الله تعالى خالق أعمال العباد، خيرها وشرها، كتبها عليهم في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم، قال الله : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، وقال : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. فالإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، كلها بقضاء الله وقدره، وإرادته ومشيئته، غير أنه يرضى الإيمان والطاعة، ووعد عليهما الثواب، ولا يرضى الكفر والمعصية، وأوعد عليهما العقاب، … والعبد له كسب، كسبه مخلوق يخلقه الله حالة ما يكسب، والقدر سر من أسرار الله لم يطلع عليه ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا، لا يجوز الخوض فيه، والبحث عنه بطريق العقل، بل يعتقد أن الله خلق الخلق، فجعلهم فريقين: أهل يمين خلقهم للنعيم فضلًا، وأهل شمال خلقهم للجحيم عدلًا. قال الله : ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ٣٧]، قال سعيد بن جبير: ما قُدّر لهم من الخير والشر، ومن الشقوة والسعادة" (٢). ٢/ قال ابن تيمية: "إن مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب وغيره ما دل عليه الكتاب والسنة وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان: وهو أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها، وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير أفعال العباد. وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ ليكن؛ فلا يكون في الوجود شيء إلا بمشيئته وقدرته لا يمتنع عليه شيء شاءه؛ بلى هو قادر على كل شيء، ولا يشاء شيئا إلا وهو قادر عليه. وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها، وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم: قدر آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم كتب ذلك كتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء وقدرته على كل شيء ومشيئته لكل ما كان وعلمه بالأشياء قبل _________ (١) انظر: القول المفيد لابن عثيمين (٢/ ٤٠٣، ٤٠٤)، وشرح العقيدة الطحاوية للبراك (ص: ١٦٢، ١٦٣). (٢) انظر: شرح السنة للبغوي (١/ ١٤٢ - ١٤٤).

стр. 575

أن تكون وتقديره لها وكتابته إياها قبل أن تكون". (١) ٣/ قال ابن قدامة المقدسي: "من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور، أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، قال الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]، ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن، ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحدًا على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فدل على أن للعبد فعلًا كسبًا يجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره" (٢). * المطلب الرابع: مسائل في القضاء والقدر، وبيان منهج ابن المحب ﵀ فيها: سلك المصنف منهج أهل السنة والجماعة في تقريره مسألة القضاء والقدر، ويظهر هذا جليًا واضحًا في تقسيمه للمسألة، وما أورده فيها من الآيات والأحاديث والآثار وتوجيهها توجيهًا سليمًا ليس فيه تأويل ولا تحريف، مع ذكره لبعض أقوال علماء السلف مما يدل على موافقته لهم في هذا الجانب. ومن ذلك: المسألة الأولى: حجاج آدم وموسى: أفرد المصنف ﵀ في كتابه بابًا لهذه المسألة وذكر فيه بعضًا من الأحاديث _________ (١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٨/ ٤٤٩، ٤٥٠). (٢) انظر: لمعة الاعتقاد لابن قدامة (ص: ٢٣ - ٢٥).

стр. 576

الواردة في هذا الشأن منها: قوله ﷺ : "احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: أَنْتَ خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَه، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثمَّ أَهْبَطْتَ النِّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ، قَالَ آدَمُ لِمُوسَى: أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامِهِ وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، وَقَدْ وَجَدْتَ كتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي، قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا، قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسىَ" (١). ثم عقب عليها ببيان موقفه من هذا، فقال: "ومن ظن أن في هذا أن آدم احتج على موسى بالقدر على الذنب فقد ضل ضلالًا مبينًا؛ فإن موسى إنما لام آدم على المصيبة التي لحقت الذرية بسبب أكله من الشجرة، والعبد مأمور عند المصائب أن يرجع إلى القدر، ..... الخ" (٢). قال ابن تيمية ﵀ في توجيهه للدليل: "الصحيح: أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وهو كان أعلم بربه وذنبه، بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر، فإنه باطل. وموسى ﵇ كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم على ذنب قد تاب منه وتاب الله عليه واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة، لا على الخطيئة، فإن القدر يحتج به عند المصائب، لا عند المعائب" (٣). المسألة الثانية: التحذير من التكذيب بالقدر، والخوض فيه، ومجانبة أهله: أولا: أورد المصنف ﵀ في باب الإيمان بالقدر جملة من الأحاديث والآثار والأقوال في وجوب الإيمان به، وأنه أحد أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها - منها: حديث جبريل ﵇، كما امتدح المؤمنين بقدر الله الراضين بقضائه، وذكر بعض الأحاديث في التحذير من التكذيب بالقدر، فقال ﷺ : "مَنْ كَذَّبَ بِالْقَدَرِ أَوْ خَاصَمَ فِيهِ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا جِئْتُ بِهِ أَوْ جَحَدَ مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ" (٤). _________ (١) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧). (٢) انظر: القسم المحقق (ص: ٩١). (٣) شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - تحقيق: شعيب الأرنؤوط، عبد الله التركي - (١/ ١٣٦). (٤) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٥٧).

стр. 577

ومن هنا نُبين أقسام الناس في القدر: القسم الأول: أهل الهدى والفلاح الذين آمنوا بقضاء الله وقدره، ولم يحتجوا بقدره على شرعه، أو العكس، وهؤلاء هم أهل الحق الذين عملوا بمقتضى قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. القسم الثاني: المخاصمون في القدر، أهل الضلال والهلاك المخالفون للجماعة، وهم ثلاث فرق: ١/ المجوسية: هم القدرية الذين آمنوا بشرع الله، وكذبوا بقدره. فغلاتهم أنكروا عموم علم الله تعالى وقالوا: إن الله تعالى لم يقدر أعمال العباد ولا علم له بما قبل وقوعها، ومقتصدوهم آمنوا بعلم الله بها قبل وقوعها. وأنكروا أن تكون واقعة بقدر الله تعالى وأن تكون مخلوقة له، وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم. ٢/ المشركية: الذين أقروا بقدر الله، واحتجوا به على شرعه كما قال الله تعالى عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]. ٣/ الإبليسية: الذين أقروا بالأمرين بالقدر وبالشرع، لكن جعلوا ذلك تناقضًا من الله ، وطعنوا في حكمته تعالى، وقالوا: كيف يأمر العباد وينهاهم، وقد قدر عليهم ما قد يكون مخالفًا لما أمرهم به ونهاهم عنه؟ فهل هذا إلا التناقض المحض والتصرف المنافي للحكمة؟! وهؤلاء أتباع إبليس فقد احتج على الله حين أمره أن يسجد لآدم، فقال إبليس: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. قال عوف: "من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام، إن الله ﵎ قدر أقدارًا وخلق الخلق بقدر، وقسم الآجال بقدر، وقسم الأرزاق بقدر، وقسم البلاء بقدر، وقسم العافية بقدر، وأمر ونهى". وقال الإمام أحمد: "القدر قدرة الله". وقال أبو الوفاء: "فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الرب على خلق أعمال العباد وكتابها وتقديرها، وسلف القدرية كانوا ينكرون علمه بها وهم الذين اتفق سلف الأمة على تكفيرهم" (١). _________ (١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٢٤٣)، وشفاء العليل (ص: ٢٨)، وتقريب التدمرية لابن عثيمين (ص: ١٠٥، ١٠٦).

стр. 578

ثانيًا: ذكر المصنف ﵀ في باب تقدم علم الله جملة من الأحاديث التي سلك فيها منهج السلف ﵏ في إثبات علم الله - سبحانه -، وكتابته - تعالى - لآجال العباد ورزقهم وعملهم وما هم إليه صائرين، وذكر حديثًا فيه تحذير النبي ﷺ من الخوض في القدر. وقد اختلف العلماء في الخوض فيه وجوابه: ١/ أن المنهي عنه إنما هو الخوض فيه بالباطل، وعلى وجه التنازع والاعتراض على الله - سبحانه - لا على وجه المعرفة الصادقة من الأدلة الصحيحة، لاسيما أنه ركن من أركان الإيمان. ٢/ أن الرسول ﷺ نهى الصحابة عن التنازع فيه، لأن التنازع مظنة الاختلاف، وهذا داع إلى القول فيه بغير حق، وهو منهي عنه. ٣/ علماء السلف الذين ذكروا القدر وبحثوا فيه لا يُعقل أن يكونوا جميعهم خالفوا أمر رسول الله ﷺ ؟! ثم إنه ترد حوله بعض الإشكالات التي يجب بيان الحق للناس فيه حتى لا يضلوا. ٤/ ما يُؤثر عن بعض العلماء من أن القدر سر الله فهذا صحيح وهو محصور في الجانب الخفي منه من كونه أضل وهدى وأمات وأحيا … ، وأما بيان مراتبه وآثاره وحِكَمُه العظيمة فهذا مما يجوز الخوض فيه وبيان الحق للناس فيه (١). ثالثًا: بوب المصنف في آخر هذه المسألة باب ما جاء في القدرية وذكر جملة من الأحاديث والآثار الواردة في النهي عن مجالستهم والحديث معهم والصلاة عليهم، وأنهم مجوس هذه الأمة، وغيرها، منها: قوله ﷺ : "لِكلِّ أُمَّةٍ مَجُوس، وَإنَّ هَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةَ مَجُوسُ أُمَّتِي، فَإِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ، وَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهِمْ" (٢). وقوله ﷺ : "يَكُونُ فِي أُمَّتِي خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ" (٣). وقوله ﷺ : "الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإنْ مَاتُوا فَلَا _________ (١) انظر: القضاء والقدر لعبد الرحمن المحمود (ص: ٢٥ - ٢٧) باختصار وتصرف. (٢) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٢٥٧). (٣) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٢٦٦).

стр. 579

تَشْهَدُوهُمْ" (١). قال ابن تيمية: "وزعمت القدرية أن الله يخلق الخير وأن الشيطان يخلق الشر، وزعموا أن الله شاء ما لا يكون خلافا لما أجمع عليه المصلون من أن ما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون، وردا لقول الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، فأخبر أنا لا نشاء شيئا، إلا وقد شاء أن نشاءه. ولهذا سماهم رسول الله مجوس هذه الأمة؛ لأنهم دانوا بديانة المجوس، وضاهوا قولهم، وزعموا أن للخير والشر خالقين كما زعمت المجوس، وأنه يكون من الشر ما لا يشاؤه الله كما قالت المجوس ذلك، وزعموا أنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم ردا لقول الله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وانحرافا عن القرآن وعما أجمع المسلمون عليه. وزعموا أنهم ينفردون بالقدرة على أعمالهم دون ربهم، وأثبتوا لأنفسهم غنى عن الله ووصفوا أنفسهم بالقدرة على ما لم يصفوا الله بالقدرة عليه، كما أثبتت المجوس للشيطان من القدرة على الشر ما لم يثبتوه لله . فكانوا مجوس هذه الأمة إذ دانوا بديانة المجوس وتمسكوا بأقوالهم ومالوا إلى أضاليلهم" (٢). وإن كانت بعض الأحاديث التي أوردها المصنف ضعيفة الإسناد إلا أن معناها صحيح؛ لأن أهل البدع لا يجالسون؛ لأنهم يخوضون في آيات الله، والقدرية من أهل البدع. قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. ولما يترتب على ذلك من خشية تأثيرهم على القلوب بنشر شبههم وأقوالهم الباطلة. ولهذا كان الأئمة يحذرون من الجلوس معهم ومن مجادلتهم. المسألة الثالثة: أفعال العباد: أورد المصنف في كتابه باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. وقد سلك في ذلك منهج علماء السلف في بيان حقيقة أفعال العباد وقدرتهم ومشيئتهم، وبيان أنها لا تخرج عن مشيئة الله ، وأن الله خالقهم وخالق أفعالهم، فذكر جملة من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك، ونقل قول الطلمنكي في رده على _________ (١) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٣٠٠) و (٢٧٣). (٢) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٦/ ٦٥٤، ٦٥٥)، وبيان تلبيس الجهمية له (٢/ ٥٨٨، ٥٨٩).

стр. 580

القدرية والمعتزلة. قال ابن تيمية: "إثبات القدر لا ينافي إسناد أفعال العباد إليهم حقيقة وأنهم يفعلونها باختيارهم: والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم. والعبد هو: المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم. وللعباد قدرة على أعمالهم، وإرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم" (١). المسألة الرابعة: الهدى والضلال: إن أفضل ما يقدر الله لعبده وأجل ما يقسمه له الهدى، وأعظم ما يبتليه به ويقدره عليه الضلال، كل نعمة دون نعمة الهدى كل مصيبة دون مصيبة الضلال، وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى آخرهم وكتبه المنزلة عليهم على أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال بيده لا بيد العبد، وأن العبد هو الضال أو المهتدي، فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضلال فعل العبد كسبه. وقد ذكر المصنف ﵀ في ذلك جملة من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك، كما نقل قول الطلمنكي في بيان المسألة. ومراتب الهدى والضلال في القرآن أربعة: المرتبة الأولى: الهدى العام وهو هداية كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها وهذا أعم مراتبه. المرتبة الثانية: الهدى بمعنى البيان والدلالة والتعليم والدعوة إلى مصالح العبد في معاده وهذه خاص بالمكلفين، وهي حجة الله على خلقه التي لا يعذب أحدًا إلا بعد إقامتها عليه، وهذه الهداية هي التي أثبتها الله سبحانه لرسوله ﷺ حيث قال : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] والهادي: هو الدليل الذي يدل بهم في الطريق إلى الله، والدار الآخرة، ولا يناقض هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨] فإن الله سبحانه تكلم بهذا وهذا، فرسله الهداة هداية الدلالة والبيان، وهو _________ (١) العقيدة الواسطية لابن تيمية (ص: ١٠٨).

стр. 581

الهادي هداية التوفيق والإلهام، فالرسل هم الأدلة حقًا، والله سبحانه هو الموفق الملهم، الخالق للهدى في القلوب. وهذه المرتبة أخص من المرتبة الأولى وأعم من الثالثة. المرتبة الثالثة: الهداية المستلزمة للاهتداء وهي هداية التوفيق ومضيئة الله لعبده الهداية وخلقه دواعي الهدى وإرادته والقدرة عليه للعبد وهذه الهداية التي لا يقدر عليها إلا الله ، وهذه المرتبة تستلزم أمرين: أحدهما: فعل الرب تعالى وهو الهدى. والثاني: فعل العبد وهو الاهتداء؛ وهو أثر فعله سبحانه فهو الهادي والعبد المهتدي قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ [الأعراف: ١٧٨] ولا سبيل إلى وجود الأثر إلا بمؤثره التام فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧] وهذا صريح في أن هذا الهدى ليس له ﷺ ولو حرص عليه ولا إلى أحد غير الله وأن الله سبحانه إذا أضل عبدًا لم يكن لأحد سبيل إلى هدايته كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وأمر سبحانه عباده كلهم أن يسألوه هدايتهم الصراط المستقيم كل يوم وليلة في الصلوات الخمس وذلك يتضمن الهداية إلى الصراط والهداية فيه. ومن هنا يتضح ضلال المعتزلة في قولهم بوجوب فعل الأصلح للعبد على الله، حيث زعموا أن الهدى من الله: بيان طريق الصواب، والإضلال: تسمية العبد ضالًا، أو حكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه. وهذا مبني على أصلهم الفاسد: أن أفعال العباد مخلوقة لهم. وهذه المرتبة أخص من التي قبلها وهي التي ضل جهال القدرية بإنكارها. المرتبة الرابعة: الهداية يوم المعاد إلى طريق الجنة والنار. (١) المسألة الخامسة: تغيير المقدور الذي قدُر على العبد: أورد المصنف ﵀ جملةً من الآيات والأحاديث والأثار في المقدور الذي قُدر على العبد، وهل يمكن أن يحدث فيه تغيير. وبيان ذلك يتضح بالتفريق بين القدر المثبت والقدر المعلق. فالقدر المثبت أو المبرم وهو ما في أم الكتاب فهذا لا يتغير ولا يتبدَل، قال _________ (١) انظر: شفاء العليل (ص: ٦٥ - ٨٥)، ومدارج السالكين لابن القيم (٣/ ٤٦٥)، وشرح الطحاوية (١/ ١٣٧) باختصار.

стр. 582

تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٨، ٣٩]. والقدر المعلَق أو المقيَد وهو ما في كتب الملائكة فهذا الذي يقع فيه المحو والإثبات، قال عمر بن الخطاب ﵁: "اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ الشِّقَاءِ أَوْ ذَنْبًا فَاجْعَلْهَا سَعَادَةً وَمَغْفِرَةً؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ، وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَابِ" (١). وقد بين العلماء هذه المسألة، وأزالوا الإشكال فيها فمن ذلك: ما ذكره ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى فقال: "أن الله يكتب للعبد أجلا في صحف الملائكة فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب. وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب … " وهذا معنى ما روي عن عمر أنه قال: "اللهم إن كنت كتبتني شقيًا فامحني واكتبني سعيدًا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت". والله سبحانه عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فهو يعلم ما كتبه له وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم الله، والله يعلم الأشياء قبل كونها وبعد كونها، فلهذا قال العلماء: "إن المحو والإثبات في صحف الملائكة وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالما به فلا محو فيه ولا إثبات. وأما اللوح المحفوظ فهل فيه محو وإثبات على قولين. والله أعلم؟ " (٢). وقال ابن حجر ﵀: "الذي في علم الله لا يتقدم ولا يتأخر، والذي في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] فالمحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملك وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله تعالى فلا محو فيه البتة، ويقال له القضاء المبرم ويقال للأول القضاء المعلق" (٣). وقال السعدي ﵀ في تفسيره: " ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ من الأقدار ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه كتبه قلمه فإن هذا لا _________ (١) يأتي تخريجه في الحديث رقم (١٨١). (٢) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٩٠ - ٤٩١). (٣) فتح الباري لابن حجر (١٠/ ٤١٦).

стр. 583

يقع فيه تبديل ولا تغيير لأن ذلك محال على الله، أن يقع في علمه نقص أو خلل ولهذا قال: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: اللوح المحفوظ الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع له وشعب. فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابا ولمحوها أسبابا، لا تتعدى تلك الأسباب، ما رسم في اللوح المحفوظ، كما جعل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصي سببا لمحق بركة الرزق والعمر، كما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب سببا للسلامة، وجعل التعرض لذلك سببا للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته، وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه كتبه في اللوح المحفوظ" (١). وقال النووي: "إن الآجال والأرزاق مقدرة لا تتغير عما قدره الله تعالى وعلمه في الأزل فيستحيل زيادتها ونقصها حقيقة عن ذلك" (٢). _________ (١) تفسير السعدي (ص: ٤١٩). (٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٢١٣).

стр. 584

المبحث الثاني: رؤية الله -. * المطلب الأول: معنى الرؤية لغة: - بالهاء - الرؤية بالعين تتعدى إلى مفعول واحد، وبمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين، يقال: رأى زيدا عالما ورأى رأيا ورؤية وراءة مثل راعة. وقال ابن سيده: الرؤية النظر بالعين والقلب. وقال الفيروزآبادى: الرؤية النظر بالعين وبالقلب. ورأيته رؤية ورأيا وراءة ورأية ورئيانا وارتأيته واسترأيته (١). معنى الرؤيا لغة: - بالمد - ما رأيته في منامك (٢). معنى أحاديث الرؤية في العقيدة: أي رؤية الله في الآخرة. * المطلب الثاني: رؤية الله في الدنيا: تنقسم إلى: أولًا: رؤية النبي ﷺ في: (المنام - المعراج). ١/ رؤية النبي ﷺ لربه في المنام: هذه الرؤية لا خلاف فيها؛ إذ هي داخلة في عموم رؤيا الأنبياء، ورؤيا الأنبياء وحي. عن معاذ بن جبل قال: احْتُبِسَ عَنَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى عَيْنَ الشَّمْسِ، فَخَرَجَ سَرِيعًا فَثُوِّبَ بِالصَّلاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَجَوَّزَ فِي صَلاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ دَعَا بِصَوْتِهِ فَقَالَ لَنَا: "عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ ثُمَّ انْفَتَلَ إِلَيْنَا فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَأُحَدِّثكمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الغَدَاةَ: أَنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأْتُ فَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي فَنَعَسْتُ فِي صَلاتِي فَاسْتَثْقَلْت، فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي ﵎ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: لا أَدْرِي رَبِّ، قَالَهَا ثَلاثًا قَالَ: فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْت، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الكَفَّارَاتِ، قَالَ: مَا هُنَّ؟ قُلْتُ: مَشْيُ _________ (١) انظر: لسان العرب لابن منظور (١٤/ ٢٩١)، والقاموس المحيط (ص: ١٢٨٥). (٢) انظر: لسان العرب (١٤/ ٢٩٧).

стр. 585

الأَقْدَامِ إِلَى الجَمَاعَاتِ، وَالجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، … " (١). قال ابن تيمية: "الحديث الذي فيه رأيت ربي، وأتاني ربي في أحسن صورة، … إنما كان في المدينة وكان في المنام وهو حديث ثابت" (٢). وأفرد المصنف ﵀ لهذه المسألة في كتابه بابًا ذكر فيه جملة من الأحاديث والأثار بيّن فيها إثبات رؤية النبي ﷺ لربه في المنام، منها حديث معاذ بن جبل السابق. وقول ابن عباس: "فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٦٠] قَالَ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ رَآهَا النَّبِيُّ ﷺ " (٣). وقال ابن عباس ﵁: "كَانَتْ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيًا" (٤). ٢/ رؤية النبي ﷺ لربه في المعراج: هذه المسألة من المسائل التي وقع الخلاف فيها بين العلماء. وقد ذكر المصنف في هذا الباب عددًا من الأحاديث والآثار الواردة في هذا الشأن منها: قول ابن عباس في قول الله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٣، ١٤] قال: "دَنَا رَبَهُ فَتَدَلىَ" ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩ ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] قال ابْنُ عَبَّاسٍ: "قَدْ رَآة النَّبِيُّ ﷺ " (٥). وعن عبد الله بن الحارث بن نوفل أنه قال: "رَأَى النَّبيَّ ﷺ رَبَّهُ بِفؤَادِهِ، وَلَمْ يَرَهُ بِعَيْنِهِ" (٦). وعن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: قلت لأبي ذر: لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ لَسَأَلْتُه، قَالَ: عَمَّا كُنْتَ تَسْأَلُهُ؟ قَالَ: إِذًا لَسَأَلْتُهُ: هَلْ رَأَى رَبَّهُ؟ فَقَالَ: قَدْ سَأَلْتُهُ أَنَا، قُلْتُ: فَمَا قَالَ؟ قَالَ: "نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ" (٧). وغيرها. _________ (١) رواه الترمذي في سننه برقم (٣٢٣٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأحمد في مسنده برقم (٢٢١٠٩) بنحوه. وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (١/ ٢٣٣). (٢) بيان تلبيس الجهمية (٧/ ٣٥٧). (٣) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٤٣١). (٤) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٤٣٢). (٥) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٣٣١). (٦) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٣٧٠). (٧) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٤٠٢) و (٤٠٣).

стр. 586

ومنها ما هي مطلقة ومنها ما هي مقيدة. وذكر ابن المحب قول ابن تيمية في الجواب عن الاختلاف في رؤية النبي ﷺ (١). كما ذكر قول أبو الفرج الجوزي إذ بيّن فيه أن قول ابن عباس مقدم على قول عائشة ﵃ وأجاب على سبب تقديمه لقول ابن عباس حيث ذكر فيه أنه أثبت رؤية النبي ﷺ لربه عيانًا؛ وأن هذا القول قال به الإمام أحمد، وأن عائشة نفت الرؤية فقال ما نصه: "اتفقت الروايات عن إمامنا أحمد بن محمد بن حنبل، أن النبي ﷺ رأى ربه ليلة أُسري به، والمشهور المعتمد عليه أنه رأى ربه بعيني رأسه، عليه عامة أهل السنة والنقل، ومنع من ذلك المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية، والدلالة على أنه رآه بعينيه قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ قال ابن عباس مفسرًا لذلك: رأى ربه بعيني رأسه .... " (٢)، وقد بيّن ابن تيمية ﵀ المراد بقول عائشة، والمراد بقول ابن عباس، وجمع بين الأدلة، ووضح الصواب في المسألة، فقال: "وأما ليلة المعراج فليس في شيء من الأحاديث المعروفة أنه رآه ليلة المعراج، لكن روي في ذلك حديث موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، رواه الخلال من طريق أبي عبيد، وذكره القاضي أبو يعلى في "إبطال التأويل"، والذي نص عليه الإمام أحمد في الرؤية هو ما جاء عن النبي ﷺ ، وما قاله أصحابه، فتارة يقول: رآه بفؤاده متبعا لأبي ذر؛ فإنه روى بإسناده عن أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ رأى ربه بفؤاده. وقد ثبت في صحيح مسلم: "أن أبا ذر سأل النبي ﷺ : هل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى أراه". ولم ينقل هذا السؤال عن غير أبي ذر. وأما ما يذكره بعض العامة من أن أبا بكر ﵁ سأل النبي ﷺ فقال: "نعم رأيته"، وأن عائشة سألته، فقال: "لم أره" فهو كذب، لم يروه أحد من أهل العلم، ولا يجيب النبي ﷺ عن مسألة واحدة بالنفي والإثبات مطلقًا، فهو منزه عن ذلك فلما كان أبو ذر أعلم من غيره اتبعه أحمد، مع ما ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: رآه بفؤاده مرتين. وتارة يقول أحمد: رآه. فيطلق اللفظ ولا يقيده بعين ولا قلب اتباعا للحديث، وتارة يستحسن قول من يقول: رآه. ولا يقول بعين ولا قلب، ولم ينقل أحد من أصحاب أحمد الذين باشروه عنه أنه قال: رآه بعينه، .. وكذلك لم ينقل أحد بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه قال: "رآه بعينه"، _________ (١) انظر: القسم المحقق (ص: ٣٥٥). (٢) انظر: القسم المحقق (ص: ٣٥٨).

стр. 587

بل الثابت عنه إما الإطلاق، وإما التقييد بالفؤاد. وقد ذكر طائفة من أصحاب أحمد، كالقاضي أبي يعلى ومن اتبعه عن أحمد ثلاث روايات في رؤيته تعالى: إحداها: أنه رآه بعينه، واختاروا ذلك. وكذلك اختاره الأشعري وطائفة. ولم ينقل هؤلاء عن أحمد لفظًا صريحًا بذلك، ولا عن ابن عباس، ولكن المنقول الثابت عن أحمد من جنس النقول الثابتة عن ابن عباس: إما تقييد الرؤية بالقلب، وإما إطلاقها، وأما تقييدها بالعين فلم يثبت لا عن أحمد ولا عن ابن عباس" (١). وقال: "وأما أحاديثُ المعراج المعروفة فليس في شيء منها ذِكرُ رؤيتِه البتَّةَ أصلًا. فالواجب اتباعُ الآثار الثابتة في ذلك وماكان عليه السلفُ والأئمّة، وهو إثباثُ مطلقِ الرؤية، أو رؤية مقيَّدة بالفؤاد. أما رؤيتُه بالعين ليلةَ المعراج أو غيرها، فقد تدبَّرنا عامَّةَ ما صنَّفَهُ المسلمون في هذه المسألة وما نقلوا فيها قريبًا من مئةِ مُصنَّفٍ، فلم نجد أحدًا روى بإسنادٍ ثابت - لا عن صاحبٍ ولا إمامٍ - أنّه رآه بعينِ رأسِه. والله أعلم" (٢). وقال القاضي عياض السبتي: "وأما وجوبه لنبينا ﷺ والقول بأنه رآه بعين، فليس فيه قاطع ولا نص؛ إذ المعول فيه على آيتي النجم، والتنازع فيهما مأثور، والاحتمال لهما ممكن ولا أثر قاطع متواتر عن النبي ﷺ بذلك" (٣). ثانيًا: رؤية غير النبي ﷺ . قال ابن تيمية: "وقد اتفق المسلمون على أن غير النبي ﷺ لم ير الله في الدنيا؛ كما اتفقوا على أنه يرى في الآخرة بالأبصار، وإن كان من أهل البدع من ينازع في هاتين المسألتين، لكن السلف متفقون على ذلك" (٤). وبدأ المصنف ﵀ في أحاديث الرؤية بباب أنه لا يراه أحد في الدنيا، وذكر جملة من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك منها: عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: "خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا، كَانَ أَكْثَرُ خُطْبَتِهِ ذِكْرُ الدَّجَّالِ يُحَذْرنَاه، حَدَّثَنَا عَنْه، حتى فرغ من خطبته .. فذكر الحديث بطوله. وفيه فَيَقُولُ - يعني _________ (١) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (٥/ ٣٨٤) وما بعدها، ومجموعة الرسائل والمسائل له (١/ ٩٩). (٢) انظر: جامع المسائل لابن تيمية (١/ ١٠٨). (٣) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى لعياض السبتي (١/ ٣٨٦). (٤) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (٥/ ٣٨٤).

стр. 588

الدَّجَّالِ -: أَنَا نَبِيُّ، وَلَا نَبِيَّ بَعْدِي، ثُمَّ يُثَنِّي فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُم، وَهُوَ أَعْوَر، وَإنَّ رَبَّكُم ﵎ لَيْسَ بِأَعْوَر، وَلَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا" (١). حديث أبي هريرة ﵁: "إِنَّ للهِ مَلائِكَةً يَطُوفونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، … الحديث. فَيَقولُ - يَعْنِي الله : "هَلْ رَأَوْنِي؟ " قَالَ: "فَيَقُولُونَ: لا وَاللهِ مَا رَأَوْكَ؟ " قَالَ: "فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ " قَالَ: "يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا"" (٢). * المطلب الثالث: رؤية الله في الآخرة. أجمع أهل السنة والجماعة على أن رؤية الله تعالى ممكنة عقلًا واجبة نقلًا، واقعة فعلًا في الآخرة للمؤمنين دون الكافرين، بلا كيف ولا انحصار (٣). وَإنَّه يُرَى بِلَا إِنْكَارِ … فِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ بِالْأَبْصَارِ كُلٌّ يَرَاهُ رُؤْيَةَ الْعِيَانِ … كَمَا أَتَى فِي مُحْكَمِ الْقُرْآنِ وَفِي حَدِيثِ سَيِّدِ الْأَنَامِ … مِنْ غَيْرِ مَا شَكٍ وَلَا إِيهَامِ رُؤْيَةَ حَقٍّ لَيْسَ يمَترُونَهَا … كَالشَّمْسِ صَحْوًا لَا سَحَابَ دُونَهَا وَخُصَّ بِالرُّؤْيَةِ أَوْلِيَاؤُهُ … فَضِيلَةً وَحُجِبُوا أَعْدَاؤُهُ (٤) قال ابن قدامة: "والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم ويزورونه، ويكلمهم ويكلمونه، قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضى، وإلا لم يكن بينهما فرق، وقال النبي ﷺ : "إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ"، وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي، فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظيرا" (٥). _________ (١) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٣١٦). (٢) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٣١٥). (٣) انظر: تبسيط العقائد الإسلامية لحسن أيوب (ص: ٢٣٦). (٤) انظر: معارج القبول بشرح سلم الوصول للحكمي (١/ ٣٠٥). (٥) انظر: لمعة الاعتقاد (ص: ٢٢).

стр. 589

وقد ذكر المصنف جملة من الأحاديت والأقوال التي تثبت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة في باب رؤية الله في الآخرة منها: عن جرير بن عبد الله ﵁، قال: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً البَدْرَ فَقَالَ: "أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكمْ ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لا تُضَامُّونَ وَلَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها فَافْعَلُوا" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] (١). عن الحسن فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] قَالَ: "النَّاضِرَةُ: الحسَنَة، حَسَّنَهَا وَاللهُ بِالنَّظَرِ إِلَى رَبِّها، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَنْضُرَ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى رَبِّهَا" (٢). ومنها قول ابن تيمية: "آيات الرؤية في القرآن نحو عشرة، وهي ظاهرة ومستنبطة، صح النقل عن النبي ﷺ ، وللصحابة التفسير، أحدها: قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] بالنقل والاستنباط .... " (٣). * المطلب الرابع: أقسام المسلمين في رؤية الله على ثلاثة أقوال: " القول الأول: الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين على أن الله يرى في الآخرة بالأبصار عيانًا، وأن أحدًا لا يراه في الدنيا بعينه، لكن يرى في المنام ويحصل للقلوب في المكاشفات (٤) والمشاهدات ما يناسب حالها، ومن الناس من تقوى مشاهدة قلبه حتى يظن أنه رأى ذلك بعينه وهو غالط، ومشاهدات القلوب تحصل بحسب إيمان العبد ومعرفته في صورة مثالية. القول الثاني: قول نفاة الجهمية (٥) أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة. القول الثالث: قول من يزعم أنه يرى في الدنيا والآخرة. وحلولية الجهمية (٦) يجمعون بين النفي والإثبات فيقولون أنه لا يرى في الدنيا ولا في _________ (١) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٤٦٤). (٢) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٤٨٤). (٣) انظر: القسم المحقق (ص: ٤٢٥). (٤) كشف الشيء رفع عنه ما يواريه ويغطيه، ويقال: كشف الأمر وعنه أظهره. انظر: المعجم الوسيط (٢/ ٧٨٨). (٥) أي نفاة الأسماء والصفات. (٦) هم الذين قالوا: إنّ الله في كل مكان بذاته.

стр. 590

الآخرة، وأنه يرى في الدنيا والآخرة وهذا قول ابن عربي صاحب الفصوص وأمثاله؛ لأن الوجود المطلق الساري في الكائنات لا يرى وهو وجود الحق عندهم" (١). * المطلب الخامس: الرد على من أنكر رؤية الله في الآخرة: والذين ينكرون الرؤية هم: الجهمية والمعتزلة (٢) ومن تبعهم من الخوارج والأمامية، وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة، واستدلالهم في قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. ويرد عليهم بأدلة أهل السنة والجماعة الدالة على ثبوتها. ثم إن الآيتين دليل عليهم؛ أما الآية الأولى فلاستدلال منها على ثبوت الرؤية من وجوه: أحدها: أنه لا يُظن بكليم الله موسى وأعلم الناس في وقته أن يسأل ما لا يجوز عليه بل هو عندهم من أعظم المحال. والثاني: أنه لم ينكر عليه سؤاله ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر سؤاله. الثالث: أن الله قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ولم يقل إني لا أرى أو لا يجوز رؤيتي أو لست بمرئي والفرق بين الجوابين ظاهر. الرابع: وهو قوله: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يلبث للتجلي في هذه الدار فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف. الخامس: أنه سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقرًا وذلك ممكن وقد علق به الرؤية، ولو كان محالًا لكان نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، والكل عندهم سواء. السادس: قوله ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فإذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لرسوله _________ (١) مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية (١/ ١٠٠). (٢) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص: ٢٣٢).

стр. 591

وأوليائه في دار كرامته. السابع: أن الله كلم موسى وناداه وناجاه ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبه كلامه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز (١). * أفرد المصنف في هذه المسألة باب رؤية الله في البرزخ، وذكر فيها حديث النبي ﷺ لجابر: "يَا جَابِرُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ كَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا، وَمَا كَلَّمَ بَشرَ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا" (٢). ثم ذكر بعده حديث أبي أمامة وفيه: "وَلَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا، وَإنَّهُ أَعْوَر، وَإنَّ رَبَّكُم لَيْسَ بِأَعْوَر". ثم ثنى بجملة من الأقوال في رؤية سفيان الثوري ومالك بن أنس في المنام بعد موتهم ورؤيتهم لله تعالى. _________ (١) مختصر الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية للسلمان (ص: ١٠١). (٢) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٤٤٣).

стр. 592

المبحث الثالث: أشراط الساعة: إن الإيمان بيوم القيامة أصل من أصول الإيمان الذي لا يتم إيمان العبد إلا به؛ قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. والإيمان بأشراط الساعة وعلاماتها الصحيحة الثابتة جزء لا يتجزأ من الإيمان باليوم الآخر، إذ هي من مقدمات الإيمان به، ومن الإيمان بالغيب، وأمرها شديد لذا بيّن النبي ﷺ لأمته أشراطها، وذكر ما يقع خلالها من الفتن، وحذر أمته من الوقوع فيها. والحديث عن أشراط الساعة مهم، ولا سيما إذا ابتعد الناس عن تذكر الآخرة واشتغلوا بالدنيا وملذاتها، فإن في أشراط الساعة المحسوسة التي تظهر ويراها الناس بأعينهم كما أخبر النبي ﷺ ، ما يعيد الناس إلى ربهم ويوقظهم من غفلتهم (١). "قال العلماء - رحمهم الله تعالى -: الحكمة في تقديم الأشراط، ودلالة الناس عليها، تنبيه الناس من رقدتهم وحثهم على الاحتياط لأنفسهم بالتوبة والإنابة، كي لا يباغتوا بالحول بينهم وبين تدارك العوارض منهم، فينبغي للناس أن يكونوا بعد ظهور أشراط الساعة، قد نظروا لأنفسهم وانقطعوا عن الدنيا، واستعدوا للساعة الموعود بها - والله أعلم -" (٢). وتللث الأشراط علامة لانتهاء الدنيا وانقضائها، وقيام الساعة. وقد أخفى الله عن عباده وقت وقوعها، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، لكنه أعلمهم بأمارات تدل على قرب وقوعها؛ ليأتهب المسلم لها، ويستعد لقيامها. المطلب الأول: معنى أشراط الساعة. الأشراط لغة: العلامات، واحدها شرط بالتحريك (٣). _________ (١) انظر: أشراط الساعة لعبد الله الغفيلي (ص: ٨،٧). (٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي (ص: ١٢١٧). (٣) انظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ٤٦٠)، ولسان العرب (٧/ ٣٢٩).

стр. 593

الساعة لغة: في الأصل تطلق بمعنيين: أحدهما: أن تكون عبارة عن جزء من أربعة وعشرين جزءًا هي مجموع اليوم والليلة. والثاني: أن تكون عبارة عن جزء قليل من النهار أو الليل. يقال جلست عندك ساعة من النهار: أي وقتا قليلًا منه، ثم استعير لاسم يوم القيامة. قال الزجاج: معنى الساعة في كل القرآن: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، يريد أبها ساعة خفيفة يحدث فيها أمر عظيم، فلقلة الوقت الذي تقوم فيه سماها ساعة. والله أعلم (١). أشراط الساعة: أسبابها التي هي دون معظمها وقيامها. وقيل: ما ينكره الناس من صغار أمورها قبل أن تقوم الساعة (٢). المطلب الثاني: أقسام أشراط الساعة: أشراط صغرى: وهي التي تتقدم الساعة بأزمان متفاوتة، وتكون من النوع المعتاد وقد يظهر بعضها مصاحبًا للأشراط الكبرى، وهي قسمين: قسم وقع، وقسم لم يقع بعد. والذي وقع قد يكون مضى وانقضى، وقد يكون ظهوره ليس مرة واحدة، بل يبدو شيئًا فشيئًا، وقد يتكرر وقوعه وحصوله، وقد يقع منه في المستقبل أكثر مما وقع في الماضي. وعلامات أشراط الساعة الصغرى كثيرة جدًّا (٣). أشراط كبرى: وهي أمور عجيبة وغريبة تظهر آخر الزمان، فيها إيذان بخراب العالم وانتهائه، ودلالة على قرب قيام الساعة وانقضاء الدنيا، فإذا ظهرت كانت الساعة على إثرها. ومن شأن هذه العلامات الكبرى: أنَّها إذا خرجت واحدةٌ منها تتابعت بقيتها كنظم الخرز إذا انقطع. وأنَّها إذا ظهرت لم ينفع الإيمان؛ لأنَّه يصبح إيمان شهادة، كما قال ﵎: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. ومنها: فتنة المسيح الدجال، ونزول المسيح عيسى بن مريم - عليه _________ (١) انظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ٤٢٢). (٢) انظر: غريب الحديث للخطابي (٢/ ٢٥٢)، ولسان العرب (٧/ ٣٣٠). (٣) انظر: الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة لعبد الله الأثري (ص: ١٥٠)، والوجيز في عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة له (١/ ٨٤)، والقيامة الصغرى لعمر الأشقر (ص: ١٣٧).

стр. 594

السلام -، وخروج يأجوج ومأجوج، والخسوفات الثلاثة: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وخروج الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض وتكليمها للناس، والنار التي تسوق الناس إلى أرض المحشر (١). وأهل السنة والجماعة؛ يؤمنون بها كما جاءت عن النبي ﷺ . * مما ينبغي التنبه له: أن كون الشيء من أشراط الساعة لا يستلزم الحكم عليه بحكم تكليفي؛ فإن أشراط الساعة تشتمل على: المحرم، والواجب، والمباح، والخير، والشر، فالحكم التكليفي يؤخذ من دليل آخر؛ لأن النصوص الواردة في الفتن وأشراط الساعة قد تخبر بأمور واقعة لا محالة كونًا وقدرًا، لكنها محظورة شرعًا (٢). المطلب الثالث: بعض أشراط الساعة الصغرى: ذكر المصنف ﵀ جملة من العلامات الدالة على قرب قيام الساعة، وسأذكر بعضًا منها، مع الاستشهاد بما أورده من الأدلة الدالة عليها. أولا: كل عام شر من الذي بعده: بدأ المصنف ﵀ في هذه المسألة بهذا الباب، واستشهد بحديث أنس بن مالك ﵁: "لَا يَأْتِي عَلَيْكم عَامٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ" (٣). وغيره. فما زال الشر يزيد في الأمة حتى كثرت البدع، وفشا الشرك، وعمرت المساجد على القبور، وشيدت عليها القباب، وعبدت من دون الله، وعادت الجاهلية الأولى، بل صار كثير ممن ينتسب إلى العلم يدعون إلى البدع والشرك، ويبدع من ينكر ذلك ويكفر، ولكن لا تزال بحمد الله طائفة على الحق منصورة، تقوم بها الحجة على خلقه إلى قيام الساعة (٤). وعن ابن مسعود قال: "لَيْسَ عَامٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شرٌّ مِنْه، لَا أَقُول عَامٌ أُمْطِرُ مِنْ عَامٍ، وَلَا عَامٌ أَخْصَبَ مِنْ عَامٍ، وَلَا أَمِيرٌ خَيْرٌ مِنْ أَمِيرٍ، وَلَكِنْ ذَهَابُ خِيَارِكُمْ وَعُلَمَائِكُمْ، تُمَّ يُحَدِّثُ _________ (١) انظر: أشراط الساعة لعبد الله الغفيلي (ص: ٧٥)، والإيمان لعبد الله الأثري (ص: ١٥٢، ١٥٣)، والوجيز له (١/ ٨٦)، وتذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي لعبد الررزاق البدر (ص: ٣٢١). (٢) انظر: فقه أشراط الساعة لمحمد المقدم (ص: ٢٥٧). (٣) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٥٠٢). (٤) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد لسليمان بن عبد الوهاب (ص: ٦٢١).

стр. 595

قَوْمٌ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُهْدَمُ الْإِسْلَامُ وَيَثْلُمُ" (١). ثانيًا: كثرة الفتن والحوادث والسنين الخداعات: ذكر ابن المحب ﵀ في هذا الباب جملة من الأحاديث والآثار التي تبين إخبار النبي ﷺ بما يقع في آخر الزمان من كثرة للفتن والحوادث، حتى أن الرجل يتمنى أنه في قبر أخيه من شدة ما يرى من الفتن، وانتكاس للفطرة، فمنها: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: "سَيَأْتِي - أو لَيَأْتِي - عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَاعَاتٍ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِق، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِن، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِين، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ. سُئِلَ رَسُولُ اللهِ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: السَّفِيه يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ" (٢). وحديث أسامة بن زيد ﵁: "هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لأَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَوَقْعِ الْمَطَرِ" (٣). وحديث أبي هريرة ﵁ "لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَأْتِي الرَّجُلُ الْقَبْرَ فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّة، يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَكَانَ صَاحِبِهِ" (٤). قال الحافظ العراقي: "ولا يلزم كونه في كل بلد ولا كل زمن ولا في جميع الناس، بل يصدق على اتفاقه للبعض في بعض الأقطار في بعض الأزمان، وفي تعليق تمنيه بالمرور وإشعار بشدة ما نزل بالناس من فساد الحال حالتئذ، إذ المرء قد يتمنى الموت من غير استحضار لهيئته، فإذا معاهد الموتى ورأى القبور نشز بطبعه ونفر بشجيته من تمنيه، فلقوة الشدة لم يصرفه عنه ما شاهده من وحشة القبور، ولا يناقض هذا النهي عن تمني الموت، لأن مقتضى هذا الحديث الإخبار عما يكون وليس فيه تعرض لحكم شرعي" (٥). وقول علي ﵁: "سَتَكُونُ بَعْدِي فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ مُنْكَسِفَةٌ لَا يَنْجُو مِنْهَا إِلَّا النُّوَمَة، _________ (١) رواه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى برقم (٢٠٥)، والقرطبي في جامع بيان العلم وفضله برقم (٢٠٠٨) و (٢٠٠٩). (٢) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٥١٤). (٣) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٥٢٩). (٤) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٥٢١). (٥) فيض القدير للمناوي (٦/ ٤١٨).

стр. 596

الَّذِي لَا يَدْرِي النَّاسُ مَا فِي نَفْسِهِ" (١). ثالثًا: التطاول في البنيان: وهذه من العلامات البيّنة التي ذكرها النبي ﷺ ووضحها في حديث جبريل المشهور، كما ذكرهما في غيره من الأحاديث، وقد أورد المصنف ﵀ باب في التطاول في البنيان، وذكر فيه حديثين منها: حديث أبي هريرة ﵁: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ" (٢). قال ابن أبي بكر بن غنام (٣): "والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهم حتى يتباهون بطول البنيان وزخرفته يعني إذا كثرت أموال أهل الحاجة والفاقة والفقر بسبب كونهم ملكوا الحضر. وقسروهم بالغلبة والقهر، فامتدت لهم الآمال، بعد اتساع الحال، وجمع أنواع المال، فصار همهم تشييد المباني وهدم أركان الدين بعدم العمل بآيات المثاني، فهذا التفريط والإضاعة هو من إمارات الساعة" (٤). رابعًا: المباهاة بالمساجد وزخرفتها: ذكر المصنف باب في المباهاة بالمساجد واتخاذها طرقًا، وأورد فيه جملة من الأحاديث والآثار منها: حديث أنس ﵁: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ بِالْمَسَاجِدِ" (٥). وقول ابن عباس ﵁: "لَتُزَخْرِفنَّهَا كَمَا زَخْرَفَهَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى" (٦). وهي من الزيادة فيه على المشروع، ووضع فيها ما لا يلزم وضعه. خامسًا: رفع الأمانة والحياء والإيمان: وهي من أمارات الساعة التي بوب لها المصنف بابًا، وذكر فيها جملة من الأحاديث منها: قول النبي ﷺ : "الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ فِي الجنَّةِ، وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ، وَالْجَفَاءُ فِي _________ (١) يأتي في الحديث رقم (٥٣٦). (٢) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٣٢). (٣) حسين بن غنّام النجدي الأحسائي. مات سنة: (١٢٢٥ هـ) مؤرخ، مالكي المذهب، شاعر فحل كان عالم الأحساء في عصره. من مصنفاته: (العقد الثمين .. ) و (روضة الأفكار والأفهام … ). انظر: الأعلام للزكلي (٢/ ٢٥١). (٤) العقد الثمين في شرع أحاديث أصول الدين لحسين بن غنام النجدي (ص: ٥٩). (٥) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٣٣). (٦) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٤١).

стр. 597

النَّارِ" (١). وحديث ابن عمر ﵁ قال: "إِنَّ الْحَيَاءَ وَالْإِيمَانَ قُرِنَا جمَيعًا، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الْآخَرُ" (٢). حديث أبي هريرة ﵁: "إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ" (٣). سادسًا: كثرة الزلازل: ذكر ابن المحب ﵀ في هذه المسألة باب كثرة الزلازل، وأورد فيه عددًا من الأحاديث منها: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْم، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِل، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَظْهَرَ الْهَرْجُ. قَالُوا: وَالْهَرْجُ أَيُّمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الْقَتْلُ الْقَتْلُ"" (٤). وحديث سلمة بن نفيل ﵁: "وَبَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ مُوتَانٌ شَدِيدٌ، وَبَعْدَهُ سَنَوَاتُ الزَّلَازِلِ" (٥). سابعًا: كثرة الخبث وظهوره: ومن العلامات أيضًا كثرة الخبث وظهوره. قال ابن تيمية في ذكره للآثار المترتبة على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: "كثرة الخبث؛ فإن المنكر إذا أعلن في مجتمع ولم يجد من ينكره، ويأخذ على يد فاعليه؛ فإنه عما قليل يمتد سلطانه ويشتد عوده؛ حتى يألفه الناس فيصبح. والعياذ بالله. معروفًا، وما تزال المنكرات تفشو بين الناس حتى يكثر الخبث" (٦). وقد أفرد المصنف باب ذكر فيه جملة من الأحاديث الواردة في هذا الشأن منها: عن زينب زوج النبي ﷺ قالت: "اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَوْمٍ مُحْمَرًا وَجْهُهُ وَهُوَ يَقُولُ: _________ (١) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٤٣). (٢) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٤٦). (٣) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٥٠). (٤) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٥١). (٥) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٥٢). (٦) الحسبة لابن تيمية (ص: ٨٨، ٨٩).

стр. 598

لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ - ثَلَاث مَراتِ -، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ، - وَحَلَّقَ حَلَقَةً - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخبَثُ" (١). حديث هشام بن حكيم ﵁: "إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُعَذِبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا" (٢). ثامنًا: رفع التحوت ووضع الأخيار: وسيصير هذا في آخر الزمان، وتنقلب حقائق الإيمان، وتنعكس فيه جميع الأمور، ويصير المباح هو المحظور (٣). وذكر المصنف ﵀ عددًا من الأحاديث في هذا الباب منها: عن أبي هريرة ﵁ في أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: "وَتَعْلُوَ التُّحُوتُ الْوُعُولَ"، وفسره بأنهم: "فُسُولُ الرِّجَالِ، أَهْلُ الْبُيُوتِ الْغَامِضَةِ، يُرْفَعُونَ قَبْل صَالِحِهِمْ، وَأَهْلِ الْبُيُوتِ الصَّالِحَةِ" (٤). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: "إِنَّ مِنْ أَشرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُفْتَحَ الْقَوْلُ وَيُخْزَنَ الْفِعْلُ وَيُوضَعَ الأَخْيَارُ وَيَظْهَرُ الأَشْرَارُ وَأَنْ تُقرأَ فِيهِمُ المثْناة لَيْسَ فِي الْقَوْمِ أَحَدٌ يُغيرها قِيلَ وَمَا المثْنَاة قَالَ مَا اكْتُتِبَ سِوَى كِتَابِ اللهِ" (٥). تاسعًا: الوباء والفناء والفجأة والطاعون: ذكر المصنف فيه جملة من الأحاديث منها: عن أبي بن كعب ﵁ رفعه: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذكرُوا اللهِ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَة، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ" (٦). حديث عائشة ﵂: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَنِي "أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاء، وَأَنَّ اللهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُون، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَه، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ _________ (١) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٥٤). (٢) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٥٦). (٣) العقد الثمين لحسين بن غنام (ص: ٦١). (٤) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٦٧). (٥) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٦٩). (٦) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٧١).

стр. 599

شَهِيدٍ"" (١). عاشرًا: ظهور الفرق الضالة كالرافضة والخوارج (٢): ومن علامات الساعة التي أخبرنا عنها النبي ﷺ ظهور الفرق الضالة، وهذه من العلامات التي وقعت بعد زمن النبوة، ومن هذه الفرق الرافضة والخوارج، وقد ذكر المصنف ﵀ فيهم جملة من الأحاديث منها: في الرافضة: عن علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي ﵁ قال: "يَكُونُ فِي أُمَّتِي قَوْمٌ يُسَمُّونَ الرَّافِضَةَ يَرْفُضُونَ الْإِسْلَامَ" (٣). "يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْم يُنْبَزُونَ الرَّافِضَة، يَرْفُضُونَ الْإِسْلَامَ وَيَلْفُظُونَه، فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّهُمْ مُشْركُونَ" (٤). في الخوارج: عن علي ﵁ قال: "واللهِ لَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا لَحَدَّثْتُكمْ مَا وَعَدَ اللهُ لِسَانَ نَبِيَهُ الَّذِينَ تَقْتُلُونَهُمْ. فِيهِم: "رَجُلٌ مُخدَجُ الْيَدِ، أَوْ مَثْدُونُ الْيَدِ، أَوْ مُودَنُ الْيَدِ". قَالَ قُلْتُ: آنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسْولِ الله؟ قَالَ: نَعَمْ سمَعْتُهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلا مَرَّتَيْنِ وَلا ثَلاثَةٍ وَلا أَرْبَعَةٍ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: الْمُخْدَجُ شِبْهُ مَا يَخْدُجُ الشَّاةَ، وَالْمَثْدُونُ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، وَالْمُودِنُ النَّاقِصُ" (٥). عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَخْرُجُ قَومٌ مِنْ أُمَتِي يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَرْتَدَ السَّهْمُ عَلَى فُوقِهِ التَّسْبِيدُ فِيهِمْ فَاشٍ" (٦). * ومن جملة العلامات الدالة على قرب قيام الساعة، والتي ذكرها ابن المحب في هذه المسألة ولم يبوب لها: - ما جاء في قله الرجال وكثرة النساء: عن أنس بن مالك ﵁، قال: "كنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ: _________ (١) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٤٨). (٢) ذكر الفرق باستثناء الخوارج فيها أحاديث مختلف في تصحيحها. انظر: جنة المرتاب بنقد المغني عن الحفظ والكتاب للحويني (ص: ٢٩ - ٥٢). (٣) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٥٣٩). (٤) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٨٧٤). (٥) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٧٧). (٦) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٧٩).

стр. 600

لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ قَيِّم خَمْسِينَ امْرَأَةً رَجلٌ وَاحِد، وَحَتَّى تَمُرُ الْمَرْأَةَ بِالنَّعْلِ، فَيَقُولُ: كَانَتْ هَذِهِ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، وَحَتَّى تُمْطِرَ السَّمَاء، وَلَا تُنْبِتَ الْأَرْضُ" (١). - السلام على المعارف فقط: حديث: "بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ تَسْلِيمُ الْخَاصَّةِ وَفُشُو التِّجَارَة، حَتَّى تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا" (٢). - انتفاخ الأهلة وتقارب الزمان: حديث عبد الله ﵁: "مِنَ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ انْتِفَاخُ الْأَهِلَّةِ" (٣). وحديث أنس ﵁: "مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ أَنْ يُرَى الْهِلَالُ قِبَلًا، فَيُقَالُ لِلَيْلَتَيْنِ" (٤). - شرب الخمر واستحلالها: حديث عبادة بن الصامت ﵁: "لَيَسْتَحِلَّنَ آخِرَ أُمَّتِي الْخَمْرَ، بِاسْمٍ يُسَمُّونَهَا إِيَّاهُ" (٥). وغيرها. * كما أورد ﵀ جملة من الأحاديث التي وضح فيها تحذير النبي ﷺ أمته من الوقوع فيها، ولعله يريد بذكرها في هذه المسألة بيان كثرتها وانتشارها في آخر الزمان، حيث ذكر أحاديث في الحمام، كما أورد أحاديث عنونها بالعقوبة نقيض القصد، ذكر فيها جملة من الأحاديث في: الرياء، والمراء في القرآن، ونقض العهد، وسوء الجوار، وغيرها. ومن ذلك أيضًا: أحاديث في النهي عن الكذب على النبي ﷺ ، والنهي عن سب الصحابة - رضوان الله عليهم -، والنهي عن شهادة الزور، والشماتة، والغش، والنهي عن لبس الحرير، وعن قتل المؤمنين بعضهم بعضًا، وعن قتل المعاهد، .. وغيرها. _________ (١) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧١٨). (٢) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٢٣). (٣) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٢٧). (٤) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٢٨). (٥) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٦١) و (٧٠٨).
следующие страницы →