Полный текст (3 288 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
الَّذِي لَا يَدْرِي النَّاسُ مَا فِي نَفْسِهِ" (١).
ثالثًا: التطاول في البنيان:
وهذه من العلامات البيّنة التي ذكرها النبي ﷺ ووضحها في حديث جبريل المشهور، كما ذكرهما في غيره من الأحاديث، وقد أورد المصنف ﵀ باب في التطاول في البنيان، وذكر فيه حديثين منها:
حديث أبي هريرة ﵁: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ" (٢).
قال ابن أبي بكر بن غنام (٣): "والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهم حتى يتباهون بطول البنيان وزخرفته يعني إذا كثرت أموال أهل الحاجة والفاقة والفقر بسبب كونهم ملكوا الحضر. وقسروهم بالغلبة والقهر، فامتدت لهم الآمال، بعد اتساع الحال، وجمع أنواع المال، فصار همهم تشييد المباني وهدم أركان الدين بعدم العمل بآيات المثاني، فهذا التفريط والإضاعة هو من إمارات الساعة" (٤).
رابعًا: المباهاة بالمساجد وزخرفتها:
ذكر المصنف باب في المباهاة بالمساجد واتخاذها طرقًا، وأورد فيه جملة من الأحاديث والآثار منها:
حديث أنس ﵁: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ بِالْمَسَاجِدِ" (٥).
وقول ابن عباس ﵁: "لَتُزَخْرِفنَّهَا كَمَا زَخْرَفَهَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى" (٦).
وهي من الزيادة فيه على المشروع، ووضع فيها ما لا يلزم وضعه.
خامسًا: رفع الأمانة والحياء والإيمان:
وهي من أمارات الساعة التي بوب لها المصنف بابًا، وذكر فيها جملة من الأحاديث منها: قول النبي ﷺ : "الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ فِي الجنَّةِ، وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ، وَالْجَفَاءُ فِي
_________
(١) يأتي في الحديث رقم (٥٣٦).
(٢) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٣٢).
(٣) حسين بن غنّام النجدي الأحسائي. مات سنة: (١٢٢٥ هـ) مؤرخ، مالكي المذهب، شاعر فحل كان عالم الأحساء في عصره. من مصنفاته: (العقد الثمين .. ) و (روضة الأفكار والأفهام … ). انظر: الأعلام للزكلي (٢/ ٢٥١).
(٤) العقد الثمين في شرع أحاديث أصول الدين لحسين بن غنام النجدي (ص: ٥٩).
(٥) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٣٣).
(٦) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٤١).
стр. 597
النَّارِ" (١).
وحديث ابن عمر ﵁ قال: "إِنَّ الْحَيَاءَ وَالْإِيمَانَ قُرِنَا جمَيعًا، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الْآخَرُ" (٢).
حديث أبي هريرة ﵁: "إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ" (٣).
سادسًا: كثرة الزلازل:
ذكر ابن المحب ﵀ في هذه المسألة باب كثرة الزلازل، وأورد فيه عددًا من الأحاديث منها:
حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْم، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِل، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَظْهَرَ الْهَرْجُ. قَالُوا: وَالْهَرْجُ أَيُّمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الْقَتْلُ الْقَتْلُ"" (٤).
وحديث سلمة بن نفيل ﵁: "وَبَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ مُوتَانٌ شَدِيدٌ، وَبَعْدَهُ سَنَوَاتُ الزَّلَازِلِ" (٥).
سابعًا: كثرة الخبث وظهوره:
ومن العلامات أيضًا كثرة الخبث وظهوره. قال ابن تيمية في ذكره للآثار المترتبة على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: "كثرة الخبث؛ فإن المنكر إذا أعلن في مجتمع ولم يجد من ينكره، ويأخذ على يد فاعليه؛ فإنه عما قليل يمتد سلطانه ويشتد عوده؛ حتى يألفه الناس فيصبح. والعياذ بالله. معروفًا، وما تزال المنكرات تفشو بين الناس حتى يكثر الخبث" (٦).
وقد أفرد المصنف باب ذكر فيه جملة من الأحاديث الواردة في هذا الشأن منها:
عن زينب زوج النبي ﷺ قالت: "اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَوْمٍ مُحْمَرًا وَجْهُهُ وَهُوَ يَقُولُ:
_________
(١) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٤٣).
(٢) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٤٦).
(٣) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٥٠).
(٤) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٥١).
(٥) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٥٢).
(٦) الحسبة لابن تيمية (ص: ٨٨، ٨٩).
стр. 598
لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ - ثَلَاث مَراتِ -، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ، - وَحَلَّقَ حَلَقَةً - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخبَثُ" (١).
حديث هشام بن حكيم ﵁: "إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُعَذِبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا" (٢).
ثامنًا: رفع التحوت ووضع الأخيار:
وسيصير هذا في آخر الزمان، وتنقلب حقائق الإيمان، وتنعكس فيه جميع الأمور، ويصير المباح هو المحظور (٣). وذكر المصنف ﵀ عددًا من الأحاديث في هذا الباب منها: عن أبي هريرة ﵁ في أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: "وَتَعْلُوَ التُّحُوتُ الْوُعُولَ"، وفسره بأنهم: "فُسُولُ الرِّجَالِ، أَهْلُ الْبُيُوتِ الْغَامِضَةِ، يُرْفَعُونَ قَبْل صَالِحِهِمْ، وَأَهْلِ الْبُيُوتِ الصَّالِحَةِ" (٤).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: "إِنَّ مِنْ أَشرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُفْتَحَ الْقَوْلُ وَيُخْزَنَ الْفِعْلُ وَيُوضَعَ الأَخْيَارُ وَيَظْهَرُ الأَشْرَارُ وَأَنْ تُقرأَ فِيهِمُ المثْناة لَيْسَ فِي الْقَوْمِ أَحَدٌ يُغيرها قِيلَ وَمَا المثْنَاة قَالَ مَا اكْتُتِبَ سِوَى كِتَابِ اللهِ" (٥).
تاسعًا: الوباء والفناء والفجأة والطاعون:
ذكر المصنف فيه جملة من الأحاديث منها:
عن أبي بن كعب ﵁ رفعه: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذكرُوا اللهِ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَة، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ" (٦).
حديث عائشة ﵂: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَنِي "أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاء، وَأَنَّ اللهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُون، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَه، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ
_________
(١) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٥٤).
(٢) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٦٥٦).
(٣) العقد الثمين لحسين بن غنام (ص: ٦١).
(٤) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٦٧).
(٥) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٦٩).
(٦) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٧١).
стр. 599
شَهِيدٍ"" (١).
عاشرًا: ظهور الفرق الضالة كالرافضة والخوارج (٢):
ومن علامات الساعة التي أخبرنا عنها النبي ﷺ ظهور الفرق الضالة، وهذه من العلامات التي وقعت بعد زمن النبوة، ومن هذه الفرق الرافضة والخوارج، وقد ذكر المصنف ﵀ فيهم جملة من الأحاديث منها:
في الرافضة: عن علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي ﵁ قال: "يَكُونُ فِي أُمَّتِي قَوْمٌ يُسَمُّونَ الرَّافِضَةَ يَرْفُضُونَ الْإِسْلَامَ" (٣).
"يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْم يُنْبَزُونَ الرَّافِضَة، يَرْفُضُونَ الْإِسْلَامَ وَيَلْفُظُونَه، فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّهُمْ مُشْركُونَ" (٤).
في الخوارج: عن علي ﵁ قال: "واللهِ لَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا لَحَدَّثْتُكمْ مَا وَعَدَ اللهُ لِسَانَ نَبِيَهُ الَّذِينَ تَقْتُلُونَهُمْ. فِيهِم: "رَجُلٌ مُخدَجُ الْيَدِ، أَوْ مَثْدُونُ الْيَدِ، أَوْ مُودَنُ الْيَدِ". قَالَ قُلْتُ: آنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسْولِ الله؟ قَالَ: نَعَمْ سمَعْتُهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلا مَرَّتَيْنِ وَلا ثَلاثَةٍ وَلا أَرْبَعَةٍ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: الْمُخْدَجُ شِبْهُ مَا يَخْدُجُ الشَّاةَ، وَالْمَثْدُونُ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، وَالْمُودِنُ النَّاقِصُ" (٥).
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَخْرُجُ قَومٌ مِنْ أُمَتِي يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَرْتَدَ السَّهْمُ عَلَى فُوقِهِ التَّسْبِيدُ فِيهِمْ فَاشٍ" (٦).
* ومن جملة العلامات الدالة على قرب قيام الساعة، والتي ذكرها ابن المحب في هذه المسألة ولم يبوب لها:
- ما جاء في قله الرجال وكثرة النساء: عن أنس بن مالك ﵁، قال: "كنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ:
_________
(١) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٤٨).
(٢) ذكر الفرق باستثناء الخوارج فيها أحاديث مختلف في تصحيحها. انظر: جنة المرتاب بنقد المغني عن الحفظ والكتاب للحويني (ص: ٢٩ - ٥٢).
(٣) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٥٣٩).
(٤) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٨٧٤).
(٥) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٧٧).
(٦) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٧٩).
стр. 600
لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ قَيِّم خَمْسِينَ امْرَأَةً رَجلٌ وَاحِد، وَحَتَّى تَمُرُ الْمَرْأَةَ بِالنَّعْلِ، فَيَقُولُ: كَانَتْ هَذِهِ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، وَحَتَّى تُمْطِرَ السَّمَاء، وَلَا تُنْبِتَ الْأَرْضُ" (١).
- السلام على المعارف فقط: حديث: "بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ تَسْلِيمُ الْخَاصَّةِ وَفُشُو التِّجَارَة، حَتَّى تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا" (٢).
- انتفاخ الأهلة وتقارب الزمان: حديث عبد الله ﵁: "مِنَ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ انْتِفَاخُ الْأَهِلَّةِ" (٣). وحديث أنس ﵁: "مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ أَنْ يُرَى الْهِلَالُ قِبَلًا، فَيُقَالُ لِلَيْلَتَيْنِ" (٤).
- شرب الخمر واستحلالها: حديث عبادة بن الصامت ﵁: "لَيَسْتَحِلَّنَ آخِرَ أُمَّتِي الْخَمْرَ، بِاسْمٍ يُسَمُّونَهَا إِيَّاهُ" (٥). وغيرها.
* كما أورد ﵀ جملة من الأحاديث التي وضح فيها تحذير النبي ﷺ أمته من الوقوع فيها، ولعله يريد بذكرها في هذه المسألة بيان كثرتها وانتشارها في آخر الزمان، حيث ذكر أحاديث في الحمام، كما أورد أحاديث عنونها بالعقوبة نقيض القصد، ذكر فيها جملة من الأحاديث في: الرياء، والمراء في القرآن، ونقض العهد، وسوء الجوار، وغيرها. ومن ذلك أيضًا: أحاديث في النهي عن الكذب على النبي ﷺ ، والنهي عن سب الصحابة - رضوان الله عليهم -، والنهي عن شهادة الزور، والشماتة، والغش، والنهي عن لبس الحرير، وعن قتل المؤمنين بعضهم بعضًا، وعن قتل المعاهد، .. وغيرها.
_________
(١) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧١٨).
(٢) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٢٣).
(٣) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٢٧).
(٤) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٢٨).
(٥) يأتي تخريجه في الحديث رقم (٧٦١) و (٧٠٨).
стр. 601
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة أم القرى
كلية الدعوة وأصول الدين
قسم العقيدة
كتاب صفات رب العالمين
لابن المحب الصامت (٧١٢ هـ - ٧٨٩ هـ)
دراسة وتحقيق
من (باب البدع والأهواء والظنون) إلى أخر الكتاب
رسالة مُقدّمة لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الماجستير
في العقيدة
دراسة وتحقيق
الطالبة: أميمة بنت عيسى محمد المسملي.
الرقم الجامعي: ٤٣٣٨٠٢٩٦
إشراف:
د. سلطان بن عبد الرحمن حميد العميري
الأستاذ المشارك بقسم العقيدة
كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م
стр. 602
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 603
المقدمة
стр. 604
المقدّمة
إن الحَمد لله تعالى، نَحْمَده ونَستعيِنه ونَستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
وبعد:
فإنَّ من أنفس ما بذلت فيه الأوقات، وصُرفت له الغايات بذل الجهد في طلب العلم الشرعي، وترداد النظر في كتب أهل العلم ودواوينهم.
وأشرف تلك العلوم وأفضلها وأعلاها هو علم العقيدة، إذ شرَفُ العِلم بشرف المعلوم، لأنه لا حياة ولا نعيم للقلوب إلا بمعرفة خالقها ومعبودها وأسمائه وصفاته.
ولما كان من المحال أن تستقلَّ العقول بمعرفة ذلك أرسل الله الرسل مُعرفين به، ومبشرين ومنذرين.
وكان آخر الرسل وخاتمهم وأفضلهم نبينا محمد ﷺ فأكمل الله به الدَّين، وأقام به الحجة، ولم يقبض رسول الله ﷺ حتى بلغ الدين على تمامه وكماله، ولم يترك شيئًا يقرب للجنَّة أو يبعد عن النَّار إلا دلَّ الأمة عليه.
حتى قال أبو ذر ﵁: "لقد تركنا محمد ﷺ ، وما يحرك طائر
стр. 605
جناحيه في السماء إلا أذْكَرنا منه علما" (١).
واستمسك الصحابة وأصحاب القرون المفضلة من بعده بنهجه، واتبعوا سنته بهمة وعزم.
حتى جاء قوم زهدوا بسنته، وتركوا الاتّبَاع إلى الابتداع، واتبعوا أهوائهم، وتعصبوا لمشايخهم، ثم اختلفوا بعد ذلك وتعددت طرائقهم قِددا.
ومن تمام حفظ الله ﵎ لهذا الدين أن هيأ له علماء عاملين، لهم في بيان الهدى آثار وأخبار.
وكان من أعلامهم الإمام: شمس الدّين أبو بكر محمد ابن عبد الله ابن أحمد بن المحب الصامت المقدسي الحنبلي، المتوفى سنة تسع وثمانين وسبعمائة.
ومن خدمته وجهوده كتابه: " صفات ربّ العالمين " الذي ظل مخطوطًا قرونًا طويلة. وقد وافق مجلس قسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى أن يقوم طلابه بتحقيق هذا السفرِ النَّفيس، ثم جرى تقسيمه على جماعة من الطلاب، فرأيت مشاركة الباحثين السابقين في الدراسة والتحقيق وكان نصيبي منه الجزء الأخير من الكتاب وهو الذي سيكون عليه تحقيقي ودراستي.
_________
(١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم: (٢١٣٦١).
стр. 606
أسباب اختيار الموضوع:
١ - المساهمة - ولو بجهد قليل - في إخراج كتب التراث الإسلامي، وإخراج كنوزه التي خلفها سلفنا رحمهم الله تعالى.
٢ - أن هذا الجزء من المخطوط لم يسبق دراسته وتحقيقه ونشره أكاديميًا.
٣ - رغبتي الأكيدة في الاشتغال بعلم التحقيق، إذ أنه يوقف الباحث على علوم متنوعة.
٤ - مؤلف الكتاب من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
٥ - اشتمال الكتاب على مسائل عقدية ونصوص كثيرة من الأحاديث والآثار.
أهمية الكتاب:
يكتسب الكتاب أهميته من عدة أمور:
١ - من موضوعه: وموضوعه هو: (صفات ربّ العالمين) والعلم بصفات الله أفضل العلوم، فالمصنف تكلم في غالبه عن صفات الله تم تناول بعض المسائل العقدية الأخرى كأشراط الساعة، والفتن، والجنة ونعيمها.
٢ - من مؤلفه: فمؤلفه الإمام ابن المحب الصامت من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله.
٣ - اشتمال الكتاب على كثير من الأحاديث والآثار المسندة.
٤ - كما أنه يشتمل على نقول لأئمة السلف لم يروها غيره.
٥ - ومما يعزز من قيمة الكتاب نقل المصنف لأقوال العلماء في الحكم على الحديث أحياناً، وكذلك جمعه لطرق الحديث وذكره للمتابعات والشواهد في بعض الأحاديث، كما أنه يخرج بعض الأحاديث بدقة عجيبة من الأجزاء الصغيرة والمجالس والأمالي ونحوها.
стр. 607
الدراسات السابقة:
عند بحثي عن الدراسات السابقة لكتاب " صفات رب العالمين " فإني لم أجد من قام بتحقيقه ودراسته ونشره علمياً وأكاديماً.
وقد شاركني في تحقيق هذا الجزء من الكتاب عدد من الباحثين وبيانهم كالتالي:
١ - الباحث صقر بن حسن الغامدي من أول الكتاب إلى (باب خلق الملائكة والجن والحور والعين والروح).
٢ - الباحث فواز بن فرحان الشمري من (باب الرزق)، إلى نهاية (باب نزول الله جلَّ ثناؤه يوم القيامة).
٣ - الباحثة أمامة بنت محمد المهدي من (باب ما ذكر في الساعد والذراع والباع والراحة والكتف والصدر، إلى باب (ذكر الصوت).
٤ - الباحث جابر بن عقيل العبدلي من (باب الجمع الخوف والرجاء) إلى بداية: (ما جاء في المصافحة).
٥ - الباحثة إنعام بنت عبد العزيز المنصور من (باب قول النبي ﷺ : " قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض " وقول الله تعالى: (وخلق كل شي فقدره تقديرا) إلى باب (الوباء والفناء).
стр. 608
منهج البحث
قسمتُ البحث إلى قسمين:
* القسم الأول: الدِّراسة
وجعلتها في بابين:
الباب الأول: التعريف بالمؤلف وتحته فصلين:
الفصل الأول: عصر المصنّف ﵀. والكلام فيه على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الحالة السياسية.
المبحث الثاني: الحالة العلمية.
المبحث الثالث: الحالة الاجتماعية.
الفصل الثاني: حياة المؤلف الشَّخصية.
ويشتمل على التعريف بالأمور التالية:
أولًا: اسمه
ثانيًا: لقبه وكنيته.
ثالثًا: مكان مولده وتاريخه.
رابعًا: مذهبه الفقهي.
خامسًا: عقيدته.
سادسًا: نشأته وأسرته.
سابعًا: ثناء العلماء عليه.
ثامنًا: شيوخه وتلاميذه.
تاسعًا: آثاره العلمية.
عاشرًا: وفاته.
стр. 609
الباب الثاني: التعريف بالكتاب ونسخه.
وفية فصلان:
الفصل الأول: والكلام فيه على المباحث التالية:
أولًا: اسم الكتاب، وموضوعه، وتوثيق نسبته لمصنفه.
ثانيًا: وصف النسخة الخطية.
ثالثًا: الجزء المراد تحقيقه، ومنهج المصنف في تأليفه للكتاب، والرموز التي أستخدمها المصنف.
رابعًا: الملحوظات التي يُظنُّ ورودها مآخذ على عمل المصنف.
خامسًا: نماذج مصوَّرة للنسخ الخطية
الفصل الثاني: دراسة لموضوعات الجزء المحقق.
* القسم الثاني: التحقيق.
سيكون عملي على النسخة الوحيدة، وذلك لأن المخطوط بخط المؤلف، ولا يوجد للكتاب - بعد البحث والتنقيب - أي نسخة أخرى، وسيكون منهج التحقيق كالتالي:
١ - كتابة النص بالرسم الإملائي الحديث، وما خالف الرسم الإملائي فإني لا أشير إليه في الحاشية.
٢ - كتابة الآيات الكريمة وفق الرسم العثماني إلا لإثبات قراءة مخالفة لما عليه الرسم العثماني.
٣ - أعزو الآيات القرآنية إلى أماكنها في المصحف بذكر اسم السورة ورقم الآية، وجعلت العزو ضمن المتن المحقق بين معكوفتين.
٤ - تصحيح الآيات في المتن إن وجدت فيها خطأ - وهو قليل جداً - والإشارة لذلك في الحاشية.
٥ - تخريج الأحاديث النبوية واتبعت في تخريجها يلي:
أولا: إذاكان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما فإني أكتفي بالعزو إليهما.
ثانيا: إذا لم يكن الحديث في الصحيحين ووجدته في السنن الأربعة فأكتفي بالعزو إليها.
стр. 610
ثالثا: إذا لم أجد الحديث في الكتب السابقة خرجته من كتب الحديث المشهورة، وإن ولم أجده في الكتب المشهورة عزوته لغيرها من المصنفات الحديثية.
رابعًا: يحيل المصنف ﵀ لبعض المصنفات والأجزاء الحديثية غير المشهورة، وسأخرج منها إن وقفت عليها مطبوعة كانت أو مخطوطة، وما لم أقف عليه منها فإني أكتفي بالعزو لكتب السنة المشهورة دون إشارة أو حكم على ما لم أجده من المصنفات.
خامسًا: إذا كان الحديث في غير الصحيحين فإني أخرجه من المصنفات التي جمعت الأحاديث الصحيحة فقط، وإن لم أجده فأبحث عنه في المصنفات الجامعة للضعيف أو الموضوع، وأذكر - في بعض الأحيان - أحكام العلماء الذين حكموا على الحديث وأذكرها عقب وروده.
٦ - أعزو الآثار والأقوال إلى الكتب المطبوعة والمخطوطة ما أمكن ذلك.
٧ - لا أذكر الفروق بين المخطوط والمصادر المطبوعة التي أحال عليها المصنف إلا لبيان خطأ أو لمصلحة علمية، وإن ذكرت الفروق جعلتها في الهامش بين معكوفتين.
٨ - يعزو المصنف لكثير من كتب السنن والمسانيد والأجزاء الحديثة، وطلبًا للاختصار فقد جعلت الإحالة عند التخريج - غالبًا - في آخر كلام المصنف.
٩ - أعرف بالأعلام غير المشهورين تعريفًا موجزًا.
١٠ - عرفت بالفرق الواردة في النص بشكل مختصر.
١١ - شرحتُ الكلمات الغريبة من كتب غريب الحديث وكتب اللغة.
١٢ - يدخل المؤلف أحيانًا أحاديث في غير أبوابها، ويكتب في بعض الألواح والأحاديث (يُقدم)، وقد تركتها كما هي اتباعًا للمنهج العلمي في تحقيق مسودة المصنف.
١٣ - التعليقات العلمية سوف تكون على بعض المواضع العلمية التي أرى أن القارئ بحاجة إلى بيان موجز أو ملخص يتعلق بالمسألة التي ذكرها المصنف.
ولم ألتزم التعليق على كل مسألة في الكتاب مخافة إثقال الحواشي زيادة على ثقلها، فتركت المسائل التي أظن أنها واضحة لطلبة العلم.
١٤ - الإشارة إلى بداية كل صفحة من المخطوط وذلك بكتابة رقم اللوحة والوجه قبل أول كلمة فيه، فالرقم يشير إلى رقم اللوحة، والحرف يشير إلى أحد وجهي اللوحة.
стр. 611
٩/ عقَّبتُ على ذلك بفهارس عامة تخدم القارئ، وتقرِّبُ له بُغيَته؛ وتشمل على ما يلي:
١ - فهرس الآيات القرآنية.
٢ - فهرس الأحاديث.
٣ - فهرس الآثار.
٤ - فهرس الفرق.
٥ - فهرس الغريب.
٦ - فهرس البلدان.
٧ - فهرس المصادر.
٨ - فهرس الموضوعات.
الصعوبات التي واجهت الباحث:
هناك عدد من الصعوبات التي واجهتني أثناء التحقيق، ويمكن إيجازها فيما يلي:
١. أن الكتاب مسودَّة للمؤلف، يضيف إليه بين الحين والآخر ما يراه من الآيات والأحاديث والآثار.
٢. أنه مليء بالهوامش التي يصعب قراءتها وتحديد مكانها، مما يجعلني أقرأ اللوح أكثر من مرة، وقد أحتاج أحياناً إلى تخريج ما في اللوح حتى أضع الهوامش في مكانها الصحيح.
٣. التداخل الذي يوجد بين الأسطر مما جعلني أقف محتارةً في تمييز بعضها عن بعض.
٤. الجهد والوقت الطويل الذي استنزف في محاولة قراءة المخطوط، وسوء خط المؤلف راجع للأسباب التالية:
أ - قلَّة الإعجام لدرجة يصعب معها قراءة الكلمة، أو الكلمات، لاحتمالها عدة أوجه.
ب - وصل بعض الكلمات مع كلمات أخرى، مما يحصل معه الاشتباه والخطأ عند قراءتها.
٥. ضعف التصوير في بعض ألواح المخطوط، مما يؤدي إلى اختفاء بعض الكلمات أو عدم وضوحها.
стр. 612
٦. التشابه في أسماء الرواة الواردة في أسانيد الأحاديث، فأحياناً لا يصرح المصنف إلا بأول الاسم، أو ينسبه لأبيه أو جده، أو يذكر كنيته، وعند الرجوع لنفس الطبقة قد أجد فيها أكثر من عَلَم بنفس الاسم، فأتردد كثيراً في تحديد ذلك الراوي، مما يجعلني أرجع إلى عدد من المصادر وأستعرض الشيوخ والتلاميذ.
٧. تعدد مصادر المصنف في كتابه فمنها المخطوط الذي لم يطبع مما يجعلني أقوم بقراءته والبحث عن النص المراد توثيقه، وهذه المخطوطات مختلفة في صعوبتها ووضوحها وحجمها، وقد يكون منها المفقود جزء منه فلا أجد النص فيه، مما يستنزف مني جهداً ووقتاً.
٨. عدم وجود عدد من المصادر التي ينقل عنها المؤلف ﵀ إما بإسناده إليها، أو بنقله عنها.
هذه بعض المشاكل التي واجهتني في تحقيق هذا المخطوط، ولكن بفضل وتوفيق من الله سبحانه، تغلبت على كثير منها والحمد لله.
وفي الختام لا يسعني إلا أن أتوجه بالحمد لله والشكر الجزيل له على عظيم مَنَّه، وواسع كرمه، وجزيل فضله، فنعمه لم تزل عليّ تترى، وآلاؤه غامرة لي، فله الحمد وآخرًا.
ومن تلك النعم نعمة انتسابي إلى العلم الشرعي لا سيَّما علم العقيدة الذي هو أشرف العلوم بإطلاق.
كما أحمده أن وفقني لاختيار هذا الموضوع، وأعانني على تحقيق هذا الكتاب.
تم أثني بالشكر الجزيل لمن قرن الله حقهما بحقه، وهما الوالدن حفظهما الله، فشكرا لهما على أفضالهما العظيمة رغم قلة وفائي معهما، وتقصيري في حقهما، والله أسأل أن يرحمهما كما ربياني صغيراً، وأن يجزيهما خير الجزاء على ما بذلاه من جهد ووقت في تربيتي وإعانتي لطب العلم.
كما أتوجه بالشكر لجامعة أم القرى ممثلة في قسم العقيدة، حيث أتاحت لي فرصة الدراسة فيها، والأخذ عن المشايخ الكرام.
كما أشكر فضيلة المشرف د: سلطان العميري، وأسأل المولى أن يجزيه خير الجزاء وأن
стр. 613
يجعله مباركًا أينما كان.
ويمتد شكري إلى كل من قدَّم لي العون وأفادني من إخوة وأخوات، وصديقات ومعلمات مخلصات وأخص منهم د: معيضة الهذلي.
والله أسأل أن يجزيهم في خير الجزاء وأوفاه وأفضله.
والشكر لله أولًا وآخرًا.
وختامًا: فإني لا أدعي الكمال في عملي ولكن حسبي أنّيَّ بذلت جهدي في ذلك.
وأتمثل الآن قول العلامة ابن القيم: أن المؤلف (قد نصب نفسه هدفاً لسهام الراشقين، وغرضًا لأسنة الطاعنين، فلقارئه غُنمه، وعلى مؤلفه غُرمه، وهذه بضاعته تعرض عليك، وموليته تهدى إليك، فإن صادفت كفؤاً كريما لها لن تعدم منه إمساكًا بمعروف، أو تسريحًا بإحسان، وإن صادفت غيره فالله تعالى المستعان وعليه التكلان، وقد رضي من مهرها بدعوة خالصة إن وافقت قبولًا واستحسانًا وبرد جميل إن كان حظها احتقاراً واستهجانا) (١).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
_________
(١) (روضة المحبين ص: ١٤).
стр. 614
القسم الأول الدِّراسة.
стр. 615
الباب الأول: التعريف بالمؤلف.
وفيه فصلين:
الفصل الأول: عصر المصَنَّف ﵀.
الفصل الثاني: حياته الشَّخصية.
стр. 616
الفصل الأول:
عصر المصنف ﵀: وتحته ثلاثة مباحث:
أولًا: الحالة السِّياسيِّة.
ثانيًا: الحالة العلمية.
ثالثًا: الحالة الإجتماعية.
стр. 617
المبحث الأول: الحالة السِّياسية.
في هذه الصفحات سنتحدث بصورة مختصرة عن الحياة السياسية التي عاش فيها الإمام أبو بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت ﵀.
عاش ابن المحب في القرن الثامن الهجري، في الفترة ما بين سنتي (٧٨٩ - ٧١٢ هـ)، في مدينة الصالحية بدمشق، إذ كان الحكم السائد في هذه الفترة لدولة المماليك (١).
وحينما ولد كان سلطات البلاد في ذلك الوقت هو: الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون (٢)، ومات ﵀ في عهد السلطان الملك الظاهر سيف الدين برقوق بن آنص الجركسي.
وكانت لدولة المماليك مرحلتان:
المرحلة الأولى: دولة المماليك البحرية [٦٤٨ - ٧٨٤ هـ].
(أكثر الأيوبيون من شراء المماليك الأتراك، وبنوا لهم الثكنات بجزيرة الروضة، وأطلقوا
_________
(١) يطلق اسم المماليك على أولئك الرقيق الذين درج بعض الحكام المسلمين على استحضارهم من أقطار مختلفة وتربيتهم تربية خاصة، تجعل منهم محاربين أشداء، استطاعوا فيما بعد أن يسيطروا على الحكم في مصر وأحيانا الشام والحجاز وغيرها قرابة الثلاثة قرون من الزمان ما بين ٦٤٨ - ٩٢٢ هـ. انظر: (المماليك البحرية وقضائهم على الصليبيين في الشام ص: ١٠٧)
(٢) الملك النّاصر: محمد بن الملك المنصور قلاوون بن عبد الله الصّالحي، ولي السلطنة عقب قتل أخيه الأشرف وعمره تسع سنين، فولي السلطنة سنة إلّا ثلاثة أيام، ثم خلع بكتبغا، وكان كتبغا قد جهّز النِّاصر إلى الكرك بعد أن حلف له أنه إذا ترعرع وترجّل يفرغ له عن المملكة بشرط أن يعطيه مملكة الشام استقلالا، ثم أحضر الناصر من الكرك إلى مصر سنة ثمان وتسعين وسلطنوه ثانيا، توفي في تاسع عشر ذي الحجة سنة ٧٤١ هـ وحمل ليلا إلى المنصورية، فغسل بها، وصلّى عليه عزّ الدّين بن جماعة القاضي إماما بحضرة أناس قلائل من الأمراء، وحصل للمسلمين بموته ألم شديد، لأنهم لم يلقوا مثله. وعهد قبيل موته لولده الملك المنصور، فجلس على كرسي الملك قبل موت والده بثلاثة أيام، والله أعلم. انظر: (شذرات الذهب في أخبار من ذهب ٨/ ٢٣٣ - ٢٣٥)، (الوافي بالوفيات ٤/ ٢٥١) (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٥/ ٤٠٥ - ٤٠٩)
стр. 618
عليهم اسم: المماليك البحرية، فقويت شوكتهم وزادت سطوتهم، … ثم تهيأت لهم الظروف ليحكموا مصر والشام، وبلاد أخرى، ومع ذلك احتفظوا أثناء حكمهم لمصر بشخصيتهم، ولم يختلطوا بأي عنصر من عناصر السكان في مصر وفى غيرها من البلاد التي حكموها.
وكان المماليك ينقسمون فيما بينهم إلى أحزاب وطوائف متنافسة، ولكن هذا الانقسام لم يكن يؤثر على وحدتهم أمام العالم الخارجي حين يواجهونه، فقد كانوا يظهرون كعصبة واحدة متحدة، ويفسر ذلك سر قوتهم وأسباب تفوقهم وانتصاراتهم الحربية …
ولقد سطرت دولة المماليك الأولى - المماليك البحرية - صفحة مضيئة من تاريخ مصر خاصة، والتاريخ الإسلامي عام على أيدي سلاطينها الأقوياء الذين عملوا على توحيد البلاد، ورفع رايات الجهاد) (١).
والسلاطين الذين عاصرهم المؤلف في دولة المماليك البحرية هم:
الملك الناصر محمد [٦٩٣ - ٧٤١ هـ].
ابن الملك الناصر قلاوون، تولى السلطة ثلاث مرات، وكانت المرة الثالثة لتولية الحكم من أزهى وأقوى عهود دولة المماليك سواء في الحروب أو العمارة والحضارة.
أولاد الناصر محمد وأحفاده [٧٤١ - ٧٨٤ هـ].
جلس على عرش مصر بعد الناصر محمد أولاده وأحفاده في الفترة من سنة (٧٤١ هـ) إلى سنة (٧٨٤ هـ)، يتعاقبون عليه واحداً بعد الآخر حتى سقوط دولة المماليك البحرية عام (٧٨٤ هـ)، وفى مدة بلغت ثلاثًا وأربعين سنة علا عرش مصر من البيت الناصري ثمانية أولاد وأربعة أحفاد، بلغ متوسط حكم الواحد منهم ثلاث سنوات ونصف السنة، وتميز هذا العهد بصغر سن السلطان، وقصر مدة حكمه، لسهولة خلعه على أيدى الأمراء، ولظهور تنافس الأمراء في بسط نفوذهم للسيطرة على الدولة، ولذا أصبح السلطان ألعوبة في أيدي أمرائه، يعزلونه أو يبقونه على العرش حسب هواهم، وما تقتضيه مصالحهم، فاضطربت أحوال البلاد، وكثرت فيها الفتن) (٢).
_________
(١) انظر: (الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي ٥/ ٧١).
(٢) (الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي ٥/ ٧٩).
стр. 619
المرحلة الثانية: دولة المماليك البرجية.
عُرفت الدولة الجديدة باسم: دولة المماليك البرجية، لأن السلطان المنصور قلاوون كان قد أفرد من مماليكه ثلاث آلاف وسبعمائة من الآص والجركش، وجعلهم في أبراج القلعة وسماهم البرجية.
لتمييزهم عن المماليك البحرية الذين كانت إقامتهم بجزيرة الروضة، وقد عُرف البرجية كذللث باسم: المماليك الجراكسة أو الشراكسة، نسبة إلى موطنهم الأصلي الذى أتوا منه وهو: ورؤيا و بلاد الشركس القوقاز (١).
وقد كانوا في بداية أمرهم معزولين في أبراج القلعة لا يخرجون منها، ثم كثر عددهم وصعب الاحتفاظ بهم وإبعادهم عن الناس، فسمع السلطان الأشرف خليل بمغادرة أبراجهم والنزول إلى القاهرة، واشترط عليهم أن يكون الخروج في وقت النار وأن يعودوا لبيوتهم قبل الليل ليبيتوا فيها.
ونتج عن ذلك ظاهرتان:
الأولى: مخالطة الجراكسة للناس والجلوس بجانبهم والانغماس معهم في الحياة العامة.
الثانية: ازدياد نصرتهم وتعلقهم بالسلطان خليل، ثم بعد مقتله ثارت ثائرهم، ولم يهدأوا إلا عندما قُتل (بيدرا) الذي نفذ عملية القتل.
وكان غضبهم ذاك هو أول مشاركاتهم في الأحداث العامة (٢).
بداية الحكم:
بدأ حكمهم حين انتهت دولة المماليك الأولى، فبعد وفاة الناصر محمد سنة ٧١٤ هـ حكم أبنائه وأحفاده الصغار، ولم يكن حكمهم ثابتًا بسبب المنازعات، وفي ذلك الوقت ظهر الأمير برقوق الذي نجح في أخذ الحكم وتأسيس دولة المماليك الجركسية.
كان ابتداؤها يوم الأربعاء شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبع مئة (٣).
_________
(١) (الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي ٥/ ٨١). (السلوك لمعرفة دول الملوك ٢/ ٢١٨)
(٢) انظر: (تاريخ المماليك في مصر والشام ص: ٣٢٧، ٣٢٨).
(٣) انظر: (شذرات الذهب في أخبار من ذهب ٨/ ٤٨٧)، (بدائع الزهور ٢/ ٣١٢)
стр. 620
ومؤسسها هو برقوق بن أنص العثماني، لقب بذلك نسبة إلى تاجر الرقيق عثمان بن مسافر الذي جلبه إلى مصر.
وكان برقوق ذكيًا بارعًا فأعجب به سيده وأعتقه بعد أربع سنين.
في آخر عهد المماليك البحرية ومع كثرة الفتن، كان برقوق يساند الأمراء ويعاونهم بشكل ظاهر وواضع، وفي الوقت نفسه كان يمهد لنفسه لتولي الحكم، وقد وضع خطة قائمة على قاعدتين:
الأولى: العمل سرًا للقضاء على كبار الأمراء حتى تتاح له الفرصة للوصول إلى منصب يمكنه من خلاله الهيمنة على الجيش ثم الدوائر الحكومية.
الثانية: إخفاء اتجاهه العنصري (١).
ولما توفي الملك المنصور علي بالطاعون سنة ٧٣٨ هـ، ونُصب أخوه صلاح حاجي للسلطنة كان عصره لا يتجاوز أحد عشر عامًا، ولصغر سنة فقد اشترك معه برقوق في تدبير أمر الدولة، وصارت له الصفة العليا في تدبير أمر السلطان وتوجيهه، ويدل ذلك على مدى ما وصل له من النفوذ.
واستغل برقوق ذلك ليمكن ويقوي نفسه، فزاد عدد البرجية، وملأ وظائف الدولة بأعوانه وأنصاره، وتقرب إلى الناس عن طريق إلغاء المكوس وعمل على تحسين الحالة الاقتصادية في البلد. فكثر أنصاره ومحبيه.
هذا في الداخل، أما في الخارج فقد جاء في ذاك الوقت هجوم على حلب من قبل التركمان واستطاع برقوق هزيمتهم وطردهم.
فأظهر للناس أنه الرجل القادر على حماية الدولة وتوفير الأمن لها.
ولسمعته ونفوذه فقد دبر له أعداؤه مؤامرة لقتله، فكشف برقوق المؤامرة.
وكانت هذه المؤامرة واحد من سلسلة مؤامرات كثيرة حيكت للوقوف بوجه العنصر الجركسي ومنعه للوصول للحكم، وجاء فشلها إيذانا بقيام دولة المماليك البرجية.
ومع تشجيع أنصاره أزال برقوق الحكم من السلطان، وأعلن الحكم لنفسه، ولقب
_________
(١) انظر: (تاريخ المماليك ص: ٣١٤).
стр. 621
بالملك الظاهر لأنه تسلطن وقت الظهيرة.
وباعتلاء برقوق عرش السلطنة انتهى ملك بيت قلاوون كما انتهت دولة المماليك البحرية (١).
وبعد توليه الحكم عمل برقوق على ترسيخ أقدامه في الحكم من خلال تعيين أشخاص يثق بهم في المناصب الإدارية، وعزل كل من لم يثق به.
ولأنه خاف أن يقوم الأتراك في التمرد عليه، فقد قرر إنشاء عصيبة يعتمد عليها في مواجهة خصومه، فاستقدم عدد كبير من الجراكسة حتى وصل عددهم نهاية حكمه إلى خمسة آلاف.
لكنه لم ينجع في مواجهه الفتن في الوقت الذي انتشر فيه الطاعون وارتفعت فيه الأسعار وتدهور الوضع الاقتصادي.
واستغل يلبغا الناصري هذا الوضع وأعاد الحكم إلى الملك الصالح أمير حاجي.
ومع ضعف السلطان أمير حاجي استطاع برقوق أن يعيد الحكم لنفسه. ثم استمر الحكم له حتى مرض عام ٨٠١ هـ ومات بعد أن جاوز الستين سنة.
* خصائص دولة الجراكسة
١/ تميزت بأن سلاطينها من أصل واحد وهو الأصل الجركسي، ما عدا اثنين منهم وهما: (خشقدم، وتمربغا) يعود أصلهم إلى اليونان.
معنى هذا أن دولة الجراكسة اتخذت العصبية العنصرية كسلاح لها في إزاحة دولة المماليك البحرية.
٢/ جعل العرش المملوكي مشاعًا بين القادرين منهم، بخلاف دولة المماليك البحرية التي توارثت الحكم.
ففي دولة المماليك الجركسية كان السلطان يبقى في منصبه باعتبار قوة شخصيته، وكثرة أعوانه وأنصاره.
_________
(١) انظر: (تاريخ المماليك ص: ٣٤٨، ٣٤٩)، (أطلس تاريخ العصر المملوكي ص: ١٧١).
стр. 622
٣/ حصر المنازعات في دائرة ضيقة بحيث لم يمكنوا قوة خارجية من التدخل في البلاد.
٤/ عنايتهم بالأدب، ومجالس العلم، والاهتمام بالمؤسسات الخارجية من مساجد ومستشفيات وغيرها.
٥/ ضرورة موافقة الخليفة والقضاء في تعيين السلطان. (١)
نهاية الدولة:
وفي وقت حكم السلطان مؤيد ضعف الحكم المملوكي، وأصيبت الدوائر الحاكمة في البلاد بفساد شديد مختلف عن الفتن السابق لأمور:
١/ ازدياد ثورة المماليك الجلبان، وظهور عجز السلاطين عن ردعهم، والراجح أن ذلك ناتج عن أن هؤلاء الأجلاب كانوا عند شرائهم في سن البلوغ، مما جعلهم لا يتشربون روح النظام والولاء لأساتذتهم.
فأصبحوا مصدر فوضى وقلق وخطر يهدد حياة السلطان الشخصية بالإضافة إلى سلامة الدولة، وهذا دفع بعض كبار السلاطين بالتنحي عن العرش أكثر من مرة، كما رفضوا تولية أبنائهم من بعدهم.
٢/ اتسمت الفترة الأخيرة بكثرة عزل وتولي السلاطين، فلا يكاد السلطان يبقى في منصبه أيامًا بل ساعات حتى يُعزل، وينصب غيره.
فقد حكم في الفترة الأخيرة عشرون سلطانًا لم يكن أحد منهم على مستوى يؤهله للحكم إلا بواسطة أمراء كانوا مثالًا للفساد.
٣/ الأحداث العالمية التي أثرت بشكل مباشر في الدولة وأضفت الخطورة على الأوضاع الداخلية كالاكتشافات العلمية ونمو الدولة العثمانية.
٤/ انتشار المجاعة ومرض الطاعون
٥/ انشغال السلطان وحاشيته بالوظائف عن الحكم (٢).
_________
(١) انظر: (مصر والشام في عصر الأيوبين والمماليك لابن عاشور ص:٢٢٩)، (تاريخ المماليك في مصر والشام ٣٥١، ٣٥٢).
(٢) (تاريخ المماليك ص: ٤٥٥ - ٤٦١) باختصار وتصرف.
стр. 623
(في أثناء ذلك تواترت أخبار إلى القاهرة عن انتصار العثمانيين وتقدمهم باتجاه مصر بعد أن ضموا كامل بلاد الشام، فاشتد الهلع في القاهرة، وفكر كثير من الناس بالهرب إلى الصعيد، وللأسف لم يقدر المماليك حرج الموقف وصعوبته، فاشترطوا على السلطان أن يمنحهم نفقات باهظة حتى يخرجوا إلى الحرب، وتوسل إليهم وهو يحضهم على الخروج … ونتيجة لإلحاح السلطان وحثه المماليك على الخروج، غادرت القاهرة حملة عسكرية بقيادة جان بردي الغزالي متوجهة إلى غزة، ولما رأى أن المدينة سقطت بأيدي العثمانيين ارتد على أعقابه) (١).
تكررت المصائب على الناس، وانتشر الرعب واليأس والخوف خاصة وأن الأمراء مشتتون.
وأخيرًا تقدم العثمانيون نحو القاهرة، وانهزمت الدولة بسهولة نتيجة لضعف المعنويات وعدم التوحد وجمع الكلمة.
ودخل العثمانيون مدينة القاهرة.
ولقد عمرت دولة المماليك الجراكسة أكثر من مائة وأربعة وثلاثين سنة تعاقب على عرش السلطنة ثلاثة وعشرون سلطان منهم تسعة حكموا مائة وثلاثة سنوات ارتبط بهم تاريخ دولة المماليك الجراكسة بينما حكم أربعة عشر سلطانا لمدة تسع سنوات فقط (٢). وهؤلاء السلاطين التسعة هم:
الظاهر برقوق، وفرج بن برقوق، والمؤيد شيخ وبرسباي، وجقمق، وأينال، وخاشقدم، وقايتباى، وقانصوه الغوري.
أما أهم إيجابيات هذا العصر فتمثلت في وقوفهم سدًا منيعًا لصد هجمات التتار والصليبين، والحفاظ على راية الإسلام رغم كثرة الأعداء.
وكذلك ازدهار الحركة العلمية والاهتمام بالعلماء وظهور المؤلفات العلمية في تلك البلاد نتيجة لما أصاب العراق على أيدي المغول.
ولقد عاش ابن المحب معظم حياته في عهد السلطان الناصر محمد بن الملك المنصور، وهو آخر عهد الاستقرار السياسي في دولة المماليك البحرية.
_________
(١) المصدر السابق (ص: ٤٧٨).
(٢) انظر: (مصر والشام في عصر الأيوبين والمماليك لابن عاشور ص: ٢٣٠، ٢٢٩).
стр. 624
المبحث الثاني: الحالة العلمية.
كانت حادثة بغداد في منتصف القرة السابع سببًا من أسباب هجرة العلماء إلى الشام فانتشر العلم وحظي العلماء باحترام وتقدير وتشجيع من المماليك، ولعل منشأ هذا الاحترام هو أن المماليك خافوا على زوال ملكهم كونهم عبيد وأغراب عن البلد فأرادوا تقوية حكمهم من خلال استنادهم على العلماء.
قال محمد رشاد خليفة بعد ذكره لحادثة سقوط بغداد:
(ولم يكن للناس يومذاك من هم سوى الفرار من وجه هؤلاء الطغاة طلبًا للنجاة، واللجوء إلى بلاد يحسون فيها بالدعة والسلام، والهدوء والأمان، وكانت مصر لذلك ملجأ لكثير من الناس، فإن أرضها لم تدنس بأقدام التتار، وإن ملكها المظفر قطز هو الذي كان على يده الخلاص من شرورهم، وإن شعبها الكريم المضياف قد فتح قلبه وبلده لاستقبال من حلت النكبة أحسن استقبال، وإن أمراءها، وكبارها كانوا يحبون العلم ويقدرون العلماء، يقيمون لهم المدارس، ويجرون عليهم الأرزاق، ويشاركونهم في مدارسة العلم، حتى كان من هؤلاء الأمراء من يحفظ الحديث ويرويه ويصل إلى درجة الإمامة فيه، فيصبح شيخًا للحافظ ابن حجر شيخ الإسلام.
كان من الطبيعي - إذن - أن تكون هجرة العلماء إلى مصر، وأن يتحول النشاط العلمي إليها، وقدكان فيها علماء، ومحدثون وفقهاء، وقضاة ومفتون، وكانت هناك مدارس قد غصت بالشيوخ والتلاميذ من طلاب العلم في القاهرة وقوص والإسكندرية وغيرها من بلاد مصر … وكان من الطبيعي أيضًا - وقد فقد المسلمون مكتبتهم الإسلامية في محنة التتار ببغداد - أن يركز العلماء في مصر على جمع العلوم الإسلامية من جديد، فنشطت حركة التأليف والتدوين، كتب العلماء في كل فن، وأخذت علوم الحديث من ذلك بحظ وفير.
كانت علوم السنة من أهم ما يعنى به الأمراء والكبار ورجال الدولة، وكان علماء الحديث يبذلون أقصى الوسع في الجمع والتصنيف، والتدوين والتأليف) (١)
وأعظم دليل على النشاط العلمي في ذلك الوقت هو كثرة عدد المدارس التي أنشأها
_________
(١) انظر: (مدرسة الحديث في مصر ص: ٤٣)
стр. 625
السلاطين، حتى قيل إنه لا يستطيع أحد حصرها.
فأصبحت الشام في تلد الفترة مليئة بالعلماء والمتعلمين، وظهر إقبال النساء على العلوم الشرعية كالفقه والحديث والنحو، وتنقلوا بين الشام ومصر للسماع من كبار المحدثين (١).
ولعل النشاط في ذاك الوقت ساعد الإمام ابن المحب على الدراسة والتأليف.
_________
(١) انظر: (المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك ص: ١٥٤)
стр. 626
المبحث الثالث: الحالة الاجتماعية.
كان المجتمع في عهد المماليك يتميز بكثرة طبقاته
الطبقة الأولى:
المماليك: كان لهم خصائص مختلفة عمن حولهم بسبب اختلاف أصلهم، ونشأتهم، وطريقة تربيتهم، وأسلوبهم الخاص في الحياة وعدم اختلاطهم بمن حولهم.
وترجع أصولهم إلى بلدان عدة وثقافات مختلفة، ثم ينتسبون غالبًا إلى ساداتهم الذين اشتروهم من التجار.
ولقد اعتنى السلاطين بمماليكهم عناية بالغة فكان السلطان إذا اشترى عددًا من المماليك فإنه يرسلهم إلى الأطباء ليفحصوهم ويتأكدوا من سلامتهم، ثم ينزلهم في طبقة من جنسه ويرسل إليهم من يعلمهم القرآن وأحكام الدين، فإذا كبر المملوك وأدرك سن البلوغ بدأ بتعليمه فنون الحرب وكوب الخيل والرماية، ثم إذا انتهى من هذه المرحلة التعليمة ينتقل إلى الخدمة ويمر بأدوارها حتى يصير من الأمراء.
واهتم السلاطين اهتمامًا بالغًا بتربية مماليكهم، فعينوا لهم مؤدبين من أكابر الأمراء، وقام هؤلاء الأمراء بفحص أحوال المماليك ومراقبة حركاتهم وسكناتهم وعقاب الخارج عن آداب الدين والدنيا.
ومع فرض هذه الرقابة الصارمة إلا إن السلاطين لم يضنوا على المماليك بالأرزاق والأموال، بل كانوا يتعاملون معهم بأبوة ورعاية تامة، حتى أنهم خصوهم بالأطعمة المختلفة من لحم وحلوى، كما عينوا لهم الملبوسات الفاخرة، والأموال الوافرة.
والمعروف أن الأمراء ومماليكهم لم يحاولوا الزواج من أهل البلاد من المصريين، بلى اختاروا زوجاتهم من بنات جنسهم، وأدى هذا إلى وجود عزلة بين المماليك وغيرهم وأشعرتهم هذه العزلة بأنهم أغراب عن أهل البلاد.
الطبقة الثانية:
المعممون: من الفقهاء والعلماء والكُتّاب.
стр. 627
أشعاع احترام العلماء وإجلالهم، وعاش أغلبهم في سعة، وصُرفت لهم الرواتب، وتسلموا كثير من المناصب.
وأكرم الناس العلماء، وأضفوا عليهم مختلف ألقاب التقدير والتفخيم مثل: فقيه زمانه، وعالم عصره.
الطبقة الثالثة:
التجار: من المعروف أن مصر قامت بنشاط تجاري كبير بين الشرق والغرب في ذلك الوقت، كا أدى إلى ثراء التجار، وقد أدرك السلاطين هذه الحقيقة، وأحسوا أن طبقة التجار دون غيرهما هي المصدر الأساسي الذي يمد الدولة بالمال، لا سيّما في ساعات الشدة، ولذلك محمد السلاطين إلى تقريب التجار منهم وتوليتهم المناصب.
وهذا يعني أن التجار لم يسلموا من ضيق ونهب السلاطين لأموالهم بين وقت وآخر.
الطبقة الرابعة:
الصناع وأرباب الحرف: وجدت بالمدن المصرية في عصر المماليك طائفة كبيرة من العمال وأصحاب المهن، وكان لكل حرفة نظام ثابت ورئيس أو شيخ يرأسهم ويحل مشاكلهم، وكانوا يمنعون دخول أي شخص جديد يشاركهم المهنة إلا أن يكون من أبنائهم، أو أنه أتى ليحل محل أحدهم فيقبل بشروط خاصة.
الطبقة الخامسة:
العوام: وهم غالب الناس وأكثرهم، عاشوا في ضيق وعسر، وكان بعضهم ينام في الطرقات بلا مأوى.
الطبقة الدراسة:
أهل الذمة: كانوا أقلية في المجتمع المصري، وقيل أن عددهم عشرين ألفا في القاهرة فقط، تعرضوا للتعذيب في عصر المماليك بين وقت آخر.
стр. 628
الطبقة السابعة:
الفلاحون: وهم السواد الأعظم من أهل البلاد، ولم يكن نصيبهم إلا الإهمال والاحتقار، ومع فقرهم وقلة مالهم إلا أن السلاطين فرضوا عليهم نفقات ليست من مهامهم.
الطبقة الثامنة:
الأعراب: رفضوا الخضوع لدولة المماليك، وأقاموا عليهم حاكمًا منهم، ولكن المماليك قاتلوهم وهزموهم، وعاشوا في صراع وقتال حتى انتهى العصر المملوكي) (١).
انتشار الطاعون
وهذا العرض المختصر من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن المجتمع عانى في ذلك الوقت من المجاعات والأوبئة والأمراض.
ففي عام تسع وأربعين وسبعمائة انتشر الطاعون وتوفي بسببه جم غفير والله المستعان.
قال ابن كثير: (وتواترت الأخبار بوقوع الوباء في أطراف البلاد، كثر الموت في الناس بأمراض الطواعين، وزاد الأموات في كل يوم على المائة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا وقع في أهل بيت لا يكاد يخرج منه حتى يموت أكثرهم، وقد توفي خلق كثير، وجم غفير، ولا سيما من النساء فإن الموت فيهن أكثر من الرجال بكثير كثير، وشرع الخطيب في القنوت في سائر الصلوات، والدعاء برفع الوباء من المغرب ليلة الجمعة سادس شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وحصل للناس بذلك خضوع، وخشوع، وتضرع، وإنابة، كثرت الأموات في هذا الشهر جدا، وزادوا على المائتين في كل يوم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وتضاعف عدد الموتى منهم، وتعطلت مصالح الناس، وتأخرت الموتى عن إخراجهم، وزاد ضمان الموتى جدا، فتضرر الناس ولا سيما الصعاليك فإنه يؤخذ على الميت شيء كثير جدا، فرسم نائب السلطنة بإبطال ضمان النعوش، والمغسلين، والحمالين، ونودي بإبطال ذلك في يوم الاثنين سادس عشر ربيع الآخر، ووقفت نعوش كثيرة في أرجاء البلد، واتسع الناس بذلك، ولكن كثرت الموتى، فالله المتسعان.
_________
(١) انظر: (المجتمع العصري في عصر سلاطين المماليك ص: ١٦ - ٦٦) باختصار وتصرف.
стр. 629
وفي يوم الاتنين الثالث والعشرين منه نودي في البلد أن يصوم الناس ثلاثة أيام، وأن يخرجوا في اليوم الرابع، وهو يوم الجمعة إلى عند مسجد القدم يتضرعون إلى الله، ويسألونه في رفع الوباء عنهم، فصام أكثر الناس، ونام الناس في الجامع، وأحيوا الليل كما يفعلون في شهر رمضان، فلما أصبح الناس يوم الجمعة السابع والعشرين منه، خرج الناس من كل فج عميق إلى الصحراء، واليهود، والنصارى، والسامرة، والشيوخ، والعجائز، والصبيان، والفقراء، والأمراء، والكبراء، والقضاة، من بعد صلاة الصبح، فما زالوا هنالك يدعون الله تعالى حتى تعالى النهار جدا، وكان يوما مشهودا.
وفي يوم الخميس عاشر جمادى الأولى صلى الخطيب بعد صلاة الظهر على ستة عشر ميتًا حملة واحدة، فتهول الناس من ذلك، وانذعروا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وصلي بعد الصلاة على خمسة عشر ميتا بجامع دمشق، وصلي لمجامع الخيل على إحدى عشرة نفسا، ﵏ … وفي منتصف شهر جمادى الآخرة قوي الموت وتزايد، وبالله المستعان، ومات خلائق من الخاصة والعامة ممن نعرفهم، وغيرهم، ﵏، وأدخلهم جنته، وكان يصلى في أكثر الأيام في الجامع على أزيد من مائة ميت، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وبعض الموتى لا يؤتى بهم إلى الجامع، وأما حول البلد وأرجائها فلا يعلم عدد من يموت بها إلا الله .
وفي يوم الاثنين ثاني عشره بعد أذان الظهر حصل بدمشق، وما حولها ريح شديدة أثارت غبارا شديدا اصفر الجو منه، ثم أسود حتى أظلمت الدنيا، وبقي الناس في ذلك نحوا من ربع ساعة يجأرون إلى الله ، ويستغفرون، ويبكون، مع ما هم فيه من شدة الموت الذريع، ورجا الناس أن هذا الحال يكون ختام ما هم فيه من الطاعون، فلم يزدد الأمر إلا شدة، وبالله المستعان) (١).
ومما حصل أيضًا ما ذكره ابن كثير في عام ست وستين وسبعمائة قائلًا: (وفي العشر الأول من رجب وُجد جراد كثير منتشر، ثم تزايد، وتراكم، وتضاعف، وتفاقم الأمر بسببه، وأتلف للناس شيئا كثيرا، وعدم للناس غلات كثيرة، وأشياء من أنواع الزروع بسبب كثرة الجراد، فإنا لله وإنا إليه راجعون) (٢).
_________
(١) انظر: (البداية والنهاية ص: ١٨/ ٥٠٢ - ٥٠٧) باختصار وتصرف.
(٢) انظر: (البداية والنهاية ١٨/ ٦٨٨) باختصار.
стр. 630
وفي عام سبع وسبعين وسبعمائة وقع غلاء الأسعار بدمشق، حتى أكلت الناس الميتات والكلاب والقطاط، ومات خلق كثير من المساكين، وعم الغلاء ببلاد الشام كلها، حتى أكلت القطط وبيعت الأولاد ولا حول ولا قوة إلا بالله (١).
_________
(١) انظر: (الموسوعة التاريخية للدرر السنية ٦/ ٤٣٤).
стр. 631
الفصل الثاني:
حياته الشَّخصية.
стр. 632
حياته الشخصية
اسمه
محمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور بن عبد الرحمن. (١)
لقبه وكنيته.
شمس الدين ابن المحب، ويكنى: أبا بكر (٢).
ويُلقب بالصامت: لكثرة سكوته ووقاره وكان يكره أن يلقب بذلك (٣)
مكان مولده وتاريخيه.
ولد بصالحية دمشق، يوم الجمعة أول رمضان سنة اثنتي عشرة وسبعمائة (٤)
وقال ابن حجر: ولد سنة ثلاث عشر وسبعمائة. (٥).
مذهبه الفقهي.
كان الإمام ابن المحب حنبليِّ المذهب (٦)
_________
(١) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (٥/ ٢٠٩)، ذيل التقييد في رواة السنن والأسانيد (١/ ١٣٢)، المقصد الأرشد (٢/ ٤٢٩)، طبقات الحفاظ للسيوطي (ص: ٥٣٩)، الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد (١/ ١٢١)، غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري (٢/ ١٧٥).
(٢) المقصد الأرشد (٢/ ٤٣٠)، طبقات الحفاظ للسيوطي (ص: ٥٣٩).
(٣) انظر: غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري (٢/ ١٧٥)، المقصد الأرشد (٢/ ٤٣٠)، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (٥/ ٢٠٩).
(٤) انظر: ذيل التقييد (١/ ١٣٣)، والجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد (١/ ١٢١) وغاية النهاية لابن الجزري (٢/ ١٧٥).
(٥) انظر: الدرر الكامنة (٥/ ٢٠٩).
(٦) انظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (٥/ ٢٠٩)، طبقات الحفاظ للسيوطي (ص: ٥٣٩)، غاية=
стр. 633
عقيدته.
الإمام ابن المحب الصامت، تلمذ على ابن تيمية والذهبي المزي وغيرهم من علماء عصره، ومن خلال دراستي لعقيدته في باب أشراط الساعة والجنة ونعيمها، أجده موافقاً لعقيدة أهل السنة والجماعة ويظهر ذلك جلياً في صفحات هذا الكتاب.
كما ظهر اهتمام الإمام ابن المحب الصامت بشيخه ابن تيمية - رحمهما الله - من خلال الرواية عنه، والاستشهاد بأقواله وتفسيراته في عدة مواضع في الكتاب.
ففي اللوح [٣٦٨/ ب] استشهد ابن المحب بكلام شيخ الإسلام في تاريخ نار الحجاز.
وفي اللوح [٣٨٨/ أ] اعتمد على تفسير شيخ الإسلام لمعنى الجبت والطاغوت
وفي اللوح [٢٤٢/ أ] استشهد بكلام ابن تيمية في حال الميت في قبره.
وفي اللوح [٣٨٥/ أ] روى ابن المحب عن شيخه ابن تيمية.
وغيرها من المواضع.
نشأته وأسرته.
لقد نشأ ابن المحب في بيئة علميَّة لها عناية بالحديث وروايته، فجده الشيخ الرحال محب الدين: عبد الله بن أحمد بن أبي بكر محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن. روى عن كثير من العلماء، وعني بالحديت أتم عناية، كتب العالي والنازل، وحصل الأصول. وبقي في الرحلة مدة سنين، ثم قد دمشق وتأهل، وجاءه ابنان، فقرأ لهما الكثير حضورًا وسماعًا. توفي في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وستمائة، وله من العمر أربعون سنة (١).
ووالده هو الشيخ المحدث محب الدين: عبد الله بن أحمد بن المحب عبد الله بن أحمد بن أبي بكر المقدسي.
ولد في المحرم سنة أربعة وثمانين وست مائة. وأسمعه والده على المحدثين فأكثر وجمع فأوعى، وكان فصيحًا سريع القراءة بليغًا مليح التلاوة ذا خير وصدق وسمت وتقوى، توفي في
_________
=النهاية في طبقات القراء (٢/ ١٧٥).
(١) تاريخ الإسلام (١٤/ ٨٨١).
стр. 634
ربيع الأول سنة سبع وثلاثين (١).
وكان للبيت العلمي الذي نشأ فيه عظيم الأثر حيث بادر به أبوه فأحضره على العلماء، ثم سمع الكثير بإفادة والده ثم قرأ بنفسه فسمع ما لا يُحَدُّ ولا يوصف من الكتب والأجزاء، وخرّج وأفاد، وسمع منه الطلبة والحفاظ، وسمع كثير من كتب القراءات، وكان صالحًا قانتًا قانعًا باليسير (٢).
وقال عنه تلميذه يوسف بن عبد الهادي: " أسمعه والده صَغيرًا وأخبرت أن " ثبته " الذى كتبه والده بأسماءِ الكُتب التي أسمعه إيّاها في مجلدين. قلتُ: بل هي أكثر من ذلك فإن خَطّ والده على الأجزاء والكتب لا يمكن استقصاؤه، وقلّ جزءٌ إلا وعليه خطه، وقلّ ما عليه خطه ولم يسمعه إيّاه، بلى أكثرُها سمعه. وبعد ذلك نشأ وطلب بنفسه وقرأ الكثير وحصَّل، وكانت معهم خزانة الضِّيائية فمن ثم كَثُر سماعهم واتَّسعت معرفتهم بذلك " (٣).
_________
(١) معجم الشيوخ الكبير للذهبي (١/ ٣٢٠).
(٢) غاية النهاية في طبقات القراء (٢/ ١٧٥).
(٣) الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد (١/ ١٢١)
стр. 635
ثناء العلماء عليه.
وقال الإمام الحافظ ابن الجزري: " شيخنا وإمامنا ومبرزنا الحافظ الكبير، شمس الدين أبو بكر ابن الحافظ محب الدين أبي محمد الشهير بابن المحب الصامت … سمع الكثير بإفادة والده، تم قرأ بنفسه فسمع ما لا يُحَدُّ ولا يوصف من الكتب والأجزاء، وخرّج وأفاد وسمع منه الطلبة والحفاظ .. كان صالحاً قانتاً قانعاً باليسير متقشفاً لا يألف لأحد غيري، ربما جاءني إلى منزلي فأسمعني وأسمع أهلي وأولادي، وانتهى إليه الحفظ في زمانه، رجالاً ومتناً، ومعرفة الأجزاء ورواتها ..
ومن نظمي فيه:
شيخي إمام حافظ حجة … ذو ورعٍ حبر رضيّ قانتْ
محدث الآفاق مع صمته … فاعجب لهذا المحدث الصامت (١)
وقال عنه ابن ناصر الدين:
"الشيخ الإمام الزاهد العابد العلامة النبيل المحدث الأصيل الحافظ الكبير المسند الكثير عمدة الحفاظ شيخ المحدثين شمس الدين أبو بكر محمد بن الشيخ العالم الحافظ القدوة محب الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد ابن المحب عبد الله بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور بن عبد الرحمن السعدي المقدسي ثم الصالحي الحنبلي الشهير بالصامت لقب بذلك لكثرة سكوته عن فضول الكلام وكان يكره أن يدعى بهذا اللقب بين الأنام، .. وحسب شيخنا مع اتساعه في كل العلوم إلى الغاية والنهاية سمعا وعقلا نقلا وبحثا أن يكون نادر الغلط" (٢).
وقال عنه الإمام الذهي: " فيه عقل وسكون وذهنه جيد وهمته عالية في التحصيل " (٣).
وقال عنه ابن حجر: " تفقه إلى أن فاق الأقران وأفتى ودرس وكان كثير المروءة حسن
_________
(١) انظر: غاية النهاية في طبقات القراء (٢/ ١٧٥).
(٢) الرد الوافر (٤٩ - ٤٧).
(٣) المعجم المختص بالمحدثين (ص: ٢٣٥).
следующие страницы →