← Акыда

Акыда · id 132403

صفات رب العالمين - رسائل جامعية - ناقص

ابن المحب الصامت

Полный текст (3 288 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وحكاها ابن سينا في الشفاء في تفسيره، عند قوله في البقرة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] (١). وفي كتاب السماء والعالم (٢). . . (٣): "السموات عشرة والأرضون ثمانية؛ وحُكي عن قوم من أهل الهيولي (٤): وليس يثبتوا سماوات ولكنهم يثبتوا هذه السماء التي أبصروا، وعن آخرين السموات سبع على قدر علو الأفلاك، وقال بعضهم: السبع أحدها فلك الجواهر، والآخر الفلك المستقيم" (٥). ٣٨١ - وذكر ابن بَرَّجَان (٦) حديث الحسن، عن أبي هريرة الذي فيه: "لو دليتم بحبل لهبط على اللَّه" (٧). ثم قال: "فهذه السبع السموات الأرقعة بين كل سمائين سموات أفلاك أو ما يقوم مقام الأفلاك في نظرك، الأمر الذي عبر عنه قول الحق جل ذكره: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢].

стр. 947

ذكره في تفسيره في سورة البقرة عند قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] (١). قول اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]. ٣٨٢ - قال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا هشيم (٢)، عن حصين (٣)، عن عكرمة (٤)، عن ابن عباس: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ قال: "هذا هو السواد الذي في القمر" (٥). قال أبو عبيد: "وأما ﴿مُبْصِرَةً﴾ فإن المعنى: أن يبصر فيها، فكان الفراء يذهب فيها إلى أن المبصرة مضيئة، قال: وكذلك قوله: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧] قال: مضيئًا". قال أبو عبيد: "يريد أنه أضاء للناس البَصر، هذا قول الفراء، وفيه وجه آخر قال: قد أبصر النهار إذا صاروا الناس يبصرون فيه فهو مبصر، وهو كقولك في الكلام: رجلٌ مُخبِث، إذا كان أهله وأصحابه خُبثَاء، ورجلٌ مُضعِف إذا كانت دوابه ضِعافَا، فكذلك النهار مُبصرٌ إذا كان أهله بصرًا" (٦). ٣٨٣ - حدثنا حجاج (٧)، عن ابن جريج (٨)، عن مجاهد: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] قال: "آية". ٣٨٤ - وذكر أبو الفرج بن الجوزي في بعض كتبه في الوعظ ما ذكره أبو الحسين بن المنادي أحمد

стр. 948

ابن جعفر (١) في كتاب الملاحم والفتن قال: قال حدثني هارون بن علي بن الحكم (٢)، حدثنا أحمد بن عبد العزيز بن مرداس الباهلي (٣)، حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن سعيد القرشي (٤)، حدثنا محمد بن موسى الشيباني (٥)، حدثنا مسلمة بن الصلت (٦)، حدثنا أبو علي حازم بن المنذر العنزي (٧)، حدثنا عمر بن صبح (٨)، عن مقاتل بن حيان (٩)، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال أبو علي: وحدثنا الحارث بن مصعب (١٠)، عن مقاتل، عن شهر بن حوشب، عن حذيفة. قال أبو علي: وحدثنا الأعمش، عن سليمان بن موسى (١١)، عن القاسم بن مُخيمِرة (١٢)، عن علي بن أبي طالب وحذيفة وابن عباس: "أنهم كانوا جلوسًا ذات يوم، فجاء رجل فقال: إني سمعت العجب! فقال حذيفة: وما ذاك، قال: سمعت رجالًا يتحدثون في الشمس والقمر، فقال: وما كانوا يتحدثون؟ فقال: زعموا أن الشمس والقمر يجاء بها يوم القيامة كأنها ثوران عقيران فيقذفان في جهنم، فقال علي وابن عباس وحذيفة: كذبوا،

стр. 949

اللَّه أجل وأكرم من أن يعذب على طاعته، ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [إبراهيم: ٣٣] أي: في طاعة اللَّه؟ فقال حذيفة: بينما نحن عند رسول اللَّه ﷺ إذ سئل عن ذلك؟ فقال: "إن اللَّه لما أبرم خلقه أحكامًا فلم يبق من غير آدم، خلق شمسين من نور عرشه، فأما التي كان في سابق علمه أن يطمسها ويحولها قمرًا فإنه خلقها دون الشمس في الضوء ولو تركها شمسين كما خلقها في بدء الأمر لم يعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل" إلى أن قال: "فأرسل جبريل فأمر بجناحه على وجه القمر ثلاث مرات وهو يومئذ شمس فمحا عنه الضوء وبقي فيه النور، فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] فالسواد الذي ترونه في القمر شبه الخطوط إنما هو أثر ذلك المحو، قال: وخلق اللَّه الشمس عجلةً من ضوء نور العرش، لها ثلاثمائة وستون عروة، وخلق القمر مثل ذلك، وكَّلَ بالشمس وعجلتها ثلاثمائة وستين ملكًا من ملائكة أهل السماء الدنيا قد تعلَّق كل ملَك منهم بعروة من تلك العُرى، والقمر مثل ذلك وخلق اللَّه لهما مشارق ومغارب في قطري الأرض، وكنفي السماء ثمانين ومائة عين في المشرق، وثمانين ومائة عين في المغرب، فكل يوم لهما مطلع جديد ومغرب جديد، فأطول ما يكون من النهار في الصيف إلى آخرها مطلعًا وآخرها مغربًا، وأقصر ما يكون من النهار في الشتاء وذلك قول اللَّه: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ [الرحمن: ١٧] وجمع عدتها بعد فقال: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]، قال: وخلق اللَّه بحرًا بينه وبين السماء مقدار ثلاث فراسخ وهو قائم بأمر اللَّه في الهواء لا يقطر منه قطرة، والبحار كلها ساكنة، وذلك البحر جار في سرعةِ السهم، فتجري الشمس والقمر والنجوم الجنس في حَنَكِ البحر، فإذا طلعت الشمس فإنها تطلع من بعض تلك العيون على عجلتها ومعها ثلاثمائة وستون ملكًا يجرونها في البحر، والقمر كذلك، فإذا أراد اللَّه أن يرى العباد آيةً خرت الشمس عن عجلتها فتقع في غمر ذلك البحر" إلى أن قال: "فإذا غربت في سرعة طيران الملائكة الى السماء السابعة فتسجد تحت العرش بمقدار الليل، ثم تؤمر بالطلوع من المشرق فتطلع من العين التي وقت اللَّه لها، وقد وكل اللَّه بالليل ملكًا، وخلق اللَّه حُجبًا من ظلمةٍ، فإذا غربت الشمس أقبل ذلك الملَك فقبض قبضةً من ظلمة ذلك الحجاب، ثم استقبل المغرب فلا يزال يراعي الشفق ويرسل تلك الظلمة من خلال أصابعه قليلًا قليلًا، حتى إذا غاب الشفق أرسل الظلمة كلها، ثم نشر جناحيه فيبلغان قطري الأرض وكنفي السماء، ثم يسوق ظلمة الليل بجناحيه إلى المغرب قليلًا قليلًا حتى إذا بلغ الفجر انفجر الصبح من المشرق، ثم ضم الظلمة بعضها إلى بعض، ثم قبض عليها بكف واحدة، فلا تزال الشمس والقمر كذلك حتى يأتي الوقت الذي ضُرب لنوم العباد". رواه ابن جرير في أوائل تاريخه (١): عن محمد

стр. 950

ابن أبي منصور الآملي، حدثنا خلف بن واصل، عن أبي نُعيم هو عمر بن صبح بإسناده. وفيه: قصة طلوعهما من مغربهما وقيام الساعة وموت الملائكة، وهو حديث طويل منكر لا يثبت بمثل إسناده شيء. ٣٨٥ - وروي عن علي بن مسكين الخواص (١)، عن عبد العزيز بن. . . (٢)، عن عبد اللَّه بن ضرار (٣)، عن أبيه (٤)، عن مقاتل بن حيان (٥)، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا. رواه عن الخواص، عبد اللَّه بن أبي سفيان الموصلي الشعراني (٦). وموت الملائكة جاء في حديث الصور. ٣٨٦ - حديث لقيط بن عامر (٧) الذي رواه ابن خزيمة الصحيح: "ثم تبعث الصيحة، فلعَمْرُ إلهك ما يدع على ظهرها شيئًا إلا مات، والملائكة الذين مع ربك، فخلت الأرض" (٨).

стр. 951

وفي كتاب الإكليل (١) لأبي محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني (٢): "وقال أمية (٣): إن الشمس لا تطلع حتى تخلد، وإن القمر في الكسوف يدخل في الساهور (٤) وهو عمل عنده يدخل منه. وذلك من حكايات اليهود ونَوكهِم (٥) " (٦). قال محمد بن زكريا بن يحيى الرازي (٧) في كتاب سمع الكيان وهو القول في أصول الأفعال والانفعالات المتولدة عن تلاقي الاستفسار والأجسام الطبيعية التي هي النار والهواء والماء والأرض وسائر الأجسام المركبة منها كالحيوان والنبات والمعادن، وعن الأجرام السماوية، -فإن هذه أجسام طبيعية- قال: "وإن كانت طبيعة

стр. 952

خامسة على أن لا اتفاق بين الفلاسفة الطبيعيين في أن الفلك طبيعة خامسة، بل قد قال أجلهم واشرافهم أعني أفلاطن (١): أنه ناري أرضي، وليس أيضًا الكلام الذي جاء به ارسطاطاليس (٢) ومن سلك طريقه ليبين أن الفلك طبيعة خامسة متخلص من الشكوك، لكن مملوءًا شكًا، وذلك أنه لا يصح من محاكيه حركة الفلك لحركات العناصر الأربعة، أن الفلك من عنصر مخالف لها دون أن يصح أن الفلك ليس بمحمول على هذه الحركة، بل تَحرُّكهُ بذاته ومن ذاته، ومن أجل أنا لو وجدنا دولابًا من خشب لا يُرى مدبره لِتواريه عنا لوجدنا الخشب يتحرك بخلاف حركته الطبيعية، ولم يكن لنا أن نحكم من هذا الموضع فقط أن تلك الحركة للخشب طبيعية، فغير مأمون أن تكون حركة الفلك بالحمل والقسر، وإن كنا لا نشاهد هذا الحامل القاسر، وأيضًا فقد تجد الأجسام المتحركة على استقامة تتحرك على استدارة لعارض داخل على طباعها كالمائي حال غليانه، والذهب حال ذوبانه، فتبين إذن أنه لا سبيل إلى الحكم بأن جوهر الفلك مخالف لجوهر الاسطقسات (٣)، من مخالفته لحركتها إلا أن يصح عندنا أن هذه الحركة من ذاته وجوهره وليس بمحمولٍ عليها بتةً" (٤). قال كوشيار بن لبان بن با شهري الجيلي (٥): "السماء هي الجسم المتحرك المُحرِّك لجميع الكواكب من المشرق إلى المغرب في كل يوم وليلة دورة واحدة، واستدارة أسطحتها موازية لاستدارة السماء، وهذا الجسم كُرِّي وحركته دورته، ومركزه مركز العالم، ونهايته نهاية العالم والأرض في وسطه، وهي أيضًا كُرّية، وليس لها عند نهاية السماء قدر محسوس" ثم استدل على ذلك وقال: "أصغر كوكب في السماء الذي يُرى كالنقطة هو أضعاف الأرض، فكيف حال الأرض لو رؤيت من ذلك البعد؟ ".

стр. 953

قال: "وإذا ضرب ألفًا وأربعمائة ميل، والميل ثلاثة آلاف ذراع، الذراع ستة وثلاثون أصبعًا، الأصبع ست شعيرات مصفوفة يكون بعضها إلى بعض، والفرسخ اثنا عشر الف ذراع، والدرجة ستة وثلاثون ميلًا وثُلثا ميل". قال: "فإذا ضربت حصة الدرجة الواحدة في ثمانية وستين حصلت استدارة الأرض، في حصة واحدة أربعة وعشرين ألف ميل، وقطرها سبعة آلاف وستمائة وستة وثلاثون ميلًا". قال إبراهيم (١): "والساعة خمسة عشر درجة". وقال غيره: "الشمس تقطع السماء في سنة، وتقيم في كل برجٍ شهرًا، وفي كل منزل من المنازل ثلاثة عشر يومًا، ما خلا الجهة فإنها تقيم فيها أربعة عشر يومًا، والقمر يقطع السماء في شهر، ويقيم في كل برج ليلتان وثلثا ليلة، وفي كل منزل ليلة، وفلك البروج له دورة كل يوم وليلة". قال ابن قتيبة: "وقد سمعت من يذكر أن الأفلاك أطواق تجري فيها النجوم والشمس والقمر، والسماء فوقها، ولست أدرى ماذا، ولا وجدت عليه شاهدًا من الكتاب ولا من الحديث ولا من قول العرب واللَّه أعلم" (٢). حكاه عن ابن قتيبة أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن هشام اللخمي الجهني النحوي (٣) في شرح قصيدة أبي علي بن الهيثم (٤). وذكر ابن الهيثم في رسالته -في بيان أن المرئي من السماء أكثر من نصفها- أن المهندسين اختلفوا في مقدار محيط أعظم الدوائر المرسومة على كرة الأرض، وأكبر ما قالوا فيه: أنه اثنان وعشرون ألف ميل، والميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد. وعلى ما ذكره ابن الهيثم يكون قطرها سبعة آلاف ميل بالميل الذي ذكره هو. وقال غيره: "الأرض ليست بذات قدر محسوس عند فلك المريخ، وما وراءه من الأفلاك، بل هي كالنقطة، وأما عند فلك القمر فلها قدر محسوس".

стр. 954

وقال: "الناظر في النيِّرين والكواكب يجدها بأسرها متحركة بالحركة اليومية، يطلع ما يطلع منها من المشرق ويسير إلى المغرب ويُخفي فيه، وبعد خفائه مدةً يعود إلى المشرق ثانيًا ويطلع كما طلع أولًا وهكذا دائمًا، ويتحرك ما لا يطلع فيها على موازاته، ثم نجدها بنظرٍ أدق من الأول متحركة حركة بطيئة مخالفة للأولى، كأنها من المغرب إلى المشرق، وإنما امتازت هذه الحركة من الأولى باختلاف المنطقتين والأقطاب وذلك لأن الإحساس بحركتين مختلفتين في كُرةٍ واحدةٍ على منطقة وقطبين بأعيانها ممتنع، بل إنها تحس فيها بحركة واحدة هي مركبة من مجموعهما إن كانتا إلى جهة أو حاصلة من فعل أسرعها على إمكانها إن كانتا إلى جهتين، وكذلك الحكم فيما زاد على ذلك، وهاتان الحركتان متشابهتان في أنفسها شاملتان لجميع ما يحطن به علوًا من الكواكب والأجرام، ثم إنه نجد النيرين والخمسة من الكواكب ذوي حركات مختلفة غير متشابهة لا في أنفسها، ولا تُقاس بعضها إلى بعض، وكذلك أثبت أهل هذا العلم تسعة أفلاك في بادئ نظرهم، اثنين منها للحركتين المذكورتين، وسبعة للسيارات السبعة، ولما لم يكن لباقي الكواكب حركة غير الأولتين اكتفوا بإحدى فلكيها مكانا لها، وإن كان كونها على أفلاكٍ شتى جائزًا، وأيضًا أشار إحدى الأولين إلى المجموع لا إلى فلك خاص به لم يكن ممتنعًا، لكنهم لم يذهبوا إلى ذلك فجعلوا أعلى الأفلاك للحركة الأظهر على أنه غير مكوكب، وسمُّوه فلك الأفلاك، والفلك الأطلس وتالِيَة للحركة الأخفى، وجعلوه مكانًا لسائر الكواكب وسمُّوه فلك البروج وفلك الثوابت، وسمُّوا كواكبه ثوابتًا، إما لقلة حركاتها الثابتة أو لثبات أوضاعها أبدًا، والسبعة الباقية للسيارات السبعة على ترتيب خسف بعضها بعض أقصاها لزُحل وما يليه للمشتري ثم للمريخ والأدنى للقمر والذي فوقه لعطارد ثم للزهرة، وجعلوا الشمس في الفلك الأكبر بين هذه، وفلك وإن لم ينكسف إلا فالقمر استحسانًا لما في ذلك من حُسن الترتيب وجَودةِ النظام؛ إذ النسبة مربوطة عليها العلوية بوجهٍ والسُّفليان بوجهٍ آخر والقمر بوجه آخر غيرهما وكان أيضًا بعدها معلوم من الأرض مناسبًا لهذا الوضع، وقد قيل: إن الزُّهرة رُؤيت في بعديها الأبعد والأقرب كاسفة أيامًا كخالة في صفحتها، ويجب أن ينقسم كل واحد من الأفلاك التسعة إلى أفلاك تتألف حركة كوكبة المركَّبةِ منها مطابقة لما يوجد، فهذه التسع هي التي لم تحو ردًا أن يكون أقل منها، وأما في جانب الكثرة فلا قطع ويفلك القمر تتناهي الفلكيات، ويكون ما دونه العنصريات، وهي أيضًا طبقات: طبقة النار الصرف، ثم طبقة لما يمتزج من النار والهواء الحار التي تتلاشى فيها الأدخنة المرتفعة من السفل تتكون فيها الكواكب ذوات الأذيان والنيازك وما يشبهها، وربما يوجد بتحركه بحركة الفلك تشبيهًا له، ثم طبقة الهواء الغالب التي تحدث فيها الشهب، ثم طبقة الزمهرير التي هي منشأ السحب والرعد والبرق والصواعق، ثم طبقة الهواء الكثيف المجاور للأرض والماء، ثم

стр. 955

طبقة الماء وبعض هذه الطبقة منكشفة عن الأرض، ثم طبقة الأرض المخالطة لغيرها التي يتولد فيها الجبال والمعادن و كثير من النباتات والحيوانات، ثم طبقة الأرض الصرفة المحيطة بالمركز". قلت: "في بعض ما ذكره هؤلاء نزاع، وقد ذكر ذلك القاضي أبو بكر بن الطيب (١) في كتاب الدقائق (٢) وذكر قوم أن الأفلاك أطواق تجري فيها النجوم والشمس والقمر، والسماء فوقها كما تقدم، فلا يقاس فتنبه له". وفي كتاب جوامع علم النجوم (٣) لأحمد بن محمد بن كثير الفرغاني الحاسب (٤): "دور الفلك الأعظم أربعمائة ألف ألف ميل وعشرة ألف ألف وثمانمائة وخمسة عشر ألفًا وخمسة وسبعون ميلًا، ومساحة كل درجة من الفلك الأعظم ألف ألف ميل ومائة ألف وأحد وأربعين ألفًا ومائة وستون ميلًا" (٥). قال أبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمن بن بَرَّجَان في تفسيره في سورة الأنعام: "ذكر الذين تعاطوا معرفة أجرام الكواكب وأبعاد الأفلاك فزعموا أن الشمس هي أكبر من الأرض بمائة وثمانين ضعفًا، ومنهم من زاد على ذلك إلى ثلاثمائة ضعف، وكذلك قالوا في القمر وسائر الكواكب بالزيادة على الأرض، وفاضلوا بين ذلك، فكأن كان المعنى فيهم موضع المضاعفة طريق الشمس في فلكها من مشرقها إلى مغربها ثم بصعودها في أعلى مسالكها في ذلك ومنازلها إلى أدنى ذلك في المشارق والمغارب، فربما قالوا أو ظن بهم ذلك، وإن كان غير مدَرك لبشرٍ من غير توقيف نبوة ولا إعلام بوحيٍ من عند اللَّه، وإن كان المعنيُّ بذلك قرص الشمس، فالمشاهدة تبطل ذلك، وإنما أوقعهم في هذا التهافت ما رأوه من أمر اللَّه المجعول فيها وبها، وذلك أن اللَّه جعلها شخصًا محاطًا به محصورًا، له مقدم ومؤخر وجنبات، رفعه اللَّه لك في لوح الجود، وأجراها في الفلك الرابع الذي هو أول أفلاكه فلك القمر،

стр. 956

دع عنك ما دون ذلك من فلك الرياح وفلكي الليل والنهار وفلك المياه، وهي جسم نيِّر سراجي عمَّ ضياؤه ما سُمي نهارًا، فكان ذلك سبب شهرتها واضطرار الأبصار إلى رؤيتها دون تظامِّ من أحدٍ إلى أحدٍ، ولا يُضار" (١). إلى أن قال: "ولو كان ما ذكروه من عظيم جرمها وتضعيف ذلك على جرم الأرض على ما زعموه لكانت الأرض في حجمها كالنقطة؛ والمعهود المتعارف أن ظلال الأشخاص يعظُم مع القرب ويستدِّق على البعد، وفي مثل بُعد ما بين الأرض وما بينها يوجد ذلك، وذلك كله دليلٌ على قصورها وبعضها عن العِظم الذي وصفوها به" (٢). وقال في تفسير سورة هود: "جاء عن رسول اللَّه ﷺ أنه سُئل: أين كان ربُّنا يا رسول اللَّه قبل أن يخلق خلقه؟ قال: "في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء" فأعلمَ صلوات اللَّه عليه بحديثه هذا أن العماء للعرش بمنزلة العرش للماء، ويأتي من مفهوم هذا أن اللَّه تعالى خلق الماء من الهواء، كذلك فتق بالهواء فيما شاء مما هو العرش، رتق الماء ثم أوجده في ذلك الفتق ما شاء من خليقته، آية ذلك في الشاهد خلقه الماء في الهواء بواسطة الرياح المرسلة بأمره الدالة على الروح منه" (٣). إلى أن قال: "أفلا يرون أن اللَّه يخلق الماء من الهواء ثم يُصير الماء إلى الهواء ثم يُعيده إلى الماء إذا شاء" (٤). وقال في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧]: "هن السموات الدنيا اللاتي دون السموات العلى التي جُعل القمر فيهن نورًا والشمس سراجًا" (٥). قال أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي الفيلسوف (٦) في رسالته في المد والجزر: "فأما جسم القمر فقريب من حرز أربعين من الأرضين، فأما الشمس فمثل الأرض مائة وستة وستين مرة وثلاثة أثمان، وأما زحل فأقل من تسعين مرة".

стр. 957

قال: "وأما زحل فإنه أسرعها حركة إلا أن بعده من الأرض في بعده الأبعد على ما أبانه علم المساحة مثل نصب قطر الأرض عشرون لف مرة، فأما القمر فإذا كان في بعده الأبعد كان بُعده من الأرض مثل نصف قطرها ستة وستين مرة ودقائق، فأما الشمس فإذا كانت في بعدها الأبعد كان بعدها من الأرض مثل نصف قطر الأرض ألف مرة ومائتي مرة وعشرة مرار". ورد القاضي أبو بكر بن الطيب قوله، قال: "الأرض جرم. . . (١) ترجيح؛ لأن كرة الأرض وجرمها أعظم من جرم الشمس بشيء كثير". في كتاب "الدقائق". قال الحسن بن الحسن بن الهيثم في رسالته في الهيئة (٢): "فلك زحل سطحه الأعلى مماس كرة الكواكب الثابتة، وسطحه الأدنى مماس كرة المشتري، وكذلك فلك المشتري الأعلى مماس فلك زحل وسطحه الأدنى مماس فلك المريخ، وكذلك فلك المريخ سطحه الأعلى مماس فلك المشتري وسطحه الأدنى مماس فلك الشمس" (٣). وقال: "الفلك الأعلى المحيط بجميع الموجودات محيط بكرة الكواكب الثابتة مماس ها وهو يتحرك من المشرق إلى المغرب ويُحرك بحركته جميع أفلاك الكواكب وهذا الفلك يتحرك من جهة المغرب إلى جهة المشرق" (٤). وقال: "إن فلك الشمس محيط بالسطح الأعلى من كرته بمحور مماس لقعر فلك المريخ والسطح الأدنى بقعر مماس لمحور فلك الزهرة" (٥). وقال: "ما سطحي القمر الأعلى منها مماس لمقعر فلك عطارد والأدنى منها مماس لكرة النار" (٦). وقال: "في سطحي المتوازيين الأعلى منهما مماس لمقعر فلك الزهرة والأدنى مماس لمحور فلك القمر، وفي سطحي فلك الزهرة مماس الأعلى فلك الشم، ويحرك الأدنى فلك عطارد" (٧).

стр. 958

قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن محمد المعروف بابن أبي الأشعث (١) وهو جهمي متفلسف في مقالته في العلم الإلهي: "وقد وضح البرهان عن أرسطاطاليس في المقالة الثامنة من كتابه "السماع الطبيعي" أن شيئًا متشابه الأجزاء لا يمكن أن يحرك نفسه، وقد بينا نحن أيضًا هذا في المقالة الأولى، وقد رجع القول إلى أن محركه غيره، وما محركه غيره فمحدث". قال: "وقد قال أرسطاطاليس إن كل جسم بالفعل فهو متناهي، ومحال أن يكون جسم متناهي عن متناهي القوة، والفلك جسم متناهي فهو متناهي القوة". قال محمد بن زكريا الرازي: "وقد وضح أنه لا يمكن حدوثه لا من شيء وأن الأجسام تنحل جميعًا، ويتركه من شيء واحد في جوهره، لكن إقامة البرهان على هذين المعنيين من علم ما بعد الطبيعة". وقال: "على أنه لم يصح أن الفلك سبب الحياة في المتكونات، بل سبب النمو بإثارته الحرارة في عالم الأرض والماء". وقال: "اختلفت الفلاسفة في الأرض الأصلية الطين هي أم الحجر؟ وقال بعضهم إن جملة الأرض كانت حجرًا ثم تولد الطين في سطوحها على الدهر، وقال بعضهم: بل الحجر يتولد والطين هو الأرض". قال: "وقد أثبتنا أن داخل الفلك خلاء ما ببرهان فضلًا عن خارجه، فالقول الصحيح إذن أن خارج الفلك خلاءً؛ إذ ليس يمكن أن يتناهى الجسم إلى لا شيء أو يكون لا في مكان، وكذلك الفلك المطلق المختفي إنما هو الخلاء على ما بيناه". وقد اختلف الفلاسفة الطبيعيون هل الفلك حيوان أم لا؟ قال: "وزعم أرسطو أن له حاسة السمع والبصر دون سائر الحواس لاستغنائه عنها". قال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني في كتاب دقائق الكلام: "باب الرد عليهم في قولهم: إن أقرب الأفلاك إلينا القمر وهو أدناها منا وأجمع الكل منهم على ذلك. فيقال لهم: لمَ قلتم هذا؟ وما دليلكم عليه؟ فإن قالوا: لأننا شاهدناه يكسف الكواكب كلها فوجب أنه تحتها وهي فوقه. يقال لهم: متى رأينا ما تدَّعون من ذلك ومتى وجدنا القمر قط يكسف الشمس وعطاردًا، وكذلك ما رأينا الزهرة قط كسفت عطاردًا ولا عطاردًا كسف الزهرة ولا زحلًا".

стр. 959

قال: "وقد اختلف أصحاب الفلك في أعلى الأفلاك، فقال قوم منهم وهم الجمهور: أنها سبعة وأن أعلاها الفلك السابع وهو فلك الكواكب الثابتة، وأنه لا فلك وراءه، وقال آخرون منهم: بل هناك فلك ثامن فوق الفلك السابع يحرك الكواكب كلها حركة شرقية" وذكر علتهم ومنعهم صحتها. قال: "وقال أكثرهم أن هذا اللون اللازوردي الذي يُرى للسماء هو لون السماء، وقال آخرون منهم ومن الصابئة والمسلمين: هو لون معترض بيننا وبين الفلك، وكذلك قالوا فيما يُرى من لون الكواكب والشمس والقمر، وقال آخرون منهم: أن لون الفلك البياض وإنما يُرى لازوردي لوقوع شعاع الشمس عليه وهو إلى الزرقة يتبين كذلك، وقال فيما زعم بعضهم: أن ضوء جميع النجوم من الشمس لا من ذواتها كما أن ضوء القمر من قبل الشمس لا من ذاته". قال: "وهذا أيضًا من أمحل المحال وأظهر الأمور فسادًا". قال: "وبَيَّنَّا أن ضوء القمر ليس من الشمس وأن ذلك لا دليل عليه، وأن الدليل يوجب خلاف ما قالوه". قال: "وفي حُذاق الفلاسفة من يقول: أن الكواكب لا ألوان ولا شعاع لشيء منها، وأنه لا يقبل اللون ولا الشعاع إلا الأجسام الطبيعية المركبة، والأفلاك مما فوق الطبيعة". وذكر قول الذين يقولون: "أن الفلك يسير من المشرق إلى المغرب وأن الكواكب تسير من المغرب إلى المشرق". قال: "وهذا خلاف العيان؛ لأننا نرى النجوم كلها سائرة من المشرق إلى المغرب فلو كان الأمر كما ذكروا من أن النجوم تسير من المغرب والمشرق، والفلك يسير من المشرق إلى المغرب توجب أن تكون الشمس والقمر وأكثر هذه النجوم لا تظهر لنا إلا في كل حين ودهر من الدهور الطويلة". وحكى قول من زعم من الفلاسفة: أن الأرض هي المتحرك والفلك هو الساكن، وقول بعضهم: أن القمر إنما يؤثر في ضيائه وصفائه غازات الأرض إذا دنا منها. قال: "ويقال لهم: قد قال أكثركم: أن ضياء القمر ليس من طبعه وذاته، ولكن من مقابلة الشمس واتصال شعاعها بجوهره، فيجب لذلك أن تكون الشمس فاعلة للقمر ومدبرة له وهذا جهل عظيم". قال: "ويقال له: بقي عليك إفساد ما نقوله نحن المسلمون وأهل كل ملة من أن حركات الأفلاك ليست بنفسيِّةٍ ولا طبيعية، بل هي من قبل غيره الذي هو محركٌ له حركة دائمة سرمدية إلى حيث شاء تسكينه، فدل على فساده إن كنت قادرًا على ذلك".

стр. 960

قال الفخر الرازي في الملخص (١): "بل يجوز أن تكون فوق الفلك التاسع المتحرك بحركته اليومية من الأفلاك ما لا يعلم عددها إلا اللَّه تعالى، بل يحتمل أن يكون هذا الفلك التاسع بما فيه من الكرات مركوزًا في ثخن كرة أخرى عظيمة، ويكون في ثخن تلك الكرة ألف ألف مثل هذه الكرة، وليس ذلك بمستبعد، فإن تدوير المريخ أعظم من مثل الشمس، فإذا عقل ذلك فأي بأس بأن يفرض مثله مما هو أعظم منه" (٢). ٤٨ - فصل (٣). ما يَردُ المتكلمون وغيرهم على الفلاسفة قولهم: أن الأفلاك غير قابلة للحركة المستقيمة والفساد، وأنها ليست ثقيلة ولا خفيفة ولا حارة ولا باردة ولا رطبة ولا يابسة، وأنا بسيطة كُرِّية لا تقبل الحرق والشق". وقولهم: "أن الأفلاك ذوات أنفس وأنها متحركة بالإرادة النفسية، وأن الكرات متحركة بحركات الأفلاك". وقولهم: "في طبائع الكواكب وأنوارها ومحق القمر والمرة وبساطة الكواكب وكونها كُرِّية مع إنارتها وكثافتها ومخالفتها للأفلاك في أنوارها". قالوا: "ولو كانت تسير لكانت شفافة غير نيِّرة على أصولهم". وقولهم: "إن نور القمر مستفاد من الشمس". ٤٩ - فصل (٤). ذكر ابن سبعين المُلْحِد (٥) قول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] إلى قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١] وقال في موضع آخر: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧] إلى قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ فقال: "اعلم أنه لا تناقض بين الآيتين بحال، وإنما كان يجد الطاعن المقال لو قال: "والأرض بعد ذلك خلقها أو أنشأها أو ابتدأها، وإنما قال: ﴿دَحَاهَا﴾ فابتدأ الخلق للأرض كما في الآتي الأول في يومين ثم خلق السموات،

стр. 961

والأرض دحاها في يومين، ثم بعد ذلك دحا الأرض" أي: بسطها ومدها وكانت ربوة مجتمعة فأرساها بالجبال وأنبت فيها النباتات في يومين، فتلك ستة أيام سواء للسائلين. وقيل: معنى ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: مع ذلك، وبعد تأتي في كلام العرب بمعنى مع وأنشد: فقلتُ لها فِيءِ إليك فإنني … حرامٌ وإني بعد ذاك لبيبُ (١) أي: مع ذاك مُلبٍّ (٢). قال أبو القاسم عبد اللَّه بن محمد بن ناقيا (٣) في المقامات العشر وذكر قول معترض ما معنى قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠] وفي أوان كل مُحاق (٤) يقع الإدراك واللحاق؟ ثم في الكسوف الشمسي يكون الإدراك الحقيقي؟ فأجابه: إنها الشمس لا تدرك القمر بفلكها، وإنما هو بسرعة سيره يدركها، وذلك بمشاهدة الناظرين. قيل ما معنى قوله: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠]؟ قال: "المراد أنه لا يذهب أحدهما بمعنى صاحبه ولا يزول نظامها عن سببه، فكأنه قال: "لا الليل سابق النهار ولا النهار سابق الليل" ونابت إحدى الجملتين عن الأخرى، وهذا مذهب من مذاهب العرب في أن السبق من النهار واقع؛ لأن اللَّه لما خلق الشمس أوجد النهار بوجودها، ولم يكن الزمان قبلها يُسمى ليلًا، فلما وقع الانحياز والتميز بها كان النهار والليل واستحق النهار السبق؛ لأن الدليل منه، قال اللَّه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥)﴾ [الفرقان] " (٥).

стр. 962

قال الفخر الرازي في كتاب أسرار القرآن (١): "قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾ [الصافات] لا يسمى كون الكواكب موجودة فيها، وذلك لأن السموات إذا كانت شفافة فالكواكب سواء كانت فيها أو في سموات أخرى فوقها فهي لابد وأن تظهر في السماء الدنيا وتلوح منها، فعلى التقديرين تكون السماء الدنيا متزينة بهذه المصابيح". قال عبد السلام بن بَرَّجان: "ذكر الذين تعاطوا معرفة أجرام الكواكب وأبعاد الأفلاك فزعموا أن الشمس هي أكبر من الأرض مائة وثمانية وثمانين ضعفا، ومنهم من زاد على ذلك إلى ثلاثمائة ضعف، وكذلك قالوا في القمر وسائر الكواكب بالزيادة على الأرض، وفاضلوا بين ذلك فإن كان المعنى منهم بموضع المضاعفة طريق الشمس في فلكها من مشرقها إلى مغربها ثم بمصعدها في أعلى مسالكها في ذلك ومنازلها أدنى ذلك في المشارق والمغارب فربما قارنوا أو ظن بهم ذلك، وإن كان هذا غير مُدركٍ لبشر من غير توقيف نبوة ولا إعلام بوحي من عبد اللَّه، وإن كان المعني بذلك قرص الشمس، فالمُشاهدة تُبطل ذلك، وإنما لو معهم في هذا التهافت من أمر اللَّه المجعول فيها وبها" (٢). وذكر بقية كلامه في تفسير سورة الأنعام إلى أن قال: "والقائلون بها تقدم ذكره من عظم أجرام الكواكب هم القائلون حقًا انهما لا يطلعان على جميع الأرض" (٣). قال صاحب زاد المسافر في الطب (٤): "والعين ليس فيها نور وإنما نورها والضوء فيها إنما هو مُكتسب من الأنوار المُشرقة التي هي الشمس والقمر والكواكب". قال شيخنا الإمام أبو العباس: "وليس مع أحد دليلٌ على أن الأرض إلى المركز جنس واحدٌ متماثل حتى يمتنع أن تكون سبع أرضين، يعني قول اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] بل علم الهيئة بعضه يقوم عليه دليل كاستدارة الأفلاك، وبعضه لا يقوم عليه دليل مثل كون الثامن أو التاسع هو المحيط وكون الشمس في الرابعة".

стр. 963

(١) لأثقَله ويا أسفي … عليه إن غاب شخصك عنهُ فوالذي أتقن الأشيا بحكمته … ما خاب محدثا جاء إليك وأنت مقصدهُ غيره: يا عَالمَا تركَ المذاهبَ بعده … زمنًا بها تتألف الأحزانُ تركت المذاهب وانفردَت بعصرها … فأصبحتْ تبكي على خطواتك الأغصانُ فاليوم لا صبرٌ عليك يُعنني … كلا ولا دمعي عليكَ مُصانُ يا من حاز من العلوم أجلوها … وإمامك التسبيح والقرآنُ تسري بك الأملاك حيثُ تأُمُّها … نحو العُلى ويقودها رضوانُ وعليك قد بكت الرواة وناحت الـ … ـوُرق الحمامُ وضجَّت الأكوانُ وردّدتَّ أنفاسك بالحديث كأنما … صُبت عليك من الرَّدى عيرانُ يا شيخ المذاهب والعلومِ كلها … قد هان عليك البكاء وعميت الأشجانُ عليك قد أبكت حُرقتي وصبابتي … ولوعتي نار الكرى وصبابتي ألوانُ عليك سلام اللَّه ما ناحَ قُمريٌ ولاحت … أنجمٌ وتراكمت سحبٌ ومَرَّ زمانُ

стр. 964

قال عثمان بن سعيد الدارمي: "وقد كتب إلي علي بن خشرم (١) أن وكيعًا سُئل عن حديث عبد اللَّه بن عمرو: "في الجنة معلقة بقرون الشمس"؟ فقال وكيع: "هذا حديث مشهور قد رُوي، وهو يُروى، فإن سُئلوا عن تفسيره لم يُفسِّر لهم، ومنهم من ينكره ونازع فيه، والجهمية تنكره" (٢). ٣٨٧ - قال خشيش بن أصرم: حدثنا الفريابي (٣)، حدثنا إسرائيل (٤)، عن أبي يحيى (٥) قال: قلت لمجاهد: أين الجنة؟ قال: في أعلى العليين، قلت: فأين النار؟ قال: في أسفل السافلين" (٦). ٣٨٨ - وقال: حدثنا مسلم بن إبراهيم (٧)، حدثنا محمد بن مسلم (٨) قال: سمعت قتادة قال: "كانوا يرون أن الجنان في السماوات، وأن النار في الأرضين السابعة" (٩). ٣٨٩ - وقال: حدثنا الفريابي، حدثنا سفيان (١٠)، عن ثور بن يزيد (١١)، عن خالد بن معدان (١٢)، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: "الجنة مطوية في قرون الشمس تنشر في كل عام مرتين، وأرواح المؤمنين في طير كالزرازير تأكل من ثمر الجنة" (١٣).

стр. 965

٥٠ - باب في بقاء الجنة والنار، ومن قال: تفنى النار وقوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]. وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود] وقوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ [النبأ]. وقد أخبر عن العذاب أنه عذاب يوم عقيم، وعذاب يوم كبير، وعذاب يوم عظيم في الشعراء في قصة هود، وعذاب يوم أليم، ولم يخبر عن النعيم أنه نعيم يوم في موضع واحد من كتابه، وقد ثبت في الصحيح تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة، وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] كما قال: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥)﴾ [الفجر] ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج: ١١] ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٤٢] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [الروم: ٥٧] ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠] ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨)﴾ [الشعراء] ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ [النحل: ٢٧] ٣٩٠ - قال عبد الرحمن بن أبي عبد اللَّه بن منده (١): أنبأنا عبد الصمد بن محمد العاصمي (٢)، أنبأنا إبراهيم بن أحمد المستملي (٣)، حدثنا محمد بن يحيى الحناط (٤)، حدثنا علي بن شعيب أبو الحسن البلخي (٥)، حدثنا محمد بن الحكم السكري المروزي (٦)، حدثنا يحيى البلخي (٧)، حدثنا ابن لهيعة (٨)، عن مِشْرَح بن هاعان (٩)،

стр. 966

عن عقبة بن عامر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خُلق الإنسان للأبد بينهما موتة، كما أن روحك لا تفنى كذلك الجنة والنار لا تفنيان" ثم قرأ: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ [الصافات: ٥٨ - ٥٩] (١). ٣٩١ - وقال: أنبأنا محمد بن عبد الرزاق (٢)، أنبأنا جدي (٣)، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن يعقوب (٤)، حدثنا أبو زرعة (٥)، حدثنا محمود بن غيلان (٦) قال: سألت يحيى بن يحيى (٧) قلت: "ما تقول فيمن يقول: أن حور العين يموتون؟ قال: هو كافر، ومن زعم أنه يفنى شيء مما في الجنة فهو كافر" (٨). ٣٩٢ - قال: وأخبرنا عبد العزيز بن أحمد التاجر (٩)، أنبأنا أبو الشيخ (١٠)، حدثنا عبد اللَّه بن جعفر (١١)، حدثنا أحمد بن عصام (١٢)، حدثنا أبو بكر عبد اللَّه بن أبي داود (١٣) قال: وحدثني أبي (١٤)، حدثنا إسحاق بن راهويه

стр. 967

قال: قال لي ابن المبارك: "لقيني النضر بن محمد (١)، فقال: يا أبا عبد الرحمن ما تقول فيمن يقول إن حور العين يموتون؟ فقلت: هؤلاء جهمية، فقال: يا أبا عبد الرحمن من زعم أن حور العين يموتون بموت العباد أو يفنون بفناء العباد أو شيء من الآخرة ينقطع قبل النشور أو بعد النشور من الجنة أو النار فهو كافر باللَّه العظيم يقول اللَّه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] غير مقطوع، وقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٥] فأبدًا ليس له انقطاع" (٢). ٣٩٣ - قال: أنبأنا عبد الصمد بن محمد العاصمي (٣)، أنبأنا إبراهيم بن أحمد المستملي (٤) قال سمعت أبا عمرو محمد بن حامد (٥) يقول: سمعت أبا سليمان محمد بن فضل (٦) يقول: قال أبو معاذ خالد بن سليمان (٧): "من قال إن الجنة والنار تفنيان قبل دخول أهلها فيها أو بعد دخول أهلها فهو كافر". ٣٩٤ - وقال: أخبرنا عبد العزيز بن أحمد التاجر (٨)، أنبأنا أبو الشيخ (٩) قال: حدثني عبد اللَّه بن جعفر (١٠)، حدثنا أحمد بن عصام (١١)، حدثنا أبو بكر عبد اللَّه بن أبي داود السجستاني قال: وحدثني أبي قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: "من قال إن حور العين يموتون أو شيئًا من نعيم الجنة أو شيئًا من عذاب جهنم يفنى فهو كافر يُستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه" (١٢).

стр. 968

٣٩٥ - وقال: أخبرنا عبد الصمد بن محمد العاصمي (١)، أنبأنا إبراهيم بن أحمد المستملي (٢) قال: سمعت إسحاق بن عبد الرحمن القاري (٣) يقول: سمعت أبا محمد أحمد بن محمد بن الفضل القاضي (٤) بسمرقند قال: سمعت حنش بن حرب أبا الحسن السليمي (٥) قال: سمعت وكيع بن الجراح يقول: "الجنة والنار لا تفنيان ولا تموتان، وكيف تموتان وهما جزاء وثواب والجزاء والثواب لا يموتان" (٦). ٣٩٦ - وقال: أخبرنا عبد الصمد بن محمد العاصمي، أنبأنا إبراهيم بن أحمد المستملي قال: سمعت أبا الفضل بن ياسين (٧) يقول: سمعت أحمد بن جرير (٨) يقول: سمعت قتيبة بن سعيد (٩) يقول: "الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان" (١٠). ٣٩٧ - وقال: أخبرنا عبد الصمد بن محمد العاصمي، أنبأنا إبراهيم بن أحمد قال: سمعت محمد بن عمر بن طاهر (١١) قراءة قال: سمعت الحسن بن حموية (١٢) يقول: سمعت أبا عبد اللَّه محمد بن الأزهر بن مسلم

стр. 969

التميمي (١) يقول: "الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، على هذا أدركنا أبا معاذ وخلف وشداد وعكرمة وليث وإبراهيم، فمن جحد بها أو بالعرش والكرسي والميزان والصراط والشفاعة والحوض وعذاب القبر أو بواحد منها فهو كافر" (٢). ذكر ذلك عبد الرحمن بن منده في كتاب "حُرمة الدين" (٣). ٣٩٨ - وذكر من وجهين عن مقاتل (٤) في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]: "كل شيء فيه الروح، فأما الجنة والنار فإنها باقيتان لا تفنيان" (٥). ٣٩٩ - قال الدولابي أبو بشر في الكنى في ترجمة رافع الطائي (٦) من الصحابة: حدثنا عمران بن بكار (٧)، حدثنا أبو المغيرة (٨)، حدثنا صفوان بن عمرو (٩)، عن عبد الرحمن بن جبير (١٠)، عن رافع الطائي قال: "عَادَهُ ناسٌ من فقهاء الْجُنْدِ فقالوا: يا أبا الحسن. فقال: إن اللَّه يقول: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ [النبأ] فالحقب: ثمانون ألف سنة". وذكر حديثا طويلًا" (١١).

стр. 970

قال أبو محمد بن حزم الأندلسي: "فإن قيل: قد قال اللَّه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] قلنا: هذا صحيح، وهذا الاستثناء إنما هو للمُدَد التي كانت الأرواح فيها في الدنيا وفي البرزخ لا في جنة ولا في نار، وهذا استثناء مشاهد بالحواس فهو حق، ولا يجوز أن يُستثنى من عموم الخلود بدعوى لا برهان على صحتها". وذكر بقية كلامه في كتاب "الدرة في الاعتقاد" (١). ٤٠٠ - وذكر الحارث بن أبي أسامة في مسنده في الجزء السادس عشر: حدثنا عبد الرحيم بن واقد (٢)، حدثنا محمد بن خالد القرشي (٣)، حدثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن الشامي (٤)، عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الحَوك الحمقاء (٥) بقلة طيبة كأني أراها نابتة في الجنة، والجرجير (٦) بقلة خبيثة كأني أراها نابتة في النار" (٧). ٤٠١ - وذكر: حدثنا عبد الرحيم بن واقد، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن ذكوان الهاشمي (٨)، حدثنا أبان بن المحبر (٩)، عن أبان بن أبي عياش (١٠)، عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ له: "كلوا من الْهِنْدبَاءَ (١١) ولا تَنْفُضُوهُ؛ فإنه ليس يوم من الأيام إِلَّا وقطرات من الجنة تَقْطُرُنَّ عليه" (١٢).

стр. 971

٤٠٢ - أخبرنا خالي (١)، أنبأنا محمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد (٢)، أنبأنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار المقدسي (٣)، أنبأنا عبد القادر بن عبد اللَّه الرهاوي (٤)، أنبأنا عبد الجليل بن أبي سعد بن إسماعيل المعدل (٥)، أنبأنا أبو عطاء عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن (٦)، أنبأنا أبو عبد اللَّه محمد بن محمد بن جعفر الماليني (٧) بها، حدثنا أبو علي أحمد بن محمد بن علي بن رزين (٨)، حدثنا عبد الرحيم هو ابن حبيب الفاريابي (٩)، حدثنا صالح هو ابن بيان (١٠)، عن أسد بن سعيد (١١)، عن جعفر بن محمد (١٢)، عن أبائه (١٣)، عن علي قال: كنت عند النبي ﷺ فذكر عنده الأدهان فقال: "فضل البنفسج (١٤) على سائر الأدهان، كفضلنا أهل البيت على سائر الخلق" وكان النبي ﷺ

стр. 972

يدَّهن به ويستعط به". وذكر الحديث، وفيه: وذُكر له الحوك وهو الباذروج فقال: "بقلتي وبقلة الأنبياء قبلي، وإني لأحبها وآكلها وكأني أنظر إلى شجرتها نابتة في الجنة" وذُكر له الجرجير فقال: "أكرهها ليلا ولا بأس بها نهارًا وكأني أنظر إلى شجرتها نابتة في جهنم" وفيه: وذكر الهندباء فقال: "كلوا الهندباء من غير أن تُنفض أو تُغسل، فإنه ليس منها ورقة إِلا وفيها من ماء الجنة". الحديث بطوله. هذا حديث منكر بل موضوع (١). ٤٠٣ - وقال أبو رجاء محمد بن حمدويه الهُوْرْقَانِي (٢): حدثنا أشعث بن يزيد (٣)، أنبأنا محمد بن جيهار (٤)، عن عمر بن موسى (٥)، عن القاسم (٦)، عن أبي أمامة قال: أتي رسول اللَّه بالحَوك فقال: "بقلة طيبة رأيتها نابتة في الجنة" وأُتي بالجرجير فقال: "ريح خبيث كأني قد رأيتها نابتة في النار". رواه في تاريخ المراوزة (٧). ٤٠٤ - وقال ابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال: حدثنا خالد بن خِداش (٨)، حدثنا عباد بن عباد (٩)، عن يزيد الرقاشي (١٠)، عن أنس بن مالك قال: قال عثمان بن عفان: "ليأتين على جهنم يومٌ وما فيها أحد" قال: "يعني الموحدين" (١١).

стр. 973

٤٠٥ - وقال حرب الكرماني (١): حدثنا عبيد اللَّه بن معاذ (٢)، حدثنا أبي (٣)، حدثنا شعبة (٤)، عن أبي بَلْج (٥)، سمع عمرو بن ميمون (٦) يُحدث عن عبد اللَّه بن عمرو قال: "ليأتين على جهنم يوم تصطفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك ما يلبثون فيها أحقابًا" (٧). ٤٠٦ - وقال: حدثنا عبيد اللَّه، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن يحيى بن أيوب (٨)، عن أبي زرعة (٩)، عن أبي هريرة قال: "ما أنا بالذي لا أقول أنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد" وقرأ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦)﴾ [هود: ١٠٦] الآية، قال عبد اللَّه: "كان أصحابنا يقولون: يعني به الموحدين" (١٠). ٤٠٧ - وقال حرب: سألت إسحاق قلت: قول اللَّه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]؟ قال: "أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن" (١١).

стр. 974

٤٠٨ - قال سعيد بن منصور: حدثنا هُشيم (١)، عن أبي بَلْج، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن عبد اللَّه بن عمرو في قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ [النبأ] قال: "الحقب الواحد ثمانون سنة" (٢). قلتُ: تأنيث حِقَب هو من سَنَةٌ حِقبة، كما قال علقمة بن عبدة (٣): قد عُرِّيَتْ حِقبةً حتى اسْتَطَفَّ لها … كِتْرٌ كَحَافَةِ كِيْرِ القَينِ ملمومُ (٤) ٤٠٩ - عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [الرعد: ٢٣] قال: "معدنهم فيها أبدًا". رواه إسحاق ابن راهويه (٥). ٤١٠ - وفي حديث عبيد بن رفاعة الزرقي (٦)، عن أبيه في دعاء النبي ﷺ يوم أحد: "اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول". الحديث رواه البخاري في الأدب (٧).

стр. 975

٤١١ - قال الدارقطني: حدثنا أبو العباس أحمد بن عبد اللَّه بن نصر بن بجير القاضي (١)، حدثنا محمد بن يحيى بن زكريا الحراني (٢)، حدثنا الحسن بن محمد بن أعين (٣)، حدثنا محمد بن عبد اللَّه القرشي المكي (٤): أن خاله محمد بن عبد اللَّه بن أبي مليكة (٥) حدثه، عن أبيه (٦)، عن مروان بن الحكم، عن عمر بن الخطاب: أن النبي ﷺ قال: "لا يُتغبَّطنَّ فاجرًا بنعمة رحب الذراعين، يسفك دماءَ المسلمين؛ فإن له عند اللَّه قاتلًا لا يموت: جهنم كلما خبت زدناهم سعيرًا" (٧). غريب من حديث مروان بن الحكم عن عمر بن الخطاب، يرويه عبد اللَّه بن أبي مليكة. ولم يروه عنه غير ابنه محمد، ولم نكتبه إِلا من هذا الوجه، ولا أعلم لمحمد بن عبد اللَّه بن أبي مليكة مسندًا غير هذا (٨). ٤١٢ - أخبرنا إسحاق بن يحيى (٩)، أنبأنا يوسف بن خليل (١٠)، أخبرنا خليل بن أبي الرجاء، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا الطبراني، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن سلم (١١)، حدثنا سهل بن عثمان (١٢)،

стр. 976

حدثنا عبد اللَّه بن مسعر بن كِدام (١)، عن جعفر بن الزبير (٢)، عن القاسم (٣)، عن أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليأتين على جهنم يوم، كَأَنَّهَا زَرْعٌ هَاجَ وَآخَرُ تَخْفِقُ أَبْوَابُهَا" (٤). ٤١٣ - روى ابن عدي: لعمرو بن شِمْر (٥) -وهو متروك- عن ليث بن أبي سليم (٦)، عن عبد الرحمن بن سابط (٧)، عن عبادة بن الصامت رفعه: "الحُقُبُ أربعون سنة" (٨). ٤١٤ - قال ابن ماجه في تفسيره: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق (٩) قال: سمعت خارجة (١٠) يقول: "كفرت الجهمية في غير موضع من كتاب اللَّه، قولهم إن الجنة تفني، قال اللَّه: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] فمن قال: إنها تنفد فقد كفر" (١١).

стр. 977

٤١٥ - قال أبو أحمد بن علي الحافظ: حدثنا ابن مُكْرَمٍ (١)، ومحمد بن إسماعيل البَصَلاني (٢) قالا: حدثنا عبيد اللَّه هو ابن يوسف الجبُيري (٣)، حدثنا سليمان بن مسلم الكوفي (٤) عن سليمان التيمي (٥)، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إن اللَّه لا يخرج من دخل النار حتى يمكثوا فيها أحقابا، والْحِقْبُ بضع وثمانون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم ألف سنة". زاد ابن مُكْرَمِ: "مما تعدون". وقال ابن إسماعيل: حدثني نافع وقال: "واللَّهِ لا يخرج". فذكره (٦). قال ابن عدي: "هذا منكر جدًا، وسُلَيْمَان بْن مسلم هذا قليل الحديث، وَهو شبه المجهول ولم أر للمتقدمين فيه كلام" (٧). ورواه الدارقطني في الجزء التاسع والتسعين من الأفراد: عن أبي حامد محمد بن هارون (٨)، وأبي محمد بن صاعد (٩)، عن عبيد اللَّه بن يوسف الجبيري. وقال: "تفرد به سليمان بن مسلم، عن التيمي". ورواه أبو بكر الشافعي في الخامس من الغيلانيات: عن جعفر بن محمد كَزَالٍ (١٠)، عن الحسن بن قَزَعَةَ (١١)، عن سليمان بن مسلم.

стр. 978

وهو عندنا في كتاب صفة النار لضياء الدين المقدسي (١). وقال أبو عمر الطلمنكي: "وأجمع المسلمون على أن الجنة والنار مخلوقتان بعد، وعلى أن اللَّه قد أعدَّهما لأهلهما". قال: "وكذلك أجمعوا على أنهما لا تبيدان ولا تفنيان" (٢). قال: "وأجمعوا على أن الجنة التي كان فيها آدم ولما أخرج عنها هي جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة، فمن قال غير ذلك فهو داخل في جملة الزائغين". ٥١ - باب خلق النفس والروح وقد قيل: إن النفس هي الروح، قال أحمد بن عمران بن سلامة البغدادي الأخفش النحوي (٣) في حديث: "إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة" (٤) "النَّسَمةُ النفس والروح، والجسد نفسه يقال له: نسمة، وأما في هذا الحديث فإنها يَعني الروح". وقول اللَّه تعالى في سورة الفجر: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر] وعن ابن عباس أنه قرأ: ﴿فادخلي في عَبْدي﴾ ذكره أبو عبيد والفراء (٥). وقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾ [الشمس] ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ [التكوير] ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [يس: ٣٦] ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾ [الزمر: ٥٦] إلى ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ [الزمر: ٥٩] قُرئت بكسر الكاف والتاء حكاه الفراء، قال: "كأنه يخاطب النفس، وهو وجه حسن؛ لأنه ذَكَر النفس فخاطبها أولًا فأجرى الكلام الثاني على النفس في خطابها" (٦).

стр. 979

٤١٦ - أخبرتنا زينب ابنة أحمد، أنبأنا يوسف بن خليل، أخبرنا محمد بن أبي زيد (١)، أخبرنا محمود بن إسماعيل (٢)، أخبرنا أبو بكر بن شاذان (٣)، أخبرنا أبو بكر بن فورك (٤)، أخبرنا أبو بكر بن أبي عاصم، حدثنا ابن كاسب (٥)، حدثنا عبد اللَّه بن عبد اللَّه (٦)، حدثنا معن بن محمد الغفاري (٧)، عن حنظلة بن علي الأسلمي (٨)، عن أبي هريرة: أنه سمع النبي ﷺ قرأ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس] قال: "اللهم آت نفسي تقواها زكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها". قال: وهو في الصلاة (٩). قال محمد بن نصر المروزي: "لا اختلاف بين المسلمين أن الأرواح التي في آدم وفي عيسى ﵇ ومن سواهما من بني آدم كلها مخلوقة، اللَّه خلقها وأنشأها وكونها واخترعها بعد أن لم يكن، ثم أضافها إلى نفسه كما أضاف إليه سائر خلقه، قال اللَّه : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] وقال: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] ". قال: "فروح آدم وعيسى وسائر الأرواح تضاف إلى اللَّه فيقال: "هي مِنْهُ" على معنى: أنها خَلْقٌ له ومُلْكٌ له، وكذلك نور المؤمن والأنبياء والأنوار كلها تضاف إلى اللَّه ويقال: هي منه على أنها خلقٌ له ومُلكٌ له".

стр. 980

قال: "ويقال: عِلْم اللَّه من اللَّه وقدرته منه وكلامه وإرادته وحكمه وسمعه وبصره ورحمته ووجهه ويداه منه، فهذه صفات ذاته تضاف إليه على أنها صفةٌ له ونعتٌ له، لم يزل بهذه الصفات ولا يزال بها لا على أنها خلقٌ له ومُلْكٌ له فافهم الفرق بين الإضافتين" (١). قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]. ٤١٧ - عن الأعمش، عن إبراهيم (٢)، عن علقمة (٣)، عن عبد اللَّه قال: بينا أنا أمشي مع النبي ﷺ في حرث المدينة وهو يتوكأ على عسيبٍ معه فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح؟ وقال بعضهم: لا تسلوه لا يجيء منه شيء تكرهونه، فقل بعضهم: لنسألنه، فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت، فقلت: إنه يوحى إليه، فقمتُ فلما انجلى عنه قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء]. قال الأعمش: هكذا في قراءتنا. رواه البخاري ومسلم (٤). ٤١٨ - قال ابن أبي الدنيا في كتاب المنامات: حدثني سريج بن يونس (٥)، حدثنا عبيدة بن حميد (٦)، أخبرني عمار (٧)، عن سالم بن أبي الجعد (٨)، قال: قال حذيفة: "الروح بيد مَلَكٍ، وإن الجسد لَيُغَسَّلُ، وإن ذلك المَلَك ليمشي معه إلى القبر، فإذا سُوِّيَ عليه سَلَكَ فيه فذلك حينَ يُخاطَب" (٩).

стр. 981

قال أبو محمد بن حزم في كتاب الدُّرة: "والروح والنفس شيءٌ واحدٌ، قال رسول اللَّه ﷺ ليلة ناموا عن الصلاة: "إن أرواحنا كانت بيد اللَّه فردها إذا شاء" (١). أو كما ﵇، وقال له بلال في ذلك الحين: "أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك يا رسول اللَّه" (٢). فلم ينكر ذلك عليه النبيُّ ﵇" (٣). الأقوال التي حُكيت للناس في الروح حكيت لهم في النفس. وقال أبو محمد البغوي: "الروح المركب في الخلق الذي يحيى به الإنسان، تكلم فيه قوم فقال بعضهم: هو الدم ألا ترى أن الحيوان إذا مات لا يفوت منه إلا الدم. وقال قوم: هو نفس الحيوان بدليل أنه يموت باحتباس النفس. وقال قوم: هو عَرَض. وقال قوم: هو جسم لطيف. وقال بعضهم: الروح معني اجتمع فيه النور والطيب والعلو والعلم والبقاء، ألا ترى أنه إذا كان موجودا يكون الإنسان موصوفًا بجميع هذه الصفات، وإذا خرج ذهب الكل. وأولى الأقاويل: أن يوكل علمه إلى اللَّه ، وهو قول أهل السنة. قال عبد اللَّه بن بريدة (٤): إن اللَّه لم يُطْلِع على الروح مَلَكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا" (٥). وقال أبو الحسن الآمدي علي بن الحسن (٦): "وقد اختلف الأولون في أمر النفس الإنسانية، فقال قوم: أنها عَرَض، لكن منهم من قال: أنها من جملة القوى الفعالة، ومنهم من قال: أنها مزاج. وقال قوم: أنها جسم، ثم منهم من قال: أنها جسم عنصري، ومنهم من قال: أنها الروح، ومنهم من قال: أنها الدم.

стр. 982

والذي ذهب إليه المحققون منهم: أنه جوهر بسيط مجرد عن المادة دون علائق المادة، ويدل عليه أن كل عاقل يحدث نفسه أنه يعمل شيئًا ما، فإن كان بسيطة لا يركب منه فيهو المطلوب، وإن كان مركبًا ففيه البسيط، والبسيط غير متحرك، والمدرك له إما أن يكون بسيطًا أو مركبًا لا جائزٌ أن يكون مركبًا، وإلا فالمُدرك منه إما البعض أو الكل، فإن كان المُدرك البعض دون الكل فإن كان مركبًا عاد التقسيم وتسلسل، وإن كان بسيطًا في النفس والباقي خارج عنها، وإن كان المُدرك هو الأجزاء فإما أن يكون كل جزءٍ أُدرك بإدراك الآخر أو غيره، فإن كان الأول لزم حصول العلم بالشيء الواحد مرارًا وهو خلاف ما نجده من أنفسنا، وإن كان الثاني فقد لزم التجزئ فيها لا يتجزئ وذلك محالٌ، فلم يبق إلا أن يكون المُدرك للبسائط بسيطًا لا تركيب فيه، فلا يكون جسمًا ولا قائمًا بالجسم، وهو إما أن يكون جوهرًا أو عرضًا، فإن كان جوهرًا فهو المطلوب، وإن كان عَرضًا فموضوعه لا بد وأن يكون جوهرًا بسيطًا، وإلا لزم منه التجزئ فيما لا يتجزئ له، أو عدم التجزئ في المتجزئ وهو محالٌ، وذلك هو المعنى بالنفس الناطقة" (١). قلتُ (٢): "هذه الحجة التي ذكرها هو وغيره على أن النفس ليست بجسم قد نقضها عليهم شيخنا أبو العباس وبين فسادها بكلام مُفصَّلٍ مبسوطٍ ليس هذا موضع حكايته". فمنه: "أن قولهم: "العلم بما لا ينقسم لا ينقسم". كلام لا حقيقة له؛ إذ حاصله أن العلم بما لا اختيار فيه، وما لا اختيار فيه لا يُعلم بل لا يوجد، فلا يُتصور أن يقوم علمه بمحلٍّ أصلًا، وإنما مدار حجتهم على إثبات موجود لا اختيار فيه، كما أثبتوا جُزءًا لا ينقسم أو يقبل الانقسام إلى غير نهاية. فما ادَّعوهُ من الجزء والانقسام المحصور الذي هو فصلُ بعضهِ عن بعض كما نفوه من الانقسام الذي يُعني به إمكان تعلق العلم والإدراك ببعضه دون بعض، فلا ذلك المثبت له تلك القسمة له وجود، ولا هذا المنفي عنه هذه القسمة له وجود، بل كل موجود ثبتت له هذه المناسبة والقيام بالنفس الذي سَمَّوه انقسامًا، وليس في الموجودات ما ينفصل بعضه عن بعض حتى ينتهي إلى جزئهم، أو ينقسم دائمًا، وأما ما ذكروه من أن النفس يقوم بها العلم بالأمور الكلية كالإنسانية والجسمية التي لا توجد إلا في الأذهان، والكلي المجرد عن جميع الأمور

стр. 983

الشخصية، فلو كان محله جسمًا لكان له مقدار معين، فيقال لهم: إن كانت هذه الحجة صحيحة فيلزم أن تكون النفس أمرًا كليًا لا يتعين ولا يتميز عن غيره، ولا له وجود خارجي يتخصص به، وهذا في الحقيقة قول بعدم النفس وتعطيل لها، لأن كل موجود فلا بد له من تعين يتخصص به في الخارج، فحجتهم هذه توجب عدم النفس من حيث ظنوا تجريدها، كما أن احتجاجهم على تنزيه الباري يوجب تعطيله حيث يجعلونه الوجود المطلق الذي لا يتعين، وذلك يمتنع وجوده في الخارج، وذلك لأنهم إذا قالوا: النفس يقوم بها أمور كلية، وجعلوا المحل كالحال في ذلك لزم أن تكون النفس كلية، وإن لم يجعلوا المحل كالحال بطلت الحجة" (١). قال أبو محمد بن حزم: "من قال إن الروح عَرَض لا يبقي وقتين بل يفني ويضمحل، وأن النفس ليست شيئًا غير الهواء الداخل والخارج بالتنفس، ما قال هذا القول أحد ممن ينتمي إلى الإسلام إلا أبو الهذيل العلاف المعتزلي، وهي إحدى شنعه المخرجة له عن الإسلام ثم اتبعه على ذلك الطائفة المنتمية إلى الأشعرية" (٢). ٤١٩ - أخبرنا محمد بن عبد الرحمن المزي (٣)، أخبرنا ابن البخاري، أخبرنا الكِندي (٤)، أخبرنا أبو القاسم بن يوسف (٥)، أخبرنا أبو الحسين بن المهتدي باللَّه (٦)، أنبأنا محمد بن بكران (٧)، حدثنا محمد بن مخلد (٨)، حدثني إبراهيم هو ابن هانئ النيسابوري (٩)، حدثنا عفان (١٠)، حدثنا وهيب (١١)، حدثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه،

стр. 984

عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الأرواح جنودٌ مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف". رواه مسلم (١): لعبد العزيز الدراوردي (٢)، عن سهيل. قال أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن مَسرَّة القرطبي (٣) في رسالته إلى موسى بن حدير الحاجب (٤): "النفس والروح، وليس الروح والنفس، الروح كالأصل والنفس كالفرع، فأما في تعارف الكلام وتصاريفه في القرآن والآثار على اتساع المعاني، فقد يقع كل واحلي منهما مكان صاحبه، وإنها لفظ القرآن بالنفس إذا عنى أرواح البشر، ولا تُذكر الروح إلا بمعنى الأصل الأعلى الذي منه فُصلت الأرواح المطلقة في الدنيا، فأما فصل ما منها في خلق ابن آدم فإن الروح هي التي لها العقل والسمع والبصر وسائر الحواس الخمس" (٥). وقوله: "الروح يقع عليها وعلى النفس معها، تمر خاصة منفردة هي التي تخدم البدن في النفس والحركات الباطنة: كحركة المعدة والكبد والمثانة والأعضاء العاملة في جسم الحيوان، فالنفس هي التي تبقى للنائم عند نومه في الرئتين بالنفس، وفي سائر أعضاء البدن المسرة لصلاح الجسم، والروح هي التي تنقبض عند النوم وتنبسط فتعقل وتسمع وتبصر، ولا يبقى أحدهما دون صاحبه ولا يتفرقان، وإذا طلعت الروح عند الموت فالنفس بدنها وحجابها، واللَّه أعلم، واعلم رحمك اللَّه أن هذا لا يتيسر إلا لمن يحتمله عقله". قال أبو محمد بن قتيبة: "والعرب تسمي الدم نفسًا لاتصال النفس به على مذهبهم في تسمية الشيء بما اتصل به أو جاوره أو كان سببًا له، ويقولون: نفست المرأة إذا حاضت، كأنها دميت، وقال أصحاب اللغة: "إنما سُميت المرأة نُفساء لسيلان الدم"، وقال إبراهيم: "كل شيء ليست له نفسٌ سائلة فإنه لا ينجس الماء إذا سقط

стр. 985

فيه، يريد كل شيء ليس له دمٌ سائل"، وتُسمي العرب النفْسَ نسَمةً وأصل النسَمة النفس، ورويَ في بعض الحديث: (تنكبوا الغبار فإنه منه تكون النسَمَة) يُراد منه يكون النفَس والربو، وسُمي نفَسًا لأنه عن النفَس يكون، والعرب تقول: "مات فلان حتف نفْسِهِ وحتف أنفهِ" إذا مات على فراشه؛ لأنه لا يزال يتنفس حتى يموت فتُخرجُ نفْسَهُ نفَسًا من أنفهِ وفَمِه" (١). قال أبو عبد اللَّه محمد بن عمر الرازي في المطالب العالية: "ثم إن العقلاء تحيروا في معرفة النفس وأنها هل هي عبارة عن هذا الهيكل المحسوس أو عن جسم داخل فيه أو عن عرض قائم به أو عن جوهر مجرد" (٢). وقال: "إن النفوس البشرية كلها مجبولة في الأصل على محبة اللَّه عاشقة لكبريائه وحجابها عن ذلك استغراقها في العلائق البدنية والطينات الجسدانية، فإذا أزال عن نفسه هذا الحجاب أو قللها ارتفع الحجاب وظهرت أنوار معرفة اللَّه للمستعدين لذلك بحسب استعدادهم، وقال أرسطوا: من أراد الشروع في هذا الباب فليستحدث لنفسه طبيعة أخرى، ومراده التجرد عن العلائق المذكورة، فليجتهد الإنسان في تحصيل ذرة من ذلك حتى يصير ذلك من أعظم الجواذب إليه والانصراف عما عداه، قال أرسطو: قد كنت أشرب فلا أروى إلى أن شربت من هذا البحر فرويت ريًا لا ظمأ بعده أبدًا" (٣). ذكر صاحب المفصل في شرح المحصل للرازي (٤) قوله: "اختلف أهل العلم في حدوث الأجسام، والوجوه الممكنة فيه لا تزيد على أربعة" إلى آخره (٥). قال الشارح: "الوجوه الممكنة بحسب القسمة العقلية لا تزيد على أربعة أقسام: لأن الجسم إما أن يكون مُحدث الذات والصفات معًا، أو قديم الذات والصفات معًا، أو قديم الذات محدث الصفات، أو مُحدَث الذات قديم الصفات، والقسم الأول وهو أن يكون مُحدَث الذات والصفات معًا فهو قول الجمهور من المسلمين
следующие страницы →