← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 132406

قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويه

إيهاب سلامة

Полный текст (384 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أي أَنَّهُ إذا كان الاسم على وزن «فَعَالِ»، ولم ندرِ أمعدول) (١) هو أم لا، فسيبويه يصرفه استنادا على الجانب الإِحْصَائِيّ الذي قام به لهذا الوزن، والذي قال إِنَّ معظم حالات هذا الوزن يكون فيها مصروفا. » الملحوظة الرابعة: أنَّ الاتجاه الإِحْصَائِيّ ليس مقصورا فقط على التراكيب النحوِيَّة بل يمتد أيضا إلى الأبنية الصَّرْفِيَّة، مثل: • « ... وفَعِلٌ أقل من فَعِيل بكثير») (٢). • «ألا ترى أَنَّ تَفْعَلُ ويَفْعَلُ في الأسماء قليل») (٣). • «ومع ذا أنَّ فَعاعِيل وفَعاعل أكثر وأعرف من فعالل وفعاليل») (٤). • «ليس في الكلام مثل: سَرْداحٍ ولا فَعْلالٌ إلا مُضعَّفًا») (٥). • «ألا ترى أنَّه ليس في الكلام سِفْعَال») (٦). » الملحوظة الخامسة: أنَّ سيبويه في إحصائه الوصفي المسحي يحدد البيئة اللُّغَوِيَّة) المجتمع (التي يستقي منها مادته، ويعتمد الأسئلة المباشرة، ولا يخلط ما تَتَمَيَّز به بيئة لغَوِيَّة عن بيئة أخرى، فهو يحفظ لكل بيئة لغَوِيَّة خصوصيَّتها اللُّغَوِيَّة: النحوِيَّة والصَّرْفِيَّة، وكثيرا ما ردَّدَ سيبويه قوله «ومن العرب ... »، تلك المقولة التي ترددت أكثر من مَرَّة، وبلغ عدد المرَّات التي أحصيتُها لهذه المقولة مائتين وتسعة) ٢٠٩ (مَرَّة. ومن الأمثلة التي تؤيد هذه الملحوظة أقواله: • «وسألنا العُلْويين والتميميين ... ») (٧). • «وسألنا من يرفع في قوله: سرتُ حتى أدخلها ... ») (٨).

стр. 107

• «وناس من العرب يقولون: بُشْرَيَّ ... ») (١). • « ... وإنْ شئت قلت: إذا كان غدًا فأتي، وهي لغة بني تميم») (٢). • «ومن العرب من ينصب بالألف واللام، من ذلك قولك: الحمدَ لله، فينصبها عامة بني تميم وناس من العرب كثير») (٣). • « ... وهذه كلمة تَكَلَّم بها العرب في حال اليمين، وليس كل العرب تتكلم بها، تقول: لَهِنَّكَ لَرجلُ صدق») (٤). • «والذي ذكرت لك قول الخليل، ورأينا العرب توافقه بعد ما سمعناه منه») (٥). • «كما تخرج هند في التحقير إذا قلت: هنيدة إلى ما لا ينصرف في جميع اللغات») (٦). • «واعلم أَنَّ ناسا كثيرا من العرب يقولون: عِلياوان وحِرباوان») (٧). وسيبويه لا يُقصر بحثه الميداني على النواحي النحوِيَّة والصَّرْفِيَّة، بل إِنَّ بحثه الميداني يشمل الدراسة الصَّوْتِيَّة لما تَتَمَيَّز به كل قبيلة على حدى. يقول مثلا: «واعلم أنَّ ناسًا من العرب كثيرًا ما يلقون على الساكن الذي قبل الهمزة حركة الهمزة، سمعنا ذلك من تميم وأسدٍ، يريدون بذلك بيان الهمزة، وهو أبين لها إذا وليت صوتًا») (٨). وعبارات سيبويه في النصوص السابقة «وسألنا، وسألنا من يرفع، وناس من العرب، وهي لغة، ومن العرب من، وهذه كلمة تَكَلَّم بها العرب في حال، ورأينا العرب، جميع اللغات، واعلم أنَّ ناسا كثيرا من العرب ... » تذكرنا بالطريقة التي كان علماء اللُّغَة المعاصرون يتبعونها في دارسة «علم اللهجات Dialectology» تلك الطريقة التي عُرفت باسم «الاستبيانات Questionnaire» . التي

стр. 108

كانت تُدرَس من خلالها لهجة مكان ما من خلال أسئلة توجه إليهم. وكانت هذه طريقة متبعة في الماضي واستُعِيض عنها الآن بالتقنيات الحديثة) (١). » الملحوظة السادسة: أَنَّهُ من الفوائد العَمَلِيَّة لهذا العنصر من عناصر المنهج عنده تقوية توجيه نحوي على آخر) (٢). » الملحوظة السابعة: إِنَّهُ لأهمِيَّة الجانب الإِحْصَائِيّ في دراسة اللُّغَة ــ كما فعل عبقري العربِيَّة سيبويه ــ ظهرت في علم اللُّغَة الحديث أفرعٌ مختلفة تدرس هذا الجانب، منها ما يسمى: - علم اللُّغَة الإِحْصَائِيّ Statistical Linguistics . - علم الأسلوب الإِحْصَائِيّ Stylostatistics . - علم اللُّغَة الكمي Quantitative Linguistics . والدراسة في علم اللُّغَة الإِحْصَائِيّ تشمل في بعض جوانبها «تحليل تردّد أو توزيع وحدات لغَوِيَّة في تصور ما بهدف التعرف على السمات الحاسمة أو الخاصة لمتحدث أو كاتب ما») (٣). *** ٣ ــ تتَبُّع التركيب اللغويّ المُعَيَّن قيد البحث في السِّياقات المختلفة وربطه بدلالة السِّياق إِنْ وجدت: عرفنا فيما سبق أنَّ سيبويه يقوم بتجريد التركيب النَّحْوِيّ الذي يدرسه، وأنَّ فكرة تنميط تراكيب اللُّغَة كانت حاضرة في ذهنه، وأنَّه يتَتَبَّع هذا التركيب إِحْصَائِيّا لمعرفة درجة تكراره في النصوص اللُّغَوِيَّة. والسؤال الآن: ما الخطوة التالية التي تأتي بعد تنميط التركيب النَّحْوِيّ قيد البحث وتجريده وتتَبُّعه إِحْصَائِيّا؟ ما الذي يحدث بعد أَنْ يحصل سيبويه على النمط المجرد الممثِّل للتركيب النَّحْوِيّ أو الصَّرْفِيّ؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال وتجليته يجب أَنْ نستصحب الأصل المهمَّ التالي؛ لأنَّنا سنعتمد عليه كثيرا هنا، وهذا الأصل هو:

стр. 109

«أنَّ سيبويه يحترم اللُّغَة، ولا يمكن أَنْ يفتري عليها قاعدة من عنده، فهو مقيَّد بما تقوله اللُّغَة، ويلتزم بما تُمليه عليه من قواعد». وهذا الأصل مستخلَص من نصوص عدة ذكرنا بعضها آنفا، ونذكر منها أيضا: أ « ... لا يجوز أَنْ تقول: يضرب شهري ربيع، وأنت تريد في أحدهما، كما لا يجوز لك في اليومين وأشباههما. فليس لك في هذه الأشياء إلا أَنْ تجريها على ما أجروها، ولا يجوز لك أَنْ تريد بالحرف غير ما أرادوا») (١). ب « ... وذلك قولك: سلامٌ عليك ولَبَّيْك، وخير بين يديك، ... فَإِنَّما تجريها كما أجرت العرب، وتضعها في المواضع التي وضعن فيها، ولا تُدْخِلَنَّ فيها ما لم يُدخِلوا من الحروف. ألا أترى أنَّك لو قلت: طعاما لك ... ، تريد معنى سَقْيًا، أو معنى المرفوع الذي فيه معنى الدعاء لم يجز، لأنَّهُ لم يستعمل هذا الكلام كما استعمل ما قبله. فهذا يدلُّك ويبصِّرك أَنَّهُ ينبغي لك أَنْ تُجْري هذا الحروف كما أجرت العرب وأَنْ تعنى ما عنوا بها») (٢). ت «وهذا مذهب، إلا أَنَّهُ ليس يقوله أحد من العرب») (٣). تنبيهه على أنَّ مذهبا ما لا يوافق كلام العرب دليل على اهتمامه بكلام العرب بكل بيئاته المختلفة بناء على الأصل السابق نجيب على السؤال الذي طرحناه قبلُ فنقول: إِنَّ سيبويه بعد تجريده للتركيب النَّحْوِيّ يتَتَبَّع هذا التركيب في السِّياقات المختلفة التي يأتي فيها، ويربط هذا التركيب بدلالات هذه السِّياقات. وبالمثال يتضح الكلام. » المثال الأول: في باب «معنى الواو» أحد أبواب الكتاب يناقش سيبويه بعض الجمل التي تدخلها الواو ومعانيها التي تكون عليها، فيقول: «وكذلك: ما أنت وعبد الله، وكيف أنت وعبد الله، فكأنَّك قلت: ما أنت وما عبد الله، وأنت تريد أَنْ تحقِّر أمرَه أو ترفع أمرَه») (٤). في هذا النَّصّ لدينا التركيب الآتي: «أداة الاستفهام) ما / كيف (+ الضمير أنت + حرف العطف الواو + اسم علم» هذا التركيب يمثِّله في نصّ سيبويه الجملتان المذكورتان «ما أنت وعبد الله، كيف أنت وعبد الله». وَرَبَطَ سيبويه هذا التركيب بدلالتين: التحقير مَرَّة، والرفعة مَرَّة أخرى. ومن خلال معرفتنا

стр. 110

بالأصل السابق ــ وهو أَنَّ سيبويه لن يختلق على اللُّغَة ما ليس فيها ــ نقول: إِنَّ هذا الربط الدِّلَالِيّ بين هذا التركيب وهاتين الدلالتين السِّياقيتين: التحقير والرِّفْعة ــ لابد أَنَّهُ نتج عن تتَبُّع لهذا التركيب في السِّياقات المختلفة التي ورد فيها، وفي كل مَرَّة يجد أنَّ هذا التركيب يرتبط بإحدى هاتين الدلالتين فقرَّر سيبويه في نهاية المطاف أنَّ هذا التركيب يرتبط بهاتين الدلالتين. » المثال الثاني: يقول سيبويه في نصٍّ ثان: «واعلم أنَّ ((حتى)) يُرفَع الفعل بعدها على وجهين: تقول: سرت حتى أدخلُها، تعني أَنَّهُ كان دخول متصل بالسير كاتصاله به بالفاء إذا قلت: سرت فأدخلُها، فأدخلها ههنا على قولك: هو يدخل وهو يضرب، إذا كنت تخبر أَنَّهُ في عمله، وأَنَّ عمله لم ينقطع فإذا قال حتى أدخلُها ف كأَنَّه يقول: سرت فإذا أنا في حال دخول، فالدخول متصل بالسير كاتصاله بالفاء ... وأما الوجه الآخر: فإِنَّهُ يكون السير قد كان وما أشبهه، ويكون الدخول وما أشبهه الآن، فمن ذلك: لقد سرت حتى أدخلُها ما أمنع، أي حتى أني الآن أدخلها كيفما شئت. ومثل ذلك قول الرجل: لقد رأى مني عاما أول شيئا حتى لا أستطيع أَنْ أكلمه العام بشيء، ولقد مرض حتى لا يرجونه») (١). في النَّصّ السابق يتحدَّث سيبويه عن إعراب الفعل المضارع بعد حتى، ويذكر في هذا النَّصّ التركيب التالي: «جملة) سببية (+ حتى) الابتدائية (+ [فعل مضارع مرفوع + فاعل ... ) جملة مسبَّبة (]» الفعل المضارع في هذا التركيب ــ كما ينص سيبويه ويقرر ــ يُرفع في حالتين: - الأولى: أَنْ يكون المضارع دالا على الحال، «أي الوقت الذي يقع فيه الكلام، فزمنه زمن النطق بالكلام»، وهو ما عبَّر عنه بقوله: «دخول متصل بالسير». - الثانية: أَنْ يكون الفعل المضارع «قد تحقق وانتهى فعلا قبل النطق بالجملة، وكان المناسب أَنْ يذكر الفعل بصيغة الماضي، ولَكِنَّه يعاد ذكره بصيغة المضارع بقصد حكاية الحال»، وهو ما يُعَبِّر عنه بقوله: «لقد سرت حتى أدخلُها ما أمنع، أي حتى أني الآن أدخلها كيفما شئت» قال ابن السّرَّاج في توضيح دلالة الفعل المضارع في هذا التركيب: «وأما الوجه الثاني من الرفع: فأنْ يكون الفعلُ الذي بعد حتَّى حاضرًا، ولا يراد به اتصاله بما قبله، ويجوز أن يكون ما قبله منقطعًا، ومن ذلك قولك: لقد سرت حتى أدخلها، ما أمنع حتى إني أدخلُها الآن، أدخلُها كيفَ شئت، ومثل قول الرجل: لقد رأى مني عامًا أول شيئًا حتى لا أستطيع أن أكلمه العامَ بشيءٍ. ولقد

стр. 111

مَرِض حتى لا يرجونه، إنَّما يراد أنَّه الآن لا يرجونه، وأنَّ هذه حاله وقت كلامه، فحتى ها هنا كحرفٍ من حروف الابتداء») (١). إنَّ سيبويه يربط التركيب السابق بما يحتويه من فعل مضارع مرفوع بهاتين الدلالتين: دلالة الحالِيَّة ودلالة الحكاية عن الماضي. وربط الفعل المضارع المرفوع في التركيب السابق بهاتين الدلالتين ليس بالتأكيد من إبداع سيبويه؛ لأنَّهُ كما قلنا يلتزم بقواعد اللُّغَة ولا يتأوَّل عليها. ولا بدَّ من أَنْ يكون هذا الربط من خلال تتَبُّع التركيب في السِّياقات المختلفة التي ورد فيها هذا التركيب، وبعد هذا التتَبُّع خرج سيبويه بهذه النتيجة التي أثبتها في النَّصّ السابق. » المثال الثالث: في أحد مواضع الكتاب عقد سيبويه بابا سماه: «هذا بابٌ من الفعل يستعمَلُ فى الاسم ثُمَّ يبدل مكان ذلك الاسم اسمٌ آخَرَ فيَعْمَلُ فيه كما عَمِلَ في الأوّل» يقول فيه: «قولك: رأيتُ قومَك أكثرَهم، ورأيتُ بني زيد ثُلُثَيْهم، ورأيتُ بنى عمّك ناسًا منهم ... ، فهذا يجيء على وجهينِ: على أَنَّهُ أراد: رأيتُ أكثرَ قومك، ورأيت ثُلُثَي قومك، وصرفتُ وجوهَ أوّلِها، ولَكِنَّه ثَنَّى الاسمَ توكيدًا ... ، ويكون على الوجه الآخرَ الذى أذكره لك، وهو أَنْ يَتكلّمَ فيقولَ: رأيتُ قومَك، ثُمَّ يَبْدوَ له أَنْ يبيَّنَ ما الذى رأى منهم، فيقولَ: ثُلُثَيْهم أَو ناسًا منهم») (٢). في النَّصّ السابق يتحدَّث سيبويه عن البدل في التركيب التالي: «فعل + فاعل + مفعول به) مبدل منه (+ بدل» ويُمَثِّل لهذا التركيب: «رأيت قومك أكثرهم»، «ورأيت بني زيد ثلثيهم»، «رأيت بني عمك ناسا منهم»، وفي هذا النَّصّ يربط البدل في التركيب بدلالتين سياقيتين: الأولى: التوكيد، في قوله: «ولَكِنَّه ثنى توكيدًا». الثانية: التوضيح والتبيين، في قوله: «ثُمَّ يبدو له أَنْ يبين»، يوضح هذا ابن يعيش قائلا: «وأما الثاني: وهو بدل الشيء من الشيء، وهو بعضه، كقولك: رأيت زيدا وجهه، ورأيت قومك أكثرهم، وثلثيهم، وناسا منهم، وصرفت وجوهها أولها. فالثاني من هذه الأشياء بعض الأول، وأبدلته منه ليعلم ما قصدت له، وليتنبَّه السامع») (٣). وهذا الربط السِّياقي بين هذا التركيب وهاتين الدلالتين السِّياقيتين ليس بالتأكيد من بنات أفكار صاحب الكتاب؛ لأنَّهُ لا يختلق على اللُّغَة ما ليس فيها، وليس بالتأكيد وليد اللحظة التي كتب فيها

стр. 112

هذا الكلام؛ إذن فلا بدَّ أَنْ يكون هذا الربط السِّياقي ناتج عن تتَبُّع دلالي في السِّياقات المختلفة؛ أي أَنَّ محصلة هذا التتَبُّع تمخض عن ربط البدل في هذا التركيب بهاتين الدلالتين. » المثال الرابع: في باب «هذا باب من الجزاء ينجزم فيه الفعل» يقول فيه سيبويه: «وتقول: مُرْهُ يَحفِرْها، وقُلْ له يَقُلْ ذاك، وقال الله ــ ــ ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا﴾ [إبراهيم: ٣١]، ولو قلت: مُرْهُ يَحفرُها على الابتداء كان جَيِّدًا») (١). ويقول السيرافي معلقا على توجيه الرفع عند سيبويه: «وإذا قلت مُرْهُ يحفرها ونحو ذلك جاز في «يحفرُها» الرفع من وجهين ــ فيما ذكره سيبويه ــ أحدهما الابتداء والاستئناف، فكأَنَّه قال: مُرْهُ فإِنَّهُ يحفرُها ولا يخالف ... ») (٢). في هذا النَّصّ لدينا التركيبان التاليان: أ «جملة فعلِيَّة طلبية + فعل مضارع مجزوم + فاعل + مفعول». ب «جملة فعلِيَّة + مبتدأ محذوف أو اسم إِنَّ محذوف + خبر جملة فعلِيَّة». يمثل التركيب الأول: مُرْهُ يحفرْها، ويُمَثِّل التركيب الثاني: مُرْهُ يحفرُها. تتبع سيبويه التركيب الأول فوجده هو الأكثر تَرَدُّدًا في السِّياقات المختلفة فذكره، ووجد أيضا أَنَّ للتركيب الأول بديلا آخر له نسبة من التردد والتكرار، ووصف هذا التركيب بأَنَّه «جَيِّد». وصفة جَيِّد هذه لا يطلقها إلا على التراكيب التي لها نسبة من الشيوع. والتركيب الأول ــ حالة الجزم ــ يدل على الطلبِيَّة، كأنَّ المتكلم أمر فكان الحفرُ. والتركيب الثاني يدل على عدة معان، منها: الابتداء. يقول المبرِّد في توضيح تلك الدلالات: «وتقول مُرْهُ يحفرُها ومره يحفرْها. فالرفع على ثلاثة أوجه والجزم على وجه واحد وهو أجود من الرفع؛ لأنَّه على الجواب كأنَّه إنْ أمرته حفرها، وأما الرفع فأحد وجوهه: أن يكون يحفرها على قولك: فإنَّه ممّن يحفرُها، كما كان لا تَدْنُ من الأسد يأكلُك ويكون على الحال، كأنَّه قال: مره في حال حفره. فلو كان اسما لكان مُره حافرا لها. ويكون على شيء هو قليلٌ في الكلام، وذلك أن تريد: مره أنْ يحفُرَها فتحذف أنْ وترفع الفعل، لأنَّ عامله لا يضمر») (٣). إن سيبويه ومن تبعه من النحاة ربطوا ــ بعد التتبع السياقي ــ التركيب الأول بالطلبية، والتركيب الثاني بالابتداء، وأضاف المبرِّد دلالة الحالية.

стр. 113

ونلاحظ هنا: أنَّ سيبويه تتبَّع التركيبَ الأوَّل في سياقات مختلفة فذكره ووجد لهذا التركيب بديلا أقل تكرارا، فذكره ووصفه بالجَيِّد، وربطه بمعنى الاستئناف والابتداء، وهذا التركيب البديل ما كان ليكتشف وجوده إلا من خلال الوقوف على التركيب الأول؛ أي أَنَّ التركيب الأول هو الذي أوقفنا على وجود التركيب الثاني، أي أَنَّنا يمكن أَنْ نقول إِنَّ تتَبُّع سيبويه للتركيب في السِّياقات المختلفة يُوقفه على التركيب الأساسي الأكثر تَرَدُّدًا ويوقفه أيضا على التراكيب الأَقَلّ تَرَدُّدًا. ولا شك أَنَّ التركيب الثاني ستكون سياقاته التي يرد فيها مرتبطا بتوكيد المعنى، إذ إِنَّ الجملة الاسمِيَّة تستصحب معها ثبات المعني وتأكيده. وهنا نؤكد أَنَّهُ إذا كان سيبويه يهتم اهتماما بالغا بملاحظة المسموع «بصريًّا» من خلال ما أسماه بالإشمام، و «صوتيًّا» من خلال ما أسماه بالإدغام والقلقلة) (١) فمن باب أولى ملاحظة الدلالات السِّياقِيَّة التي ترتبط بتركيب مُعَيَّن. تلك كانت بعض الأمثلة التي توضح تتَبُّع سيبويه للتركيب في السِّياقات المختلفة، وتحت أيدينا كثير من النصوص التي تدعم هذا العنصر من عناصر المنهج عند سيبويه يضيق المقام عن ذكرها جميعا، لكن فيما تقدم ما هو كفيل بتوضيح الفكرة) (٢). وهنا نَوَدّ أَنْ نوجِّه النظر إلى عدة أمور مُهِمَّة من وجهة نظرنا: ••الأمر الأول: أنَّ سيبويه عندما رَبَطَ تركيبا مُعَيَّنا بدلالة سِيَاقِيَّة مُعَيَّنة كان هذا يعني أَنَّ هذا الربط ملازم لهذا التركيب، بمعنى أَنَّ التركيب المُعَيَّن الذي ربطه سيبويه بدلالة مُعَيَّنَة إِنْ ظهر أمام متكلم اللُّغَة الخبير فيها والماهر بها) في آية قرآنية أو حديث نبوي أو نثر أدبي أو قصيدة شعر أو مقال صحفي (فَإِنَّ هذا التركيب سيستدعي في ذهنه الدلالات المرتبطة بهذا التركيب. وتبقى هذه الدلالات خيارات تفسيرية قائمة في حالة عدم وجود قرينة تُحَدِّد دلالة مُعَيَّنَة. وتوظيف هذه الدلالات مجتمعة في تفسير النَّصّ في غياب قرينة محددة يثري النَّصّ دِلالِيًّا، وتكثر المعاني المستنبطة منه. وهنا نناقش سؤالا قد يُثَار في هذا المقام مُؤَدّاه: هل تعَدُّد الدِّلَالَة دائما مما يثري النَّصّ، أم أَنّهُ أحيانا يضر ويؤدي إلى اللَّبس؟

стр. 114

ونقول مجيبين: إِنَّ النصوص التي يَهُمُّنا إثراؤُها دِلالِيًّا هي النصوص القُرْآنِيَّة، والأحاديث النبَوِيَّة، والنصوص الأدبيَّة ــ خاصة الشعر ــ، فتلك هي النصوص التي يهمُّنا في المقام الأول والأخير إثراؤها دِلالِيًّا، والبحث عن دلالات متنوعة في هذه النصوص مطلوب، وقدرة النَّصّ على «العطاء الدِّلَالِيّ» دليل على سمو هذا النَّصّ وعلو مكانته. وإذا قصرنا حديثنا على الآيات القُرْآنِيَّة والأحاديث النبَوِيَّة فإِنَّنَا يمكن أَنْ نقول إِنَّ هذه النصوص ما زالت في حاجة ماسَّة إلى «مَنْ يُثْريها دِلالِيًّا»، ويستخرج من كنوزها الدلالات الشَّرْعِيَّة التي تفيدنا في زمننا وعصرنا. ولحكمة ما جعل اللهُ في قرآنَه «مجموعة من الآيات المتشابهة» التي استفزَّت ــ وما زالت ــ الملكاتِ العقلِيَّة لدى العلماء وتقتدحُها لكي يَخْبُرُوها ويُقَلِّبُوا فيها الطرف ويعيدوا النظر فيها مرارا وتكرارا. ومن روائع ما قيل في هذا الشأن قول الزَّمَخْشَرِيّ المعتزلي في تفسير الكشاف: «فإنْ قلت: فهلّا كان القرآن كله مُحْكَمًا؟ قلت: لو كان كلُّه محكما لتعلَّق الناس به لسهولة مأخذه؛ ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأَمُّل من النظر والاستدلال، ولو فعلوا ذلك لَعَطَّلُوا الطريق الذي لا يُتَوصَّل إلى معرفة اللَّه وتوحيده إلا به، ولما في المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه، ولما في تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه وردّه إلى المحكم من الفوائد الجليلة، والعلوم الجَمَّة، ونيل الدرجات عند اللَّه، ولأنّ المؤمن المعتقد أَنَّ لا مناقضة في كلام اللَّه ولا اختلاف فيه، إذا رأى فيه ما يتناقض في ظاهره، وأهمه طلب ما يوفِّق بينه، ويجريه على سنن واحد، ففكَّر، وراجع نفسه وغيره؛ ففتح اللَّه عليه وتبين مطابقة المتشابه المحكم، ازداد طمأنينة إلى معتقده وقوّة في إيقانه») (١). إن الإمام الزَّمَخْشَرِيّ يوجب النظر في متشابه القرآن ليس فقط لكي يستنبط منه الناس ما يحتاجون إليه في أمور دنياهم بل إِنَّهُ يعتبر هذا «النظر» طريقا من الطرق الموصِّلة لله. فإذا كان «الخوف من اللَّبس» الذي سيترتب على تعَدُّد الدِّلَالَة المستنبطة من الآيات المتشابهة أمرا معتبرا وخطيرا ــ ما جعل الله في قرآنه ما يؤدي إلى ذلك، ولكان ذلك عبثا حاشا لله أَنْ يفعله؛ لذلك نقول: إِنَّ الإثراء الدِّلَالِيّ للآيات القُرْآنِيَّة والأحاديث النبَوِيَّة والنصوص الأدبيَّة أمر لا خوف منه، وأنَّ منعه بحجة أو مظنّة الوقوع في اللَّبس أمر لا محل له، بل إِنَّ هذا الإثراء واجب شرعي. ونزداد اطمئنانا إذا علمنا أن القرينة هي الحارس الأمين على هذا الإثراء.

стр. 115

ومما وقع للباحث أثناء البحث ــ وله علاقة بكلامنا هنا ــ عبارةٌ مُهِمَّة للسيرافي، كان يتحدَّث فيها عن الكلام «المعمول المحكم» في معرض حديثه عن «بدل الغلط» حيث يقول: «وبدل الغلط لا يجوز أَنْ يقع في شعر ولا قرآن، ولا كلام معمول محكم، إِنَّمَا يجيء في الكلام الذي يبتدؤه الإنسان على جهة سبق اللسان إلى الشيء الذي يريده فيلغيه؛ حتى كَأَنَّه لم يذكره بلفظ مما يريده») (١). إذن فالشعر والقرآن والسنة الصحيحة هي كلام معمول محكم مطلوب إثراؤه دِلالِيًّا. أما النصوص غير الأدبيَّة كالنصوص العلميَّة والمقالات الصحفيّة فَإِنَّ وجود لبس فيها بوجه عام يتنافى مع طبيعتها، وإذا وجد لبس في بعضها فهو عارض نادر يعاب عليه صاحبه. وفي ضوء التعدد الدِّلَالِيّ للتراكيب النحوِيَّة عند سيبويه قد نقدم تفسيرا آخر لعبارة الجَرْمىِّ الشهيرة التي قال فيها: «أنا مُذْ ثلاثون أُفتِى الناس في الفقه من كتاب سيبويه») (٢). أي أَنَّ الجَرْمىَّ استغل الدلالات المختلفة التي ربطها سيبويه بالتراكيب اللُّغَوِيَّة في إثراء المعاني المستنبطة من الأحاديث النبَوِيَّة. وكثرة الدلالات يدل على كثرة الجوانب الفقهية التي يمكن أَنْ تُغَطَّى بهذه الدِّلَالَة. وكمثال على هذا فالتركيب الذي ذكر في المثال الثاني: ((سرتُ حتى أدخلها)) «جملة) سببية (+ حتى) الابتدائية (+ [فعل مضارع مرفوع + فاعل ... ) جملة مسببة (]» يربط الفعل المضارع بدلالتين: دلالة الحال ودلالة الحكاية عن الزمن الماضي، وبمجرد ذكر التركيب تذكر الدلالتان. ••الأمر الثاني: العلامة الإعرابِيّة تلعب دورا مهمًّا في تحديد الدِّلَالَة ليس فقط الدِّلَالَة النحوِيَّة من فاعليَّة ومفعوليَّة بل تلعب أيضا دورا في تحديد الدِّلَالَة السِّياقِيَّة، فعندما أقول: سرتُ حتي أدخلَ البلد، بنصب الفعل فَإِنَّ الكلام هنا يدل على المستقبل، فالفتحة هنا لها دلالة سِيَاقِيَّة زمَنِيَّة إذ تدل على المستقبل. وعندما أقول: سرت حتى أدخلُها، فالضمة هنا تستدعي دلالتين: الحالِيَّة أو دلالة الحكاية على الزمن الماضي؛ لذلك قال بعض المحقِّقين: إِنَّ السبب الحامل على

стр. 116

الإعراب «هو الدِّلَالَة به على المعاني المختلفة») (١). وأنَّ ما قاله بعض أساتذتنا) (٢) بتجريد العلامة الإعرابِيّة من دلالتها «السِّياقِيَّة» أمر يحتاج إلى نظر (٣) ••الأمر الثالث: من خلال تنميط التراكيب وتتَبُّعها في سياقاتها المختلفة في ظل الإحصاء النسبي الذي كان يقوم به سيبويه نتج عن هذا ما يمكن أَنْ نسميه بـ «التركيب الأصل» و «التركيب البديل». والتركيب «الأصل» هو التركيب الذي نال أعلى نسبة تردُّد وشيوع في النصوص التي درسها سيبويه، وهذا التركيب يطلق عليه سيبويه: «الأصل» و «حد الكلام» و «الوجه» و «والأحسن عند العرب» ومثال ذلك: « ... وإِنَّمَا اختير النصب؛ لأنَّهُ الوجه ههنا وحد الكلام») (٤). أما التركيب البديل فهو التركيب الأصلي مع وجود تعديل فيه، فالتركيب الأصل في الجملة الفعلِيَّة التي بها مفعول واحد هو: فعل + فاعل + مفعول به، والتركيب البديل له قليل التردد: فعل + مفعول به + فاعل، والبديل الأَقَلّ تَرَدُّدًا: مفعول + فعل + فاعل. أي أَنَّ التراكيب البديلة هي متغيِّرات وتنويعات للتركيب الأصلي. وبدائل التركيب الأصلي التي يرصدها سيبويه نوعان: • بدائل في ترتيب أجزاء التركيب مع ثبات الإعراب. • بدائل في إعراب بعض أجزاء التركيب مع ثبات التركيب، مثل: مُرْهُ يحفرها، سِرْتُ حتى أدخلها. ونقرأ في كتاب سيبويه «أوصافا» يطلقها على هذه التراكيب اللُّغَوِيَّة. فالتركيب الأصلي هو: الأصل، والوجه، وحَدُّ الكلام، والأكثر، والمستقيم الحسن، والأحسن كما قلنا. وبديله الذي يقِلُّ

стр. 117

قليلا عن الأصل: جَيِّد، وحسن، وكثير، وقوي، وعربي جَيِّد، والأَقَلّ ضعيف وقليل نادر، والأشدُّقِلَّةً: قبيح، ردئ، خبيث) (١). مثال ذلك: « ... وأما المستقيم القبيح فأنْ تضع اللفظ في غير موضعه، نحو قولك: قد زيدًا رأيت، وكي زيد يأتيك») (٢). فالتركيب الأصل الذي ليس بقبيح والذي كل لفظ في موضعه) من خلال جملة سيبويه في النَّصّ السابق (: «قد + فعل مضارع متعدٍ + فاعل + مفعول به»، والتركيب القبيح الذي تغيرت مواضع أجزائه: «قد + مفعول به + فعل مضارع متعدي + فاعل». وقد أتاحت معرفةُ سيبويه للتركيب الأصلي عدة أمور: - أتاحت له أَنْ يقف على ما يحدث في التركيب من حذف، يقول: «اعلم أَنَّهم مما يحذفون الكلم وإن كان أصله في الكلام غير ذلك، ويحذفون ويعوضون ويستغنون بالشيء عن الشيء الذي أصله في كلامهم أَنْ يستعمل حتى يصير ساقطا») (٣). - كما أتاحت له تفسير البدائل الأخرى، بمعنى أَنَّ المُتَكَلِّم إذا أعرض عن التركيب الأصلي إلى البديل الأَقَلّ تَرَدُّدًا؛ فلابد أَنْ يكون لذلك سبب، وقد يكون هذا السبب تأثير سياق الحال، فلولا وجود التركيب الأصلي ما انتبهنا إلى سبب اللجوء إلى التركيب البديل. فالتركيب البديل: «فعل متعدٍ + مفعول به + فاعل» يدل على تركيز الاهتمام على المفعول به كما أشار سيبويه نفسه في أكثر من موضع) (٤). - وأتاحت له أَنْ يعرف الخصائص النحوِيَّة لبعض الألفاظ على حدى، التي قد يستعان بها في التوجيه النَّحْوِيّ للتركيب الذي تدخل فيه هذا الألفاظ. فمثلا يذكر سيبويه أَنَّ «من الحروف حروفا لا يذكر بعدها إلا الفعل، ولا يكون الذي يليها غيره، مظهرا أو مضمرا»، وذكر من الحروف التي لا يليها إلا الفعل مظهرا «قد، سوف، ولما» ويترتب على ذلك نحويا أَنَّهُ إذا «اضطر شاعر فقدم الاسم وقد أوقع الفعل على شيء من سببه لم

стр. 118

يكن حد الإعراب إلا النصب، وذلك نحو: لم زيدًا أضربه») (١). كما يترتب نحويا أَنَّهُ لا يحسن أَنْ نقول: سوف زيدًا أضرب، أو قد زيدًا لقيت؛ «لأَنَّها إِنَّمَا وضعت للأفعال») (٢). - وأتاحت له معرفة المواضع التي تأتي فيها «كلمة» وتكون دخيلة على هذا الموضع أو ذاك، يقول «ومن كلامهم أَنْ يجعلوا الشيء في موضع على غير حاله في سائر الكلام») (٣). - وأتاحت له معرفة ما استكرهه النُّحَاة قبلُ، ووضعوه في غير موضعه، يقول في عنوان أحد أبوابه: «هذا باب منه استكرهه النَّحْوِيّون، وهو قبيح؛ فوضعوا الكلام فيه على غير ما وضعت العرب») (٤)، ويقول في هذا الباب: «وذلك قولك: وَيْحٌ له وتَبٌّ، وتبًّا لك ووَيْحًا. فجعلوا التَّبَّ بمنزلة الوَيْحِ، وجعلوا ويحٌ بمنزلة التَّبِّ، فوضعوا كلَّ واحد منهما على غير الموضع الذي وَضَعَتْه العربُ». وعنوان هذا الباب يؤَيِّد ما ذهبنا إليه من تنميط سيبويه للتراكيب اللُّغَوِيَّة، وتتَبُّعها إِحْصَائِيّا، وإلا ما تسنى له معرفة أَنَّ ما وضعه النُّحَاة في تركيب ما مستكره وليس في موضعه. كما يدلّ عنده على نزعة المقارنة بين ما يقوله النُّحَاة وما تقوله العرب. ••الأمر الرابع: إِنَّ لجوء سيبويه إلى التراكيب النَّمَطِيَّة المجردة ودراستها جعلت جُلَّ اهتمامه مقصورا على عنصرين فقط من عناصر الحال: المُتَكَلِّم والمخاطب، وهي الحقيقة التي ذكرناها في الفصل الأول. وهذا يبدو منطقيا مع ما يقوم به من عَمَلِيَّة التجريد التركيبي لِلُّغَة، فهذان هما العنصران من عناصر سياق الحال اللذان يكون تأثيرهما حاضرا في كل السِّياقات تقريبا، وبالتالي فَإِنَّ تأثيرهما سيكون واضحا على اللُّغَة والكلام معا وليس على الكلام فقط. فهما العنصران من عناصر سياق الحال اللذان يستطيعان النفاذ إلى صلب اللُّغَة. ويتعلق بالعنصر الثالث من عناصر المنهج بعض الأمور التي ترتبط به، وهي: ••التتَبُّع التاريخي للتركيب: من الأمور المثيرة للانتباه عند سيبويه ما يقوم به أحيانا من «تتَبُّع تاريخي للتركيب النَّحْوِيّ أو البنية الصَّرْفِيَّة»، وقد سبق أَنْ أشرنا لهذا الأمر إشارة عَجْلَى عند توضيحنا لمصطلح الأصل، ونُزيد

стр. 119

الأمر وضوحا هنا فنقول إِنَّهُ مما يثير الانتباه ويدعو إلى الإعجاب بصاحب الكتاب، أَنَّه وصل الوعي اللغويّ به ليس فقط في أَنْ يُنَمِّط التراكيب ويتَتَبَّعها إِحْصَائِيّا ويربط بينها وبين دلالة سِيَاقِيَّة مُعَيَّنة ــ بل وصل الأمر إلى تتَبُّعها تاريخيا، ودليل ذلك: - في باب له بعنوان: «هذا باب ما جاء معدولا عن حَدِّه من المؤنث» يناقش فيه الأسماء التي على وزن «فَعَالِ» إذا سُمِّيَت به امرأة، ويوضح أَنَّ بني تميم ترفعه وتنصبه، وتجريه مجرى اسم لا ينصرف. أَمَّا الحجازيُّون فلم يغيِّروا فيه وأبقوه على بنائه، ويُستثْنَى من ذلك ما كان آخره راء فَإِنَّ التميميِّين يتفقون مع الحجازيِّين في التعامل مع هذا البناء إذا سُمِّيَت به امرأة. يقول سيبويه: «فأما ما كان آخره راء فَإِنَّ أهل الحجاز وبني تميم متّفِقون، ويختار بنو تميم فيه لغة أهل الحجاز كما اتفقوا في يَرى والحجازِيَّة هي اللُّغَة الأُولى القُدْمى») (١). - يعقد بابا كاملا يجعل عنوانه: «هذا باب ما أجري مُجري ليس في بعض المواضع بلغة أهل الحجاز ثُمَّ يصير إلى أصله») (٢). - ويقول: «وحذفوا الفعلَ من إيَّاك لكثرة استعمالهم إياه في الكلام؛ فصار بدلا من الفعل، وحذفوا كحذفهم حينئذ الآن؛ فكَأَنَّه قال: احذرِ الأسد» (٣). ولا يقتصر التتَبُّع التاريخي للتركيب النَّحْوِيّ بل يمتد للأبنية الصَّرْفِيَّة، يقول: o ((ألا ترى أَنَّ «تَفْعَلُ ويَفْعَلُ» في الأسماء قليل، وكان هذا البناء إِنَّمَا هو في الأصل للفعل)) (٤). o «وأَفْعَلٌ لا يعرف في الكلام فعلا مستعملا» (٥).

стр. 120

والفائدة العَمَلِيَّة التي تعود على سيبويه من هذا التتَبُّع التاريخي تحديدا أَنَّهُ من خلال هذا يتمكَّن من: • تقديم توجيه إعرابيّ ما على آخر. • تفسير سبب خروج بنية صرفِيَّة أو تركيب نحوي ما على الأصل. • أو بالحكم على بعض التراكيب بالاستحسان أو القبح. مثال ذلك: » «حروف الاستفهام كذلك لا يليها إلا الفعل، إلا أَنَّهم قد توسعوا فيها فابتدءوا بعدها الأسماء والأصل غير ذلك») (١). » وعند حديثه عن الأفعال التي تتعدى بحرف جر يذكر مجموعة منها لا تتعدى به، ويقول: «فهذه الحروف) (٢) كان أصلها في الاستعمال أَنْ توصل بحرف الجر») (٣). » « ... وقلت: ما بال أُخَر لا ينصرف في معرفة ولا نكرة؟ فقال) أي: الخليل (: لأَنَّ أُخَر خالفت أخواتها وأصلها») (٤). وفي الحقيقة إِنَّ هذا التتَبُّع التاريخي للتراكيب اللُّغَوِيَّة في النصوص الحَيَّة المنطوقة والمنشدة عند سيبويه يكاد يقترب إلى حد بعيد من «النظرة الوصفيَّة Synchronic والنظرة التاريخِيَّة Diachronic» لِلُّغَة، هاتان النظرتان اللتان أتى بهما علم اللُّغَة الحديث. النظرة الوصفيَّة التي تدرس «حالة اللُّغَة عند نقطة نظَرِيَّة مُعَيَّنة وفي وقت مُحَدَّد») (٥)، وهي تناظر عند سيبويه «تتَبُّع التركيب في النصوص الحَيَّة المنطوقة» المستعملة عند العرب. والنظرة التاريخِيَّة التي تدرس اللُّغَة من «وجهة نظر تطورها التاريخي») (٦)، التي تناظر عنده التتَبُّع التاريخي لِلُّغَة. ومن خلال تنميط اللُّغَة إلى تراكيب وتتَبُّعها تاريخيًّا خرج سيبويه ببعض القواعد الأصوليَّة النحوِيَّة العامة، مثل: » الشيء إذا كثر في كلامهم كان له نحوٌ ليس لغيره مما هو مثله) (٧).

стр. 121

» كلُّ شيء كان للنكرة صفة فهو للمعرفة خبر) (١). » لا ينبغي لك أَنْ تكسر الباب وهو مطرد وأنت تجد له نظائر. وقد يوجَّه الشيء على الشيء البعيد إذا لم يوجَد غيره) (٢). » الصفات أقرب إلى الأفعال) (٣). » العرب قد تحذف الأكثر في كلامها) (٤). ••الارتكان إلى الاستعمال اللغويّ: ومما يتصل أيضا بعَمَلِيَّة تتَبُّع التركيب بشكل من الأشكال ما أكثر سيبويه من الاعتماد عليه والارتكان إليه، ألا وهو «الاستعمال اللغويّ». فكثيرا ما تتردد في كلامه تعبيرات تدل على اعتماده على هذا الاستعمال، فنقرأ مثلا: - «وحذفوا الفعل من إياك لكثرة استعمالهم إياه في الكلام») (٥). - « ... فهذه الحروف كان أصلها في الاستعمال أَنْ توصل بحرف الإضافة») (٦). والفوائد العَمَلِيَّة التي عادت على سيبويه من وعيه بكثرة استعمال تركيب ما أو قلته ما يلي: أخروجه بما يمكن أَنْ نسميه بـ «سنن العربِيَّة»، أو «الخصائص العامة الشاملة» للعربية، وهذا من قبيل قوله: «وهم يغيرون الأكثر في كلامهم عن حال نظائره») (٧)، ومثل: «وقد يُشَبَّهُ الشيء بالشيء وإن كان ليس مثله في جميع الأشياء») (٨). ب منحه هذا الاستعمال قدرة على تمييز التراكيب الصحيحة من الفاسدة، والضعيفة من القوية، مثل قوله: « ... وهذا بعيد لا تَكَلَّم به العرب، ولا يستعمله منهم ناس كثير») (٩).

стр. 122

ت ومن خلال الاستعمال يقف على التشابه الاستعمالي بين الألفاظ؛ فيربط بينها، يقول: «وإِنَّمَا شبَّهوا ((كِلَا)) في الإضافة بـ ((عَلَى)) لكثرتها في كلامهم») (١). ث تقديم غطاء تفسيري لكثير من الجمل التي يناقشها، مثل: «أَمَّا قوله : ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يُونُس: ١٠] ... ولا تكون أنِ التي تنصب الفعل؛ لأَنَّ تلك لا يُبتدأ بعدها الأسماءُ. ولا تكون «أيْ»؛ لأَنَّ «أيْ» إِنَّمَا تجيء بعد كلام مستغنٍ ولا تكون في موضع المبنيِّ على المبتدإ») (٢). في هذا المثل يناقش نوع الحرف ((أن)) في الآية القُرْآنِيَّة معتمدا على الخصائص الاستعمالية لأنواعها المختلفة. فيستبعد أن تكون ((أن)) الأداة التي تنصب الفعل؛ لأنَّ تلك الأداة من جهة الاستعمال «لا يُبتدأ بعدها الأسماءُ»، ويستبعد أيضا أن تكون بمعنى «أيْ»؛ لأنَّ تلك الأداة من جهة الاستعمال «لا تكون في موضع المبنيِّ على المبتدإ». ج تقوية توجيه نحويّ وإضعاف آخر، مثل: «واعلم أنَّ النصب بالفاء والواو في قوله: إِنَّ تأتني آتِك وأُعْطِيَك ــ ضعيف، ... فهذا يجوز وليس بحدِّ الكلام ولا وجهِه») (٣). ح الوقوف على الخصائص النحوِيَّة لكلمات اللُّغَة، مثل: « ... كما خلصت حروف الاستفهام للأفعال، نحو: هلا وألا») (٤). خ أمن اللَّبس: فقد استغل سيبويه الاستعمال اللغويّ ــ من حيث أَنَّهُ يمنع اللَّبس في المعنى ــ في بعض الأحيان، فعند حديثه مثلا عن بناء «فَاعِل» يذكر أَنَّهُ إذا كان اسما فإِنَّهُ يُكَسَّرُ على بناء «فَوَاعِل»، وأما إِنْ كان صفة وأجري مجرى الأسماء فيبنى على «فُعْلان» وعلى «فِعال»، ولا يُكَسَّرُ على «فَواعِل»؛ «لأَنَّ أصله صفة وله مؤنث، فيفصلون بينهما؛ إلا في فوارس فإِنَّهُم قالوا: فوارس كما قالوا: حواجر؛ لأَنَّ هذا اللفظ لا يقع في كلامهم إلَّا للرجال، وليس في أصل كلامهم أَنْ يكون إلا لهم. فلما لم يخافوا الالتباس قالوا فواعلُ، كما قالوا فُعْلانٌ وكما قالوا: حوارثُ؛ حيث كان اسمًا خاصًا كزيدٍ») (٥).

стр. 123

إن اهتمام سيبويه بالاستعمال اللغويّ والاعتماد عليه والاستفادة منه لَهو دليل على ما أكدَّناه من تنميط القاعدة النحوِيَّة وتتَبُّعها في السِّياقات المختلفة، كما أَنَّهُ يؤكِّدُ الاتجاه الإِحْصَائِيّ الذي كان يتبناه. وقد يُطرَح علينا سؤال ونحن في معرض حديثنا عن علاقة تنميط القاعدة عند سيبويه بالسياق يقول: ألا يتعارض ميل سيبويه لتنميط القاعدة النحوية والرجوع لسياق الحال؟ ونقول مجيبين إنَّه لا تعارض بين تنميط القاعدة عند سيبويه والرجوع لسياق الحال؛ لأنَّ سيبويه عندما ينمِّطُ القاعدة ينمِّط معها سياق الحال إنْ أمكن، فهو يُلازم بين القاعدة المنمَّطة وسياق الحال الملازم لها، وعندما يذكر نمط القاعدة يذكر معها الدلالات السياقية المرتبطة بها، فمثلا: • التركيب «أداة الاستفهام) ما / كيف (+ الضمير أنت + حرف العطف الواو + اسم علم»، يمثل نمطا تركيبيًّا مرتبط بدلالة التحقير أو الرِّفْعة. • ودلالة الفعل المضارع في التركيب «جملة) سببية (+ حتى) الابتدائية (+ [فعل مضارع مرفوع + فاعل ... ) جملة مسببة (]» تلازم المستقبلية أو الحالية حسبما يدل عليه السياق. *** ٤ ــ معايشة التراكيب اللُّغَوِيَّة في نصوصها المنطوقة: العنصر الرابع من عناصر المنهج: معايشة التراكيب اللغوية في نصوصها المنطوقة. ونقول: لم يكن لسيبويه أَنْ يصل إلى ما وصل إليه من قواعد وأَنْ يقف على أدقّ التفاصيل اللُّغَوِيَّة والدِّلالِيَّة إلا بمعايشة نصوص اللُّغَة والامتزاج بها امتزاج اللحم بالعظم. وتشهد بهذا عشرات النصوص في الكتاب منها مثلا قوله عن الشعراء: «وليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجها») (١). فهذا النَّصّ ورد في «الضرورات الشعرِيَّة وما يجوز في لغة الشعر»، ومقولته هذه تشي بأَنَّه كان يقف متأمِّلا أمام الضرورة في النَّصّ الشعري، ويخرج بعد هذا التأَمُّل بأَنَّ الضرورة الشعرِيَّة يأتي بها الشاعر لـ «وجه ما، وهدف يبتغيه»، ولا شك أَنَّ هذا الهدف في خدمة «معنى النَّصّ» الذي يصل إلى المتلقي. ولاشك أيضا أَنَّه لكي يصل إلى مبتغى الشاعر لابد من معرفته لملابسات النصوص وسياقاتها الذي قيلت فيها. وهذا يدل على تمام المعايشة للنص المُسْتقى منه القاعدة. ومن هذه النصوص أيضا:

стр. 124

- «كما يشبهون الشيء بالشيء، وإن لم يكن مثله ولا قريبا منه») (١). - «وإن سميت رجلا ببَقَّمَ أو شَلَّم ــ وهو بيت المقدس ــ لم تصرفه البتة؛ لأنَّهُ ليس في العربِيَّة اسمٌ على هذا البناء») (٢). - « ... وليس هذا طريقة الكلام، ولا سبيله؛ لأنَّهُ ليس من كلامهم أَنْ ضمروا الجار») (٣). ــ الفوائد العَمَلِيَّة التي تعود على البحث من خلال الوقوف على منهج سيبويه في كتابه: نأتي في نهاية فصلنا هذا إلى نقطة مُهِمَّة ومحورية وهي: ما الفوائد العَمَلِيَّة التي تعود على بحثنا هذا من وقوفنا على منهج سيبويه؟ ولماذا تجشمنا عناء ماسطَّرناه في الصفحات الفائتة؟ سبق أَنْ قدمنا في بداية هذا الفصل أَنَّ حديثنا عن آليات منهج سيبويه تساعدنا بشكل دقيق في معرفة دور سياق الحال في التوجيه والتَّقْعِيد عنده، وتجعلنا نفهم بشكل صحيح أقواله ونصوصه. ونضيف هنا أيضا بعضا من هذه الفوائد: • بعد أَنْ وقفنا على العناصر الأربعة السابقة لمنهج سيبويه: تنميط اللُّغَة إلى تراكيب مجرَّدة، ثُمَّ تتَبُّعها إِحْصَائِيّا في السِّياقات المختلفة، ثُمَّ ربط التركيب النَّمَطِيّ المُعَيَّن بدلالات مُعَيَّنَة إِنْ وجدت، ومعايشة هذه التراكيب، نقول: إِنَّ هذه العناصر ستجعل ما يقوله سيبويه من نتائج سيكون مرتبطا باللُّغَة لا الكلام، أي أَنَّ كل ما سنثبته إِنْ شاء الله متعلِّقًا بقرينة السِّياق ودورها في التَّقْعِيد والتوجيه النَّحْوِيّين عنده سيكون مرتبطا باللُّغَة ذاتها، وليس بالأحداث الكلامِيَّة الوقتِيَّة العارضة. • ومن الأمور شديدة الأهمِيَّة التي نقف عليها من خلال هذا المنهج أَنَّ الأمثلة التي يضربها سيبويه لتوضيح قواعده ما هي إلا أمثلة تمثل ((تراكيب وبنية لغَوِيَّة)) موجودة في اللُّغَة. فسيبويه إذا أدار الكلام في قاعدة نحوِيَّة حول ((مَثَل)) أو مجموعة من ((الأمثلة))؛ فإِنَّهُ لا يقصد المثل في حد ذاته، بل يقصد ((التركيب)) الذي تمثِّله هذه الجملة أو تلك الجمل. • إن وقوفنا على هذه العناصر ــ وخاصة عنصر الإحصاء ــ يرفع مصداقيَّة سيبويه في أقواله وتقريراته؛ إذ أَنَّها ليست وليدة معالجة نصٍّ واحد أو اثنين، بل لأَنَّ معظم هذه الأقوال والتقريرات ناتجة عن دراسة لمعظم نصوص اللُّغَة.

стр. 125

• ووقوفنا على منهج سيبويه وخاصة تنميطه للتراكيب اللُّغَوِيَّة يدلُّنا على أَنَّه اتَّبع الطريق الصحيح في تقعيد القواعد، فهذا التتَبُّع يشبه ما أسماه العلماء بـ «القياس الاستقرائي» الذي سبق أَنْ أشرنا إليه في التمهيد. • الوقوف على المنهج بشكل عام مكننا من ملاحظة وجود تأثير لسياق الحال على اللُّغَة، ومكننا من إثبات وجود ترابط بين تراكيب مُعَيَّنَة ودلالات سِيَاقِيَّة مُعَيَّنَة. • بعد الوقوف على هذا المنهج أصبحنا نفهم بشكل واضح وصريح المصطلحات التي كان يصف بها سيبويه بعض الجمل، مثل: «ضعيف، قوي، جَيِّد، كثير، قبيح، خبيث»؛ فهذه مصطلحات قائمة على الجانب الإِحْصَائِيّ الذي قام به سيبويه للتركيب النَّمَطِيّ الذي يدرسه. • من خلال الوقوف على هذه العناصر سنفهم أسباب تقوية سيبويه لتوجيه نحوي ما أو تضعيف آخر؛ فالتقوية ستكون نتيجة أَنَّ هذا التركيب هو الأكثر إِحْصَائِيًّا في استخدامات العرب من التركيب الآخر. ***

стр. 126

الفصل الثاني دور سياق الحال في التوجيه الإعرابِيّ عند سيبويه ويشمل المباحث التالية: - المبحث الأول: أهمِيَّة سياق الحال في التوجيهات النحوِيَّة عند سيبويه. - المبحث الثاني: إثراء سياق الحال للتوجيهات الإعرابِيّة والدِّلالِيَّة. - المبحث الثالث: تحرُّك سيبويه بحُرِّيَّة في توجيهاته النحوِيَّة في حالة عدم اللَّبس.

стр. 127

الفصل الثاني: دور سياق الحال في التوجيه الإعرابِيّ عند سيبويه نبدأ هنا بفضل الله ومَنِّه الحديث عن دور سياق الحال في التوجيه النَّحْوِيّ عند سيبويه، ونسأله سبحانه التوفيق والسداد. وسيكون حديثنا في هذا الفصل في المباحث التالية: ١ ــ المبحث الأول: أهمِيَّة سياق الحال في التوجيهات الإعرابِيّة عند سيبويه: أوَّل ما نبدأ به حديثنا هنا في هذا الفصل الكلامُ عن أهمِيَّة سياق الحال في التوجيهات الإعرابِيّة عند سيبويه. وقد سبق أَنْ أوضحنا المراد بالتوجيه وقلنا إِنَّهُ: بيان أَنَّ رواية البيت أو القراءة القُرْآنِيَّة لها وجه في العربِيَّة وموافقة لضوابط النحو، فيقولون مثلا: وتوجيه الرواية أو البيت أو القراءة كذا وكذا») (١). ويقصر هذا التعريف التوجيه الإعرابِيّ على توجيه روايات الأبيات الشعرِيَّة والقراءات القُرْآنِيَّة فقط، وهذا الربط ليس دقيقا، فقد يكون التوجيه النَّحْوِيّ لمقولة نثرِيَّة ليست شعرا ولا قراءة قرآنية كما سنذكر إِنْ شاء الله. ونعود لبيان أهمِيَّة سياق الحال في التوجيهات الإعرابِيّة فنقول إِنَّ أهميته عند سيبويه تتمثل في: أوجود تراكيب نحوِيَّة لا يصِحُّ تركيبُها ولا تصِحُّ كينونتُها وبالتالي لا يصِحُّ توجيهها نحويا إلا إذا قامت قرينة من سياق الحال تُصَحِّحُها: ونقصد بهذا العنوان أنَّهُ توجد بعض التراكيب ترتبط صحتها بوجود سياق حال معين واعتباره؛ فإنْ وجد السياق واعتُبِر صح التركيب، وإن لم يوجد لم يصح التركيب. ١ ــ ففي أحد نصوص سيبويه يقول: « ... فإنْ قلت: ((إذا كان الليل فأتني))؛ لم يجز ذلك؛ لأَنَّ الليل لا يكون ظرفا إلا أَنْ تعني الليل كله على ما ذكرت لك من التكثير، فإِن وجَّهتَه على إضمار شيء قد ذكرتَ على ذلك الحدّ جاز») (٢). وتفسير هذا الكلام: «أَنَّ الليل اسم لليالي التي تكون أبدا فلا يجوز أَنْ تعلِّق الوقت بها؛ لأَنَّها غير منقضية ولا موجودة في وقت واحد، وسبيلها سبيل الدهر، وأنت لا تقول: إذا كان الدهر فأتني») (٣). أي أَنَّ هذه الجملة «إذا كان الليل فأتني» لا تجوز لعمومِيَّة الظرف وشدَّة اتساع وقته وتكراره، ولا سبيل إلى إجازة هذه الجملة وتوجيهها نحويًّا إلا في حالة واحدة أَنْ تقوم قرينة من سياق الحال تُعْلِمُ

стр. 128

السامع أَنَّ المُتَكَلِّم يريد ليل ليلته. يقول السيرافي في توجيه هذا التركيب: «إذا كان الليل فأتني: يعني إِنَّ وجَّهتَه على كلام يعلم السامع أَنَّه يريد ليل ليلته جاز، وذلك نحو: أَنْ تكونَ مع رجل في شيء، فقال: ((إذا كان الليل فأتنا))، فعلمت أنت بالحال التي أنتما فيها أَنَّه يعني ليل ليلته التي تجئ؛ فيجوز فيه النصب والرفع») (١). ٢ ــ وفي موضع ثان يقول سيبويه: «وإذا ذكرتَ شيئًا من هذه الأسماء التي هي علامةٌ للمضمَر فإنَّه مُحالٌ أنْ يَظهر بعدها الاسمُ إذا كنتَ تُخبِر عن عَمَلٍ، أو صفةٍ غيرِ عمل، ولا تريد أنْ تعرِّفَه بأنَّه زيدٌ أو عمرو. وكذلك إذا لم تُوعِدْ ولم تفخر أو تصغِّر نفسك؛ لأنَّكَ في هذه الأحوال تعرِّف ما تُرَى أنَّه قد جُهل، أو تُنزِلُ المخاطَب منزلة من يجهل فخرًا أو تهدُّدًا أو وعيدًا، فصار هذا كتعريفك إياه باسمه ... . وذلك أن رجلا من إخوانك ومعرفتِك لو أراد أن يُخبِرك عن نفسه أو عن غيره بأمرٍ فقال: أنا عبدُ الله منطلِقًا، وهو زيدٌ منطلقا كان مُحالاً؛ لأنَّه إنَّما أراد أنْ يُخبِرك بالانطلاق ولم يقل هُوَ ولا أنا حتى استَغنيتَ أنت عن التسمية، لأنَّ هو وأنا علامتان للمضمَر، وإنَّما يُضمِر إذا عَلم أنَّك عرفتَ من يَعنى. إلّا أن رجلا لو كان خلفَ حائط، أو فى موضع تجهله فيه فقلت: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله منطلقا في حاجتك، كان حسنا») (٢). في هذا النص يتحدَّث سيبويه عن أن «الضمير» إذا جاء في موقع «الابتداء» في الجملة الاسمية فإنَّه من «المحال» أن يأتي بعده «اسم) خبر (» يكون هو عين المبتدأ ويعرف المخاطَب ذلك من خلال معرفة سابقة على زمن الكلام. فإذا كان لدينا متكلم اسمه «عبد الله» يتحدث إلى مخاطَب، وكلاهما يعرف صاحبه تمام المعرفة، فإنَّه لا يجوز للمتكلم أن ينشئ جملة للمخاطب ويقول: «أنا عبد الله»، وذلك لأنّ هذه الجملة لا يحمل خبرها فائدة للمتكلم؛ لأنَّه يعلم سلفا أنَّ المتكلم هو عبد الله. نقول إن هذه الجملة هي من المحال ولا تصح إلا إذا توافر سياق له خصوصية معينة، وذلك مثلا ــ كما أوضح سيبويه ــ: » أن يكون الموقف الذي يتحدث فيه المتكلم موقف «إيعاد» أو «فخر» أو «تصغير» ويريد المتكلم أن «يُعرِّف» المخاطب ما يراه. » أو أن يكون المخاطب «وراء حائط أو موقع يجهله المتكلم» ــ أي أنّ المتكلم لا يرى المخاطب ــ فقال المخاطب من أنت؟ فقال: أنا عبد الله منطلقا في حاجتك. فلولا السياق هنا ما صح قبول هذا التركيب الذي تمثله جملة: «أنا عبد الله».

стр. 129

٣ ــ ناقش سيبويه قولهم: «عبد الله نِعْمَ الرجل»؛ وأشار أن هذه الجملة تكون صحيحة إذا كان المقصود بـ «الرجل» هو «عبد الله»، ومحالة إذا كان المُتَكَلِّم لا يريد بالرجل عبد الله) (١). ب وجود تراكيب نحوِيَّة توجَّه في إطار معرفة قرينة السِّياق: هناك كثير من التراكيب النحوِيَّة التي عالجها سيبويه يصعب فهمها وفهم توجيهها الإعرابِيّ إذا لم يُلجأ إلى قرينة السِّياق لفهمها. ويمكن أَنْ نضرب على ذلك مثالين: ــ المثال الأول: في أحد المواضع يتحدَّث سيبويه عن الظروف ويخص بالحديث الظرف ((سحر))؛ فيقول: «ومما لا يحسن فيه إلاّ النصبُ قولهم: سير عليه سَحَرَ، لا يكون فيه إلاّ أَنْ يكون ظرفًا؛ لأنَّهم إِنَّمَا يتكلّمون به فى الرفع والنصب والجرّ، بالألف واللام، يقولون: هذا السَّحَرُ، وبأَعلى السَّحرِ وإنّ السَّحَرَ خيرٌ لك من أوّل الليل. إلاّ أَنْ تَجعله نكرةً؛ فتقولَ: سير عليه سَحَرٌ من الأسحار») (٢). هكذا يسوق سيبويه النَّصّ، بلا توضيح ولا تفسير. ولتوضيحه وتفسيره يستلزم ذلك أَنْ نقول: إِنَّ «سحر: ظرف زمان منصوب على الظرفية غير متصرف، ويتصرف إِنْ حُلِّي بـ ((أل)) ... وهي ممنوعة من الصرف إذا أريد بها سحر يوم بعينه لشبه العلميَّة والعدل ... أَمَّا إذا لم يرد بها سحر يوم بعينه؛ فهي نكرة، وغير ممنوعة من الصرف») (٣)؛ أي أَنَّ تنوين كلمة سحر يتوقَّف علي سياق الحال فعندما نقول: «سير عليه سحرَ» بالنصب وعدم التنوين يكون معناها سحر يوم المُتَكَلِّم، وعندما نقول «سير عليه سحرٌ» بالتنكير؛ فهي تعني العموم؛ أي: أي سحر من الأسحار) (٤). إذن فنحن لا نستطيع أَنْ نفهم التوجيه النَّحْوِيّ لكلمة «سحر» إلا إذا استحضرنا السِّياق الذي تقال فيه فهل تعني سحر يوم مُحَدَّد فتُنْصَبُ وتمنع من الصرف؟ أم أَنَّها تفيد العموم فتصرف وتنون؟ جاء في كتاب «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي) ٤٢١ هـ (ما نصه: «فأما سحر: فإنّك تقول: سير عليه سحر، فلا ينصرف ولا يتصرّف إذا أردتَ سحر يومك، ومعنى لا يتصرّف لا يتمكّن تمكن أسماء الأزمان في أبوابها. ومعنى لا ينصرف: لا يدخله الجر والتنوين. فأنْ أردت سحرًا من

стр. 130

الأسحار وهو في موضعه نكرة، فلا مانع له من الصّرف والتمكّن، ونقول: إنّ سحرًا جزء من آخر اللّيل، وفي سحر وقع الأمر») (١). ــ المثال الثاني: يقول سيبويه: «واعلم أَنَّه لا يجوز أَنْ تقول: قومُك نِعمَ صغارُهم وكبارهم، إلا أَنْ تقول: قومك نعمَ الصغار ونعم الكبار، وقومُك نعمَ القومُ؛ وذلك لأَنَّكَ أردت أَنْ تجعلهم من جماعات ومن أمم كلهم صالحٌ، كما أَنَّك إذا قلت عبدُ الله نعمَ الرجل، فَإِنَّما تريد أَنْ تجعله من أمةٍ كلهم صالح، ولم ترد أَنْ تعرف شيئا بعينه بالصلاح بعد نعمَ») (٢). إن سيبويه يريد أَنْ يقول إنَّ جملة «قومك نعم صغارهم وكبارهم» لا تجوز إذا أراد المُتَكَلِّم تعميم الصلاح على الجميع؛ أي أَنَّ الجملة «قومك نعم صغارهم وكبارهم» لا تفيد التعميم، والبديل الذي يقال مكانها: «قومك نعم الصغار، ونعم الكبار» أو «قومك نعم القوم». والسؤال هنا: لماذا لا تفيد جملة «قومك نعم صغارهم وكبارهم» هذا العموم؟ يمكن أنْ نقدم إجابتين على هذا السؤال، وكلاهما ــ فيما أظن ــ مرتبط بسياق الحال: • الإجابة الأولى: فكلمة «كبارهم» يمكن أَنْ تعرب في سياق ما مبتدأ خبرها محذوف مثلا؛ فتخرج الجملة عن المعنى الذي يقصده المُتَكَلِّم، ويظهر هذا جليًّا في النطق الصوتي للجملة بأن يبدأ المُتَكَلِّم بنَغْمَة مرتفعة ويقول الجملة «قومك نعم صغارهم»، وينهيها بنَغْمَة هابطة، ثُمَّ يبدأ بنَغْمَة مرتفعة كلمة «وكبارهم» ويصمت مع استصحاب أَيَّة إشارة جسدِيَّة تفيد السخرية والاستهزاء مثلا. أى أَنَّ الجملة بهذا الشكل قد تلتبس على المخاطب؛ لذلك منع سيبويه هذه الجملة بهذا الشكل إذا كان مراد المُتَكَلِّم تعميم الصلاح. وعلى ذلك أيضا فَإِنَّ السِّياق لو دَلَّ على أَنَّ المُتَكَلِّم يمدح صغار القوم ويُخرج الكبار عن هذا المدح لجازت العبارة وأرى أَنَّ الأصلح لمنع هذا اللَّبس في هذا التركيب إمَّا أَنْ نعيد الفعل «نِعْمَ»، وإما أَنْ نأتي بلفظ يضم الصغار والكبار «القوم مثلا». • الإجابة الثانية: نحن نعلم أنَّ فاعل نِعْم «جنس» وإذا أتت فيه «أل» تكون جنسية، وأنَّ «المخصوص بالمدح والذم قد يكون فرعًا من هذا الجنس، وقد يكون فردًا، نقول: بئس الحيوان الذئب، فأنت ذممت جنس الذئب من بين جنس الحيوان، فـ ((الحيوان)) عام، ((والذئب)) خاص منه») (٣). واستخدام أسلوب المدح بنعم يُقصَد به: «تخصيص شيء من

стр. 131

الجنس بالمدح») (١). بناء على ذلك إذا قلنا: «قومك نعم صغارهم وكبارهم» ينصرف الذهن إلى أنَّ المتكلم خصَّ جنس «الصغار» فقط بالمدح، وهذا يعني أنَّ «الكبار» لا يدخلون معهم في هذه الصفة؛ لذلك كان صواب الجملة ــ كما قال سيبويه ــ أنْ يُقال: «قومك نعم الصغار ونعم الكبار» حتى يخصّ المدح كلا الجنسين. في هذا المثال يَصْعُبُ كثيرا «فهم» التوجيه النَّحْوِيّ الذي قاله سيبويه في جملة «قومك نِعْمَ صغارهم وكبارهم» إلا إذا استعنا بالسِّياق الذي سقناه لفهم هذا التوجيه. ت يستعين به أحيانا في شرح توجيهه: ومن الخدمات التي يُقَدِّمها السِّياق لسيبويه بالإضافة إلى النقطتين السابقتين أَنَّ سيبويه استغلَّه هو نفسه في شرح بعض التوجيهات النحوِيَّة. يقول سيبويه: «أَمَّا قولهم: مَن ذا خيرٌ منك، فهو على قوله: من الذي هو خيرٌ منك؛ لأَنَّكَ لم ترد أَنْ تشير أو تومِئ إلى إنسان قد استبان لك فضلُه على المسئول فيُعلِمَكه، ولكنك أردت مَن ذا الذي هو أفضل منك. فإنْ أومأتَ إلى إنسان قد استبان لك فضلُه عليه، فأردتَ أَنْ يُعلِمَكَه نصبتَ خيرًا منك ... ، كأَنَّك قلت: إِنَّمَا أريد أَنْ أسألك عن هذا الذي قد صار في حالٍ قد فَضَلَك بها») (٢). في هذا النَّصّ لدينا جملتان: الأولى «مَنْ ذا خيرٌ منك»، والثانية «من ذا خيرًا منك». استعان سيبويه في تفسيرهما بسياق «مختزل» يتمثل في ثلاثة أطراف: المُتَكَلِّم، والمخاطب، وشخص ثالث ليس حاضرا معهما، الجملة الأولى ((من ذا خيرٌ منك)) رفعت كلمة «خير» على تقدير أَنَّها خبر لمبتدإ محذوف؛ ويعلل سيبويه هذا التوجيه بأَنَّ المُتَكَلِّم لم يرد أَنْ يشير أو يومئ إلى إنسان قد استبان له فضله على المخاطب على سبيل الاستخبار، بل أراد أمرا آخر ــ قد يكون بلاغيا ــ وهو إرادة النفي عن طريق سؤال، وذلك على منوال قوله تعالي: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ١٧]، وهذا يقتضي بالطبع سياق حال مُعَيَّن، ونَغْمَة صوتيَّة مُعَيَّنَة، أَمَّا الجملة الثانية فقد نصبت كلمة «خير» على تقدير: من ذا الذي جعله حالُه خيرا منك؟ ، فالمُتَكَلِّم هنا في حالة استخبار، يطلب معلومة من المخاطب، أو على حد تعبير سيبويه ((إِنَّمَا أريد أَنْ أسألك عن هذا الذي قد صار في حالٍ قد فَضَلَك بها))؛ أى أَنَّ المقام هنا مقام استفهام وليس مقام نفي كما في الجملة الأولى.

стр. 132

لقد استعان سيبويه في توجيه الإعرابِيّ هنا بسياق الحال في قوله: «فإنْ أومأت إلى إنسان قد استبان لك فضله ... »، وهو وإن كان مختصرا بعض الشيء إلا أَنَّ له نوع حضور. وأحيانا يستعين سيبويه في توجيهه بسياق حال «حواري»، يتخَيَّله لكي يقرِّب توجيهه الإعرابِيّ كما في المثالين التاليين: ••عندما يُوَجِّه سيبويه قوله تعالى ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] يوجِّهُ «الذين» على البدل، ويقول: «وكأَنَّه قال: انطلقوا؛ فقيل له: مَنْ؟ ؛ فقال: بنو فلان. فقوله جل وعز: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ على هذا») (١). في هذا المثل يوجِّهُ سيبويه إعرابيًّا كلمة «الذين» على البدل، ولكي يوضِّح الإعراب لهذه الكلمة يأتي بجملة من عنده تشبه في تركيبها تركيب الآية، وجملته: «انطلقوا، بنو فلان». ويستعين بسياق حواري متخيَّل بين متكلم ومخاطب، قال المُتَكَلِّم: انطلقوا، فردَّ المخاطب: «مَنْ؟ » فقال المُتَكَلِّم: بنو فلان. وهذا النَّصّ من كلام سيبويه يتضمن إلماحة خفية في قوله «وكأَنَّه قال: انطلقوا؛ فقيل له: مَنْ؟ » تشير إلى أهمِيَّة سكتات المُتَكَلِّم ووقفاته، وتشير أيضا إلى أهمِيَّة «النسق النَّغَمِي للجملة» وأهمِيَّة اعتباره في التحليل الدِّلَالِيّ، فالمُتَكَلِّم الذي يقول الجملة الإنشائِيِّة الأمرية «انطلقوا» لا بدَّ أَنْ يقولها بـ «النسق النغمي الخاص بالجملة الأمرية». ومصطلح النسق النغمي هو مصطلح صكَّه أستاذنا تَمَّام حسان، حيث أشار سيادته إليه وإلى أهميته الدِّلالِيَّة في قوله التالي: «الجمل العربِيَّة تقع في صيغ وموازين تنغيمية هي هياكل من الأنساق النَّغَميَّة ذات أشكال محددة، فالهيكل التنغيمي الذي تأتي به الجملة الاستفهامية وجملة العرض غير الهيكل التنغيمي لجملة الإثبات، وهنَّ يختلفن من حيث التنغيم عن الجملة المؤكدة. فلكل جملة من هذه صيغة تنغيمية خاصة فاؤها وعينها ولامها وزوائدها وملحقاتها نغمات مُعَيَّنَة، بعضها مرتفع وبعضها منخفض، وبعضها يتفق مع النبر وبعضها لا يتفق معه، وبعضها صاعد من مستوى أسفل، وبعضها هابط من مستوى أعلى، فالصيغة التنغيمية منحنى نغمي خاصّ بالجملة يعين على الكشف عن معناها النَّحْوِيّ ... وأنا أتصور أَنَّكَ لو طلبت إلى أحد المُتَكَلِّمين أَنْ يحاول نطق بعض الجمل وهو مقفل الشفتين لاستطعت في هذه الحالة أَنْ تستمع الهيكل

стр. 133

التنغيمي للجملة المرادة دون أَنْ تسمع ألفاظ الجملة نفسها، وسيكون في مقدورك في هذه الحالة أَنْ تقول ما إذا كانت الجملة المرادة التي لم تسمع ألفاظها استفهامًا أو إثباتًا أو تأكيدًا. تفعل ذلك دون حاجة إلى تفكير أو استنتاج؛ لأَنَّ سياق النغمات في كل جملة له من الطابع العرفي المشروط المحدَّد ما للكلمة في دلالتها على معناها، وما للحركة أو الرتبة في دلالتها على الباب النَّحْوِيّ الخاص. والتنغيم في الكلام يقوم بوظيفة الترقيم في الكتابة غير أَنَّ التنغيم أوضح من الترقيم في الدِّلَالَة على المعنى الوظيفي للجملة وربما كان ذلك لأَنَّ ما يستعمله التنغيم من نغمات أكثر مما يستعمله الترقيم من علامات») (١). إن السِّياق الحواري الذي أتى به سيبويه للتوجيه الإعرابِيّ لكلمة «الذين» يشي ويدلُّ من طرف خفي على وعي سيبويه بهذا النسق النغمي، حتى وإنْ لم ينص عليه صراحة. ••ونجد سيبويه في موضع ثان يستغل هذا السِّياق الحواري في توجيهه، ففي مثال آخر يوضح فيه أجزاء أسلوب المدح يقول: «وإذا قال: عبد الله نعم الرجل، فهو بمنزلة: عبد الله ذهب أخوه؛ كَأَنَّه قال: نعم الرجل؛ فقيل له: من هو؟ فقال: عبد الله. وإذا قال: عبد الله، فكأَنَّه قيل له: ما شأنه؟ فقال: نعم الرجل») (٢). وفي بعض الأحيان يرتبط التوجيه الإعرابِيّ بالسِّياق وجودا وعدما؛ بمعنى إِنْ وجد السِّياق وجد الإعراب المرتبط به وإن انتفى السِّياق انتفى الإعراب المرتبط به، يقول سيبويه: «وتقول: حسبته شتمني فأثبَ عليه، إذا لم يكن الوثوب واقعًا، ومعناه: أَنْ لو شتمني لوثبتُ عليه. وإن كان الوثوب قد وقع فليس إلا الرفعُ؛ لأَنَّ هذا بمنزلة قوله: ألستَ قد فعلتَ فأفعلُ») (٣). ما يُفْهَمُ هنا من هذا النَّصّ أَنَّنا يمكن أَنْ نقول: » «حسبتُهُ شتمني فأثبَ عليه» ــ بنصب الفعل «أثب» ... في حالة عدم وقوع الشتم بعد. » «حسبتُهُ شتمني فأثبُ عليه» ــ برفع الفعل «أثب» ... في حالة وقوع الشتم فعلا. أي أَنَّ حالة النصب أظهرت السببية الموجودة في سياق الحال، أي أَنَّ الشتم كان سيكون سببا في أَنْ يثب السامع على الشاتم. أَمَّا حالة الرفع فتشير إلى الاستئناف، بمعنى أَنَّ الكلام قد تمَّ ويراد

стр. 134

بداية معنى جديد. ولا شك أَنَّ الأداء النطقي للجملة يختلف في الحالتين باختلاف السِّياق الذي تقال فيه. ث يفسِّرُ بالسِّياق مَرْجِعِيَّة الضمير: الفاعل جزء أساسي في جملته، ولا تستغني الجملة عنه لتكملة معناها الأصيل؛ فلا بد أَنْ يذكر، ويكون بالاسم الظاهر، نحو: «قام زيد»، أو بضمير مستتر راجع إما لمذكور كـ «زيد قام»، أو لما «دَلَّ عليه الفعل أو لما دَلَّ عليه الكلام أو الحال المشاهد؛ بأن تكون هنالك قرينة تُعْرَف من السِّياق أو الحال الواقعة») (١). وإلى هذا أشار سيبويه قائلا «وإن شئت قلت: إذا كان غدًا فأتني ــ وهي لغة بني تميم ــ والمعنى: أَنَّه لقي رجلا؛ فقال له: إذا كان ما نحن عليه من السلامة، أو كان ما نحن عليه من البلاء في غدٍ فأتني، ولَكِنَّهم أضمروا استخفافا لكثرة كان في كلامهم؛ لأَنَّ الأصل لما مضى، وما سيقع ... وإنَّما أضمرُوا ما كان يقَع مُظهَرًا استخفافًا، ولأنّ المخاطَب يعلم ما يعنى») (٢). أورد سيبويه المثال «إذا كان غدًا فأتني» محذوف الضمير، والتقدير: «إذا كان غدا فأتني؛ أي: إذا كان هو) أي ما نحن عليه من سلامة (غدا فأتني». إن سيبويه يشير إلى أَنَّ مَرْجِعِيَّة الضمير المستتر في الفعل كان تعود على سياق الحال الواقع فيه المُتَكَلِّم والمخاطب. ولتوضيح ذلك يرسم موقفا ومسرحا لغويا فيه المتكلم لقي رجلا، فقال له كذا وكذا) (٣). ويتفق النحاة مع ما ذهب إليه سيبويه على أنَّ السياق يمثل أحيانا مرجعية الضمير، جاء في شرح التصريح للشيخ خالد الأزهري عند الحديث عن الحكم الثالث من أحكام الفاعل وأنَّه قد يأتي ضميرًا دالًّا عليه الحال فقال: « ... أو راجع)؛ أي ضمير الفاعل (لما دلَّ عليه الكلام أو دلَّ عليه الحال المشاهدة، فالأول نحو: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ القيامة: ٢٦ ففي ((بلغت)) ضمير مستتر مرفوع

стр. 135

على الفاعلية راجع إلى ((الروح)) الدالّ عليها سياق الكلام؛ أي: إذا بلغت هي، أي الروح ... والثاني نحو قولهم ــ أي العرب ــ إذا كان غدًا فأتني») (١). وينبغي أَنْ نذكر هنا أَنَّ وجود مَرْجِعِيَّة للضمير ــ أيا كانت هذه المَرْجِعِيَّة ــ أمرٌ لازم للحفاظ على تماسك الكلام من التَفَكُّك) (٢). ج خطورة عدم الاعتداد بقرينة السِّياق وأثره في التوجيه: تتجلى أهمِيَّة سياق الحال أيضا من زاوية أخرى وهي زاوية غيابه وعدم اعتباره، وما يمكن أنْ يسببه هذا من إهدار أوجه إعرابية قيمة، مثال ذلك: ••قد يتعجل البعض ويُعرب مباشرة كلمة ((أنت)) الثانية في قولنا: (( ... وجدتك أنت أنت)) توكيدًا لفْظِيًّا فقط لا غير. ولكن من يتمهَّل ويتأمل السِّياق الذي وردت فيه الجملة فقد يجد أنَّها من الممكن أَنْ تكونَ خبرا ومبتدؤه ((أنت)) الأولى. هذا ما نتعلمه من قول سيبويه الذي يقول فيه: «وتقول: قد جرّبتُك فوجدتُك أنتَ أنتَ، فأنتَ الأولى مبتدأة والثانية مبنية عليها، كَأَنَّك قلت فوجدتُك وجهُك طليق. والمعنى: أَنَّكَ أردت أَنْ تقول: فوجدتك أنت الذي أعرف. ومثل ذلك: أنت أنت، وإن فعلتَ هذا فأنت أنت؛ أي: فأنت الذي أعرف، أو أنت الجواد والجَلْد، كما تقول: الناسُ الناسُ؛ أي: الناس بكل مكان وعلى كل حال كما تعرف» (٣) أي أَنَّ «أنت أنت» في موقفٍ ما قد تكون توكيدًا لفْظِيًّا) (٤)، وفي سياق آخر تكون جملة اسمية مكونة من مبتدأ وخبر، ويكون المعنى أن المتكلم وجد المخاطب كما هو لم يتغير وهو على سابق المعرفة به. قال ابن يعيش: «وأما قولهم: ((أنت أنت)) فظاهر اللفظ فاسد؛ لأنه قد أخبر بما هو معلوم، وأنَّه قد اتَّحد الخبرُ والمخبَرُ عنه لفظًا ومعنى. وحكمُ الخبر أن يكون فيه من الفائدة ما ليس في المبتدأ، وإنما جاز ههنا؛ لأنَّ المراد من التكرير بقوله: ((أنت أنت))، أي: أنت على ما عرفتُه من الوتيرة والمنزلة، لم تتغير معنى. وتكرير الاسم بمنزلة أنت على ما عرفتُه، وهذا مفيدٌ يتضمَّن ما ليس في الجزء الأول، وعليه قول أبي النجم:

стр. 136

أنا أبو النجم وشِعْري شِعْري [بحر الرجز] معناه: وشعري شعري المعروف الموصوف كما بلغت، وعرفت، وعلى هذا قياس الباب») (١). وقال الرضي: «والثاني ــ أي الذي لا يغاير المبتدأ لفظا ــ يُذْكَر للدلالة على الشهرة، أو عدم التغير كقوله: أنا أبو النجم وشِعْري شِعْري أي: هو المشهور المعروف بنفسه، لا بشيء آخر، كما يقال ــ مثلا ــ شعري مليحٌ، وتقول: أنا أنا أي: ما تغيرت عما كنت») (٢). إن إهمال السِّياق في تفسير جملة «أنتَ أنتَ» أو «الناس الناس» يُهْدِرُ توجيها نحويا قيِّمًا يمكن استغلاله في إثراء المعنى. ومن حقِّنا هنا ــ بناء على نصّ سيبويه السابق ــ أَنْ «نُعَمِّمَ» هذه الدِّلَالَة السِّياقِيَّة الثانية التي يعطيها السِّياق مع أي تكرار لفظي لـ «معرفة»؛ بمعنى أَنَّنا يمكن أَنْ نقول قياسا على قول سيبويه «أنتَ أنتَ» أو «الناس الناس»: • الأستاذُ الأستاذُ.) وليكن المعنى السِّياقي الثاني هنا: الأستاذ الأستاذ رأفة وحبًّا، أو علما وانضباطا أو خبرة وسعة أفق ولم يتغير ... (. • الإسكندريةُ الإسكندريةُ.) وليكن المعنى السِّياقي الذي يمكن أَنْ يُشحن به التكرار اللفظي هنا الإسكندرية الإسكندرية في طيب هوائها أو كرم أهلها، أو نصرتها للحق كما هي ولم تتغير ... (. • السيفُ السيفُ. • عمرُ عمرُ. • الشافعيُّ الشافعي) (٣). ••ومن التراكيب التي يؤثِّر عليها سياق الحال إعرابا، ويُمَثِّل إهداره إهمال توجيه إعرابي مهم التركيب التالي: «أ) همزة الاستفهام (+ لا) النافية للجنس (+ اسم لا + خبر لا»، ويُمَثِّله: ألا غلام لي.

стр. 137

مذهب سيبويه في هذا التركيب كما قال السيرافي: «أَنَّ الألف الداخلة على ((لا)) إذا كانت استفهامًا جاز فيما بعد ((لا)) الرفع والنصب ... ، وأما إذا كانت بمعنى التمنِّي فمذهبه وجوب النصب») (١). أي أَنَّ إعراب اسم ((لا)) في التركيب السابق يتوقَّف على نوع السِّياق الذي ترد فيه الجملة، هل هو سياق استفهام أم سياق تمنِّي. ونص سيبويه في هذا يقول: «واعلم أَنَّ لا إذا كانت مع ألف الاستفهام ودخل فيها معنى التمني عملت فيما بعدها؛ فنصبته») (٢). إن اعتبار الهمزة في بداية التركيب «أ) همزة الاستفهام (+ لا) النافية للجنس (+ اسم لا + خبر لا» للاستفهام يضعنا في سياق حال مكوُّن على الأَقَلّ من ثلاثة أطراف: متكلم مستفهِم، ومخاطَب مستفهَم منه، وأمر مستفهم عنه. وإذا رفع المُتَكَلِّم ما بعد لا قائلا: ((ألا غلامٌ لي)) فعلى اعتبار أَنَّ ((لا)) لنفي ((الوحدة)) التي ترفع الاسم بعدها عاملة عمل ليس. ولا النافية للوحدة تأتي لـ «النفي القاصر على فرد أو مجموعة واحدة، دون أَنْ يشمل ذلك النفي أفرادًا أخر أو مجموعات أخر») (٣). وإذا نصب المُتَكَلِّم الجملة «ألا غلامًا لى» فعلى أَنَّ لا لنفي الجنس، واسم لا شبيه بالمضاف، والخبر محذوف، والتقدير: «ألا غلاما لي موجود». وإذا اعتبرنا أَنَّ «ألا» للتمني؛ فلا يجوز إلا النصب؛ لأَنَّها ستكون «حرف تمنِّي بمعنى أتمنى، مركبة من همزة الاستفهام ولا النافية للجنس، التي بقي عملها في الاسم فقط، حيث لا خبر لها لفظا أو تقديرا؛ لأَنَّها بمعنى أتمنى، والفعل أتمنى لا خبر له، ولا يجوز مراعاة محلها مع اسمها أو إلغاؤها ولو تكررت؛ لأَنَّها بمنزلة ليت») (٤). وكَأَنَّ الجملة أصبحت «أتمنى غلاما لي». ومن الواضح أَنَّ اعتبار «لا» نافية للوحدة أو نافية للجنس أو للتمني أمر يتوقَّف على السِّياق الذي تقال فيه الجملة، وسيبويه وإن لم يشر لهذا السياق بصورة واضحة إلا أَنَّه يُفْهَمُ ضمنا من كلامه، إذ لا يمكن التحديد بدون السِّياق. وإهدار السِّياق هنا يفوّت الوقوف على هذه التوجيهات ويوقعنا في فوضى إعرابية. ••وعندما تقابلنا الجملة التالية: ((لا آمِرَ يوم الجمعة))، نتساءل: هل يمكن أَنْ يكون لكلمة ((آمر)) توجيها إعرابيا آخر غير كونها اسم لا مبني على الفتح؟ الإجابة بالإثبات؛ وذلك في حالة تفعيل

стр. 138

السِّياق الذي ترد فيه هذه الجملة، ففي حالة تفعيله يمكن أَنْ نقول: ((لا آمرًا يوم الجمعة))؛ فتتحول الكلمة من حال البناء) اسم لا النافية للجنس مفرد (إلى حال الإعراب. ففي حالة إذا قلنا: ((لا آمرًا يوم الجمعة)) بالتنوين (يقول سيبويه في معناها: «نفيت الآمرين يوم الجمعة لا من سواهم من الآمرين») (١)؛ بمعنى أَنَّ «يوم الجمعة منصوب بـ «آمر»؛ كَأَنَّك قلت: لا رجل يأمر يوم الجمعة؛ فنفيت من يقع أمره في يوم الجمعة دون سواهم») (٢). أي أنَّني هنا نفيت بعض الآمرين وليس كل الآمرين. وفي حالة ((لا آمرَ يوم الجمعة)) يقول سيبويه: «تنفي الآمرين كلهم، ثُمَّ أعلمت في أي حين») (٣) أي إنْ قلت ــ كما يقول السيرافي في شرحه ــ: «لا آمرَ يوم الجمعة؛ فقد نفيت الآمرين كلهم؛ لأَنَّكَ لم تعلق الأمر بيوم الجمعة؛ فصار كَأَنَّك قلت: «لا آمر»، كما تقول: «لا رجل». وتضمر الخبر، وتجعل «يوم الجمعة» ظرفا لذلك الخبر، كَأَنَّك قلت: لا آمر لنا يوم الجمعة؛ أي: نملكه يوم الجمعة») (٤). أي أنني هنا نفيت جنس الآمرين جميعهم. هذا مثال آخر يعلمنا فيه سيبويه أهمِيَّة اعتبار السِّياق في التوجيه الإعرابِيّ. وهنا أحب أَنْ أؤكد على نتيجة سبق أَنْ أشرت إليها وهي ارتباط العلامة الإعرابِيّة بالسِّياق، فالسِّياق يؤدي إلى علامة إعرابية مُعَيَّنَة، والعلامة الإعرابِيّة تؤدي إلى سياق مُعَيَّن. فالمُتَكَلِّم الأول ــ إِنْ جاز هذا التعبير ــ تحت سيطرة السِّياق وضع علامة إعرابية ما، فارتبطت هذه العلامة بهذا السِّياق المُعَيَّن، وثبت هذا الأمر بدوره في وعي دارس اللُّغَة ومقعِّد قواعدها، فإذا حدث واستخدمنا هذه الجملة بهذه العلامة الإعرابِيّة نكون في هذه الحالة مستصحبين للسياق الأول الذي أوجد هذه العلامة. أي أَنَّ هناك علاقة متبادلة بين السِّياق والعلامة الإعرابِيّة، السِّياق يؤدي إلى علامة إعرابية مُعَيَّنَة، والعلامة الإعرابِيّة تؤدي إلى دلالة سِيَاقِيَّة مُعَيَّنَة؛ لذلك «يستثمر الموجهون من أهل المعاني والتفسير هذه الإمكانات الأسلوبية التي تتيحها أوجه الرفع والنصب بناء على تقدير عاملها من الاسمية والفعلية في إبراز بعض الأحكام الفقهية؛ فيترجح وجه الرفع فيما سبيله الفرض والواجب ويترجح وجه النصب فيما له دلالة على المندوب») (٥).

стр. 139

٢ ــ المبحث الثاني: إثراء السِّياق للتوجيهات الإعرابِيّة والدِّلالِيَّة: ناقشنا في العنوان السابق أهمِيَّة قرينة السِّياق، خاصة قرينة سياق الحال، في التوجيهات الإعرابِيّة عند سيبويه، وناقشنا تحته ــ كما تعلمنا من نصوص سيبويه ــ تراكيبَ نحوِيَّة لا يصح تركيبها ولا تصح كينونتها إلا إذا قامت قرينة من سياق الحال تصححها، وأنَّه توجد تراكيب نحوِيَّة يصعب فهمها ابتداء بدون قرينة السِّياق، وأنَّ قرينة السِّياق كانت مع سيبويه أداة طيعة استخدمها في شرحه وتوجيهه، وأظهرنا أَنَّ السِّياق قد يمثل أحيانا مَرْجِعِيَّة للضمير، وأوضحنا أَنَّ عدم الاعتداد بالسِّياق يمكن أَنْ يهدر توجيهات إعرابية مُهِمَّة. وهنا وتحت هذا العنوان سنحاول بشكل أعمق وأوضح تجلية دور قرينة السِّياق في التوجيه الإعرابِيّ، ونبين بشكل ظاهر دور قرينة السِّياق في الإثراء الدِّلَالِيّ. يعلمنا سيبويه أَنْ نستغل سياق الحال في إثراء التوجيه الإعرابِيّ، وأَنْ نستخرج من الجملة مكنوناتها الدِّلالِيَّة بمفتاح السِّياق. نشعر بهذا من خلال النصوص المُنْبَثَّة في حنايا الكتاب وصفحاته شعورا مباشرا وغير مباشر. ــ فعندما نقول: أتيتنا أمسِ نُعطِكَ اليوم، يجوز في الجملة الثانية جزم فعلها وعدم الجزم، ويكون الجزم على اعتبار أَنَّ الجملة الثانية ((نُعطِكَ اليوم)) جزاء لما قبلها، أي كَأَنَّنا قلنا: إِنَّ كنت أتيتنا أمسِ أعطيناك اليوم. أَمَّا عدم الجزم فعلى اعتبار أَنَّ المُتَكَلِّم يريد أَنْ يُقَرر المخاطب) أي يجعله يعترف ويثبت على نفسه «بأَنَّه قد فعل») (١)، وعلى ذلك لا تكون الجملة الثانية جزاء؛ «لأَنَّ الجزاء إِنَّمَا يكون في غير الواجب») (٢). ولا شك أَنَّ المُتَكَلِّم أثناء قول الجملة الثانية سيقولها على النسق النغمي لجملة الاستفهام. قال ابن يعيش: «وتقول: ((أأتيتنا أمس نعطك اليوم؟ )) معناه: أأتيتنا أمس؟ إن كنت أتيتنا أمس أعطيناك اليوم. وإن كان قولك: ((أأتيتنا أمس)) تقريرا، ولم يكن استفهاما، لم يجز الجزم؛ لأنَّه إذا كان تقريرا، فقد وقع الإتيان، وإنَّما الجزاء في غير الواجب») (٣). إن اعتبار هذا السِّياق عند من يقوم بالتوجيه النَّحْوِيّ لهذا التركيب لا شك يُثري دلالة الجملة. ــ ويناقش سيبويه الجملة «قمْ يدعوك»، فيذكر لها توجهين: الأول جزم «يدعوك»، على الجزم في جواب الطلب، والتوجيه الثاني الرفع، وفي تفسيره يقول: «وتقول: قم يدعوك؛ لأَنَّكَ لم ترد أَنْ

стр. 140

تجعل دعاءً بعد قيامه ويكون القيام سببًا له، ولكنك أردت: قم إِنَّهُ يدعوك، وإن أردت ذلك المعنى جزمت») (١). أي: إذا وجه المُتَكَلِّم إلى المخاطب الأمر بأن يقوم حتى يكون هذا سببا لدعوته جاز الجزم. قال ابن يعيش في أثناء مناقشته للتوجيهات الإعرابية للفعل المضارع الذي يأتي في جواب الطلب: « ... إذا لم تقصد الجواب والجزاء، رفعت. والرفع على أحد ثلاثة أشياء: إمَّا الصفة إن كان قبله ما يصح وصفه به؛ وإما حالا إن كان قبله معرفة؛ وإما على القطع والاستئناف ... والثالث: أن يكون مقطوعا عما قبله مستأنفا، كقولك: ((لا تذهب به تغلب عليه)). وذلك أن الجزم ها هنا على الجواب لا يصح لفساد المعنى، إذ يصير التقدير: إنْ لا تذهب به تغلب عليه؛ فيصير عدم الذهاب به سبب الغلب عليه، وليس المعني عليه، فكان مستأنفا، كأنَّك أخبرت أنَّه ممن يغلب عليه على كل حال. وكذلك ((قم يدعوك))، أي: إنَّه يدعوك، فأمرته بالقيام، وأخبرته أنَّه يدعوه ألبتة، ولم ترد الجواب على أنَّه إن قام دعاه») (٢). إن سيبويه يُفَعِّلُ السِّياق هنا، ويستغله لإثراء التوجيه النَّحْوِيّ وتقليب المعنى، ويجد من الإعراب والعلامة الإعرابِيّة عونا على عكس تأثيرات هذا السِّياق. فإذا كانت الجملة في سياق سببيّة جُزِم الفعل؛ أي أَنَّ المُتَكَلِّم أمر المخاطب أَنْ يقوم حتى يكون هذا سببا في دعوته، وقد يكون السِّياق بعيدا عن السببية ولا يتعدى كونه مجرد إخبار وعرض من المُتَكَلِّم للمخاطب فيرفع الفعل. - ونشعر بهذا الإثراء شعورا غير مباشر في مثل قوله: • «وقال جريرٌ: أَعَبْدًا حَلَّ فى شُعَبَى غَرِيبًا ... أَلُؤْمًا لا أبا لك واغترابا [بحر الوافر] يقول: أَتَلؤُم لُؤْمًا وأَتَغترب اغترابا، وحَذَفَ الفعلين فى هذا الباب، لأَنَّهم جعلوه بدلاً من اللفظ بالفعل وهو كثيرٌ فى كلام العرب. وأما ((عبدًا)) فيكون على ضربينِ: إن شئت على النداء، وإن شئت على قوله: أَتَفتخر عبدًا، ثم حذف الفعل») (٣). وقال في موضع آخر عن نفس الشاهد: «وأما قول الشاعر: أَعَبْدًا حَلَّ فى شُعَبَى غَرِيبًا ...

стр. 141

فيكون على وجهين: على النداء، وعلى أنَّه رآه في حال افتخار واجتراءٍ، فقال: أَعبدًا، أى أَتَفْخَرُ عبدا، كما قال: أَتميميًّا ((مرة))») (١). وجَّه سيبويه «عبدًا» في الشاهد السابق توجيهين إعرابيين: النصب على النداء أو النصب على تقدير فعل محذوف بعد أداة استفهام إنكاري توبيخي كما يوضح ذلك البغدادي في خزانته، قال: «وقد نقل ابن السيد في شرح أبيات الجمل الوجهين: النداء والاستفهام عن سيبويه. وأنشد سيبويه هذا البيت على أنَّ لؤمًا واغترابًا منصوبان بفعل محذوف على طريق الانكار التوبيخي كأنه قال: أتلؤم لؤما وتغترب اغترابا. ويجوز أن يكون التقدير: أتجمع لؤما واغترابا فتنصبهما بفعل واحد مضمر») (٢). ولا شك أنَّ توجيه النداء يتطلب سياقا مختلفا عن سياق الاستفهام الإنكاري التوبيخي، وسيبويه وإنْ لم يشر إلى ذلك صراحة فهو يُفهم ضمنًا. • ويقول أيضا في موضع ثان: « ... ومثله في أَنَّ الوصف أحسنُ: هذا رجلٌ عاقلٌ لبيبٌ، لم يجعل الآخرَ حالا وقع فيه الأوَّل، ولَكِنَّه أثْنى عليه وجعلهما شَرْعًا سواءً، وسوَّى بينهما في الإجراء على الاسم. والنصبُ فيه جائز على ما ذكرت لك. وإنّما ضَعُفَ لأنَّه لم يرد أنَّ الأوَّل وقع وهو في هذه الحال، ولكنَّه أراد أنَّهما فيه ثابتان، لم يكن واحدٌ منهما قبل صاحبه») (٣). إنَّ ما نفهمه من هذا النَّصّ أَنَّ الجملة «هذا رجل عاقلٌ لبيبٌ» برفع الوصفين الموجودين بها يكون على سبيل المدح والثناء، ونفهم منه أيضا أَنَّنا في سياق آخر يمكننا أَنْ ننصب هذين الوصفين على الحال، وتكون الجملة بهذا بعيدة عن سياق المدح والثناء، بل على العكس قد تفيد الجملة السخرية والاستهزاء، فعندما نقول: «هذا رجل عاقلا لبيبا»، يكون المعنى: هذا رجل حالة كونه عاقلا لبيبا؛ سخرية واستهزاء. هذا ما يفهم من كلامه هنا. • وفي جملة مثل «هذا الرجلُ» قد تكون دلالتها في سياق ما «الكمال والرجولة»، وفي سياق آخر مجرد «تعريف لمن يطلق عليه اسم الرجل»، يقول سيبويه: «إذا قلت: هذا الرجلُ فقد يكون أَنْ تعني كماله، ويكون أَنْ تقول: هذا الرجل، وأَنْ تريد كل ذَكَر تَكَلَّم ومشى على

стр. 142

رجلين فهو رجل») (١). وقطعًا هذا كلام لا يمكن فهمه إلا في ضوء سياق الحال الذي ترد فيه الجملة. ونجد في نصوص أخرى أَنَّ سيبويه «يتخَيَّل السِّياق» الذي دارت فيه الجملة، ويتخَيَّل حوارا ومسرحا لغويا دارت فيه الأحداث من خلاله يقوم بالتوجيه النَّحْوِيّ. ــ مثال ذلك في أحد أبواب الكتاب يناقش سيبويه إعراب النكرة غير المقصودة والشبيه بالمضاف في أسلوب النداء، فيذكر بيت الشاعر ذي الرُّمَّة: أَدارًا بِحُزوى هِجتِ لِلعَينِ عَبرَةً ... فَماءُ الهَوى يَرفَضُّ أَو يَتَرَقرَقُ [بحر الطويل] ويستشهد به على نصب «دارا» ولفظها نكرة، ولَكِنَّها طالت بما بعدها من الصفة وهي الجار والمجرور؛ فصارت بمنزلة المضاف) (٢). ولكن في بيت مشابه للبيت السابق للشاعر الطِّرِمَّاح يقول فيه: يا دارُ أَقوَت بَعدَ أَصرامِها ... عامًا وَما يَعْنيك مِن عامِها [بحر السريع] نجد سيبويه يقول في التوجيه الإعرابِيّ هنا: «فَإِنَّما ترك التنوين فيه؛ لأنَّهُ لم يجعل أقوت من صفة الدار، ولَكِنَّه قال: يا دارُ، ثُمَّ أقبل بعدُ يحدث عن شأنها، فكَأَنَّه لما قال: يا دارُ، أقبل على إنسان، فقال: أقوتْ وتغيرتْ، وكَأَنَّه لما ناداها قال: إنَّها أقوت يا فلان. وإِنَّمَا أردتُ بهذا أَنْ تعلم أَنَّ أقوت ليس بصفة») (٣). نلاحظ هنا كيف وجه إعراب المنادى للبناء على الضم من خلال رسم سياق حال، تخيَّل فيه الشاعر بعد أَنْ نادى الدار، يتَّجه إلى إنسان تخيل وجوده ويقول له: إنها تغيرت وأقوت. ويستحضر سيبويه الحالة النفسِيَّة للشاعر والمقام المناسب. ولا شك أَنَّ المقام هنا مقام حزن وألم وأنَّ الشاعر ظل فترة زمَنِيَّة بعد ندائه للمنادى؛ ولما لم يجد ردًّا له تحول عنه، وأنَّ الشاعر يجد من خلال تخيّل هذا الإنسان ومن خلال الحديث معه متنفسا لمشاعره. ــ ويقول في موضع آخر مُتَخَيِّلًا حوارًا: «وقد يكون مررت بعبد الله أخوك، كَأَنَّه قيل له: من هو؟ أو من عبد الله، فقال: أخوك») (٤). ففي الجملة التي وردت هنا يجوز في «أخوك» الجر على البدل، وإذا تَخَيَّلْنا حوارًا وسياقًا فيجوز الرفع على الخبرِيِّة كما فعل سيبويه.

стр. 143

ــ وفي بعض الأحيان نجد أَنَّنا لا نستسيغ توجيها إعرابيا قاله سيبويه بدون تخيل سياق حال، حتى وإن لم ينص هو عليه، ففي قول من يقول: «اصنع ما سرَّ أخاك وأحب أبوك الرجلان الصالحان» يذكر أَنَّ الوصفين «الرجلان الصالحان» يجوز فيهما أَنْ نرفع «على الابتداء، وتنصبه على المدح والتعظيم») (١). وفي قول من قال «اصنع ما ساء أباك وكره أخوك الفاسقين الخبيثين»، يذكر نفس الإعراب في الصفتين «الفاسقين الخبيثين»، الرفع على الابتداء، والنصب على الذم والشتم) (٢). ولا شك هنا أَنَّ توجيه النصب على المدح والثناء أو الشتم والذم يقتضي لا محالة سياقا يكون واضحا من خلاله ما إذا كان المقام مقام مدح أم ذم، أو مجرد إخبار. ونستطرد هنا قليلا ونقول إِنَّهُ من الطبيعي أَنَّ التعظيم والشتم لا يكونان إلا لمن هو معروف عند المُتَكَلِّم، فإنْ لم يكن من يُمدَح أو يُعَظَّم أو يُشتم معروفا فلا يجوز النصب على التعظيم أو الذم • يقول سيبويه: «واعلم أَنَّه لا يجوز: مَن عبد الله وهذا زيدٌ الرجلين الصالحين، رفعتَ أو نصبتَ؛ لأَنَّكَ لا تُثني إلا على من أثبته وعلمتَه، ولا يجوز أَنْ تَخلِط من تعلم ومن لا تعلم فتجعلهما بمنزلة واحدة») (٣). • ويقول: «تقول: أتاني زيدٌ الفاسقَ الخبيثَ؛ لم يرد أَنْ يكرره ولا يعرفك شيئا تُنكره، ولَكِنَّه شتمه بذلك. وبلغنا أَنَّ بعضهم قرأ هذا الحرف نصبا: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ لم يجعل الحمَّالة خبرا للمرأة، ولَكِنَّه كَأَنَّه قال: أذكرُ حمّالةَ الحطب، شتما لها، ... وقال عروة الصعاليك العبسي: سَقَوني الخمر ثُمَّ تَكَنَّفوني ... عُداةَ اللَهِ مِن كَذِبٍ وَزورِ [بحر الوافر] إِنَّمَا شتمهم بشيء قد استقر عند المخاطَبين») (٤). وهذان مثالان من الأمثلة المُهِمَّة جدا على تأثير سياق الحال على التوجيه الإعرابِيّ، فتوجيه النصب هنا يتوقَّف على سبق المعرفة بين المُتَكَلِّم والمخاطب، وليس سبق المعرفة فقط بل المعرفة العميقة المتكررة التي تتطلب وقتا وفترة من الزمن للوقوف عليها، وعدم وجود هذه المعرفة المسبقة للمُعَظَّم يمنع التوجيه الإعرابِيّ المرتبط بالتعظيم، ولاشك أَنَّ هذا أمر غير لغوي لا يتعلق باللُّغَة لا

стр. 144

من قريب أو لا من بعيد، وفي هذا أيضا إشارة من صاحب الكتاب لأهمِيَّة اعتبار الجوانب غير اللُّغَوِيَّة في التوجيه الإعرابِيّ. وفي النَّصّ الثاني إشارة مُهِمَّة على أَنَّ العلامة الإعرابِيّة لها في حد ذاتها دلالة. *** ـ حال المُتَكَلِّم ودوره في التوجيه الإعرابِيّ وإثرائه: يمكن أَنْ ننتقل بالحديث من تأثير السِّياق على التوجيه الإعرابِيّ من دائرة واسعة تشمل السِّياق بكل مكوناته إلى دائرة أكثر تحديدا تختصُّ ببعض عناصر السِّياق، وبالتحديد عنصرين أثبتنا أهميَّتهما قبل، وهما: المُتَكَلِّم، والمخاطب. لقد أكَّدنا في موضع سابق من البحث أَنَّ المُتَكَلِّم والمخاطب كانا من أهم العناصر التي اعتمد عليها سيبويه، وهنا سنُجلي بشكل أوضح دور كل منهما في التوجيه الإعرابي. من العناصر التي تلعب دورا مهمًّا في إثراء التوجيه الدِّلَالِيّ التي نبَّه عليها سيبويه وأشار إليها مرارا وتكرارا «المُتَكَلِّم»؛ فهو يلعب دورا مهما في التوجيه الإعرابِيّ، واستطاع سيبويه في نصوص كثيرة إبراز هذا الدور، وأبرز أَنَّ المُتَكَلِّم يلعب دورا في التوجيه الإعرابِيّ من خلال: أإمكانيَّة سكوته. ب إرادته. ت حالته النفسِيَّة ومكنونها. أـ إمكانيَّة سكوته: أما إمكانيَّة سكوت المُتَكَلِّم وأهمِيَّة هذا السكوت في التوجيه الإعرابِيّ فقد أبانها سيبويه في عدة مواضع، منها مثلا: ــ عند معالجة سيبويه لكسر همزة إِنَّ وفتحها يناقش الخليلَ في بعض الجمل المتعلِّقة بهذه المسألة، فيسأله عن قوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُم إنَّها إذا جاءتْ لا يُؤْمِنُون﴾) (١) [الأنعام: ١٠٩]، فيقول: «ما

стр. 145

منعها) أي: ما منع إِنَّ من أنْ تُفتح (أَنْ تكونَ كقولك: ما يدريك أَنَّه لا يفعلُ؟ فقال) الخليل (: لا يحسن ذا في ذا الموضع، إِنَّمَا قال: وما يشعركم، ثُمَّ ابتدأ فأوجب: إنها إذا جاءت لا يؤمنون. ولو قال: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون، كان ذلك عذرا لهم») (١). إن الخليل هنا يُعَلِّمُ سيبويه ويعلمنا معه أهمِيَّة سكتات المُتَكَلِّم ووقفاته في توليد الدِّلَالَة من خلال الآية السابقة التي تحتوي جملتين «وَمَا يُشْعِرُكُم» و «إنَّها إذا جاءتْ لا يُؤْمِنُون» التي يمكن أَنْ تنطقا معا دفعة واحدة؛ فتظهر الجملتان ــ كما قال الخليل ــ كَأَنَّهما عذر للمشركين، وهذا ليس مراد الآية) (٢). أَمَّا الطريقة الصَّوْتِيَّة التي تنسجم مع معنى الخليل الذي قال به فهي: أَنْ تقال الجملة الأولى «وَمَا يُشْعِرُكُم» ثُمَّ يتوقَّف عندها المُتَكَلِّم) القارئ (بنَغْمَة هابطة علامة على انتهاء الجملة وأنَّها جملة مفيدة، ثُمَّ يُبْدَأُ بالجملة الثانية «إنَّها إذا جاءتْ لا يُؤْمِنُون» كَأَنَّها جملة خبرِيِّة مُبتَدَأٌ بها مستأنفة ولا بد أَنْ يستصحب هذا بنَغْمَة صوتيَّة تعبر عن هذا الابتداء والاستئناف. وللآية محل النقاش قراءة أخرى عن حفص تفتح فيها همزة إِنَّ: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُم أنَّها ... ﴾، يتأوَّلها الخليل على الرجاء، كَأَنَّه قيل: «لعلها إذا جاءت لا يؤمنون») (٣). ففي الآية السابقة تُفتح الهمزة إذا كان المعنى عذرا للمشركين) وهذا المعنى ليس المراد من الآية كما قال الخليل (، وتكسر همزة إِنَّ إذا كانت الجملة الثانية جملة مستأنفة. ويرتبط هذا كله بإمكانيَّة سكوت المُتَكَلِّم.
следующие страницы →