← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 132406

قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويه

إيهاب سلامة

Полный текст (384 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فيكون على وجهين: على النداء، وعلى أنَّه رآه في حال افتخار واجتراءٍ، فقال: أَعبدًا، أى أَتَفْخَرُ عبدا، كما قال: أَتميميًّا ((مرة))») (١). وجَّه سيبويه «عبدًا» في الشاهد السابق توجيهين إعرابيين: النصب على النداء أو النصب على تقدير فعل محذوف بعد أداة استفهام إنكاري توبيخي كما يوضح ذلك البغدادي في خزانته، قال: «وقد نقل ابن السيد في شرح أبيات الجمل الوجهين: النداء والاستفهام عن سيبويه. وأنشد سيبويه هذا البيت على أنَّ لؤمًا واغترابًا منصوبان بفعل محذوف على طريق الانكار التوبيخي كأنه قال: أتلؤم لؤما وتغترب اغترابا. ويجوز أن يكون التقدير: أتجمع لؤما واغترابا فتنصبهما بفعل واحد مضمر») (٢). ولا شك أنَّ توجيه النداء يتطلب سياقا مختلفا عن سياق الاستفهام الإنكاري التوبيخي، وسيبويه وإنْ لم يشر إلى ذلك صراحة فهو يُفهم ضمنًا. • ويقول أيضا في موضع ثان: « ... ومثله في أَنَّ الوصف أحسنُ: هذا رجلٌ عاقلٌ لبيبٌ، لم يجعل الآخرَ حالا وقع فيه الأوَّل، ولَكِنَّه أثْنى عليه وجعلهما شَرْعًا سواءً، وسوَّى بينهما في الإجراء على الاسم. والنصبُ فيه جائز على ما ذكرت لك. وإنّما ضَعُفَ لأنَّه لم يرد أنَّ الأوَّل وقع وهو في هذه الحال، ولكنَّه أراد أنَّهما فيه ثابتان، لم يكن واحدٌ منهما قبل صاحبه») (٣). إنَّ ما نفهمه من هذا النَّصّ أَنَّ الجملة «هذا رجل عاقلٌ لبيبٌ» برفع الوصفين الموجودين بها يكون على سبيل المدح والثناء، ونفهم منه أيضا أَنَّنا في سياق آخر يمكننا أَنْ ننصب هذين الوصفين على الحال، وتكون الجملة بهذا بعيدة عن سياق المدح والثناء، بل على العكس قد تفيد الجملة السخرية والاستهزاء، فعندما نقول: «هذا رجل عاقلا لبيبا»، يكون المعنى: هذا رجل حالة كونه عاقلا لبيبا؛ سخرية واستهزاء. هذا ما يفهم من كلامه هنا. • وفي جملة مثل «هذا الرجلُ» قد تكون دلالتها في سياق ما «الكمال والرجولة»، وفي سياق آخر مجرد «تعريف لمن يطلق عليه اسم الرجل»، يقول سيبويه: «إذا قلت: هذا الرجلُ فقد يكون أَنْ تعني كماله، ويكون أَنْ تقول: هذا الرجل، وأَنْ تريد كل ذَكَر تَكَلَّم ومشى على

стр. 142

رجلين فهو رجل») (١). وقطعًا هذا كلام لا يمكن فهمه إلا في ضوء سياق الحال الذي ترد فيه الجملة. ونجد في نصوص أخرى أَنَّ سيبويه «يتخَيَّل السِّياق» الذي دارت فيه الجملة، ويتخَيَّل حوارا ومسرحا لغويا دارت فيه الأحداث من خلاله يقوم بالتوجيه النَّحْوِيّ. ــ مثال ذلك في أحد أبواب الكتاب يناقش سيبويه إعراب النكرة غير المقصودة والشبيه بالمضاف في أسلوب النداء، فيذكر بيت الشاعر ذي الرُّمَّة: أَدارًا بِحُزوى هِجتِ لِلعَينِ عَبرَةً ... فَماءُ الهَوى يَرفَضُّ أَو يَتَرَقرَقُ [بحر الطويل] ويستشهد به على نصب «دارا» ولفظها نكرة، ولَكِنَّها طالت بما بعدها من الصفة وهي الجار والمجرور؛ فصارت بمنزلة المضاف) (٢). ولكن في بيت مشابه للبيت السابق للشاعر الطِّرِمَّاح يقول فيه: يا دارُ أَقوَت بَعدَ أَصرامِها ... عامًا وَما يَعْنيك مِن عامِها [بحر السريع] نجد سيبويه يقول في التوجيه الإعرابِيّ هنا: «فَإِنَّما ترك التنوين فيه؛ لأنَّهُ لم يجعل أقوت من صفة الدار، ولَكِنَّه قال: يا دارُ، ثُمَّ أقبل بعدُ يحدث عن شأنها، فكَأَنَّه لما قال: يا دارُ، أقبل على إنسان، فقال: أقوتْ وتغيرتْ، وكَأَنَّه لما ناداها قال: إنَّها أقوت يا فلان. وإِنَّمَا أردتُ بهذا أَنْ تعلم أَنَّ أقوت ليس بصفة») (٣). نلاحظ هنا كيف وجه إعراب المنادى للبناء على الضم من خلال رسم سياق حال، تخيَّل فيه الشاعر بعد أَنْ نادى الدار، يتَّجه إلى إنسان تخيل وجوده ويقول له: إنها تغيرت وأقوت. ويستحضر سيبويه الحالة النفسِيَّة للشاعر والمقام المناسب. ولا شك أَنَّ المقام هنا مقام حزن وألم وأنَّ الشاعر ظل فترة زمَنِيَّة بعد ندائه للمنادى؛ ولما لم يجد ردًّا له تحول عنه، وأنَّ الشاعر يجد من خلال تخيّل هذا الإنسان ومن خلال الحديث معه متنفسا لمشاعره. ــ ويقول في موضع آخر مُتَخَيِّلًا حوارًا: «وقد يكون مررت بعبد الله أخوك، كَأَنَّه قيل له: من هو؟ أو من عبد الله، فقال: أخوك») (٤). ففي الجملة التي وردت هنا يجوز في «أخوك» الجر على البدل، وإذا تَخَيَّلْنا حوارًا وسياقًا فيجوز الرفع على الخبرِيِّة كما فعل سيبويه.

стр. 143

ــ وفي بعض الأحيان نجد أَنَّنا لا نستسيغ توجيها إعرابيا قاله سيبويه بدون تخيل سياق حال، حتى وإن لم ينص هو عليه، ففي قول من يقول: «اصنع ما سرَّ أخاك وأحب أبوك الرجلان الصالحان» يذكر أَنَّ الوصفين «الرجلان الصالحان» يجوز فيهما أَنْ نرفع «على الابتداء، وتنصبه على المدح والتعظيم») (١). وفي قول من قال «اصنع ما ساء أباك وكره أخوك الفاسقين الخبيثين»، يذكر نفس الإعراب في الصفتين «الفاسقين الخبيثين»، الرفع على الابتداء، والنصب على الذم والشتم) (٢). ولا شك هنا أَنَّ توجيه النصب على المدح والثناء أو الشتم والذم يقتضي لا محالة سياقا يكون واضحا من خلاله ما إذا كان المقام مقام مدح أم ذم، أو مجرد إخبار. ونستطرد هنا قليلا ونقول إِنَّهُ من الطبيعي أَنَّ التعظيم والشتم لا يكونان إلا لمن هو معروف عند المُتَكَلِّم، فإنْ لم يكن من يُمدَح أو يُعَظَّم أو يُشتم معروفا فلا يجوز النصب على التعظيم أو الذم • يقول سيبويه: «واعلم أَنَّه لا يجوز: مَن عبد الله وهذا زيدٌ الرجلين الصالحين، رفعتَ أو نصبتَ؛ لأَنَّكَ لا تُثني إلا على من أثبته وعلمتَه، ولا يجوز أَنْ تَخلِط من تعلم ومن لا تعلم فتجعلهما بمنزلة واحدة») (٣). • ويقول: «تقول: أتاني زيدٌ الفاسقَ الخبيثَ؛ لم يرد أَنْ يكرره ولا يعرفك شيئا تُنكره، ولَكِنَّه شتمه بذلك. وبلغنا أَنَّ بعضهم قرأ هذا الحرف نصبا: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ لم يجعل الحمَّالة خبرا للمرأة، ولَكِنَّه كَأَنَّه قال: أذكرُ حمّالةَ الحطب، شتما لها، ... وقال عروة الصعاليك العبسي: سَقَوني الخمر ثُمَّ تَكَنَّفوني ... عُداةَ اللَهِ مِن كَذِبٍ وَزورِ [بحر الوافر] إِنَّمَا شتمهم بشيء قد استقر عند المخاطَبين») (٤). وهذان مثالان من الأمثلة المُهِمَّة جدا على تأثير سياق الحال على التوجيه الإعرابِيّ، فتوجيه النصب هنا يتوقَّف على سبق المعرفة بين المُتَكَلِّم والمخاطب، وليس سبق المعرفة فقط بل المعرفة العميقة المتكررة التي تتطلب وقتا وفترة من الزمن للوقوف عليها، وعدم وجود هذه المعرفة المسبقة للمُعَظَّم يمنع التوجيه الإعرابِيّ المرتبط بالتعظيم، ولاشك أَنَّ هذا أمر غير لغوي لا يتعلق باللُّغَة لا

стр. 144

من قريب أو لا من بعيد، وفي هذا أيضا إشارة من صاحب الكتاب لأهمِيَّة اعتبار الجوانب غير اللُّغَوِيَّة في التوجيه الإعرابِيّ. وفي النَّصّ الثاني إشارة مُهِمَّة على أَنَّ العلامة الإعرابِيّة لها في حد ذاتها دلالة. *** ـ حال المُتَكَلِّم ودوره في التوجيه الإعرابِيّ وإثرائه: يمكن أَنْ ننتقل بالحديث من تأثير السِّياق على التوجيه الإعرابِيّ من دائرة واسعة تشمل السِّياق بكل مكوناته إلى دائرة أكثر تحديدا تختصُّ ببعض عناصر السِّياق، وبالتحديد عنصرين أثبتنا أهميَّتهما قبل، وهما: المُتَكَلِّم، والمخاطب. لقد أكَّدنا في موضع سابق من البحث أَنَّ المُتَكَلِّم والمخاطب كانا من أهم العناصر التي اعتمد عليها سيبويه، وهنا سنُجلي بشكل أوضح دور كل منهما في التوجيه الإعرابي. من العناصر التي تلعب دورا مهمًّا في إثراء التوجيه الدِّلَالِيّ التي نبَّه عليها سيبويه وأشار إليها مرارا وتكرارا «المُتَكَلِّم»؛ فهو يلعب دورا مهما في التوجيه الإعرابِيّ، واستطاع سيبويه في نصوص كثيرة إبراز هذا الدور، وأبرز أَنَّ المُتَكَلِّم يلعب دورا في التوجيه الإعرابِيّ من خلال: أإمكانيَّة سكوته. ب إرادته. ت حالته النفسِيَّة ومكنونها. أـ إمكانيَّة سكوته: أما إمكانيَّة سكوت المُتَكَلِّم وأهمِيَّة هذا السكوت في التوجيه الإعرابِيّ فقد أبانها سيبويه في عدة مواضع، منها مثلا: ــ عند معالجة سيبويه لكسر همزة إِنَّ وفتحها يناقش الخليلَ في بعض الجمل المتعلِّقة بهذه المسألة، فيسأله عن قوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُم إنَّها إذا جاءتْ لا يُؤْمِنُون﴾) (١) [الأنعام: ١٠٩]، فيقول: «ما

стр. 145

منعها) أي: ما منع إِنَّ من أنْ تُفتح (أَنْ تكونَ كقولك: ما يدريك أَنَّه لا يفعلُ؟ فقال) الخليل (: لا يحسن ذا في ذا الموضع، إِنَّمَا قال: وما يشعركم، ثُمَّ ابتدأ فأوجب: إنها إذا جاءت لا يؤمنون. ولو قال: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون، كان ذلك عذرا لهم») (١). إن الخليل هنا يُعَلِّمُ سيبويه ويعلمنا معه أهمِيَّة سكتات المُتَكَلِّم ووقفاته في توليد الدِّلَالَة من خلال الآية السابقة التي تحتوي جملتين «وَمَا يُشْعِرُكُم» و «إنَّها إذا جاءتْ لا يُؤْمِنُون» التي يمكن أَنْ تنطقا معا دفعة واحدة؛ فتظهر الجملتان ــ كما قال الخليل ــ كَأَنَّهما عذر للمشركين، وهذا ليس مراد الآية) (٢). أَمَّا الطريقة الصَّوْتِيَّة التي تنسجم مع معنى الخليل الذي قال به فهي: أَنْ تقال الجملة الأولى «وَمَا يُشْعِرُكُم» ثُمَّ يتوقَّف عندها المُتَكَلِّم) القارئ (بنَغْمَة هابطة علامة على انتهاء الجملة وأنَّها جملة مفيدة، ثُمَّ يُبْدَأُ بالجملة الثانية «إنَّها إذا جاءتْ لا يُؤْمِنُون» كَأَنَّها جملة خبرِيِّة مُبتَدَأٌ بها مستأنفة ولا بد أَنْ يستصحب هذا بنَغْمَة صوتيَّة تعبر عن هذا الابتداء والاستئناف. وللآية محل النقاش قراءة أخرى عن حفص تفتح فيها همزة إِنَّ: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُم أنَّها ... ﴾، يتأوَّلها الخليل على الرجاء، كَأَنَّه قيل: «لعلها إذا جاءت لا يؤمنون») (٣). ففي الآية السابقة تُفتح الهمزة إذا كان المعنى عذرا للمشركين) وهذا المعنى ليس المراد من الآية كما قال الخليل (، وتكسر همزة إِنَّ إذا كانت الجملة الثانية جملة مستأنفة. ويرتبط هذا كله بإمكانيَّة سكوت المُتَكَلِّم.

стр. 146

ومما يستفاد هنا من نصي الخليل أَنَّ كسر همزة إِنَّ وفتحها تتأثر بسياق الحال الذي تقع فيه الجملة، وأنَّ الفتح أو الكسر نفسه قد يكون له تأثير على دلالة الجملة) (١). ــ ومن الأمثلة الأخرى التي تدلُّ على أَنَّ إمكانيَّة سكوت المُتَكَلِّم تؤثر في التوجيه الإعرابِيّ مناقشتُه لقول القائل: «إِنَّ يكن إتيان فحديثٌ»، ففي هذه الجملة يتحكم في صحتها والتوجيه الإعرابِيّ لكلمة «حديث» سكوتُ المُتَكَلِّم ووقوفه. فَإِنَّ الجملة السابقة تكون مكتملة في معناها إذا سكت المُتَكَلِّم على «فحديثٌ». على اعتبار أَنَّ المُتَكَلِّم جعل «فحديثٌ جوابا ولم يعطف «فحديثٌ» على الاسم الذي قبلها، وترتفع الكلمة بالابتداء») (٢). وفي مُكْنة المُتَكَلِّم ألا يقف عند «فحديثٌ» ويعطفها على ما قبلها، وفي هذه الحال تكون الجملة في حاجة إلى ما يكمل معناها؛ فتكون الجملة «إِنْ يكن إتيان فحديثٌ أحدثْك») (٣). ونزيد هذا الأمر وضوحا كما يلي: » إن يكن إتيانٌ فحديثٌ) مع السكوت بنَغْمَة هابطة ( ... الجملة صحيحة. » إن يكن إتيانٌ فحديثٌ) مع السكوت بنَغْمَة غير هابطة من المُتَكَلِّم ( ... الجملة غير صحيحة وغير مكتملة. ويمكن أَنْ نضيف معنى ثالثا لهذه الجملة، فهي يمكن أَنْ تكون ــ بتكييف صوتي ما ــ سؤالا: » إن يكن إتيانٌ فحديثٌ؟ ) مع النسق النغمي لجملة الاستفهام ( ... الجملة صحيحة. وسيبويه وإن لم يُشِر إلى هذه السكتات هنا إلا أَنَّه لا يمكن فهم جملته إلا في ضوء هذا التحليل الصوتي. ــ ونضرب مثالا ثالثا على أَنَّ سكوت المُتَكَلِّم يُثري التوجيه الإعرابِيّ والنَّحْوِيّ بما قاله سيبويه في قول من قال: «لا آمرًا بالمعروف لك»، حيث يجوز في آمر: • النصب وظهور التنوين) اسم لا النافية للجنس شبيه بالمضاف (. • ويجوز البناء على الفتح لاسم لا أيضا. يقول سيبويه نقلا عن الخليل: «كذلك لا آمِرًا بالمعروف لك، إذا جعلت بالمعروف من تمام الاسم وجعلتَه متصلا به، كَأَنَّك قلت: لا آمِرًا معروفا لك. وإن قلت: لا آمِرَ بمعروف، فكَأَنَّك جئت

стр. 147

بمعروف بعد ما بنيتَ على الأول كلاما») (١). ونترك المجال هنا للسيرافي ليوضح دور سكوت المُتَكَلِّم في التوجيه الإعرابِيّ وخاصة مع التوجيه الثاني في الجملة السابقة، يقول: «فَإِنَّ الباء) في قولنا: لا آمر بمعروف (ليست في صلة آمر، كَأَنَّك قلت: لا آمر، وسكت وأضمرت خبره، ثُمَّ جئت بالباء للتبيين، كَأَنَّك قلت: أعني بمعروف، كما تقول: سقيا، ثُمَّ تجئ بـ «لك» على أعني») (٢). ففي قوله «لا آمرَ بالمعروف لك» يمكن أَنْ تُحلل على رأي الخليل وبتفسير السيرافي كما يلي: «لا آمرَ +) سكتة المُتَكَلِّم بنَغْمَة هابطة تدلُّ على اكتمال المعنى وإضمار الخبر (+ بالمعروف) الباء مع كلمة بالمعروف للتبيين؛ عندما أحس المُتَكَلِّم من هيئة المخاطب أَنَّ المعنى لم يتمكن منه (+ لك». وقوله «لا آمرًا بالمعروف لك» «لا آمرًا بالمعروف) بدون سكتة المُتَكَلِّم كَأَنَّ المُتَكَلِّم قال دفعة واحدة: لا آمرًا معروفا (+ لك» في حالة النصب يكون التوجيه كما يقول السيرافي أَنْ يبدأ المُتَكَلِّم بالجملة «لا آمرًا» ويسكت مضمرا الخبر وما يكمل اسم لا الشبيه بالمضاف. ثُمَّ يتبين أَنَّ المخاطب لم يفهم المعنى فيأتي بشبه الجملة «بالمعروف» للتبيين. ب ــ إرادة المُتَكَلِّم) (٣): يأتي هنا دور الحديث عن إرادة المُتَكَلِّم وأهميتها في التوجيه الإعرابِيّ والنَّحْوِيّ، وهو دور جد خطير. أبرزه سيبويه في أقوال كثيرة، وسنحاول بمَنٍّ من الله وتوفيقه أَنْ نُبرز هذا من خلال أربعة أمثلة: - المثال الأول: ونمهد له بالحديث الآتي: إذا قال قائل: مررت بفلان فإذا له صوتٌ صوتَ حمار فَإِنَّ كلمة «صوت» يجوز أَنْ تنصب ويجوز أَنْ ترفع، تنصب على المصدر أو على الحال، ويكون في «صوت حمار» معنى التشبيه، فإذا نصبته على المصدر؛ فتقديره: «فإذا هو يصوت تصويتا مثل الحمار. وإذا نصبته

стр. 148

على الحال؛ فتقديره: فإذا هو مشبها صوت حمار، أو ممثلا صوت حمار. ويجوز أَنْ تنصب بإضمار فعل على تقدير: فإذا له صوت يصوت صوت حمار») (١). والرفع على أساس أَنَّه نعت أو بدل. واختلف النُّحَاة في الوجه الراجح منهما؛ فقيل «إِنَّ الرفع مرجوح؛ لأَنَّ الثاني ليس هو الأول والنصب السالم من هذا المجاز، وذهب ابن عصفور إلى أنَّهما متكافئان؛ لأَنَّ في النصب التقدير، والأصل عدمه») (٢). ويعلق د. فاضل السامرائي على هذا بقوله: «وفي هذا الترجيح نظر؛ لأَنَّ معنى الرفع غير معنى النصب؛ وأنت تعبِّر بحسب المعنى الذي تريد؛ فلا تكافؤ ولا ترجيح») (٣). وما نريد أَنْ نثبته هنا أَنَّ توجيه النصب والرفع يتوقَّف على إرادة المُتَكَلِّم وسياق حاله، فهو الذي يُعَبِّر عن المعنى الذي يريده كما يقول الدكتور السامرائي، وهذا ما يفهم من كلام سيبويه على جملة «له صوتٌ صوتَ حمار» في باب: «ما ينتصب فيه المصدر المشبه به» إذ يقول: «فَإِنَّما انتصب هذا لأَنَّكَ مررت به في حال تصويت، ولم ترد أَنْ تجعل الآخر صفة للأول ولا بدلا منه») (٤). إذا اتجهت الإرادة بعد «إعمال الذهن» و «بدافع السِّياق» إلى النعت أو البدلية بما لهما من معاني سِيَاقِيَّة) (٥) فالرفع، وإذا اتجهت الإرادة إلى الحال أو المصدر، بما يتضمنان من معنى التشبيه فالنصب. ومن الأمور التي يُوَجَّهُ النظرُ إليها أَنَّ سيبويه يقرِّر أَنَّ حالة الرفع في الجملة السابقة وما يشبهها مثل: «فلان له علمٌ علمُ الفقهاء»، و «له حسبٌ حسبُ الصالحين» تعبر عن أمور ثابتة مستكملة في المخاطب، فإذا أراد المُتَكَلِّم أَنْ يُعَبِّر عن هذا الثبات والاستكمال لجأ إلى حالة الرفع هذه، وإن أراد المُتَكَلِّم في نفس الجمل السابقة أَنْ يُعَبِّر عن أمور لم تصل إلى درجة الثبات والاستكمال وتتعرض للتجدد والطروء استخدم حالة النصب. هذا ما يُفْهَم من نصّ سيبويه التالي:

стр. 149

(( ... وذلك قولك: له عِلْمٌ عِلْمُ الفُقَهاءِ، وله رَأَىٌ رأىُ الأُصَلاءِ. وإنَّما كان الرفعُ فى هذا الوجهَ لأَنَّ هذه خِصالٌ تَذكرها فى الرجل، كالحِلم والعلم والفضل، ولم ترد أَنْ تُخبِر بأنَّك مررت برجل فى حال تعلُّمٍ ولا تفهُّمٍ، ولكنّك أردت أَنْ تَذكر الرجل بفضلٍ فيه، وأَنْ تَجعل ذلك خَصلةً قد استَكملها، كقولك: له حَسَبٌ حَسَبُ الصالحينَ؛ لأَنَّ هذه الأشياءَ وما يُشْبِهها صارت تَحليةً عند الناس وعلاماتٍ. وعلى هذا الوجهِ رُفع الصوتُ. وإن شئت نصبتَ فقلت: له عِلْمٌ علمَ الفقهاءِ، كأَنَّك مررت به فى حال تعلُّمٍ وتفقُّهِ، وكأَنّه لم يَستكمل أَنْ يقال: له عالِمٌ. وإِنَّمَا فُرق بين هذا وبين الصَّوت لأَنَّ الصوت عِلاجٌ، وأنّ العِلْم صار عندهم بمنزلة اليَدِ والرَّجلِ. ويدلُّك على ذلك قولهم: له شَرَفٌ، وله ديِنٌ، وله فَهمٌ. ولو أرادوا أنّه يُدْخِلُ نفسَه فى الدَّينِ ولم يَستكمل أَنْ يقال: له دِينٌ، لقالوا: يَتديَّنُ وليس بذلك، ويَتشرَّفُ وليس له شَرَفٌ، ويَتفهَّمُ وليس له فَهَمٌ. فلمّا كان هذا اللفظُ للّذين لم يَستكملوا ما كان غيَر علاجٍ، بَعُدَ النصبُ فى قولهم: له عِلْمٌ علمُ الفقهاءِ. وإذا قال: له صوتٌ صوتَ حمارٍ، فإِنَّما أَخبر أنَّه مرّ به وهو يصوَّت صوتَ حمارٍ. وإذا قال: له علمٌ علمُ الفقهاءِ، فهو يُخبِر عمَّا قد استقرّ فيه قبل رؤيته وقبل سَمْعِه منه، أو رَآه يَتعلَّم؛ فاستدَلّ بحُسْن تعلُّمهِ على ما عنده من العلم، ولم يردْ أَنْ يُخبِر أَنَّه إِنَّمَا بدأَ فى عِلاج العلم في حال لُقِيِّه إيّاه؛ لأَنَّ هذا ليس مما يُثْنَى به، وإنَّما الثناءَ فى هذا الموضع أَنْ يُخبِر بما استَقرّ فيه، ولا يُخبِر أنّ أَمْثَلَ شيء كان منه التعلُّمُ فى حال لقائِه)) (١). إن هذا النَّصّ يدل على عبقرية سيبويه في الملاحظة، ومعايشته التامة لنصوص اللُّغَة كما أثبتنا قبلُ، ويدل على أَنَّ إرادة المُتَكَلِّم المتحكِّمة في اختيار الوجه الإعرابِيّ المناسب مقيَّدة بسياق الحال وبالتحديد العلاقة بين المُتَكَلِّم والمُتَحَدَّثِ عنه، فلكي يختار المُتَكَلِّم علامة النصب أو الرفع لابد أَنْ يكون مُلمًّا بحال من يتحدَّث عنه. فالاختيار هنا ليس عشوائيا بل مقيَّدا بسياق الحال. ويؤخذ من هذا النَّصّ عدة فوائد أخرى: ١ ــ الخلفيَّة الاجتِماعِيَّة والثقافيَّة لصاحب اللُّغَة تؤثِّر في التوجيه الإعرابِيّ، وليس فقط ملابسات الحال الوقتِيَّة اللحظِيّة، وجملة سيبويه ((لأَنَّ هذه الأشياءَ وما يُشْبِهها صارت تَحليةً عند الناس وعلاماتٍ)) في النَّصّ السابق دليل على ذلك. وأَنَّ لتلك الخلفيَّة تأثيرا على إرادة المُتَكَلِّم في اختيار الوجه الإعرابِيّ المناسب.

стр. 150

فعندما أقول عن فلان: له علمٌ علمُ الفقهاء؛ فهذا يعني أَنَّه قد استقرَّ عندي وثبت لديَّ من خلال مرَّات سابقة ومواقف عديدة أَنَّ هذا المخاطب الذي أقول في حقِّه هذا الكلام له فعلا علم الفقهاء. أَمَّا قولنا: له علمٌ علمَ الفقهاء؛ فهذا الضبط يعني نقيض ما سبق، وقد يعني هذا الضبط في سياق آخر السخرية والاستهزاء. ٢ ــ التوجيه الإعرابِيّ بدون ربط بالسِّياق يؤدي إلى «فوضى دلالية»، كما أشار إلى ذلك صاحب النحو الوافي) (١). ٣ ــ الرفع يرتبط دِلالِيًّا بما هو ثابت ودائم، والنصب يرتبط بما هو متجدِّدٌ وطارئ وغير مستكمَل وأنَّ «المصادر المرفوعة تدلُّ على الثبوت، والمصادر المنصوبة تدل على الحدوث؛ فبالرفع يكون المعنى أَنَّ حالته الثابتة كذلك)؛ أي: تصويته كذلك ... (، وأما حالة النصب فلبيان حالة موقوتة») (٢). ٤ ــ العلامة الإعرابِيّة لها قيمة دلالية مؤثِّرة مرتبطة بها وتُسْتَحْضَرُ في ذهن أبناء اللُّغَة عند ذكر التركيب المشتمل عليها. ٥ ــ ويوقفنا النَّصّ السابق أيضا على خطورة إهمال السِّياق في ((عَمَلِيَّة تعليم القواعد النحوِيَّة))؛ فتعليم القواعد النحوِيَّة كمجرد قواعد جامدة، بدون ربطها بالسِّياقات الاجتِماعِيَّة المختلفة يُهدر كثير من الفوائد ويوقعنا في فوضى كبيرة، وإهمال هذا الجانب الاجتماعِيّ في دراسة القواعد يجعلنا نتساءل: «ما هي الفائدة من اتقان تراكيب اللُّغَة والمقدرة التامة على تركيب الجمل الصحيحة إذا لم يعرف المتحدِّث بها كيف يستخدم الأشكال المناسبة في المواقف المختلفة، وأَنْ يغير تلك الأشكال بتغير نوع الحدث، أو موضوعه، أو الغرض منه أو مناسبته أو المشاركين فيه، إلى آخر مكونات الحدث العشرة التي أشرنا إليها سابقا؟ فكلنا يعرف بالسليقة مثلا أَنَّنا ــ حتى في المجتمع الواحد ــ نستخدم أساليب وطرائق خطاب تختلف باختلاف الإنسان الذي نخاطبه. فالأساليب والطرائق التي نستخدمها مع الغريب غير تلك التي نستخدمها مع القريب ... وكثيرا ما يعتبر استخدام الصيغة الخاطئة إهانة للمخاطب، أو أنَّها على الأَقَلّ يمكن أَنْ تولد انطباعا خاطئا عن المُتَكَلِّم، أو تسبب نوعا من سوء التفاهم، وهذا بالضبط بجميع تعقيداته ما يعنيه القول العربي المأثور: لكل مقام مقال») (٣). واهتمام سيبويه بهذا الجانب الاجتماعِيّ هنا يستحثنا على مزيد اهتمام بهذا الجانب.

стр. 151

- المثال الثاني: الجملة التالية: «ضُرِب به ضربتين» يجوز فيها أَنْ تقال كما هي هكذا، ويجوز أَنْ يقال فيها «ضُرِب به ضربتان»، ويتوقَّف الاختيار هنا على إرادة المُتَكَلِّم. نقول هذا التركيب بالرفع إذا أردنا ذكر عدد مرَّات الضرب، وكَأَنَّ الجملة إجابة على سؤال «كم». يقول سيبويه: «وتقول على قول السائل: كَمْ ضَربةً ضرب به، وليس في هذا إضمار شيء سوى كَمْ والمفعولُ كَمْ، فتقول: ضُرِبَ به ضربتانِ، وسير عليه سَيْرتانِ؛ لأنَّهُ أراد أَنْ يبيَّن له العدّةَ، فجرى على سعة الكلام والاختصار، ... وإِنَّمَا المعنى: كَمْ ضُرِبَ الذى وقع به الضَّربَ من ضربةٍ، فأَجابه على هذا المعنى، ولَكِنَّه اتَّسع واختَصر») (١). أي أَنَّ المخاطب والمستمع أعطى إجابة تناسب السِّياق الذي قيلت فيه) (٢). ونقول الجملة «ضُرِب به ضربتين» إذا أردنا ذكر المدة الزَّمَنِيَّة التي استغرقها الفعل، كَأَنَّه قال هنا: ضرب به وقت ضربتين. يقول سيبويه: «وتقول: ضرب به ضربتين؛ أي: قدر ضربتين من الساعات، كما تقول: سير عليه ترويحتين، فهذا على الأحيان») (٣). ولا شكَّ أَنَّ اختيار التوجيه هنا يتوقَّف على إرادة المُتَكَلِّم المرتبطة بسياق الحال. فإذا اتجهت إرادة المُتَكَلِّم المرتبطة حتما بالسِّياق إلى ذكر مرَّات حدوث الفعل كان الرفع، وإذا اتجهت الإرادة لذكر الفترة الزَّمَنِيَّة لذكر الفعل كان النصب. - المثال الثالث: تناول سيبويه بالتحليل الإعرابِيّ كلمة «سلاما» في باب «من المصادر ينتصب بإضمار الفعل المتروك إظهاره». ناقش فيه حالة النصب والرفع لهذه الكلمة وأمثالها، فذكر أَنَّ هذه الكلمة في حالة النصب تكون منصوبة بـ «فعل مخزول». ونقل سيبويه عن أبي الخطَّاب أَنَّ حالة النصب تجعل الكلمة «سلاما» مرتبطة بمعنى «البراءة والتسلُّم» من جهة «المُتَكَلِّم». يقول: «وزعم أبو الخطاب أَنَّ مثله قولك للرجل: سلامًا، تريد تسلُّما منك، كما قلت: براءة منك، لا ألتبس بشيء من أمرك ... وزعم أَنَّ هذه الآية ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣] بمنزلة ذلك؛ لأَنَّ الآية فيما زعم مكيَّة، ولم يؤمر المسلمون يومئذ أَنْ يسلموا على المشركين؛ ولَكِنَّه على قولك: براءةً منكم

стр. 152

وتسلُّما، لا خير بيننا وبينكم ولا شر») (١). أي أَنَّ «سلاما» منصوبة لارتباطها بمعنى «البراءة والتسلُّم» من جهة «المُتَكَلِّم» فقط، ومنها آية سورة الفرقان بدليل قرينة سياق الحال التي أثبتها أبو الخطاب. وقد تابع أبا الخطاب في هذا سيبويهُ؛ لأنَّهُ لم يعلِّق على هذا الكلام. وفي حالة الرفع قال سيبويه: «واعلم أَنَّ من العرب من يرفع «سلاما» إذا «أراد معنى المبارأة» ... سمعنا بعض العرب يقول لرجل: لا تكونَنَّ منِّي في شيء إلا سلامٌ بسلام، أي أمري وأمرُك المبارأةُ والمتاركةُ») (٢). أي أَنَّ: حالة الرفع في «سلاما» ترتبط بالمعنى الذي يريده المُتَكَلِّم، وهو هنا معنى المبارأة والمتاركة. والفرق بين «البراءة» في حالة النصب، و «المبارأة» في حالة الرفع هو أَنَّ البراءة من جانب المُتَكَلِّم فقط، أَمَّا المبارأة فهي من الطرفين؛ فالمبارأة مصدر الفعل «بَارَأَ» على وزن فاعل الذي من معانيه أَنَّهُ يدل على المشاركة، وهو فعل يقع بين اثنين. وما أخطر عبارة سيبويه التي نقلها عن أبي الخطاب التي قال فيها: «لأَنَّ الآية فيما زعم مكيَّة، ولم يؤمر أَنْ يُسلِّموا على المشركين»؛ ففي هذه الجملة توظيف لسياق الحال بشكل جيد، فالنصب على تقدير: «نسلم منكم سلامًا ونبرأ منكم براءة» من جهة واحدة جهة المسلمين؛ لأَنَّ العلاقة بين المسلمين والكُفَّار علاقة حرب واقتتال، والمسلمون في الجانب الأضعف في هذا الوقت، أَمَّا الرفع فعلى تقدير «أمري وأمرك سلامٌ» على المبارأة؛ أي أَنَّ هناك مشاركة متبادلة بين الطرفين تقتضي وضعا متساويا حربيًّا وقتاليًّا بين الطرفين يسمح بهذه المشاركة. ولعلني هنا أستنتج استنتاجا، قد أكون مصيبا فيه وقد أكون مخطئا، وهو: «إِنَّ من دلالات علامة الرفع العامة الدِّلَالَة على القوة، ومن دلالات علامة النصب العامة الدِّلَالَة على الرقة واللين والضعف». - المثال الرابع: قد تأتي الجملة الاسمِيَّة وخبرها طلبي: أمر، استفهام ... ؛ وفي هذه الحالة ــ كما يقول النُّحَاة ــ يجوز في الاسم المتقدم الرفع أو النصب، مثل: الحيوان ارحمه، أطائرة ركبتها؟ ويكون التوجيه: • الرفع إذا اعتبرنا الاسم المتقدم مبتدأ وما بعده خبر. • النصب إذا أعربنا الاسم المتقدم مفعولا به لفعل محذوف وجوبا.

стр. 153

واختيار التوجيه الإعرابِيّ يترتب على تحديد نوع الجملة؛ إذ «يترتب على أحدهما أَنْ تكونَ الجملة اسمية وعلى الآخر أَنْ تكونَ الجملة فعلِيَّة مع صحتهما؛ لهذا يقول البلاغيون: إِنَّ أحسن الأمرين هو ما يتفق مدلوله مع غرض المُتَكَلِّم، فإنْ لم يعرف غرضه فهما سيان») (١). فإذا كان المراد تنبيه المخاطب للمبتدأ يختار الرفع، يقول سيبويه: «قولك عبد الله اضربه، ابتدأت عبد الله فرفعته بالابتداء، ونبَّهت المخاطب له لتعرِّفَه باسمه، ثُمَّ بنيت الفعل عليه») (٢). وإذا كان المراد الاهتمام بشأن الفعل دون الفاعل كان النصب. أي أَنَّ إرادة المُتَكَلِّم وما يريده هي المتحكِّمة والغالبة) (٣). ونضيف معنى آخر لعلامة الرفع نستخلصه من هذا النَّصّ هو معنى التنبيه. وبذلك ومن خلال مجموع النصوص السابقة نكون قد رصدنا لعلامة الرفع ثلاث دلالات عامَّة: الثبات والاستمراريَّة والدِّلَالَة على القوة والتنبيه. ج ـحالة المُتَكَلِّم النفسِيَّة ومكنونها: ومما يُثري التوجيه الإعرابِيّ ويؤثِّر فيه ويتعلق بالمُتَكَلِّم ــ حالتُه النفسِيَّة وما تنطوي عليه نفسه من معاني. ومن الغريب أَنْ نقول هنا إِنَّ التوجيه الإعرابِيّ قادر على أَنْ يعكس ما يدور في نفس المُتَكَلِّم من معاني وأحاسيس، وأنَّ العلامة الإعرابِيّة قادرة على إبراز ذلك. ــ هذا ما فهمناه من نصّ سيبويه التالي: ((ومما يَنتصب على إضمار الفعل المستعمَل إظهارُه، أَنْ ترى الرجلَ قد قَدِمَ من سفرٍ فتقولَ: خَيْرَ مَقْدَمٍ. أو يقولَ الرجلُ: رأيتُ فيما يرى النائمُ كذا وكذا؛ فتقول: خيرًا وما سَرَّ، وخيرًا لنا وشرًّا لعدوّنا. وإن شئت قلت: خيرُ مَقدَمٍ، وخيرٌ لنا وشرٌّ لعدوّنا. أَمَّا النَّصبُ فكأَنَّه بناه على قوله قَدِمْتُ، فقال: قَدِمْتَ خيرَ مَقْدَمٍ، وإن لم يُسمَعْ منه هذا اللفظُ، فإنَّ قدومَه ورؤيتَه إيّاه بمنزلة قوله: قدمتُ. وكذلك إِنْ قيل: قَدِم فلانٌ، وكذلك إذا قال: رأيتُ فيما يرى النائم كذا وكذا، فتقول: خيرًا لنا وشرّا لعدوّنا. فإِذا نصبَ فعلى الفعل. وأمّا الرفع فعلى أَنَّهُ مبتدأ أو مبنيٌّ على مبتدأ، ولم يرد أَنْ يحمله على الفعل، ولَكِنَّه قال: هذا خيرُ مَقْدَمٍ، وهذا خيرٌ لنا وشرٌّ لعدوّنا، وهذا خيرٌ وما سَرَّ. ومن ثَمّ قالُوا: مصاحَبٌ مُعانٌ، ومبرورٌ مأجورٌ، كَأَنَّه قال: أنت مصاحَبٌ، وأنت

стр. 154

مبرور. فإِذا رفعتَ هذه الأشياءَ فالذى فى نفسك ما أظهرتَ، وإذا نصبت فالذى فى نفسك غيرُ ما أظهرتَ)) (١). أهمُّ ما في النَّصّ السابق جملته الأخيرة، حيثُ تعبِّر العلامةُ الإعرابِيّة عن مكنون نفس المُتَكَلِّم، بمعنى أَنَّ المُتَكَلِّم إذا رأى رجلا قدم من السفر قال له: «خيرَ مقدم» بنصب كلمة «خير». وعندما يسمع المُتَكَلِّم رجلا يقول: رأيتُ فيما يرى النائم كذا وكذا؛ فيقول المُتَكَلِّم: «خيرًا وما سَرَّ»، بنصب كلمة «خير»، ويجوز الرفع في الجملتين السابقتين؛ فيقول المُتَكَلِّم: «خيرُ مقدم» و «خيرٌ وما سَرَّ». وتفسير هذا التوجيه كما يلي: • تكون حالة النصب على إضمار فعل، كَأَنَّه قيل: قدمتَ خيرَ مقدم، ويكون ما في نفس المُتَكَلِّم غير ما أظهر. • وتكون حالة الرفع على اعتبار أَنَّ الكلمة) خير (خبر لمبتدأ محذوف، كَأَنَّنا قلنا: هذا خيرُ مقدم، وهذا خيرٌ لنا وشرٌ لعدونا، ويكون ما في نفس المُتَكَلِّم هو ما أظهر. ولم يفسر سيبويه بشكل واضح علاقة النصب بعدم إظهار المُتَكَلِّم ما في نفسه، وعلاقة الرفع بإظهار المُتَكَلِّم ما في نفسه. وإذا كان لا بدَّ من اجتهاد وتعليل لذلك فأقول سائلين الله السَّداد: ــ تعليل الرفع: يمكن أَنْ نعلل علاقة الرفع بإظهار ما في نفس المُتَكَلِّم في جملتي «خيرُ مقدم» و«خيرٌ وما سر») بتقدير مبتدأ تقديره هذا (بأن المُتَكَلِّم في حالة الرفع يقدر جملة اسمية يبدؤها بمبتدأ، ولا بد أَنْ يكون هذا المبتدأ معرفةً ومعروفا بين المُتَكَلِّم والمخاطب، ) والذي يمثِّله في هذه الحالة كلمة «هذا» التي تعود على ما يُمليه سياقُ الحال «القدوم، رؤية النائم ... » (؛ ولا بدَّ أَنْ يكون المبتدأ معروفا؛ إذ لا يجوز الابتداء بنكرة كما هو معروف، ثُمَّ يأتي الخبر الذي يحمل فائدة لا يعلمها المخاطب؛ إذ لو كان يعلم المخاطب هذه الفائدة لما كانت للجملة الاسمِيَّة كلها فائدة، والفائدة التي يمكن أَنْ يحملها خبر الجملة الاسمِيَّة في ظل سياق حال كاشف ولا يعرفها المخاطب لابد أَنْ تكونَ نابعة من نفس المُتَكَلِّم وغير معروفة للمخاطب، أي أَنَّ ما في نفس المُتَكَلِّم يظهر من خلال حالة الرفع. ويمكن أَنْ نقدم تعليلا ثانيا لحالة الرفع مستغلين عبارة وردت في إحدى نسخ الكتاب الفرعِيَّة أوردها الأستاذ عبد السلام هارون في الهامش عند ذكر سيبويه تفسير حالة الرفع، يقول: «وأما الرفع فعلى أَنَّهُ جعل ذلك أمرا ثابتا») (٢)، أي أَنَّ «خيرُ مقدم» و «خيرٌ وما سرّ» و «وهذا خيرٌ لنا

стр. 155

وشرٌّ لعدوّنا» أمر ثابت عند المُتَكَلِّم، والأمر الثابت لكي يثبت يجب أَنْ يتمكن من النفس ويستقر فيها وهذا ما أثبتناه قريبا من دلالة علامة الرفع على الثبات. هذا الثبات والاستقرار الذي تفيده الجملة الاسمِيَّة استغلَّه الإمام الزَّمَخْشَرِيّ ببراعة واقتدار ــ مستفيدا هذا من سيبويه ــ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ البقرة: ١٤ فقال: «فإنْ قلت: لِمَ كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلِيَّة، وشياطينهم بالاسمِيَّة محقَّقة بأن؟ قلت: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديرًا بأقوى الكلامين وأوكدهما ... وهكذا كل قول) بالجملة الفعلِيَّة (لم يصدر عن أريحية وصدق رغبة واعتقاد. وإمَّا لأنَّهُ لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة .... وأما مخاطبة إخوانهم) بالجملة الاسمِيَّة (فهم فيما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اليهودية والقرار على اعتقاد الكفر، والبعد من أَنْ يزلُّوا عنه على صدق رغبة ووفور نشاط وارتياح للتكلم به، وما قالوه من ذلك فهو رائج عنهم متقبَّل منهم، فكان مظنّة للتحقيق ومئِنَّة للتوكيد») (١). ــ تعليل النصب: أَمَّا تعليل النصب في «خيرَ مقدم» بتقدير فعل «قدمت خيرَ مقدم» فيكون على اعتبار «خير» مفعول مطلق؛ أي أَنَّ خير هنا تؤكد الفعل «قدم»، وهذا أمر بعيد عن المُتَكَلِّم وما يدور في نفسه. وفي موضع ثان نجد سيبويه يكرر نفس العبارة التي ذكرها في نهاية النَّصّ السابق عند استشهاده بقول عمر بن أبي ربيعة: هَل تَعرِفُ اليَومَ رَسمَ الدارِ وَالطَلَلا ... كَما عَرَفتَ بِجَفنِ الصَيقَلِ الخِلَلا دارٌ لِمَروَةَ إِذ أَهلي وَأَهلُهُمُ ... بِالكانِسِيَّةِ نَرعى اللَهوَ وَالغَزَلا [بحر البسيط] يقول: «فإذا رفعت) دار (فالذي في نفسك ما أظهرت، وإذا نصبت فالذي في نفسك غيرُ ما أظهرت») (٢).

стр. 156

ونعلق هنا تعليقا بسيطا قائلين إِنَّ هذه النتيجة التي أقرها سيبويه من ربط علامة الرفع بما هو مستقر وثابت عند المُتَكَلِّم ليست وليدة دراسة نصّ عابر أو نصين، بل لا بدَّ أنَّها ناتجة عن تتَبُّع للتراكيب المشابهة المرفوعة في النصوص الحَيَّة المنطوقة في سياقاتها المختلفة، وهو بعد هذا التتَبُّع والتقصي والإحصاء ربط هذه العلامة بهذه الدِّلَالَة السِّياقِيَّة. ونحنُ متأكِّدون من هذا التتَبُّع والتقصي لسبق معرفتنا بمنهج سيبويه الذي شرحناه قبل. ــ ونضرب مثالا آخر على أَنَّ التوجيه الإعرابِيّ يعكس الحالة النفسِيَّة للمتكلم: يناقش سيبويه في أحد مواضع الكتاب الإعراب في الجملتين الآتيتين: • قد خيف منه خوفٌ، وقد قيل في ذلك قولٌ. ويجوز أَنْ تكونَ الجملتان: قد خيف منه خوفًا، وقد قيل في ذلك قولًا. والنص الذي وردت فيه هذه المناقشة هو: «مما يَسْبِقُ فيه الرَّفعُ لأنَّهُ يراد به أَنْ يكون فى موضع غير المصدر قوله: قد خِيفَ منه خوفٌ، وقد قيل فى ذلك قولٌ. إنَّما يريد: قد خيف منه أمرٌ أو شيءٌ، وقد قيل فى ذلك خيرٌ أو شرٌ .... وإنْ حملتَه على ما حملت عليه السَّيرَ والضربَ فى التوكيد، حالًا وقع فيه الفعلُ، أو بدلاً من اللفظ بالفعل؛ نصبتَ») (١). ما يفهم من هذا الكلام هو أَنَّنا إذا نصبنا كلمة «خوف» في جملة «قد خيف منه خوفًا» يكون توجيهنا لها أَنَّنا يمكن أَنْ نعتبرها «حالا» تبين هيئة صاحبها الذي يظهر في مظهر من تبدو عليه علامات الخوف الظاهرة، وقد نعرب «خوفًا» مفعولا مطلقا يؤكد الفعل «خاف» ويؤكد حدث الخوف في قلب من تشمله الجملة، وإذا رفعنا؛ نكون قد خرجنا عن معنى الحالِيَّة ومعنى المفعول المطلق إلى معنى آخر بعيد عنهما، وتكون معنى جملة «خيف منه خوفٌ؛ يراد «أمرٌ مخوف»، ولم ترد الخوف الذي في القلب») (٢). أي أَنَّ النصب ساهم في إظهار ما في القلب، أَمَّا الرفع فإِنَّنَا ننقل الخوف لأمر بعيد عن القلب والنفس. وليس في مُكنة العلامة الإعربية فقط أَنْ تعكس الحالة النفسِيَّة لدى المُتَكَلِّم كما دلَّلنا على ذلك فيما سبق بل أيضا يمكنها أَنْ تعكس حالة الشك أو اليقين التي قد يتعرض لها أثناء الكلام؛ أي أَنَّ العلامة الإعربية يمكنها الاستجابة اللحظِيّة والفوريَّة لما يحدث في نفس المُتَكَلِّم من شك ويقين وتعكس ذلك بوضوح.

стр. 157

دليل هذا ما ناقشه سيبويه في باب «هذا باب الأفعال التي تستعمل وتلغى»، حيث أورد في هذه الباب مجموعة الأفعال: «ظنّ، حسب، خال، رأى، زعم»، وأشار إلى أَنَّ إعمال هذه الأفعال وتقديم معمولها عليها يتوقَّف على ما في نفس المُتَكَلِّم من شك أو يقين، فيقول: « ... وتقول: زيدٌ أظنّه ذاهبا. ومن قال: عبدَ الله ضربتُه نصَبَ؛ فقال: عبدَ الله أظنّه ذاهبا. وتقول: أظنّ عمرًا منطلقا وبكرا أظنّه خارجا، كما قلت: ضربت زيدًا وعمرًا كلمته، وإن شئتَ رفعتَ على الرفع فى هذا. فإِن ألغيتَ قلت: عبدُ الله أظنُّ ذاهبٌ، وهذا إخالُ أخوك، وفيها أُرَى أبوك. وكلَّما أردتَ الإِلغاء فالتأخيرُ أقوى. وكلٌّ عربىٌّ جَيِّد. وقال اللعين يهجو العجاج: بِالأراجيزِ يا ابنَ اللُّؤْمِ توعدُني وفى الأراجيز خِلْتُ اللُّؤْمُ والخَوَرُ [بحر البسيط] أنشدَنَاه يُونُس مرفوعا عنهم. وإِنَّمَا كان التأخير أقوى لأنَّهُ إِنَّمَا يجيء بالشكّ بعدما يَمْضِى كلامُه على اليقين، أو بعدما ما يَتبدئُ وهو يريد اليقينَ ثُمَّ يُدْرِكُه الشكُّ، كما تقول: عبدُ الله صاحبُ ذاك بلغَنى، وكما قال: من يقول ذاك تَدرِى، فأَخّرَ ما لم يَعمَلْ في أوله كلام. وإِنَّمَا جعل ذلك فيما بلغه بعدما مَضى كلامُه على اليقين، وفيما يَدرى فإذا ابتدأ كلامَه على ما فى نيّته من الشكَ أَعْملَ الفعلَ قدّم أوْ أخَّر، كما قال: زيدًا رأيتُ، ورأَيتُ زيدا») (١). إن جملة «عبد الله أظنّ ذاهبٌ» تدل على أَنَّ حالة اليقين كانت مسيطرة على المُتَكَلِّم في بداية الكلام، ثُمَّ طرأت حالة الشك عليه، أَمَّا جملة «أظنّ عبدَ الله ذاهبا» تعني أَنَّ حالة الشك مسيطرة على المُتَكَلِّم قبل بداية الجملة وفي أثنائها. إن كلام سيبويه هنا يدل دلالة قاطعة لا تقبل الشك أو المماراة على أَنَّ لسياق الحال دورا مهما على الجملة إعرابا ودِلالةً. وفي هذا النَّصّ نلاحظ أنَّ العلامة الإعرابِيّة بالتعاون مع تقديم المعمولات وتأخيرها عبرت عن حالة الشك واليقين التي عليها المُتَكَلِّم. ـ المخاطب ودوره في التوجيه الإعرابِيّ وإثرائه: لا نريد بعد حديثنا عن دور المُتَكَلِّم في التوجيه الإعرابِيّ أَنْ نغفل دور المخاطب في هذه العَمَلِيَّة، وهو دور أيضا مُهِمّ، وله خطورته، فقسم كبير من قواعد اللُّغَة يقع تحت سيطرته، ويتَأَثَّر به.

стр. 158

يتمثل دور المخاطَب أو المُحَدَّث أو المخبَر في التوجيه الإعرابِيّ في «إمكانيَّة فهمه للكلام أم لا»؛ بمعنى: هل هذا الكلام يمكن أَنْ يفهمه المخاطب أم لا. ففي بعض الأحيان يُعرِضُ سيبويه عن توجيه إعربي ما ويقبل آخر، والسبب أَنَّ الأول لا فائدة فيه للمخاطب، وفي الثاني تكمن الفائدة له. ونضرب مثالا على ذلك. في باب البدل أورد سيبويه مجموعة الجمل التالية: • بعت متاعك أسفلَه قبل أعلاه. • واشتريت متاعك أسفلَه أسرع من اشترائي أعلاه. • واشتريت متاعك بعضَه أعجل من بعض. • وسقيت إبلك صغارَها أحسن من سقيي كبارها. • وضربت الناس بعضَهم قائما وبعضهم قاعدًا. الكلمات «أسفله، بعضه، صغارها، بعضهم» لا يجوز فيها إلا النصب، ولا يصِحُّ الرفع؛ «لأَنَّ ما ذكرت بعده ليس مبنيا عليه؛ فيكون مبتدأ») (١). يعني أَنَّنا لا نقول في المثال «اشتريت متاعك بعضَه أعجل من بعض»: اشتريت متاعك بعضُه أعجلُ من بعض؛ فنجعله ابتداء وخبرًا في موضع الحال من «متاعك»؛ لأَنَّكَ ــ كما يقول السيرافي ــ «لم ترد اشتريت متاعك وبعضه أعجلُ من بعض، لأنَّهُ لا فائدة فيه») (٢). أي لا فائدة فيه للمخاطب. وفي بعض الأحيان يكون الإثراء التوجيهي عَمَلِيَّة مشتركة بين المُتَكَلِّم والمخاطب، فعندما يقول سيبويه: «ومنه [؛ أي: النعت] أيضا: مررتُ برجلين مسلمٍ وكافرٍ، جمعت الاسم وفرقت النعت. وإن شئت كان المسلم والكافر بدلا، كَأَنَّه أجاب مَن قال: بأي ضرب مررت؟ ، وإن شاء رفع كَأَنَّه أجاب من قال: فما هما؟ فالكلام على هذا، وإن لم يلفظ به المخاطب؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يجري كلامه على قدر مسألتك عنده لو سألته») (٣). فالكلمتان «مسلم وكافر» يجوز في توجيههما النَّحْوِيّ أَنْ تعربا نعتا أو بدلا. ولكن إِنْ تَخَيَّلْنا حوارا بين متكلم ومخاطب، فقال المُتَكَلِّم: مررت برجلين؛ فقال المخاطب: «فما هما؟ »؛ فرد المُتَكَلِّم: مسلمٌ وكافرٌ؛ فرفع على اعتبار أنهما خبران لمبتدأ محذوف يفهم من المقام.

стр. 159

وكان من الممكن الاكتفاء بالتوجيه الأول: الجر على النعت أو البدل، ولكن عند تخيل وجود سياق حواري متخيل من متكلم ومخاطب أثري التوجيه النَّحْوِيّ والدِّلَالِيّ وأثر فيه) (١). *** ٣ ــ المبحث الثالث: تَحَرُّك سيبويه بحُرِّيَّة في توجيهاته النحوِيَّة في حالة عدم اللَّبس: مما يتعلق بكلامنا: «دور سياق الحال في التوجيه الإعرابِيّ» أَنْ نُقَرِّر أَنَّ سيبويه كان يجيز كل التوجيهات النحوِيَّة الممكنة لمسألة نحوِيَّة ما بحُرِّيَّة ما دام لا توجد قرينة تمنع أحد هذه التوجيهات مثل قرينة سياق الحال. ومن أمثلة هذا التوجيه «الحر» غير المقيَّد بقرينة: أـ يذكر سيبويه قول عمرو بن مَعْدِ يكرب: الحربُ أوّلٌ ما تكونُ فُتيَّةً ... تسعى بزينتها لكلِّ جَهولِ [بحر الكامل] ويقول عنه: «هذا البيت تنشده العرب على أوجه بعضهم يقول ... : *الحربُ أوّلَ ما تكون فُتَيَّةٌ* أي إذا كانت في ذلك الحين، وبعضهم يقول: *الحربُ أوّلُ ما تكون فُتَيَّةً* كَأَنَّه قال: الحربُ أوّلُ أَحوالِها إذا كانتْ فتَيَّةً، كما تقول: عبدُ الله أحسنُ ما يكون قائما. ومن رَفَعَ الفُتَيَّة ونَصَب الأوّل على الحال قال: البُرُّ أَرْخَصَ ما يكون قَفيزانِ. ومن نَصَبَ الفُتَيَّة ورَفَعَ الأوّل قال: البُرُّ أَرْخَصُ ما يكون قَفيزَيْن») (٢). ويلخص الأستاذ هارون الأوجه الإعرابِيّة في البيت السابق بشكل أوضح قائلا: «والشاهد فيه رفع ((أول)) ونصب ((فتية)) والعكس، ورفعهما جميعا ونصبهما على تقديرات مختلفة. فتقدير الأول: الحرب أول أحوالها إذا كانت فتية، ففتية فيه حال ناب مناب الخبر للمبتدإ الثاني، وتقدير الثاني:

стр. 160

الحرب في أول أحوالها فتية، فأول نصب على الظرفية. وتقدير الثالث والرابع أوضحهما سيبويه») (١). هكذا يقدم سيبويه توجيهاته النحوِيَّة بدون تحفظ على توجيه ما لعدم وجود قرينة تمنع توجيها وتسمح بآخر؛ وهذا يؤكِّد ما ذهب إليه علماؤنا أَنَّ «تعَدُّد المعنى يكشف عن عدم كفاية القرائن» (٢) ب ــ يوجه سيبويه قول من قال: دخلوا الأولَ فالأولَ بالنصب والرفع، النصب على الحال، كَأَنَّه جرى مجرى قولنا «واحدًا فواحدًا ودخلوا رجُلا رجلا»، ويجوز الرفع فنقول: «دخلوا الأولُ فالأولُ، جعله بدلا، وحمله على الفعل، كَأَنَّه قال: دخل الأولُ فالأولُ») (٣). والواقع أَنَّنا يمكن أَنْ نعطي عشرات الأمثلة على هذا التوجيه الحر، فالكتاب يفيض به في الكثير من المواضع) (٤). لكن ما يهمنا هنا المواضع التي تَدَخَّلَ فيها سياق الحال فمنع توجيها نحويا ما وسمح بآخر؛ أي: المواضع التي اتخذ فيها سيبويه سياق الحال كـ «قرينة» لمنع توجيه ما أو إجازته. وفيما يلي مجموعة من الأمثلة فيها توجيهات نحوِيَّة استغل سيبويه فيها سياق الحال في عَمَلِيَّة التوجيه: ١ ــ المثال الأول: أحد الأمثلة المُهِمَّة التي استغل فيها سيبويه سياق الحال في التوجيه النَّحْوِيّ نجدها عند مناقشته لبيت امرئ القيس: فَلَو أَنَّ ما أَسعى لِأَدنى مَعيشَةٍ ... كَفاني وَلَم أَطلُب قَليلٌ مِنَ المالِ [بحر الطويل] في هذا البيت لدينا فعلان «كفاني» و «أطلب»، وكلاهما يطلبان كلمة «قليل» كمعمول، الفعل «كفاني» يطلبها فاعلا له، والفعل «أطلب» يطلبها مفعولا به. ونظريا وبعيدا عن السِّياق فَإِنَّ كلمة ((قليل)) يمكن أَنْ تُنْصب على أنَّها مفعولا به، ويكون المعنى: ((فلو أَنَّ ما أسعى لأدنى معيشة لم أطلب قليلا من المال» أي أَنَّ امرأ القيس: «ما سعى لأدنى معيشة، ومع ذلك فقد طلب قليلا من

стр. 161

المال)). أَمَّا إذا أتت ((قليل)) فاعلا للفعل «كفاني» فَإِنَّ المعنى يكون: «لو أَنَّ ما أسعى لأدنى معيشة كفاني قليل من المال ولم أطلب الملك») (١). نعود للتوجيه ثانية ونقول: بناء على هذين المعنيين اللذين وقفنا عليهما فأيُّ التوجيهين يقبل، وأيُّهما يرفض؟ بالطبع يرفض التوجيه الإعرابِيّ الأول «نصب قليلا»؛ لأَنَّ مقتضاه المعنى الأول، وهذا المعنى ينافي سياق الحال المعروف عن امرئ القيس وقصته في طلب ملك أبيه) (٢)؛ لذلك فَإِنَّ سيبويه قال ببراعة عند ذكر هذا البيت: «فَإِنَّما رفع؛ لأنَّهُ لم يجعل القليل مطلوبا، وإِنَّمَا كان المطلوب عنده الملك وجعل القليل كافيا، ولم يرد ذلك ونصب؛ فسد المعنى») (٣). أي أَنَّ المعنى مع حالة النصب سيتناقض مع سياق الحال المعروف من قصة امرئ القيس؛ لذلك مُنِع توجيه النصب وأجيز الرفع. قال ابن يعيش: «وتلخيص معنى البيت: إنني لو سعيت لمنزلة دنيَّة، كفاني قليل من المال، ولم أطلب الكثير؛ ألا ترى أنَّه قال في البيت الثاني: ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي ولو نصب «قليلا» بـ «أطلب» استحال المعنى، وصار التقدير: كفاني قليل ولم أطلب قليلا») (٤). ٢ ــ المثال الثاني: في باب الاختصاص يورد سيبويه بعض الشواهد على هذا الأسلوب، منها قول رؤبة: راحَتْ وَراحَ كَعَصَا السَيْسابْ ... بِنَا تَمِيمًا يَكْشِفُ الضَبابْ [بحر الرجز] ويستشهد بهذا البيت على نصب «تميمًا» على الاختصاص. ويورد في نفس الباب بيتًا آخر مشابه لبيت رؤبة، هو بيت لبيد الذي يقول فيه:

стр. 162

نَحنُ بَنو أُمِّ البَنينَ: الأَربَعَه ... وَنَحنُ خَيرُ عامِرِ بنِ صَعصَعَه [بحر الرجز]) (١). منع فيه سيبويه نصب «بنو» على الاختصاص ولم يجز إلا الرفع على الخبرِيِّة، يقول: «فلا ينشدونه إلا رفعًا؛ لأنَّهُ لم يرد أَنْ يجعلهم إذا افتخروا أَنْ يُعرفوا بأن عدتهم أربعة، ولَكِنَّه جعل الأربعة وصفا ثُمَّ قال: المطعمون الفاعلون، بعدما حلّاهم ليعرفوا») (٢). هذا التعليل من سيبويه لمنع توجيه النصب بهذا السبب السِّياقي يدل على أَنَّهُ يستحضر ملابسات السِّياق الذي قيلت فيه القصيدة، وهو لا يستحضر هذه الملابسات فقط بل يعايشها ويمتزج بالقصيدة ومعانيها، ويُعينه على هذا الاستحضار لسياق الحال أَنَّ القصيدة في حالة «إنشاد»، أي أَنَّ القصيدة حية منطوقة أمامه، وإن كانت الملابسات الدقيقة الفعلِيَّة التي ارتبطت بالقصيدة وقت قولها ليست متوفرة لديه إلا أَنَّهُ يمكنه تتَبُّعها تاريخيا كما فعل ذلك في بعض التراكيب النحوِيَّة كما أثبتنا هذا من قبل، وهذا ديدنه ومنهجه مع النصوص التي يُقعِّد من خلالها قواعد اللُّغَة كما أثبتنا سلفا عن منهجه. ٣ ــ المثال الثالث: في باب الفاء ناقش سيبويه نصب الفعل المضارع بعد فاء السببية وذكر عددا من الأمثلة على ذلك، ثُمَّ أتى إلى بيتين من أبيات النابغة يقول فيهما: ولا زالَ قَبرٌ بَينَ تُبْنَى وَجاسِمٍ ... عليه مِنَ الوَسمِيِّ جَوْدٌ وَوابِلُ فيُنبِتُ حَوذانًا وَعَوفًا مُنَوِّرًا ... سَأُتبِعُهُ مِن خَيرِ ما قالَ قائِلُ [بحر الطويل] ولم ينصب الفعل «فيُنبِتُ» ــ مع تجويز الخليل لتوجيه النصب ــ وقال: «وذلك أَنَّهُ) أي الشاعر (لم يرد أَنْ يجعل النبات جوابا لقوله: ولا زال، ولا أَنْ يكون متعلقًا به، ولَكِنَّه دعا ثُمَّ أخبر بقصة السحاب، كَأَنَّه قال: فذاك يُنْبِتُ حَوذانًا، ولو نصب هذا البيت قال ــ كما الخليل ــ لجاز، ولكنا قبلناه رفعا») (٣). فالسبب في «الرفع» أن الشاعر «دعا» ولم يُرد أن يجعل هذا الدعاء سببا في الإنبات، ولكنه ابتدأ كلامًا جديدا) قصة السحاب (مبدوءًا بجملة اسمية «ذاك ينبت ... » تحمل «فائدةً» للمخاطب وتعطي «دلالة على الثبات والاستمرارية» يقصدها الشاعر.

стр. 163

وما كان لسيبويه أَنْ يتَّجه إلى هذا التوجيه إلا بدلالة العلامة الإعرابِيّة «الضمة» على نهاية الفعل «تنبت» التي كانت القرينة على عدم وجود سببية في البيت فينصب الفعل «ينبت». وذهبت به إلى ما ذهب من تأويل. ويعلق بتعليق مشابه على بيت يشبه البيت السابق، يقول فيه الشاعر) جميل (: أَلَم تَسأَلِ الرَّبعَ القَواء فَيَنطِقُ ... وَهَل تُخبِرَنكِ اليَومَ بَيداءَ سَملَقُ [بحر الطويل] ويعلق قائلا: «لم يجعل الأول سببا للآخر، ولَكِنَّه جعله ينطق على كل حال، كَأَنَّه قال: فهو مما ينطق، كما قال: ائتني فأحدِّثُك، فجعل نفسه ممن يحدثه على كل حال») (١). الفعل «ينطقُ» مرفوع «وهو مبنيٌّ على مبتدأ محذوف؛ أي: هو ينطق، ولا يضر اقترانه بالفاء، فإنَّها فيه للاستئناف لا للعطف ولا للسببية») (٢)؛ أي أنَّ حالة الرفع تضعنا أمام جملة اسمية «هو ينطق»، والجملة الاسمية تفيد الثبات والاستمرارية على كل حال. واختيار الشاعر لهذا التوجيه «الرفع» مع إمكانية النصب لا بد وأن يرتبط بالحالة النفسية للشاعر المتأثر بسياق حال ما. ويثير هذا البيت وما قبله عدة ملحوظات: ــ الأولى: عبارة سيبويه: «ولو نصب هذا البيت ــ كما قال الخليل ــ لجاز، ولكنا قبلناه رفعا» وردت بين البيتين السابقين وليس من الواضح تماما أي البيتين تقصده هذه العبارة: بيت النابغة أم بيت جميل، ولكن يبدو أنها قيلت قبل الثاني بيت جميل. وهذه العبارة ــ بغض النظر لأي البيتين توجهت ــ مثيرة للاهتمام، فسيبويه فضل حالة الرفع على النصب؛ لأنَّهُ «تلقاه رفعا» أي «تلقى البيت مرفوعا كما تتلقى القابلة الولد» على حد تعبير الأستاذ هارون في الهامش، وهذا يعني أَنَّ سيبويه كان يفضل الواقع اللغويّ على القياس، وأنَّ هذا الواقع اللغويّ مقدم عنده على القياس، وليس العكس كما أشار عدد من الباحثين، وقد كان في مُكنته أَنْ يجيز حالة النصب، وخاصة أَنَّ أستاذه الخليل قد أجازه، أي أَنَّ هذا الموضع من الأدِلَّة التي تذكر على تفضيله الواقع اللغويّ الحي على القياس. ــ الثانية: وتشير نفس الجملة إلى اعتماده على الواقع الحي لِلُّغَة، أي اللُّغَة منطوقة ومنشدة. ــ الثالثة: أَنَّ هذه العبارة تشير أيضا إلى استقلالية منهجِيَّة عند سيبويه بعيدة نوعا ما عن أستاذه الخليل. ــ الرابعة: أَنَّهُ تلقاه رفعا ثُمَّ فسره بتخيل سياق حال يوجد فيه الشاعر.

стр. 164

٤ ــ المثال الرابع: في قولنا: «إِنَّ زيدًا منطلق لا عمرو» و «إِنَّ زيدًا منطلقٌ وسعيدٌ» فَإِنَّ سيبويه يجيز في كلمتي «عمرو وسعيد» وجهين إعرابيين: الأول: الرفع على الابتداء، والثاني: النصب عطفا على زيد. وإذا استبدلنا «لعل أو ليت أو كَأَنَّ» بـ «إِنَّ» في الأمثلة السابقة وقلنا مثلا: «ليت زيدًا منطلق وعمرًا»؛ فإِنَّهُ في هذه الحالة لا يجوز في «عمرو وسعيد» إلا النصب، يقول سيبويه: «واعلم أَنَّ لَعلَّ وكَأَنَّ وليت ثلاثتهن يجوز فيهن جميع ما جاز في إِنَّ، إلا أَنَّهُ لا يرفع بعدهن شيء على الابتداء، ومن ثَمَّ اختار الناسُ ليتَ زيدا منطلقٌ وعمرًا وقَبُح عندهم أن يحملوا عمرا على المضمر حتى يقولوا هُوَ، ولم تكن ليتَ واجبةً ولا لَعَلَّ ولا كأَنَّ، فقبُح عندهم أن يُدخلوا الواجبَ في موضع التَّمَنِّى فيصيروا قد ضموا إلى الأوَّل ما ليس على معناه بمنزلة إن») (١). قال ابن السَّرّاج معلقا وموضحا نص سيبويه السابق: «يعني أنَّكَ لو قلت: ليت زيدًا منطلق وعمرو، فرفعت عمرا كما ترفعه إذا قلت: إنَّ زيدا منطلق وعمرو، فعطف عمرا على الموضع، لم يصلح من أجل أنَّ ليت وكأنَّ ولعلَّ لها معان غير معنى الابتداء، وإنَّ: إنَّما تؤكِّد الخبر والمعنى معنى الابتداء والخبر، ولم تُزل الحديث عن وجوبه وما كان عليه») (٢). إذن السبب في عدم جواز الرفع على الابتداء في الاسم الواقع بعد هذه الحروف ــ كما يقول ابن السراج وكما قال السيرافي ــ أَنَّ «حمل المعطوف على هذه الحروف على الابتداء يغير المعنى الذي أحدثته هذه الحروف من التمني والتشبيه والترجي؛ فلذلك لم يحملوه على الابتداء») (٣). إن الرفع يقتضي الخبرية، والمبتدأ محذوف، ومن يُخبر يخبر بشيء وقر لديه في الماضي، واستخدام ليت / لعل، يدل على المستقبل فالرفع مع لعل فيه نوع من التناقض في المعنى؛ لذلك منع سيبويه الرفع. والتمني والتشبيه والرجاء أمور ترتبط بالمُتَكَلِّم الموجود في سياق حال ما؛ أي أَنَّ تمنِّي المُتَكَلِّم ورجاءه وتشبيهه كانت قرائن سِيَاقِيَّة منعت توجيه الرفع. فهو الذي أتى بهذه الأدوات بدافع السياق لكي يتمنَّى أو يشبّه أو يترجَّى.

стр. 165

٥ ــ المثال الخامس: في باب «هذا باب من الاختصاص يجري على ما جرى عليه النداء» يذكر فيه بيت الصَّلَتانِ العَبْدي) (١): يا شاعرًا لا شاعرَ اليومَ مثلَه ... جريرٌ ولكن في كليبٍ تواضعُ [بحر الرجز] ينقل سيبويه عن هذا البيت كلام الخليل ويُونُس في نصب كلمة «شاعرًا» وأنَّها لا تصح أَنْ تكونَ منادى «وإِنَّمَا انتصب على إضمار؛ كَأَنَّه قال: يا قائل الشعر شاعرًا، وفيه معنى حسبك به شاعرًا») (٢). ويُزِيد الأستاذ هارون الأمر وضوحًا فيقول شارحا هذا الموضع: «والشاهد فيه) أي البيت السابق (نصب «شاعرًا» على الاختصاص والتعجب، والمنادى محذوف تقديره: يا هؤلاء، أو يا قوم، حسبكم به شاعرًا. وإِنَّمَا امتنع أَنْ يكون منادى؛ لأنَّهُ نكرة عنده يدخل فيه كل شاعر بالحضرة، وهو إِنَّمَا قصد شاعرًا بعينه، وهو جرير، فلو كان منادى لبني حينئذ على الضم») (٣). أي أَنَّ كلمة «شاعرًا» ليست منادى، وليست منصوبة على النداء؛ إذ لو كانت كذلك لبنيت على الضم؛ لأَنَّ سياق الكلام متوجه لشخص مُحَدَّد معروف اسمه «جرير»، فكان لا بدَّ من منع توجيه النصب على النداء؛ لأَنَّ النصب يعني أَنَّ المنادى نكرة غير مقصودة، ولن يكون موجّها لشخص محدّد؛ وهذا مما يتنافى مع سياق الحال الذي يقال فيه البيت. ٦ ــ المثال السادس: في بعض الأحيان يلجأ سيبويه إلى قرينة سياق الحال في توجيهه ولَكِنَّه لا يذكر اعتماده عليها من قريب أو بعيد، ولكن تأمُّل كلامه يوجب أَنّه لا بد وقطعًا لجأ إلى هذه القرينة. والتالي مثال على ذلك.

стр. 166

من التراكيب النحوِيَّة التي تناقش في باب الاشتغال التراكيب التي تمثلها الجمل التالية: «إنِّي زيدٌ لقيته، وأنا عمرو ضربته، وليتني عبدُ الله مررت به»، وهي جمل يجوز في الأسماء «زيد، عمرو ــ عبد الله» نصبها، ورفعها، والاختيار الرفع) (١). ومع هذا نجد سيبويه عند توجيهه لقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ القمر: ٤٩ يقول: «فأما قوله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ فَإِنَّما هو على قوله: زيدًا ضربته، وهو عربي كثير») (٢). أي أَنَّهُ يختار النصب في الاسم المشغول عنه «كل»، مع أَنَّ الآية تشبه في تركيبها الجمل التي ذكرناها آنفا، أي أَنَّهُ من المفروض أَنْ يكون الأولى الرفع، فلماذا منع الرفع وأجيز النصب مع أَنَّ الرفع أولى؟ السبب هو وجود قرينة يمكن أَنْ نسميها قرينة «الخلفيَّة العَقِيدِيّة الشَّرْعِيَّة». إِنَّنَا إذا قلنا بالرفع فمن الممكن أَنْ يكون معنى الآية: أَنَّ هناك ما خلقه الله وهناك ما لم يخلقه، وأنَّ ما خلقه خلقه بقدر؛ أي أَنَّ توجيه الرفع يُفقدُ الآية عمومها، يقول السيرافي: «يجوز أَنْ يكون «خلقناه» نعتًا لـ «شيء»، و «بقدر» خبر لكل، ولا يكون فيه دلالة على خلق الأشياء كلها، بل يدل على أَنَّ ما خلقه منها خلقه بقدر») (٣). وهذا تفسير فاسد. أَمَّا على النصب فالآية تفيد العموم، أي أَنَّ كل شيء قد خلقه الله بقدر. وسيبويه لم يشر إلى هذه القرينة، ولكن سياق الكلام يشير إلى أَنَّهُ لجأ إليه. تلك ستة أمثلة توضح دور قرينة سياق الحال في التوجيه النَّحْوِيّ، وأنَّها قد تسمح بتوجيه وتمنع آخر) (٤).

стр. 167

بقي أَنْ نشير هنا إلى أَنَّهُ في بعض الأحيان قد تمتزج قرينة سياق الحال مع قرينة المعنى اللغويّ في التوجيه النَّحْوِيّ، وهذا ما فهمتُه من مناقشة سيبويه للجمل التالية: أما علمت أحدًا يقول ذاك إلا زيدًا. ب ما ضربت أحدًا يقول ذاك إلا زيدًا. ت ما رأيت أحدًا يقول ذاك إلا زيدًا. في الجملة الأولى «أ» المستثنى «زيد» يجوز فيه النصب، وقال سيبويه «وإن شئت رفعت») (١). ووجه إجازة النصب أَنَّهُ «على الاستثناء، أو على البدلية من كلمة «أحد» المنصوبة، ويجوز فيها الرفع على البدلية من الفاعل المستتر في الفعل المضارع») (٢). والأولوية هنا للنصب فهو الأولى كما يقول سيبويه: «وإِنَّمَا اختير النصب هنا؛ لأنَّهم أرادوا أَنْ يجعلوا المستثنى بمنزلة المبدل منه ... وهذا وصف أو خبر») (٣). أي أَنَّ أسلوب الاستثناء هنا تام منفي فيجوز في المستثنى النصب على الاستثناء أو البدل من المستثنى منه المنصوب في الجملة السابقة. واختيار النصب تبع لـ «إرادة المُتَكَلِّم وسياق حاله» كما أشار سيبويه عاليه. أما الجملة الثانية «ب» لا يجوز فيها إلا النصب؛ «وذلك لأَنَّكَ أردت في هذا الموضع أَنْ تخبر بموقوع فعلِك؛ ولم ترد أَنْ تخبر أَنَّهُ ليس يقول ذاك إلا زيدٌ، ولكنك أخبرت أَنَّكَ ضربت ــ ممن يقول ذاك ــ زيدًا») (٤). في هذه الجملة يريد المُتَكَلِّم أَنْ يخبر بـ «على من وقع ضربه»، ولم يرد أَنْ يخبر أَنَّ جملة «ما ضربت أحدًا» من أقوال زيد؛ أي أَنَّهُ لم يرد أَنْ يقول: يقول زيدٌ: ما ضربت أحدًا. وأحد الأسباب التي منعت هذا التوجيه إرادة المُتَكَلِّم المرتبطة بسياق الحال. ولكن هناك سبب آخر، ما هو؟ إذا وضعنا الجملتين السابقتين تحت بعضهما، هكذا: • ما علمت أحدًا يقول ذاك إلا زيدًا.

стр. 168

• ما ضربت أحدًا يقول ذاك إلا زيدًا. وتساءلنا ما الفرق بين الجملتين الذي جعل الأولى لها توجيهان إعرابيان وجعل للثانية توجيها إعرابيا واحدًا؟ الجملتان تركيبهما واحد: «أداة نفي) ما (+ فعل متعدي + مفعول به + جملة فعلِيَّة وصفية + أداة استثناء) إلا (+ مستثنى منصوب»، والجملتان تتدخَّل فيهما إرادة المُتَكَلِّم. لم يبق هنا من فارق سوى «المعنى اللغويّ للفعل المتعدي»، وهذا يعني أَنَّ سياق الحال يندمج مع المعنى اللغويّ أحيانا في التوجيه النَّحْوِيّ. ويؤكد كلامنا هذا الجملة الثالثة «ج»؛ فيتوقَّف المنع والإجازة على المعنى المراد من «رأيت»، فإذا كان السِّياق يشير إلى أَنَّ رأى قلبية بمعنى علمت؛ فيجوز الوجهان، وإذا كان السِّياق يشير إلى أنَّها بصرية بمعنى شاهدت؛ فيجوز وجه واحد فقط) (١). وقبل أَنْ أترك الكلام هنا أحبُّ أَنْ أشير إلى منهجِيَّة بسيطة تعلمها الباحث من سيبويه، واستغلها في مناقشة المثال السابق. هذه المنهجِيَّة هي «أَنَّ سيبويه كان يأتي بالتراكيب اللُّغَوِيَّة المتقاربة والمتشابهة ويقارنها ببعضها البعض ويخرج من خلال هذه المقارنة بالفروق الدِّلالِيَّة بينها»، وقد كان هذا ديدنه على مدار صفحات الكتاب. وهذه الآلية المنهجِيَّة تذكرنا بآلية منهجِيَّة شبيهة عند علماء اللُّغَة المعاصرين وهي آلية ((الثُّنائِيَّة الصغرى Minimal pair») (٢) . وهي آلية خاصة بتحديد الأصوات الموجودة في لغة ما من خلال مقارنة لفظتين مختلفتي المعنى أو أكثر مثل: «تاب، طاب ناب ... ». ومقصدي من هذا الكلام هو إبراز التشابه الواضح بين الفكرتين والطريقتين من خلال المقارنة وإن كان مجال سيبويه التراكيب اللُّغَوِيَّة، ومجال الـ Minimal pair الأصوات اللُّغَوِيَّة. بقيت كلمة ختامية نقولها في ختام حديثنا عن الجزئيَّة التي عَنْوَنَّاها بـ «تَحَرُّك سيبويه بحُرِّيَّة في توجيهاته النحوِيَّة في حالة أمن اللَّبس» أقول فيها:

стр. 169

إن سيبويه بهذه النصوص التي استغل فيها قرينة سياق الحال في التوجيه النَّحْوِيّ يضع نصب عينيه هذه القرينة في التوجيه، وهو كما وصفه العلماء بـ «إمام النُّحَاة» ورأس من رءوس المدرسة البصرية يجب أَنْ يقتفى أثره في هذا. ومن المبادئ التي يمكن استفادتها من نصوص سيبويه السابقة أَنَّنا في التوجيه الإعرابِيّ والنَّحْوِيّ تكون كل الخيارات التوجيهية النحوِيَّة متاحة، إِنْ كانت هناك خيارات إعرابية لهذا التركيب أو ذاك لها شرعية وجود ــ بالاستقراء أو بالقياس ــ في النصوص اللُّغَوِيَّة، وتكون إتاحة هذه الأوجه الإعرابِيّة مرتبطة بعدم وجود قرينة تمنع هذا التوجيه أو ذاك. كما نتعلم من سيبويه ومن غيره أيضا أَنَّنا يجب ربط التوجيه النَّحْوِيّ بالسِّياق الذي قيل فيه الكلام كلما أمكن ذلك وإلا وقعنا في فوضى إعرابية. *** في ختام هذا المبحث الثاني نَوَدّ أَنْ نذكر الملحوظات والتأَمُّلات المُهِمَّة التالية: ١ ــ العادة والعرف الاجتماعيّان في البيئة المُعَيَّنَة مما يدخلان في قرينة سياق الحال، ومن الممكن أَنْ تتدخَّل في التوجيه النَّحْوِيّ، وعدم أخذه في الاعتبار قد يوقع من يقوم بالتوجيه النَّحْوِيّ في خطأ. من ذلك مثلا أَنَّ سيبويه أجاز «النصب والرفع» لكلمة «اليوم» في قول من قال «اليوم الجمعة اليوم السبت». النصب على الظرفية، والرفع على الابتداء والخبرِيِّة. ولم يجز إلا الرفع في قول من قال: «اليومُ الأحد أو الاثنين ... إلى الخميس» يقول: «فأما اليومُ الأحد، واليوم الاثنان، فإِنَّهُ لا يكون إلا رفعا وكذلك إلى الخميس»، ويعلل ذلك بقوله: «لأنَّهُ ليس بعمل فيه») (١). بمعنى أَنَّ «الجمعة بمعنى الاجتماع، والسبت بمعنى الراحة؛ فهما مصدران يقعان في اليوم») (٢). أي أَنَّ نصب كلمة اليوم في جملة: اليوم السبت؛ على أَنَّهُ يوم تقع فيه الراحة؛ أي أَنَّ يوم السبت ظرف تقع فيه الراحة. ومنع سيبويه النصب في كلمة اليوم إذا أتت مع أيام الأسبوع: الأحد، الاثنين ... ؛ لأنَّهُ ليس فيها معنى الراحة أو الاجتماع، وتبع سيبويه في هذا عدد من النُّحَاة. وقد تبع سيبويه في هذا معظم النحاة. قال ابن مالك ما نصه: «إذا قلت: اليوم الجمعةُ، واليوم السبت، جاز نصب اليوم، لأنَّ الجمعة بمعنى الاجتماع، والسبت بمعنى الراحة. وكذا اليوم العيد واليوم الفطر، واليوم النّوروز، كل هذه يجوز معها نصب اليوم بلا خلاف، لأنَّ ذكرها منبِّه على

стр. 170

عمل يوقَع في اليوم، بخلاف قولك: اليومُ الأحدُ، واليوم الاثنان، واليوم الثلاثاء، واليوم الأربعاء، واليوم الخميس، فإنَّها بمنزلة اليوم الأول، واليوم الثاني، واليوم الثاث، واليوم الرابع، واليوم الخامس فلذلك لايجوز في اليوم معها إلا الرفع، هذا مذهب النحويين إلا الفراء وهشاما») (١). وهنا نتجرأ قليلا ونقدم رأيا قد يخالف كلام سيبويه هنا وهو: أنَّ ارتباط يوم مُعَيَّن بمعنى مُعَيَّن متروك للعرف والعادة، وهما من مكوِّنات سياق الحال كما أشرنا في التمهيد، ففي عصرنا الحالي وفي بلدنا مصر أصبح يوم الأحد وليس الجمعة ولا السبت من أكثر الأيام المرتبطة بالراحة؛ وفي بعض الأحيان ترتبط الراحة بـ «مهن مُعَيَّنَة»، فعند أصحاب مهن مُعَيَّنَة يكون الأثنين هو الراحة. وعليه فَإِنَّ النصب والرفع جائز في اليوم إذا جاءت مع الأحد أو غيره الأيام إذا دلت على الراحة. ٢ ــ من الأمور الخطيرة التي يُوقِفُنا عليها هنا هذا المبحث أمر مُهِمّ هو «تهافت نظَرِيَّة العامل»، تلك النظَرِيَّة التي لم يمل النُّحَاة من تكرارها، وما فتِئُوا يرددونها في كل مناسبة. فما سطرناه في هذا المبحث وما استنبطناه من كلام سيبويه نفسه لا يلتقي ولايمكن أَنْ يلتقي مع ما تقوله هذه النظَرِيَّة وما تتضمنه من العلل الأولى والثواني والثوالث. لقد أثبتنا ــ من خلال نصوص سيبويه نفسها ــ أَنَّ المُتَكَلِّم هو الذي «يرفع وينصب ويجر»، وهو الذي «يستأنف الكلام» أو «يعطفه»، وذكرنا أَنَّ سيبويه كرَّر مئات المرَّات قوله «إذا أردتَ» و «إذا شئتَ»، وأنَّ المُتَكَلِّم والمخاطب وحالتهما النفسِيَّة هما اللذان يؤثِّران على العلامة الإعرابِيّة. إِنَّنَا هنا نتعجل الأمور قليلا قبل أَنْ نفرد الفصل الأخير في بحثنا هذا للحديث عن نظرية العامل، ونقول بنقض هذه النظَرِيَّة التي قتلت الحياة في النحو العربي، وأزالت كل مظهر من مظاهر التفاعل مع الواقع. وفي نقضنا لنظَرِيَّة العامل نضم صوتنا المتواضع جدا للعالِمين اللذين نقضا هذه النظَرِيَّة، وأقصد بهما: ابن جني، وابن مضاء الأندلسي الظاهري. فقد صرَّح ابن جني ببطلان هذه النظَرِيَّة في قول صريح له يقول فيه: «وإِنَّمَا قال النَّحْوِيّون: عامل لفظي وعامل معنوي ليروك أَنَّ بعض العمل يأتي مسببًا عن لفظ يصحبه؛ كمررت بزيد، وليت عمرًا قائم. وبعضه يأتي عاريًا من مصاحبة لفظ يتعلق به؛ كرفع المبتدأ بالابتداء، ورفع الفعل لوقوعه موقع الاسم؛ هذا ظاهر الأمر، وعليه صفحة القول. فأما في الحقيقة ومحصول الحديث فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم

стр. 171

إِنَّمَا هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره. وإِنَّمَا قالوا: لفظي ومعنوي لما ظهرت آثار فعل المُتَكَلِّم بمضامة اللفظ للفظ أو باشتمال المعنى على اللفظ. وهذا واضح») (١). في هذا القول الصريح يؤكد ابن جني أن العمل من الرفع والنصب والجر والجزم إنما هو للمتكلم نفسه لا شيء غيره. ثُمَّ أتي ابن مضاء الأندلسي) (٢) في نهاية القرن السادس الهجري متأثرا بالمذهب الظاهري) (٣) ليقرِّرَ هذا الرفض متابعا لابن جني، فيقول: «قصدي في هذا الكتاب أَنْ أحذف من النحو ما يستغنى عنه، وأنبِّه على ما أجمعوا على الخطأ فيه. فمن ذلك ادعاؤهم أَنَّ النصب والخفض والجزم لا يكون إلا بعامل لفظي، وأنَّ الرفع منها يكون بعامل لفظي وبعامل معنوي. وعبَّروا عن ذلك بعبارات تُوهم أَنَّ قولنا: ((ضرب زيد عمرًا)) أَنَّ الرفع الذي في ((زيد)) والنصب الذي في ((عمرو)) إِنَّمَا أحدثه ((ضرب)) ... وقد صرح بخلاف ذلك أبو الفتح ابن جني في خصائصه بعد كلام في العوامل اللفظِيَّة والعوامل المعنوِيَّة [ذكر النَّصّ السابق]؛ فأكد ((المُتَكَلِّم)) بـ ((نفسه)) ليرفع الاحتمال، ثُمَّ زاد تأكيدًا بقوله ((لا لشيء غيره)). وهذا قول المعتزلة. وأما مذهب أهل الحق فَإِنَّ هذه الأصوات إِنَّمَا هي من فعل الله تعالى، وإِنَّمَا تنسب إلى الإنسان كما ينسب إليه سائر أفعاله الاختيارية. وأما القول بأن الألفاظ يحدث بعضها بعضا؛ فباطل عقلا وشرعا، لا يقول به أحد من العقلاء ... وأما العوامل النحوِيَّة فلم يقل بعملها عاقل، لا ألفاظها ولا معانيها؛ لأَنَّها لا تفعل بإرادة ولا بطبع») (٤).

стр. 172

والباحث يميل إلى رأي هذين العالمين الجليلين ويدعمه لما يلي: - ما أثبتناه هنا في هذا المبحث يدل على تهافت هذه النظَرِيَّة، وقد ذكرنا من نصوص سيبويه ما يدل على ذلك، منها جملته المُهِمَّة التي ناقشناها في أحد نصوصه، التي يقول فيها: « ... فإِذا رفعتَ هذه الأشياءَ فالذى فى نفسك ما أظهرتَ، وإذا نصبت فالذى فى نفسك غيرُ ما أظهرتَ)) (١). ففي هذا النَّصّ الصريح يربط سيبويه نفسه بين العلامة الإعرابِيّة وبين الحالة النفسِيَّة للمتكلم، ويُقر أَنَّ المُتَكَلِّم هو الذي يرفع وهو الذي ينصب. - تكرار اللفظ المعبِّر عن «إرادة المتكلم» في اختيار الإعراب المناسب في أكثر من أربعمائة موضع في الكتاب. وقد ينشأ اعتراض على هذا الدليل مُؤَدّاه: أَنَّنا نجد نصوصا عند سيبويه نلمح فيها أثرا لنظَرِيَّة العامل، فكيف يمكن القول أَنَّ سيبويه يقبل هذه النظَرِيَّة في نصوص، ويرفضها في نصوص أخرى؟ نقول مجتهدين ــ ولَعلَّنا نصيب أجرين في هذا ــ: إن البيئة العلميَّة الفلسفِيَّة التي نشأ فيها سيبويه أثَّرت عليه وجعلته مرغما على مسايرتها رغما عنه فأثَّرت في ذهنه أثناء تقيعده، ولَكِنَّه في كثير من الأحيان تذهب عنه هذه التأثيرات الفلسفِيَّة المنطقية الأرسطية؛ فتأتي الأمور على طبيعتها وكما يسمعها من قائلي اللُّغَة. - إذا كان أبناء اللُّغَة: » يتواضعون على ألفاظهم. » ويتواضعون فيما بينهم على معاني هذه الألفاظ (٢) » بل إِنَّهُم يتواضعون على البنى الصَّرْفِيَّة داخل هذه اللُّغَة (٣)؛

стр. 173

أفلا يكون من المعقول أَنْ يتواضعوا على ما هو أبسط من هذا وهو تواضعهم على العلامة الإعرابِيّة؟ بمعنى أَنَّ العرب عندما ينطقون باسم معرفة في بداية جملة اسمية يضمون آخر هذا الاسم، وإذا دَلَّ الاسم على أَنَّهُ قام بالفعل أو اتصف به ضموا آخره أيضا، وإذا أتى الاسم واقعا عليه فعل الفاعل نصبوه، وإذا وقع بعد حرف من حروف الجر كسروا آخره وهكذا. ومن أقوال أساتذتنا المحدثين التي عثرنا عليها ويتوافق قولُنا هنا معها قول أستاذنا تمام حسان إذ يقول: «بعد أَنْ بيَّنت طبيعةَ القرائن المقالِيَّة معنوِيَّة كانت أو لفظِيَّة في دلالتها على المعنى الوظيفي النَّحْوِيّ، أحب أَنْ أضيف إليها كلمة أخرى تتصل بإغناء فهم القرائن المقالِيَّة عن فكرة العامل النَّحْوِيّ الذي قال به النُّحَاة») (١). ٣ ــ من طريف ما أشار إليه سيبويه أَنَّ التوجيه الإعرابِيّ يراعي الفرق بين الإنسان والحيوان: » ففي أسلوب الاستثناء التام المنفي يجوز في المستثنى «النصب على الاستثناء أو البدل من المستثنى منه»، ولكن في بعض الأحيان يختار الإعراب الأول ويكره الثاني؛ «لأَنَّ المستثنى ليس من نوع المستثنى منه»، يقول: «قولك ما فيها أحدٌ إلا حمارًا، جاءوا به على معنى ولكنَّ حمارًا؛ وكرهوا أَنْ يبدلوا الآخر من الأول؛ فيصير كَأَنَّه من نوعه») (٢). وجملة «وكرهوا» تدلُّ على أَنَّ العلامة الإعرابِيّة يتحكم فيها المُتَكَلِّم؛ لتعبِّر عن مشاعره وعواطفه؛ وأنَّهُم لجئوا إلى العلامة الإعربية لإزالة هذه الكراهية. » وفي مثال ثان إذا قلنا الجمل المتشابهة التالية: » مررت برجل أسدٍ أبوه. » مررت برجلٍ أسدٌ أبوه. » مررت بدابة أسدٌ أبوها. فكلمة «أسد» في الجملة الأولى تُعربُ نعت سببي مجرور أفاد المبالغة، ونفس الكلمة قد تعرب ــ كما في المثال الثاني ــ مبتدأ مرفوع إذا أردنا مجرد الإخبار. أَمَّا المثال الثالث فلا يجوز فيه إلا

стр. 174

الرفع؛ وذلك لقرينة عقلية محضة تراعي طبيعة المحدث عنه، وهي أَنَّ المنعوت دابة لا تعقل؛ فلا يعقل أَنَّ المُتَكَلِّم يريد إثبات مبالغة لها؛ فينعت؛ فلذلك لم يبق هنا إلا الرفع لمجرد الإخبار. يقول سيبويه: «تقول: مررت برجلٍ أسدٍ أبوه؛ إذا كنت تريد أَنْ تجعله شديدًا، ومررت برجل مثل الأسد أبوه، إذا كنتَ تشبهه. فإنْ قلت: مررت بدابة أسدٌ أبوها فهو رفعٌ؛ لأَنَّكَ إِنَّمَا تخبر أَنَّ أباها هذا السبع. فإنْ قلت: مررتُ برجل أسدٌ أبوه على هذا المعنى رفعتَ، إلا أَنَّكَ لا تجعل أباه خَلقُه كخِلقة الأسد ولا صورته») (١). ويفهم من النَّصّ أَنَّ سيبويه يفرق في التوجيه الإعرابِيّ بين ما طبيعته إنسان وبين ما طبيعته حيوان، وهذا ما استنبطه عموما من تتَبُّعه للنصوص العربِيَّة. ويؤكد السيرافي هذا المعنى قائلا: «جعلت العرب لما يعقل في موضع اختصاصا في اللفظ، وفصلت بينه وبين ما لايعقل فيه، لما اختص به ما يعقل بأن يُخاطِب ويخاطَب، ويأمُر ويؤمر، وتُخبِر وتُخبَر عنه، وما لا يعقل ليس له من ذلك إلا الإخبار عنه؛ فجعل لما يعقل تفضيل واختصاص») (٢). ١ ــ لا نستطيع أَنْ ننكر فضل الخليل على تلميذه سيبويه في توجيه نظره إلى أهمِيَّة سياق الحال، وهذا ما لم يجحده سيبويه، ففي أكثر من موضع يلعب فيه السِّياق دورا ما يشير سيبويه إلى الخليل، وقد ذكرنا هذا في مواضع عديدة في هذا الفصل) (٣). ٢ ــ ومما تعلمناه من مجموع النصوص في هذا الفصل أَنَّنا نستطيع أَنْ نوجّه الجملة أي توجيه إذا أمكننا «تصور سياق ما» تقع فيه هذه الجملة، أي أَنَّنا إذا استطعنا أَنْ نقوم بما يمكن أَنْ نسميه بـ «التكييف السِّياقي» لتوجيه ما نستطيع أَنْ نقول به. ٣ ــ في بعض الأحيان يكون المتحكم في التوجيه الإعرابِيّ ما يمكن تسميته بـ «القرينة العقلِيَّة»، وليست قرينة سياق حال ولا قرينة لغوية. مثال ذلك: تقبيح سيبويه قول من يقول: «لا تدنُ من الأسد يأكلْك» بجزم الفعل «يأكلْك»؛ ويكون المعنى في هذه الحالة على الجزاء، أي أَنَّ المعنى المفهوم من الجملة: إذا ابتعدت عن الأسد يأكلك؛ وهذا لا يعقل. يقول: «فإنْ قلت لا تدن من الأسد يأكلك؛ فهو قبيح إِنْ جزمت، وليس

стр. 175

وجه كلام الناس؛ لأَنَّكَ لا تريد أَنْ تجعل تباعده من الأسد سببا لأكله») (١)؛ أي ليس من المعقول أَنَّ جزاء الابتعاد ــ وليس القرب ــ هو الأكل. ٤ ــ يمكن أَنْ نقول ــ ونرجو أَنْ نكون على صواب في هذا ــ إِنَّ سياق الحال قد يُؤَثِّر في ضبط بنية الكلمة. أي أَنَّه قد يغير من ضبط بنية الكلمة الداخلية. مثال ذلك ــ ونأمل أَنْ نكون قد اخترنا الأمثلة المناسبة التي تعبر عن هذا ــ: » إذا اعتبرنا حرف «اللام الجارة») (٢) كلمة لها ضبطها؛ فإِنَّنَا يمكن أَنْ نقول إِنَّ هذا الضبط يتَأَثَّر بسياق الحال، فهذه اللام إذا دَلَّت على «الاستغاثة والتعجب»؛ «فُتِحت هذه اللام»، مثل قول الشاعر: يا لَبَكرٍ أَنشِروا لي كُلَيبًا يا لَبَكرٍ أَينَ أَينَ الفِرارُ [بحر المديد] وهذا الفتح في معنى التعجب والاستغاثة «وإلا لم يجز، ألا ترى أَنَّكَ لو قلت: يا لَزيد وأنت تحدثه لم يجز») (٣). ونقصد مما سبق أَنَّ اللام الجارة لها ضبطان: ضبط بالفتح إذا أتت في سياق دالٍّ على التعجب أو الاستغاثة، وضبط بالكسر في غير سياق دال على تعجب أو استغاثة. » والحرف «إِنَّ» يؤثِّر سياق الحال على فتح همزته وكسرها، وسبق أَنْ أوردنا نصا أوضحنا فيه ذلك عندما ناقشنا «إمكانيَّة سكوت المُتَكَلِّم ودوره في التوجيه الإعرابِيّ») (٤). » تذكير العدد مع المعدود المؤنث، وتأنيثه مع المعدود المذكر دليل على تأثير السِّياق على بنية الكلمة، بل إِنَّنَا في العدد على وزن فاعل نقول «هذا حادي أحد عشر إذا كن عشر نسوةٍ معهن رجل؛ لأَنَّ المذكر يغلب المؤنث») (٥). » ومن أقوال سيبويه المُهِمَّة التي تدل على وجود تأثير للسياق على البنية الصَّرْفِيَّة قوله: «وقد يُجرون الاسم مجرى الصفة والصفة مجرى الاسم») (٦).

стр. 176

هذه المقولة القصيرة تدل على اعتبار سيبويه للسياق حتى وإن لم يصرح بذلك، فهو لن يصل إلى هذه النتيجة بدونه. فالاسم كلمة تدلُّ بذاتها على شيء محسوس أو شيء غير محسوس يعرف بالعقل، وهو في الحالتين لا يقترن بزمن (١). أَمَّا الصفة: فهي ما دَلَّت على معنى وذات، وهذا يشمل اسم الفاعل واسم المفعول، وأفعل التفضيل والصفة المشبهة (٢). وللوقوف على انتقال الكلمة من هذه الطبيعة إلى تلك لا بد من سياق) (٣). ٥ ــ قد يكون التوجيه النَّحْوِيّ جائزًا في سياق مُعَيَّن ولا يجوز نفس هذا التوجيه في سياق آخر. مثال ذلك: إذا اجتمع متحدِّث مع أحد أقاربه أو إخوانه وأراد هذا القريب أو الأخ أَنْ يخبر المتحدِّث عن نفسه أو عن غيره؛ فقال: • أنا عبد الله منطلقًا. • هو زيدٌ منطلقًا. كان هذا الكلام محالا؛ «لأنَّهُ إِنَّمَا أراد أَنْ يخبرك بالانطلاق، ولم يقل هو ولا أنا حتى استغنيت أنت عن التسمية؛ لأَنَّ هو وأنا علامتان للمضمر؛ وإِنَّمَا يضمر إذا علم أَنَّكَ عرفت من يعني») (٤). ولكننا إذا أخذنا هاتين الجملتين ووضعناهما في سياق آخر وقلنا إِنَّ «رجلا كان خلف حائط، أو في موضع تجهله فيه؛ فقلت: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله منطلقا في حاجتك؛ كان حسنا») (٥).

стр. 177

أي أَنَّ نوعية السِّياق وخصوصيته تؤثر على التوجيه الإعرابِيّ. ٦ ــ في بعض التوجيهات النحوِيَّة قد يلتزم التوجيه بحالة إعرابية واحدة أو بعلامة إعرابية واحدة، ويكون سبب التوجيه مختلف لاختلاف سياق الحال الذي يمكن أَنْ تقال فيه الجملة. ينطبق هذا على هذه الأمثلة التي ناقشها سيبويه في أحد المواضع: » سير عليه سيرًا. » انطُلِقَ به انطلاقًا. » ضرب به ضربًا. فالكلمات «سيرًا، انطلاقًا، ضربًا» تنصب على وجهين: على أنَّها حال، أو على أنَّها مفعولا مطلقا، يقول سيبويه: «ومما يجئ توكيدًا وينصب قوله: سير عليه سيرا، وانطلق به انطلاقا، وضرب به ضربا؛ فينصب على وجهين: أحدهما حال ... ، وإن شئت نصبته على إضمار فعل آخر») (١). ولا شك أَنَّ مقام أو موقف الهيئة الذي تعبر عنه الحال غير سياق المفعول المطلق. ونلاحظ في النَّصّ السابق أَنَّ سيبويه يجعل «الحال والمفعول المطلق» من الوسائل التي قد يأتى بها للتوكيد، كما قال في بداية النَّصّ، ولا شك أنهما يختلفان في المؤكد، فالحال تؤكد هيئة صاحب الحال، والمفعول المطلق يؤكد عامله. ونلاحظ أيضا أَنَّ التفسير السِّياقي المناسب مرتبط بمشيئة المُتَكَلِّم وإرادته. ويفهم ثالثا أَنَّ مجئ المصدر حال يصح في أي موضع. ولكن النُّحَاة يقيدون هذه العمومية بقولهم: «يمكن للمصدر أَنْ يكون حالا إذا تضمن معنى الوصف)؛ أي: معنى المشتق (بحيث تقوم قرينة تدل على هذا») (٢). ٧ ــ نؤكد هنا للمَرَّة الثانية أَنَّ سيبويه يتقيد في معظم توجيهاته الإعرابِيّة بما قالته العرب. أكد على هذا في مواضع منها: «فإنْ قلت: ضُرِبَ زَيدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، جاز على أَنْ يكون بدلا، وأَن يكون توكيدا. وإنْ نصبته لم يحسن؛ لأَنَّ الفعل إِنَّمَا أُنْفِذَ في هذه الأسماء خاصة إلى المنصوب إذا حذفتَ منهُ حرف الجرّ، إلاّ أَنْ تَسمعَ العربَ تقول فى غيره، وقد سَمعناهم يقولون: مَطَرَتهُمْ ظهرًا وبطنا») (٣). ونشير هنا مع هذا التأكيد إلى أَنَّ كل التوجيهات النحوِيَّة ليست عند سيبويه على درجة واحد من القوة فبعضها قوي وبعضها ضعيف تبعا لتردد هذا التوجيه في نصوص

стр. 178

اللُّغَة) (١)، كما علمنا من دراستنا لمنهجه. كما نثبت هنا أيضا أَنَّ من المبادئ التي سار عليها في توجيهه أَنَّهُ من الأفضل «ألا يُلجَأُ إلى توجيه نحوي يحتاج إلى تأويل ما دام هناك توجيه لا يحتاج إليه») (٢).

стр. 179

الفصل الثالث دور السِّياق في التَّقْعِيد النَّحْوِيّ عند سيبويه ويشمل المباحث التالية: - المبحث الأول: السِّياق والجملة الاسمِيَّة. - المبحث الثاني: السِّياق والجملة الفعلِيَّة. - المبحث الثالثالسِّياق والتوابع. - المبحث الرابع: السِّياق والأساليب النحوِيَّة. - المبحث الخامس: السِّياق والأدوات النحوِيَّة. - المبحث السادس: سياق الحال والتنوين والتنكير والتعريف.

стр. 180

الفصل الثالث: دور السِّياق في التَّقْعِيد النَّحْوِيّ عند سيبويه أشرنا في الفصل الأول إلى أَنَّ سيبويه كان يقوم بتوجيهاته الإعرابِيّة وتقعيداته النحوِيَّة من خلال النصوص الحَيَّة المنطوقة، وأنَّ سيبويه كان يراعي السِّياق في التوجيه والتَّقْعِيد. وأوضحنا أَنَّ المُتَكَلِّم والمخاطب أبرز عناصر السِّياق التي اهتَمَّ بها. وبما قررناه في هذا الفصل نكون قد أثبتنا علاقة سياق الحال بالكتاب وصاحبه. وكان لزاما علينا أَنْ نقف على منهج سيبويه في كتابه لكي نقف على كيفيَّة سريان هذه العلاقة، وكيف فعَّلَ سيبويه السِّياق في تقعيده وتوجيهه. فكان هذان المبحثان بمثابة تمهيد نظري للفصول التي ستليه، فأتي الفصل الثاني يمثِّل الجانب التطبيقيّ لسياق الحال وأثره في التوجيه الإعرابِيّ. ثُمَّ ها نحن أولاء أمام الفصل الثالث الذي يمثل الجانب التطبيقي الثاني، وفيه سنتناول ونوضح علاقة سياق الحال بالتقعيد النحوي عند سيبويه، وسنرى ــ بإذن الله ــ كيف لعب السِّياق دورًا مهما في التَّقْعِيد النَّحْوِيّ عنده. وتجدر الإشارة هنا أَنَّ معظم كلامنا هنا سيكون مرتبطا بسياق الحال على وجه الخصوص. وينبغي التوضيح والتأكيد أيضا على أَنَّنا سرنا على الخطة التالية في جمع مادة هذا الفصل، وهي أَنَّهُ قد تمَّ جمعُ كلَّ المواضع التي لوحظ فيها تأثيرٌ لسياق الحال على القاعدة النحوِيَّة، وبعد جمعها صُنِّفتْ إلى المجموعات التالية: أمادة تخصُّ الجملة الاسمِيَّة. ب مادة تخصُّ الجملة الفعلِيَّة. ت مادة تخصُّ التوابع. ث مادة تخصُّ الأساليب. ج مادة تخصُّ الأدوات النحوِيَّة. ح مادة تخص التعريف والتنكير. وبالطبع فَإِنَّ داخل كل مجموعة بعض التفريعات التي تخصُّها. ***
следующие страницы →