← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 132406

قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويه

إيهاب سلامة

Полный текст (384 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

هذه المقولة القصيرة تدل على اعتبار سيبويه للسياق حتى وإن لم يصرح بذلك، فهو لن يصل إلى هذه النتيجة بدونه. فالاسم كلمة تدلُّ بذاتها على شيء محسوس أو شيء غير محسوس يعرف بالعقل، وهو في الحالتين لا يقترن بزمن (١). أَمَّا الصفة: فهي ما دَلَّت على معنى وذات، وهذا يشمل اسم الفاعل واسم المفعول، وأفعل التفضيل والصفة المشبهة (٢). وللوقوف على انتقال الكلمة من هذه الطبيعة إلى تلك لا بد من سياق) (٣). ٥ ــ قد يكون التوجيه النَّحْوِيّ جائزًا في سياق مُعَيَّن ولا يجوز نفس هذا التوجيه في سياق آخر. مثال ذلك: إذا اجتمع متحدِّث مع أحد أقاربه أو إخوانه وأراد هذا القريب أو الأخ أَنْ يخبر المتحدِّث عن نفسه أو عن غيره؛ فقال: • أنا عبد الله منطلقًا. • هو زيدٌ منطلقًا. كان هذا الكلام محالا؛ «لأنَّهُ إِنَّمَا أراد أَنْ يخبرك بالانطلاق، ولم يقل هو ولا أنا حتى استغنيت أنت عن التسمية؛ لأَنَّ هو وأنا علامتان للمضمر؛ وإِنَّمَا يضمر إذا علم أَنَّكَ عرفت من يعني») (٤). ولكننا إذا أخذنا هاتين الجملتين ووضعناهما في سياق آخر وقلنا إِنَّ «رجلا كان خلف حائط، أو في موضع تجهله فيه؛ فقلت: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله منطلقا في حاجتك؛ كان حسنا») (٥).

стр. 177

أي أَنَّ نوعية السِّياق وخصوصيته تؤثر على التوجيه الإعرابِيّ. ٦ ــ في بعض التوجيهات النحوِيَّة قد يلتزم التوجيه بحالة إعرابية واحدة أو بعلامة إعرابية واحدة، ويكون سبب التوجيه مختلف لاختلاف سياق الحال الذي يمكن أَنْ تقال فيه الجملة. ينطبق هذا على هذه الأمثلة التي ناقشها سيبويه في أحد المواضع: » سير عليه سيرًا. » انطُلِقَ به انطلاقًا. » ضرب به ضربًا. فالكلمات «سيرًا، انطلاقًا، ضربًا» تنصب على وجهين: على أنَّها حال، أو على أنَّها مفعولا مطلقا، يقول سيبويه: «ومما يجئ توكيدًا وينصب قوله: سير عليه سيرا، وانطلق به انطلاقا، وضرب به ضربا؛ فينصب على وجهين: أحدهما حال ... ، وإن شئت نصبته على إضمار فعل آخر») (١). ولا شك أَنَّ مقام أو موقف الهيئة الذي تعبر عنه الحال غير سياق المفعول المطلق. ونلاحظ في النَّصّ السابق أَنَّ سيبويه يجعل «الحال والمفعول المطلق» من الوسائل التي قد يأتى بها للتوكيد، كما قال في بداية النَّصّ، ولا شك أنهما يختلفان في المؤكد، فالحال تؤكد هيئة صاحب الحال، والمفعول المطلق يؤكد عامله. ونلاحظ أيضا أَنَّ التفسير السِّياقي المناسب مرتبط بمشيئة المُتَكَلِّم وإرادته. ويفهم ثالثا أَنَّ مجئ المصدر حال يصح في أي موضع. ولكن النُّحَاة يقيدون هذه العمومية بقولهم: «يمكن للمصدر أَنْ يكون حالا إذا تضمن معنى الوصف)؛ أي: معنى المشتق (بحيث تقوم قرينة تدل على هذا») (٢). ٧ ــ نؤكد هنا للمَرَّة الثانية أَنَّ سيبويه يتقيد في معظم توجيهاته الإعرابِيّة بما قالته العرب. أكد على هذا في مواضع منها: «فإنْ قلت: ضُرِبَ زَيدٌ اليَدُ والرِّجْلُ، جاز على أَنْ يكون بدلا، وأَن يكون توكيدا. وإنْ نصبته لم يحسن؛ لأَنَّ الفعل إِنَّمَا أُنْفِذَ في هذه الأسماء خاصة إلى المنصوب إذا حذفتَ منهُ حرف الجرّ، إلاّ أَنْ تَسمعَ العربَ تقول فى غيره، وقد سَمعناهم يقولون: مَطَرَتهُمْ ظهرًا وبطنا») (٣). ونشير هنا مع هذا التأكيد إلى أَنَّ كل التوجيهات النحوِيَّة ليست عند سيبويه على درجة واحد من القوة فبعضها قوي وبعضها ضعيف تبعا لتردد هذا التوجيه في نصوص

стр. 178

اللُّغَة) (١)، كما علمنا من دراستنا لمنهجه. كما نثبت هنا أيضا أَنَّ من المبادئ التي سار عليها في توجيهه أَنَّهُ من الأفضل «ألا يُلجَأُ إلى توجيه نحوي يحتاج إلى تأويل ما دام هناك توجيه لا يحتاج إليه») (٢).

стр. 179

الفصل الثالث دور السِّياق في التَّقْعِيد النَّحْوِيّ عند سيبويه ويشمل المباحث التالية: - المبحث الأول: السِّياق والجملة الاسمِيَّة. - المبحث الثاني: السِّياق والجملة الفعلِيَّة. - المبحث الثالثالسِّياق والتوابع. - المبحث الرابع: السِّياق والأساليب النحوِيَّة. - المبحث الخامس: السِّياق والأدوات النحوِيَّة. - المبحث السادس: سياق الحال والتنوين والتنكير والتعريف.

стр. 180

الفصل الثالث: دور السِّياق في التَّقْعِيد النَّحْوِيّ عند سيبويه أشرنا في الفصل الأول إلى أَنَّ سيبويه كان يقوم بتوجيهاته الإعرابِيّة وتقعيداته النحوِيَّة من خلال النصوص الحَيَّة المنطوقة، وأنَّ سيبويه كان يراعي السِّياق في التوجيه والتَّقْعِيد. وأوضحنا أَنَّ المُتَكَلِّم والمخاطب أبرز عناصر السِّياق التي اهتَمَّ بها. وبما قررناه في هذا الفصل نكون قد أثبتنا علاقة سياق الحال بالكتاب وصاحبه. وكان لزاما علينا أَنْ نقف على منهج سيبويه في كتابه لكي نقف على كيفيَّة سريان هذه العلاقة، وكيف فعَّلَ سيبويه السِّياق في تقعيده وتوجيهه. فكان هذان المبحثان بمثابة تمهيد نظري للفصول التي ستليه، فأتي الفصل الثاني يمثِّل الجانب التطبيقيّ لسياق الحال وأثره في التوجيه الإعرابِيّ. ثُمَّ ها نحن أولاء أمام الفصل الثالث الذي يمثل الجانب التطبيقي الثاني، وفيه سنتناول ونوضح علاقة سياق الحال بالتقعيد النحوي عند سيبويه، وسنرى ــ بإذن الله ــ كيف لعب السِّياق دورًا مهما في التَّقْعِيد النَّحْوِيّ عنده. وتجدر الإشارة هنا أَنَّ معظم كلامنا هنا سيكون مرتبطا بسياق الحال على وجه الخصوص. وينبغي التوضيح والتأكيد أيضا على أَنَّنا سرنا على الخطة التالية في جمع مادة هذا الفصل، وهي أَنَّهُ قد تمَّ جمعُ كلَّ المواضع التي لوحظ فيها تأثيرٌ لسياق الحال على القاعدة النحوِيَّة، وبعد جمعها صُنِّفتْ إلى المجموعات التالية: أمادة تخصُّ الجملة الاسمِيَّة. ب مادة تخصُّ الجملة الفعلِيَّة. ت مادة تخصُّ التوابع. ث مادة تخصُّ الأساليب. ج مادة تخصُّ الأدوات النحوِيَّة. ح مادة تخص التعريف والتنكير. وبالطبع فَإِنَّ داخل كل مجموعة بعض التفريعات التي تخصُّها. ***

стр. 181

المبحث الأول: سياق الحال والجملة الاسمِيَّة: سنناقش هنا تأثير سياق الحال على الجملة الاسمِيَّة، وسنحاول أنْ نجيب على السؤالين التاليين: ما مدى تأثير سياق الحال على تكوين الجملة الاسمِيَّة؟ وكيف يتحكم في العلاقة بين ركنيها؟ ويمكن أَنْ نناقش تحت هذا العنوان العناوين الفرعِيَّة الآتية: • السِّياق والابتداء بالمعرفة: قبل دراسة كتاب سيبويه توقَّع الباحث تأثيرًا محدودًا لسياق الحال على الجملة الاسمِيَّة، تأثيرٌ قد يوجد مثلا في تقديم الخبر على المبتدأ، أو في حذف أحد ركنيها. ولكن ما لم يتوقَّعه الباحث أَنْ يصل تأثير سياق الحال على الجملة الاسمِيَّة برمتها وجودًا وعدمًا، وأنَّه يتحكَّم في وجودها وكينونتها وذاتها. هذا ما تقوله نصوص سيبويه، وما أدَّى إليه تحليل هذه النصوص. ففي أحد النصوص الخطيرة والمُهِمَّة لسيبويه يقول: «واعلم أَنَّهُ إذا وقع في هذا البابِ نكرةٌ ومعرفةٌ فالذي تَشْغَلُ به كان المعرفةُ؛ لأنَّهُ حدُّ الكلام؛ لأَنَّهما شيء واحد، وليس بمنزلة قولك: ضرب رجل زيدًا لأَنَّهما شيئان مختلفانِ، وهما في كان بمنزلتهما في الابتداء إذا قلت: عبد الله منطلق، تبتدئ بالأعرف ثُمَّ تَذكر الخبرَ») (١). وقد وقفتُ أمام جملة سيبويه المُهِمَّة «تبتدئ بالأعرف ثُمَّ تذكر الخبر»، وأثارت عندي عدة أسئلة: » من الذي يبتدئ بالأعرف؟ » والأعرف لمَنْ؟ » وألا تقتضي هذه الجملة أَنْ يكون هناك «شيء معروف» بين طرفين. » ولماذا استخدم صيغة التفضيل «الأعرف». والإجابة المنطقية العقلِيَّة البديهيَّة لهذه الأسئلة أَنَّ الذي يبتدئ بالأعرف هو المُتَكَلِّم، وأَنْ يتَّجه بكلامه إلى مخاطَب، وأنَّ المُتَكَلِّم إذا أراد أَنْ يبدأ حديثًا مع المخاطب لا بد أَنْ يبدأ بشيء

стр. 182

«معروف» بينهما لكي يستطيع أَنْ «يبني» عليه الكلام، وينبغي أَنْ يتحرى المُتَكَلِّم أَنْ يبتدئ بأعرف الأشياء بينه وبين المخاطب قدر استطاعته. ومعنى هذا أَنَّ بداية الجملة الاسمِيَّة مرتبطة بالمُتَكَلِّم وإرادته، وهو الذي يكسبها مشروعيَّة وجودها بأن يبدأها بـ «شيء معروف» بينه وبين المخاطب. ويعني هذا أيضا أَنَّ صحَّة الجملة الاسمِيَّة مشروطة بأن يكون «مبتدؤها» معروفًا بين المُتَكَلِّم والمخاطب، أي أَنَّ الجملة الاسمِيَّة لكي تقع صحيحة يجب أَنْ يبدأ المُتَكَلِّم بما هو معروف بينه وبين المخاطب، ولا بد أَنْ تكونَ هناك نقطة لقاء معرفية بين المُتَكَلِّم والمخاطب لكي يمتدَّ الكلامُ وتتكوَّن الجمل التالية) (١). وهنا سؤال مُهِمّ هو: ألا يتدخَّل سياقُ الحال في هذه المعرفة بين المُتَكَلِّم والمخاطب؟ ! وهل يُعقَلُ أَنْ يبدأ المُتَكَلِّم كلاما بـ «شيء معروف» يعرفه المُتَكَلِّم والمخاطب بدون أَنْ يكون هناك «رابط سِياقِيّ ما» يربط المُتَكَلِّم بالمخاطب سلفا؟ ! وهل يُعقَل على سبيل المثال أَنْ يُوقف أحدُ الأشخاص شخصا في الطريق لا يعرفه ولا توجد بينهما سابق معرفة، ولم ير الأول الثاني قط، ثُمَّ يقول الأول للثاني: «عبد الله نجح»، أو «الطعام لذيذ»؟ ! إِنَّ هذا لا يُعقل، وسيظنّ الشخص الثاني أَنَّ الأول صاحب السؤال مجنونا يهذي. إن المُتَكَلِّم الذي يريد أَنْ يُنْشِئ «اتصالا» بينه وبين المخاطب لا بدَّ أَنْ تكونَ لديه «الإرادة والدافع» لإنشاء هذا الاتصال، ولكي ينجح هذا الاتصال يجب أَنْ يبدأ المُتَكَلِّم بنقطة لقاء معرفية بينه وبين المخاطب، ونقطة اللقاء المعرفيَّة هذه يتدخل السِّياق في تحديدها؛ فمثلا عندما يضم «مسجدٌ» مجموعة من روّاده لا يعرف بعضهم بعضا لحضور «محاضرة علمِيَّة» لأحد العلماء، وبعد انتهاء المحاضرة قال أحد الحاضرين لباقي المجموعة: «المحاضرة جَيِّدة». فكون هذه المجموعة في «مسجد» يتلقَّون «محاضرة» يمثل هذا كله سياقا يُمَكِّنُ أحدَهم من أَنْ يختار «مبتدأ» يشترك الجميع في معرفته، هو «المحاضرة» ويخبر عنه بخبر هو «جَيِّد»، وتتقبَّل باقي المجموعة هذا الخبر، ويجعله السِّياق مستساغا مقبولا. ولو قام نفس الشخص قائل العبارة بقول نفس العبارة خارج المسجد لأحد الأشخاص لاستنكرت عليه هذه الجملة. ولَعلَّ هذا ما يجعل كاتب المقال الصحفي، أو من يكتب كتابا يضع له عنوانا، يكون بمثابة نقطة اللقاء المعرفيَّة المشتركة بين كاتب المقال أو الكتاب وقارئه، ويكون المقال ذاته أو الكتاب عينه بمثابة الخبر لهذا المبتدأ.

стр. 183

إننا نعتقد أَنَّ سياق الحال حاضر في بداية تكوين الجملة الاسمِيَّة متمثِّلا في المُتَكَلِّم وإرادته الواعية التي تختار ما يبدأ به كلاما مفهوما يتواصل به مع المخاطب، ومتمثِّلا أيضا في تهيئته لقدر من المعرفة مشترك بين المُتَكَلِّم والمخاطب. ولا يقتصر الأمر على مجرد تهيئة هذا القدر من المعرفة، بل لا بدَّ أَنْ يكون هذا القدر من المعرفة هو «الأعرف» بين المُتَكَلِّم والمخاطب؛ فكلمة «الأعرف» التي أتت في نصّ سيبويه السابق توحي بأنه يجب على المُتَكَلِّم أَنْ يجتهد في الابتداء بما هو «أعرف» بينه وبين المخاطب، وأن يتحرَّى ذلك، ولا يكون على صواب إذا بدأ بما هو «معروف» وترك «الأعرف»؛ لأَنَّ هذا ينعكس سلبا على وضوح الجملة. ومما يؤكد أيضا أَنَّ الكلام يجب أَنْ يبنى على ما هو معروف بين المُتَكَلِّم والمخاطب أَنَّنا لا يجوز أَنْ نستخدم الضمائر في المرحلة الأولى من الكلام؛ لأَنَّ الإضمار يأتي بعد ذكر. ومما يدعم هذه النتيجة وهي أَنَّ سياق الحال يتدخَّل في اختيار المبتدأ وبداية تكوين الجملة الاسمِيَّة هذا النَّصّ المهم الذي ذكره سيبويه في باب النداء: «وإِنَّمَا فعلوا هذا بالنداء لكثرته في كلامهم؛ ولأَنَّ أول الكلام أبدًا النداء؛ إلا أَنْ تدعه استغناءً بإقبال المخاطب عليك، فهو أول كل كلام لك به تعطف المُكَلَّم عليك، فلمّا كثر وكان الأول في كل موضع؛ حذفوا منه تخفيفا؛ لأنَّهم ممَّا يُغَيِّرون الأكثر في كلامهم») (١). إن أول الكلام أبدًا النداء، والنداء يتطلب متكلِّما ومخاطَبا، وحتما يجب أَنْ يكون هناك موقف يقال فيه النداء. وبالنداء يعطف المُتَكَلِّم المخاطب عليه؛ أي يطلب منه الانتباه لما سيقوله وقد يستغنى عن النداء إذا كان المخاطب مقبلا على المُتَكَلِّم وتخفيفا في الكلام. ثُمَّ بعد ذلك يبدأ المُتَكَلِّم في إنشاء الكلام الذي يكون في الغالب جملة اسمية) (٢). إِنَّ هذا النَّصّ هو الآخر يثبت بما لا يدع مجالا للشك أَنَّ لسياق الحال تأثيرا واضحا على الجملة الاسمِيَّة.

стр. 184

وعَلَّمَنا سيبويه في نصوص كثيرة أَنَّ حالة الرفع ترتبط بما هو ثابت ومستقر في نفس المُتَكَلِّم؛ فقال في أحد هذه النصوص: «فإذا رفعت) على الابتداء (فالذي في نفسك ما أظهرت») (١). ويذكر في نصّ ثان عند مناقشته للجمل: «سلامٌ عليك، وخيرٌ بين يديك، وويلٌ لك، وويسٌ لك، وويلةٌ لك، وعولةٌ لك ... » أَنَّ المصادر والأسماء في بداية هذه الجمل مبتدأ، مبني عليها ما بعدها، والسبب أَنَّ «المعنى فيهن أَنَّكَ ابتدأت شيئا قد ثبت عندك، ولست في حالة حديثك تعمل في إثباتها وتزجيتها») (٢)؛ أي أَنَّ ما سوغ مجئ المبتدأ نكرة ورفعه في الجمل السابقة أَنَّ المُتَكَلِّم ابتدأ شيئا «قد ثبت عنده»؛ أي شيء معروف عنده، وتتجه إرادة المُتَكَلِّم إلى أَنْ يبني عليه خبرا يتَّجه به إلى المخاطب، ولكي ينجح في هذا يجب أَنْ يكون ما يعرفه معروفا عند المخاطب أيضا. إذن فحالة الرفع عامة ــ كما لاحظ سيبويه من خلال استقرائه وتتَبُّعه للتراكيب اللُّغَوِيَّة في السِّياقات المختلفة ــ مرتبطة بما يدور في نفس المُتَكَلِّم، وما هو ثابت فيها. وكون المبتدأ مرفوع؛ فهو يدخل ضمن هذه القاعدة، وهذا دليل آخر على تأثير سياق الحال على الجملة الاسمِيَّة من أساسها. ومن لطيف إشارات العلماء إشارتهم إلى الفرق بين النصب والرفع، ففي «النصب إشعارًا بالفعل، وفي صيغة الفعل إشعار بالتجدد والطرو، ولا كذلك الرفع، فإِنَّهُ إِنَّمَا يستدعى اسما: ذلك الاسم صفة ثابتة») (٣). ويظهر هنا سؤال مُهِمّ آخر: ماذا يحدث لو بدأ المُتَكَلِّم بما هو «ليس معروفًا عند المخاطب»؟ والسؤال بطريقة أخرى: ما الذي يترتب على بدء الجملة الاسمِيَّة بـ «نكرة»؟ الإجابة عن هذا السؤال تقول: إِنَّ البدء بما ليس معروفا أو البدء بنكرة سيؤدي إلى «اللَّبس» وعدم تَحَصُّل الفائدة من الكلام. وهذا ما يبينه سيبويه في نصّ واضح وصريح يقول فيه: «فإنْ قلتَ كان حليم أو رجلٌ فقد بدأْتَ بنكرةٍ، ولا يستقيم أَنْ تُخبِرَ المخاطَبَ عن المنكور، وليس هذا بالذي يَنْزِلُ به المخاطَبُ منزلتَك في المعرفة، فكرهوا أَنْ يَقْرَبوا بابَ لبْسِ») (٤).

стр. 185

ويعلق السيرافي بكلام مُهِمّ على هذا النَّصّ قائلا: «إِنَّ ابتداءك بالنكرة لتحدث عنها غير مستقيم؛ لأَنَّ المخاطب ليس ينزل منزلتك في معرفتها. وحكم الخطاب المفهوم أَنْ يساوِي المخاطب المُتَكَلِّم في معرفة ما خبره به، فإذا قال: كان زيدٌ عالمًا؛ فقد كان المخاطب عالمًا بزيد من قبل، وقد عرف علمه الآن؛ لإخبار المُتَكَلِّم إياه، فقد ساواه في الأمرين جميعًا، وإذا قال: كان عالمٌ زيد؛ فعالم منكور لا يعرفه المخاطب، ولم يجعله خبرا فيقيده، وقد قدمنا أَنَّ الأسماء لا تستفاد، فمعرفة المخاطب بعالم غير واقعة، فلم يساو المخاطبُ المُتَكَلِّم إذن؛ لأَنَّ المنكور في الإخبار ما لا يعرفه المخاطب، وإن كان المُتَكَلِّم قد رآه وعرَّفه») (١). إن البدء بنكرة يعني عدم تحديد نقطة معرفية تصلح لبناء الكلام عليها، وما يأتي بعد هذه النكرة لغو لا فائدة فيه للمخاطب. إِنَّ الهدف من الجملة الاسمِيَّة وخبرها أَنَّ المُتَكَلِّم يريد أَنْ ينقل «فائدة» عن «شيء مُحَدَّد ومعروف» للمخاطب، وأنَّ المُتَكَلِّم يريد أَنْ يساوي بينه وبين المخاطب في الفائدة التي يعرفها عن هذا الشيء المُحَدَّد، فإذا بدأ المُتَكَلِّم بنكرة؛ ضاعت هذه الفائدة، ولم يستطع المخاطب أَنْ يضعها في موضعها المناسب ولا أَنْ يستفيد بها. فما الفائدة التي تعود على المخاطب عندما نبدأ بكلمة «رجلٌ» النكرة في قولنا: «رجلٌ يأكل»، فمن الطبيعي والمنطقي أَنَّ أي رجل يأكل، فهذه الجملة وأشباهها لا تحمل أَيَّة فائدة للمخاطب؛ لأَنَّ الاسم النكرة كلمة تطلق على جنس يشمل أفرادًا كثيرين، فأي منهم ستُناطُ به الفائدة التي سيقولها المُتَكَلِّم. يقول سيبويه: «ولا يبدأ بما يكون فيه اللَّبس، وهو النكرة. أَلا ترى أنَّك لو قلت: كان إنسانٌ حليمًا أو كان رجل منطلقًا، كنتَ تُلْبسُ؛ لأنَّهُ لا يُستنكَرُ أَنْ يكون في الدنيا إنسانٌ هكذا، فكرهوا أَنْ يَبْدَءوا بما فيه اللَّبس ويَجعلوا المعرفة خبرًا لما يكون فيه هذا اللَّبس») (٢). إذن فالأساس الذي عليه تبنى الجملة الاسمِيَّة هو ألا تُبدأ بنكرة بحال من الأحوال، إلا إذا تم «تضييق دائرة التنكير والعمومية» التي تكون في النكرة، و «تقع الفائدة للمخاطب») (٣). ومن الحالات التي تضيق فيها دائرة التنكير والعمومية، أَنْ تقع النكرة في سياق نفي، كما يشير إلى ذلك سيبويه

стр. 186

في باب «تخبر فيه عن النّكرِة بنكرة» قائلا: «وإنّما حَسُنَ الإخبارُ ههنا عن النكرة حيث أردت أَنْ تَنفِىَ أَنْ يكون في مثل حاله شئٌ أو فوقه، ولأَنَّ المخاطَبَ قد يحتاج إلى أَنْ تُعْلِمهَ مثلَ هذا») (١). ومما هو جدير بالذكر هنا أَنَّ النُّحَاة بعد سيبويه أوصلوا مواضع النكرة المفيدة حين تقع مبتدأ إلى نحو أربعين موضعًا. تلك المواضع المتعددة جعلت بعض النحاة يضع ضابطا كليا لها. نقل الصبَّان في حاشيته القول في ذلك فذكر: «لم يعتنوا بتعديد الأماكن التي يسوغ الابتداء فيها بالنكرة، وإنما ذكروا ضابطًا كليًا وهو أنَّه متى حصلت الفائدة جاز الإخبار عن النكرة») (٢). ويعلق الأستاذ عباس حسن على هذا العدد الكبير من المواضع بقوله: «ولا حاجة بنا إلى احتمال العناء في سردها، واستقصاء مواضعها، ما دام الأساس الذي تقوم عليه هو «الإفادة»، فعلى هذا الأساس وحده يرجع الحكم على صحة الابتداء بالنكرة أو عدم صحته، من غير داع لحصر المواضع أو عدها») (٣). ثُمَّ أضاف ــ ﵀ ــ كلاما نفيسا في الحاشية ذات الرقْم ١ من ١/ ٤٨٦ حيث قال: «وكذلك فعل سيبويه والمتقدمون؛ ولهذا يرى بعض النُّحَاة ــ بحق ــ أَنَّهُ لا داعي لهذا الشرط) شرط الإفادة (؛ لأنَّهُ مفهوم بداهة؛ إذ لا يتكلم عاقل بغير ما يفيد وإلا عرض نفسه وكلامه للحكم عليه بما لا يرضاه. أَمَّا المتأخرون فتوقعوا أَنْ يخطئ كثيرٌ مواضع الإفادة؛ فحاولوا أَنْ يدلوهم عليها؛ بحصر مواضعها». إن كلام الأستاذ عباس حسن هنا يؤكد وجهة النظر التي ذُكِرت سلفا وهي أَنَّ سياق الحال يسيطر على الجملة الاسمِيَّة من أساسها، ويؤثِّر فيها بشِدَّة. فالمُتَكَلِّم العاقل يجب أَنْ يحدد مبتدأ معرفة يُنيط به الفائدة التي يريد أَنْ ينقلها إلى المخاطب. ولا ننسى ونحن في غمرة حديثنا عن المبتدأ وعلاقة سياق الحال به أَنْ نتحدَّث عن الجزء المتمِّم له ونقصد به الخبر. فمن الأمور التي حرص سيبويه على إيضاحها وتأكيدها علاقة التلازم بينهما، وإشارته إلى أَنَّهُ لا وجود لأحدهما بدون الآخر، وأنَّه لا يستغني أحدهما عن الآخر. قال سيبويه في باب «المسند والمسند إليه»: «وهما ما لا يَغْنَى) أو يستغني (واحد منهما عن الآخر، ولا يجد المُتَكَلِّم منه بدًّا، فمن ذلك الاسم والمبني عليه») (٤).

стр. 187

هذا التلازم بينهما ضروري لكليهما؛ فالمبتدأ لا يكون مبتدأ إلا إذا وُجِد ما يبنى عليه، والخبر لا يكون حتى يعتمد على المبتدأ، يقول: - «إنك إذا ابتدأت الاسم فَإِنَّما تبتدئه لما بعده، فإذا ابتدأت فقد وجب عليك مذكور بعد المبتدأ لا بد منه؛ وإلا فسد الكلام ولم يسغ لك») (١). - «فالمبتدأ كل اسم ابتدئ؛ ليبنى عليه كلامٌ، والمبتدأ والمبني عليه رفع. فالابتداء لا يكون إلا بمبني عليه») (٢). - «الابتداء إِنَّمَا هو خبر») (٣). - «ألا ترى أَنَّ «مِنْ زيدٍ» لا يكون كلامًا حتى يكون معتمدًا على غيره») (٤). - «وإذا جعلت «هذا زيدٌ» اسم رجل فهو يحتاج في الابتداء وغيره إلى ما يحتاج إليه زيد ويستغني كما يستغني») (٥). ومن أقوال السيرافي التي ذكرها في بعض مواضع شرحه مبينا أهمِيَّة الخبر للمبتدأ قوله: «فائدة الإفادة من المُتَكَلِّم للمخاطب في الخبر. ولو جُعِلَ الاسم نكرة والخبر معرفة والاسم لا يستفيده المخاطب لم يصر المخاطب بمنزلة المُتَكَلِّم في معرفة ما أفاده») (٦). من خلال هذه النصوص يؤكد سيبويه على أَنَّ المبتدأ يستمد شرعية وجوده من وجود الخبر، فلا بدَّ من وجوده لكي يوجد. ويُغري المقام هنا ببعض الاستطراد المهم والمفيد الذي يُزيد الصورة إيضاحًا وعمقًا قبل الاستمرار في الحديث عن الخبر. في استطرادنا هنا نشير إلى أَنَّ فكرة الابتداء بالمعرفة و«وجوبيّة» ارتباطه بـ «الخبر» لكي تكتمل «الجملة» ليست فكرة مقصورة على اللُّغَة العربِيَّة وحدها بل نعتقد أنَّها موجودة في كثير من اللغات إِنْ لم تكن جميعها.

стр. 188

فمثلا تحدِّثنا كتب قواعد اللُّغَة الإنجليزية عن «الجملة Sentence» ومكوناتها، فتذكر أنَّها ــ أي الجملة ــ هي التي تعبِّر عن «فكرة مكتملة A complete thought») (١) . ومن البديهيّ أَنَّ الفكرة المكتملة لكي يفهمها المخاطب أو السامع يجب على المُتَكَلِّم أَنْ يبدأ بـ ((شيء)) معروف بينه وبين السامع أو المخاطب ضربة لازب. وتضيف كتب قواعد الإنجليزية أَنَّه لكي يتمَّ التعبير عن ((فكرة مكتملة)) فلزاما أَنْ تكون الجملة مكونة من عنصرين: الأول: «Subject) (٢) الموضوع أو المسند إليه» مدار الكلام أو الحديث وهو «الذي يخبرنا ما أو لمن يتحدَّث المُتَكَلِّم». والثاني: «Predicate المحمول أو المسند أو الخبر»، وهو «جزء الجملة الذي يصنع تعبيرا أو بيانا عن المسند إليه The predicate is the part of the sentence that makes a statement about the subject») (٣) . إن التلازم بين المبتدأ والخبر لكي تتكون الجملة موجود في اللغتين على الرغم من اختلاف العائلة اللغوية التي تنتمي إليها كلتا اللغتين، فالعربية تنتمي إلى مجموعة اللغات السامية واللغة الإنجليزية تنتمي إلى مجموعة اللغات الهندية الأوربية INDO- EUROPEAN . ووجود فكرة الابتداء والخبرِيِّة في كلتا اللغتين العربِيَّة والإنجليزية ــ وهي ولا بدّ موجودة في كثير من اللغات إِنْ لم تكن فيها كلِّها ــ قد تدعم بشكل ما فكرة «النحو العالمي Universal Grammar» التي نادى به العالم اللغويّ تشومسكي. نعود إلى الخبر في العربِيَّة ونكمل تجلية بقية الحقائق عنه من خلال نصوص عبقري اللُّغَة سيبويه. نقول إِنَّ سياق الحال يتدخل من خلال أحد عناصره: المخاطب في تحديد الخبر. فمن خلال إمكانيَّة سكوت المخاطب نعلم أَنَّ الخبر قد ظهر في الجملة وأنَّه ارتبط بالمبتدأ وحمل الفائدة التي وصلت إلى المخاطب وفهمها فسكت. فإذا لم يصح سكوت المخاطب كان هذا إيذانًا بعدم ظهور الخبر وهذا يعني عدم وصول الفائدة للمخاطب، ويعني أيضًا أَنَّ المبتدأ لم يكتمل وجوده. يقول:

стр. 189

«ألا ترى أنَّك تقول سبحان الله، من هو وما هو! فهذا استفهام فيه معنى التعجب. ولو كان خبرًا لم يجز ذلك؛ لأنَّهُ لا يجوز في الخبر أَنْ تقول: من هو، وتسكت») (١). وقد يصح سكوت المُتَكَلِّم بدون وجود خبر في الجملة وذلك لأَنَّ سياق الحال يتكفل بتحديد هذا الخبر للمخاطب، أي أَنَّ المُتَكَلِّم لم يذكر الخبر لعلمه أَنَّ سياق الحال سيُمَكِّنُ المخاطبَ من تحديده، يقول سيبويه في: «هذا باب ما يَحسن عليه السكوتُ في هذه الأحرف الخمسة) إِنَّ وأخواتها (»: « ... ويقول الرجل للرجل: هل لكم أحدٌ إِنَّ الناس ألْبٌ عليكم، فيقول: إِنَّ زيدا، وإنَّ عمرا؛ أي: إِنَّ لنا») (٢). إن سكوت المُتَكَلِّم دليل على وصول فائدة إليه، فائدة لم تكن معلومة لديه من قبل. ولَعلَّ هذا يرتبط بإشارة سيبويه إلى الجملة الاسمِيَّة بأنَّها «جملة واجبة») (٣)، التي تعني عنده أنَّها «جملة خبرِيِّة تحتمل الصدق والكذب») (٤). وفي بعض الأحيان تتضافر بقية مكونات سياق الحال مع المُتَكَلِّم والمخاطب في تحديد الخبر وتحديد دلالته الخبرِيِّة، وفي أَنَّهُ يحمل فائدة للمخاطب. يقول سيبويه: «وتقول: «قد جربتك؛ فوجدتُك أنت أنت». فأنت الأولى مبتدأة والثانية مبنية عليها، كَأَنَّك قلت: فوجدتك وجهُك طليقٌ. والمعنى أَنَّكَ أردت أَنْ تقول: فوجدتك أنت الذي أعرف. ومثل ذلك: أنت أنت، وإن فعلت هذا فأنت أنت، أي فأنت الذي أعرف ... كما تقول: الناس الناس؛ أي: الناس بكل مكان وعلى كل حال كما تعرف») (٥). إن الكلمتين «أنت أنت» قد تكونان في سياق آخر مجرد توكيد لفظي، ولَكِنَّهما في سياق ما مع حسن سكوت المُتَكَلِّم قد تكونان جملة مفيدة تحمل فائدة للمخاطب.

стр. 190

في ختام هذه الجزئيَّة نشير إلى أمر مثير للانتباه هنا ويستحق التسجيل وهو أَنَّهُ من الألفاظ أو المصطلحات التي ذكرها سيبويه في وصفه العلاقة بين المبتدأ والخبر مصطلح «البناء»، فكثيرا ما أشار إلى أَنَّ الخبر «يُبْنَى» أو «مبنيٌّ» على المبتدأ، فقال مثلا في عنوان أحد أبوابه «هذا باب ما يرتفع فيه الخبر لأنَّهُ مبنىٌّ على مبتدأ») (١)، وهذا المصطلح الذي تكرر عدة مرَّات له دلالته عند صاحب الكتاب وله مغزاه، ولم يكن اختياره له اعتباطيا ولا خبط عشواء، تلك الدِّلَالَة وهذا المغزى يتمثل في: - أن البناء لا يكون دفعة واحدة، بل يبدأ بلبنة وبعدها لبنة إلى أَنْ يكتمل البناء، وكذلك الجملة. - كما أَنَّ البناء لا بد أَنْ يكون ثابتا على أرض محدَّدة وذي شكل مُحَدَّد وكذلك الجملة تتطلَّب قدرا مُحَدَّدا من المعرفة تنطلق منه. فالبناء لا يكون في فراغ، ولا على مساحة لا متناهية من الأرض، بل يحتاج البناء إلى مساحة محدَّدة للبناء عليها، والمبتدأ يحتاج إلى أَنْ يكون محددا وليس مطلقا مبهما حتى يتمكَّن المُتَكَلِّم من البناء عليه. - ويتطلب البناء أيضا إرادة واعية حتى تضع تصاميمه وتخرجه بشكل منتظم جميل يسرُّ الناظرين، وكذلك الجملة. - كما أَنَّ الباني لا يبني شيئا بلا هدف ولا غاية وكذلك الجملة يهدف بها المُتَكَلِّم شيئا يبغي تحقيقه) (٢). - والبناء قد يكون طابقا وقد يكون عدة طوابق، ولا يمكن الوصول للطوابق العليا بدون الطوابق السفلى، وكذلك الجملة في معانيها المختلفة؛ فلكي نمر بتلك المعاني العليا السِّياقِيَّة للجملة لابد أَنْ نمرَّ أولا بالمعاني السفلى: معاني الألفاظ المفردة، معاني الأوزان الصَّرْفِيَّة، المعاني النحوِيَّة) (٣).

стр. 191

• الحذف في الجملة الاسمِيَّة وسياق الحال: أشار سيبويه إلى حذف المبتدأ وإضماره) (١)، وفي عبارات واضحة جدا يربط بين إضمار المبتدأ وبين سياق الحال، ويذكر بعض الأمثلة على سياقات حال مختلفة يمكن من خلالها إضمار المبتدأ، وعقد بابا سمَّاه «هذا باب يكون المبتدأ فيه مضمرا، ويكون المبنيُّ عليه مظهرا»، قال فيه: «وذلك أَنَّكَ رأيت صورة شخص فصار آية لك على معرفة الشخص؛ فقلت: عبد الله وربِّي، كَأَنَّك قلت: ذاك عبد الله، أو هذا عبد الله. أو سمعتَ صوتا فعرفتَ صاحبَ الصوت فصار آية لك على معرفته؛ فقلت: زيد وربِّى. أو مسِسْتَ جسدا أو شممت ريحا فقلت: زيد، أو المِسك. أو ذقتَ طعاما فقلت: العسل. ولو حُدِّثتَ عن شمائل رجلٍ فصار آية لك على معرفته لقلت: عبد الله. كَأَنَّ رجلا قال: مررتُ برجل راحم للمساكين بارٍّ بوالديه، فقلت: فلان واللهِ») (٢). وعبارات كهذه من أوضح العبارات التي ربط فيها سيبويه سياق الحال والجملة الاسمِيَّة. » فعندما أرى صورة شخص يشبه صورة شخص آخر، أقول: عبد الله وربِّي؛ أي: هذا يشبه عبد الله، أو هذا عبد الله. » وعندما أسمع صوتا يكون صوته آية) أي: علامة (على صوت آخر نعرفه؛ أقول: زيد وربِّي؛ أي: هذا زيد. » أو مسست جسدا أو شممت ريحا؛ فأقول: زيد أو المسك؛ أي: هذا زيد أو هذا المسك. » أو ذقت طعاما؛ فأقول: العسل؛ أي: إِنَّهُ العسل. » وإذا حدثت عن شمائل رجل فصار هذا علامة على رجل، فأقول: عبد الله؛ أي: إِنَّهُ عبد الله. قال ابن يعيش موضحا الحذف في الجملة الاسمية: «اعلم أن المبتدأ والخبر جملةٌ مفيدةٌ تحصل الفائدةُ بمجموعهما، فالمبتدأ معتمَد الفائدة، والخبرُ محلُّ الفائدة، فلا بدَّ منهما، إلَّا أنَّه قد تُوجَد قرينةٌ لفظيَّة، أو حاليَّة تُغنِي عن النطق بأحدهما؛ فيُحذَف لدلالتها عليه، لأنَّ الألفاظ إنَّما جيءَ

стр. 192

بها للدلالة على المعنى، فإذا فُهم المعنى بدون اللفظ، جاز أن لا تأتي به، ويكون مرادا حكما وتقديرًا. وقد جاء ذلك مَجيئا صالحا، فحذفوا المبتدأ مرة، والخبر أخرى، فممّا حُذف فيه المبتدأ قول المستهِلّ: «الهِلالُ والله» أي: هذا الهلالُ والله، ... ومثله إذا شممتَ ريحا طيِّبة قلت: «المِسكُ والله» أي: هو المسك والله، أو هذا المسك، وكذلك لو رأيت صورة شخص فصار آية لك على معرفة ذلك الشخص، فإذا رأيته بعد قلت: «عبدُ الله وربِّي»، كأنَّك قلت: «ذاك عبد الله»، أو «هذا عبد الله»، وكذلك لو حدثت عن شمائل رجل، ووصف بصفات مثل: مررت برجل راحم المساكين بار بوالديه، فعرف بتلك الأوصاف، فقلت: زيد والله، أي: هو زيد، أو المذكور زيد») (١). • قرينة السِّياق والحال النَّحْوِيّ: تتعدد الاعتبارات التي يمكن أَنْ تُقَسَّمَ الحالُ إليها تعددًا ملحوظًا، من هذه الاعتبارات التي يمكن أَنْ تُقسم إليها: «الاشتقاق والجمود، المعنى، اللزوم والانتقال، التعيين، تحقُّق معناها لصاحبها، الزمن، الإفراد، التعدد». وممّا سوَّغ الحديث هنا عن الحال النَّحْوِيّ مع الجملة الاسمِيَّة أَنَّه في بعض التقسيمات السابقة تأتي فيها الحال خالصة للجملة الاسمِيَّة، وفي بعضها قد تأتي في جملة اسمية أو فعلية؛ لذلك آثرنا أَنْ نناقش المواضع التي رأينا فيها تأثيرا للسياق على الحال النَّحْوِيّ هنا. وبداية نقول لقد اتَّفق العلماء على تعريف الحال؛ فقالوا إِنَّهُ: «فضلةٌ دالَّة على هيئة صاحبه») (٢). أو هي: «وصف أو ما قام مقامه، فضلة مسوق لبيان الهيئة، أو للتوكيد») (٣). ومن العلماء من ربط بين الهيئة والحال بعلاقة تلازمية، فقال: «كلُّ ما دَلَّ على هيئة صحَّ أَنْ يقع حالا») (٤). ولا بدَّ أنَّ الهيئة «صفة غير لازمة»، قال ابن السراج: «والحال إنَّما هي هيئة الفاعل أو المفعول أو صفته في وقت ذلك الفعل المخبر به عنه، ولا يجوز أن تكون تلك الصفة إلا صفةً متصفة غير ملازمة. ولا يجوز أن تكون خلقة، لا يجوز أن تقول: جاءني زيد أحمر، ولاأخوك ولا جاءني عمرو طويلًا، فإن قلت: متطاولًا أو متحاولًا، جاز؛ لأنَّ ذلك شيء يفعله وليس بخلقة») (٥).

стр. 193

والقيد الذي وضعه النحاة للحال أنَّه «مسوق لبيان الهيئة» مرتبط ــ فيما يظنّ الباحث ــ بالسِّياق؛ فالهيئة غير اللازمة ولا تكون خِلقة والتي عليها صاحب الحال تجعل المُتَكَلِّم يختار اللفظة المناسبة ليُعَبِّر عن هذه الهيئة؛ فإذا اختلفت الهيئة اختلف اللفظ. فعندما نقول: «جاء محمد مسرورا، حزينا، نشيطا، شاحبا، مغمض العينين، مجروحا ... »، فنحن لا نحدد اللفظ المعبِّر عن الحال إلا إذا رأينا صاحب الحال أولا، ثُمَّ نحدِّد اللفظ المناسب الذي يُعَبِّر عن هذه الحال، فنحن لا نستطيع أَنْ نعبِّر عن حال أحد أو شيء قبل أَنْ نراه في موقف أو سياق ما؛ أي أَنَّ الحال يتولَّد بعد وجود السِّياق والموقف وليس قبله. لذلك يجب افتراض وجود سياق حال قبل أي جملة تحتوي على «حال». في ضوء هذا يمكن أَنْ نفهم لماذا نصب سيبويه المصدرين «سِمَنًا وعِلمًا» على الحال في قوله: «أَمَّا سِمَنًا فسمين، وأما عِلْمًا فعالم») (١). والصفات «صديقا وطاهرا وعالما» في قوله: «أَمَّا صديقًا مصافيًا فليس بصديق مُصافٍ، وأَمّا طاهرًا فليس بطاهرٍ، وأَمّا عالما فعالمٌ. فهذا نصبٌ لأنَّهُ جعله كائنا فى حال علمٍ وخارجا من حال طهورٍ ومصادقةٍ») (٢). قوله «أَمَّا سِمَنًا فسمين» تتطلب سياق حال لكي نفهم نصب «سمنا» وهو أنَّ المتكلم رأى صاحب الحال في حالة أو هيئة الـ «سِمَن أو سَمانة» أكثر من مرة وفي أكثر من موقف؛ فقال هذه الجملة، وكأنّ هذا الحال ردٌّ من المتكلم على زاعم أو منكر يزعم أو ينكر غير ذلك. يؤكد هذا المعنى عدد من النحاة، منهم: - ابن مالك إذ يقول: «واطرد أيضا ورود المصدر حالا عند سيبويه في نحو «أما علما فعالم» يريد مهما يذكر إنسان في حال علم فالذي وصفت عالم، كأنَّه مُنكِر ما وصفه به من غير العلم») (٣). - قال الأشموني: «أما علما فعالم: تقول ذلك لمن وصف عندك شخصًا بعلم وغيره منكرًا عليه وصفه بغير العلم»، ويعمِّم الصبَّان كلام الأشموني هنا فيقول: «قوله: نحو أما علما فعالم؛ أي من كل تركيب وقع فيه الحال بعد أمَّا في مقام قُصِدَ فيه الردُّ على من وصف شخصا بوصفين وأنت تعتقد اتصافه بأحدهما دون الآخر») (٤).

стр. 194

- وها هو السيوطي يقول: «أمَّا عِلْمًا فعالم، والأصل فيه: أن رجلا وُصِف عنده شخصٌ بعلم وغيره، فقال الرجل للواصف: أما عِلْمًا فعالم، يريد: مهما يُذْكَرُ إنسانٌ في حال علم فالذي وصفت عالمٌ، كأنَّه مُنكِرٌ ما وصفه به من غير العلم») (١). لقد اجتمع النحاة الأربعة على المعنى الدلالي السياقي لنصب الحال في قول سيبويه: «أما علما فعالم»، بل نجد الصبان يعمّم هذه الدلالة على هذه الجملة وما يشبهها. وهذا يجعلنا نقول إنَّ التركيب التالي: «أمَّا الشرطية + فعل شرط محذوف + فاعل مرفوع محذوف) صاحب الحال (+ الحال) مصدرا أو وصفا (+ جملة جواب الشرط». والذي تمثِّله الجمل: «أمّا سمنا فسمين، وأما عِلْمًا فعالم، أَمَّا صديقًا مصافيًا فليس بصديق مُصافٍ ... ». يرتبط بدلالة نمطية سياقية هي: قَصدُ الردِّ على من وصف شخصا بوصفين والمتكلم يعتقد اتصافه بأحدهما دون الآخر. ومن خلال اعتبار الهيئة يمكن أَنْ نثري المعنى في قولنا: «هؤلاء ناسٌ وعبد الله منطلقين» كما يقول سيبويه في نصه: «وتقول: هؤلاء ناسٌ وعبد الله منطلقين، إذا خلطتَهم. ومن قال: هذان رجلان وعبد الله منطلقان قال: هؤلاء ناس وعبد الله منطلقون؛ لأنَّه لم يُشرك بين عبد الله وبين ناسٍ في الانطلاق») (٢). عندما نقول: » هؤلاء ناسٌ وعبد الله منطلقين؛ نقصد: أَنَّ عبد الله مختلط بغيره من الناس؛ أي أَنَّ هيئة عبد الله والناس مختلطة. » هؤلاء ناسٌ وعبد الله منطلقون؛ نقصد: أَنَّ عبد الله ليس مختلطا بالناس، ولم يشرك بين عبد الله وبين ناس في الانطلاق؛ أي أَنَّ الهيئة لا تدل على الاختلاط، ويتضح للرائي أَنَّ الناس منطلقون بمفردهم، وعبد الله منطلق بمفرده. على أَنْ أخص أقسام الحال ارتباطا بالجملة الاسمِيَّة: الحال المؤكدة والحال المنبهة، فمن الوظائف التي يؤديها الحال «التوكيد»، وتسمى هذه الحال «الحال المؤكِّدة»، ويعرفها النُّحَاة بأنَّها «هي التي يستفاد معناها من الكلام السابق عليها في جملتها، وفائدتها إذن تأكيد هذا المعنى

стр. 195

المستفاد») (١). ومن خصائصها أنَّها «تجئ على إثر جملة عَقْدُها من اسمين لا عَمَلَ لهما لتوكيد خبرها، وتقرير مُؤَدّاه، ونفي الشَّكِّ عنه») (٢). قال ابن يعيش: «يعني أنَّ الحال مؤكِّدة تأتي بعد جملة ابتدائِيَّة، الخبرُ فيها اسمٌ صريحٌ، ولا يكون فعلا، ولا راجعًا إلى معنى فعل، لأنَّ الحال هاهنا تكون تأكيدًا للخبر بذكر وصف من أوصافه الثابتة له، والفعلُ لا ثبات له، ولا يوصف») (٣). إِنَّ موضع هذه الحال أَنْ تأتي عقب الجملة الاسمِيَّة والوظيفة التي تؤديها هذه الحال هي تأكيد الخبر، وتقرير مُؤَدّاه، ونفي الشك عنه. وهذا التأكيد والتقرير ونفي الشك هي أمور سِيَاقِيَّة بالدرجة الأولى، فالمُتَكَلِّم لن يلجأ إلى التأكيد ولا إلى التقرير ولا إلى نفي الشك إلا إذا اقتضى السِّياق هذا، فهو يؤكِّد أو يقرِّر أو ينفي بدافع السِّياق، ودلالة هيئة المخاطب على هذا. ويقدم سيبويه أمثلة على الحال المؤكدة، هي: «هو زيدٌ معروفًا»، «هو الحق بينًا»، «أنا عبد الله كريمًاجوادًا»، «هو عبد الله شجاعًا بطلا». ويوضح في المثال الأول كون «معروفًا» حالا تفيد التوكيد بقوله: «وذلك قولك: هو زيد معروفا، فصار المعروف حالا. وذلك أَنَّكَ ذكرت للمخاطَب إنسانا كان يجهله أو ظننت أَنَّهُ يجهله فكَأَنَّك قلت: أثبتْه أو الزَمْه معروفا، فصار المعروف حالا، ... والمعنى أنَّك أردت أن توضِّح أنَّ المذكور زيدٌ حين قلت معروفا، ولا يجوز أَنْ تذكر في هذا الموضع إلا ما أشبه المعروف؛ لأنَّهُ يعرِّفُ ويؤكِّدُ، فلو ذَكر هنا الانطلاق كان غير جائز؛ لأَنَّ الانطلاق لا يوضح أَنَّهُ زيدٌ ولا يؤكِّده. ومعنى قوله معروفا: لا شكَّ؛ وليس ذا فى منطلق. وكذلك: هو الحقُّ بَيِّنًا، ومعلوما، لأَنَّ ذا مما يوضَّح ويؤكَّد به الحق») (٤). في هذا النص يوضح سيبويه «الملابسات السياقية النمطية» التي دعت المتكلم إلى استخدام هذه الحال المؤكِّدة، هذه الملابسات تتمثَّل في أنَّ المتكلم ذكر للمخاطب إنسانًا كان يجهله) أو ظن المتكلم أنَّ المخاطب يجهله (؛ فأراد المتكلم من خلال هذه الحال أن يؤكِّد مضمون الجملة الاسمية التي يقولها المخاطب. وما دامت هذه الحال تأتي إثْرَ جملة اسمية عَقْدُها من اسمين كما قال ابن يعيش؛ فلا بد أن يكون المبتدأ والخبر معروفين) أو شبه معروفين (بين المتكلم والمخاطب؛ لذلك أشار سيبويه في النص السابق: «ولا يجوز أَنْ تذكر في هذا الموضع إلا ما أشبه المعروف».

стр. 196

ولعل جملة سيبويه «أو شبه معروفين» تفسر لماذا يأتي الخبر أحيانا في الجملة الاسمية مع الحال المؤكدة نكرة، يقول: «وممَّا ينتصب لأنَّه حالٌ وقع فيه أمرٌ قولُ العرب: هو رجلُ صِدْقٍ معلومًا ذاك، وهو رجل صدق معروفا ذاك، وهو رجل صدق بيِّنًا ذاك، كأنه قال: هذا رجل صدق معروفا صلاحُه») (١). فالأحوال في هذه الجمل مؤكدة لمضمون الجملة مع أنَّ أحد الجزأين نكرة، والنكرة هنا ــ كما يفهم الباحث من نص سيبويه ــ ليست نكرة خالصة ــ إن جاز التعبير ــ بل هي نكرة مشوبة بتعريف أو شبه تعريف كما قال سيبويه. وقد يصحب التوكيد الذي تدلُّ عليه هذه الحال في بعض السياقات «الفخر، أو التهَدُّد، أو الوعيد»، قال سيبويه: «وإذا ذكرتَ شيئًا من هذه الأسماء التي هي علامةٌ للمضمَر فإِنَّه مُحال أنْ يَظهر بعدها الاسمُ إذا كنتَ تُخبِر عن عَمَلٍ، أو صفةٍ غير عمل، ولا تريد أن تعرفِّه بأنَّه زيدٌ أو عمرو. وكذلك إذا لم تُوعِدْ ولم تفخر أو تصغِّر نفسك؛ لأنَّك في هذه الأحوال تُعَرِّفُ ما ترى أَنَّهُ قد جُهِل، أو تُنزل المخاطَب منزلة من يجهل فخرًا أو تهدُّدًا أو وعيدًا؛ فصار هذا كتعريفك إياه باسمه») (٢). ومن النحاة المعاصرين من تتبع الدلالات السياقية التي يمكن أن تأتي مع هذه الحال، فذكر أنها قد تأتي) (٣): - لبيان اليقين، نحو: «هو خالد معلوما». - الفخر، نحو: «أنا أبوك كريما». - التعظيم، نحو: «هو ربُّنا منعمًا». - التحقير، نحو: «هو سالم ذليلا». - التصاغر، نحو: «أنا عبد الله آكلا كما يأكل العبيد». - الوعيد، نحو: «أنا سعيد قاتلا». - الترحم، نحو: «هو المسكين مرحوما». - الذم، نحو: «هو زيد سارقا». - الإطماع، نحو: «هو ربُّنا غافرًا لمن يتوب».

стр. 197

ومن وظائف الحال أيضا «التنبيه»، والتنبيه كما يقول العلماء: «هو إعلام ما في ضمير المُتَكَلِّم للمخاطب ... من: نبَّهتُه على الشيء؛ بمعنى: وقفته عليه») (١). وكما هو ظاهر من التعريف فَإِنَّ حالة التنبيه تتطلب: متكلم مُنبِّه، ومخاطَب مُنبَّه، ومُنَبَّه عليه؛ أي أَنَّ حالة التنبيه لابدَّ أَنْ ترتبط بسياق الحال بوجه من الوجوه. يقول سيبويه في باب «ما ينتصب لأنَّهُ خبر للمعروف المبني على ما قبله من الأسماء المبهمة»: «والمعنى أَنَّكَ تريد أَنْ تنبِّهه له منطلقا، لا تريد أَنْ تعرفه عبد الله؛ لأَنَّكَ ظننت أَنَّهُ يجهله، فكَأَنَّك قلت: انظر إليه منطلقا، فمنطلقٌ حالٌ قد صار فيها عبدُ الله وحالَ بين منطلق وهذا كما حال بين راكب والفعل حين قلت: جاء عبد الله راكبا، صار جاء لعبد الله، وصار الراكب حالا») (٢). لقد أشار سيبويه إلى أَنَّ الحال قد تأتي للتعبير عن «التنبيه». ولكن يبدو أَنَّ الحال المنبِّهة ــ كما يبدو من كلام سيبويه ــ تأتي في جملة لها مواصفات مُعَيَّنَة، وهي أَنْ تبدأ بـ «اسم إشارة» مبنيٌّ عليه كلام، مثل الأمثلة التي أوردها: «هذا عبد الله منطلقًا، وهؤلاء قومك منطلقين، وذاك عبد الله ذاهبا، وهذا عبد الله معروفا». فالأحوال في هذه الجمل للتنبيه. ويبدو أن التنبيه المصاحب للحال في الأمثلة السابقة مصدره اسم الإشارة الذي يتصدَّر هذه الجمل. قال ابن يعيش بعد أن أورد كلام الزمخشري عن الأدوات «ها، ألا، أما»: «اعلم أنَّ هذه الحروف معناها تنبيهُ المخاطب على ما تُحدِّثه به، فإذا قلت: ((هذا عبد الله منطلقا)) فالتقدير: انظر إليه منطلقًا، أو انتبه عليه منطلقا. فأنت تُنبِّه المخاطب لعبد الله في حال انطلاقه، فلا بد من ذكر ((منطلقا))؛ لأنَّ الفائدة به تنعقد، ولم ترد أن تُعرِّفه إياه، وهو يُقدَّر أنَّه يجهله، كما تقول: ((هذا عبد الله))، وتقول: ((ها إنَّ عبد الله منطلقٌ))، و ((ها افعل كذا))، كأنَّه تنبيه المخاطب للمُخْبَر أو المأمور») (٣). وتقييد سيبويه الحال المنبِّهة بالجملة الاسمِيَّة المبدوءة باسم إشارة يشهد لمنهجه الذي أوضحناه سلفا من تتَبُّعه للتراكيب اللُّغَوِيَّة في السِّياقات المختلفة، وربط التراكيب اللُّغَوِيَّة المُعَيَّنَة بدلالات مُعَيَّنَة.

стр. 198

وهذا التقييد يمكن أَنْ يفسر عقليًّا بأنَّ اسم الإشارة لابدَّ أَنْ يُصحَب بالمشار إليه، وذكر المشار إليه بعد اسم الإشارة لا يعطي للمخاطب كبير فائدة؛ فإذا ذكر الخبر بعد اسم الإشارة وبعد هذا الخبر حال؛ فلابد أَنْ يتَّجه إلى أَنَّ المقصود التنبيه؛ أي يدعم هذا التنبيه مع اسم الإشارة ويؤكده. *** وقبل أَنْ ننهي كلامنا هنا عن تأثير قرينة السِّياق على الجملة الاسمِيَّة نحبُّ أَنْ نشير إلى بعض النقاط المُهِمَّة: - إن فكرة القدر المعرفي المشترك بين المُتَكَلِّم والمخاطب اللازم لإيجاد المبتدأ اللازم بدوره لإيجاد الجملة الاسمِيَّة ليست مقصورة فقط على الجملة الاسمِيَّة، بل تمتد في بعض الأحيان إلى بعض النصوص الأدبيَّة والشعرِيَّة الحديثة؛ وأقصد هنا أَنَّ السامع لكي يتفاعل مع الجملة فلا بد أَنْ يبتدأ المُتَكَلِّم بشيء معروف بينه وبين السامع، وكذلك على نطاق القصيدة الشعرِيَّة لا بدَّ أَنْ تكونَ الفكرة الأساسيَّة لها واضحة بعض الشيء للقارئ لكي يستطيع الاستمتاع بها فكثير من هذه القصائد الشعرِيَّة الحديثة يستغلق فهمها على القارئ ولا يستطيع فض مغاليقها لأنَّهُ ليس هناك قدر مشترك من المعرفة في هذه النصوص بين الأديب والقارئ يبدأ منه الأديب ثُمَّ يبني عليه نصه الأدبي؛ فيتفاعل معه القارئ. والسبب أَنَّ الشاعر أوغل في ذاتيته، ولا يوجد قدر مشترك من المعرفة في القصيدة بينها وبين القارئ يمكن أَنْ ينطلق منها ليستمتع بالقصيدة. ولَعلَّ هذا قريب مما قاله أحد نقاد الأدب إذ يقول: «إِنَّ التعبير عن تجربة ذاتية بلغة تبلغ من الذاتية حد الابتعاد عن كافة المواضعات الاصطلاحية، وحدا يجعل كل اتصال مع الآخرين أمرا مستحيلا؛ ليكون أمرا مخالفا لوظيفة الفن») (١). - ينسحب تأثير سياق الحال على الجملة الاسمِيَّة من حيث الابتداء بمعرفة أو من حيث عدم الاستغناء عن أحد ركنيها في إيصال المعنى ــ على أي شكل توجد فيه أو عليه الجملة الاسمِيَّة؛ بمعنى أَنَّ الجملة الاسمِيَّة إذا جاء مبتدؤها وخبرها مفعولين لأحد أفعال ظنّ فـ «ليس لك أَنْ تقتصر على أحد المفعولين دون الآخر») (٢)؛ لأَنَّ الاقتصار على أحد المفعولين سيُضيع الفائدة التي يريد المُتَكَلِّم إيصالها له. يقول سيبويه: «وإِنَّمَا مَنعك أَنْ تقَتصر على أحد المفعولين ههنا أنَّك إنّمَا أردْتَ أَنْ تبيّن ما استَقّر عندك من حال المفعول

стр. 199

الأوّل، يقينًا كان أو شكّا، وذكرتَ الأوّلَ لتُعلِم الذي تُضيفُ إليه ما استَقّر له عندَكَ مَن هو فإنّما ذكرتَ ظننتُ ونحوَه لتجعلَ خبر المفعول الأوّل يقينا أو شكّا، ولم ترد أَنْ تَجعل الأوّل فيه الشَّك أو تقيم عليه في اليقين») (١). - قد يتقدَّم الخبر على المبتدإ في بعض الأحيان لأمر يريده المُتَكَلِّم ويهتم به. **** المبحث الثاني: سياق الحال والجملة الفعلِيَّة وما يتعلق بها: يؤثِّر سياق الحال في الجملة الفعلِيَّة بشكل واضح، ويُثبت سيبويه هذا التأثير فى مواضع كثيرة من الكتاب. وقد جمع الباحث كل هذه المواضع التي لاحظ فيها تأثيرا لسياق الحال على كل ما يتعلق بالجملة الفعلِيَّة، وصنَّف كل مجموعة من النصوص تتَعَلَّق بأمر مُعَيَّن مع بعضها. وستناقش كل مجموعة من هذه المجموعات تحت عنوان من العناوين الفرعِيَّة: - سياق الحال يُؤَثِّر في كينونة الجملة الفعلِيَّة أيضا: من النصوص المهمَّة لسيبويه نصه الذي يقول فيه: « ... وإِنَّمَا فعلوا هذا بالنداء لكثرته في كلامهم؛ ولأَنَّ أول الكلام أبدا النداء، إلا أَنْ تدعه استغناء بإقبال المخاطَب عليك، فهو أوَّل كل كلام لك به تعطف المُكلَّم عليك، فلما كثر وكان الأوَّل في كل موضع؛ حذفوا منه تخفيفا؛ لأنَّهم ممَّا يغيرون الأكثر في كلامهم») (٢). إن جملة سيبويه الخطيرة المؤكدة بحرف التوكيد في النَّصّ السابق: «إِنَّ أول الكلام أبدا النداء» تدل على أَنَّ كل ما يلفظه المُتَكَلِّم سيكون «مشمولا بسياق ما»، فالمتكلم يبدأ كلامه بالنداء وهو لن ينادي على أحد إلا إذا دعا سياق لهذا، ونص سيبويه السابق يجعلنا نستنبط منه قاعدة سِيَاقِيَّة يمكن أَنْ نصوغها بقولنا إِنَّهُ: «لا نصّ بدون سياق»، ويكون كلام عبقري اللُّغَة سيبويه في النَّصّ السابق دليلا على هذه القاعدة. وإذا قلنا افتراضا إِنَّ كلامنا قسمة بين الجملة الاسمِيَّة والفعلِيَّة فهذا يعني أَنَّ كلَّ كلامنا لا بد أَنْ يكون ضمن سياق ما. ويؤثِّر سياق الحال في الجملة الفعلِيَّة بشكل ما من خلال المُتَكَلِّم، فإذا كانت الجملة الاسمِيَّة تعبِّر عما هو ثابت ومستقر عند المُتَكَلِّم، فَإِنَّ الجملة الفعلِيَّة ــ كما يقرر الزَّمَخْشَرِيّ الذي تَلْمَذَ لكتاب

стр. 200

سيبويه ــ تعبِّر عن «كل قول لم يصدر عن أريحية وصدق رغبة واعتقاد») (١)؛ أي أَنَّ الجملة الفعلِيَّة تعبر عن الأقوال التي لم ترسخ وتثبت في نفس المُتَكَلِّم، وعدم الرسوخ هنا لا بد أَنَّهُ ناتج عن أمور مرتبطة بالسِّياق) (٢). - الترتيب بين العناصر المكوِّنة للجملة الفعلِيَّة: من أشكال التأثير التي يؤثِّر بها سياق الحال في الجملة الفعلِيَّة تأثيره على ترتيب أجزاء الجملة الفعلِيَّة من حيث التقديم والتأخير. نوَّه إلى هذا سيبويه في باب: الفاعل الذي يتعدَّاه فعله إلى مفعول، بعد حديث عن تقديم المفعول به على الفاعل، فذكر هذه الجملة المُهِمَّة: «كَأَنَّهم إِنَّمَا يقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعًا يُهمّانهم ويعنيانهم») (٣). إن تقديم بعض أجزاء الجملة الفعلِيَّة على بعض يرتبط بأبرز العناصر المكوِّنة لسياق الحال ألا وهو المُتَكَلِّم الذي يرغب في تسليط الاهتمام على جزء دون جزء، فالتقديم والتأخير يرتبط بشكل واضح بإرادته ورغبته النفسِيَّة وقت الكلام. وما أجمل تعليق السيرافي على إشارة سيبويه السابقة، حيث قال: «قد تكون أغراض الناس في فعل ما أَنْ يقع بإنسان بعينه، ولا يبالون مَن أوقعه به، كمثل ما يريده الناس من قتل خارجي مفسد في الأرض، ولا يبالون من قتله، فإذا قتله زيد فأراد مخبر أَنْ يخبر بذلك؛ قدَّم الخارجي في اللفظ؛ لأَنَّ القلوب متوقعة لما به من أجله، لا من قتله؛ فتقول: قتل الخارجيَّ زيدٌ ... وهذا كلام إِنَّمَا هو على قدر عناية المُتَكَلِّم، وعلى ما يسنح له وقت كلامه») (٤). إن تقديم جزء من الجملة على آخر يتوقَّف على إرادة المُتَكَلِّم المدفوعة بالسِّياق فيه، وتأثير سياق الحال في ترتيب أجزاء الجملة ليس مقصورا على الجملة الفعلِيَّة، بل يمتد أيضا إلى الجملة الاسمِيَّة، والسبب هو العناية والاهتمام. قول: «والتقديم ههنا) باب تُخبرُ فيه عن النكرة بنكرة

стр. 201

(والتأخير فيما يكون ظرفا أو يكون اسمًا في العناية والاهتمام، مثله فيما ذكرت لك في باب الفاعل والمفعول») (١). إن نصوص سيبويه في هذه الجزئيَّة تعطينا الحق أَنْ نقول إِنَّ تقديم أي عنصر من الجملة الفعلِيَّة أو الاسمِيَّة قابل للتقديم على عنصر آخر، مرتبط باهتمام المُتَكَلِّم وعنايته، وهذا بدوره مرتبط بسياق الحال. - السِّياق وإعمال اسم الفاعل عمل الفعل: مما يتصل بالجملة الفعلِيَّة ويمكن أَنْ يناقش في إطارها إعمال اسم الفاعل عمل الفعل، ودور سياق الحال في هذا الإعمال. وفي البداية نوضح أَنَّ من الشروط التي وضعها النُّحَاة لإعمال اسم الفاعل عمل الفعل ونصب المفعول به أَنْ يكون اسم الفاعل «بمعنى الحال أو الاستقبال، أو الاستمرار المتجدد»، وأنَّ اسم الفاعل لا يدل بنفسه على زمن مُعَيَّن، وأنَّه يدل على «معنى مجرد حادث؛ أي عارض، يطرأ ويزول؛ فليس له صفة الثبوت والدوام») (٢). وعندما يشترط النُّحَاة أَنْ يدل اسم الفاعل على الحال أو الاستقبال؛ فلا بدَّ أَنْ تكونَ هذه الدِّلَالَة من «جملة» توجد في «سياق مُعَيَّن». فالسِّياق إذن مُهِمّ لتحديد معنى الجملة، وتحديد معنى الجملة مُهِمّ لإعمال اسم الفاعل أو إهماله. وقد أشار سيبويه) (٣) إلى عمل اسم الفاعل عمل الفعل، وذكر الأمثلة التالية: أهذا ضاربٌ زيدًا غدًا. ب هذا ضاربٌ عبدَ الله الساعة. ت كان زيدٌ ضاربا أباك. ويفهم من الأمثلة أَنَّهُ يشترط الدِّلَالَة الزَّمَنِيَّة المستقبلِيَّة أو الحالِيَّة في الجملة بدليل ذكره في المثال الأول والثاني لكلمتي «غدًا، الساعة». ولم يشر سيبويه مع هذه الأمثلة صراحة إلى دور السِّياق في تحديد الدِّلَالَة الزَّمَنِيَّة لَكِنَّه أشار إليها ضمنا وبذكاء من خلال المثال الثالث، لقد أعمل سيبويه اسم الفاعل «ضاربا» بدليل نصب

стр. 202

«أباك» مع أَنَّ الفعل الموجود «كان» بهذه الصيغة يدل على الماضي؛ فكان من المفترض أَنْ يكون الكلام: «كان زيدٌ ضاربَ أبيك»، لَكِنَّه لم يفعل؛ إذن فلا بدَّ أَنْ تكونَ «كان» في هذا المثال لا تدل على المضي، بل تدلُّ على الأَقَلّ على الحال. وفي ذلك إشارة ضمنيَّة إلى اعتباره السِّياق في إعمال اسم الفاعل. ولَعلَّ هذا ما كان يقصده في قوله بعد هذه الجملة «كان زيدٌ ضاربا أباك؛ فَإِنَّما تُحدث أيضا عن اتصال فعل في حال وقوعه وكان موافقا زيدا، فمعناه وعمله كقولك: كان يضرب أباك، ويوافق زيدًا») (١). إن تحديد دلالة الفعل «كان» في هذا المثال تعتمد على السِّياق لا محالة، وأنَّ معناها لا بد أَنَّهُ يدل على الحالِيَّة أو المستقبلِيَّة؛ ولَعلَّ هذا ما دفع بعض النُّحَاة إلى وضع قيد على معناها الزمني حين قال: «فإنْ كانت الصيغة فعلا ماضيا؛ فالزمن ماض محض بشرط ألا يوجد ما يجعله لغير الماضي المحض») (٢). يُفهَم مما سبق أَنَّ الدِّلَالَة الزَّمَنِيَّة لاسم الفاعل التي يتوقَّف عليها إعماله أو إهماله مرتبطة بسياق الحال، وأنَّ سيبويه يشير من طرف خفي إلى هذا. ونحب أنْ نُنَبِّه إلى أَنَّ التنوين هنا مع اسم الفاعل له دلالة يرتبط بها وملازمة له، وأنَّه بذاته يدل على الحالِيَّة أو المستقبلِيَّة، وأنَّه يلعب دورًا مهمًّا في تحديد دلالة الجملة منزوعة السِّياق) (٣)، فدلالة قولنا: «محمدٌ قاتلٌ عمرًا» غير دلالة قولنا: «محمدٌ قاتلُ عمرو». فوجود التنوين له دلالة) الحال أو الاستقبال (، وغيابه أيضا له دلالة) المضي (٤). يقول سيبويه بعد قول الشاعر:

стр. 203

هَل أَنتَ باعِثُ دينارٍ لِحاجَتِنا ... أَو عَبدَ رَبٍّ أَخا عَونِ بنِ مِخراقِ [بحر البسيط] «فإذا أخبر أَنَّ الفعل قد وقع وانقطع فهو بغير تنوين ألبتة») (١). - نواصب الفعل المضارع: مما يتصل بالجملة الفعلِيَّة ويتَأَثَّر بسياق الحال نواصب الفعل المضارع، وفيما يلي أهم الأدوات التي تتَأَثَّر به. » فاء السببية: من أدوات نصب الفعل المضارع فاءُ السببية، ويشترط النُّحَاة لهذا النصب أَنْ تسبق بنفي محض أو طلب محض. والجانب الذي يرتبط بفاء السببية ويتصل بسياق الحال هو المعنى الدِّلَالِيّ للجملة الفعلِيَّة التي تقع بعد فاء السببية، وسبب نصب الفعل المضارع في بدايتها. ففي مثل قولنا: «ما تأتيني فتحدثَني» يذكر سيبويه وجهين من المعاني للفعل المضارع بعد الفاء هنا: • الأول: «ما تأتيني فكيف تحدثُني؛ أي: لو أتيتَني لحدَّثتني») (٢). • والثاني: «فما تأتيني أبدًا إلا لم تحدثني؛ أي: منك إتيانٌ كثيرٌ، ولا حديث منك») (٣). المعنيان في الجملة «ما تأتيني فتحدثَني» كما نفهم من كلام سيبويه: • أنت أيها المخاطب لم تأتني أصلا فكيف تحدثني.) عدم الإتيان سبب الحديث (. • منك أيها المخاطب إتيان كثير ولكن لا حديث معك في كل مَرَّة. والمعنيان كما هو ظاهر بعيدان عن بعضهما ومختلفان، والفيصل في تحديد دلالة هذه الجملة هو لسياق الحال ولا شك. والمعنيان لا محالة من المعاني التي وقف عليها سيبويه من خلال التتبع السياقي لهذا التركيب. قال المبرِّد: «تقول: ما تأتيني فتحدِّثَني. فالنصب يشتمل على معنيين يجمعهما أنَّ الثاني مخالف للأوَّل. فأحد المعنيين: ما تأتيني إلا لم تحدِّثني؛ أي قد يكون منك إتيان ولكن لست

стр. 204

تحدِّثني والمعنى الثاني: لا يكون منك إتيان ولا حديث فاعتباره ما تأتيني مُحَدِّثًا، وكلما أتيتني لم تحدِّثني. والوجه الآخر: ما تأتيني فكيف تحدثَني، أي لو أتيتني لحدثتني») (١). ويؤثِّر سياق الحال على الفاء في بعض الأحيان بشكل آخر، شكل قد يخرجها من السببية إلى كونها حرف عطف، يعطف ما بعده على ما قبله؛ وذلك إذا أتت الجملة التي تحتوي عليها في سياق يدل على الإشراك. يقول: «وإن شئت أشركت بين الأول والآخر؛ فدخل الآخر فيما دخل فيه الأول؛ فتقول: ما تأتيني فتحدثُني؛ كَأَنَّك قلت: ما تأتيني وما تحدثني») (٢). قال ابن مالك: «فإذا قصد بالمضارع بعد الفاء اشتراكه بما قبلها في حكمه، تبعه في الإعراب، كقولك: زيد يأتيني فيحدثُني، وأريد أن يأتيني فيحدثني، وإن تأتني فتحدثْني أكرمْك») (٣). ولا شك أَنَّ هذا الانتقال من ((فاء السببية)) إلى ((فاء عاطفة)) يجب أَنْ يتم تحت رعاية السِّياق وفي ظلاله. وينقل سيبويه عن الخليل توجيها إعرابيا لجملة احتوت على فاء سببية، خرجت عن سببيتها ورُفع الفعل بعدها بسبب إمكانيَّة تغيير السِّياق الذي قد ترد فيه الجملة، يقول: «واعلم أَنَّكَ إِنْ شئت قلت: ائتني فأحدثُك، ترفع. وزعم الخليل: أَنَّكَ لم ترد أَنْ تجعل الإتيان سببا لحديث؛ ولكنك كَأَنَّك قلت: ائتني، فأنا ممن يحدثك البتة، جئت أو لم تجئ») (٤). ويؤكد ابن يعيش هذا المعنى بقوله: «كما تقول ائتني فأحدثُك، أي فأنا ممن يحدثك على كل حال») (٥). فعندما تغير السِّياق من سياق السببية والجزاء إلى سياق الإخبار تغيَّر الإعراب والتوجيه النَّحْوِيّ. وإذا تأملنا جملة الخليل «إنَّك لم ترد أَنْ تجعل ... » نجد فيها دعوة إلى الإثراء الدِّلَالِيّ من خلال السِّياق، وإمكانيَّة ذلك وسهولته على من يقوم بتحليل الدِّلَالَة للجملة. وفيها أيضا لفتة سريعة إلى أَنَّ من يقوم بهذا التحليل يجب أَنْ يقدم كل الدلالات المرتبطة بهذا التركيب، هذه الدلالات المختزلة والموجودة سلفا في ذهن العالم باللُّغَة.

стр. 205

» إذن: يشترط لكي تنصب إذن الفعل المضارع بعدها أَنْ تكونَ في صدر الكلام، وأَنْ تتصل بالفعل المضارع، وأَنْ يكون الفعل بعدها دالا على الاستقبال المحض) (١). ونهتم هنا بالشرط الأخير لتعلقه بسياق الحال. إِنَّ الفعل المضارع بعد إذن ينصب إذا دَلَّ على الاستقبال، وهذه دلالة ولاشك مرتبطة بسياق الحال، فهو العامل الحاسم في هذا التحديد، فإذا لم يدلّ الفعل وهو داخل سياقه على الاستقبال رُفِعَ. يقول: «وتقول إذا حدثت بالحديث: إذن أظنُّه فاعلاً، وإذن إخالُك كاذبًا وذلك لأَنَّكَ تخبر أَنَّكَ تلك الساعة في حال ظنّ وخِيلةٍ ... ولو قلت: إذن أظنَّك، تريد أَنْ تخبره أَنَّ ظنَّك سيقع لنصبت») (٢). فالفعل المضارع ((إخالُك)) بعد إذن في جملة سيبويه يدلُّ على الحالِيَّة لذلك رفع، ولو نصب لدل على أَنَّ الفعل في المستقبل. وهنا أيضا نشير أَنَّ العلامة الإعرابِيّة على نهاية الفعل لها دلالة زمَنِيَّة، فالفتحة تدل على الاستقبال والرفع يدل على الحال. » حتى: ينصب الفعل المضارع بعد حتى بأنْ مضمَرة وجوبا، ويشترط في هذا النصب «أَنْ يكون المضارع بعدها مستقبلا بالنسبة إلى زمن التكلم ... ويجب رفع المضارع إذا لم يكن مستقبلا، أو كان مسببا عما قبل») (٣). وبالقطع يتدخل سياق الحال في تحديد دلالة الفعل هنا ويحدد ما إذا كان يدلُّ على المستقبل أم لا، لذلك فالجملة «سرت حتى أدخل البلد» يتعذر إعطاء الوجه الأنسب للإعراب بدون سياق، ففي الجملة السابقة يجوز في الفعل المضارع النصب ــ كما يقول سيبويه ــ بشرط «أَنْ تجعل الدخول غاية لمسيرك») (٤). أي: بشرط أَنْ يكون الدخول غاية مسيرك في المستقبل. ويجوز فيه أيضا الرفع بعد حتى، وذلك بأن «تعني أَنَّهُ كان دخول متصل بالسير ... فإذا قال: حتى أدخلُها؛ فكَأَنَّه

стр. 206

يقول: سرت فإذا أنا في حال دخول، فالدخول متصل بالسير كاتصاله بالفاء») (١). أي أَنَّ الفعل دال على الحال. ويرفع أيضا الفعل المضارع بعد حتى إذا دَلَّ على الحال المؤوَّلة أو المحكية وهي التي «يكون فيها معنى المضارع قد تحقَّق وانتهى فعلا قبل النطق بالجملة، وكان المناسب أَنْ يُذكر الفعل بصيغة الماضي، ولَكِنَّه يعاد ذكره بصيغة المضارع بقصد حكاية الحال الماضية التي ترشد إليها القرينة») (٢). يقول ابن السراج: «وأما الوجه الثاني من الرفع: فأنْ يكون الفعلُ الذي بعد «حتَّى» حاضرًا ولا يراد به اتصاله بما قبله، ويجوز أن يكون ما قبله منقطعًا، ومن ذلك قولك: لقد سرت حتى أدخلها، ما أمنع حتى أني أدخلُها الآن، أدخلُها كيفَ شئت، ومثل قول الرجل: لقد رأى مني عامًا أول شيئًا حتى لا أستطيع أن أكلمه العامَ بشيءٍ. ولقد مَرِض حتى لا يرجونه، إنَّما يراد أنَّه الآن لا يرجونه، وأنَّ هذه حاله وقت كلامه») (٣). وهذا ما سبق وقرره سيبويه إذ يقول: «أَمَّا الوجه الآخر: فإِنَّهُ يكون السير قد كان وما أشبهه ويكون الدخول وما أشبهه الآن، فمن ذلك: لقد سرت حتى أدخلها ما أُمنَع؛ أي حتى أني الآن أدخلها كيفما شئت») (٤). إذن فالمتحكم في العلامة الإعرابِيّة للفعل المضارع بعد «حتى» هو المُتَكَلِّم مدفوعا بالسِّياق الذي يوجد فيه، وهذا ما يؤكده «الرَّضِيّ» في شرحه على «كافية ابن الحاجب» في عبارة واضحة يقول فيها: «ثُمَّ إذا أردنا أَنْ نُبين متى يرفع المضارع بعد حتى ومتى ينصب قلنا: ذاك إلى قصد المُتَكَلِّم، فإنْ قصد الحكم بحصول مصدر الفعل الذي بعد حتى: إما في حال الإخبار، أو في الزمن المتقدم عليه على سبيل حكاية الحال الماضية وجب رفع المضارع، سواء كان بناء الكلام المتقدم على اليقين ... أو على الظن والتخمين») (٥). ويورد سيبويه جملة يقول فيها: «إِنَّمَا سرت حتى أدخلَها»، وأشار بعدها أَنَّ هذه الجملة بنصب الفعل المضارع قد تعبِّر في سياق ما عن «احتقار المُتَكَلِّم للسير الذي أدَّى إلى

стр. 207

الدخول») (١). والتحقير الذي أشار إليه سيبويه في هذه الجملة سببه استخدام الأداة «إنما» التي تجئ لتحقير الخبر، يقول ابن السراج: «والفرق بين إنّ وإنَّما في المعنى أنَّ إنَّما تجيء لتحقير الخبر») (٢). ويُزيد ابن يعيش معنى هذه الأداة إيضاحا بقوله: «وهي مكفوفة العمل على ما ذكرنا، ومعناها التقليل، فإذا قلت: «إنما زيد بزاز؟ » فأنت تقلل أمره، وذلك أنَّك تسلبه ما يدعى عليه غير البز») (٣). ويشير سيبويه أَنَّهُ في الجملة السابقة التي تعبر عن الاحتقار «يقبح الرفع») (٤)؛ لأَنَّ الرفع لا يتناسب مع سياق الاحتقار، فالرفع يدل على الحالِيَّة؛ أي أَنَّ المُتَكَلِّم قد دخل المدينة بالفعل والإنسان لا يحتقر شيئا بلغه غايته وحققها له. إن سياق الحال يلعب دورا واضحا مع أداة نصب الفعل المضارع حتى، ويحدد الأوجه الإعرابِيّة للفعل بعدها، فهو الضابط العام لكل هذا، ومن خلاله يتم تحديد الدِّلَالَة الزَّمَنِيَّة والدِّلَالَة المعنوِيَّة. - المفعول المطلق: يتصل المفعول المطلق بالجملة الفعلِيَّة من حيث ارتباطه في معظم حالاته بأحد أركانها الأساسيَّة الفعل، ويعرِّفه العلماء بأنَّه «المصدر الفضلة المؤكِّد لعامله أو المبين لنوعه أو لعدده») (٥). والعامل «تارة يكون فعلا، وتارة وصفا، وتارة يكون مصدرا») (٦). وتتمثل علاقة المفعول المطلق بسياق الحال من خلال وظيفته التي يؤدِّيها، وظيفة التوكيد. تلك الوظيفة التي تدخل في تعريفه نفسه، فالعلماء اتخذوا من وظيفته محددًا ليحدوه بها. حتى وإن أتي المفعول المطلق مبينا للنوع أو العدد؛ فلا بد في كل الحالات أَنْ يكون التوكيد حاضرًا، يقول العلماء: «إِنَّ فائدة المصدر المعنوِيَّة قد تقتصر على التوكيد وحده، ولَكِنَّها لا تقتصر على بيان النوع وحده، ولا بيان العدد وحده، ولا على هذين الأخيرين معا؛ إذ لا بد من إفادة التوكيد في كل حالة من هذه الحالات») (٧).

стр. 208

لذلك اكتفى بعض العلماء في تعريف المفعول المطلق بأنَّه: «المصدر الفضلة المؤكد لعامله») (١). ولم يوضحوا علاقة هذا المعنى بالسِّياق) (٢).

стр. 209

إذن من الطرق التي يلجأ إليها المُتَكَلِّم لإفادة التوكيد استخدام المفعول المطلق. وقد نصَّ سيبويه على هذا قائلا: «إِنَّمَا يجئ ذلك على أَنْ تبين أي فعل فعلت أو توكيدًا») (١). وعندما يقول سيبويه إِنَّ المفعول المطلق يفيد التوكيد فهذا يستدعي الأغراض التي يأتي لها التوكيد، وهي: إزالة الشك أو تقرير المؤكَّد، أو دفع المُتَكَلِّم توهم غفلة في كلامه. ومما يتصل بالمفعول المطلق ويرتبط بشكل أو بآخر بسياق الحال حذف عامله. وقد أشار العلماء إلى أَنَّ عامل المصدر المبين للنوع أو للعدد يجوز حذف عامله بشرط وجود دليل مقالي) مرجعه إلى القول والكلام (أو حالي) مرجعه للمشاهدة أو نحوها مما يحيط بالشخص (٢) يدل على المحذوف. أما المصدر المؤكد لعامله فيُحذف عامله وجوبا في مواضع يوضحها ابن عقيل في شرحه قائلا: «يُحذَفُ عاملُ المصدرِ وُجُوبًا إذا ناب المصدر عن فعلٍ استند لاسمِ عينٍ ــ أي: أُخْبِرَ به عنه ــ وكان المصدرُ مكررًا أو محصورًا») (٣). ويعلِّق الشيخ محيي الدين عبد الحميد على هذا بقوله: «يشترط لوجوب حذف العامل من هذا النوع أربعة شروط، الأول: أن يكون العامل فيه خبرا لمبتدأ أو لما أصله المبتدأ، والثاني: أنْ يكون المخبر عنه اسم عين؛ والثالث: أنْ يكون الفعل متصلا إلى وقت التكلم، لا منقطعا، ولا مستقبلا، والرابع أحد أمرين: أولهما أن يكون المصدر مكررا أو محصورا، كما مثل الشارح، أو معطوفا عليه، نحو: أنت أكلا وشربا ... .») (٤). ويُهمُّنا هنا الشرط الثالث من كلام الشيخ محيي الدين، فهو شرط سِياقِيّ في المقام الأول.

стр. 210

وما سبق هي الشروط التي ذكر بعضها سيبويه في نصه) (١) التالي بعد مناقشته للأمثال التالية: » ما أنت إلا سيرًا. » ما أنت إلا سيرًا سيرًا. » وما أنت إلا الضرب الضرب. » وما أنت إلا قتلا قتلا. » زيدٌ سيرا سيرا. » أنت الدهر سيرا سيرا. » كان عبد الله الدهرَ سيرا سيرا. » أنت مُذُ اليومِ سيرا سيرا. «واعلم أَنَّ السير إذا كنت تخبر عنه في هذا الباب فَإِنَّما تخبر بسير متصل بعضه ببعض في أي الأحوال كان») (٢). فالمُتَكَلِّم إذا أراد أَنْ يخبر بأنَّ السير) أو أي مصدر (متصل بعضه ببعض في أيِّ الأحوال كان، وأنَّ هذا السير يحدث في وقت التكلم؛ فله أَنْ يستخدم التركيب الذي تمثِّلُه الجمل السابقة «ما أنت إلا سيرا، وما أنت إلا الضرب الضرب ... »، وبعبارة أخرى: إذا أراد المُتَكَلِّم أَنْ يبرز أَنَّ هناك مخاطَبا يكثر من ذلك الفعل ويواصله؛ فله أَنْ يلجأ إلى التركيب السابق، الذي فيه يحذف الخبر عامل المصدر، ويقام المصدر مقامه. يقول السيرافي: «إِنَّمَا يقال هذا) أي التركيب السابق (لمن يكثر منه ذلك الفعل ويواصله») (٣). أما إذا لم يرد المُتَكَلِّم المعنى السابق، معنى التعبير عن الكثرة والمواصلة؛ فله أَنْ يكتفي بمجرد الإخبار. يقول سيبويه: «وأما قولك: إِنَّمَا أنت سيرٌ؛ فَإِنَّما جعلته خبرًا لـ «أنت» ولم تضمر فعلا») (٤).

стр. 211

وواضح أَنَّ المُتَكَلِّم وهو أحد عناصر سياق الحال، يتحكم في هذه المسألة تحكما، بدليل أَنَّهُ إذا أراد المواصلة والكثرة استخدم التركيب الأول «ما أنت إلا سيرًا»، وإذا أراد مجرد الإخبار استخدم التركيب الثاني «إِنَّمَا أنت سيرٌ». ومن المواضع التي يحذف فيها عامل المصدر أَنْ يكون التركيب في أسلوب إنشائي طلبي. ويراد بالأساليب الإنشائِيِّة الطلبية هنا «ما يكون فيها المصدر المؤكِّد النائب دالا على أمر، أو نهي، أو دعاء، أو توبيخ، والكثير أَنْ يكون التوبيخ مقرونا بالاستفهام») (١). وذكر سيبويه مثالا في حال الاستفهام فقال: «وأما ما ينتصب في الاستفهام من هذا الباب فقولك: أقيامًا يا فلان والناس قعود، وأجلوسا والناس يفرون. لا يريد) المُتَكَلِّم (أَنْ يخبر أَنَّهُ يجلس ولا أَنَّهُ قد جلس وانقضى جلوسه؛ ولَكِنَّه يخبر أَنَّهُ في تلك الحال في جلوس وقيام») (٢). وذلك على سبيل التوبيخ والإنكار، قال المبرد: «قولك: أقياما وقد قعد الناس لم تقل هذا سائلا، ولكن قلته موبِّخا منكرا لما هو عليه، ولولا دلالة الحال على ذلك لم يجز الإضمار؛ لأنَّ الفعل إنَّما يضمر إذا دلَّ عليه دال؛ كما أنَّ الاسم لا يضمر حتى يذكر، وإنَّما رأيته فى حال قيام فى وقت يجب فيه غيره فقلت له منكرا») (٣). والجزء الأخير من كلام سيبويه في نصه السابق يربط فيه هذا التركيب بسياق حال مُعَيَّن هو ما سماه العلماء فيما بعد بـ «الاستفهام التوبيخي». وسيبويه لم يصرح بوضوح ــ في كلامه هذا ــ الربط بهذا السِّياق المُعَيَّن، ولكن السيرافي ــ أفضل من شرحوا الكتاب ــ ربط هذا التركيب بهذا السِّياق بوضوح قائلا: «وهذا الكلام يقوله الإنسان عند فعل يشاهده مما ينكر عليه من أجل شيء آخر») (٤). ومما يشبه المصدر في الاستفهام التوبيخي في هذا التركيب قول سيبويه في اسم الفاعل: «أقائما وقد قعد الناس، وأقاعدًا وقد سار الركب») (٥).

стр. 212

- دور قرينة السِّياق في إعمال ظن وأخواتها أو إلغاء عملها: ومما يمكن ضمه إلى الجملة الفعلِيَّة هنا الحديث عن ظنَّ وأخواتها ودور السِّياق في إعمالها أو إلغائها، ونقول: إِنَّ مجموعة الأفعال التي وضعها النَّحْوِيّون تحت عنوان «ظن وأخواتها» نالت اهتماما كبيرا وعناية ملحوظة منهم. لقد درسوا أهم الأحكام المتعلقة بها دراسة متأنيَّة. من تلك الأحكام حكم الإلغاء، ويقصدون به «منع الناسخ من نصب المفعولين معًا، لفظا ومحلا منعًا جائزًا ــ في الأغلب ــ لا واجبا») (١). وهذا المصطلح يقابل مصطلح الإعمال الذي يعني أَنَّ المفعولين اللذين يأتيان مع هذه الأفعال نُصِبا بهذه الأفعال الناسخة. ويعلل النُّحَاة لسبب الإلغاء بأنَّه ناتجٌ عن «إمَّا توسُّط الناسخ بين مفعوليه مباشرة بغير فاصل آخر بعده يوجب التعليق، وإما تأخره عنهما») (٢). ويكتفي معظمهم بهذا سببا لإلغاء عمل ظن وأخواتها، وهذا السبب يحتاج إلى فضل تأمُّل وإنعام نظر. إِنَّ العلَّة في الإلغاء كما يقولون «توسط الناسخ بين مفعوليه»، وهذه العلة تثير تساؤلا مُؤَدّاه: أنَّى للناسخ أَنْ يتوسط بين مفعوليه بدون تدخل خارجي من إرادة واعية؟ أم أَنَّ التوسط يكون من تلقاء نفسه؟ وما السبب الذي جعل هذه الإرادة تقوم بهذا التوسط؟ إن تفسير الإلغاء بسبب التوسط فقط بدون الإشارة إلى السياق ودوره في هذا أمر يحتاج إلى فضل مراجعة وإيضاح. إِنَّ لكل حادث سببا كما يقول المناطقة، والتوسُّط لا بدَّ له من إرادة نابعة من متكلم، والمُتَكَلِّم لا يتكلَّم إلا وهو في سياق ما، وإغفال النُّحَاة للسياق جعلهم يعللون للإلغاء بهذا التعليل الذي قد تشوبه شائبة غموض. ومما يثير العجب أَنَّ سيبويه إمام النُّحَاة وجَّه النظر إلى السِّياق في علاج هذه المسألة، واستطاع من خلاله تفسير الإلغاء، فقال في باب «الأفعال التي تستعمل وتُلغى»: «وكلَّما أردتَ الإِلغاء فالتأخيرُ أقوى. وكلٌّ عربىٌّ جَيِّد ... ، وإِنَّمَا كان التأخير أقوى؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يجيء بالشكّ بعدما يَمْضِى كلامُه على اليقين، أو بعدما يبتدئ وهو يريد اليقينَ ثُمَّ يُدْرِكُه الشكُّ، كما تقول: عبدُ الله صاحبُ ذاك بلغَنى ... ، فأَخّرَ ما لم يَعمَلْ في أول كلامه. وإِنَّمَا جعل ذلك فيما بلغه بعدما مَضى

стр. 213

كلامُه على اليقين، وفيما يَدرى. فإذا ابتدأ كلامَه على ما فى نيّته من الشكَ أَعْملَ الفعلَ قدّم أوْ أخَّر، كما قال: زيدًا رأيتُ، ورأَيتُ زيدا») (١). يُفْهَمُ من النَّصّ السابق أَنَّ جملة مثل «أظن زيدا قائمًا» يكون فيها الشك مسيطرًا على المُتَكَلِّم قبل أَنْ يتكلم؛ لذلك أعمل الفعل. أَمَّا الجملتان: «زيدٌ أظن قائمٌ» و «زيدٌ قائمٌ أظن» فَإِنَّ اليقين مسيطر على المُتَكَلِّم في بداية الكلام ثُمَّ طرأ عليه الشك؛ إذن فتردد المُتَكَلِّم بين الشك واليقين ظهر أثره الفوري على التركيب المشتمل على ظن وأخواتها. وعليه فإِنَّه يتوجب علينا عند معالجة ظاهرة الإلغاء أَنْ نستصحب سياق الحال الذي يوجد فيه المُتَكَلِّم، ولا يكتفى بذكر أَنَّ سبب الإلغاء هو التوسط. ولعل هذا الاستنتاج الذي أخذناه من نصّ سيبويه يتوافق مع كلام أستاذنا فاضل السامرائي حول هذه المسألة إذ يقول: «إِنَّ قول النُّحَاة أَنَّه يجوز إلغاء الفعل إذا توسط أو تأخَّر قد يُفهم منه أَنَّه يسوغ ذلك متى شاء المُتَكَلِّم دون نظر إلى المعنى. والحق أَنَّ معنى الإلغاء غير معنى الإعمال والمُتَكَلِّم مقيَّد بالمعنى؛ فليس له أَنْ يُعمل أو يُلغي من دون نظر إلى القصد والمعنى») (٢). وأعتقد أَنَّ أستاذنا السامرائي يقصد بالمعنى والقصد هنا السِّياق. ولا يفوتنا في ختام هذه النقطة أَنْ نشير إلى أَنَّ العلامة الإعرابِيّة تَأَثَّرت بالسِّياق، وظهر أثره فيها بشكل فوري وظاهر. ويمكن أَنْ نستغل حديثنا هنا عن تأثير السِّياق في جملة ظن في الحديث عن تأثير سياق الحال على معنى الفعل ظن نفسه، فعندما نقول: «ظننت زيدًا» وتصبح جملة مفيدة يحسن السكوت عليها؛ فلا بد أَنَّ معنى ظن لا يفيد الشك ولا الرجحان. يقول سيبويه: «قد يجوز أَنْ تقول: ظننتُ زيدًا، إذا قال: من تظنُّ، أى من تَتَّهمُ؟ فتقول: ظننتُ زيدًا، كأَنَّه قال: اتَّهَمْتُ زيدا. وعَلَى هذا قيل: ظَنينٌ؛ أى مُتَّهَمٌ») (٣). أي أَنَّ الفعل ظن قد تتغير وظيفته النحوِيَّة، ويصبح ذا مفعول واحد إذا تغيَّر معناه الدِّلَالِيّ وأصبح بمعنى «اتهم») (٤).

стр. 214

والفعل «علم» قد يلغى عمله بلام التوكيد، ويأتي في الجملة لإفادة التوكيد و «عدم التظنِّي» وألا يحيل المُتَكَلِّم على علم غيره. يقول سيبويه: «ومن ذلك: قد علمتُ لَعبدُ الله خيرٌ منك. فهذه اللامُ تمنَعُ العملَ ... ؛ لأَنَّها إنَّما هى لامُ الابتداء، وإِنَّمَا أَدخلتَ عليه علمتُ لتُؤكَّدَ وتجعلَه يقينًا قد علمتَه، ولا تُحيلَ على علم غيرك») (١). فـ «علم» تفيد اليقين، ومع زيادة المبنى بدخول لام الابتداء زاد المعنى، وهو: عدم الإحالة على علم الغير. وهذا المعنى لا يمكن أَنْ يوقف عليه إلا بتتَبُّع استقصائي لهذا التركيب في السِّياقات المختلفة. وإذا كان الشيء بالشيء يذكر كما يقولون؛ فإِنَّنَا يمكن أَنْ نذكر جملة من الأفعال التي يتوقَّف عملها النَّحْوِيّ على معناها الدِّلَالِيّ الذي يحدده السِّياق، بعضها من أخوات ظن، منها: » الفعل جعل: من الأفعال التي يؤثِّر سياق الحال على معناها، وينعكس على وظيفتها النحوِيَّة الفعل «جعل»، فالجملة التي تقول: «جعلت متاعك بعضَه فوق بعض» بنصب «بعضه» يمكن توجيه النصب على ثلاثة أوجه: ١ ــ أن تكون ((جعل)) بمعنى ((صنع أو عمل))؛ فينصب مفعولا واحدًا؛ وتكون ((فوق في موضع الحال)) (٢). ٢ ــ أن تكون «جعل» بمعنى «ألقى أو أسقط»، وتكون «بعضه فوق بعض» في هذا «كالمفعول، لا في موضع الحال؛ لأنَّهُ في جملة الفعل الذي هو ألقيت») (٣). ٣ ــ أن تكون «جعل» بمعنى «صيَّر»؛ «فينصب مفعولين؛ فتصبح فوق في موضع المفعول الثاني») (٤). ويُجمل بعض العلماء هذه المعاني للفعل جعل ويتتبعها تاريخيا فيقول: «وأصل الجعل حِسِّيّ، تقول: جعل الشيء يجعله جعلا؛ أي: وضعه، وجعله: صنعه، وجعله: صيره ... ، ثم نقل إلى معنى الظن والاعتقاد») (٥).

стр. 215

ولا شك أَنَّ تلك المعاني يتوقَّف تحديدها على سياق الحال؛ فبه يتحدّد معنى جعل الذي يترتب عليه التوجيه الإعرابِيّ السليم. » الأفعال رأى، وجد، علم: يبين سيبويه تأثير السِّياق على معنى هذه الأفعال قائلا: «وإن قلت رأيتُ فأردْتَ رؤيةَ العين، أو وجدتُ فأردْتَ وِجدانَ الضالة؛ فهو بمنزلة ضربتُ، ولكنّك إِنَّمَا تريد بوجدت عَلِمْتُ، وبرأيت ذلك أيضًا. ألا ترى أَنَّهُ يجوز للأَعمى أنْ يقول: رأيتُ زيدًا الصالحَ. وقد يكون علمتُ بمنزلة عرفتُ لا تريد إلاعِلْمَ الأوّل») (١). ويقول العلماء عن الفعل «وجد» وتنقله الدلالي أنَّه «منقول من وجد الشيء ولقيه، وأصله في الأمور الحسية، ثم نقل معناه إلى الأمور القلبية، فعندما تقول: «وجدت الظلم وخيم العاقبة»، كان معناه أنَّك وجدت هذا الأمر وأصبته كما تُصاب الأمور المحسوسة ليس في ذلك شك، فنقل من هذا المعنى المادي إلى الأمر المعنوي، ولما كان وجدان الشيء ولقيه أمرًا يقينًا كان الأمر العقلي بمنزلته») (٢). وكذلك الفعل «رأى» فإنّه «منقول من الرؤية البصرية، فأنت إذا رأيت شيئا فقد تيقَّنت منه وعلمته، ثم نقل من هذا المعنى إلى الأمور القلبية، فإذا قلت مثلا: «رأيت الباطل زهوقا» كان المعنى كأنَّك رأيت هذا الأمر بعينك، فكما أنَّه ليس في الرؤية العينية شك، كان هذا بمنزلته») (٣). إذن بحسب معاني هذه الأفعال في سياقاتها يكون عملها النَّحْوِيّ. » الفعل دعا: يشير سيبويه إلى الفعل «دعا» في باب الأفعال التي تنصب مفعولين فيقول: «دعَوْتُه زيدًا إذا أردت دعوته التي تجري مجرى سميته، وإن عنيت الدعاء إلى أمر لم يجاوز مفعولا واحدًا») (٤). إذا أتى الفعل دعا بمعنى ((سمّى)) نصب مفعولين، وإن عنيت الدعاء نصب مفعولا واحدًا. وجملة سيبويه الأخيرة تشير إلى إرادة المُتَكَلِّم التي لا بدَّ أنَّها مرتبطة بالسِّياق. » كان التامَّة (وكذلك: دام، أصبح، أمسى): يأتي الفعل كان على حالين، تاما وناقصا. وقيل إِنَّ كان التامة تكون كذلك «لاكتفائها بالفاعل، وقيل لدلالتها على الحدث والزمان؛ فلا تحتاج إلى اسم أو خبر؛ وتكون بمعنى: حصل،
следующие страницы →