المبحث الثاني: مقارنة بين فرش الروايتين مع التوجيه
- من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الكهف -
بعد الحديث عن أصول روايتي ورش وحفص في الفصل السابق, والمقارنة بينهما بشكل جدولي مع شرح موجز لوجه الخلاف الدائر بينهما، وبينت بقدر الإمكان أبرز خصائص رواية ورش في الرسم القرآني، وأن ورشاً إنما اعتمد في رسم مصحفه على شيخه نافع بن أبي نعيم الذي لا يخالف الرسم العثماني في شيء، وبالتالي يبقى مذهب ورش في الرسم أحد أوجه الرسم العثماني المجمع عليه.
بعد ذلك أتحدث في هذا المبحث عن الخلاف بين الراويين في فرش الحروف وما ذكره علماء الرواية والدراية في علوم القراءات من توجيه لما ورد من خلاف بينهما، ولا نقصد بالتوجيه الترجيح الذي يذكره بعض النحويين أو حتى بعض المفسرين بين القراءات فلا ترجيح بين القراءات المتواترة، فكلها ثابتة صحيحة في القراءة واللغة والرسم، لكن المراد من الحديث في هذا المبحث هو إظهار ما للراويتين من مميزات ووجوه لغوية وتفسيرية صحيحة، في الأصول والفرش على السواء، كما أود عرض ما ذكره علماؤنا في هذا الفن بما يخص كلا الروايتين وأوجه الخلاف بينهما، ووجه ذلك في لغة القرآن، وسأتحدث عن فرش الحروف وتوجيهها في نصف القرآن الأول إن شاء الله تعالى، لأن المقام لا يتسع لعرض الفرش كاملا، على أن أتمم ذلك لاحقا بمشيئة الله تعالى.
стр. 224
سورة الفاتحة
قوله تعالى: ﴿مَلِكِ﴾، ﴿مَالِكِ﴾ [٤].
وهو أول خلاف في فرش الحروف بين روايتي ورش وحفص في سورة الفاتحة, قرأ ورش ﴿مَلِكِ﴾ وقرأ حفص ﴿مَالك﴾ (١) , ولكل من القراءتين وجهها في العربية، وفي البحر المحيط قال أبو حيان عن الأخفش: "يقال: ملك من الملك بضم الميم, ومالك من الملك بكسر الميم وفتحها" (٢) , فالكلمة تتكون من ثلاثة أحرف (م ل ك)، وكان من مميزات الجمع الثالث على عهد عثمان ﵁ أن بقي الرسم القرآني خالياً من نقط الإعراب بالحركات ونقط الإعجام، فوافق ذلك الرسم ما ورد من قراءات صحيحة وخلاف بين القراء، وذلك من خلال ما يحتمله الرسم، فإضافة ألف أمر شائع في القرآن الكريم للسبب نفسه، وأمثلة كثيرة في القرآن الكريم منها قوله ﴿جعل، وجاعل﴾ , و ﴿رسالته، رسالاته﴾ , ونحو قوله ﴿خير حافظاً، خير حفظاً﴾ , و ﴿فرهين، فارهين﴾، و ﴿خدع، خادع﴾ , ومن القراء من احتفظ بنفس الحروف ولم يزد عليها شيئاً، ومنهم من زاد ألفاً محتملة, فغيّر بذلك المعنى وأصبحت هذه المجموعة الصوتية (م ل ك) تفيد معنى ﴿مالك﴾، و ﴿مَلِكِ﴾، وقيل: ﴿مالك﴾ بإثبات الألف هو المتصرف في الأعيان المملوكة كما يشاء, وأما ﴿ملك﴾ بحذف الألف وكسر اللام والكاف فهو المتصرف بالأمر والنهي في المأمورين (٣)
, إلا أن القراء وإن اختلفوا في الرسم والقراءة لكنهم
стр. 225
أجمعوا على أنه لا تضادّ بينهما، وكل منهما ورد في القرآن، قال عز جل: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [سورة آل عمران: ٢٦]. وقوله ﴿فتعالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون:١١٦].
وقد رجح كلا من القراءتين مرجحون من حيث المعنى وكلاهما صحيحة حسنة، متواترة عن النبي / كما روي عن النبي / أنه قرأ بألف وبغير ألف (١) وبالتالي لا أرى ترجيح إحدى القراءتين، ولا أرى أن يقال إن إحداهما أبلغ من الأخرى إذ إن القراءتين متواترتان ومتضمنتان صفتين لله ، ﴿ملك﴾ صفة لذاته، و ﴿مالك﴾ صفة لفعله (٢).
سورة البقرة
قوله تعالى: ﴿وَمَا يُخَادِعُونَ﴾، ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ [٩].
وهذا هو الخلاف الأول بين روايتي ورش وحفص في سورة البقرة من فرش الحروف حيث قرأه حفص بفتح الياء، وإسكان الخاء من غير ألف (٣) , وقرأه ورش عن نافع بضم الياء وبألف بعد الخاء وكسر الدال (٤) ﴿وما يخادعون﴾.
стр. 226
قال مكي بن أبي طالب: إن خادع - و - خدع - شيء واحد في معنى المخادعة، والمفاعلة قد تكون من واحد كقولهم: داويت العليل، وعاقبت اللص، كأن خدع وخادع شيئاً واحداً (١).
اختار ورش ومن وافقه: (خدع) وفضله على: (خادع)، حاملاً معنى الثاني على الأول (٢). لأن مخادعة الكفار ومشركي مكة والمنافقين إنما كانت لرسول الله ﷺ وللمؤمنين من حوله وعكس ذلك لم يكن شيء من المخادعة للكفار من طرف رسول الله ﷺ وصحبه، بل كانوا يصدقونهم الحديث أو يبينون لهم طريق الهدى وطريق الضلال فدلَّ هذا على أن الأول من واحد بمعنى يخدعون فجرى الثاني على معنى الأول.
ومعنى الآية: أن المنافقين يظهرون خلاف ما يعتقدونه، فالخداع منهم يقع بالاحتيال والمكر, ومن الله بأن يظهر لهم من الإحسان، ويعجل لهم من النعم في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم ويستر من عذاب الآخرة لهم فجمع الفعلين لمشابهتهما من هذه الجهة (٣).
وقيل: معنى الخدع في كلامهم الفساد أي يفسدون ما يظهرون من الإيمان وأعماله بما يضمرون من الكفر كما يفسد الله عليهم نعيمهم في الدنيا بما يصيرون إليه من عذاب الآخرة (٤). وقال ابن إدريس عن اليزيدي عن أبي عمرو: "الإنسان لا يخدع نفسه، إنما يخادعها،
стр. 227
وجعل من يخادع نفسه بمنزلة خداعه لغيره" (١). ومن حذف الألف جعله من باب خدع يخدع وخدعه فانخدع له (٢).
ويرى بعض العلماء أن القراءة بغير ألف أقوى، لأن (الخداع) فعل قد يقع وقد لا يقع، والخدع فعل وقع بلا شك فإذا قرأت "وما يخدعون" أخبرت عن فعل وقع بهم بلا شك وكذلك إذا قرأت "وما يخادعون" جاز أن يكون لم تقع بهم المخادعة, وأن تكون قد وقعت وبالتالي " يخدعون" أمكن في المعنى (٣).
وأنا أرى صعوبة في التفضيل والترجيح، إذ إن كلتا القراءتين قرأ بهما الرسول ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم وجمع غفير من العلماء.
قوله تعالى: ﴿يُكَذِّبونَ﴾، ﴿يَكْذِبُونَ﴾ [١٠]
قرأ ورش بتشديد الذال وضم الياء، وقرأ حفص بفتح الياء وتخفيف الذال (٤).
فأما قراءة حفص بالتخفيف فتعني أن المنافقين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، ولذلك كانوا كاذبين (٥).
وأما قراءة ورش بالتثقيل فتعني أنهم كذَّبوا الرسول ﷺ فهو فعل متعد (٦) , وقال المهدوي: القراءة بالتشديد أقوى وأبلغ، لأنها تجمع بين التكذيب والكذب، ولأن من
стр. 228
كذب الرسول ﷺ كأنما كذب الله (١)، وهذه القوة في كلام المهدوي إنما هي من حيث المعنى لا من حيث النقل، وكلتا الروايتين قوية صحيحة لا فرق بينهما من حيث التواتر.
قوله تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُؤاً﴾ ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾ (٢) [٦٧]
قرأ ورش: ﴿هُزُؤاً﴾ بالهمزة، وقرأ حفص: ﴿هُزُوًا﴾ بالواو بدل الهمز (٣) , وهما لغتان من لغات العرب، فوجه إبدالها واواً أنه أراد التخفيف، ومن همز فعلى الأصل (٤).
قوله تعالى: ﴿يُغْفَرْ لَكُمْ﴾ ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ﴾ [٥٨]
قرأ ورش: ﴿يُغْفَرْ﴾ يغفر لكم بالياء وفتح الفاء على ما لم يسم فاعله. وقرأ حفص ﴿نَّغْفِرْ﴾ بنون العظمة على أنه مردود على ما قبله وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ﴾ , فجرى "نغفر" بنون العظمة على الإخبار عن الله فالتقدير: وقلنا ادخلوا الباب سجدا نغفر لكم ذنوبكم أو خطاياكم، فالآيتان بمعنى واحد (٥).
قوله تعالى: ﴿خَطِيئاَتُه﴾ ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ [٨١]
قرأ ورش بالجمع بمعنى الكبائر حمله على معنى الإحاطة والشمول والإحاطة
стр. 229
إنما تكون بكثرة المحيط فجعل السيئة والخطيئة، وإن انفردتا لفظاً, فمعناهما الجمع, والكثرة، ولأن المخبر عنهم جماعة وإن عبر بلفظ المفرد، ولأن الإحاطة لا تكون لشيء مفرد وإنما تكون لجمع أشياء (١).
وقرأ حفص بالإفراد على أن الخطيئة هنا يعني بها الشرك، أو معطوفة على لفظ السيئة قبلها لأن الخطيئة سيئة والسيئة خطيئة, أو يكون المعنى: وأحاطت به عقوبات خطيئته (٢).
قوله تعالى: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ [٨٥]
قرأ ورش في سورة البقرة وسورة التحريم (٣) , بتشديد الظاء بإدغام التاء الثانية في الظاء، وقرأ حفص بتخفيف الظاء في الموضعين (٤)، فحجة ورش أنه أدغم التاء في الظاء لقرب المخرجين وأتى بالكلمة على أصلها من غير حذف.
وقرأها حفص بالتخفيف والأصل فيه تتظاهرون، حذف إحدى التاءين (٥)، لاجتماعهما، إحداهما تاء الاستقبال والثانية تاء تزاد في الفعل، وذلك كراهية لاجتماع المثلين مع المقارب فخفف إحدى التاءين بالحذف كما خفف ورش بالإدغام لنفس العلة وهو قرب المخرجين (٦).
стр. 230
وقال ابن إدريس: والقراءتان جيدتان، وليست إحداهما بأولى من الأخرى (١).
قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [٨٥]
قرأها ورش ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ بياء الغيبة، بناء على آخر الكلام وهو ﴿يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ , وقرأها حفص ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء بناء على أول الكلام وهو ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿وَمِيكَائلَ﴾ ﴿وَمِيكَالَ﴾ [٩٨]
قرأ ورش بهمزة مكسورة بعد الألف من غير ياء بعدها على وزن مِفْعَائِل (٣) , وقرأ حفص من غير همز ولا ياء على وزن ﴿مفعال﴾ وهي لغة أهل الحجاز، وقراءة ورش على أنه أعجمي لا يدخل على أبنية العرب، وقراءة حفص أنه أشبه أبنية العرب فألحق بها، وهو مثل مفتاح، ومقدار، وميقات (٤).
قوله تعالى: ﴿ولا تَسْألْ﴾ ﴿ولا تُسْأَلُ﴾ [١١٩]
قرأ ورش بفتح التاء وجزم اللام على أنه نهي، وقرأ حفص بضم التاء واللام على معنى الخبر (٥).
ومعرفة معنى الآية وسبب نزولها يساعد في توجيه القراءتين. ذكر الإمام السيوطي
стр. 231
في سبب نزول هذه الآية: أن الرسول ﷺ قال: "ما فعل أبواي"؟ فأنزل الله هذه الآية (١) بمعني النهي أو بمعنى تعظيم شأن أصحاب الجحيم كقولك: ولا تسأل عن فلان عندما أردت تعظيم حال ما هو فيه من خير أو شر، وقراءة رفع اللام بمعنى: ولست تسألُ عن أصحاب الجحيم وهم اليهود والنصارى ومشركو مكة تسليةً لنبيه ﷺ وتخفيفاً لما كان يجده من عنادهم وكأن الله يقول له: لست مسؤولاً عنهم وما عليك إلا البلاغ، واستبعد الفخر الرازي صحة هذا السبب وقال:" وهذه الرواية بعيدة لأنه ﵊ كان عالماً بكفرهم وكان عالماً بأن الكافر معذب فمع هذا العلم كيف يمكن أن يقول ليت شعري ما فعل أبواي" (٢).
قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذوا﴾ ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ [١٢٥]
قرأ ورش بفتح الخاء جعله فعلاً ماضياً على أنه حكاية حال عن قوم سبقوا، وقرأ حفص بكسر الخاء على الأمر والقراءة بفتح الخاء على أنه معطوف على قوله : ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ ,والقراءة بكسر الخاء لما روى البخاري عن عمر قال: قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ (٣).
стр. 232
قوله تعالى: ﴿وأوصَى﴾ ﴿ووصَّى﴾ [١٣٢]
قرأ ورش بزياد ة همزة مفتوحة بين الواوين، مع تسكين الثانية وقرأ حفص بالتضعيف وهما لغتان بمعنى واحد في اللغة ولا فرق بينهما يذكر، ولفظ التوصية كثير في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾ [سورة النساء:١٢] , فهذا يعني (أوصى) , وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنا﴾ [سورة العنكبوت:٨] , وهذا يدل على لغة "وصّى" مضعفاً، والقراءتان متوافقتان غير أن التشديد فيه معنى تكرار الفعل للمبالغة في الوصية (١).
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ [١٤٠]
قرأ ورش بياء الغيبة على أنه إخبار عن اليهود والنصارى وهم غُيَّب, فجرى الكلام على لفظ الغيبة، أو على الالتفات من الخطاب إلى الغيب وهو أسلوب من أساليب القرآن، وقرأ حفص بالتاء لأنه حمله على قوله: ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا﴾ فجرى الكلام على نسق واحد في المخاطبة (٢)
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [١٦٥]
قرأ ورش بالتاء على أن الخطاب للنبي ﷺ لنزول القرآن عليه فهو المخاطب، وهو نظير قوله : ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مرض﴾ [سورة المائدة:٥٢] أو خطاب لأمته لأنه ﷺ كان عالما بحال ما يصير إليه الذين ظلموا (٣).
стр. 233
وقرأ حفص بياء الغيبة على أن الفعل للذين ظلموا، لأنهم لم يعرفوا قدرما ينتظرهم من العذاب، أو قرأ بالياء معطوفاً على ما قبله وهو ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً﴾ فجرى لفظه على لفظ الغيبة (١).
قوله تعالى: ﴿خُطْوَات﴾ ﴿خُطُوَات﴾ [١٦٨]
قرأ ورش بسكون الطاء، وقرأ حفص بضمها، وقال أبو حيان: "هذه لغات في جمع خطوة" (٢). ومن قرأ بالسكون فقد استثقل توالي ضمتين بعدهما الواو، فيكون في تقدير توالي ثلاث ضمات، فأسكن الطاء استخفافاً، ومن ضمها فهي من باب ﴿فُعْلَة﴾ , وباب ﴿فعلة﴾ إذا كان اسماً أن يجمع على ﴿فُعُلاَت﴾ كظلمة، ظلمات، فالقراءتان على نفس المعنى (٣).
قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرُّ﴾ ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ﴾ [١٧٧]
قرأ ورش ﴿الْبِرُّ﴾ بالرفع على أنه اسم ليس، والمصدر المؤول من ﴿أَن تُوَلُّواْ﴾ هو الخبر، والتقدير: ليس البر توليتكم وجوهكم قبل المشرق والمغرب (٤) , وقرأ حفص بنصب ﴿الْبِرَّ﴾ فهو خبر مقدم، والمصدر المؤول اسم ليس مؤخر، فالقراءتان حسنتان لكون الاسم والخبر معرفتين (٥).
стр. 234
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ الْبرُّ﴾ ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ [١٧٧]
قرأ ورش في الموضعين على تخفيف النون من ﴿لَكِنَّ﴾ وكسرها في الوصل منعاً من التقاء الساكنين، ورفع ﴿الْبِرُّ﴾ (١) , وقرأ حفص على تشديد النون وفتحها ونصب ﴿الْبِرَّ﴾ (٢).
فأما قراءة ورش بالرفع فعلى الابتداء، والخبر ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾، فلم تعمل ﴿لَكِنْ﴾ لأنها مخففة، فلذلك رفع ما بعدها على الابتداء والخبر (٣).
أما رواية حفص تشديد النون من ﴿لَكِنَّ﴾ فلأنه حرف أشبه بالأفعال الماضية فبني آخره على الفتح لثقل التضعيف، فنصب ﴿الْبِرَّ﴾ (٤).
قوله تعالى: ﴿فِدْيَةُ طَعَامِ مَساكِين﴾ ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين﴾ [١٨٤]
قرأ ورش ﴿فِدْيَةُ﴾ بحذف التنوين ﴿طَعَامِ﴾ بالإضافة و ﴿مَساكِين﴾ بالجمع وفتح النون بدون تنوين، لأنه اسم ممنوع من الصرف (٥) , وقرأ حفص ﴿فِدْيَةٌ﴾ بالتنوين مع الرفع على أنه مبتدأ مؤخر وخبره متعلق بالجار والمجرور قبله, و ﴿طَعَامُ﴾ بالرفع على أنه بدل من ﴿فِدْيَةٌ﴾ و ﴿مِسْكِين﴾ بالتوحيد والجر والتنوين على الإضافة (٦).
стр. 235
ووجه قراءة ورش بجمع ﴿مَساكِين﴾ على أنه مردود إلى ما قبله، وهو قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ وأن الذين يطيقونه جماعة حيث يلزم جميعهم إذا أفطروا إطعام مساكين كثيرة، قال مكي بن أبي طالب:"فالجمع أولى لهذا المعنى" (١).
أما قراءة حفص بالتوحيد: فعلى أن الواحد النكرة يدل على الجمع إذ ما يلزم الفرد يلزم الجماعة في شرع الله كما ردوه أيضاً على" الفدية " فوحدوه كما وحدت الفدية وهي مفرد فديات، فلما وحدت الفدية وحد بموجبها المسكين (٢).
وهذه القراءة تؤذن أن عليه لكل يوم أن يطعم مسكيناً. والقراءة الأخرى ليست ببعيدة، لأنها تؤول إلى هذا المعنى، والمساكين هم الذين يُطعَمون الفدية، لمجموعة الأيام التي يفطرها صاحب العذر، ولكل يوم مسكين.
قوله تعالى: ﴿ادْخُلُواْ فِي السَّلْمِ كَآفَّةً﴾ ﴿ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ [٢٠٨]
قرأ ورش: ﴿فِي السَّلْمِ﴾ بفتح السين، وقرأ حفص ﴿فِي السِّلْمِ﴾ بكسرها (٣). ومعنى الكسر الإسلام: أي ادخلوا في الإسلام كافة (٤). وروي شاهداً لهذه القراءة أن ابن عباس ﵁ قال: نزلت في أهل الكتاب، وقال عكرمة: نزلت في قوم من اليهود أسلموا فسألوا النبي ﷺ أن يبيحهم إقامة السبت، فأنزل الله تعالى: ﴿ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي في الإسلام جميعاً، ونصب ﴿كَآفَّةً﴾ على الحال (٥) ,
стр. 236
قال الشاعر:
"دعوت عشيرتي للسلم لما ... رأيتهم تولوا مدبرينا (١)
أي دعوتهم للإسلام
فأما ﴿السَّلْمِ﴾ بالفتح، فهو الصلح والمسالمة، بدليل قوله : ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لها﴾ [سورة الأنفال:٦١] (٢).
قال الراغب: " ﴿السَّلْمِ﴾ بفتح السين وبكسرها الصلح (٣) ,ومن علماء اللغة من يجعل ﴿السَّلْمِ﴾ بالفتحة والكسرة: الإسلام والصلح، لأن مصدرهما ﴿سلم﴾ فيستعمل في الموضعين جميعاً" (٤).
قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ﴾ ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [٢١٤]
قرأ ورش: ﴿يَقُولُ﴾ بالرفع (٥) , لأن فعل المضارع يرفع بعد حتى إذا كان للحال، فيكون المعنى: أن الزلزلة أدت إلى أن قال الرسول هذا القول (٦).
стр. 237
وقرأ حفص بالنصب (١) بمعنى الغاية، والتقدير: إلى أن يقول الرسول ذلك، فالتقدير على هذه القراءة أن الرسول ﷺ قال ذلك بعد تقضي الزلزلة (٢). والقراءتان جيدتان متواترتان، إلا أن المشهور لغة النصب عند أكثر الأئمة (٣).
قوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدْرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ﴾ ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ﴾ [٢٣٦]
قرأ ورش: ﴿قَدْرُهُ﴾ بإسكان الدال, وقرأ حفص: ﴿قَدَرُهُ﴾ بفتح الدال (٤) , فهما لغتان مستعملتان في القرآن الكريم بمعنى واحد وهو الطاقة والقدرة, قال ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ بالتسكين، وقال : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر:٤٩]. بالفتحة (٥). وقال ابن إدريس" بالتسكين بمعنى حسن تقديره، وبالفتحة بمعنى مقدرته" (٦).
قوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةٌ لِّأَزْوَاجِهِم﴾ ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم﴾ [٢٤٠]
قرأ ورش: ﴿وَصِيَّةٌ﴾ بالرفع، وقرأ حفص: ﴿وَصِيَّةً﴾ بالنصب (٧). ومن رفع الوصية جعلها خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: فعليهم وصية، ولأزواجهم
стр. 238
نعت للوصية (١) , ومن قرأ بالنصب جعل وصية منيحسبهم صوباً على معنى المصدر تقديره فليوصوا وصية. أو نصب على المفعول به، التقدير، كتب الله عليهم وصية (٢).
قوله تعالى: ﴿فَيُضَاعفُهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ [٢٤٥]
قرأ ورش: ﴿فَيُضَاعفُهُ﴾ برفع الفاء ,وقرأ حفص بنصب الفاء (٣). فقرأه بالرفع على الاستئناف، أي فهو يضاعفه، أو بالعطف على صلة ﴿الذي﴾.
وأما القراءة بالنصب فعلى أن الفعل منصوب بأن مضمرة على جواب الاستفهام (٤).
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ﴾ ﴿وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [٢٤٥]
قرأ ورش: ﴿وَيَبْصُطُ﴾ بالصاد فقط أينما وردت في القرآن الكريم (٥)، وقرأ حفص
стр. 239
بالسين هنا وفي الأعراف (١). وهما لغتان، ومن قرأ بالصاد وجهاً واحداً فلكراهية التصعد بالطاء بعد التسفل بالسين، فقلبوها صاداً إرادة الخفة والتجانس، ولموافقة رسم المصحف، ومن قرأ بالسين فلأنه أصل الكلمة وهي مأخوذة من سَرطَ الطريق واسترطه إذا تجاوزه, ومن قرأ بالصاد والسين فللجمع بين اللغتين (٢).
قوله تعالى: ﴿هَلْ عَسِيتُمْ﴾ , ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [٢٤٦]
قرأ ورش: ﴿عَسِيْتُمْ﴾ بكسرالسين، وقرأ حفص: ﴿عَسَيْتُمْ﴾ (٣) , وهما لغتان، تقول العرب: عَسيت أن أفعل وعِسيت، إلا أن فتح السين أشهر اللغتين، وعليه أكثر القراء (٤).
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غَرْفَةً﴾ ﴿إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً﴾ [٢٤٩]
قرأ ورش: ﴿غَرْفَةً﴾ بفتح الغين، وقرأ حفص: ﴿غُرْفَةً﴾ بضمها (٥) , قال أبو
стр. 240
حيان: الغُرفة بضم الغين اسم للقدر المغترف من الماء كالأكلة للقدر الذي يؤكل، وبفتح الغين مصدر للمرة الواحدة نحو ضربت ضربة (١) وقال المهدوي: "فمن ضمها فعلى أنها اسم للشيء المغترف، ومن فتحها فعلى أنها مصدر والمفعول محذوف والتقدير: إلا من اغترف ماءً غرفة" (٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دِفاعُ اللهِ النَّاسَ﴾ ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ﴾ [٢٥١]
قرأ ورش: ﴿دِفاعُ﴾ بألف، وقرأ حفص: ﴿دَفْعُ﴾ بغير ألف (٣). والقراءتان صحيحتان، القراءة بالألف قد يكون مصدراً لفَعَل، مثل كتب كتاباً، أو مصدراً لفاعل مثل قاتل قتالاً، ويقوي ذلك قول الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة الحج:٣٨]. والعرب تقول: أحسن الله عنك الدفاع (٤) , وبغير ألف على فعل لأنه مصدر دفع دفعًا، كالضرب الذي هو مصدر ضرب ضرباً، وليس من باب المفاعلة من اثنين كما يوهم بعض القراء (٥).
قوله تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِرُهَا﴾ ﴿وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشزُهَا﴾ [٢٥٩]
стр. 241
قرأ ورش ﴿نُنشرُهَا﴾ بضم النون والراء المهملة، من أنشر ونشر بمعنى الإحياء، وقال النحاس: ننشزها معناه ننبتها. وقرأ حفص: ﴿نُنشِزُهَا﴾ بالزاي, أي نحركها أو نرفع بعضها إلى بعض للتركيب للإحياء (١).
قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرُبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ [٢٦٥]
قرأ ورش ﴿بِرُبْوَةٍ﴾ بضم الراء، وقرأ حفص ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ بفتحها (٢)، وهما لغتان بمعنى واحد (٣) , قال ابن زنجلة: الفتح لغة تميم والضم لغة قريش (٤)، والربوة في كلامهم: ما ارتفع من الأرض، ومنه أخذ ﴿الربا﴾ لأنه زيادة على الأصل, ومنه ﴿الربو﴾ الذي يحصل في الجوف, سمي بذلك لارتفاع صوت النفس للمريض به. ومنه: ربا الشيء يربو، إذا زاد, وَرُبْوَة وَرَبْوَة (٥).
قوله تعالى: ﴿فَآتَتْ أكْلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [٢٦٥]
قرأ ورش: ﴿أكْلَهَا﴾ بسكون الكاف، وقرأ: حفص ﴿أُكُلَهَا﴾ بضم الكاف (٦).
стр. 242
وهما لغتان مشهورتان، فالتثقيل الأصل والتخفيف للإيجاز (١). وحجة من قرأ بالسكون استثقال توالي الضمتين في اسم واحد فخفف الحرف الثاني، ومثله: العُقْب والعُقُب، والحُلْم والحُلُم، والرُّعْب والرُّعُب, ومن قرأ بالضم على أصل الكلمة وقد اجتمعت في كلمةٍ ثلاث ضمات فأكثر ولم يختلفوا فيها مثل قوله ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [سورة الواقعة:٦٠]. وقال أبو علي: الأكْل مصدر أكلت أكْلا وأكلة، فأما الأُكُل: فهو المأكول (٢).
قوله تعالى: ﴿وَنُكَفِّرْ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ﴿وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [٢٧١]
قرأ ورش: ﴿وَنُكَفرْ﴾ بالنون مع جزم الراء، وقرأ حفص: ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ بالياء مع رفع الراء (٣). فالنون على معنى: ونكفر نحن عنكم، والياء على معنى: ويكفر الله عنكم سيئاتكم (٤) , فأما الجزم فعلى موضع الفاء في قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ لأنه في موضع جواب الجزاء في الفاء (٥) , وأما من رفع الراء فقد جعله خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: ونحن نكفر عنكم، أو على الاستئناف، ويكون إخباراً عن الله أنه يكفر السيئات (٦).
стр. 243
قوله تعالى: ﴿يَحْسِبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء﴾ ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء﴾ [٢٧٣]
قرأ ورش: ﴿يَحْسِبُهُمُ﴾ بكسر السين، وقرأ حفص بفتح السين (١) وهو القياس لأن ماضيه على فَعِلَ بكسر العين، وهما لغتان مشهورتان (٢).
وقال أبو حيان: الفتح في السين لغة تميم والكسر لغة الحجاز (٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسُرَةٍ﴾ ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [٢٨٠]
قرأ ورش: ﴿مَيْسُرَةٍ﴾ بضم السين، وقرأ حفص: ﴿مَيْسَرَةٍ﴾ بفتح السين (٤) , وهما لغتان، مَيْسَرَة ومَيْسُرَة مثل: مأدَبة ومأدُبة، ومشرَقة ومشرُقة، ومقبَرة ومقبُرة، ومقدَرة ومقدُرة. إلا أن الفتح أشهر وأكثر (٥). قال أبو حيان: والضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغة أهل نجد (٦).
стр. 244
قوله تعالى: ﴿وَأَن تَصَّدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ ﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [٢٨٠]
قرأ ورش ﴿أَن تَصَّدَّقُواْ﴾ بتثقيل الصاد، وقرأها حفص بتخفيفها أي بحذف التاء (١) , والأصل تتصدقوا بتاءين، فأدغم ورش التاء في الصاد للتخفيف، وحذفها حفص، وهو الأكثر، تخفيفاً (٢) , ومثله: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ و ﴿تَذَّكَّرُون﴾.
قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرْ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبْ مَن يَشَاءُ﴾ ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ [٢٨٤]
قرأ ورش ﴿فَيَغْفِرْ ..... وَيُعَذِّبْ﴾ بالجزم، على أنه معطوف على ﴿يُحَاسِبْكُم﴾ لأنه جواب الشرط (٣) , وقرأ حفص ﴿فَيَغْفِرُ .... وَيُعَذِّبُ﴾ بالرفع على الاستئناف، ويجوز في إعرابه وجهان: أحدهما أن يُجعل الفعل خبر مبتدأ محذوف، والآخر أن يكون عطف جملة من فعل وفاعل على جملة سابقة (٤).
فرش سورة آل عمران:
قوله تعالى: ﴿تَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ ﴿١٣﴾
قرأ ورش ﴿تَرَوْنَهُم﴾ (٥) بالتاء، لأن قبله ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ على الخطاب فجاء ﴿تَرَوْنَهُم﴾ على الخطاب مثله، بمعنى ترون أيها المسلمون المشركين مثلي المسلمين.
стр. 245
وقرأ حفص ﴿يَرَوْنَهُم﴾، بالياء، لأن بعد الخطاب غيبة وهو قوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾، أي ترى الفئة الُمقاتلة في سبيل الله الفئة الكافرة مثليهم (١).
قوله تعالى: ﴿وَكفَلَهَا زكرياء﴾ ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ ﴿٣٧﴾
قرأ ورش ﴿وَكفَلَهَا﴾ بتخفيف الفاء و ﴿زكرياءُ﴾ بالرفع والمد مع الهمز على إسناد الفعل إلى زكرياء والهاء مفعول به (٢).
وقرأ حفص بتشديد الفاء ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ من غير همز على أن الفاعل هو الله والهاء لمريم وهو المفعول الثاني، و ﴿زَكَرِيَّا﴾ المفعول الأول, أي جعله كافلا لها، قال الطبري: كفلها الله زكريا (٣).
قوله تعالى: ﴿فَنوَفِّيهمُ أُجُورَهُمْ﴾ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ ﴿٥٧﴾
قرأ ورش ﴿فَنوَفِّيهِمْ﴾ بالنون، لأن قبله ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ , وهو عند ابن خالويه الاختيار ليصل إخبار الله عن نفسه بعضه ببعض (٤). وقرأ حفص بالياء، أي فيوفيهم الله أجورهم، لأن بعده: ﴿وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٥).
قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ ﴿تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ ﴿٧٩﴾
стр. 246
قرأ ورش ﴿تعْلَمُونَ﴾ بفتح التاء وتسكين العين وتخفيف اللام، على أنه مضارع (عَلِمَ) وينصب مفعولاً واحداً, وهو الكتاب بمعنى يعلمكم الكتاب، ووجه تخفيف اللام لأنه حمله على ما بعده من قوله: ﴿وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾، دون تشديد، حيث حمل الفعلين على معنى واحد (١).
وقرأ حفص بضم التاء وفتح العين وتشديد اللام، من التعليم على أنه مضارع (علَّم) , قال مكي بن أبي طالب: فالتشديد أبلغ لأنه يدل على العلم والتعليم, والتخفيف إنما يدل على العلم فقط (٢).
أقول: ويشهد لرواية حفص ومن وافقه حديث النبي ﷺ : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (٣).
قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً﴾ ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابا﴾ ﴿٨٠﴾
قرأ ورش ﴿وَلاَ يَأْمُرُكُمْ﴾ برفع الراء على الاستئناف وفاعله ضمير اسم الجلالة، بمعنى لا يأمركم الله (٤).
وقرأ حفص بنصب الراء معطوفاً على ﴿أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ﴾ بمعنى ولا له أن يأمركم، فقدروا "أن" مضمرة بعد "لا" وهي مؤكدة لمعنى النفي السابق (٥).
стр. 247
قوله تعالى: ﴿لَمَا آتيْناكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ ﴿لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ ﴿٨١﴾
قرأ ورش ﴿آتيْناكُم﴾ على التعظيم وتنزيل الواحد منزلة الجمع، وقرأ حفص ﴿آتَيْتُكُم﴾ على الإفراد ليوافق ما قبله ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ وما بعده ﴿إِصْرِى﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ تَبْغُونَ ... وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ ... وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴿٨٣﴾
قرأ ورش ﴿تَبْغُونَ ... تُرْجَعُونَ﴾ بالتاء على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والفاء في قوله: ﴿أَفَغَيْرَ﴾ لعطف هذه الجملة على ما قبلها، وقرأ حفص يبغون ويرجعون، بالياء على الغيبة ليتسق مع ما قبلها ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ﴾ ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ﴿٩٧﴾
قرأ ورش ﴿حَجُّ﴾ بفتح الحاء، وقرأ حفص ﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾ بكسر الحاء، وهما لغتان: الكسر لغة نجد, والفتح لغة أهل العالية , وهما لغتان بمعنى واحد، ومثله: نَفْط، ونِفْط، ووَتْر، ووِتْر. وقيل: إن الحَج الاسم والحِج المصدر (٣).
قوله تعالى ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن تُكْفَرُوْهُ﴾ ﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ﴾ ﴿١١٥﴾
стр. 248
قرأ ورش ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ ... تُكْفَرُوْهُ﴾ بالتاء فيهما على الخطاب، ويشهد لها قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ﴾ [١١٠/ آل عمران]، وقرأ حفص بالياء على الغيبة لاتصاله بألفاظ كلها للغائب، ويشهد لها قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَر﴾ [١١٤/آل عمران] (١).
قوله تعالى: ﴿لاَ يَضِرْكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ ﴿لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ ﴿١٢٠﴾
قرأ ورش ﴿لاَ يَضِرْكُمْ﴾ بكسر الضاد وسكون الراء من ضار يضير ويقال ضار يضور وكلاهما بمعنى ضرَّ.
وقرأ حفص ﴿لاَ يَضُرُّكُمْ﴾ بضم الضاد والراء المشدّدة من ضرّ يَضُرُّ وهما لغتان (٢).
والجزم على جواب الشرط، والضم على إتباع الضم الضم، وهو مجزوم أيضا، ويجوز أن يكون مرفوعاً على إضمار الفاء، والتقدير "فلا يضرُّكم" (٣).
قوله تعالى: ﴿مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوَّمِينَ﴾ ﴿مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ ﴿١٢٥﴾
قرأ ورش ﴿مُسَوَّمِينَ﴾ بفتح الواو بمعنى أن الله سومَّها، وقرأ حفص ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بكسر الواو بمعنى أن الملائكة سومت لنفسها (٤).
стр. 249
ورجح الطبري قراءة الكسر بأنه ﵊ قال يوم بدر: "سَوِّموا فإن الملائكة قد سوّمت" (١) , قال الرازي: "السومة لها معنيان الأول: العلامة التي يعرف بها الشيء من غيره. والثاني: بمعنى المرسلين، فمن قرأ مُسَوّمِينَ بكسر الواو فالمعنى أن الملائكة أرسلت خيلها على الكفار لقتلهم وأسرهم, ومن قرأ بفتح الواو فالمعنى أن الله تعالى أرسلهم على المشركين ليهلكوهم كما تهلك الماشية النبات والحشيش" (٢) , وقال المهدوي: "أي سوّمهم الله تعالى بمعنى أنه جعلهم يجولون ويجرون للقتال" (٣).
قوله تعالى: ﴿سَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ﴿١٣٣﴾
قرأ ورش ﴿سَارِعُواْ﴾ بغير واو على الاستئناف، قال ابن أبي مريم في الموضَح: "لأن الجملة الثانية مستغنية عن عطفها لالتباسها بالجملة الأولى للضمير الذي في الثانية, وكذا هي في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام بغير واو" (٤).
وقرأ حفص بالواو، وكذلك هي في مصاحف أهل الكوفة وأهل البصرة، وهو عطف جملة ﴿وَسَارِعُواْ﴾ على جملة ﴿وأطيعوا الله﴾ لأن الله أمر عباده بتقوى النار ثم أمرهم بالمبادرة إلى أسباب المغفرة والجنة (٥).
стр. 250
قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قتل مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ﴿١٤٦﴾
قرأ ورش ﴿قُتل﴾
بضم القاف على أنه فعل ماض مبني للمجهول من الثلاثي بمعنى قُتل معه بعض الربيين (١).
وقرأ حفص ﴿قَاتَلَ﴾ بفتح القاف وإثبات الألف على أنه فعل ماض و ﴿رِبِّيُّونَ﴾ فاعل.
ورواية ورش بحذف الألف تحتمل أحد وجهين:
أحدهما: أن يكون قتل للنبي وحده، بمعنى: وكأين من نبي قتل ومعه ربيون فما وهنوا بعد قتله.
والثاني: أن يكون قتل للربيين ويكون قوله "فما وهنوا" لمن بقي منهم (٢).
وأما رواية حفص على إثبات الألف فيكون المعنى أن القوم قاتلوا فما وهنوا عن قتال عدوهم، ولا استكانوا في دينهم (٣).
قوله تعالى: ﴿أَوْمِتُّمْ .... وَلَئِن مِتُّمْ﴾ ﴿أَوْ مُتُّمْ .... وَلَئِن مُّتُّمْ﴾ ﴿١٥٧ - ١٥٨﴾