أكتفي في هذا المبحث بنص عام وببعض ما يحصل به الغرض من النصوص الخاصة لتأصيل الاستدراك الفقهي منهجًا مشروعًا بدلالة السنة.
المطلب الأول: تأصيل الاستدراك الفقهي من السنة بنص عام .
وردت نصوص عامة كثيرة في السنة يُستفاد منها مشروعية الاستدراك الفقهي، وأكتفي بواحد منها؛ لحصول الغرض بذلك.
في (صحيح مسلم) عن تميم الداري (١) ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة». قُلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٢).
وتقرير وجه الاستدلال بالحديث يأتي من وجوه:
الوجه الأول: تقرير معنى النصيحة.
نبّه شُرّاح الحديث في تفسير النصيحة في هذا الحديث إلى أصل الكلمة في اللغة، وهذا الأصل هو: «ملاءمة بين شيئين، وإصلاح لهما» (٣). ومن خلاله فسروا معنى النصيحة في الحديث، وخلاصة كلامهم أنها ترجع إلى معنيين (٤):
١ - الخلوص والتصفية: من نصحت العسل إذا صفيته، ومنه: (نصح له القول) بمعنى أخلصه.
стр. 107
٢ - اللَّمّ: من النَّصْح، وهو الخياطة بالمنْصَحة، وهي الإبرة، وعليه فمعنى (نصح له): لمّ شعث أخيه بالنُّصح كما تلم المنصحة أطراف الثوب.
الوجه الثاني: تقرير ما يشمله معنى (النصيحة).
في (معالم السنن): «النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبر هذا المعنى بكلمة واحدة تحصرها وتجمع معناها غيرها» (١).
الوجه الثالث: تقرير أن الاستدراك الفقهي من النصيحة.
إذا تقرر المعنى الشامل للنصيحة، فإن الاستدراك الفقهي من سبل بذل الخير للمنصوح له، سواء لصاحب العمل السابق أو للمستفيد.
أما صاحب العمل السابق فإنه يكون بالتعاون معه للوصول بعمله إلى الخيريّة والنفع. وأما المستفيد فإنه يكون بتهيئة سبيلٍ له للاستفادة من العمل، ببيان الصواب، أو رفع إشكال، أو تقييد مطلق ...
стр. 108
المطلب الثاني: تأصيل الاستدراك الفقهي من السنة بنصوص خاصة .
يظهر لي عدم الحاجة إلى الإسهاب بذكر نصوص خاصة في التأصيل من السنة؛ ذلك لأن حياة النبي ﷺ مليئة بالاستدراكات على الأفعال، وعلى الأقوال، وعلى المفاهيم، وذلك لأنه مكلّفٌ بالإصلاح والبلاغ المُبين، فلا يسكت عن خطأ، ولا يترك الأفهام تسرح مع الأوهام.
ووجه الاستدلال بحال النبي ﷺ من الإصلاح والبلاغ المبين، هو أن العلماء ورثته في هذا العلم الذي جاء به، وهو قدوتهم في تبليغه والدعوة إليه، فلا سبيل لهم إلا سبيله، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ (٢)، ومن هذا التبليغ تبليغ علم الحلال والحرام الذي اختص بعلم الفقه اصطلاحًا.
وبما أن الاستدراك يتوجه إلى القول أو إلى الفعل أو إلى الفهم، فأمثل بنص خاص على كل جهة منها.
من هذه النصوص ما في (صحيح البخاري) بسنده عن سعد بن أبي وقاص (٣) ﵁: «أن رسول الله ﷺ أعطى رهطًا وسعدٌ جالسٌ، فترك رسول الله ﷺ رجُلاً هو أعجبهم إليّ، فقلتُ: يا رسول الله! مالَكَ عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنًا. فقال: أوْ مُسلِمًا.
стр. 109
ثم غلبني ما أعلم منه فعُدْتُ لمَقالَتِي، وعاد رسول الله ﷺ . ثم قال: يا سعد! إني لأعطي الرجل وغيرُه أحبُّ إليّ منه؛ خشيةَ أن يكُبَّه الله في النار» (١).
ففي هذا الحديث استدرك النبي ﷺ على سعد ﵁ استدراكين: استدراك على لفظه، واستدراك على فهمه.
أما الاستدراك على لفظه فهو في التعبير عن رأيه في الرجل بلفظ الإيمان عندما قال: «فوالله إني لأراه مؤمنًا»، فاستدرك عليه الجزمَ بهذا اللفظ - وهو الوصف بالإيمان - فقال: «أوْ مُسلِمًا». قال في (هدي الساري) في معنى (أوْ) هنا: «هو بسكون الواو على معنى الإضراب، ويجوز أن يكون بمعنى التردد أي لا تقطع بأحدهما» (٢). وفائدة هذا الاستدراك التفريق بين إطلاق اللفظين، بالتنبيه على الخطأ في إطلاق اللفظ الأول في هذا المقام. قال النووي: « ... معناه النهى عن القطع بالإيمان، وأن لفظة الإسلام أولى به، فإن الإسلام معلوم بحكم الظاهر، وأما الإيمان فباطن لا يعلمه إلا الله تعالى» (٣).
وأما الاستدراك على فهمه فهو فيما ظنه من أن العطاء دليل محبة وتفضيل، فاستدرك عليه هذا الفهم بقوله: «يا سعد! إني لأعطي الرجل وغيرُه أحبُّ إليّ منه؛ خشيةَ أن يكُبَّه الله في النار». قال في (فتح الباري): «ومحصل القصة أن النبي ﷺ كان يوسع العطاء
стр. 110
لمن أظهر الإسلام تألّفًا، فلما أعطى الرهط وهم من المؤلفة، وترك جُعيلاً (١)
وهو من المهاجرين مع أن الجميع سألوه، خاطبه سعد في أمره؛ لأنه كان يرى أن جُعيلاً أحق منهم؛ لما اختبره منه دونهم، ولهذا راجع فيه أكثر من مرة» (٢).
ومن أمثلة الاستدراك على الأفعال، ما في (صحيح البخاري) عن عائشة (٣) ﵂: «أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة. قال: من هذه؟ قالت: فلانة. تذكر من صلاتها. قال: مَهْ! عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمَلّ الله حتى تملّوا. وكان أحبَّ الدين إليه ما داوم عليه صاحبُه» (٤).
стр. 111
بل علّم النبي ﷺ أصحابَه كيف يستدركون على المُستدرِك، بإيراد الاستدراك المُحتمَل، والجواب عنه.
ففي (صحيح البخاري) عن أبي شريح (١) ﵁: «أنه قال لعمرو بن سعيد (٢)
- وهو يبعث البعوث إلى مكة -: ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولاً قام به النبي ﷺ الغدَ من يوم الفتح، سمعتْهُ أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به. حمِدَ اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: إن مكة حرمها اللهُ، ولم يحرمها الناسُ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضِدَ (٣) بها شجرة، فإن أحدٌ ترَخّصَ لقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، ثم عادت حرمتُها اليوم كحرمتها بالأمس، وليُبَلِّغ الشاهدُ الغائبَ» (٤).
стр. 112
ومحل الشاهد قوله: «فإن أحدٌ ترَخّصَ لقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، ثم عادت حرمتُها اليوم كحرمتها بالأمس» حيثُ أورد استدراكًا محتملاً، وعلّمهم بما يستدركون به عليه.
وهذه الحوادث وغيرها فيها تأصيل للاستدراك منهجًا في التقويم والنقد والبيان، في الأقوال وفي الأفعال وفي الفهم، ويتبيّن منها أنه أصل في التوجيه والتبليغ والإصلاح، والأعمال الفقهية مفرد من المفردات التي يتوجه إليها هذا المنهج (١).
стр. 113
المبحث الثالث
أصول الاستدراك الفقهي من القواعد الكلية والمبادئ العقلية العامة
стр. 114
دعتْ إلى الاستدراك الفقهي قواعد كلية ومبادئ عقلية، وهي مستقاة من النص الصحيح والعقل الصريح، نبّه عليها العلماء في طيات مؤلفاتهم، أذكر منها:
- قاعدة نفي العصمة عن كل فرد من الأمة، وإثباتها للنبي ﷺ وحده:
روى ابن عبد البر (١) بسنده إلى مجاهد (٢)
أنه قال: «ليس أحد بعد رسول الله ﷺ إلا يؤخذ من قوله ويترك» (٣). وهذه القاعدة أصل كبير، تقرِّر معيارًا من معايير
стр. 115
الاستدراك وهو الاحتكام إلى النص الشرعي لتقييم الرأي الفقهي الذي هو عُرضة للرد المقتضي الاستدراك. ومن هنا أتت:
- قاعدة تجويز الخطأ على المجتهدين (١):
وهي مبنية على قاعدة نفي العصمة، ومبدأ ضعف الإنسان وقصوره، الذي من صوره عدم إحاطته بالمعلومات، وغفلته، ونسيانه ...
ومن هنا أتتْ جملة من الضوابط والمبادئ الدائرة بين الفقهاء، مثل (لا يُنظر في الخلافيات إلى من قال بل إلى ما قيل)، و (الأقوال يُحتجُّ لها، ولا يُحتجُّ بها).
- قاعدة ذم التقليد لمن قدر على النظر .
قال ابن عبد البر بعد أن ساق أدلة من القرآن في ذم التقليد: «وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفر أولئك (٢) من جهة الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلِّد، كما لو قلد رجل فكفر، وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها، كان كل واحد ملومًا على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضًا، وإن اختلفت الآثام فيه» (٣).
قال في (مراقي السعود):
فقولُ: مَنْ قلَّدَ عالِمًا لقِي ... اللهَ سالِمًا، فغيرُ مُطلَقِ (٤)
وذم التقليد للقادر على النظر يقتضي النظر الناقد والمستدرِك.
стр. 116
- قاعدة لا أُسوة في زلة العالم .
وقد حذّر العلماء من زلة العالم، والحذر منها يقتضي النقد والاستدراك والبيان.
من ذلك قول معاذ بن جبل (١) ﵁: « ... وإياك وزيغة الحكيم، فإن الشيطان يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة ... قالوا: وكيف زيغة الحكيم؟ قال: هي الكلمة تروعكم وتنكرونها، وتقولون: ما هذه؟ فاحذروا زيغته ... » (٢).
ومن نظم ابن عبد البر في ذلك:
والشر ما فيه - فديتك - أُسوة ... فانظر ولا تحفل بزلّة ماهر (٣)
- قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وهي مفهوم الأمر بالإصلاح، وهي شريعة في ديننا، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ (٤).
стр. 117
وفي (صحيح مسلم) عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلاَةِ مَرْوَانُ (١) فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ الصَّلاَةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. فَقَالَ قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (٢).
وتطبيق هذه القاعدة في عموم حياة المسلمين مآله تلافي النقص والخطأ واللبس، والاستدراك على الأعمال الفقهية فرد من أفراد هذا الإصلاح.
- قاعدة الشورى .
فبالشورى تتنقح الأفكار بإبداء المناقشات وتداول وجهات النظر، ولا يخلو ذلك من النظر النقدي والاستدراكي؛ لأن قاعدة الشورى غايتها العظمى إصلاح الرأي بتلافي معايبه، وهي قاعدة انطلقت منها كثير من الآراء الفقهية المنقّحة. كشورى عمر بن الخطاب ﵁ في الأراضي التي أفاء الله على المسلمين من أرض العراق والشام (٣).
وختم في (الفكر السامي) فقرة صورة وقوع الخلاف في عهد الخلفاء الراشدين بقوله: «وقد رأيت أن جلّ ما كان يقع من الخلاف يضمحل لمكان الشورى، وتوفر
стр. 118
جمهور الصحابة لديهم، فتظهر السنة، ويعتمدونها، فيضمحلّ الخلاف، ويعلم ذلك بتتبع كتب الصحاح وممارسة كتب الفقه القديمة» (١).
ويُسجّل هنا أن قاعدة الشورى في الأحكام الفقهية تميزت في تطبيقها مدرسة أبي حنيفة وطلابه، فلم يكن الإمام يستبد بالرأي عند ورود المسائل لديه، بل كان يعرض المسألة على تلاميذه، وكان يدلي كلٌّ منهم برأيه، ثم هو يُناقش ويُعقِّب فيبين الصواب بالعقل والنقل (٢). وهو منهج مناسب لطبيعة تلاميذه؛ لأن منهم اللغوي ومنهم المحدث ومنهم القاضي ومنهم المفتي.
وكان أصحابه يخوضون معه في المسألة، فإذا لم يحضر عافية (٣) قال أبو حنيفة: لا ترفعوا المسألة حتى يحضر عافية! فإذا حضر عافية ووافقهم قال أبو حنيفة: أثبتوها. وإن لم يوافقهم قال: لا تثبتوها (٤).
- مبدأ التفكر والتدبر .
وهو مبدأ دعا إليه الشرع في كثير من النصوص، وحقيقٌ تطبيقه في الأعمال الفقهية، وهو مبدأ يقتضي النظر النقدي والاستدراكي.
стр. 119
قال في (تلبيس إبليس): «والفقيه من نظر في الأسباب والنتائج وتأمل المقاصد، فإن النظر إلى الأمرد (١) مباح، إن أمن ثوران الشهوة فإن لم يؤمن لم يجز ... فتأمل هذه القاعدة» (٢).
- قاعدة «النظر للأزمنة والأشخاص - لا من حيث أصل شرعي - أمر جاهلي» (٣):
وهي قاعدة تستلزم عدم التسليم المطلق بالصواب لكل قول سابق لمجرد أنه سابق، وتستلزم النظر إلى ذات القول لا إلى قائله، وفي هذا السياق يقول المبرّد (٤): «وليس لقدم العهد يُفضَّل القائل، ولا لِحِدْثان عهد يُهتضمُ المُصيب، ولكن يُعطى كلٌّ ما يستحق» (٥). وقال ابن مالك (٦): «وإذا كانت العلوم منحًا إلهية، ومواهب اختصاصية،
стр. 120
فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين، أعاذنا الله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف» (١).
فـ «إذا حُقّق أصل العلم، وعُرفت موادُّه، وجرت فروعه، ولاحت أصوله، كان الفهم فيه مبذولاً بين أهله، فليس المتقدم فيه بأولى من المتأخر، ولو كان له فضيلة السبق، فالعلم حاكم، ونظر المتأخر أتمّ؛ لأنه زائد على المتقدم، والفتح من الله مأمول لكل أحد» (٢).
ويُنبه إلى هذا المعنى الرهوني (٣) فيقول: «هذا ومما علم بالمشاهدة من حال علماء هذه الأمة أن جلالة من تصدى للتأليف من الأئمة، لا تمنع من الكلام معهم من أمّه، ... على أنه لا يستغرب صدور الحكمة عن أيدي من ضعف من الطلاب ... إلا من استولى على قلبه الحجاب، أما من علم أن ما يصدر على أيدي العباد على الخصوص والعموم من حكم وعلوم ومعارف وفهوم ... هو من الواحد الأحد ... بلا واسطة ولا أسباب، فلا يستغرب شيئًا من ذلك على الإطلاق، ... فكن أيها الناظر إلى هذا التقييد (٤) ... سالكًا مسلك أهل التوحيد واقفًا مع الحقيقة؛ حتى لا تستغرب ما تقف عليه
стр. 121
من صحاح النصوص وغرائب النقول التي خفيت على كثير ممن سبق من الفحول، وتعلم أنها - وإن ظهرت على يد من قصر باعه ... - فإنما هي من فعل من لا شريك له في فعلٍ ما وصنعه» (١).
إذا تقرر هذا فعلى الناظر في الفقه أن ينظر بنقد ومراجعة وبحث، فإذا تبين له خلل استدركه، ولا يتوقف ويجمد على جهود السابقين، ولْيقل: كم ترك الأول للآخر؟ !
стр. 122
الفصل الثالث
أركان الاستدراك الفقهي
стр. 123
والأركان جمع رُكن، والركن هو ما لا يقوم الشيء إلا به، فهو جزء الذات (١).
وقد سبق تعريف الاستدراك الفقهي في الفصل الأول من هذا الباب، ومن خلاله تتبين أركان الاستدراك الفقهي، وهي ثلاثة أركان:
١ - المستدرَك عليه: وهو العمل السابق أو المقدّر الذي يرى فيه المستدرِكُ محلاًّ للتلافي. ويُطلقُ على عامل العمل أيضًا؛ لأنه لازمه.
٢ - الخلل: وهو الباعثُ على الاستدراك، وهو المُتلافى حقيقةً في عمل موجود، أو تقديرًا في عمل مُقدّر. وهو على جنسين:
- عدمُ النفع الداعي إلى إنشائه.
- أو نقصُه الداعي إلى تكميله.
وهذا الخلل هو الذي يُحدِّد غرضَ المستدرِك من استدراكه.
٣ - المستدرَك: وهو المعنى الذي يحصل به التلافي - في نظر المُستدرِك - يُصاغُ في عمل فقهي لإبرازه، وهو على جنسين:
- نفعٌ يُنشَأ، وذلك عندما يكون الخلل الموجود أو المقدّر لم يُقدّم نفعًا في محلّه، في نظر المستدرِك.
- نفعٌ مُكمِّلٌ، وذلك عندما يكون الخلل الموجود أو المقدّر ناقص النفع في محله، في نظر المستدرِك.
ويُطلَقُ لفظ (المستدرَك) على ذات المعنى الموجود في الذهن، بحيث يعبَّر عنه بأي لفظٍ يدلّ عليه، ويُطلق على الصيغة التي أبرزتْ هذا الاستدراك.
ولا يبدو لي أن المستدرِك من الأركان؛ لعدم دخوله في ماهية الاستدراك، وإنما هو لازم لها، خارج عنها، كالقائس في القياس، ليس ركنًا فيه، والخطب يسير - إن شاء الله -.
стр. 124
الفصل الرابع
شروط الاستدراك الفقهي
وتحته ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تحديد المراد بشروط الاستدراك الفقهي.
المبحث الثاني: تعداد شروط الاستدراك الفقهي.
المبحث الثالث: شروط لا تلزم في الاستدراك الفقهي.
стр. 125
أُناقش شروط الاستدراك الفقهي بإثباتِ المُشتَرَط، ونفيِ ما لا يُشترط، وأُقدم بين يدي ذلك تحديدًا للمُراد بشروط الاستدراك الفقهي؛ لتنقيح مناط الاشتراط، وعليه فأناقش هذا الفصل في ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تحديد المراد بشروط الاستدراك الفقهي .
مادة (شرط) تدل على «عَلَمٍ وعلامة، وما قارب ذلك من عَلَمٍ» (١). و (شُرُوط) جمع (شَرْط) وهو بمعنى إلزام الشيءِ، وبمعنى التزامه في البيع ونحوه (٢). وجمعُ (شَرَط) (أَشْرَاط)، بمعنى علامة، ومنه أشراط الساعة: أي علاماتها (٣).
والشرط في اصطلاح الأصوليين: «ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجودٌ ولا عدم لذاته» (٤). وهو لازم كالركن؛ لتوقُّف الحكم عليهما، إلا أن الركن جزء من الماهية، والشرط خارج عنها (٥).
والعدم اللازم، والوجود والعدم غير اللازمَين يُقصَد به هنا إطلاق مصطلح (الاستدراك الفقهي) على العمل الفقهي، لا صحة المضمون، فقد يصح إطلاق الاستدراك الفقهي على عمل فقهي اصطلاحًا مع أن مضمونه ليس صحيحًا في نظر غير المستدرِك، أو في نظر المستدرِك نفسه ولكن في غير وقت استدراكه.
إذا تقرّر هذا فإنك تحكُمُ على الاستدراك فتقول: استدراك صحيح، أو استدراك باطل، ولا يكون هذا إلا بعد صحة إطلاق المصطلح على العمل؛ لأنه يلزم من الحكم على شيءٍ وجودُه السابقُ للحكم.
стр. 126
وعليه فيكون المراد بالشروط هنا هو: ما يلزم من عدمها عدم إطلاق الاستدراك الفقهي على العمل الفقهي، ولا يلزم من توفرها إطلاقُ الاستدراك الفقهي ولا عدمه؛ لأنه قد تتوفر شروط صحة إطلاق الاستدراك الفقهي على عمل فقهي، ولكن ذلك لا يلزم منه أن يكون ذلك العمل الفقهي استدراكًا بذاته على عمل آخر؛ لاحتمال عدم علمه بالعمل الذي يحتاج إلى استدراك. وعليه ففي هذه الحالة نجد أن الناظر في العملين يقول: وهذا يُستدرَك به على هذا، ولا يقول: استدرك فلان على عمل فلان، لأن صاحب العمل التالي قد لا يعلم بالعمل المشتمل على خلل، وإنما كتبه ابتداءً.
стр. 127
المبحث الثاني: تعداد شروط الاستدراك الفقهي .
١ - تأخُّره عن المُستدرَك عليه: فلا يصح إطلاق الاستدراك الفقهي على عمل فقهي سابق للمُستدرَك عليه، سواء كان المستدرَك عليه حقيقة أو تقديرًا، فإن كان حقيقة فالأمر واضح في تأخّره، وإن كان تقديرًا فإن المستدرِك يُنزّل المستدرَك عليه المقدّر منزلةَ الواقع، فيكونُ سبقُه تقديريٌّ، وتأخّر الاستدراك عليه تقديريٌّ.
٢ - اتحاد مورد العملين: فلا يصح إطلاق الاستدراك الفقهي على عمل لم يكن في نفس محل الخلل في العمل السابق.
٣ - مغايرة ما استُدرِك به للمستدرَك عليه: فلا يصح إطلاق الاستدراك الفقهي إن كان العمل الثاني موافقًا لذات العمل الأول.
٤ - اتحاد معيار العملين: فلا يصح إطلاق الاستدراك الفقهي على عمل هدفه التلافي بمعيار غير معيار العمل السابق (١).
جاء في (الدر المختار): «فرع: نقل في (الأشباه) عن بعض الشافعية: إذا لم يكن للقاضي شيء في بيت المال فله أخذ عشر ما يتولى من أموال اليتامى والأوقاف. وفي (الخانية): للمتولي العشر في مسألة الطاحونة. قلت: لكن في (البزازية): كل ما يجب على القاضي والمفتي لا يحل لهما أخذ الأجر به كإنكاح صغير؛ لأنه واجب عليه،
стр. 128
وكجواب المفتي بالقول ... » (١). قال صاحب (التكملة) مُعقِّبًا: «قوله: (قلت لكن الخ) لا وجه لهذا الاستدراك لما علمت من أن ما نقله عن (الأشباه) هو قول لبعض الشافعية فكيف يستدرك عليه بعبارة (البزازية) التي هي مذهب الحنفية» (٢).
وقال الزرقاني (٣)
عند الكلام على الحكمة من مشروعية الإبراد بالصلاة بعد تقرير علة المشروعية عند قوله ﷺ : «فإن شدة الحر من فيح جهنم» (٤). قال: « ... ويمكن أن يقال: سجر جهنم سبب فيحها، وفيحها سبب وجود شدة الحر، وهو مظنة المشقة التي هي مظنة سلب الخشوع، فناسب أن لا يصلي فيها. لكن يرد عليه أن سجرها مستمر في جميع السنة، والإبراد مختص بشدة الحر، فهما متغايران، فحكمة الإبراد دفع المشقة، وحكمة الترك وقت سجرها؛ لكونه في وقت ظهور أثر الغضب، قاله الحافظ (٥).
стр. 129
واستدراكه مبني على مذهبه (١) من الاختصاص أما على مذهب مالك من ندب الإبراد في جميع السنة ويزاد لشدة الحر (٢)
فلا استدراك» (٣).
٥ - أن يكون في شأن فقهي، أو غيرَ فقهي مرادًا به خدمة الشأن الفقهي في المسألة: وهو شرطٌ أفاده التقييد بـ (الفقهي)، ومن غير الفقهي مما يراد به خدمة الشأن الفقهي الدخول في مباحث لغوية أو جدلية أو تاريخية أو نسَبية ... لتلافي الخلل في اعتماد العمل السابق عليه.
стр. 130
المبحث الثالث: شروط لا تلزم في الاستدراك الفقهي:
١ - كون المستدرِك أعلم من المستدرَك عليه.
٢ - صحة مضمون الاستدراك الفقهي.
٣ - اتحاد أو اختلاف مذهب المُستدرِك والمستدرك عليه.
٤ - سلامة العمل الاستدراكي من الاستدراك: بمعنى لا يلزم في صحة إطلاق الاستدراك الفقهي أن يبقى المستدرَك دون أن يُستدرك عليه، فإن عملية الاستدراك لا تتوقف عند الاستدراك الأول، بل قد يُستدرَك على المستدرِك.
٥ - قناعة غير المُستدرِك بمضمون الاستدراك.
٦ - استمرار قناعة المُستدرِك بما استدرَك به.
стр. 131
الفصل الخامس
أنواع الاستدراكات الفقهية، وتطبيقاتها .
وتحته أربعة مباحث:
المبحث الأول: أنواع الاستدراك الفقهي باعتبار من استُدرك عليه، وتطبيقاتها.
وتحته تنبيه وخمسة مطالب:
- تنبيه في التحذير من الاستدراك على الشرع.
- المطلب الأول: استدراك الفقيه على نفسه، وتطبيقاته.
- المطلب الثاني: استدراك الفقيه على موافق له في المذهب، وتطبيقاته.
- المطلب الثالث: استدراك الفقيه على مخالف له في المذهب، وتطبيقاته.
- المطلب الرابع: الاستدراك على المستدرِك، وتطبيقاته.
- المطلب الخامس: الاستدراك على شخص مقدَّر، وتطبيقاته.
المبحث الثاني: أنواع الاستدراك الفقهي باعتبار أركان القضية الفقهية، وتطبيقاتها.
وتحته ثلاثة مطالب:
- المطلب الأول: الاستدراك على موضوع القضية الفقهية. وتطبيقاته.
- المطلب الثاني: الاستدراك على محمول القضية الفقهية. وتطبيقاته.
- المطلب الثالث: الاستدراك على منظوم القضية الفقهية. وتطبيقاته.
المبحث الثالث: أنواع الاستدراك الفقهي باعتبار وجوه الاجتهاد الكلية في بحث حكم المسألة الفقهية، وتطبيقاتها.
وتحته خمسة مطالب:
- المطلب الأول: الاستدراك على الاجتهاد في الدليل، وتطبيقاته.
стр. 132
- المطلب الثاني: الاستدراك على الاجتهاد في التأويل، وتطبيقاته.
- المطلب الثالث: الاستدراك على الاجتهاد في الاستدلال، وتطبيقاته.
- المطلب الرابع: الاستدراك على الاجتهاد في التعليل (= معقول النص)، وتطبيقاته.
- المطلب الخامس: الاستدراك على الاجتهاد في التنزيل، وتطبيقاته.
المبحث الرابع: أنواع الاستدراك الفقهي باعتبار جنس مُتعَلَّقه، وتطبيقاتها.
وتحته مطلبان:
- المطلب الأول: أنواع الاستدراك الفقهي باعتبار مُتعلّقه الإدراكي، وتطبيقاتها.
- المطلب الثاني: أنواع الاستدراك الفقهي باعتبار مُتعلّقه الفعلي، وتطبيقاتها.
стр. 133
المبحث الأول
أنواع الاستدراك الفقهي باعتبار من استُدرك عليه، وتطبيقاتها .
وتحته تنبيه وخمسة مطالب:
تنبيه في التحذير من الاستدراك على الشرع.
المطلب الأول: استدراك الفقيه على نفسه، وتطبيقاته.
المطلب الثاني: استدراك الفقيه على موافق له في المذهب، وتطبيقاته.
المطلب الثالث: استدراك الفقيه على مخالف له في المذهب، وتطبيقاته.
المطلب الرابع: الاستدراك على المستدرِك، وتطبيقاته.
المطلب الخامس: الاستدراك على شخص مقدَّر، وتطبيقاته.
стр. 134
لئن كانت الاستدراكات الفقهية تتنوع تنوّعًا كثيرًا فإنه يمكن حصر اعتبارات تنوعها حصرًا منطقيًّا يوافقه الواقع العملي، فإن اتّبعتُ طريقة المُحدّثين في النقد وطبّقتُها على واقع النقد الفقهي قلتُ: إن الاستدراك الفقهي على ثلاثة أنواع:
١ - استدراك على متن القضية الفقهية، وهو يقابل نقد المحدثين متنَ الخبر، وهو يشمل الاستدراك على موضوع القضية الفقهية، ومحمولها، والاستدلال لها، ودليلها، وصياغتها ...
٢ - استدراك على نسبة القضية الفقهية، وهو يقابل نقد المحدثين سند الخبر، وهو يشمل النسبة إلى الإجماع، أو المعتمد، أو الراجح، أو المشهور، أو إلى اتفاق، أو مذهب، أو فقيه، أو كتاب ...
٣ - استدراك على التأليف، بالتهذيب والتنقيح، ونحوهما مما فيه تلافٍ، وهو منهج مُتّبَعٌ عند المحدثين والفقهاء كما تبيَّن في المبحث الثاني من الفصل الأول من هذا الباب.
وهذا المنهج مع منطقيته وواقعيته وفائدته في الربط بين العلوم الإسلامية، إلا أني رأيتُ في اتباعه حَشْرًا لاعتبارات في الاستدراك الفقهي تمييزُها بعنوان يخصُّها أفضل وأيسر في التناول من ذكرها مع قَبِيلٍ آخر من الأنواع تحت عنوان كبير لا يُميّزُها. واعتبرتُ في ذلك أربع نواحٍ:
١ - ناحية من استُدرك عليه (١).
٢ - ناحية أركان القضية الفقهية.
٣ - ناحية وجوه الاجتهاد الكلية في المسألة.
٤ - ناحية جنس مُتعلّق الاستدراك الفقهي.
وهي - مع شمولها للاعتبارات السابقة - نواحٍ تُبرِز خاصية الاستدراك الفقهي عن غيره من الاستدراكات في العلوم الأخرى، وهو هدف رئيس لهذا البحث، إذ لو كانت
стр. 135
نواحي التنوع في الاستدراك الفقهي مثل غيرها في غيره لما كان لتقييد (الاستدراك) بـ (الفقهي) كبير فائدة.
وبعدُ، فأُخصص لكل ناحية مبحثًا على النحو التالي:
تنبيه في التحذير من الاستدراك على الشرع .
بين يدي هذا المطلب رأيت من تمام الكلام في هذا الاعتبار التنبيه بتحديد الجهات المعتبرة فيه؛ وأنها ما سوى الشرع، فقد تمّ هذا الدين وَحْيًا، وتمّت معه الأحكام تشريعًا، وتمت مقاصدها وقواعدها عدلاً وحكمةً ورحمةً، ومقتضى الإيمان بالتمام التسليمُ بذلك، وعدم الاستدراك على أحكام الله بدعوى النقص، أو بغرض النقض، أو بدعوى تقويم الموازين لتُصبح أكثرَ عدلاً ورحمةً وحكمةً مما هي عليه في التنزيل الحكيم، وفي سنة النبي الكريم ﷺ ، فمن اعتقد أن هدي غير الإسلام أكمل من هدي الإسلام، أو أحسن منه فقد انتقض إسلامه (١).
ويرجع هذا الباب إلى مقدمتين كبيرتين (٢):
١ - الإيمان بأن الله تعالى لا يشرع إلا ما فيه مصلحة عاجلة أو آجلة، ولا ينهى إلا عن ما فيه مفسدة عاجلة أو آجلة، وأنّ الشريعة دلّت على كل المصالح وكل المفاسد، ولم يعزُب شيءٌ من ذلك عنها (٣).
стр. 136
وتشهد لهذه المقدمة نصوص كثيرة، منها: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ (١)، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ (٢)، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ (٣)، وفي صفة النبي ﷺ : ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٤).
٢ - الإيمان بتمام البلاغ الذي يترتب عليه الإيمان بتمام هذه الشريعة.
وتشهد لهذه المقدمة نصوص كثيرة، منها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٥)، ومنها: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ (٦)، ولا يمكن تصوُّر تمام الشريعة إلا بتمام بلاغها، وتمام البلاغ هو وظيفة الرسول ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٧).
إذا تقرر هذا فلا يُتصوّر الاستدراك على كامل، ولا على مصدر التعرُّف على المصالح والمفاسد، فضلاً عن أن يقصُر عن تبيين بعضها!
стр. 137
لذلك كان من مقتضى الإيمان التسليم للشرع، وعدم المراجعة والاستدراك عليه ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ (١)، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٢)، ولذلك يغضب النبي ﷺ ممن يُراجعه في الأمر التشريعي، ففي (صحيح البخاري): عن عائشة ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رسول الله ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِن الْأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ. قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رسول الله، إِنَّ الله قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِالله أَنَا» (٣).
وبعد هذا التمهيد أدخل في المقصود من تقسيم الاستدراك الفقهي بهذا الاعتبار.
والمقصود بهذا التنويع أننا إذا نظرنا إلى وجوه التلافي من جهة من استُدرك عليه نجد أنها تتنوع بتنوع هذا المُستدرك عليه، وقد يكون المستدرك عليه حقيقةً أو تقديرًا.
وبالتأمل في جملة من استدراكات الفقهاء مع اعتبار القسمة المنطقية تحصّلت لي خمسة أنواع بهذا الاعتبار، أُناقش كل نوع منها في مطلب، على ما سيأتي.
стр. 138
المطلب الأول: استدراك الفقيه على نفسه، وتطبيقاته .
وصورته: أن يرجع فقيه إلى عملٍ فقهي له فيلحظ فيه خللاً، فيكرّ عليه بالتلافي.
وفائدته: أن هذا النوع من الاستدراك مصدرٌ أساس في معرفة المعتمد من قول إمام المذهب. ومعرفةُ استدراك الفقيه على نفسه يقي الناقل من النسبة الخاطئة للرأي المستقر لدى فقيه في المسألة. كما أن الاطلاع على هذا النوع يُفيد الناظر الشجاعة في إبداء الاستدراك الفقهي عند تحقق الصواب، سواء على نفسه أو على غيره.
واستدراك الفقيه على ما سبق منه من عمل فقهي أمرٌ طبيعيٌّ، ينتُج عن توسُّع المدارك في التفقه، فقد يبلغ الفقيهَ نصٌّ مخالفٌ لعمله السابق لم يكن يعرفه، أو يلحظُ في موضوع المسألة ملحظًا مؤثّرًا قد غفل عنه في عمله السابق، فيستدرك على نفسه بعمل آخر يتلافى به ما سبق منه ... وغير ذلك من الأسباب.
وقيل للخريبي (١) رجع أبو حنيفة عن مسائل كثيرة. قال: إنما يرجع الفقيه إذا اتسع علمه (٢).
وهو مع ذلك أمر له دلالاته من خشية الله، ونبذ الكِبْر الذي يقتضي بطَر الحقّ.
تطبيقاته:
النموذج الأول: رجوع أبي حنيفة عن القول بأن الصدقة أفضل من حج التطوع، لمّا حج وعرف مشقته (٣).
تحليل الاستدراك:
стр. 139
يستدل الحنفية بهذا على أن زيادة العلم بالتجربة سبب للترجيح بين الأقوال في المذهب (١)، فأبو حنيفة استبصر مُدركًا يُرجّح أفضلية حج التطوع على الصدقة، جعله يستدرك على قوله الأول القاضي بعكس ذلك؛ لما في الحج من مشقّة أعلى من مشقة الصدقة، فيكون بهذا أكثر أجرًا منها، فيفضُل عليها.
النموذج الثاني: استدراك مالك على نفسه في مسألة: إخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْ الْعَبْدِ يُبَاعُ يَوْمَ الْفِطْرِ.
جاء في (المدونة): «قُلْتُ (٢): أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ عَبْدَهُ يَوْمَ الْفِطْرِ بَعْدَمَا أَصْبَحَ عَلَى مَنْ زَكَاةُ الْفِطْرِ؟ فَقَالَ (٣): سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْهَا فَقَالَ لِي غَيْرَ مَرَّةٍ: أَرَاهُ عَلَى الَّذِي ابْتَاعَهُ إنْ كَانَ ابْتَاعَهُ يَوْمَ الْفِطْرِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فَقَالَ: أَرَاهُ عَلَى الْبَائِعِ وَلَا أَرَى عَلَى الْمُبْتَاعِ فِيهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ قَدْ وَجَبَتْ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ» (٤).
تحليل الاستدراك: في هذه المسألة توارد مُلْكان على العبد في أثناء وقت وجوب زكاة الفطر، فعلى أيّ المالكين تكون زكاة الفطر التي عن العبد؟ هل على المالك الأول (وهو البائع هنا) باعتبار خطابه بالوجوب أولاً؟ حيثُ وُجد سبب الخطاب وقت مُلكه؟ أم على المالك الثاني (وهو المشتري هنا) باعتباره قد ملكه وقت وجوب، ولم تؤدّ عنه زكاة الفطر؟
بنى مالك قوله الأول في المسألة على أن العبد مادام قد دخل في مُلك المشتري في أثناء وقت الوجوب فزكاة الفطر تكون على مالكه الحالي، ولكنه استدرك على نفسه مدركًا في المسألة، وهو - فيما ظهر لي - أن وجود السبب يقتضي وجود الحكم،
стр. 140
فالسبب دخول وقت الوجوب، والحكم وجوب إخراج زكاة الفطر، وحصول السبب إنما كان في وقت ملك الأول، فعلمنا أن الخطاب توجّه إليه بمجرد حصول السبب، وبالتالي لا يتوجّه الخطاب إلى المالك الثاني.
النموذج الثالث: استدراك الشافعي على نفسه في مسألة: وضع الجار أجذاعه (١) في جدار جاره.
جاء في (الحاوي الكبير): «فَكَانَ يَذْهَبُ (٢) فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّ لِلْجَارِ أَنْ يَضَعَ أَجْذَاعَهُ فِي جِدَارِ جَارِهِ جَبْرًا بِأَمْرِهِ وَغَيْرِ أَمْرِهِ، ... ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فِي الْجَدِيدِ وَقَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَضَعَ أَجْذَاعَهُ فِي جِدَارِ جَارِهِ إِلَّا بِأَمْرِهِ، كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْلَاكِ الَّتِي لِجَارِهِ إِلَّا بِأَمْرِهِ» (٣).
تحليل الاستدراك: جواز وضعِ الأجذاع على جدار الجار بدون إذنه تنازعه أصلان، أصل عام وهو: ما دلّت عليه عمومات الشريعة من حرمة التصرف في مال المرء إلا بإذنه، وأصل خاص وهو: النهي عن منع الجار جاره أن يرتفق بجداره الوارد في الحديث: «لا يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبَهُ في جداره» (٤).
بنى الشافعي مذهبه القديم على ظاهر الحديث، فحمل النهي فيه على التحريم، وبدا له في مذهبه الجديد معارضة هذا لعموم تحريم التصرف في مال المرء إلا بإذنه، فجعل هذا الأصل الأخير صارِفًا للنهي في الحديث عن التحريم إلى الكراهة (٥).
стр. 141
النموذج الرابع: اختلفت الرواية عن أحمد في مسألة القرء: هل هو الحيض أو الطهر؟ ففيه روايتان:
الرواية الأولى: هو الحيضُ (١). «قال الْقَاضِي (٢):
الصَّحِيحُ عن الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْحِيَضُ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُنَا، وَرَجَعَ عن قَوْلِهِ بِالْأَطْهَارِ. فقال في رِوَايَةِ النَّيْسَابُورِيِّ (٣): كُنْت أَقُولُ إنَّهُ الْأَطْهَارُ، وأنا أَذْهَبُ الْيَوْمَ إلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْحَيْضُ. وقال في رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ (٤): كُنْت أَقُولُ الْأَطْهَارُ ثُمَّ وَقَفْتُ لِقَوْلِ الْأَكَابِرِ» (٥).
стр. 142
الرواية الثانية: هو الطهر. «قال ابن عبد الْبَرِّ: رَجَعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ إلَى أَنَّ الْقُرُوءَ الْأَطْهَارُ. وقال في رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: رَأَيْت الْأَحَادِيثَ عَمَّنْ قال: الْقُرْءُ الْحَيْضُ، مُخْتَلِفَةً، وَالْأَحَادِيثُ عَمَّنْ قال إنَّهُ أَحَقُّ بها حتى تَدْخُلَ في الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ أَحَادِيثُهَا صِحَاحٌ قَوِيَّةٌ» (١).
تحليل الاستدراك:
كل من الروايتين يُفهم منها أنه رجع إلى الأخرى، ولا أستبعدُ أن الإمام تكرر نظره في المسألة، وتكرر استدراكه فيها أكثر من مرة، بحيث يقول بقول ثم تبدو له مدارك في المسألة تُرجح القول الآخر فيرجع إليه بعد أن استدرك عليه.
فعلى الرواية الأولى استدرك على قوله بأنه الطهر إلى أنه الحيض؛ لأن القول بالطُّهر ليس بقول الأكابر. وعلى الرواية الثانية استدرك على قوله بأنه الحيض إلى أنه الطهر؛ لأن الأخير أسعد بقوة الأدلة وصحتها.
стр. 143
المطلب الثاني: استدراك الفقيه على موافق له في المذهب، وتطبيقاته .
صورته: أن يعمل فقيه عملاً فقهيًّا، فيرى فقيه آخر من نفس مذهبه أن في عمله خللاً فيتلافاه بعمل فقهي آخر.
وشهدت المذاهب الفقهية حركات تصحيح وتنقيح لمؤلفاتها وما تحمله من رواية ودراية، وكان ذلك واضحًا واسعًا في القرن الرابع إلى منتصف القرن السابع (١).
وفائدته: تصحيح المذهب، وتيسير الوصول إلى مسائله، وتحرير المعتمد فيه، ونقد الأقوال التي يراها الفقيه مخالفة لنص أو قاعدة، ينتج عنه - غالبًا - التقريب بين المذاهب الفقهية في المدارك والأحكام.
إن الفقيه الحقّ لا يُثنيه انتسابه إلى مذهب فقهي معين أن يستدرك على المذهب بما وصل إليه تحقيقه واجتهاده أنه على خلاف المذهب؛ وهذا من دلالات النصيحة للدين، ونبذ التعصّب للمذهب بدون دليل. كما أن من الوفاء لمذهبه أن يذبّ عنه ما ليس منه، وأن يسعى في إصلاحه.
стр. 144
تطبيقاته:
النموذج الأول: جاء في (الهداية): «والفاسق أهل للقضاء حتى لو قلد يصح، إلا أنه لا ينبغي أن يقلد، كما في حكم الشهادة، فإنه لا ينبغي أن يقبل القاضي شهادته، ولو قبل جاز عندنا» (١).
قال العيني (٢): «وقال الشافعي ﵀ ومالك وأحمد رحمهما الله: لا يصح تقليده، وبه قال بعض مشايخنا ﵏. قلتُ: الصواب معهم، ولا سيما قضاة هذا الزمان» (٣).
تحليل الاستدراك: استدرك العيني على مذهبه في صحة تولية الفاسق القضاء، وصوّب رأي الأئمة مالك والشافعي وأحمد وبعض مشايخ المذهب الحنفي في عدم صحة تولية الفاسق القضاء، مُراعيًا في ترجيحه حال الزمان الذي هو فيه، مما يُفهم منه أنه وإن صحّ مذهب الحنفية في المسألة ولكن المصلحة مرجوحة في توليته في زمان العيني.
стр. 145
النموذج الثاني: جاء في (جامع الأمهات) في صيام يوم الشك: «والمنصوص النهي عن صيامه احتياطاً، وعليه العمل، وخرّج اللخمي (١) وجوبَه من وجوب الإمساك على من شك في الفجر، ومن الحائض تتجاوز عادتها. وهو غلط؛ لثبوت النهي» (٢).
تحليل الاستدراك: استدرك ابن الحاجب (٣)
على اللخمي في مسألة صيام يوم الشك، حيث قاس اللخمي مسألة صيام يوم الشك على مسألة الشك في طلوع الفجر على من عليه صيام رمضان، وعلى مسألة الحائض يتجاوز دمها أيام عادتها، بجامع وجوب الإمساك احتياطًا بسبب الشك. فاستدرك عليه ابن الحاجب بأن هذا القياس مصادم