← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 132414

الاستدراك الفقهي تأصيلا وتطبيقا

مجمول الجدعاني

Полный текст (596 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

النموذج الرابع: اختلفت الرواية عن أحمد في مسألة القرء: هل هو الحيض أو الطهر؟ ففيه روايتان: الرواية الأولى: هو الحيضُ (١). «قال الْقَاضِي (٢): الصَّحِيحُ عن الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْحِيَضُ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُنَا، وَرَجَعَ عن قَوْلِهِ بِالْأَطْهَارِ. فقال في رِوَايَةِ النَّيْسَابُورِيِّ (٣): كُنْت أَقُولُ إنَّهُ الْأَطْهَارُ، وأنا أَذْهَبُ الْيَوْمَ إلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْحَيْضُ. وقال في رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ (٤): كُنْت أَقُولُ الْأَطْهَارُ ثُمَّ وَقَفْتُ لِقَوْلِ الْأَكَابِرِ» (٥).

стр. 142

الرواية الثانية: هو الطهر. «قال ابن عبد الْبَرِّ: رَجَعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ إلَى أَنَّ الْقُرُوءَ الْأَطْهَارُ. وقال في رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: رَأَيْت الْأَحَادِيثَ عَمَّنْ قال: الْقُرْءُ الْحَيْضُ، مُخْتَلِفَةً، وَالْأَحَادِيثُ عَمَّنْ قال إنَّهُ أَحَقُّ بها حتى تَدْخُلَ في الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ أَحَادِيثُهَا صِحَاحٌ قَوِيَّةٌ» (١). تحليل الاستدراك: كل من الروايتين يُفهم منها أنه رجع إلى الأخرى، ولا أستبعدُ أن الإمام تكرر نظره في المسألة، وتكرر استدراكه فيها أكثر من مرة، بحيث يقول بقول ثم تبدو له مدارك في المسألة تُرجح القول الآخر فيرجع إليه بعد أن استدرك عليه. فعلى الرواية الأولى استدرك على قوله بأنه الطهر إلى أنه الحيض؛ لأن القول بالطُّهر ليس بقول الأكابر. وعلى الرواية الثانية استدرك على قوله بأنه الحيض إلى أنه الطهر؛ لأن الأخير أسعد بقوة الأدلة وصحتها.

стр. 143

المطلب الثاني: استدراك الفقيه على موافق له في المذهب، وتطبيقاته . صورته: أن يعمل فقيه عملاً فقهيًّا، فيرى فقيه آخر من نفس مذهبه أن في عمله خللاً فيتلافاه بعمل فقهي آخر. وشهدت المذاهب الفقهية حركات تصحيح وتنقيح لمؤلفاتها وما تحمله من رواية ودراية، وكان ذلك واضحًا واسعًا في القرن الرابع إلى منتصف القرن السابع (١). وفائدته: تصحيح المذهب، وتيسير الوصول إلى مسائله، وتحرير المعتمد فيه، ونقد الأقوال التي يراها الفقيه مخالفة لنص أو قاعدة، ينتج عنه - غالبًا - التقريب بين المذاهب الفقهية في المدارك والأحكام. إن الفقيه الحقّ لا يُثنيه انتسابه إلى مذهب فقهي معين أن يستدرك على المذهب بما وصل إليه تحقيقه واجتهاده أنه على خلاف المذهب؛ وهذا من دلالات النصيحة للدين، ونبذ التعصّب للمذهب بدون دليل. كما أن من الوفاء لمذهبه أن يذبّ عنه ما ليس منه، وأن يسعى في إصلاحه.

стр. 144

تطبيقاته: النموذج الأول: جاء في (الهداية): «والفاسق أهل للقضاء حتى لو قلد يصح، إلا أنه لا ينبغي أن يقلد، كما في حكم الشهادة، فإنه لا ينبغي أن يقبل القاضي شهادته، ولو قبل جاز عندنا» (١). قال العيني (٢): «وقال الشافعي ﵀ ومالك وأحمد رحمهما الله: لا يصح تقليده، وبه قال بعض مشايخنا ﵏. قلتُ: الصواب معهم، ولا سيما قضاة هذا الزمان» (٣). تحليل الاستدراك: استدرك العيني على مذهبه في صحة تولية الفاسق القضاء، وصوّب رأي الأئمة مالك والشافعي وأحمد وبعض مشايخ المذهب الحنفي في عدم صحة تولية الفاسق القضاء، مُراعيًا في ترجيحه حال الزمان الذي هو فيه، مما يُفهم منه أنه وإن صحّ مذهب الحنفية في المسألة ولكن المصلحة مرجوحة في توليته في زمان العيني.

стр. 145

النموذج الثاني: جاء في (جامع الأمهات) في صيام يوم الشك: «والمنصوص النهي عن صيامه احتياطاً، وعليه العمل، وخرّج اللخمي (١) وجوبَه من وجوب الإمساك على من شك في الفجر، ومن الحائض تتجاوز عادتها. وهو غلط؛ لثبوت النهي» (٢). تحليل الاستدراك: استدرك ابن الحاجب (٣) على اللخمي في مسألة صيام يوم الشك، حيث قاس اللخمي مسألة صيام يوم الشك على مسألة الشك في طلوع الفجر على من عليه صيام رمضان، وعلى مسألة الحائض يتجاوز دمها أيام عادتها، بجامع وجوب الإمساك احتياطًا بسبب الشك. فاستدرك عليه ابن الحاجب بأن هذا القياس مصادم

стр. 146

لصريح النهي الوارد في الحديث: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ» (١)، والقاعدة أنه لا قياس مع النص (٢). النموذج الثالث: جاء في (المجموع): «وفي (الإبانة) (٣) و (البيان) (٤) وجه أنه لو رفع من سجود التلاوة إلى الركوع ولم ينتصب أجزأه الركوع. وهو غلط، نبهت عليه لئلا يغتر به» (٥). تحليل الاستدراك: استدرك النووي على وجه في المذهب الشافعي في مسألة الانتصاب بعد سجود التلاوة للركوع في الصلاة، حيث غلّط القول بإجزاء الركوع إذا لم ينتصب الرافع من سجود التلاوة، وتنبيهه هذا أتى بعد قوله: «ولا خلاف في وجوب الانتصاب قائمًا لأن الهوي إلى الركوع من القيام واجب» (٦). فسبب تخطئة هذا الوجه أنه مخالف للاتفاق على وجوب الهوي إلى الركوع.

стр. 147

النموذج الرابع: جاء في (الزاد) (١) ممزوجًا مع (الروض) (٢): «(وإن اشتبهت ثياب طاهرة بـ) ثياب (نجسة) يعلم عددها، (أو) اشتبهت ثياب مباحة (بـ) ثياب (محرمة) يعلم عددها (صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس) من الثياب والمحرمة منها ينوي بها الفرض احتياطًا .... (وزاد) على العدد (صلاة)؛ ليؤدي فرضه بيقين ... » (٣). قال السعدي معلّقًا: «والصحيح في اشتباه الثياب النجسة بالطاهرة، أو المحرمة بالمباحة أنه يتحرى، ويصلي في ثوب واحد صلاة واحدة؛ لأنه اتقى الله ما استطاع (٤)، ولم يوجب الله على العبد أن يصلي الصلاة مرتين أو أكثر، إلا إذا أخل بالصلاة الأولى، وهذا لم يخلّ، وإنما اشتبه عليه الأمر، إذا اضطر إلى الصلاة في أحدها كان مأمورًا بذلك، بل واجبًا عليه. ومن امتثل ما أُمر به خرج من العهدة. وفي هذه الحال تكون النية مجتمعة، بخلاف ما إذا فرقها على كل ثوب وصلاة، فإنها تضعف من حيث يظن العبد قوتها، ويؤدي الصلاة على وجه لا يدري: هل هي فريضة أم لا؟ كما هو الواقع» (٥). تحليل الاستدراك: استدرك السعدي على المذهب عند الحنابلة في مسألة اشتباه الثياب النجسة بالطاهرة، أو المحرمة بالمباحة، ورأى أن الصحيح خلافه؛ لدلالة مَدارك رآها أرجح من معتمَد المسألة في المذهب.

стр. 148

المطلب الثالث: استدراك الفقيه على مخالف له في المذهب، وتطبيقاته . صورته: أن يعمل فقيه عملاً فقهيًّا، فيرى فقيه آخر من غير مذهبه أن في عمله خللاً، فيتلافاه بعمل فقهي آخر. وفائدته: التقريب بين المذاهب الفقهية، وتوسيع مجال النظر في الأدلة نصوصًا، ووجوهَ دلالة. وهذا النوع علينا تصوّره في الجانب الإيجابي، وليس الجانب السلبي له، ذلك أن المقصود هنا هو الاستدراك بالمعايير المعتبرة له، والذي يهدف إلى الوصول للحق، فالفقيه المُتبع للدليل يستدرك بما توصل إليه اجتهاده من فهم للدليل، سواء على مذهبه أو على مذهب غيره، كما أنه يأخذ الحق أينما وجده في مذهبه أو في مذهب غيره، ويكون المقصود الأول في هذا وذاك النصيحة لله ولرسوله وللمسلمين، وليس الانتصار لطائفة وتبكيت طائفة. وهذا النوع من الاستدراك طريق قويم في التوفيق بين المذاهب وتقاربها، وصورة شاهدة على استعمال الاختلاف في استهداف الائتلاف، ولا يكون كذلك إلا بالبعد عن حمية الانتماء المذهبي الضيق، إلى حمية الانتماء للحق الأرحب، الذي لا يختص به مذهب دون مذهب، وفي هذا السياق يقول القرافي (١): «وقد آثرت التنبيه على مذاهب المخالفين لنا من الأئمة الثلاثة ﵏، ومآخذهم في كثير من المسائل، تكميلاً للفائدة، ومزيدًا في الاطلاع، فإن الحق ليس محصورًا في جهة، فيعلم الفقيه أي المذهبين أقرب للتقوى، وأعلق بالسبب الأقوى» (٢). وكأني به يُشير بقوله: «فيعلم الفقيه

стр. 149

أي المذهبين أقرب للتقوى، وأعلق بالسبب الأقوى» إلى الحديث: «فرب مبلّغ أوعى من سامع» (١). تطبيقاته: النموذج الأول: عند المالكية أن من ترك طواف الصَّدَر (٢) وهو جاهل ليس عليه شيءٌ، إلا أن يكون قريبًا فيرجع فيطوف، ثم ينصرف إن كان قد طاف بالبيت طواف الإفاضة (٣). فاستدرك محمد بن الحسن على هذا الحكم بقوله: «وكيف يُرخص في هذا؟ ... » وذكر نصوصًا تؤيد استدراكه على الحكم (٤)، وهي: - ما رواه بسنده عن ابن عمر (٥) ﵄ أن النبي ﷺ نهى أن ينفر الرجل حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت إلا الحيض رخص لهن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم (٦).

стр. 150

- حديث أم المؤمنين صفية (١) ﵂ لما حاضت بعد أن طافت للإفاضة، قبل طواف الوداع (٢). - وبسنده عن إبراهيم النخعي (٣) في الرجل ينسى طواف الصدر قال: يريق دمًا. - وبسنده من طريق مالك أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لا يصدر (٤) أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت فإن آخر النّسك الطواف بالبيت» تحليل الاستدراك: رأى محمد بن الحسن أن هذا الحكم عند المالكية مخالف للنصوص الواردة، حيث جاءت بالرخصة للحائض فقط في ترك طواف الوداع، فيبقى

стр. 151

العموم في وجوب طواف الوداع لا يُخصص بغير الحائض، وعليه فالجاهل لا يُعذر بجهله، فيلزمه دم جبرًا لهذا الواجب المتروك. وعضّد قوله بفتوى إبراهيم النخعي فيمن نسي طواف الصدر أن عليه دمًا، فالجاهل كذلك. ثم قال مُلزِمًا لهم: «قال محمد فهذا عمر بن الخطاب ﵁ ينهى عن ذلك فيما رواه فقيهكم، ومن ترك ذلك لم يكن عليه شيء في قولكم! ليس الأمر على هذا ... » لأنه جعله من النّسُك، فيكون كغيره من الواجبات في نسك الحج من تركها عليه دم، ولا فرق، والتفريق يحتاج لدليل. النموذج الثاني: المذهب عند الحنفية جواز ولاية المرأة للقضاء إلا في الحدود والقصاص (١). قال الباجي (٢) في ذلك: «وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ عِنْدِي عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَهْدِ النبي ﷺ لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ قُدِّمَ لِذَلِكَ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ وَلَا بَلَدٍ مِنْ الْبِلَادِ امْرَأَةٌ، كَمَا لَمْ يُقَدَّمْ لِلْإِمَامَةِ امْرَأَةٌ، وَالله أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ» (٣).

стр. 152

تحليل الاستدراك: استدرك الباجي على المذهب عند الحنفية في تولية المرأة القضاء، حتى على التفصيل الذي عندهم. ومعتمد استدراكه عمل المسلمين المستمر من عهد النبي ﷺ أنه لم توَلَّ امرأة على القضاء في بلد من البلدان، ففيه دلالة على عدم جواز ذلك، ويرى أن هذا الدليل كافٍ في رد هذا القول. النموذج الثالث: في إحدى الطرق عند المالكية في شهادة ولد الزنا أنه ترد شهادته في الزنا وتُقبل شهادته فيما سواه (١). غلّط ابن المنذر (٢) هذا القول، وقال: «ولو كان مكان ولد الزنا الزانية أو الزاني فتابا لوجب قبول شهادتهما، ولا يجوز أن يلزم ولد الزنا من فعل أمه شيئًا؛ لأن الله قال:

стр. 153

﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ (١) وولد الزنا لم يفعل شيئًا فيستوجب به حكمًا» (٢). تحليل الاستدراك: استدرك ابن المنذر على هذا القول عند المالكية في رد شهادة ولد الزنا معتمدًا في استدراكه على أمرين: - أن الزنا ليس من كسبه، فلا يتحمّل تبعته، بدليل قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، فالقول بعدم قبول شهادته في الزنا يُخصص عموم الآية، والأصل البقاء على العموم حتى يدل الدليل على التخصيص. - أن الزاني والزانية إذا تابا قُبلت شهادتهما، فكيف لم تلحقهما تبعة فعلهما، وتلحق التبعة من لم يفعل؟ ! فإذا لم تُرد شهادة الفاعل بعد التوبة، فعدم رد شهادة من لم يفعل أصْلاً من باب أولى. والمعتمد الأول واضح، أما المعتمد الثاني فإنه لا يَلْزَم المالكية، لأنه في المشهور عندهم يقولون بقبول شهادة من حُدّ في الزنا فتاب إلا في الزنا والقذف واللعان (٣). النموذج الرابع: جاء في (المغني): «فصل: والتكبير من الصلاة وقال أصحاب أبي حنيفة: ليس هو منها بدليل إضافته إليها بقوله: «تحريمها التكبير» (٤) ولا يضاف

стр. 154

الشيء إلى نفسه (١). ولنا: قول النبي ﷺ في الصلاة: «إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (٢) وما ذكروه غلط فإن أجزاء الشيء تضاف إليه كيد الإنسان ورأسه وأطرافه» (٣). تحليل الاستدراك: لا يعتبر الحنفية تكبيرة الإحرام جزءًا من الصلاة، فاستدرك ابن قدامة (٤) على قولهم بدليل يرد ذلك، وبنقض ما اعتمدوا عليه. أما الدليل فهو أن النبي ﷺ عرّف الصلاة بأنها تسبيح وتكبير وقراءة قرآن، فجعل التكبير من ماهية الصلاة، ومن التكبير تكبيرة الإحرام، فعُلم أنه جزء منها لمّا قامت عليه ماهيتها. أما نقض معتمدهم - وهو أن جزء الشيء لا يُضاف إليه - فقرر أنها مقدمة باطلة فإن يد الإنسان تُضاف إليه، وهي جزء منه، وكذا رأسه وأطرافه.

стр. 155

المطلب الرابع: الاستدراك على المستدرِك، وتطبيقاته . صورته: أن يستدرك فقيه على عمل فقهي، ثم يبدو خللٌ في هذا الاستدراك فيُتلافى بعمل فقهي آخر، وهذا المستدرك الثاني قد يكون فقيهًا آخر، وقد يكون هو نفس المُستدرِك الأول، وقد يكون هو الفقيه المُستدرَك عليه أوّلاً. وعليه فلا تكتمل صورة هذا النوع بأقل من ثلاثة أعمال فقهية، والزيادة عليها مفتوحة. وفائدته: عدم التسليم لكل استدراك بالصحة، وإنما العبرة بمضمون الاستدراك، كما يفيد أن الاختلاف في المسائل أمر طبيعي لا يُحسم في كثير من المسائل، وأن لدى المُخالف وجهًا قد يخفى على مُخالفه. لما كان الاستدراك الفقهي تلافيًا في نظر المُتلافي، فإن غير المُتلافي أو نفس المتلافي في وقت ما بعد الاستدراك يُخالف في كون ما استُدرِك به تلافيًا، ولهذا برزت ظاهرة الاستدراك على المُستدرِك، وهذه الظاهرة ألقت بأبعادها على الفقه الإسلامي نموًّا وتقارُبًا وتحريرًا، وظهر فيه الحوار الإيجابي في أعلى صوره تكاملاً في الجهود، وكشفًا لمدارك الأحكام، وإظهارًا لأوجه الاستدلال المتنوعة من دليل واحد، واستثمارًا لدلالات النصوص ومفاهيمها، مما لم يكن ليظهر - غالبًا - لولا اختلاف وجهات النظر، الذي تمثل في الاستدراكات الفقهية. وإنما تكون الاستدراكات على الاستدراكات بهذه النتائج الإيجابية إن كانت قد قامت على الوجه الإيجابي، من مراعاة لمعايير الاستدراك، ومن تلمّس الحق بالتحرر من قيود الحمية السلبية للمذهب، وللرأي الشخصي. تطبيقاته: النموذج الأول: في (صحيح مسلم) بسنده عن أنس ﵁ قال: «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ (١) إِلَى رسول الله ﷺ ، فَقَالَتْ لَهُ - وَعَائِشَةُ عِنْدَهُ -: يَا رسول الله! الْمَرْأَةُ تَرَى مَا يَرَى الرَّجُلُ في

стр. 156

الْمَنَامِ، فَتَرَى مِنْ نَفْسِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ مِنْ نَفْسِهِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ فَضَحْتِ النِّسَاءَ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ. فَقَالَ لِعَائِشَةَ: «بَلْ أَنْتِ فَتَرِبَتْ يَمِينُكِ. نَعَمْ، فَلْتَغْتَسِلْ - يَا أُمَّ سُلَيْمٍ - إِذَا رَأَتْ ذَاكِ» (١). تحليل الاستدراك: العمل الفقهي الأول: سؤال أم سليم ﵂ النبي ﷺ عن أمر خاص بالنساء يُستحيا من ذكره عادةً. العمل الفقهي الثاني: وهو الاستدراك الأول، وهو استدراك أم المؤمنين عائشة ﵂ على أم سليم ﵂ سؤالَها عن مثل هذا، بالإنكار عليها، ورأت فيه فضيحة للنساء، ولا ينبغي السؤال عنه لهذا السبب. فلو أُقرّت على رأيها لأدى إلى تلافي العمل الفقهي الأول وهو مشروعية سؤال المرأة عن شؤونها الخاصة التي يُستحيا منها - عادةً - إذا تعلق به حكم شرعي. العمل الفقهي الثالث: - وهو الاستدراك الثاني - هو استدراك النبي ﷺ على استدراك عائشة ﵂، بإقراره للعمل الفقهي الأول، وإجابته عما سألت عنه أم سليم ﵂.

стр. 157

النموذج الثاني: في (صحيح مسلم) بسنده عن طاووس (١) قال: «قَالَ كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِذْ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (٢): تُفْتِي أَنْ تَصْدُرَ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِمَّا لاَ فَسَلْ فُلاَنَةَ الأَنْصَارِيَّةَ (٣)، هَلْ أَمَرَهَا بِذَلِكَ رسول الله ﷺ ؟ قَالَ: فَرَجَعَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: مَا أَرَاكَ إِلاَّ قَدْ صَدَقْتَ» (٤).

стр. 158

تحليل الاستدراك: العمل الفقهي الأول: فتوى ابن عباس ﵄ بأنْ لا وداع على الحائض. وهذا مقيّد بما إذا طافت للإفاضة، كما في قصة أم المؤمنين صفية (١) ﵂ وليس هذا القيد هو محل الاستدراك في العمل الفقهي الثاني. العمل الفقهي الثاني: - وهو الاستدراك الأول - وهو استدراك زيد بن ثابت ﵁ على ابن عباس ﵄ مخالفته لعموم الأمر بأن يكون آخر عهد الحاج الطواف بالبيت. العمل الفقهي الثالث: - وهو الاستدراك الثاني - استدراك ابن عباس ﵄ على استدراك زيد ﵁ بأن هذا العموم مُخصَّص بالحائض فلا يشملها. النموذج الثالث: استدرك الجويني (٢) على مالك إباحة قتل ثلث الأمة لصلاح الثلثين (٣)، حيثُ قال: « ... وبيان ذلك بالمثال أن مالكًا لما زل نظره كان أثر ذلك تجويز قتل ثلث الأمة مع القطع بتحرز الأولين عن إراقة مِحجمة (٤) دم من غير سبب متأصل في الشريعة» (٥).

стр. 159

فقال القرافي مُستدركًا: « ... وكذلك ما نقله (١) عن الإمام في (البرهان) (٢) من أن مالكًا يجيز قتل ثلث الأمة لصلاح الثلثين. المالكية ينكرون ذلك إنكارًا شديدًا، ولم يوجد في كتبهم، إنما هو في كتب المخالف لهم، ينقله عنهم، وهم لم يجدوه أصلاً» (٣). تحليل الاستدراك: العمل الفقهي الأول: الفتوى بجواز قتل ثلث الأمة لصلاح ثلثيها، المنسوبة إلى مالك. العمل الفقهي الثاني: - وهو الاستدراك الأول - استدراك الجويني على مالك فتواه بهذا بطريق المصلحة المرسلة (٤)، معتمدًا في استدراكه أن هذه مصلحة مُلغاة؛ لأن السلف يتحرزون من القتل، ولا يُريقون دمًا حتى يشهد أصلٌ من الشريعة بجوازه. العمل الفقهي الثالث: - وهو الاستدراك الثاني - استدراك القرافي على استدراك الجويني، بأن نسبة العمل الفقهي الأول لم تصح إلى مالك، فلا وجه للاستدراك عليه. النموذج الرابع: جاء في (المنهاج): «ومن اجتمع فيه جهتا فرض وتعصيب كزوج هو معتق أو ابن عم ورث بهما. قلتُ (٥): فلو وجد في نكاح المجوس أو الشبهة بنتٌ هي أخت ورثت بالبنوة، وقيل بهما. والله أعلم» (٦).

стр. 160

قال الشربيني معَقِّبًا: «وهذا الاستدراك مُستدرَك إذ ليس مع الأخت في هذه الصورة بنت حتى تكون الأخت مع البنت عصبة، وإنما الأخت نفسها هي البنت، فكيف تعصّب نفسها؟ ! تنبيه: لو ذكر المصنف عبارة (المحرر) (١) لم يحتج إلى هذه الزيادة؛ لأنه قال: «وإذا اجتمعت قرابتان لا يجتمعان في الإسلام قصدًا لم يرث بهما» وذلك يشمل الفرضين والفرض والتعصيب، وإن كان مثاله يخص الثاني، واحترز بقوله «قصدًا» عن وطء الشبهة فإنهما يجتمعان» (٢). تحليل الاستدراك: العمل الفقهي الأول: صياغة المسألة في (المنهاج) بالتالي: «ومن اجتمع فيه جهتا فرض وتعصيب كزوج هو معتق أو ابن عم ورث بهما». وهي صياغة النووي لعبارة (المحرر)، ومقصوده من (المنهاج) اختصار (المحرر) مع زيادات واستدراكات (٣). العمل الفقهي الثاني: - وهو الاستدراك الأول - هو قول النووي: «قلتُ: فلو وجد في نكاح المجوس أو الشبهة بنتٌ هي أخت ورثت بالبنوة، وقيل بهما. والله أعلم». وقد اصطلح النووي في (منهاجه) أن قوله في بداية المسألة: «قلتُ» وفي نهايتها: «والله أعلم» أنها زيادة منه، ليست في (المحرر) (٤). وعليه فيُفهم من هذه الزيادة أن ما ذكره من مسألة مُستدرَك على (المحرر)، وهو استدراك على الإطلاق المفهوم من العبارة السابقة، حيث اجتمعت في هذه المسألة المُستدرَك بها جهتا فرض وتعصيب ولكن الإرث كان من جهة واحدة وهي البنوة. العمل الفقهي الثالث: - وهو الاستدراك الثاني -، وهو استدراك الشربيني على استدراك النووي، واستدراكه جاء في جهتين:

стр. 161

الجهة الأولى: استدراك علمي، وهو أن المسألة التي استدركها النووي لا يُستدرك بها لعدم موافقتها المسألة الأولى في المعيار، فهي وإن جُمعت فيها جهتا الفرض والتعصيب، فإن التعصيب فيها من نوع العصبة مع غيره، فلا تُعصّب البنت نفسها. الجهة الثانية: استدراك على الصياغة وهي أن صياغة (المحرر) في هذه المسألة أسلم من صياغة (المنهاج) فيها، إذ لا يُحتاج معها إلى استدراك.

стр. 162

المطلب الخامس: الاستدراك على شخص مقدَّر، وتطبيقاته . صورته: أن يُقدّر الفقيه شخصًا عاملاً عملاً يشتمل على ما يقتضي الاستدراك، فيصور عمله وما يُستدرك به عليه. ويُحكى هذا الاستدراك بصيغة الجملة الشرطية مثل (فإن قال قائل: ... ) ومثيلاتها. أو (إن فعل إنسان كذا ... ) ومثلها. وفائدته: هو تدارُكٌ للأمر قبل وقوعه؛ لأنه إذا وقع قد يصعُب إزالته، وهو تهيئةٌ للمستفيد لمواجهة ما قد يرد عليه من إشكالات قد يحارُ في الجواب عنها، فيُعطيه الفقيه من خبرته التي حصّلها من ممارسة النظر والاستدلال والترجيح والفتوى ومعرفته بالواقع ... ما يُعِدّه للتصدي للإيرادات، ولإكمال المسيرة فيبدأ من حيث انتهى الآخرون. ومن ناحية أخرى يستعمله الفقهاء لإيضاح قاعدة أو تأصيل ونحو ذلك، حيث يقدّرون سقوط أمر جزئي أو كلي في صورة مقدّرة ليسهل وضوح أثر هذا السقوط. كما فيه من الأدب عدم التصريح الموجب للتعيير، وتجنب المواجهة المباشرة مع الخصم، فقد يكون هذا الشخص المقدّر هو واقع حقيقة، ولكن يصوغ الفقيه المسألة بصيغة التقدير؛ طلبًا لسلامة المقصد، وحفظ العِرض. من تطبيقاته: ما في (صحيح البخاري) بسنده: «عن أبي شُريح أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ - وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ -: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النبي ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ الله، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا الله، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رسول الله ﷺ فِيهَا فَقُولُوا: إِنَّ الله قَدْ أَذِنَ لِرسولهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ. فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ» (١).

стр. 163

تحليل الاستدراك: موضع الشاهد قوله ﷺ : «فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رسول الله ﷺ فِيهَا فَقُولُوا: إِنَّ الله قَدْ أَذِنَ لِرسولهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ» فالشخص المُستدرِك هنا مقدّر بقوله: «أحدٌ» والعمل المقدّر هو: الاستدلال على إباحة القتال في مكة بفعل النبي ﷺ . والاستدراك على هذا المُقدّر: هو بيان أن إباحة القتال بمكة إنما كان للنبي ﷺ ، وكان بإذن من الله تعالى، وكان ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها، فهي إباحة مقيّدة بوصف ووقت، ولا تتوفر هذه القيود لغير النبي ﷺ .

стр. 164

المبحث الثاني أنواع الاستدراك الفقهي باعتبار أركان القضية الفقهية، وتطبيقاتها . وتحته ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الاستدراك على موضوع القضية الفقهية، وتطبيقاته. المطلب الثاني: الاستدراك على محمول القضية الفقهية، وتطبيقاته. المطلب الثالث: الاستدراك على منظوم القضية الفقهية، وتطبيقاته.

стр. 165

القضية تتكون من موضوع ومحمول، يُصاغان في (منظوم) أي تركيب لفظي، والاستدراك يلحق لفظها ومعناها، فاللفظ هو المنظوم المعبَّر به عن المعنى، والمعنى في القضية على شطرين: شطر لموضوعها، وشطر لمحمولها. وعليه فيُناقش الاستدراك على القضية الفقهية من ثلاث نواحٍ: ناحية الموضوع، ناحية المحمول، ناحية المنظوم، وأخصص لكل ناحية منها مطلبًا. وفائدة هذا التقسيم هو تحليل القضية الفقهية إلى عناصرها الأولية، ثم وضع اليد على موضع الخلل لمعالجته؛ لئلا يتوجه الاستدراك إلى غير موضع الخلل. تنبيه: آثرتُ التعبير بـ (القضية) على التعبير بـ (المسألة)؛ لتشمل كل ما تكوّن من موضوع ومحمول، من مسألة أو نسبة أو حكاية ... المطلب الأول: الاستدراك على موضوع القضية الفقهية، وتطبيقاته . موضوع القضية الفقهية هو محل الحكم فيها. والموضوع قد يعتريه خلل في التصوير أو التصوّر، والتصور والتصوير يتواردان على محل واحد، والاختلاف هو من جهة الفاعل، فالتصوير فعل المُلقي، والتصور فعل المتلقي، وقد يتطابقان، وقد لا يتطابقان. في حال التطابق لا ينظر المستدرِك في أهلية التراكيب اللفظية لأداء المعنى؛ فإنها قد أدَّتْه، ولكن ينظر إلى المعنى الذي أدّته: هل يحتاج إلى تقويم؟ ثم إن احتاج: هل يكرّ على اللفظ بتعديل فيه؟ أم يقترح تصويرًا جديدًا؛ لأنه يرى أن التصوير الأول ليس موافقًا للمحل الصحيح للحكم. وفي حال عدم التطابق فللمستدرِك نظَران: - نظر في اللفظ، لعلّه لم يكن موصِّلاً جيدًا للمعنى المُراد. - نظر في المعنى؛ لأن اللفظ قد يكون جيِّدًا لتوصيل المعنى، ولكن قد يعتري المتلقي وهمٌ بدخول عنصر غير داخل أو بخروجه؛ لملابسات خارجة.

стр. 166

والتصوّر أمر خفيٌّ، فلا يُستطاع الاستدراك عليه - ما لم يُفِدْ به صاحبُه - إلا أنّ خبرة الفقيه وممارسته للنظر تجعله يتوقعُ فُهُومًا غيرَ مرادةٍ للنص فيستدركُ عليها. تطبيقاته: مثال الاستدراك على التصوير: جاء في (حاشية الرهوني): «ظاهر كلام غير واحد من أهل المذهب وصريح كلام آخرين منهم أن الخلاف السابق (١) محله إذا انقطع التعامل بالسكة (٢) القديمة جملة، وأما إذا تغيرت بزيادة أو نقص فلا. وممن صرح بذلك أبو سعيد بن لب (٣). قلتُ: وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر جدا حتى

стр. 167

يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه لوجود العلة التي علل بها المخالف (١) والله أعلم» (٢). وذلك عند تحشيته على عبارة (وإن بطلتْ فلوسٌ (٣) فالمثلُ) (٤). تحليل الاستدراك: موضعه: قوله: «قلتُ: وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر جدا حتى يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه لوجود العلة التي علل بها المخالف». التصوير قبل الاستدراك: تغيرت قيمة الفلوس بزيادة أو نقص، وقد اشتغلت الذمة بحقٍّ قبل التغير. الحكم المترتب: لا خلاف عند المالكية أن عليه مثلَ ما ثبت في ذمته قبل التغير، فلا قائلَ بالقيمة. التصوير بعد الاستدراك: تغيرت قيمة الفلوس بزيادة أو نقص، ولم يكن النقص كبيرًا جدًّا إلى حد أن صاحب الحق يقبض ما لا كبير منفعة فيه. فإضافة هذا القيد للتصوير قيد محل الحكم، بأن الزيادة والنقص المذكوران فيه ليسا على الإطلاق لتوفّر نفس العلة في المسألة التي قبلها وهي بطلان التعامل بالفلوس. مثال الاستدراك على مُقدّر في التصور: النموذج الأول: قول ابن عابدين (٥) بعد أن قرر مذهب الحنفية في مسألة التعويض حال رخص النقود وغلائها، بذكر قول الإمام وموافقة أبي يوسف له أولاً ثم رجوعه ثانيًا: «ثم اعلم

стр. 168

أن الظاهر من كلامهم أن جميع ما مر إنما هو في الفلوس والدراهم التي غلب غشها (١)، كما يظهر بالتأمل، ويدل عليه اقتصارهم في بعض المواضع على الفلوس وفي بعضها ذكر العَدَالِي (٢) معها ... » (٣). تحليل الاستدراك: استدرك ابن عابدين على تصوّر مقدّر لموضوع القضية، ذلك التقدير هو إدخال عناصر إلى القضية ليست من محل الحكم، فأفادنا بهذا الاستدراك أن الدراهم الخالصة أو التي خفّ غشها لا يتأثر ما ترتب في الذمة منها حال الرخص والغلاء. النموذج الثاني: جاء في (المغني): «وقال أحمد في رجل تزوج امرأة، فأُدخلت عليه أختها: لها المهر؛ بما أصاب منها، ولأختها المهر. قيل: يلزمه مهران؟ قال: نعم، ويرجع على وليها. هذه مثل التي بها برص أو جذام، علي يقول: ليس عليه غرم. وهذا ينبغي أن يكون في امرأة جاهلة بالحال أو بالتحريم. أما إذا علمت أنها ليست زوجة محرمة عليه،

стр. 169

وأمكنته من نفسها، فلا ينبغي أن يجب لها صداق؛ لأنها زانية تطاوعه، فأما إن جهلت الحال فلها المهر ويرجع به على من غره» (١). تحليل الاستدراك: موضوع المسألة: هو إدخال أخت الزوجة على الزوج. محمولها: أنّ لهذه المُدخلة (وهي أخت الزوجة) المهر؛ وسبب استحقاقها له: ما أصاب منها. وألفاظ القضية الفقهية قد أوصلت معناها جيِّدًا، ولكن لما كان الموضوع بظاهره واصفًا لحالٍ مطْلقةٍ للأخت المُدخلة، والحكم إنما يختص بحال معينة، وهو جهلها بالحال أو جهلها بالتحريم - لزم الأمر الكشف عن هذا الحال لئلا يُحمل قول الإمام على الإطلاق، وبهذا يتنقح محل الحكم، وهذا الاستدراك بالكشف عن هذا الوصف المؤثّر أتى خشيةً من غيابه عن ذهن المُتلقي، فيُخطئ في التصوّر.

стр. 170

المطلب الثاني: الاستدراك على محمول القضية الفقهية، وتطبيقاته . محمول القضية الفقهية هو الحكم المنسوب إلى موضوعها. وهو كثير جدًّا؛ لأن مقصد الفقه الأول معرفة حكم الله تعالى، والاستدراكات على الموضوع والمنظوم خادمة لهذا المقصد. تطبيقاته: النموذج الأول: «أن عَائِشَةَ ﵂ بلغها أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو (١) يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ. فَقَالَتْ: يَا عَجَبًا لاِبْنِ عَمْرٍو هَذَا! يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ، أَفَلاَ يَأْمُرُهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ رُءُوسَهُنَّ؟ ! لَقَدْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَلاَ أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِي ثَلاَثَ إِفْرَاغَاتٍ» (٢). تحليل الاستدراك: استدركت عائشة ﵂ على عبد الله بن عمرو ﵄ في فتواه بوجوب نقض الشعر عند الغسل، فخطّأته في هذا المحمول (وهو الوجوب)؛ بما استدلت به من حالها مع رسول الله ﷺ .

стр. 171

النموذج الثاني: جاء في (المغني): «وذكر بعض أصحابنا من سنن الوضوء غسل داخل العينين، وروي عن ابن عمر أنه عمي من كثرة إدخال الماء في عينيه. وقال القاضي (١): إنما يستحب ذلك في الغسل، نص عليه أحمد في مواضع. وذلك لأن غسل الجنابة أبلغ، فإنه يعم جميع البدن، وتغسل فيه بواطن الشعور الكثيفة وما تحت الجفنين ونحوهما، وداخل العينين من جملة البدن الممكن غسله، فإذا لم تجب فلا أقل من أن يكون مستحبًّا. والصحيح أن هذا ليس بمسنون في وضوء ولا غسل؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله، ولا أمر به، وفيه ضرر، وما ذكر عن ابن عمر فهو دليل على كراهته؛ لأنه ذهب ببصره وفعْل ما يخاف منه ذهاب البصر أو نقصه من غير ورود الشرع به إذا لم يكن محرما فلا أقل من أن يكون مكروهًا» (٢). تحليل الاستدراك: استدرك ابن قدامة على القول بسنية غسل داخل العينين في الوضوء، فخطّأ هذا المحمول (وهو السنية) بما استدل به من فعل النبي ﷺ ، واعتبار مآل هذا العمل، من حال ابن عمر ﵄.

стр. 172

المطلب الثالث: الاستدراك على منظوم القضية الفقهية، وتطبيقاته . منظوم القضية الفقهية هو التراكيب اللفظية المعبّرة عن موضوعها ومحمولها، وبالنظم الصحيح يصل المعنى المُراد، فإذا وقع خلل فيه، أدى إلى فهمٍ غير مراد، فالاهتمام بالنظم وتمحيصه وتحريره أتى من أنه هو الموصّل للمعنى، فيجب أن يكون موصّلاً جيدًا. ومراعاة الألفاظ والاستدراك عليها مبدأ شهدت له النصوص الشرعية بالاعتبار، فمن القرآن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ (١). ومن السنة: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ (٢) ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ. قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا بَلَغْتُ: اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ. قُلْتُ: وَرَسُولِكَ. قَالَ: لَا، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» (٣). وقد صرّح عدة فقهاء محققين على استهداف النظم بالاستدراك.

стр. 173

قال في (البهجة في شرح التحفة): « ... مُصلحًا ما يحتاج إلى الإصلاح من ألفاظه المُخلة بالنظام» (١). وفي (منهاج الطالبين): « ... ومنها (٢) إبدال ما كان من ألفاظه غريبًا أو موهمًا خلاف الصواب بأوضح وأخصر منه بعبارات جليات» (٣). وفي مقدمة (التنقيح في شرح الوسيط) ذكر من أغراضه في الكتاب: «بيان ألفاظ زائدة وناقصة، فالناقصة هي التي لا يصح الكلام بدونها، وقد حذفها (٤)، والزائدة هي التي يَفسد الحكم بذكرها، ويتغير المعنى بها، فيجب حذفها» (٥). بل إن هذا النوع من الاستدراك الفقهي كان السبب الداعي لتأليف (البيان والتحصيل) (٦)، ذلك أن بعض المستفيدين أشكل عليهم - عند قراءتهم على ابن رشد (٧) - مسألة في الاستلحاق من (العتبية) اختلفت فيها الألفاظ فيما لديهم من كتب، ففي بعضها نص المسألة جاء بلفظ: «سألنا مالكًا أترى العمل على الحديث الذي جاء

стр. 174

في القافة (١) أيؤخذ بقولهم اليوم ويُصدَّقون؟ فقال: أما فيما تلحقه من الولد فنعم، وأما بقايا أهل الجاهلية فلا أرى أن يؤخذ بقولهم وصدقوا، ولا يكون إلا في ولادة الجاهلية». بينما جاء في نصها في بعض الكتب: «وأما بقايا أهل الجاهلية فلا، وأرى أن يؤخذ بقولهم». وفي بعض الكتب: «ولا يكون ذلك في ولادة الجاهلية». قال المؤلف معلقًا: «وحق لها أن تشكل عليهم لما ذكرناه من اختلاف الألفاظ فيها مع تقديم وتأخير وقع في سياقتها. وسألني أن أبينها عليه ففعلت، وكان مما بينت عليه من أمرها أن الاختلاف الذي وقع فيها في الكتب يرجع إلى روايتين مستقيمتين، ففي الرواية الواحدة بثبت (الواو) في (وأرى) وثبت (إلا) في قوله (ولا يكون ذلك إلا في ولادة الجاهلية)، وفي الرواية الأخرى بسقط (الواو) من (وأرى)، وسقط (إلا) من قوله (ولا يكون ذلك إلا في ولادة الجاهلية). وبسطت له القول في ذلك وبينت عليه وجه كل رواية منهما وما يستقيم به معناهما، فسر بذلك أثراً جميلاً يبقى عليك ذكره، ويعود عليك ما بقيت الدنيا أجره. فقلت لهم: وأي المسائل هي المسائل المشكلات منها المفتقرة إلى الشرح والبيان، من الجليات غير المشكلات التي لا تفتقر إلى كلام ولا تحتاج إلى شرح وبيان؟ ! فقل مسألة منها وإن كانت جلية في ظاهرها، إلا وهي مفتقرة إلى التكلم على ما يخفى من باطنها». وذكر عزمه على المرور على كل مسائل (العتبية) بالبيان ورفع الإشكال (٢).

стр. 175

تطبيقاته: النموذج الأول: جاء في (الدر المختار) في تعداد شروط إمام المسلمين الإمامة الكبرى: «ويشترط كونه مسلمًا حُرًّا ذكرًا عاقلاً بالغًا قادرًا، قرشيًّا، لا هاشميًّا علويًّا معصومًا» (١). استدرك ابن عابدين على قوله: «لا هاشميًّا علويًّا معصومًا» فقال: «وكان الأولى أن يكرر (لا) ليظهر أن كل واحد من هذه الثلاثة قول على حدة، فإن عبارته توهم أنها قول واحد ح» (٢). تحليل الاستدراك: هنا أراد صاحب (الدر) أن ينفي أقوالاً اشترطت صفات في الإمام، قول اشترط النسبة إلى هاشم، وقول اشترط النسبة إلى علي، وقول اشترط العصمة، فلما قال: «لا هاشميًّا علويًّا معصومًا»، أوهم وجود قول يقول باجتماع هذه الثلاثة في الإمام، وهو غير مُراد للمؤلف، بل مراده نفي اشتراط كل صفة من هذه الصفات، لأن كل صفة جاء اشتراطها عن جماعة، والمقصود نفي كل الأقوال، وهذا يستقيم لو قال: لا هاشميًّا ولا علويًّا ولا معصومًا. وإنما كان سبب الإيهام في تصوّر الموضوع هو خلل في التركيب اللفظي له. النموذج الثاني: في (مختصر خليل) في مسألة من عليه هدي وهو غير موسر، فأيسر أثناء صيام الثلاثة أيام التي عليه أن يصومها في الحج بدلاً من الهدي: «ونُدب الرجوع له بعد يومين» (٣). قال الخرشي (٤) شارحًا ومُستدرِكًا: «ضَمِيرُ (لَهُ) يَرْجِعُ لِلْهَدْيِ، يَعْنِي أَنَّهُ إذَا

стр. 176

أَيْسَرَ بَعْدَ أَنْ صَامَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ يَجْزِيهِ الصَّوْمُ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْهَدْيِ. وَلَوْ قَالَ: وَنُدِبَ الرُّجُوعُ لَهُ قَبْلَ كَمَالِ ثَالِثِهِ لَكَانَ أَوْضَحَ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ يُوهِمُ أَنَّهُ بَعْدَ يَوْمٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ، وَلَوْ قَالَ بَعْدَ يَوْمٍ لَاقْتَضَى أَنَّهُ بَعْدَ أَكْثَرَ لَا يُنْدَبُ الرُّجُوعُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ» (١). تحليل الاستدراك: واضحٌ من كلام الخرشي. النموذج الثالث: جاء في (تحرير الفتاوي): «قوله (٢): (النوع الثاني: الصلح على الإنكار، فيبطل إن جرى على نفس المدعي، وكذا إن جرى على بعضه في الأصح)، فيه أمور: ... رابعها: قوله: (على نفس المدعي) لا يستقيم؛ فإن على والباء يدخلان في باب الصلح على المأخوذ، ومن وعن على المتروك، وصوابه (على غير المدعى) بالغين المعجمة والراء، وكذا هو في المحرر (٣) والروضة (٤) وأصلها (٥)، والذي في المنهاج تصحيف» (٦). تحليل الاستدراك: استدرك أبو زرعة على لفظ (نفسه) في (المنهاج)، فخطّأه؛ لأنه مخالف لباقي الكتب المعتمدة في المذهب التي حكت المسألة، ورأى أن ما وقع في (المنهاج) إنما هو تصحيف.

стр. 177

المبحث الثالث أنواع الاستدراك الفقهي باعتبار وجوه الاجتهاد الكلية في بحث حكم المسألة الفقهية، وتطبيقاتها . وتحته خمسة مطالب: المطلب الأول: الاستدراك على الاجتهاد في الدليل، وتطبيقاته. المطلب الثاني: الاستدراك على الاجتهاد في التأويل، وتطبيقاته. المطلب الثالث: الاستدراك على الاجتهاد في الاستدلال، وتطبيقاته. المطلب الرابع: الاستدراك على الاجتهاد في التعليل. (= معقول النص)، وتطبيقاته. المطلب الخامس: الاستدراك على الاجتهاد في التنزيل، وتطبيقاته

стр. 178

والمقصود بهذا التنويع أننا إذا نظرنا إلى وجوه التلافي المتعلقة بالاجتهاد في بحث حكم مسألة فقهية نجد أنها تتنوع بتنوع الاجتهادات في هذا البحث. ووجوه الاجتهاد الكلية في بحث حكم المسألة خمسة (١): اجتهاد في دليلها، واجتهاد في تأويله، واجتهاد في الاستدلال به، واجتهاد في تعليله، واجتهاد في تنزيله، وكل وجه يمثل مرحلة يترتب عليها ما بعدها غالبًا.

стр. 179

وهذه المراحل تعتبر جِهات مُحتمِلة للخلل في الاجتهاد، فيتعرّض للاستدراك. وفائدة هذا التقسيم المرحلي في أنواع الاستدراكات هو أن الاستدراك على مرحلة تتأثر به المرحلة بعدها غالبًا، وقد يكفي مؤنة الاستدراك عليها. في هذا السياق قال صاحب (شرح التلقين) عند رده على الحنفية في قولهم بوجوب المضمضة والاستنشاق: «وقد تعلقوا بأحاديث لم يسلم لهم صحتها أيضًا، فلا وجه للاشتغال بتأويلها» (١). فإنه أعرض عن النظر الاستدراكي في مدى تطابق تأويل الحنفية لما تقتضيه ألفاظ أدلتهم، مكتفيًا بالاستدراك على المرحلة السابقة للاجتهاد في التأويل وهي الاستدراك على الاجتهاد في الدليل. وأناقش الاستدراك باعتبار هذا التنوع في المطالب التالية:

стр. 180

المطلب الأول: الاستدراك على الاجتهاد في الدليل، وتطبيقاته . المقصود بالدليل هنا هو مطلق معتمَد الحكم، المدلول عليه بأنه «ما يُمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري» (١). والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في اعتماد دليل، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. ويمكن تقسيم الاستدراك على الاجتهاد في الدليل إلى نوعين: ١ - الاستدراك على الاجتهاد في الدليل الإجمالي. ٢ - الاستدراك على الاجتهاد في الدليل التفصيلي. المسألة الأولى: الاستدراك على الاجتهاد في الدليل الإجمالي، وتطبيقاته . والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في اعتماد دليل كلي، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. وفائدته هي أن الاستدراك على اعتماد الاستنباط من دليل كلي ينسحب على جزئيات الاستدلال به، وبالتالي يكفي مؤنة تتبع هذه الجزئيات. وفي المشهد الفقهي استدراكات على الاجتهاد في الأدلة الإجمالية، بدءًا ببعض مباحث الإجماع، ونقاشات القياس بين الظاهرية وغيرهم، وكذا عمل أهل المدينة وما جرّ تحته من العمل القطري، والاستحسان، والاستصلاح ... استفاضت النقاشات فيها في المصنفات الأصولية والفقهية. ومن ناحية أخرى في هذا السياق استدرك كثير من الفقهاء على من اتخذ نصوص الأئمة دليلاً بمثابة النص الشرعي وهو يقدر على النظر، فسجلوا إنكارهم على هذه الطريقة.
следующие страницы →