← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 132414

الاستدراك الفقهي تأصيلا وتطبيقا

مجمول الجدعاني

Полный текст (596 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أَيْسَرَ بَعْدَ أَنْ صَامَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ يَجْزِيهِ الصَّوْمُ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْهَدْيِ. وَلَوْ قَالَ: وَنُدِبَ الرُّجُوعُ لَهُ قَبْلَ كَمَالِ ثَالِثِهِ لَكَانَ أَوْضَحَ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ يُوهِمُ أَنَّهُ بَعْدَ يَوْمٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ، وَلَوْ قَالَ بَعْدَ يَوْمٍ لَاقْتَضَى أَنَّهُ بَعْدَ أَكْثَرَ لَا يُنْدَبُ الرُّجُوعُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ» (١). تحليل الاستدراك: واضحٌ من كلام الخرشي. النموذج الثالث: جاء في (تحرير الفتاوي): «قوله (٢): (النوع الثاني: الصلح على الإنكار، فيبطل إن جرى على نفس المدعي، وكذا إن جرى على بعضه في الأصح)، فيه أمور: ... رابعها: قوله: (على نفس المدعي) لا يستقيم؛ فإن على والباء يدخلان في باب الصلح على المأخوذ، ومن وعن على المتروك، وصوابه (على غير المدعى) بالغين المعجمة والراء، وكذا هو في المحرر (٣) والروضة (٤) وأصلها (٥)، والذي في المنهاج تصحيف» (٦). تحليل الاستدراك: استدرك أبو زرعة على لفظ (نفسه) في (المنهاج)، فخطّأه؛ لأنه مخالف لباقي الكتب المعتمدة في المذهب التي حكت المسألة، ورأى أن ما وقع في (المنهاج) إنما هو تصحيف.

стр. 177

المبحث الثالث أنواع الاستدراك الفقهي باعتبار وجوه الاجتهاد الكلية في بحث حكم المسألة الفقهية، وتطبيقاتها . وتحته خمسة مطالب: المطلب الأول: الاستدراك على الاجتهاد في الدليل، وتطبيقاته. المطلب الثاني: الاستدراك على الاجتهاد في التأويل، وتطبيقاته. المطلب الثالث: الاستدراك على الاجتهاد في الاستدلال، وتطبيقاته. المطلب الرابع: الاستدراك على الاجتهاد في التعليل. (= معقول النص)، وتطبيقاته. المطلب الخامس: الاستدراك على الاجتهاد في التنزيل، وتطبيقاته

стр. 178

والمقصود بهذا التنويع أننا إذا نظرنا إلى وجوه التلافي المتعلقة بالاجتهاد في بحث حكم مسألة فقهية نجد أنها تتنوع بتنوع الاجتهادات في هذا البحث. ووجوه الاجتهاد الكلية في بحث حكم المسألة خمسة (١): اجتهاد في دليلها، واجتهاد في تأويله، واجتهاد في الاستدلال به، واجتهاد في تعليله، واجتهاد في تنزيله، وكل وجه يمثل مرحلة يترتب عليها ما بعدها غالبًا.

стр. 179

وهذه المراحل تعتبر جِهات مُحتمِلة للخلل في الاجتهاد، فيتعرّض للاستدراك. وفائدة هذا التقسيم المرحلي في أنواع الاستدراكات هو أن الاستدراك على مرحلة تتأثر به المرحلة بعدها غالبًا، وقد يكفي مؤنة الاستدراك عليها. في هذا السياق قال صاحب (شرح التلقين) عند رده على الحنفية في قولهم بوجوب المضمضة والاستنشاق: «وقد تعلقوا بأحاديث لم يسلم لهم صحتها أيضًا، فلا وجه للاشتغال بتأويلها» (١). فإنه أعرض عن النظر الاستدراكي في مدى تطابق تأويل الحنفية لما تقتضيه ألفاظ أدلتهم، مكتفيًا بالاستدراك على المرحلة السابقة للاجتهاد في التأويل وهي الاستدراك على الاجتهاد في الدليل. وأناقش الاستدراك باعتبار هذا التنوع في المطالب التالية:

стр. 180

المطلب الأول: الاستدراك على الاجتهاد في الدليل، وتطبيقاته . المقصود بالدليل هنا هو مطلق معتمَد الحكم، المدلول عليه بأنه «ما يُمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري» (١). والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في اعتماد دليل، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. ويمكن تقسيم الاستدراك على الاجتهاد في الدليل إلى نوعين: ١ - الاستدراك على الاجتهاد في الدليل الإجمالي. ٢ - الاستدراك على الاجتهاد في الدليل التفصيلي. المسألة الأولى: الاستدراك على الاجتهاد في الدليل الإجمالي، وتطبيقاته . والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في اعتماد دليل كلي، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. وفائدته هي أن الاستدراك على اعتماد الاستنباط من دليل كلي ينسحب على جزئيات الاستدلال به، وبالتالي يكفي مؤنة تتبع هذه الجزئيات. وفي المشهد الفقهي استدراكات على الاجتهاد في الأدلة الإجمالية، بدءًا ببعض مباحث الإجماع، ونقاشات القياس بين الظاهرية وغيرهم، وكذا عمل أهل المدينة وما جرّ تحته من العمل القطري، والاستحسان، والاستصلاح ... استفاضت النقاشات فيها في المصنفات الأصولية والفقهية. ومن ناحية أخرى في هذا السياق استدرك كثير من الفقهاء على من اتخذ نصوص الأئمة دليلاً بمثابة النص الشرعي وهو يقدر على النظر، فسجلوا إنكارهم على هذه الطريقة.

стр. 181

من هؤلاء العز بن عبد السلام (١) حيث قال: «ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مَأخذ إمامه، بحيث لا يجد لضعفه مَدفعًا، وهو مع ذلك يقلّده فيه، ويترك من شهد الكتابُ والسنةُ والأقيسةُ الصحيحة لمذهبه؛ جمودًا على تقليد إمامه، بل يتحيَّل لدفع ظواهر الكتاب والسنة، ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالاً عن مقلّده» (٢). وقال (صاحب الفكر السامي): «فصار (مختصر خليل) بوقتنا وعند أهل جيلنا المنحط قائمًا مقام الكتاب والسنة، مع أن الذي يفهم (خليلاً) (٣) ويحصله ويقدر على أخذ الأحكام الصحيحة منه لا شك عندي لو توجه لكتاب الله وحديث رسول الله ﷺ وتمرن عليهما لكان قادرًا على أخذ الأحكام منهما» (٤). وقد صرّح فقهاءُ باستهداف الاجتهاد في الأدلة بالاستدراك، ففي (التنقيح في شرح الوسيط) جاء من مقاصد تأليفه: «التاسع: بيان الأحاديث، صحيحها وحسنها، وضعيفها ومنكرها وشاذها وموضوعها ومقلوبها والمُصحَّف منها، والمُغيَّر لفظه، ... والوسيط (٥) مشتمل على هذا كله» (٦).

стр. 182

تطبيقاته: النموذج الأول: رسالة الليث (١) إلى مالك، ومحصلها أن مالكًا أراد جمع الكلمة على عمل أهل المدينة وحديث أهل الحجاز لقوته، ولكن استدرك عليه الليث هذا الرأي بأن ما عليه أهل كل بلد هو حجة له وأصل (٢). وهي رسالة مطوّلة ومما جاء فيها: «وأنه بلغك أني أفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم، وإني يحق علي الخوف على نفسي لاعتماد من قِبَلي على ما أفتيتُهم به»، وذكر له أن أصحاب رسول الله ﷺ انتشروا في البلاد، وأفتوا فيها، واختلفوا في الفتيا، ولم يُنكر عليهم الخلفاء يومئذ: أبو بكر وعمر وعثمان ﵃، وقال: «فلا نراه يجوز للأجناد المسلمين أن يُحدثوا اليوم أمرًا لم يعمل به سلفهم من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم حين ذهب العلماء وبقي منهم من لا يُشبه من مضى» وذكر له مسائل عمل بها الصحابة على غير المُفتى به في المدينة (٣).

стр. 183

تحليل الاستدراك: الدليل الكلي المستدرك عليه هنا هو عمل أهل المدينة، حيث يستدرك الليث على مالك في اعتماده المطلق، بجعله دليلاً مطلقًا على أهل المدينة وغيرهم من دون تفصيل. النموذج الثاني: استدراك المقري (١) على الاعتماد على مفهومات (المدونة) بجعلها دليلاً حيث قال: «إياك ومفهومات (المدونة)؛ فقد اختلف الناس في القول بمفهوم الكتاب والسنة، فما ظنك بكلام الناس؟ ! إلا أن يكون من باب المساواة أو الأولى، وبالجملة إياك ومفهوم المخالفة في غير كلام صاحب الشرع» (٢). تحليل الاستدراك: الدليل الكلي المستدرك عليه هنا هو مفهوم المخالفة لألفاظ (المدونة)، حيث يستدرك المقري على بعض المالكية اعتمادَها في الاستنباط، ويحذر منه.

стр. 184

النموذج الثالث: استدراك اللكنوي (١) على جمع من الحنفية تقديم النسخ على الجمع، فقال: «اختار جمع من الحنفية تقديم النسخ على الجمع، كما في (التلويح)، ... لكن فيه خدشة من حيث إن إخراج نص شرعي عن العمل به مع إمكان العمل غير لائق، فالأولى أن يُطلب الجمع بين المتعارضين بأي وجه كان، بشرط تعمق النظر وغوص الفكَر، فإن لم يمكن ذلك بوجه من الوجوه، أو وجد هناك صريحًا ما يدل على ارتفاع الحكم الأول مطلقًا صِير إلى النسخ إذا عُرف ما يدل عليه. وهذا هو الذي صرّح به أهل أصول الحديث» (٢). تحليل الاستدراك: فهنا استدرك على ذات الدليل الذي هو معتمدهم في الاستنباط، وهو تقديم النسخ على الجمع عند التعارض. المسألة الثانية: الاستدراك على الاجتهاد في الدليل التفصيلي، وتطبيقاته . والمقصود بهذا النوع تلافي خلل في اعتماد دليل جزئي، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.

стр. 185

فجنس الدليل هنا مُسلَّمٌ اعتباره من الطرفين (المستدرِك والمستدرَك عليه) أو على تقدير التسليم به. واعتماد دليل جزئي قد يعتريه خللٌ يرجع إلى ذات الدليل أو إلى حكايته. تطبيقاته: النموذج الأول: جاء في (الهداية): «والشهادة في الحدود يخير فيها الشاهد بين الستر والإظهار؛ لأنه بين حسبتين: إقامة الحد، والتوقي عن الهتك. والستر أفضل لقوله ﵇ للذي شهد عنده: (لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك) (١)» (٢). قال العيني مستدركًا على قوله: «لقوله ﵇ للذي شهد عنده»: «الذي قال له النبي ﷺ هذا القول لم يشهد عنده بشيء، ولكنه حمل ماعزًا (٣) إلى أن اعترف عند

стр. 186

النبي ﷺ بالزنا». مُستشهدًا بسياق القصة الدالة على ذلك كما هو الوارد في الأحاديث (١). تحليل الاستدراك: استدرك العيني على اعتماد هذا الدليل في مسألة تخيير الشاهد على حدٍّ بين إظهار شهادته وبين سترها، ذلك أن الأمر بالستر في الحديث لم يتوجه إلى شاهد! فلا دليل فيه على المسألة. النموذج الثاني: في (فتح الباري): «واختلف السلف في التحريق: فكره ذلك عمر وابن عباس وغيرهما مطلقا، سواء كان ذلك بسبب كفر أو في حال مقاتلة أو كان قصاصا، وأجازه علي وخالد بن الوليد (٢) وغيرهما، .... وقال المهلب (٣): ليس هذا النهي (٤) على التحريم

стр. 187

بل على سبيل التواضع، ويدل على جواز التحريق فعل الصحابة، وقد سمل (١) النبي ﷺ أعين العرنيين (٢) بالحديد المحمي، وقد حرق أبو بكر البغاة بالنار بحضرة الصحابة، وحرق خالد بن الوليد بالنار ناسا من أهل الردة، وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون والمراكب على أهلها قاله النووي والأوزاعي (٣) وقال ابن المنير (٤) وغيره: لا حجة فيما ذكر للجواز، لأن قصة العرنيين كانت قصاصا أو منسوخة كما تقدم. وتجويز الصحابي معارَض بمنع صحابي آخر، وقصة الحصون والمراكب مقيدة بالضرورة إلى ذلك إذا تعين طريقا للظفر بالعدو، ومنهم من قيده بأن لا يكون معهم نساء ولا صبيان كما تقدم، وأما حديث الباب فظاهر النهي فيه التحريم، وهو نسخ لأمره المتقدم (٥) سواء

стр. 188

كان بوحي إليه أو باجتهاد منه، وهو محمول على من قصد إلى ذلك في شخص بعينه» (١). تحليل الاستدراك: فرأى ابن المنير أن ما دللوا به ليست أدلة صالحة لتقرير جواز التحريق؛ لما اعترتها من عوارض صرفتها عن أن تكون دليلاً لذلك. النموذج الثالث: قال صاحب (الفكر السامي) بعد أن حكى شروط اعتبار دعوى الإجماع عن ابن عرفة (٢): «وبذلك كله تعلم مجازفة قول صاحب (العمل الفاسي) في صيد بندق الرصاص: أفتى بذاك شيخنا الأوّاهُ ... وانعقد الإجماع من فتواهُ وأمثاله كثير في كتب المتأخرين فاحذره» (٣). وحكى مسائل ادُّعي فيها الإجماع وهي لم يُجمع عليها فقال: «وكثير من الفقهاء يدعي في بعض المسائل الإجماع ويردون عليه:

стр. 189

١ - حكى بعضهم في تحريم لحوم الخيل الإجماع مع إباحة الحنفية لها. ٢ - حكى بعضهم الإجماع على العمل بالقياس مع إنكار ابن مسعود والشعبي (١) وابن سيرين (٢) له. ٣ - حكى في (جمع الجوامع) الإجماع على العمل بخبر الواحد وتقدم لنا البحث معه. ٤ - وحكى أيضًا الإجماع على تقديم الإجماع على النص عند التعارض، وتقدم لنا البحث معه. ٥ - حكى بعضهم الإجماع على عدم وجوب غسل الجمعة مع قول الحنفية به. ٦ - وعلى المنع من بيع أمهات الأولاد مع قول علي بن أبي طالب ﵁ به. ٧ - وعلى إلزام الطلاق الثلاث بكلمة واحدة مع قول بعض الصحابة وبعض الحنابلة بعدمه» (٣). تحليل الاستدراك: فهنا يستدرك على ذات الدليل الجزئي وهو الإجماع المُدّعى على هذه المسائل.

стр. 190

النموذج الرابع: جاء في (الفروق): «وأما الدعاء على الظالم فقد قال مالك وجماعة من العلماء بجوازه، والمستند في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١). لكن الحسن الصبر والعفو .. » (٢). قال صاحب (إدرار الشروق) مستدركًا: «قلتُ: ليس في الآية التي استدل بها دليل على جواز الدعاء على الظالم، وإنما فيها الدليل على جواز الانتصار ... وجواز الانتصاف لا يستلزم جواز الدعاء عليه، إلا أن يكون الدعاء بتيسير أسباب الانتصاف منه، فقد يسوغ دعوى دلالة الآية على ذلك ضمنًا لا صريحًا» (٣). تحليل الاستدراك: استدرك صاحب (إدرار الشروق) على ما في (الفروق) من جعْلِ آية الشورى معتمَدًا لجواز الدعاء على الظالم؛ لعدم دلالة الآية على الحكم.

стр. 191

المطلب الثاني: الاستدراك على الاجتهاد في التأويل، وتطبيقاته . والمقصود بالتأويل هنا مطلق تفسير النص، فهو «تَفْسِيرُ الْكَلَامِ وَبَيَانُ مَعْنَاهُ سَوَاءٌ وَافَقَ ظَاهِرَهُ أَوْ خَالَفَهُ» (١). والنص يدخل فيه نص الكتاب ونص السنة، ونص فقيه (مستدل بقوله أو مستدرك عليه). والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في تفسير نص، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. وهذا النوع يُمكن تقسيمه إلى قسمين: ١ - استدراك كلي على الاجتهاد في التأويل. ٢ - استدراك جزئي على الاجتهاد في التأويل. المسألة الأولى: الاستدراك الكلي على الاجتهاد في التأويل، وتطبيقاته . والمقصود بهذا النوع تلافي خلل في سلوك طريقة كلية لتفسير نص، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. ومن فائدته: تثبيت القواعد العامة لتفسير النص، واستصحابها عند النظر في جزئيات النصوص. ومن تطبيقاته: جاء في (المؤمَّل): «فإذا ظهر هذا وتقرر تبين أن التعصب لمذهب الإمام المقلَّد ليس هو باتباع أقواله كلها كيفما كانت، بل بالجمع بينها وبين ما ثبت من الأخبار والآثار، ويكون الخبر هو المتَّبع، ويؤوَّل كلام ذلك الإمام تنزيلاً له على الخبر، والأمر عند المقلدين أو أكثرهم بخلاف هذا، إنما هم يؤولون الخبر تنزيلاً له على نص إمامهم» (٢).

стр. 192

تحليل الاستدراك: فالطريقة الكلية المستدركة هنا هي تأويل نصوص الشريعة على حسب كلام الفقيه؛ لتوافق كلامه. والطريقة الصحيحة هي عكس هذا. المسألة الثانية: الاستدراك الجزئي على الاجتهاد في التأويل، وتطبيقاته . والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في تفسير نص جزئي، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. والنص - كما سبق - يدخل فيه نص القرآن، ونص السنة، ونص الفقيه، وأُمثِّل لكل منها في التطبيقات. تطبيقاته: أوّلاً: الاستدراك على تأويل نص من القرآن، وتطبيقاته. النموذج الأول: قال عدي بن حاتم (١) ﵁: «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (٢) عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ (٣) أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ، فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ، فَلَا يَسْتَبِينُ لِي، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ» (٤).

стр. 193

تحليل الاستدراك: أخطأ عدي ﵁ في فهم النص الدال على الحكم الفقهي، مما أدى إلى استنباط وتطبيق خاطئين للحكم الفقهي. حيث حمل لفظَ ﴿الْخَيْطِ﴾ في الآية على حقيقته اللغوية؛ لأنها المتبادرة إلى الذهن، كما تبادر نفس هذا الفهم إلى بعض الصحابة - قبله - عندما نزلت الآية قبل نزول ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١)، وأما عدي ﵁ فإنه حمل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ على السببية، يعني «من أجل الفجر» (٢)، فيكون سبب تبيُّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود - على فهمه - هو طلوع ضوء الفجر، ولم يكن معروفًا في لغته إطلاق الخيط الأبيض والخيط الأسود على بياض النهار وسواد الليل، أو أنه نسي ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فلم يعمل بمدلولها (٣).

стр. 194

فاستدرك عليه النبي ﷺ هذا الفهم، ببيان مدلول اللفظ المراد وهو أنه ليس على الحقيقة اللغوية، بل هو على استعمال عُرفي في الاستعارة عند بعض العرب (١) بقرينة دالة عليه وهي ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. النموذج الثاني: في (التبصرة): «وقال ابن القاسم (٢) فيمن حل ممن أحصر بعدو: لا هدي عليه. وقال أشهب (٣) في كتاب محمد: عليه الهدي، وإن لم يجد صام، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٤). قال: هذا فيمن أحصر بعدو. وتأول ابن القاسم الآية على المرض.

стр. 195

والأول أحسن؛ لأن الآية نزلت بالحديبية، قد حصرهم العدو، فقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ (١)، والأمن يكون من الخوف، فكان حمل الآية على الخوف الذي كانوا فيه، وعلى المعهود من هذا الاسم، حتى يقوم دليل أن المراد الأمن من المرض» (٢). تحليل الاستدراك: استدرك صاحب التبصرة على ابن القاسم بسبب تأويله الإحصار في الآية بالمرض، حيث أَخرج بهذا التأويل الصورة التي نزلت من أجلها الآية وهي الإحصار بعدو، مما نتج عنه عدم القول بالهدي في حالة إحصار العدو، فردّ هذا التأويل. ثانيًا: الاستدراك على تأويل نص من السنة، وتطبيقاته. النموذج الأول: «يُخبر أبو صالح الزيات (٣) أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ (٤) ﵁ يَقُولُ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ. فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَقُولُهُ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَأَلْتُهُ،

стр. 196

فَقُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: كُلَّ ذَلِكَ لَا أَقُولُ، وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي، وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ (١) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ» (٢). تحليل الاستدراك: فسر ابن عباس ﵄ الحصر على ظاهره في الحديث «لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ» فعمم الحكم على كل ربويَّين، مختلفين كانا أو متماثلين؛ أنه لا يحصل الربا بينها بالتفاضل إلا عند عدم التقابض في مجلس العقد. ولكن أبا سعيد ﵁ بلَّغه نصًّا به يتأَوّل الحصر الظاهر إلى مفهوم آخر، وهو ما ذكره العلماء - بعدُ - من وجوه للجمع بين النصين، من أن حديث أسامة ﵁ هو في الربويين المختلفين، أو أن النفي في الحديث هو نفي الأغلظ والشديد، وليس نفي ذات الربا (٣)، فيكون للحديث محمل خاص خفي على ابن عباس ﵄. النموذج الثاني: استدراك صاحب (فتح الباري) على تأويل معنى: «فالتفتوا إليها». ذلك أنه في (صحيح البخاري) بسنده عن جابر بن عبد الله (٤) ﵄ قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا

стр. 197

بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (١)» (٢). قال صاحب (الفتح): «قَوْله: (فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا). فِي رِوَايَةِ اِبْنِ فُضَيْلٍ (٣) فِي اَلْبُيُوعِ: «فَانْفَضَّ اَلنَّاس» وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلَفْظِ اَلْقُرْآنِ (٤)، وَدَالٌّ عَلَى أَنَّ اَلْمُرَادَ بِالِالْتِفَاتِ اَلِانْصِرَاف، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ حَمَلَ اَلِالْتِفَات عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ: لَا يُفْهَمُ مِنْ هَذَا اَلِانْصِرَافُ عَنْ اَلصَّلَاةِ وَقَطْعهَا، وَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ اِلْتِفَاتهمْ بِوُجُوهِهِمْ أَوْ بِقُلُوبِهِمْ، وَأَمَّا هَيْئَةُ اَلصَّلَاة اَلْمُجْزِئَةُ فَبَاقِيَة. ثُمَّ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اَلِانْفِضَاضَ وَقَعَ فِي اَلصَّلَاةِ، وَقَدْ تَرَجَّحَ فِيمَا مَضَى

стр. 198

أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ فِي اَلْخُطْبَةِ (١)، فَلَوْ كَانَ كَمَا قِيلَ لَمَا وَقَعَ هَذَا اَلْإِنْكَارُ اَلشَّدِيدُ، فَإِنَّ اَلِالْتِفَاتَ فِيهَا لَا يُنَافِي اَلِاسْتِمَاع، وَقَدْ غَفَلَ قَائِلُهُ عَنْ بَقِيَّةِ أَلْفَاظِ اَلْخَبَرِ» (٢). تحليل الاستدراك: استدرك صاحب (الفتح) الخطأ في فهم ظاهر لفظ (الالتفات)، الناشئ من عدم مراعاة سياق الحديث، وعدمِ دلالة الآية التي نزلت في هذا الشأن. ثالثًا: الاستدراك على تأويل نص فقيه، وتطبيقاته. النموذج الأول: قرر في (المجموع) أن لبعض الشافعية وجهًا في نية الصلاة وهو: أن ينوي بالقلب ويتلفظ باللسان، وقال: «وقال صاحب (الحاوي) هو قول أبي عبد الله الزبيري (٣) أنه لا يجزئه حتى يجمع بين نية القلب وتلفظ اللسان؛ لأن الشافعي ﵀ قال في الحج: إذا نوى حجًّا أو عمرة أجزأ وإن لم يتلفظ، وليس كالصلاة لا تصح إلا بالنطق. قال أصحابنا: غلط هذا القائل، وليس مراد الشافعي بالنطق في الصلاة هذا بل مراده التكبير، ولو تلفظ بلسانه ولم ينو بقلبه لم تنعقد صلاته بالإجماع فيه. كذا نقل أصحابنا بالإجماع فيه» (٤).

стр. 199

تحليل الاستدراك: وقع الخطأ في تأويل لفظ (النطق) في قول الشافعي، حيث فُسر بأنه النطق بالنية، ولكن رُدّ هذا التأويل بأن المراد به التكبير. النموذج الثاني: رُوي أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى بالناس المغرب فلم يقرأ فيها، فلما انصرف قيل له: ما قرأت. قال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسنا. قال: «فلا بأس» (١). قال صاحب (التنبيه على مبادئ التوجيه): «وقد تأول المالكية ذلك على أنه أعاد. وهذا بعيد؛ لأنه يبطل معنى سؤاله عن الركوع والسجود. وتأوله الشافعية على أنه ترك الجهر ولم يترك القراءة جملة (٢)، وهذا أقرب من التأويل الأول» (٣). تحليل الاستدراك: استدرك صاحب (التنبيه) على المالكية تأويلهم قول عمر ﵁ بالإعادة؛ لأنه تأويل لا ينسجم مع معطيات النص، إذ لو أنه أعاد لما كان لسؤاله عن تمام ركوعه وسجوده معنى!

стр. 200

المطلب الثالث: الاستدراك على الاجتهاد في الاستدلال، وتطبيقاته . المقصود بالاستدلال هنا: وجه استثمار الدليل في الدلالة على الحكم. والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في طريقة استثمار الدليل للدلالة على الحكم، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. فالدليل هنا مُسلَّمٌ به أو على تقدير التسليم به، والاستدراك متوجه إلى كيفية استثماره للدلالة على الحكم. ويُمكن تقسيم هذا النوع إلى قسمين: ١ - استدراك إجمالي على الاجتهاد في الاستدلال. ٢ - استدراك تفصيلي على الاجتهاد في الاستدلال. المسألة الأولى: الاستدراك الإجمالي على الاجتهاد في الاستدلال، وتطبيقاته . والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في سلوك طريقة كلية لاستثمار دليل، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. وفائدة هذا النوع الكلي أنه تدخل في مقتضاه كثير من الجزئيات، يكفي في الاستدراك عليها الاستدراكُ على كُليِّها. ومن تطبيقاته: قال صاحب (الفكر السامي) في كيفية استثمار دليل عمل أهل المدينة لدى بعض متأخري المالكية: «وهذا سلاح استعمله متأخرو المالكية، مهما لم يجدوا في الحديث مطعنًا ادّعَوا العمل، ولا ينبغي ذلك لهم في دين الله، فإن مالكًا ليس بمعصوم من الخطأ، ولا (المدونة) بمصحف منزّل، وكم من حديث لم يعرفه مالك وصح عند غيره، والإنصاف في دين الله أسلم من الاعتساف، ولو كان في ذلك (١) عمل متقرّر لنص عليه في (الموطأ) كعادته. فالعمل إذا نص عليه في (الموطأ) أو (المدونة) أو نحوهما من الكتب الثابتة فعمل مقبول، يستدل به المالكي بملء شدقيه، أما مجرد مخالفة مالك في

стр. 201

(المدونة) أو غيرها للحديث، فلا دليل فيه على العمل أصلاً، بل هي دعوى، وإلى الله المشتكى» (١). تحليل الاستدراك: فصاحب (الفكر السامي) يستدرك على بعض متأخري المالكية طريقةَ استثمارهم لدليل عمل أهل المدينة بحيث صار إلى الدعوى أمام ثبوت الأحاديث بغير ما هم عليه. المسألة الثانية: الاستدراك التفصيلي على الاجتهاد في الاستدلال، وتطبيقاته . والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في كيفية استثمار دليل جزئي، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. تطبيقاته: النموذج الأول: حكى المازري (٢) أن بعض أهل العلم (٣) يرى مشروعية استسقاء المخصبين للمجدبين، مستدلين بأدلة، وهي: قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٤)،

стр. 202

وحديث: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل» (١)، وحديث: «دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة» (٢). قال - مُستدركًا على هذا الاستدلال -: «وفي استسقاء المخصبين للمجدبين عندي نظر، والظواهر التي ذكروها لا تتضمن إقامة صلاة الاستسقاء ليسقى قوم آخرون غير المصلين، وإنما تحمل الظواهر على الدعاء لهم والرغبة إلى الله سبحانه في رفع اللأواء عن سائر المسلمين، ولا شك أن دعاء المخصبين للمجدبين مندوب إليه، وأما إقامة سنة صلاة الاستسقاء في مثل هذا فلم يقم عليه دليل» (٣). تحليل الاستدراك: فهنا استدرك على استدلالهم بأنه استدلال بالعام، والعام لا إشعار له بأخص معين (٤). النموذج الثاني: في (إحكام الأحكام): «ولقد أبعد الظاهري إبعادًا يكاد يكون مجزومًا ببطلانه، حيث لم يشترط تقدم الغسل على إقامة صلاة الجمعة حتى اغتسل (٥) قبل الغروب كفى عنده، تعلقًا بإضافة الغسل إلى اليوم في بعض الروايات، وقد تبين من بعض الأحاديث أن الغسل لإزالة الروائح الكريهة، ويفهم منه أن المقصود عدم تأذي الحاضرين، وذلك لا يتأتى بعد إقامة الجمعة. وكذلك أقول: لو قدّمه بحيث لا يحصل هذا المقصود لم

стр. 203

يعتد به. والمعنى إذا كان معلومًا كالنص قطعًا أو ظنًّا مقاربًا للقطع، فاتباعه وتعليق الحكم به أولى من اتباع مجرد اللفظ» (١). تحليل الاستدراك: يستدرك صاحب (الإحكام) على الاستدلال الظاهري الذي غلا في التمسك بظاهر النص دون النظر في علة الأمر بالاغتسال يوم الجمعة، مما أثمر حُكمًا لا يخدم مقصده الأصلي الذي من أجله جاء الأمر وهو النظافة وعدم تأذي الحاضرين بالرائحة الكريهة.

стр. 204

المطلب الرابع: الاستدراك على الاجتهاد في التعليل، وتطبيقاته . والمقصود بالتعليل: ما يشمل التعليل الكلي الذي هو الحِكَم والمقاصد، والتعليل الجزئي الذي هو علة القياس (١). فكلا النوعين طال الاستدراكُ الاجتهادَ في التعليلِ به. والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في تعليل حكم، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. ويُمكن تقسيم هذا النوع إلى قسمين: ١ - الاستدراك على الاجتهاد في التعليل الكلي. ٢ - الاستدراك على الاجتهاد في التعليل الجزئي. المسألة الأولى: الاستدراك على الاجتهاد في التعليل الكلي، وتطبيقاته . والتعليل الكلي هو التعليل بالحِكَم والمقاصد. والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في تعليل حكم بمقصد أو حكمة، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.

стр. 205

ومن تطبيقاته: في (صحيح البخاري) بسنده «عَنْ الْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ (١) قَالَ: كُنَّا عَلَى شَاطِئِ نَهَرٍ بِالْأَهْوَازِ (٢) قَدْ نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ، فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ (٣) عَلَى فَرَسٍ، فَصَلَّى وَخَلَّى فَرَسَهُ، فَانْطَلَقَت الْفَرَسُ، فَتَرَكَ صَلَاتَهُ، وَتَبِعَهَا حَتَّى أَدْرَكَهَا، فَأَخَذَهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَضَى صَلَاتَهُ. وَفِينَا رَجُلٌ لَهُ رَأْيٌ، فَأَقْبَلَ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ تَرَكَ صَلَاتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ! فَأَقْبَلَ، فَقَالَ: مَا عَنَّفَنِي أَحَدٌ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ: إِنَّ مَنْزِلِي مُتَرَاخٍ، فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُهُ لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اللَّيْلِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ فَرَأَى مِنْ تَيْسِيرِهِ» (٤). تحليل الاستدراك: استدرك الصحابي أبو برزة ﵁ على من أنكر عليه تركه لصلاته ليُدرك الفرس؛ لغفلة المُنكر عن مقصد التيسير، قال صاحب (مقاصد الشريعة الإسلامية): « ... فرأى (٥)

стр. 206

أن قطع الصلاة من أجل إدراك فرسه ثم العود إلى استئناف صلاته أولى من استمراره على صلاته مع تجشم مشقة الرجوع إلى أهله راجلاً» (١). المسألة الثانية: الاستدراك على الاجتهاد في التعليل الجزئي، وتطبيقاته . والمقصود بالتعليل الجزئي: التعليل بعلة القياس. والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في تعليل حكم بعلة قياسية، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. ومن تطبيقاته: حكى صاحب (شرح التلقين) تعليل الإمام أحمد لفرضية صلاة العيدين على الكفاية فقال: «وأما ابن حنبل فإنه يحتج بأنها صلاة يتكرر فيها التكبير في حال القيام، فكانت من فروض الكفايات، كصلاة الجنازة (٢) ... وإن قلنا إن صلاة الجنازة فرض على الكفاية فليس تكرر التكبير علة في الفرضية فيقاس عليها، وإن نحا به ناحية الشبه ... فإنا إن سلمنا قياس الشبه قابلناه بشبه آخر وهو ما قدمناه من أنها صلاة لا يؤذن لها ولا يُقام على نحو ما ذكرناه في قياسنا من شبهها بالنوافل، بل شبهنا أحق، ويكاد يكون فيه تلويح مقصودنا؛ لأن الأذان دعاء الجماعة إلى الصلاة، والدعاء إلى الصلاة واقتضاء فعلها أشعر بالوجوب من ترك الأذان والإقامة» (٣).

стр. 207

تحليل الاستدراك: يستدرك صاحب (شرح التلقين) على التعليل المنسوب إلى الإمام أحمد الذي عُلّل به فرضية صلاة العيدين على الكفاية - وهو تكرير التكبير - بأنه وصف غير صالح للعلِّية، فبالتالي يسقط القول بالفرضية. وأن التعليل الصالح للعلية هو عدم مشروعية الأذان والإقامة لصلاة العيدين، مما ينبني عليه القول بالندب؛ لأن مشروعية الأذان والإقامة أشعر بالوجوب من تركهما.

стр. 208

المطلب الخامس: الاستدراك على الاجتهاد في التنزيل، وتطبيقاته . والمقصود بالتنزيل هنا هو تحقيق المناط الذي هو تطبيق كليات الأحكام على جزئيات الحوادث (١). والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في تعيين محل الحكم، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. فقد يَسْلم الدليل والاستدلال به وتأويله وتعليله، ولكن يبقى كل ذلك معلّقًا حتى يجد واقعًا مناسبًا له من حيث الزمان والمكان والإنسان. وفائدته أن الاستدراك على تنزيل الأحكام على غير واقعها عمل عظيم، يُذب به عن الشريعة ما توصف به من الجمود والتأخر، ويُوقف به تعطيل الشريعة عن مقاصدها في مصالح العباد. جاء في (إعلام الموقعين) في شأن تغير الفتوى بالواقع: «هذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقع بسبب الجهل به غلطٌ عظيمٌ على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به» (٢). وفي (الفروق) توجيهٌ إلى النظر في محل الحكم قبل تنزيله: «وَلَا تَجْمُدْ عَلَى الْمَسْطُورِ فِي الْكُتُبِ طُولَ عُمْرِك، بَلْ إذَا جَاءَك رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ إقْلِيمِك يَسْتَفْتِيك لَا تجرِه عَلَى عُرْفِ بَلَدِك، وَاسْأَلْهُ عَنْ عُرْفِ بَلَدِهِ، وأجره عَلَيْهِ، وَأَفْتِهِ بِهِ دُونَ عُرْفِ بَلَدِك وَالْمُقَرَّرِ فِي كُتُبِك، فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْوَاضِحُ، وَالْجُمُودُ عَلَى الْمَنْقُولَاتِ أَبَدًا ضَلَالٌ فِي الدِّينِ وَجَهْلٌ بِمَقَاصِدِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالسَّلَفِ الْمَاضِينَ» (٣).

стр. 209

ويؤكد السعدي على خطر الاجتهاد في التنزيل قائلاً: «من أراد الحكم على شيء من الجزئيات فعليه أن يبين دخولها في الأحكام الكلية، وهذا أصل كبير نافع، من أحْكَمَه علماً وعملاً نجح، ومن لم يحكمه غلط غلطًا كبيرًا أو صغيرًا بحسب ما حكم به من الجزئيات، وجميع الحوادث وجميع أفعال المكلفين داخلة تحت هذا الأصل» (١). ويُمكن حصر نواحي محل الحكم في ثلاثة: المكان، الزمان، الإنسان، وهي موضع فحص الفقيه المُستدرِك على التنزيل. وعليه فالكلام هنا على ثلاث مسائل: المسألة الأولى: الاستدراك على الاجتهاد في التنزيل باعتبار المكان، وتطبيقاته . والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في تعيين محل الحكم باعتبار مكانه، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. من تطبيقاته: قال صاحب (الفكر السامي) في ترجمة والده (٢): «ذاكرته يومًا فيما يقوله بعض المالكية في حكم التجارة بأرض الحرب، حيث كان هو يتجر في أوروبا. فقال لي: لا تكن جامدًا على قول الفروعيين، فإن التجارة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٣)، كانت بالشام، وهي أرض حرب إذ ذاك،

стр. 210

وأقرهم عليها القرآن والنبي ﷺ . وقد اتجر ﵇ بها قبل البعثة بنفسه الكريمة، وهو معصوم من المحرم، ومن كل ما يقدح في العدالة قبل البعثة وبعدها، على أن أوروبا لم تبق دار حرب، بل هي الآن دار سلام منذ سلم المغرب أصطلوه (١)، وعقد معها المعاهدات، وتحقق أمن المسلم فيها على دينه وماله وعرضه، وقد أذن الإمام في التجارة بها، وأطال ﵀ بأدلة، لصراحة حكم الجواز باذلة» (٢). تحليل الاستدراك: فاستدرك والد صاحب (الفكر السامي) على من يرى منع التجارة في أوروبا - على تقدير التسليم بقول بعض المالكية بمنع التجارة في دور الحرب - ذلك أن أوروبا في زمنه دار سلام، فهي مكان لا يصلح لتنزيل الحكم عليه. المسألة الثانية: الاستدراك على الاجتهاد في التنزيل باعتبار الزمان، وتطبيقاته . والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في تعيين محل الحكم باعتبار زمانه، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. ومن تطبيقاته: بعد أن قسّم العيني الطوائف التي حاربها أبو بكر ﵁ عند توليه الخلافة، ذكر منها طائفة ووصفها بقوله: «والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة، فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الإمام، وهؤلاء على الحقيقة أهل بغي» (٣). ثم أورد استشكالاً أُورِدَ على هذا الوصف وهو: «لو كان منكر الزكاة باغيًا لا كافرًا لكان في زماننا أيضًا كذلك، لكنه كافر بالإجماع» (٤). قال في الاستدراك عليه: «وأجيب بالفرق وهو أنهم عُذروا فيما جرى منهم؛ لقرب العهد بزمان الشريعة الذي كان يقع فيه تبديل الأحكام، ولوقوع الفترة بموت رسول الله ﷺ وكان القوم جهّالاً

стр. 211

بأمور الدين، قد أضلتهم الشبهة، أما اليوم فقد شاع أمر الدين واستفاض العلم بوجوب الزكاة، حتى عرفه الخاص والعام، فلا يعذر أحد بتأويله وكان سبيلها سبيل الصلوات الخمس ونحوها» (١). تحليل الاستدراك: الزمن الأول: هو الزمن المُباشر بعد موت النبي ﷺ في خلافة أبي بكر ﵁. الحكم الأول: هو الحكم بالبغي على من فرّق بين فرضي الصلاة والزكاة، وعدم الحكم بكفرهم. الزمن الثاني: هو زمان شيوع الدين واستفاضة العلم بفرائضه التي منها وجوب الزكاة، حتى عرفه الخاص والعام. الحكم الثاني: هو الحكم بكفر مُنكر وجوب الزكاة بالإجماع. فلما أراد المُستشكل إنزال حكم الزمن الثاني على الزمن الأول، استُدرك عليه بعنصر مُعطيات الزمن، حيث تختلف؛ لما في الزمان الأول من احتمالات - من جهلٍ وتأويلٍ - تصرف الحكم بالكفر على الفاعل، أما في الزمان الثاني فقد انتفت هذه الاحتمالات فيثبت الحكم، فالفرق بين الزمانين أحدث فرقًا في الحكم على مُنكر الزكاة. المسألة الثالثة: الاستدراك على الاجتهاد في التنزيل باعتبار الإنسان، وتطبيقاته . والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في تعيين محل الحكم باعتبار الشخص المنزل عليه، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.

стр. 212

تطبيقاته: النموذج الأول: في (الموطأ): «أَنَّ رَقِيقًا لِحَاطِبٍ (١) سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ (٢)، فَانْتَحَرُوهَا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَمَرَ عُمَرُ كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ (٣) أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: أَرَاكَ تُجِيعُهُمْ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَأُغَرِّمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْكَ. ثُمَّ قَالَ لِلْمُزَنِيِّ: كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِكَ؟ فَقَالَ الْمُزَنِيُّ: قَدْ كُنْتُ وَاللَّهِ أَمْنَعُهَا مِنْ أَرْبَعِ مِائَةِ دِرْهَمٍ. فَقَالَ عُمَرُ: أَعْطِهِ ثَمَانَ مِائَةِ دِرْهَمٍ» (٤). تحليل الاستدراك: حدُّ السارق قطع اليد بشروطه، وهذا هو الحكم المتبادر عند ثبوت السرقة، لكن عند تنزيل هذا الحكم على العبيد هنا استدرك عمر ﵁ على نفسه حكمَه في العبيد بالقطع في بدء الأمر، لمراعاته اللاحقة لعناصر مؤثرة في الحكم باعتبار الشخص المنزل عليه، وهو إجاعةُ السيد رقيقَه المُلجئةُ إلى السرقة، فتغير الحكم لذلك.

стр. 213

النموذج الثاني: في (صحيح البخاري): «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ (١) لِعَائِشَةَ: أَلَمْ تَرَيْ إِلَى فُلَانَةَ بِنْتِ الْحَكَمِ (٢) طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتَّةَ فَخَرَجَتْ؟ فَقَالَتْ: بِئْسَ مَا صَنَعَتْ. قَالَ: أَلَمْ تَسْمَعِي فِي قَوْلِ فَاطِمَةَ؟ قَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ. وَزَادَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ (٣) عَنْ هِشَامٍ (٤) عَنْ أَبِيهِ: عَابَتْ عَائِشَةُ أَشَدَّ الْعَيْبِ، وَقَالَتْ: إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ (٥)، فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا؛ فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ » (٦).

стр. 214

تحليل الاستدراك: استدركت عائشة ﵂ على عروة تنزيله حكمَ النبي ﷺ في فاطمة بنت قيس على حادثة بنت الحكم؛ لاختلاف حال الأشخاص في الحادثتين، ورأت أنّ عدم السكنى لفاطمة ليس لبتّ طلاقها، وإنما لأنها كانت تسكن بيتًا موحِشًا خاليًا لا أنيس فيه، فخيف عليها البقاء فيه، وعليه فلا يُنزّل حُكمها على حادثة بنت الحكم. النموذج الثالث: قال ابن القيم (١): «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه ونور ضريحه - يقول: مررت أنا وبعضُ أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال، فدَعْهُم» (٢). تحليل الاستدراك: استدرك ابن تيمية على من أنكر على قوم من التتار يشربون الخمر؛ لغفلة المُنكِر عن حال الشخص المُنزّل عليه الحكم، فإن هؤلاء القوم الشاربين ناس سوء وإفساد، فشُرب الخمر يُقلل من إفسادهم، فهو أولى من ترك الشُّرب، فالمصلحة هي في عدم الإنكار عليهم، وإن كانت المصلحة هي في الإنكار على غيرهم.

стр. 215

المبحث الرابع أنواع الاستدراك الفقهي باعتبار جنس مُتعَلَّقه، وتطبيقاتها . وتحته مطلبان: المطلب الأول: أنواع الاستدراك الفقهي باعتبار مُتعلّقه الإدراكي، وتطبيقاتها. وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: الاستدراك الفقهي على التصورات، وتطبيقاته. المسألة الثانية: الاستدراك الفقهي على التصديقات، وتطبيقاته. المسألة الثالثة: الاستدراك الفقهي على المعقولات، وتطبيقاته. المطلب الثاني: أنواع الاستدراك الفقهي باعتبار مُتعلّقه الفعلي، وتطبيقاتها. وتحته ست مسائل: المسألة الأولى: الاستدراك الفقهي على التصرف في الفتوى والاستفتاء، وتطبيقاته. المسألة الثانية: الاستدراك الفقهي على التصرف في القضاء، وتطبيقاته. المسألة الثالثة: الاستدراك الفقهي على تصرف الحاكم، وتطبيقاته. المسألة الرابعة: الاستدراك الفقهي على التصرف في الاحتساب، وتطبيقاته. المسألة الخامسة: الاستدراك الفقهي على الدرس الفقهي، وتطبيقاته. المسألة السادسة: الاستدراك الفقهي على مظاهر اجتماعية وسلوكيات عامة أخرى، وتطبيقاته.
следующие страницы →