← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 132414

الاستدراك الفقهي تأصيلا وتطبيقا

مجمول الجدعاني

Полный текст (596 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بأمور الدين، قد أضلتهم الشبهة، أما اليوم فقد شاع أمر الدين واستفاض العلم بوجوب الزكاة، حتى عرفه الخاص والعام، فلا يعذر أحد بتأويله وكان سبيلها سبيل الصلوات الخمس ونحوها» (١). تحليل الاستدراك: الزمن الأول: هو الزمن المُباشر بعد موت النبي ﷺ في خلافة أبي بكر ﵁. الحكم الأول: هو الحكم بالبغي على من فرّق بين فرضي الصلاة والزكاة، وعدم الحكم بكفرهم. الزمن الثاني: هو زمان شيوع الدين واستفاضة العلم بفرائضه التي منها وجوب الزكاة، حتى عرفه الخاص والعام. الحكم الثاني: هو الحكم بكفر مُنكر وجوب الزكاة بالإجماع. فلما أراد المُستشكل إنزال حكم الزمن الثاني على الزمن الأول، استُدرك عليه بعنصر مُعطيات الزمن، حيث تختلف؛ لما في الزمان الأول من احتمالات - من جهلٍ وتأويلٍ - تصرف الحكم بالكفر على الفاعل، أما في الزمان الثاني فقد انتفت هذه الاحتمالات فيثبت الحكم، فالفرق بين الزمانين أحدث فرقًا في الحكم على مُنكر الزكاة. المسألة الثالثة: الاستدراك على الاجتهاد في التنزيل باعتبار الإنسان، وتطبيقاته . والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في تعيين محل الحكم باعتبار الشخص المنزل عليه، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.

стр. 212

تطبيقاته: النموذج الأول: في (الموطأ): «أَنَّ رَقِيقًا لِحَاطِبٍ (١) سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ (٢)، فَانْتَحَرُوهَا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَمَرَ عُمَرُ كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ (٣) أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: أَرَاكَ تُجِيعُهُمْ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَأُغَرِّمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْكَ. ثُمَّ قَالَ لِلْمُزَنِيِّ: كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِكَ؟ فَقَالَ الْمُزَنِيُّ: قَدْ كُنْتُ وَاللَّهِ أَمْنَعُهَا مِنْ أَرْبَعِ مِائَةِ دِرْهَمٍ. فَقَالَ عُمَرُ: أَعْطِهِ ثَمَانَ مِائَةِ دِرْهَمٍ» (٤). تحليل الاستدراك: حدُّ السارق قطع اليد بشروطه، وهذا هو الحكم المتبادر عند ثبوت السرقة، لكن عند تنزيل هذا الحكم على العبيد هنا استدرك عمر ﵁ على نفسه حكمَه في العبيد بالقطع في بدء الأمر، لمراعاته اللاحقة لعناصر مؤثرة في الحكم باعتبار الشخص المنزل عليه، وهو إجاعةُ السيد رقيقَه المُلجئةُ إلى السرقة، فتغير الحكم لذلك.

стр. 213

النموذج الثاني: في (صحيح البخاري): «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ (١) لِعَائِشَةَ: أَلَمْ تَرَيْ إِلَى فُلَانَةَ بِنْتِ الْحَكَمِ (٢) طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتَّةَ فَخَرَجَتْ؟ فَقَالَتْ: بِئْسَ مَا صَنَعَتْ. قَالَ: أَلَمْ تَسْمَعِي فِي قَوْلِ فَاطِمَةَ؟ قَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ. وَزَادَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ (٣) عَنْ هِشَامٍ (٤) عَنْ أَبِيهِ: عَابَتْ عَائِشَةُ أَشَدَّ الْعَيْبِ، وَقَالَتْ: إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ (٥)، فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا؛ فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ » (٦).

стр. 214

تحليل الاستدراك: استدركت عائشة ﵂ على عروة تنزيله حكمَ النبي ﷺ في فاطمة بنت قيس على حادثة بنت الحكم؛ لاختلاف حال الأشخاص في الحادثتين، ورأت أنّ عدم السكنى لفاطمة ليس لبتّ طلاقها، وإنما لأنها كانت تسكن بيتًا موحِشًا خاليًا لا أنيس فيه، فخيف عليها البقاء فيه، وعليه فلا يُنزّل حُكمها على حادثة بنت الحكم. النموذج الثالث: قال ابن القيم (١): «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه ونور ضريحه - يقول: مررت أنا وبعضُ أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال، فدَعْهُم» (٢). تحليل الاستدراك: استدرك ابن تيمية على من أنكر على قوم من التتار يشربون الخمر؛ لغفلة المُنكِر عن حال الشخص المُنزّل عليه الحكم، فإن هؤلاء القوم الشاربين ناس سوء وإفساد، فشُرب الخمر يُقلل من إفسادهم، فهو أولى من ترك الشُّرب، فالمصلحة هي في عدم الإنكار عليهم، وإن كانت المصلحة هي في الإنكار على غيرهم.

стр. 215

المبحث الرابع أنواع الاستدراك الفقهي باعتبار جنس مُتعَلَّقه، وتطبيقاتها . وتحته مطلبان: المطلب الأول: أنواع الاستدراك الفقهي باعتبار مُتعلّقه الإدراكي، وتطبيقاتها. وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: الاستدراك الفقهي على التصورات، وتطبيقاته. المسألة الثانية: الاستدراك الفقهي على التصديقات، وتطبيقاته. المسألة الثالثة: الاستدراك الفقهي على المعقولات، وتطبيقاته. المطلب الثاني: أنواع الاستدراك الفقهي باعتبار مُتعلّقه الفعلي، وتطبيقاتها. وتحته ست مسائل: المسألة الأولى: الاستدراك الفقهي على التصرف في الفتوى والاستفتاء، وتطبيقاته. المسألة الثانية: الاستدراك الفقهي على التصرف في القضاء، وتطبيقاته. المسألة الثالثة: الاستدراك الفقهي على تصرف الحاكم، وتطبيقاته. المسألة الرابعة: الاستدراك الفقهي على التصرف في الاحتساب، وتطبيقاته. المسألة الخامسة: الاستدراك الفقهي على الدرس الفقهي، وتطبيقاته. المسألة السادسة: الاستدراك الفقهي على مظاهر اجتماعية وسلوكيات عامة أخرى، وتطبيقاته.

стр. 216

والمقصود بهذا التنويع النظر إلى الاستدراك الفقهي من جهة جنس ما يرتبط به، وهو العمل المُستدرَك عليه. وبالتأمل في جملة من تصرفات الفقهاء في الاستدراك الفقهي - مع الاعتبار المنطقي في التقسيم - يُمكن حصر مُتعلّقات الاستدراك الفقهي في جنسين: ١ - مُتعلّق إدراكي. ٢ - مُتعلّق فعلي. فالبحث فيها على مطلبين:

стр. 217

المطلب الأول أنواع الاستدراك الفقهي باعتبار مُتعلّقه الإدراكي، وتطبيقاتها . وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: الاستدراك الفقهي على التصورات، وتطبيقاته. المسألة الثانية: الاستدراك الفقهي على التصديقات، وتطبيقاته. المسألة الثالثة: الاستدراك الفقهي على المعقولات، وتطبيقاته.

стр. 218

والمقصود بهذا التنويع النظر إلى الاستدراك الفقهي من جهة ارتباطه بمحل العمليات العقلية الإدراكية المُستدرَك عليها فقهيًّا، فالمتعلقُ هنا معنويٌّ. ويُمكن حصر نواحي المتعلقات العقلية في ثلاثة أقسام: تصورات، وتصديقات، ومعقولات؛ ذلك أن الناظر في المعاني لا يخلو حاله من ثلاث حالات: - أن يقع في ذهنه مجرد معنى مفرد دون الحكم عليه بشيء، وهذا هو التصور. - أن يحكم على ذلك المعنى المفرد بحكم، وهذا هو التصديق. - أن يستثمر العلاقة بين التصور والتصديق لتعديتها إلى قضايا أخرى، وهذا هو المعقول (١). وكل الأقسام قد طالها الاستدراك الفقهي، وأناقش ذلك في المسائل التالية: المسألة الأولى: الاستدراك الفقهي على التصورات، وتطبيقاته . والتصورات جمع تصور، والجمع لتعدد الأنواع. والمقصود بالتصورات هنا بابها، وليس المقصود ذات التصور دون التصوير، فيدخل في هذا النوع التصوُّر الذي هو عملية إنشاء الصورة، كما يدخل التصوير الذي هو أداءٌ لناتج التصوّر.

стр. 219

والمقصود بهذا المظهر: تلافي خلل في تصوير أو تصوره، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. وأهمية الاستدراك عليه يأتي من أن التصورات هي مقدمات الأحكام، فصحة التصوُّر مؤثر في صحة الحكم. وتمظهر هذا النوع في مظاهر تحصّل لي منها: الحدود، وتحديد أركان المُعرَّفات، وتصوير موضوع المسألة الفقهية - وهو محل الحكم فيها -، وتأويل النصوص. المظهر الأول: الاستدراك الفقهي على الحدود، وتطبيقاته . والحدّ: «هو الوصف المحيط بمعناه، المميز له عن غيره» (١)، فهو ما يوصَل به لتصور المطلوب (٢). تطبيقاته: النموذج الأول: في (المستصفى): «التأويل الثاني للاستحسان قولهم: المراد به دليل ينقدح في نفس المجتهد، لا تساعده العبارة عنه، ولا يقدر على إبرازه وإظهاره. وهذا هوس؛ لأن ما لا يقدر على التعبير عنه لا يدرى أنه وهم وخيال أو تحقيق، ولا بد من ظهوره ليعتبر بأدلة الشريعة؛ لتصحّحه الأدلة أو تزيّفه. أما الحكم بما لا يُدرى ما هو فمن أين يُعلم جوازه؟ أبضرورة العقل؟ أو نظره؟ أو بسمع متواتر؟ أو آحاد؟ ولا وجه لدعوى شيء من ذلك» (٣). تحليل الاستدراك: فالاستدراك هنا على تعريف دليل الاستحسان بالحد المذكور.

стр. 220

النموذج الثاني: حدّ ابن عرفة الاعتكاف بقوله: «لُزُومُ مَسْجِدٍ مُبَاحٍ لِقُرْبَةٍ قَاصِرَةٍ بِصَوْمٍ مَعْزُومٍ عَلَى دَوَامِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً سِوَى وَقْتِ خُرُوجِهِ لِجُمُعَةٍ أَوْ لِمُعَيَّنِهِ الْمَمْنُوعِ فِيهِ». قال الرصاع (١) شارحًا: «وَقَوْلُهُ (قَاصِرَةٍ) أَخْرَجَ بِهِ الْمُتَعَدِّيَةَ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ فِي الِاعْتِكَافِ وَمَنْ لَازَمَ لَهَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُعْتَكِفٌ وَبِهَا اعْتَرَضَ الشَّيْخُ ﵀ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ» (٢). وفي حدّ ابن الحاجب للاعتكاف أتى ذكر العبادة عامًّا حيث شمل اللفظُ العبادةَ القاصرة والمتعدية فقال: «لزوم المسلم المميز المسجد للعبادة صائماً كافاً عن الجماع ومقدماته يوماً فما فوقه بالنية» (٣). تحليل الاستدراك: فالاستدراك على حدّ ابن الحاجب حيث عمّم جنس العبادة المتقرّب بها في الاعتكاف، بأن التقرّب في الاعتكاف يكون بالعبادة القاصرة دون المتعدية.

стр. 221

النموذج الثالث: جاء في (تنوير الأبصار مع شرحه الدر) في تعريف العارية: «وشرعًا: (تمليك المنافع مجانًا)» (١). قال ابن عابدين: «قوله: (تمليك) فيه رد على الكرخي (٢) القائل بأنها إباحة وليست بتمليك، ... بحر» (٣). تحليل الاستدراك: فالاستدراك على حدّ الكرخي في جنس تعريفه، حيث جعل جنس العارية إباحة وليس تمليكًا. المظهر الثاني: الاستدراك الفقهي على تصوير أركان المعرّف، وتطبيقاته . سبق تعريف الركن (٤). ومن تطبيقاته: جاء في (شرح فتح القدير) في ماهية التيمم: «ثم قولهم ضربتان يفيد أن الضرب ركن ومقتضاه أنه لو ضرب يديه فقبل أن يمسح أحدث لا يجوز المسح بتلك الضربة؛

стр. 222

لأنها ركن، فصار كما لو أحدث في الوضوء بعد غسل الأعضاء وبه قال السيد أبو شجاع (١). وقال القاضي الإسبيجاني (٢): يجوز كمن ملأ كفيه ماء فأحدث ثم استعمله. وفي (الخلاصة): الأصح أنه لا يستعمل ذلك التراب. كذا اختاره شمس الأئمة. وعلى هذا فما صرحوا به من أنه لو ألقت الريح الغبار على وجهه ويديه فمسح بنية التيمم أجزأه، وإن لم يمسح لا يجوز - يلزم فيه إما كونه قول من أخرج الضربة لا قول الكل، وإما اعتبار الضربة أعم من كونها على الأرض أو على العضو مسحًا. والذي يقتضيه النظر عدم اعتبار ضربة الأرض من مسمى التيمم شرعًا فإن المأمور به المسح ليس غير، في الكتاب قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ (٣)». (٤) فاستدراكُ صاحب (شرح فتح القدير) هنا على اعتبار الضرب من أركان التيمم، بأنه اعتبارٌ يقتضي النظر في النص القرآني عدمَ اعتباره رُكنًا. ويدخل في هذه المسألة المظهران: المظهر الثالث: الاستدراك الفقهي على تصوير موضوعات المسائل الفقهية .

стр. 223

و المظهر الرابع: الاستدراك الفقهي على الاجتهاد في التأويل (١). وقد ناقشتُهما أنواعًا في المبحث السابق. المسألة الثانية: الاستدراك الفقهي على التصديقات، وتطبيقاته . والتصديقات جمْع تصديق، والجمع لتعدد الأنواع. استهدف المستدركون الفقهاءُ جانبَ التصديقات، ويُفهم ذلك من تصرفاتهم في الاستدراك عمومًا، ومن تعدادهم لأعمالهم الاستدراكية الفقهية على العمل المُستدرك عليه خصوصًا، كما سيأتي في التطبيقات. وتمظهر الاستدراك الفقهي بهذا النوع في مظاهر تحصّل لي منها المظاهر التالية: المظهر الأول: الاستدراك الفقهي على نسبة الأقوال والآراء والأشخاص، وتطبيقاته . والمقصود بهذا المظهر: تلافي خلل في نسبة قول أو رأي أو شخص، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. ويشمل التعريف جميع مُتعلّقات نسبة الأقوال والآراء، سواء كانت نسبة إلى فقيه، أو مذهب، أو معتمد فيه، أو راجح فيه، أو مشهور فيه، أو وجه فيه ... كما يشمل جميع متعلقات نسبة الأشخاص، كنسبتهم إلى مذهب، أو مرتبة علمية. وقد صرّح مُستدركون فقهاء باستهداف هذا الخلل بالاستدراك. جاء في (التنقيح في شرح الوسيط): «والمقصود بيان اثني عشر نوعًا ... الرابع: إطلاقُه (٢) قولين مكان وجهين وعكسه، وهذا كثير جدًّا» (٣).

стр. 224

وجاء في (الإنصاف): «وتارة يحكي (١) الخلاف وجهين، وهما روايتان» (٢). وفي موضع آخر قال: «وتارة يقطع بحكم مسألة، وقد يزيد فيها فيقول: «بلا خلاف في المذهب» ... أو يقول: «وجهًا واحدًا. أو رواية واحدة» وهو كثير في كلامه، ويكون في الغالب فيها خلافٌ» (٣). وفي (تصحيح الفروع): «واعلم أن المصنف أيضًا تارة يطلق الخلاف في موضع، ويقدّم حكمًا في موضع آخر (٤) في تلك المسألة بعينها» (٥). بل إن هذا النوع كان دافعًا لتخصيص مؤلفات فيه ككتاب (بيان خطأ من أخطأ على الشافعي)، قال مؤلفه: «وكنت قد نظرت في كتب أهل العلم بالحديث والفقه، وجالست أهلها، وذاكرتهم، وعرفت شيئًا من علومهم، فوجدت في بعض ما نقل من كتبه (٦) وحوّل منها إلى غيره خللاً في النقل، وعدولاً عن الصحة بالتحويل، فرددت مبسوط كتبه القديمة والجديدة إلى ترتيب المختصر؛ ليتبين لمن تفكر في مسائله من أهل الفقه ما وقع فيه من التحريف والتبديل، ويظهر لمن نظر في أخباره من أهل العلم بالحديث ما وقع فيه الخلل بالتقصير في النقل» (٧).

стр. 225

وكذلك (كشف الجُلَّة عن الغلط على الأئمة) (١). ورسائل علمية في جامعة الإمام محمد بن سعود في استدراكات شيخ الإسلام ابن تيمية فيما نسب إلى الإمام أحمد (٢). وقد دعا فقهاء إلى التدقيق في النظر عند النسبة، تدقيقٌ قد ينتج عنه استدراك لبعض ما نُسب، من ذلك ما في (العواصم والقواصم): «وإذا نقلت مذاهبهم فاتق الله في الغلط عليهم، ونسبة ما لم يقولوه إليهم» (٣). قال صاحب (المدخل المفصل) بعد إيراد هذا النص: «فاجتهد - رحمك الله - أن تكون في المذهب ممن نقّح، وحقّق، وصحّح، وكشف ما تتابع عليه بعض الأصحاب من غلط، أو تعاقب عليه النساخ من عيوب النظر، وسبق القلم» (٤). وتوالت تحذيرات الفقهاء من نسبة الكلام جُزافًا دون تدقيق، وعابوا ذلك على بعض الكتب.

стр. 226

من ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية: «المنحرفون من أتباع الأئمة في الأصول والفروع ... انحرافهم أنواع» ذكر من هذه الأنواع مما يخص موضوعنا في قوله: «قول قاله الإمام فزيد عليه نوعًا أو قدرًا» وَ «أن يفهم من كلامه ما لم يرده، أو ينقل عنه ما لم يقله» وَ «أن يُجعل كلامه عامًّا أو مطلقًا، وليس كذلك» و «أن يكون عنه في المسألة اختلاف فيتمسكون بالقول المرجوح» و «أن لا يكون قد قال أو نقل عنه ما يزيل شبهتهم، مع كون لفظه محتملاً لها» (١). وفي (الطرق الحكمية): «وإنما المتأخرون يتصرفون في نصوص الأئمة ويبنونها على ما لم يخطر لأصحابها ببال، ولا جرى لهم في مقال، ويتناقله بعضهم عن بعض، ثم يلزمهم من طرده لوازم لا يقول بها الأئمة، فمنهم من يطردها ويلتزم القول بها ويضيف ذلك إلى الأئمة، وهم لا يقولون به، فيروج بين الناس بجاه الأئمة، ويفتى ويحكم به، والإمام لم يقله قط بل يكون قد نص على خلافه» (٢). وفي (إعلام الموقعين): «لا يحل له أن ينسب إليه القول ويطلق عليه أنه قوله بمجرد ما يراه في بعض الكتب التي حفظها أو طالعها من كلام المنتسبين إليه؛ فإنه قد اختلطت أقوال الأئمة وفتاويهم بأقوال المنتسبين إليهم واختياراتهم، فليس كل ما في كتبهم منصوصًا عن الأئمة، بل كثير منه يخالف نصوصهم، وكثير منه لا نص لهم فيه، وكثير منه يخرّج على فتاويهم، وكثير منه أفتوا به بلفظه أو بمعناه، فلا يحل لأحد أن يقول هذا قول فلان ومذهبه إلا أن يعلم يقينا أنه قوله ومذهبه» (٣).

стр. 227

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١): «أكثر ما في الإقناع (٢) والمنتهى (٣) مخالف لمذهب أحمد ونصه» (٤). بل إن القرافي استدرك على طريقةٍ في نسبة الأقوال والآراء شاعت في الكتب الفقهية بقوله: «وأضيفُ الأقوال إلى قائلها إن أمكن؛ ليعلم الإنسان التفاوت بين القولين بسبب التفاوت بين القائلَين، بخلاف ما يقول كثير من أصحابنا: (في المسألة قولان) من غير تعيين، فلا يدري الإنسان من يجعله بينه وبين الله تعالى من القائلَين، ولعل قائلهما واحد، وقد رجع عن أحدهما، فإهمال ذلك مؤلمٌ في التصانيف» (٥). كما دعا بعض الفقهاء إلى سلوك منهج الاستدراك على نسبة الأقوال والآراء، من ذلك ما جاء عن أبي شامة (٦) بعد أن ذكر اختلاف نقل الشافعية لنصوص الشافعي، مع

стр. 228

وجود كتبه مدوّنةً مرويةً، حيث قال: «أفلا كانوا يرجعون إليها، ويُنقُّون تصانيفهم من كثرة اختلافهم عليها» (١). وفي هذا السياق اعتبر الفقهاء بعض الناقلين عن الأئمة أوثق من غيرهم، تُستدرَك برواياتهم مرويّات غيرهم، «فإن النقل قد اختلف في بعض المسائل عن أئمة المذاهب؛ كما ترى أبا حنيفة ﵀ نقل أقواله محمد بن الحسن منها ما أخذه عنه، ومنها ما رواه عن أبي يوسف عنه، وقد نقل عن أبي يوسف غير محمد من الأصحاب كالحسن بن زياد (٢)، وعيسى بن أبان (٣) وغيرهما، وكتب محمد رواها كذلك عنه أكثر من واحد، وقد تجدهم يختلفون في النقل، وذلك ناشئ إما من خطأ بعض النقلة عليهم، وإما من تردد الإمام نفسه في الرأي، فيروي كل غير ما روى الآخر. وكذلك الشافعي يروي عنه الربيع بن سليمان (٤)

стр. 229

والمزني (١) وحرملة (٢) والبويطي (٣) وغيرهم، وقد يختلفون في النقل للسببين المتقدمين. وكذلك مالك يروي عنه ابن القاسم وابن وهب (٤) وابن الماجشون (٥) وأسد بن

стр. 230

الفرات (١) وغيرهم، فكان من عمل العلماء بعد تقرر المذاهب أن يبدوا رأيهم في أي الروايتين أرجح؛ فيرجحوا رواية من اطمأنت أنفسهم إليه؛ لازدياد الثقة به، كما رجح الحنفية روايات محمد على غيره من الأصحاب، ورجحوا من كتبه التي رواها عنه الثقات كأبي حفص الكبير (٢) والجوزجاني (٣)، وسموها ظاهر الرواية، وكذلك رجح الشافعية ما يرويه الربيع بن سليمان، حتى ولو تعارض هو والمزني في رواية قدموا رواية الربيع مع اعترافهم بعلو كعب المزني في الفقه وترجيحه في ذلك على الربيع، وضعفوا مايرويه حرملة إذا تعارض معهما، وكذلك المالكية، رجحوا روايات ابن

стр. 231

القاسم عن مالك على سائر الرواة عنه، وقد يختلف النقل عن ابن القاسم نفسه فيرجحون بازياد الثقة في الرواة» (١). وإرشادًا للاهتمام بدور من استدرك على النقل والنسبة يقول صاحب (الفكر السامي) في كلامه عن شرح خليل: «وقد وقع للزرقاني أغلاط في النقل وغيره، فاعتنى المغاربة بتصحيحه، ووضعوا عليه حواشي مستمدة من حواشي الشيخ مصطفى الرُّماصي (٢) على التتائي وغيرها» (٣). تطبيقاته: النموذج الأول: قال ابن تيمية: «وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد عَلَى أَنَّهُ إذَا أُوجِبَ النِّكَاحُ لِغَائِبِ وَذَهَبَ إلَيْهِ الرَّسُولُ فَقَبِلَ فِي مَجْلِسِ الْبَلَاغِ: أَنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ. فَظَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلٌ مِنْهُ ثَانٍ: بِأَنَّهُ يَصِحُّ تَرَاخِي الْقَبُولِ مُطْلَقًا - وَإِنْ كَانَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ - بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا وَطُولِ الْفَصْلِ. وَهِيَ الرِّوَايَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي مِثْلِ (الْهِدَايَةِ) (٤) وَ (الْمُقْنِعِ) (٥) وَ (الْمُحَرَّرِ) (٦)

стр. 232

وَغَيْرِهَا: أَنَّهُ يَصِحُّ فِي النِّكَاحِ وَلَوْ بَعْدَ الْمَجْلِسِ. وَذَلِكَ خَطَأٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْجَدُّ (١) - فِيمَا أَظُنُّ - فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ» (٢). تحليل الاستدراك: فهنا يستدرك ابن تيمية على نسبة خاطئة لرواية إلى أحمد، وهذا الخطأ نشأ من تأويل خاطئ لقول الإمام. النموذج الثاني: استدراك ابن غازي (٣) وأحمد بابا التنبكتي (٤) على ابن عرفة نفي مرتبة الاجتهاد عن ابن القاسم؛ لأنه يرى أنه مزجي البضاعة في الحديث.

стр. 233

قال ابن غازي: كيف يثبت الاجتهاد لشيوخه كابن عبد السلام (١)، وينفيه عن ابن القاسم بعبارة فظيعة، مع أنه شيخ هداية المالكية (٢). وقال أحمد بابا: «ولا ريب في إمامة ابن القاسم في الحديث، وناهيك بثناء النسائي (٣) عليه فيه» (٤). تحليل الاستدراك: يستدرك ابن غازي على ابن عرفة الخلل في نسبة مرتبة الاجتهاد إلى من هو دون ابن القاسم في المرتبة العلمية، مع نفيها عنه، ويستدرك التنبكتي على مُعتمد ابن عرفة في هذه النسبة - وهو أنه ضعيف في الحديث - بثناء النسائي على ابن القاسم فيه. النموذج الثالث: في (الاتجاهات الفقهية): لما ذكر أن من أبرز ما اتُهم به أبو حنيفة هو أن القياس عنده أجل من الحديث لدرجة تقديمه على الحديث عند التعارض، قال: «ولسنا بصدد تفصيل هذا الاتهام أو تفنيده، فسوف يأتي هذا في موضعه، ولكنا نجمل القول هنا بأن المذهب الحنفي كغيره من المذاهب السنية في اعتبار الحديث والأخذ به، وإذا وجدت

стр. 234

بعض أحاديث رفضها العراقيون، فإنما ذلك لمأخذ قوي في نظرهم، من تضعيف الحديث أو تأويله، أو ادعاء نسخه، أو غير ذلك، وهم ليسوا بدعًا في ذلك، فعمر بن الخطاب رفض رواية فاطمة بنت قيس في عدم وجوب النفقة والسكنى للمطلقة البائن، كما رفض حديثها هذا أسامة بن زيد وعائشة ﵃» (١). تحليل الاستدراك: فالاستدراك اتجه إلى نسبة غير صحيحة للمذهب الحنفي في موقفه من العمل بالحديث. النموذج الرابع: في (التنبيه على مبادئ التوجيه): «وقد قدمنا أيضا أن عورة الأمة كهي من الرجل. وأراد أبو الحسن اللخمي أن يجعل المذهب على قولين: أحدهما: ما قدمناه. والثاني: وجوب ستر سائر الجسد في الصلاة. وعول على ألفاظ وقعت في (المدونة)، منها: «لا تصلي الأمة إلا وعلى جسدها ثوب يستر جميع جسدها». وهذا يحتمل أن يريد به الكمال لا الإجزاء. ولا شك أن من قال في الرجل يلزمه ستر جميع جسده في الصلاة يكون لزوم ذلك في الأمة أولى وأحرى عنده» (٢). تحليل الاستدراك: استدرك صاحب (التنبيه) على اللخمي ما نسبه للمذهب المالكي من قول ثانٍ في مسألة عورة الأمة في الصلاة، والخلل في هذه النسبة يُرجعه صاحب (التنبيه) إلى التأويل الخاطئ لبعض ألفاظ (المدونة). النموذج الخامس: في (عقد الجواهر الثمينة): «وعزي إلى مالك ﵁ في الرسالة المنسوبة إليه - وتعرف بكتاب السر - أنه حد للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يومًا وليلة. قال علماؤنا: ولا

стр. 235

تثبت هذه الرسالة. قال القاضي أبو محمد (١): وكان الشيخ أبو بكر (٢) في جماعة من الشيوخ ينكرونها، ويقولون: لا تصح عن مالك» (٣). تحليل الاستدراك: استدرك جماعة من شيوخ المذهب المالكي على نسبة رسالة السر لمالك، مما يُفيد عدم اعتمادها في نسبة الأقوال إلى مالك. النموذج السادس: في (شرح التلقين): «وذكر أبو الوليد (٤) أن أصحابنا اختلفوا في القصر: هل هو واجب أو مندوب إليه أو مباح؟ وما أضافه إلى المذهب من الإباحة لا يكاد يوجد؛ لاتفاق المذهب على أن القصر مأمور به إما إيجابًا وإما ندبًا» (٥).

стр. 236

تحليل الاستدراك: فيستدرك صاحب (شرح التلقين) على أبي الوليد نسبة القول بإباحة القصر إلى المذهب المالكي. النموذج السابع: جاء في (الشرح الصغير): «(و) جاز (حمل غير أربعة) للنعش من الرجال، كأن يحمله اثنان أو ثلاثة» (١). في (حاشية الصاوي) عليه: «قوله: (وجاز حمل غير أربعة): أي خلافًا لمن قال بندب الأربعة، وهو أشهب وابن حبيب (٢)، وفي (الخرشي) أن ابن الحاجب شهَر قول أشهب وابن حبيب باستحباب الأربعة، ومثله في الأجهوري (٣). قال (بن) (٤): وهو غلط

стр. 237

منهم؛ فابن الحاجب لم يُشهر إلا ما عند المصنف، ونصه: ولا يستحب حمل أربعة على المشهور. ا. هـ. من حاشية الأصل» (١). تحليل الاستدراك: فاستدرك البنّاني نسبة القول باستحباب حمل الأربعة للجنازة إلى المشهور من المذهب المالكي، حيث اعتمد هذا القول على أن ابن الحاجب شهره، فغلّط البناني هذا المعتمد، بأن ابن الحاجب لم يُشهر الاستحباب بل أشهر الجواز. النموذج الثامن: قال في (الفكر السامي) عن أبي ثور الكلبي (٢): «وقد عدّه السبكي على عادته من المقلدين للشافعي، والذي صرح به غير واحد أنه كان مجتهدًا مستقلاًّ، فنسبته إليه نسبة المتعلم للمعلم، لا المقلد للمقلد، فقد كان له مذهب مدون وأتباع كما في (المدارك). قال في (الديباج): إن أصحابه لم يكثروا، ولا طالت مدتهم، وانقطعوا بعد ثلاثمئة» (٣). تحليل الاستدراك: استدرك صاحب (الفكر السامي) على نسبة السبكي أبا ثور الكلبي إلى مرتبة التقليد، لأن هذه النسبة مُخالفة لما نقل عنه من وجود مذهب له مدوّن وأتباع، ونسبة غير واحد له إلى مرتبة الاجتهاد المستقل.

стр. 238

النموذج التاسع: قال التاج السبكي: «وسماعي من الشيخ الإمام الوالد ﵀ أن الذي صح عنده عن داود (١) أنه لا ينكر القياس الجلي، وإن نقل إنكاره عنه ناقلون. قال: وإنما ينكر الخفي فقط (٢). قال: ومنكر القياس مطلقًا جليه وخفيه طائفةٌ من أصحابه زعيمهم ابن حزم (٣)» (٤).

стр. 239

تحليل الاستدراك: يستدرك السبكي الوالد على نسبة القول بإنكار القياس مطلقا جليه وخفيه إلى داود، بأن هذه النسبة لم تصح، ومن نقلها فقد نقل غير الصحيح، وأن الذي ينكره من القياس إنما هو القياس الخفي، وأن إنكار القياس مطلقًا منسوب إلى طائفة من أصحابه، وليس إليه. النموذج العاشر: جاء في (التعليقات السنية): «علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني (١)، صاحب (الهداية) ذكره ابن كمال باشا (٢) من طبقة أصحاب الترجيح، القادرين على تفضيل بعض الروايات على بعض برأيهم النجيح، وتُعُقِّب بأن شأنه ليس بأهون من

стр. 240

قاضي خان (١)، وله في نقد الدلائل واستخراج المسائل شأن أي شأن، فهو أحق بالاجتهاد في المذهب، وعده من المجتهدين في المذهب إلى العقل السليم أقرب» (٢). تحليل الاستدراك: استُدرك على نسبة ابنِ كمال باشا الفرغانيَّ إلى طبقة أصحاب الترجيح، مع نسبته قاضي خان إلى مرتبة الاجتهاد، وحال الفرغاني في تصرفاته في المذهب تقضي له بأنه أحق بمرتبة الاجتهاد من قاضي خان. النموذج الحادي عشر: في (شرح العمدة): «وقال حرب (٣): سألت أحمد: قلت: فإن رمى الجمرة من فوقها؟ قال: لا. ولكن يرميها من بطن الوادي ... وذكر القاضي عن حرب عن أحمد: لا يرمي من بطن الوادي، ولا يرمي من فوق الجمرة.

стр. 241

وهذا غلط على المذهب، منشؤه الغلط في نقل الرواية، وقد ذكر القاضي في موضع آخر المذهب كما حكيناه، ولعل سببه أن النسخة التي نقل منها رواية حرب كان فيها غلط، فإني نقلت رواية حرب من أصل متقن قديم من أصح الأصول، وكذلك ذكرها أبو بكر (١) في الشافي» (٢). تحليل الاستدراك: يستدرك ابن تيمية على نسبة قول للإمام أحمد، منشأ الغلط فيها هو الخلل في نقل الرواية، حيث خالفت الأصول المتقنة الصحيحة التي تقضي بخلاف هذا النقل. المظهر الثاني: الاستدراك الفقهي على التقعيد والتأصيل، وتطبيقاته . والتقعيد مصدر من (قعّد) (٣)، وقعّد المسألة صيَّرها ذاتَ قاعدة (٤). والمقصود بالقاعدة هنا معناها الخاص في العلوم الفقهية، وهي التي تُبحث في علم (القواعد الفقهية)، ومعناها: «قضية كلية فقهية منطبقة على فروع من أبواب» (٥).

стр. 242

والتأصيل مصدر من (أصّل) (١)، وأصَّل المسألة صيّرها ذاتَ أصل (٢). والمقصود بالأصل معناه الخاص في العلوم الفقهية، الذي محل البحث فيه علم (أصول الفقه وقواعده الأصولية)، ومعناه «مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المستفيد» (٣). والمقصود بهذا المظهر: تلافي خلل في تقعيد أو تأصيل، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. والاستدراك على التقعيد والتأصيل استدراك على ما تفرع منها أيضًا. ويُستحضر هنا الاستدراكات المبكرة التي شهدها الفقه في هذا المجال، كالمناظرة بين الإمامين مالك والليث في حجية عمل أهل المدينة، وكذا بين مالك والشافعي فيها وفي سد الذريعة والمصالح المرسلة، وكذا استدراكات الشافعي في تأصيل التعامل مع حديث الآحاد، واستدراكات غير الحنفية على الحنفية في الاستحسان. تطبيقاته: النموذج الأول: حكى الشافعي قول أبي يوسف: « ... فإياك وشاذ الحديث، وعليك بما عليه الجماعة من الحديث، وما يعرفه الفقهاء، وما يوافق الكتاب والسنة. فقس الأشياء على ذلك، فما خالف القرآن فليس عن رسول الله ﷺ وإن جاءت به الرواية» (٤).

стр. 243

وقال مُستدركًا على هذا التقعيد ومُلزِمًا: «فأما ما ذهب إليه من إبطال الحديث وعرضه على القرآن، فلو كان كما ذهب إليه كان محجوجًا به، وليس يخالف الحديث القرآن، ولكن حديث رسول الله ﷺ مبين معنى ما أراد الله؛ خاصًّا وعامًّا وناسخًا ومنسوخًا، ثم يلزم الناس ما سن بفرض الله ... ولو كان كما قال أبو يوسف دخل من ردِّ الحديث عليه ما احتج به على الأوزاعي، فلم يجز له المسح على الخفين (١)، ولا تحريم جمع ما بين المرأة وعمتها (٢)، ولا تحريم كل ذي ناب من السباع (٣)، وغير ذلك» (٤). تحليل الاستدراك: فاستدرك الشافعي على أبي يوسف هذا التقعيد في التعامل مع الحديث أمام نصوص القرآن، مُلزمًا أبا يوسف بأحكام عمِل فيها بنصوص من السنة لم يرد فيها قرآن، وهي قوله بجواز المسح على الخفين، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وتحريم كل ذي ناب من السباع.

стр. 244

النموذج الثاني: جاء في (المنثور): «الضرر لا يزال بالضرر، كذا أطلقوه واستدرك الشيخ زين الدين الكتاني (١) فقال: لا بد من النظر لأخفهما وأغلظهما انتهى» (٢). تحليل الاستدراك: فالاستدراك كان على إطلاق القاعدة في كل الأحوال. النموذج الثالث: في (الفروق): «(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا؟ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الْمُطَالَبَةِ بِالْمِلْكِ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا؟ ) اعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ ﵃ أَطْلَقُوا عِبَارَتَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ. وَيُخَرِّجُونَ عَلَى ذَلِكَ فُرُوعًا كَثِيرَةً فِي الْمَذْهَبِ: مِنْهَا إذَا وُهِبَ لَهُ الْمَاءُ فِي التَّيَمُّمِ هَلْ يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُعَدُّ مَالِكًا؟ أَمْ لَا يَبْطُلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مَالِكًا؟ وَمَنْ عِنْدَهُ ثَمَنُ رَقَبَةٍ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ لِلصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا؟ وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْمُدَاوَاةِ فِي السَّلَسِ أَوْ التَّزْوِيجِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا؟ وَكَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الْفُرُوعِ زَعَمُوا أَنَّهَا مُخَرَّجَةٌ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ بَاطِلَةٌ وَتِلْكَ الْفُرُوعُ لَهَا مَدَارِكُ غَيْرُ مَا ذَكَرُوهُ.

стр. 245

وَبَيَانُ بُطْلَانِهَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يَمْلِكُ أَنْ يَمْلِكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فَهَلْ يَتَخَيَّلُ أَحَدٌ أَنَّهُ يُعَدُّ مَالِكًا الْآنَ قَبْلَ شِرَائِهَا حَتَّى تَجِبَ الزَّكَاةُ عَلَيْهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؟ » (١). تحليل الاستدراك: فالاستدراك هنا على قاعدة (من ملك أن يملك هل يعد مالكًا أم لا؟ ) بتقرير أنها قاعدة باطلة. النموذج الرابع: في قاعدة استحباب الخروج من الخلاف جاء في (المواهب السنية): «واعلم أنه قال ابن زياد (٢): ليس كل من ادعى خلافًا سُلِّم له. انتهى. وقال الزين العراقي (٣): نافي

стр. 246

الخلاف أقعد. انتهى. لكن قيده بعضهم - وهو مفهوم من كلام الزركشي (١) في القواعد - بما إذا لم يتحقق وجودُ الخلاف. انتهى.» (٢). تحليل الاستدراك: فالاستدراك على إطلاق التقعيد في عبارة «نافي الخلاف أقعد» حيث إنه مقيّد بعدم تحقق وجود الخلاف. النموذج الخامس: في (الفكر السامي): «في (جمع الجوامع): الأصح أنه يجب على من لم يبلغ مرتبة الاجتهاد التزام مذهب معين أرجح أو مساويًا، ثم ينبغي السعي في اعتقاده أرجح، وبعد انحصار المذاهب في الأربعة يجب تقليد واحد منها لا بعينه؛ لكونها دونت وحررت، ثم في خروجه عنها ثالثها لا يجوز في بعض المسائل. (٣) ا. هـ. وبمثل هذه الأقوال نشأ الجمود وتأخر الفقه» (٤). تحليل الاستدراك: فالاستدراك هنا على تصحيح قاعدة في شأن من لم يبلغ مرتبة الاجتهاد، بذكر مآل تطبيقها وهو تأخر الفقه ونشوء الجمود.

стр. 247

النموذج السادس: استدراك صاحب (دليل السالك) على من قال بعدم جواز استدلال المقلد بنص القرآن والحديث المُسمى بـ (الاستبصار) الذي عرّفه بقوله: إقامة الدليل من قول النبي ... أو الكتاب لفروع المذهب (١) فقال مُستدركًا على من قال بعدم جوازه للمقلد: فكيف يُمنع على من انقدح ... في ذهنه من ذين ما له اتضح فلو قصرناه على المجتهدِ ... لما اهتدى بذين كل مهتدي ولانْتفى قول النبي معمِّما ... صلى عليه ربنا وسلما عليكم بسنتي (٢) أو قصُرَا ... ذاك على أُولي اجتهاد في الورى (٣) تحليل الاستدراك: فتقعيد أن المقلد لا يجوز له الاستبصار مستدرَكٌ عليه؛ لما يلزمه من لوازم فاسدة، منها مخالفة الأمر العام بالاهتداء بالكتاب والسنة.

стр. 248

ويدخل في هذه المسألة - أيضا - المظاهر التالية: المظهر الثالث: الاستدراك الفقهي على محمول القضية الفقهية (١). المظهر الرابع: الاستدراك الفقهي على إقامة الدليل (٢). المظهر الخامس: الاستدراك الفقهي على التنزيل (٣). وهي مظاهر ناقشتُها أنواعًا في المبحث السابق. المسألة الثالثة: الاستدراك الفقهي على المعقولات، وتطبيقاته . والمعقولات جمع معقول، والجمع لتعدد الأنواع. ومعقول النص هو ما فُهم خارجَ النص، من خلال العلل الجزئية أو الكلية، ليكون النص به صالحًا للتعدية (٤). وأقصد بالنص هنا شموله لنصوص الكتاب والسنة والفقهاء. والمقصود بهذا النوع: تلافي خلل في استثمار معقول نص لإنتاج حكم خارجَ النص، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. واستهدف المستدركون الفقهاء جانب المعقولات، ويُفهم ذلك من تصرفاتهم في الاستدراك عمومًا، ومن تعدادهم لأعمالهم الاستدراكية الفقهية على العمل المُستدرك عليه خصوصًا، كما سيأتي في التطبيقات. وقد عد ابن تيمية من أسباب الغلط على الإمام «أن يفهم من كلامه ما لم يرده» (٥)، و «أن يجعل كلامه عامًّا أو مطلقًا، وليس كذلك» (٦). وهذا الفهم لا شكّ يؤدي إلى استثمار غير صحيح لقول الإمام فيما لم ينص عليه.

стр. 249

ولعلي لا أبالغ إن قلتُ إن هذا المظهر شغل الحيز الأكبر من هذه الأنواع بهذا الاعتبار في الفقه؛ لأنه يعتمد على معقولات النصوص عند غيابها أو إجمالها؛ ذلك أن النصوص متناهية، لكن ما يُفهم من خارج نصيّتها من خلال عللها ومقاصدها وسّع مجال استثمارها، وهو مجال تختلف فيه الرؤى، وهو محكّ أنظار الفقهاء، وقوة استنباطاتهم، وفهمهم لمقصود الشرع. وهذه بعض مظاهر الاستدراك الفقهي على المعقولات: المظهر الأول: الاستدراك الفقهي على معقول في القياس، وتطبيقاته . والقياس هو: «حمل معلوم على معلوم لمساواته في علة الحكم عند الحامل» (١). واستعماله بهذا التعريف المقصود به هنا حمل فرع على أصل شهد له نص من الوحيين أو إجماع، أما الحمل على نصوص العلماء فسيأتي في مظهر الاستدراك على معقول التخريج. والمقصود بهذا المظهر: تلافي خلل في قياس، بعمل فقهي، لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي. والمقصود هنا الاستدراك على تطبيقات القياس، وليس على كون القياس دليلاً. وقد عدد الأصوليون جوانب النقد التي يُمكن توجيهها للقياس، واصطلحوا على تسميتها بـ (القوادح)، وهي جوانب نقدية في المقام الأول، يستكشف بها الناظر في القياس مواضع الخلل فيه، وقد يتبع هذا القدحَ تلافٍ لإصلاح القياس المقدوح فيه.

стр. 250

ومن تطبيقاته: حكى في (المجموع) استدراكات الخطيب البغدادي (١) على أبي يعلى الفراء، حيث صنف الأخير جزءًا في وجوب صيام يوم الشك. ومن هذه الاستدراكات استدراكه على قياس أبي يعلى صومَ يوم الشك على من نسي صلاة من صلوات هذا اليوم في الوجوب، فقال مُستدركًا بالنقل والعقل: «فهذا قياس باطل؛ لثبوت النص بخلافه (٢)؛ ولأن الصلاة لم تجب بالشك، بل لأنا تيقنّا شغل ذمته بكل صلاة وشككنا في براءته منها، والأصل بقاؤها، بخلاف الصوم، ولا طريق له إلى الصلاة المنسية إلا بفعل الجميع، وإنما نظير مسألة يوم الشك أن يشك هل دخل وقت الصلاة أم لا؟ فلا تلزمه الصلاة بالاتفاق، بل لو صلى شاكًّا فيه لم تصح صلاته» (٣). المظهر الثاني: الاستدراك الفقهي على معقول في الاستحسان، وتطبيقاته . والاستحسان اختلف العلماء في تعريفه إلى أربعة معانٍ: ١ - العدول بالمسألة عن نظائرها لدليل خاص بها. ٢ - اعتبار العرف في التعامل مع مسألة خالفت القياس. ٣ - مخالفة القياس رعيًا للمصلحة.
следующие страницы →