← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 132414

الاستدراك الفقهي تأصيلا وتطبيقا

مجمول الجدعاني

Полный текст (596 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

النموذج الرابع: رأى سحنون (١) الناس يقبلون يد ابن الأغلب (٢) فقال له: لا تعطهم يدك، لو كان هذا يقربك من الجنة ما سبقونا إليه (٣). المسألة الرابعة: الاستدراك الفقهي على التصرف في الاحتساب، وتطبيقاته . ذلك أن المُحتسب قد يأمر وينهى فيقع خلل في عمله يحتاج لتلافٍ من الناحية الفقهية. والمقصود هنا هو الاستدراك على المنهج والتطبيق في الاحتساب، وليس على القضية الفقهية المُحتسب فيها من حيث موضوعها ومحمولها؛ لأن هذا الجانب قد نوقش من قبل.

стр. 282

تطبيقاته: النموذج الأول: في (صحيح البخاري): من حديث أبي هريرة (١) ﵁ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ : دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ - أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ -؛ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (٢). تحليل الاستدراك: فاستدرك النبي ﷺ عليهم طريقة إنكارهم على الأعرابي، حيث لم يُراعوا جهله، فعنّفوه. النموذج الثاني: قال ابن القيم: «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه ونور ضريحه - يقول: مررت أنا وبعضُ أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدَعْهُم» (٣). تحليل الاستدراك: فاستدرك ابن تيمية على أصحابه عدم مراعاتهم الأولويات في الإنكار، حيث إن قتل النفوس وسبي الذرية أعظم جُرمًا وأثرًا من شربهم الخمر.

стр. 283

المسألة الخامسة: الاستدراك الفقهي على الدرس الفقهي، وتطبيقاته . والمقصود بالدرس الفقهي كل ما يتعلق بمنهج دراسة الفقه تعلُّمًا وتعليمًا، مأخذًا وتوصيلاً. لما كان التفقه في الدين يستلزم سلوك الطريق الصحيح في الدرْس والطلب؛ اعتنى الفقهاء بالاستدراك على المظاهر المُخلة بالاستقامة على هذا الطريق. ويُمكن تقسيم نواحي الاستدراك الفقهي على الدرس الفقهي إلى ثلاث نواح: - ناحية المنهجية في التحمّل. - ناحية المنهجية في الأداء. - ناحية الأخلاقيات. وأُناقش كل ناحية منها في فرع: الفرع الأول: الاستدراك الفقهي على الدرس الفقهي باعتبار منهج التحمل، وتطبيقاته. والمقصود بمنهج التحمل طريقة تلقّي الفقه. وقد اعتنى الفقهاء بالاستدراك على الخلل في منهج طالب الفقه لتحمله، ومن مظاهر هذا الاستدراك النماذج التالية: النموذج الأول: الاستدراك على الاقتصار على مختصر مع شروحه، وإهمال النظر فيما عدا ذلك.

стр. 284

علّق صاحب (الفكر السامي) على قول الشاطبي (١) وابن خلدون (٢): إن ابن شاس (٣) وابن بشير (٤) وابن الحاجب أفسدوا الفقه، فإذن خليل أجهز عليه. فقال: «لكن

стр. 285

في الحقيقة أن الذي أجهز عليه هم الذين جعلوه ديوان دراسة المبتدئين والمتوسطين، وهو لا يصلح إلا للمحصلين، على أن صاحبه قال في أوله: «مُبيّنًا لما به الفتوى» ولم يقل جعلته لتعليم المبتدئين، فلا لوم عليه» (١). النموذج الثاني: الاستدراك على إهمال الطالب النظرَ والتدبر في نصوص الكتاب والسنة. قال صاحب (تلبيس إبليس): «كان الفقهاء في قديم الزمان هم أهل القرآن والحديث، فما زال الأمر يتناقص، حتى قال المتأخرون: يكفينا أن نعرف آيات الأحكام من القرآن، وأن نعتمد الكتب المشهورة في الحديث ... ثم استهانوا بهذا الأمر أيضًا، وصار أحدهم يحتج بآية لا يعرف معناها، وبحديث لا يدري أصحيح هو أم لا؟ وربما اعتمد على قياس يعارضه حديث صحيح ولا يعلم؛ لقلة التفاته إلى معرفة النقل، وإنما الفقه استخراج من الكتاب والسنة، فكيف يستخرج من شيء لا يعرفه؟ ! ومن القبيح تعليق حكم على حديث لا يدري أصحيح هو أم لا؟ ولقد كانت معرفة هذا تصعب ويحتاج الإنسان إلى السفر الطويل والتعب الكثير حتى تعرف (٢) ذلك، فصنفت الكتب وتقررت السنن، وعرف الصحيح من السقيم، ولكن غلب على المتأخرين الكسل بالمرة عن أن يطالعوا علم الحديث» (٣).

стр. 286

وروى ابن عبد البر بسنده إلى يحيى بن سعيد القطان (١) أنه قال: سمعتُ شُعبة (٢) يقول: «إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟ ». قال ابن عبد البر: إنما عابو الإكثار خوفًا من أن يرتفع التدبر والتفهم. (٣) وقال في موضع آخر: «أما طلب الحديث على ما يطلبه كثير من أهل عصرنا اليوم دون تفقه فيه ولا تدبر لمعانيه فمكروه عند جماعة من أهل العلم» (٤). النموذج الثالث: الاستدراك على التكثّر بالمسائل. روى ابن عبد البر بسنده عن عبدة بن أبي لبابة (٥) أنه قال: «ودِدْتُ أن أحظى من أهل هذا الزمان أن لا أسألهم عن شيء، يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثر أهل الدراهم بالدراهم» (٦).

стр. 287

النموذج الرابع: الاستدراك على الاقتصار على معرفة الأحكام الفرعية من علوم الشريعة. في (تلبيس إبليس): «ومن ذلك أن إبليس لبس عليهم بأن الفقه وحده علم الشرع، ليس ثَم غيره، فإن ذكر لهم محدّث قالوا: ذاك لا يفهم شيئًا. وينسون أن الحديث هو الأصل. فإن ذكر لهم كلام يلين به القلب قالوا: هذا كلام الوعاظ» (١). النموذج الخامس: الاشتغال بالمناظرة عن حفظ علوم الشرع وحفظ المذاهب. في (تلبيس إبليس): «ومن ذلك أنهم اقتصروا على المناظرة وأعرضوا عن حفظ المذهب وباقي علوم الشرع؛ فترى الفقيه المفتي يسأل عن آية أو حديث فلا يدري، وهذا غبن، فأين الأنفة من التقصير؟ ! » (٢). النموذج السادس: المبالغَة بصرف الوقت الكثير في علوم الآلة على حساب التفقه. في (تلبيس إبليس): «ومن ذلك أن قومًا استغرقوا أعمارهم في سماع الحديث والرحلة فيه وجمع الطرق الكثيرة، وطلب الأسانيد العالية والمتون الغريبة، وهؤلاء على قسمين: قسم قصدوا حفظ الشرع بمعرفة صحيح الحديث من سقيمه، وهم مشكورون على هذا القصد، إلا أن إبليس يلبس عليهم بأن يشغلهم بهذا عما هو فرض عين من معرفة ما يجب عليهم والاجتهاد في أداء اللازم والتفقه في الحديث ... القسم الثاني قوم أكثروا سماع الحديث، ولم يكن مقصودهم صحيحًا، ولا أرادوا معرفة الصحيح من غيره بجمع الطرق، وإنما كان مرادهم العوالي والغرائب، فطافوا البلدان؛ ليقول أحدهم:

стр. 288

لقيت فلانًا، ولي من الأسانيد ما ليس لغيري، وعندي أحاديث ليست عند غيري ... » ثم قال: «وهذا كله من الإخلاص بمعزل، وإنما مقصودهم الرياسة والمباهاة» (١). النموذج السابع: الاستدراك على مطالعة كتب ضارة، أو غير نافعة. في (تلبيس إبليس): «وعن سعيد بن عمرو البرذعي (٢) قال: شهدت أبا زرعة (٣) - وسئل عن الحارث المحاسبي (٤) وكتبه - فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه الكتب كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر فإنك تجد ما يغنيك عن هذه الكتب. قيل له: في هذه الكتب عبرة. قال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن مالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والأئمة المتقدمة صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء؟ وهؤلاء قوم خالفوا أهل العلم، يأتوننا

стр. 289

مرة بالحارث المحاسبي ومرة بعبد الرحيم الدبيلي (١) ومرة بحاتم الأصم (٢) ومرة بشقيق (٣). ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع» (٤). النموذج الثامن: الاستدراك على دراسة الأقوال واتباعها دون التبصر فيما اعتمدت عليه. من ذلك قول المزني لبعض مخالفيه في الفقه: من أين قلتم كذا وكذا؟ ولم قلتم كذا وكذا؟ فقال له الرجل: قد علمتَ يا أبا إبراهيم أنّا لسنا لَمِيّة، فقال المزني: إن لم تكونوا لَمِيّة فأنتم إذن في عميَّة (٥). الفرع الثاني: الاستدراك الفقهي على الدرس الفقهي باعتبار منهج الأداء، وتطبيقاته. والمقصود بمنهج الأداء: الطريقة التي يُوَصّل بها الفقه. واستدرك الفقهاء على جوانب عدة في منهج أداء الفقه من ذلك ما في النماذج التالية:

стр. 290

النموذج الأول: الاستدراك على منهج تدريس المختصرات. من ذلك أن الأمير أبي عبد الله سيدي محمد بن عبد الله بن إسماعيل (١) كان ينهى عن المختصرات، ويرى الرجوع للكتاب والسنة. قال صاحب (الفكر السامي) معقّبًا: «ولو عملوا برأيه لارتقى علم الدين إلى أوج الكمال» (٢). ويبدو أن الوجه المُعترض عليه في تدريس المختصرات هو تدريسها للمبتدئين والمتوسطين حيثُ قال صاحب (الفكر السامي) بعد أن بيّن مكانة مختصر خليل وأن تأليفه إنما هو للفتوى وليس للدروس: «وأما المُبتدئون والمتوسطون فما أحوجهم للرسالة القيروانية وأمثالها، وتقدم لنا ما هو أولى من ذلك كله من التمرن على الكتاب والسنة وكتب الإجماع والفقه القديم» (٣). وفي موضع آخر: «لكن في الحقيقة أن الذي أجهز عليه (٤) هم الذين جعلوه ديوان دراسة للمبتدئين والمتوسطين، وهو لا يصح إلا للمحصلين، على أن صاحبه قال في أوله: «مُبينا لما به الفتوى» (٥)، ولم يقل جعلته لتعليم المبتدئين. فلا لوم عليه» (٦). كما أن المُستدرك عليه في هذا الشأن هو الاقتصار عليها أيضًا في التدريس فقال: «وفكرة الاختصار ثم التباري فيه مع جمع الفروع الكثيرة في اللفظ القليل هو

стр. 291

الذي أوجب الهرم وأفسد الفقه بل العلوم كلها ... إذ صاروا قراء كتب لا محصلي علوم، ثم في الأخير قصروا عن الشرح واقتصروا على التحشية والقشور، ومن اشتغل بالحواشي ما حوى شيء» (١). النموذج الثاني: الاستدراك على سيئات الجدل والمناظرة. وله وجوه، منها: - الاستدراك على استعمال الجدل والمناظرة دون قواعد. يقول ابن خلدون: «وأما الجدل - وهو معرفة آداب المناظرة التي تجري بين أهل المذاهب الفقهية وغيرهم - فإنه لما كان باب المناظرة في الرد والقبول متسعًا، وكل واحد من المتناظرين في الاستدلال والجواب يرسل عنانه في الاحتجاج، ومنه ما يكون صوابًا ومنه ما يكون خطأً، فاحتاج الأئمة إلى أن يضعوا آدابًا وأحكامًا يقف المتناظران عند حدودها» (٢). - والاستدراك على تغيِّي غير الحق من الجدل والمناظرة. في (تلبيس إبليس): «ومن تلبيس إبليس على الفقهاء أن جل اعتمادهم على تحصيل علم الجدل، يطلبون - بزعمهم - تصحيح الدليل على الحكم والاستنباط لدقائق الشرع، وعلل المذاهب، ولو صحت هذه الدعوى منهم لتشاغلوا بجميع المسائل، وإنما يتشاغلون بالمسائل الكبار ليتسع فيها الكلام، فيتقدم المناظر بذلك عند الناس في خصام النظر، فهمّ أحدهم بترتيب المجادلة والتفتيش على المناقضات طلبًا للمفاخرات والمباهاة، وربما لم يعرف الحكم في مسألة صغيرة تعم بها البلوى» (٣).

стр. 292

قال صاحب (الفكر السامي): «إلا أن المتأخرين لم يستعملوا الأصول لما وضع له من الاستنباط مع إيضاح الحق ليعمل به، بل استعملوه آلة جدال وغمت الحق، فتجد الرجل يستدل لنفسه بالعام فإذا ما استدل خصمه رد عليه فقال: إن دلالته ظنية وأنه لا يعمل به قبل البحث عن المخصص، وإن كل عام دخله تخصيص، وتجده يستدل بالخاص فإذا ما استدل به خصمه رد عليه بأنه قضية عين لا عموم لها ... وهكذا أكثروا من القواعد وعارضوا بعضها ببعض ليتوصل كل واحد إلى أن يتمسك بما هو عليه ولا يحيد عنه، ولم يبق عندهم استدلال إلا الجدال لا لظهور الحق وإبانة باطل، وما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم». (١) - الاستدراك على تضييع الوقت في الجدل العقيم. من ذلك تحذير صاحب (الفكر السامي) الشباب المتفقهين منه، وهو تحذير يستلزم الاستدراك على التمادي في طريق من مضى فيه، فقال: «وليجتنبوا (٢) المجادلات الدينية والاختلافات المذهبية، فذلك شيء فرغ منه، فإياهم وإياي من ضياع الوقت النفيس إلا فيما يفيد، فحذار حذار من المجادلات البيزنطية الدينية التي لا تأتي بفائدة» (٣).

стр. 293

النموذج الثالث: الاستدراك على الجمود في أساليب وموضوعات الخطاب الفقهي. قال صاحب (الفكر السامي) في سياق حديثه عن سالم بو حاجب (١): «وسألني: هل لا زال خطباؤكم على النسق القديم في خطبهم، مقتصرين فيها على من صام رمضان وأتبعه بست من شوال، غير مُبالين بإنذار قومهم بما يتهددهم من البوار، وإرشادهم لما فيه صلاح دنياهم التي بها صلاح دينهم وأخراهم؟ فأجبته: لا زال خطباؤنا على الطراز القديم تمامًا وهم في نومهم كأمتهم، تحسبهم جامدين. فتأسّف كثيرًا وقال لي: لا ينبغي ولا يُحمد من مثلك السكوت، بل يجب عليك إيقاظ قومك». ثم ذكر له صاحب (الفكر السامي) جهودَه في ذلك (٢). النموذج الرابع: الاستدراك على بعض طرائق تدوين الفقه. من هذه الاستدراكات: - الاستدراك على التعقيد اللفظي. قال صاحب (الفكر السامي): «ولنضع أمامك مثالاً تفهم به ما امتحن به طلاب العلم بعد القرون الوسطى. عرّف ابن عرفة الذبائح بكلمات وهي: (الذبائح لقبًا لما يحرم بعض أفراده من الحيوان لعدم ذكاته، أو سلبها عنه ما يباح بها مقدورًا عليه. ا. هـ) وهو تعريف كما ترى أشبه بلغز من مسألة علمية؛ فاحتاج بعض أهل العصر في شرحه إلى كراس كامل، فإذا كان تعريف لفظ واحد من ألفاظ الفقه التي حدث الاصطلاح الشرعي فيها يحتاج شرحه إلى هذا ... فكيف يمكن أن يمهر الطالب في الفقه، وكيف يمكن أن ترتقي علومنا، وأي حاجة بطلبة العلم إلى هذه التعاريف؟ ! فلقد كان

стр. 294

مالك وأضرابه علماء وما عرفوا ذبيحة ولا نطيحة ... ؛ ولهذا كانت المجالس الفقهية في الصدر الأول مجالس تهذيب لجميع أنواع الناس ... فأصبحت اليوم لا ينتابها إلا الطلبة، فإذا جلس عامي حولها لم يستفد منها شيئًا، ... ولو أنه وجدهم يقرؤون تأليفًا من تآليف الأقدمين فقهيًّا محضًا مبينا فيه الفرع وأصله من الكتاب والسنة لاستفاد وأفاد أهله ومن هو مسؤول عن تعليمهم» (١). - الاستدراك على التضخيم بكثرة الاختصار، والمسائل النادرة، وإقامة الدليل لما لا تدعو إليه ضرورة، والتكرار. في (الفكر السامي): «ومن الغريب في أحوال القرون الأخيرة أن النحو الذي لا تدعو إليه ضرورة لإقامة أدلة على قواعده افتعلوا له أدلة، فضخموه وصعبوه، والفقه الذي يتأكد معرفة أدلته تركوها وضخموه بكثرة الاختصار وكثرة المسائل النادرة ... وغير خفي أن الاشتغال في دراستها لمن ليس بحافظ ولا يبقى على باله منها إلا القليل ضياع للعمر، فطلاب الفقه محتاجون إلى كتاب بيّن الصراحة واضح لا يحتاج إلى شرح، جامع للمسائل الكثيرة الوقوع من كل باب دون النادرة أو المستحيلة، فبهذا تكون الدراسة والتعلم، وهذا الذي يفيد المبتدئين بل والمتوسطين» (٢). النموذج الخامس: الاستدراك على تقديم العقل على النقل في الإدلاء بالأدلة. في (تلبيس إبليس): «ومن ذلك إيثارهم للقياس على الحديث المستدل به في المسألة ليتسع لهم المجال في النظر» (٣).

стр. 295

النموذج السادس: الاستدراك على الاقتصار على مُدارسة الأحكام الفرعية وإهمال ما يرقق القلب. وكما هو مستدرك في التلقي فهو - أيضًا - مستدرك في الأداء. في (تلبيس إبليس): «ومن ذلك أنهم جعلوا النظر جل اشتغالهم، ولم يمزجوه بما يرقق القلوب من قراءة القرآن وسماع الحديث، وسيرة الرسول ﷺ وأصحابه». (١) النموذج السابع: الاستدراك على التعصب والتشغيب المذهبي. في (أخبار الفقهاء والمحدثين): «وقد كان للسفهاء والأحداث من أهل القيروان الذين هم أتباع كل مريب وجاهل نزوةٌ في هذا المعنى (٢) سنة (٣١٥) يمتحنون الناس في تقليد مالك ﵀ وابن القاسم وسحنون وابنه محمد بن سحنون (٣)، ويكتبون في ذلك الصحائف، ويعقدون فيها أسماء الموافقين لهم في ذلك، فلولا كتاب أبي عبيد الله (٤) مغلظًا مؤكدًا إلى أبي إسحاق بن أبي المنهال (٥) يعنفه ويتقصره، ويذكر له ما بلغه من رفع الجماعة رؤوسها إلى التناظر والتفاخر والتحزيب والتشتيت - لتفاقمت الأمور، ولكانت بينهم الكوائن الشنيعة. فتحرّك في ذلك إسحاق بن أبي المنهال حركة شديدة،

стр. 296

وثار على كل طبقة من أهل العلم ثورة، وقى الله شرها وانقمع كل سفيه، وانزوى كل مسيطر وعادت الحال إلى الهدوء والسكون» (١). وقال صاحب (الفكر السامي): «فلتطْرح الأمة عنها التعصب، ولْتكن مذهبًا واحدًا، وهو اعتبار جميع المذاهب، والأخذ من كل مذهب بما يوافق الأدلة، ويناسب روح العصر والوقت والحال والمكان والضرورة». (٢) النموذج الثامن: الاستدراك على عدم مراعاة حال المُتلقي. أنكر الحسن على تحديث أنس ﵁ الحجاجَ (٣) بحديث العرنيين (٤)؛ ذلك أن الحجاج سأل أنسًا عن أشد عقوبة عاقب بها النبي ﷺ فأخبره بعقوبته للعرنيين، فبلغ

стр. 297

ذلك الحسن البصري، فقال: ... «وددتُّ أنه لم يُحدثه بهذا» (١). في (فتح الباري) مُعلّلاً هذا الإنكار: «لِأَنَّهُ (٢) اتَّخَذَهَا وَسِيلَة إِلَى مَا كَانَ يَعْتَمِدهُ مِنْ الْمُبَالَغَة فِي سَفْك الدِّمَاء بِتَأْوِيلِهِ الْوَاهِي» (٣). وقد جاء في (تاريخ مدينة دمشق) أسفُ أنس ﵁ على هذا التحديث حيث قال: «حدثت الحجاج بحديث العرنيين، قال: فلما كانت الجمعة قام يخطب قال: تزعمون أني شديد العقوبة وهذا أنس حدثني عن رسول الله ﷺ أنه قطع أيدي رجال وأرجلهم وسمل أعينهم. قال أنس: فوددت أني مت قبل أن أحدثه» (٤). النموذج التاسع: الاستدراك على متابعة الكلام والعجلة فيه عند إلقاء الدرس. عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: أَلَا يُعْجِبُكَ أَبُو فُلَانٍ؟ ! (٥) جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ حُجْرَتِي يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يُسْمِعُنِي ذَلِكَ، وَكُنْتُ أُسَبِّحُ (٦)، فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ (٧).

стр. 298

في (فتح الباري): «(لم يكن يسرد الحديث كسردكم): أي يتابع الحديث استعجالاً بعضه إثر بعض؛ لئلا يلتبس على المستمع. زاد الإسماعيلي (١) من رواية ابن المبارك (٢) عن يونس (٣): (إنما كان حديث رسول الله ﷺ فصلاً فهمًا تفهمه القلوب)» (٤).

стр. 299

النموذج العاشر: الاستدراك على انتقاء المسائل المؤدي للاختلاف. في (سنن أبي داود): «عن عمرو بن أبي قرة (١) قال: كان حذيفة (٢) بالمدائن (٣)، فكان يذكر أشياء قالها رسول الله ﷺ لأناس من أصحابه في الغضب، فينطلق ناس ممن سمع ذلك من حذيفة، فيأتون سلمان (٤)، فيذكرون له قول حذيفة، فيقول سلمان: حذيفة أعلم بما يقول. فيرجعون إلى حذيفة، فيقولون له: قد ذكرنا قولك لسلمان فما صدقك ولا كذبك. فأتى حذيفةُ سلمان - وهو في مبقلة (مزرعة البقل) - فقال: يا سلمان! ما يمنعك أن تصدقني بما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ فقال سلمان: إن رسول الله ﷺ كان يغضب، فيقول في الغضب لناس من أصحابه، ويرضى فيقول في الرضا لناس من أصحابه، أما تنتهي حتى تورث رجالاً حبّ رجال، ورجالاً بغضَ رجال، وحتى توقع

стр. 300

اختلافًا وفرقة؟ ولقد علمت أن رسول الله ﷺ خطب فقال: «أيّما رجل من أمتي سببته سبة، أو لعنته لعنة في غضبي فإنما أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة». والله لتنتهينَّ أو لأكتبنَّ إلى عمر» (١). الفرع الثالث: الاستدراك الفقهي على الدرس الفقهي باعتبار الأخلاقيات، وتطبيقاته. استدرك الفقهاء على أخلاق مُخلة بآداب الطلب والتفقه، حيثُ تحيد بصاحبها عن جادة المنهج القويم في الأدب مع العلم والعلماء وطلبة العلم. إن هذا النوع من الاستدراك جعله صاحب (إحياء علوم الدين) من وظائف المعلّم حيث قال: «الوظيفة الرابعة - وهي من دقائق صناعة التعليم - أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض - ما أمكن - ولا يصرح، وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ» (٢). واهتم الفقهاء بالتحذير من مظانها، من ذلك الجدل والمناظرات التي تتغيّا غير الحق، قال صاحب (إحياء علوم الدين): «اعلم وتحقَّقْ أن المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة والإفحام وإظهار الفضل والشرف والتشدق عند الناس وقصد المباهاة والمماراة واستمالة وجوه الناس هي منبع جميع الأخلاق المذمومة عند الله، المحمودة عند عدو الله إبليس، ونسبتها إلى الفواحش الباطنة من الكبر والعجب والحسد والمنافسة وتزكية النفس وحب الجاه وغيرها كنسبة شرب الخمر إلى الفواحش الظاهرة من الزنا والقذف والقتل والسرقة» (٣). وأعرض هنا نماذج لاستدراكات الفقهاء على أخلاقيات مُخلة بآداب التفقه.

стр. 301

النموذج الأول: الاستدراك على تنقُّص الفقهاء والمتفقهين. قال جامعُ مسند أبي حنيفة: «وقد سمعت بالشام عن بعض الجاهلين مقداره (١) أنه ينقصه ويستصغره ويستعظم غيره، ويستحقره وينسبه إلى قلة رواية الحديث، ويستدل باشتهار المسند الذي جمعه أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم (٢) للشافعي ﵀ وموطأ مالك ومسند الإمام أحمد - رحمهم الله تعالى -، وزعم أنه ليس لأبي حنيفة ﵀ مسند، وكان لا يروي إلا عدة أحاديث؛ فلحقتْني حميةٌ دينية ربانية وعصبية حنفية نعمانية، فأردت أن أجمع بين خمسة عشر من مسانيده التي جمعها له فحول علماء الحديث» وذكرهم (٣). النموذج الثاني: الاستدراك على تقبيح العلوم النافعة. جاء في (الإحياء) من وظائف المعلّم المُرشد: « ... أن المتكفل ببعض العلوم ينبغي أن لا يقبح في نفس المتعلم العلوم التي وراءه، كمعلم اللغة إذ عادته تقبيح علم الفقه، ومعلم الفقه عادته تقبيح علم الحديث والتفسير، وأن ذلك نقل محض وسماع، وهو شأن العجائز، ولا نظر للعقل فيه، ومعلم الكلام ينفر عن الفقه، ويقول: ذلك فروع، وهو كلام في حيض النسوان، فأين ذلك من الكلام في صفة الرحمن؟ ! فهذه أخلاق مذمومة للمعلمين ينبغي أن تجتنب، بل المتكفل بعلم واحد ينبغي أن يوسع على المتعلم طريق التعلم في غيره، وإن كان متكفلا بعلوم فينبغي أن يراعى التدريج في ترقية المتعلم من رتبة إلى رتبة» (٤).

стр. 302

النموذج الثالث: الاستدراك على سيئات الأخلاق المُصاحبة للجدل والمناظرة. وقد عد صاحب (الإحياء) منها الكبر والحقد والحسد وتزكية النفس والغيبة والثناء على النفس وتتبع العثرات والفرح لمساءة المسلمين والغم لمسارّهم، والنفاق، والاستكبار عن الحق وكراهته، والمماراة، والرياء، وقال: «سوى ما يتفق لغير المتماسكين منهم من الخصام المؤدي إلى الضرب واللكم واللطم وتمزيق الثياب والأخذ باللحى وسب الوالدين وشتم الأستاذين والقذف الصريح» (١). واستدرك على كل خلق من هذه الأخلاق بالعقل والنقل، ومن ذلك قوله: «فأين الاستئناس والاسترواح الذي كان يجري بين علماء الدين عند اللقاء، وما نقل عنهم من المؤاخاة والتناصر والتساهم في السراء؟ ! » (٢). المسألة السادسة: الاستدراك الفقهي على مظاهر اجتماعية وسلوكيات عامة أخرى، وتطبيقاته . لما كانت وظيفة الفقهاء تعليم الناس وتفقيههم في حكم الله ومُراده من خلقه؛ لم يقف ذلك على مواضع الدرس الفقهي بل تعداه إلى الواقع المَعيش بكل أطيافه، فاستدركوا على مظاهر وسلوكيات في مجتمعاتهم التي عاشوا فيها تُخل بالالتزام المطلوب بأحكام الله تعالى، وهذه المسألة وإن كانت تلتقي مع ما قبلها في الكلام عن الاستدراك على الأخلاقيات، إلا أني آثرت تمييزها لتتجلى صورة التنوع الاستدراكي الفقهي لدى القارئ، وأن الفقهاء لم يكونوا بمعزل عما يدور في مجتمعاتهم مما لا يُرى داخل الدرس الفقهي. ويُمكن القول بأن مظاهر هذا النوع تجتمع في هدف رد الناس إلى الوسطية والجادة، بالاستدراك عليهم في مسالك الغلو والتنطع، ومسالك التساهل والانفلات، في مجال العبادات والمعاملات، قد تُجمَل في أقوال جامعة كما نقل صاحب (تلبيس

стр. 303

إبليس) أن ابن عقيل (١) قال: «ما أعجب أموركم في المتدين! إما أهواء متبعة أو رهبانية مبتدعة، بين تجرير أذيال المرح في الصبا واللعب، وبين إهمال الحقوق واطراح العيال واللحوق بزوايا المساجد، فهلّا عبدوا على عقل وشرع» (٢). وهو ميدان إصلاحي واسع؛ لا يُمكن الإحاطة بتفاصيله، ومن أبرز ما أُلف في هذا (إحياء علوم الدين) و (تلبيس إبليس)، كما أن كتب الفتاوى فيها جملة صالحة من هذا. وإن مما توسعت فيه الكتابات الفقهية الاستدراكية - في هذه الناحية - مظهران: ١ - الحوادث والبدع. في (نظرية النقد الفقهي): «وقد ظهر لون من الكتابة الفقهية فيما بعد عُني بنقد الواقع وتصويبه تحت مسمى «الحوادث والبدع»، وقد يظفر الباحث بنماذج كثيرة لهذا اللون من النقد في موسوعات الإفتاء الكبرى، كـ (معيار الونشريسي) و (نوازل البرزلي) و (مجموع الفتاوى) و (الفتاوى الكبرى) لابن تيمية، و (فتاوى ابن حجر الهيتمي) وغيرها» (٣). ٢ - مخالفات الصوفية. قال ابن خلدون في شأن الصوفية: «ثم إن كثيرًا من الفقهاء وأهل الفتيا انتُدبوا للرد على هؤلاء المتأخرين في هذه المقالات (٤) وأمثالها، وشملوا بالنكير سائر ما وقع لهم في الطريقة، والحق أن كلامهم معهم فيه تفصيل» وذكر التفصيل ومواضع الإعذار (٥).

стр. 304

وقد يلتقي المظهران في نموذج واحد إذ قد تكون مخالفةُ المتصوف مخالفةً بدعيةً. وأعرض هنا نماذج لهذا المجال بعامة، ولهذين المظهرين بخاصة. النموذج الأول: الاستدراك على التشديد على النفس في العبادة . عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَبْدَ اللَّهِ! أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ. فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ: فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇؟ قَالَ: نِصْفَ الدَّهْرِ. فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ ﷺ » (١). النموذج الثاني: الاستدراك على جهل العوام بضروري الدين . قال صاحب (الفكر السامي) عن الأمير أبي عبد الله سيدي محمد بن عبد الله بن إسماعيل: «جال بنفسه في المغرب، وتقرّى قبائله، وعرف دخائله، وأيقن أن الدين قد كاد أن يذهب من أهله باستيلاء الجهل على بطونه وقبائله، فألف لهم تأليفًا على نسق (رسالة ابن أبي زيد)؛ تسهيلاً على العوام؛ ليصلوا من ضروريات دينهم إلى المرام» (٢). النموذج الثالث: الاستدراك على مفاهيم خاطئة في العبادات القلبية . في (تلبيس إبليس): «وقد لبّس (٣) على قوم يدعون التوكل فخرجوا (٤) بلا زاد وظنوا أن هذا هو التوكل، وهو على غاية الخطأ» (٥).

стр. 305

النموذج الرابع: الاستدراك على هيئات اللباس . ذكر في (تلبيس إبليس): أنه «قد روى إسحاق بن إبراهيم بن هانئ (١) قال: دخلتُ يومًا على أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وعليَّ قميص أسفل من الركبة وفوق الساق، فقال: أي شيء هذا؟ ! وأنكره، وقال: هذا بالمرة لا ينبغي» (٢). فالاستدراك هنا على هيئة اللباس؛ لما فيها من التشهير. النموذج الخامس: الاستدراك على اعتقاد تفضيل التعبد على العلم . في (تلبيس إبليس): «فأول تلبيسه عليهم إيثارهم التعبد على العلم، والعلم أفضل النوافل، فأراهم أن المقصود من العلم العمل. وما فهموا من العمل إلا عمل الجوارح، وما علموا أن العمل عمل القلب أفضل من عمل الجوارح» (٣). النموذج السادس: الاستدراك على الانحرافات الفكرية بشأن الزهد . في (تلبيس إبليس): «وقد كان رجل يقول: أنا لا آكل الخبيص (٤) لأني لا أقوم بشكره. فقال الحسن البصري: هذا رجل أحمق، وهل يقوم بشكر الماء البارد؟ ! » (٥). النموذج السابع: الاستدراك على بعض ألفاظ المتصوفة . في (قواعد الأحكام): «واعلم أنه ليس من أدب السماع أن تُشبّه غلبة المحبة بالسكر من الخمر؛ فإنه سوء أدب؛ لأن الخمر أم الخبائث، فلا يُشَبَّه ما أحبه الله بما أبغضه وقضى بخبثه ... وكذلك التشبيه بالخصر والردف ونحو ذلك من التشبيهات. ولقد كُرِه لبعضهم قوله: أنتم روحي، وحبُّكم راحتي. ولبعضهم قوله: فأنت السمع والبصر؛ لأنه شبّه من لا شبيه له بروحه الخسيسة وسمعه وبصره اللذين لا قدْر لهما. ولهم ألفاظ يُطلقونها يستعظمها سامعها» (٦).

стр. 306

النموذج الثامن: الاستدراك على مخالفة المتصوفة الشرعَ في أعمال ظاهرة . جاءت في ذلك استدراكات جامعة، واستدراكات تفصيلية. فمن الاستدراكات الجامعة ما نقله صاحب (تلبيس إبليس) فيه من أقوال الفقهاء، منها قول الحسين النوري (١) لبعض أصحابه: من رأيته يدعي مع الله حالة تُخرجه عن حد علم الشرع فلا تقربنه، ومن رأيته يدعي حالة لا يدل عليها دليل ولا يشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه في دينه (٢). ومن الاستدراكات التفصيلية ما جاء في (قواعد الأحكام): «وأما الرّقص والتصفيق فخفة ورعونة مُشبهة لرعونة الإناث، لا يفعلها إلا أرعن أو متصنع كذاب، وكيف يتأتّى الرقص المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لُبُّه وذهب قلبه؟ ! ... ومن هاب الإله إذا أدرك شيئًا من تعظيمه لم يُتصوّر منه رقص ولا تصفيق، ولا يصدر التصفيق والرقص إلا من غبي جاهل، ولا يصدران من عاقل فاضل» (٣).

стр. 307

النموذج التاسع: الاستدراك على التوسع في ادعاء الكرامات (١). فقد حكى في (ترتيب المدارك) أن ابن أبي زيد نقض كتاب عبد الرحمن الصقلي بتأليفه (الكشف) وكتاب (الاستظهار)، وأقام الحجة على بطلان التوسع في الكرامات، وردّ كثيرًا مما نقلوه من خرق العادات (٢). النموذج العاشر: الاستدراك على الابتداع في الدعاء . جاء في (المعيار المعرب) ضمن أسئلة وُجهت للحافظ أبي العباس أحمد بن قاسم القباب (٣): «وسئل عن الجلوس يوم عرفة في المساجد في البلدان بعد العصر للدعاء. فكره ذلك. وقيل له: إن الرجل يكون في مجلسه فيجتمع الناس ويكبرون؟ قال: ينصرف، ولو أقام في منزله كان أحب إليّ. قال القاضي أبو الوليد: الدعاء حسن وأفضله يوم عرفة، ولكنه إنما كره ابتداع القيام له عند تمام الصلاة، وقيام الرجل مع أصحابه لذلك عند انصرافهم من صلاتهم واجتماعهم لذلك عند خاتمة القرآن كنحو ما يفعل الأئمة عندنا من الخطبة على الناس عند الختمة في رمضان، والدعاء وتأمين الناس على دعائه، واجتماعهم لذلك يوم عرفة بعد العصر في المساجد، هي كلها بدع محدثات لم يكن عليها السلف» (٤).

стр. 308

النموذج الحادي عشر: الاستدراك على البدع عند المشاهد والقبور . في (مجموع الفتاوى) ضمن جواب عن المشاهد المسماة علي بن أبي طالب وولده الحسين ﵄: «بل قد نهى النبي ﷺ عما يفعله المبتدعون عندها ... وقد اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يُشرع بناء هذه المشاهد على القبور، ولا يُشرع اتخاذها مساجد، ولا يُشرع الصلاة عندها، ولا يُشرع قصدها لأجل التعبد عندها بصلاة أو اعتكاف أو استغاثة أو ابتهال ونحو ذلك» (١). وأكتفي بهذه النماذج، والاسترسال في هذا النوع يطول.

стр. 309

الفصل السادس أغراض الاستدراك الفقهي، وتطبيقاتها . وتحته ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الغرض الأول: تصحيح خطأ، وتطبيقاته. وتحته مدخل وثلاثة مطالب: مدخل في بيان جملة من أسباب الخطأ في الأعمال المُستدرَك عليها. المطلب الأول: المظهر الأول: رد قضية وبيان الصحيح فيها فقهيًّا، وتطبيقاته. المطلب الثاني: المظهر الثاني: تقييد مطلق، وتطبيقاته. المطلب الثالث: المظهر الثالث: إطلاق مُقيّد، وتطبيقاته. المبحث الثاني: الغرض الثاني: تكميل نقص، وتطبيقاته. وتحته مطلبان: المطلب الأول: تكميل النقص في الكمية، وتطبيقاته. المطلب الثاني: تكميل النقص في الكيفية، وتطبيقاته. المبحث الثالث: الغرض الثالث: دفع توهم، وتطبيقاته.

стр. 310

سبق تعريف الاستدراك الفقهي بأنه: «تلافي خللٍ واقعٍ أو مقدّرٍ، بعملٍ فقهي، لإنشاء نفعٍ أو تكميله في نظر المتلافي» (١). وأن من مناهج التعريف بالاستدراك التعريفُ به بذكر أغراضه، وأشمل تعريف له بهذا المنهج - مما عرضتُه في مبحث بيان حقيقته (٢) - هو تعريفه بأنه: «إصلاح خطأٍ، أو إكمال نقص، أو إزالة لبس وقع فيه الغير (٣)، بُغية الوصول إلى الصواب» (٤). ومن خلال التعريفين السابقين تتضحُ أغراض الاستدراك الفقهي، ذلك أن العمل المُستدرك عليه قد يكون واقعًا، وقد يكون متوقّعًا، وفي كلتا الحالتين يكون غرض الاستدراك عليه راجعًا إلى أحد جنسين: الجنس الأول: إنشاء نفع يُتلافى به مُقتضى العمل المستدرَك عليه، وذلك بأن يرى المستدرِك عدم نفعٍ من العمل المستدرَك عليه، وهذا يكون في تصحيح خطأ. الجنس الثاني: إكمال نفعٍ من المستدرَك عليه، وهذا الغرضُ يُثبتُ نفعًا في العمل المستدرك عليه، ولكنه يسعى في تكميله، وذلك يكون بتلافي جوانب النقص فيه. وفي كلا الجنسين يدخل دفع التوهم، إذ إن دفع التوهم يجمع بين الجنسين، فهو بالنظر لحال المستفيد إنشاء نفع؛ لأن المتوهّم لم ينتفع من العمل المستدرك عليه، وبالنظر في العمل المستدرك عليه هو تكميل نفع؛ لأنه اشتمل على نفع ولكن بدفع التوهُّم عنه يكتمل النفعُ منه. إذا تقرر هذا فسيكون الكلام في الأغراض على ثلاثة مباحث:

стр. 311

المبحث الأول الغرض الأول: تصحيح خطأ، وتطبيقاته . وتحته مدخل وثلاثة مطالب: مدخل في بيان جملة من أسباب الخطأ في الأعمال المُستدرَك عليها. المطلب الأول: المظهر الأول: رد قضية وبيان الصحيح فيها فقهيًّا، وتطبيقاته. المطلب الثاني: المظهر الثاني: تقييد مطلق، وتطبيقاته. المطلب الثالث: المظهر الثالث: إطلاق مُقيّد، وتطبيقاته.

стр. 312

مدخل في بيان جملة من أسباب الخطأ في الأعمال المُستدرَك عليها . لم يقف اهتمام المستدركين على تلافي الأخطاء، بل بيّنوا أسباب الخطأ الذي وقع لأجله الاستدراك؛ ليُتلافى الوقوع في مثل ما وقع الاستدراك عليه قدْر المُستطاع من جهة، ولبذل العذر للمستدرَك عليه من جهة أخرى (١). وهذه الأسباب منها ما يعود للخلل في المنهجية العلمية، ومنها أسباب تعود للطبيعة البشرية. فمن الأسباب العائدة إلى الخلل في المنهجية العلمية: ١ - الاختصار المُخل في نصوص المسائل الفقهية. قال صاحب (الفكر السامي) عن المُختصِرين: «وفكرتهم هذه مبنية على مقصدين، وهما: تقليل الألفاظ تيسيرًا على مريد الحفظ، وجمع ما هو في كتب المذهب من الفروع؛ ليكون أجمع للمسائل، وكل منهما مقصد حسن لولا حصول المبالغة في الاختصار التي نشأت عنها أضرار ... بل حتى الشُّراح اختصر بعضهم بعضًا فوقع لهم ذلك الغلط، وكم في شروح التتائي والأجهوري والزرقاني والخرشي من ذلك؛ حتى

стр. 313

التجأ المغاربة لإصلاح أغلاطهم، ولذلك ألف مصطفى الرّماصي وبناني والتاودي (١) وابن سودة (٢) والرهوني حواشيهم لهذا الغرض» (٣). ٢ - التطرُّف في تطبيق المنهج بعدم مراعاة الجزئيات والظروف. في (الاتجاهات الفقهية): «والحق أن الالتزام باطراد قواعد مذهب ما، والتطرف في تطبيق هذه القواعد دون مراعاة للجزئيات والظروف المحيطة بها - هو أهم نقد يُوجه إلى أهل الظاهر، وإلى أهل الرأي أيضًا» (٤). وهذا النقد مُتوجّهٌ لحصول الأخطاء من جرّاء هذا التطرف. ٣ - التصحيف والتحريف في النُّسخ. فالاعتماد على النسخ غير المُعتمدة مَظِنّة الخطأ، لما في غير المعتمد من التصحيف والتحريف غالبًا. ففي (حاشية الرُّهوني): «ما قدمناه من أن ح (٥) ذكر مسألة سحنون هو على ما في بعض نسخه، وهو ساقط من نسخ معتمدة منه، ونص سحنون على نقل من ذكرنا:

стр. 314

«وسئل سحنون عن حمل ماء على دابة عنده تعديًا هل يتوضأ به؟ قال: لا، ويتيمم، ولو توضأ به لم يُعد، وبئس ما صنع». ا. هـ. منهم بلفظهم. وسلموا ذلك كلهم، وكأنهم لم يقفوا على ما قاله اللخمي في ذلك، ففي مسائل الطهارة من (نوازل البرزلي) ما نصه «وسئل اللخمي عما رُوي عن سحنون من منع الوضوء بالماء المحمول على دابة بغير إذن أربابها وديعة أو غيرها، وأباح له التيمم؟ فأجاب: لا يحل له الصلاة بالتيمم وعنده ذلك الماء، وأرجو أن يكون هذه الحكاية عن سحنون غير صحيحة» قلت: ما قاله صحيح» (١). ٤ - عدم النقل من المصادر الأصلية. حيثُ يُنقَل عن الناقل، ولا يُرجع إلى الأصل المنقول عنه؛ وكثرة الوسائط مَظِنةٌ للخطأ. وفي (خطبة الكتاب المؤمل) بعد أن ذكر الاختلاف في حكاية المذهب عند الشافعية: «وكأن الخلل إنما جاءهم من تقليد بعضهم بعضًا فيما ينقله من مذهب غيره أو من نص إمامه، ويكون الأول قد غلط فيتبعه من بعده، والغلط جائز على كل أحد إلا من عصمه الله تعالى، ولكن لو أن كل من ينقل عن أحد مذهبًا أو قولاً راجع في ذلك كتبه إن كان له مصنّف، أو كتبَ أهل مذهبه - كما نفعله نحن إن شاء الله في هذا الكتاب - لقلّ ذلك الخلل، وزال أكثر الوهم وبطل» (٢).

стр. 315

٥ - ضعف التمكن في الفقه، وما يحتاجه من علوم. جاء في رسالة البيهقي (١) إلى أبي محمد الجويني (٢): «وقد علم الشيخ (٣) - أدام الله توفيقه - اشتغالي بالحديث واجتهادي في طلبه، ومعظم مقصودي منه في الابتداء التمييز بين ما يصح الاحتجاج به من الأخبار وبين ما لا يصح، حين رأيت المحدثين من أصحابنا يرسلونها في المسائل على ما يحضرهم من ألفاظها، من غير تمييز منهم بين صحيحها وسقيمها. ثم إذا احتج عليهم بعض مخالفيهم بحديث يشق عليهم تأويله أخذوا في تعليله بما وجدوه في كتب المتقدمين من أصحابنا تقليدًا! ولو عرفوه معرفتهم لميزوا صحيح ما يوافق أقوالهم من سقيمه، ولأمسكوا عن كثير مما يحتجون به، وإن كان يطابق آراءهم، ولاقتدوا في ترك الاحتجاج برواية الضعفاء والمجهولين بإمامهم، فشرطه فيمن يقبل خبره - عند من يعتني بمعرفته - مشهور، وهو بشرحه في كتاب (الرسالة) مسطور، وما ورد من الأخبار بضعف رواته أو انقطاع إسناده كثيرٌ، والعلم به على من جاهد فيه سهل يسير» (٤).

стр. 316

ونستطيع قول مثل ذلك في علوم اللغة وأصول الفقه وغيرها من أدوات تحصيل الحكم الشرعي من النصوص. وفي تقسيم أخطاء المُجتهدين يذكر صاحب (الموافقات) القسم غير المُعتبر وقال عنه: «وهو الصادر عمن ليس بعارف بما يفتقر الاجتهاد إليه؛ لأن حقيقته أنه رأي بمجرد التشهي والأغراض» (١). ٦ - التساهل. قال صاحب (الفكر السامي) عن (إحياء علوم الدين): «ولم يجئ بعده في الإسلام جامع لأشتات العلوم مثله، إلا ما كان من علم الحديث، فلم يكن فيه بالمكانة التي تناسب قدره، ولو أنه لم يتساهل في أحاديث (الإحياء) لما وجد الطاعنون إليها سبيلاً» (٢). ٧ - عدم التنقيح والمراجعة. جاء في (تصحيح الفروع): «وقد تتبعنا كتابه (٣) فوجدنا ما قاله صحيحًا، وما التزمه صريحًا، إلا أنه - رحمه الله تعالى - عُثر له على بعض مسائل، قدَّم فيها حُكْمًا نوقش على كونه من المذهب، وكذلك عثر له على بعض مسائل أطلق فيها الخلاف - لاسيّما في النصف الثاني - والمذهب فيها مشهور (٤)، كما ستراه - إن شاء الله تعالى - وما ذاك إلا أنه - رحمه الله تعالى - لم يُبيّضه كله، ولم يقرأ عليه، فحصل بسبب ذلك بعضُ خلل في بعض مسائله» (٥).

стр. 317

وقال صاحب (الفكر السامي) عن كتاب (الشفا في التعريف بحقوق المصطفى) (١): «وانتُقد فيها تساهله في أحاديثها كثيرًا ... ويظهر أنه لم ينقحها، مع ما فيها من إطناب» (٢). وقال عن السيوطي (٣): « ... فالتضارب بين أقواله ناشئ عن أفكار من تقدمه؛ لكثرة ما ألف، وضيق وقته عن التمحيص» (٤). ٨ - التعصب المذهبي. وفي هذا ما في (خطبة الكتاب المؤمل): «ومن قبيح ما يأتي به بعضهم تضعيفُهم لخبر يحتجُّ به بعضُ مخالفيهم، ثم يحتاجون هم إلى الاحتجاج بذلك الخبر بعينه في مسألة أخرى، فيوردونه مُعرضين عما كانوا ضعفوه به، ففي كتابي (الحاوي) (٥) و (الشامل) (٦) وغيرهما من ذلك شيء كثير» (٧).

стр. 318

٩ - إهمال التوسع في الاطلاع على فقه الآخرين. وفي هذا نقل في (حلية الأولياء) عن أيوب السختياني (١): «إنك لا تبصر خطأ معلمك حتى تجالس غيره» (٢). ونقل في (ترتيب المدارك) عن عبد الحق الصقلي (٣) رجوعه واستدراكه لكثير من اختياراته وتعليلاته في كتاب (الفروق لمسائل المدونة) وأنه قال: لو قدرتُ على جمعه وإخفائه لفعلت أو نحو هذا (٤). وعزا الباحث/ د. عشاق هذا للُقِيِّه بإمام الحرمين في المشرق وأخذه عنه، وقال: «وهذا ضرب من النقد الذاتي الذي يفرزه التحكك بعلوم الآخرين وآرائهم» (٥). ١٠ - التقصير في تدبّر المسائل والأقوال والأدلة. والتأمل في النص - دليلاً كان أو قولاً - منهج المحققين. فقد كتب ابن أبي مليكة (٦) إلى ابن عباس ﵄ يسأله أن يكتب له كتابًا ويُخفيِ عنه، فقال ابن عباس ﵄: ولدٌ ناصح، أنا أختار له الأمور

стр. 319

اختيارًا وأُخفي عنه. فدعا بقضاء عليّ ﵁، فجعل يكتب منه أشياء، ويمر بالشيء، فيقول: والله ما قضى بهذا عليّ إلا أن يكون ضلَّ (١). وذكر في (الموافقات) أن الخطأ يعرِض للمجتهد إما بخفاء بعض الأدلة حتى يتوهم ما لم يقصد منه، وإما بعدم الاطلاع عليه جملة (٢). قال دراز مُعلِّقًا: «وقد يكون هذان من عدم بذل الوسع، ومن التقصير فيما هو واجب على المجتهد» (٣). وفي هذا - أيضًا - يقول صاحب (الفكر السامي) واصفًا شيخه أبا العباس المعروف بالزرشاني (٤) بأنه سالمٌ من «غلبة الوهم العارضة لأهل الطيش والخفة، الذين يعتمدون أول ما يتلمح لهم، فيخطفون المسائل خطفة، فيُخطئون أكثر مما يصيبون، ويفسدون أكثر مما يصلحون» (٥). ١١ - التصرّف في نقل الأقوال دون مُراعاة لمطابقة المعنى المنقول لمُراد القائلين. ولذلك يستحسن المُحققون نقل نص الكلام دون نقل معناه. والخطأ في هذا السبب قد يكون ناتجًا عن عدم التمكن في معرفة دلالات الألفاظ مما يُولّد التفاوت بين مُراد المُستعمِل ونقل الحامل، أو من المبالغة في الاختصار، أو من عدم التجرّد النفسي للحق. سواء كان التصرف في حكاية القول أو تأويله أو تنزيله.

стр. 320

قال في (الدر المُختار): «هذا وقد أضحت أعراض المصنفين أغراض سهام ألسنة الحساد، ونفائس تصانيفهم معرضة بأيديهم تنتهب فوائدها، ثم ترميها بالكساد: أخا علم لا تعجل بعيب مصنف ... ولم تتيقَّن زلةً منه تُعرفُ فكم أفسد الراوي كلامًا بعقله ... وكم حرّف الأقوال قومٌ وصحّفوا وكم ناسخٍ أضحى لمعنىً مُغيّرًا ... وجاء بشيءٍ لم يُرده المُصنفُ» (١). وفي (حاشية الرهوني) في مسألةٍ في التيمم نقل فيها الحطاب (٢) كلامًا للخمي يُفهم غيرَ مُراد اللخمي: «والعذر لـ (ح) (٣) أنه نقل كلام اللخمي بواسطة (ضيح) (٤) ولم يذكره (ضيح) بلفظه بتمامه، بل اختصره فأجحف به. والله أعلم» (٥). قال الباحث/محمد المصلح في عمل الرهوني في حاشيته: «ومما يتميز به منهج الرهوني في هذه الحاشية أنه يحرص كثيرًا على إيراد نصوص أئمة المذهب
следующие страницы →