← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 132414

الاستدراك الفقهي تأصيلا وتطبيقا

مجمول الجدعاني

Полный текст (596 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ونستطيع قول مثل ذلك في علوم اللغة وأصول الفقه وغيرها من أدوات تحصيل الحكم الشرعي من النصوص. وفي تقسيم أخطاء المُجتهدين يذكر صاحب (الموافقات) القسم غير المُعتبر وقال عنه: «وهو الصادر عمن ليس بعارف بما يفتقر الاجتهاد إليه؛ لأن حقيقته أنه رأي بمجرد التشهي والأغراض» (١). ٦ - التساهل. قال صاحب (الفكر السامي) عن (إحياء علوم الدين): «ولم يجئ بعده في الإسلام جامع لأشتات العلوم مثله، إلا ما كان من علم الحديث، فلم يكن فيه بالمكانة التي تناسب قدره، ولو أنه لم يتساهل في أحاديث (الإحياء) لما وجد الطاعنون إليها سبيلاً» (٢). ٧ - عدم التنقيح والمراجعة. جاء في (تصحيح الفروع): «وقد تتبعنا كتابه (٣) فوجدنا ما قاله صحيحًا، وما التزمه صريحًا، إلا أنه - رحمه الله تعالى - عُثر له على بعض مسائل، قدَّم فيها حُكْمًا نوقش على كونه من المذهب، وكذلك عثر له على بعض مسائل أطلق فيها الخلاف - لاسيّما في النصف الثاني - والمذهب فيها مشهور (٤)، كما ستراه - إن شاء الله تعالى - وما ذاك إلا أنه - رحمه الله تعالى - لم يُبيّضه كله، ولم يقرأ عليه، فحصل بسبب ذلك بعضُ خلل في بعض مسائله» (٥).

стр. 317

وقال صاحب (الفكر السامي) عن كتاب (الشفا في التعريف بحقوق المصطفى) (١): «وانتُقد فيها تساهله في أحاديثها كثيرًا ... ويظهر أنه لم ينقحها، مع ما فيها من إطناب» (٢). وقال عن السيوطي (٣): « ... فالتضارب بين أقواله ناشئ عن أفكار من تقدمه؛ لكثرة ما ألف، وضيق وقته عن التمحيص» (٤). ٨ - التعصب المذهبي. وفي هذا ما في (خطبة الكتاب المؤمل): «ومن قبيح ما يأتي به بعضهم تضعيفُهم لخبر يحتجُّ به بعضُ مخالفيهم، ثم يحتاجون هم إلى الاحتجاج بذلك الخبر بعينه في مسألة أخرى، فيوردونه مُعرضين عما كانوا ضعفوه به، ففي كتابي (الحاوي) (٥) و (الشامل) (٦) وغيرهما من ذلك شيء كثير» (٧).

стр. 318

٩ - إهمال التوسع في الاطلاع على فقه الآخرين. وفي هذا نقل في (حلية الأولياء) عن أيوب السختياني (١): «إنك لا تبصر خطأ معلمك حتى تجالس غيره» (٢). ونقل في (ترتيب المدارك) عن عبد الحق الصقلي (٣) رجوعه واستدراكه لكثير من اختياراته وتعليلاته في كتاب (الفروق لمسائل المدونة) وأنه قال: لو قدرتُ على جمعه وإخفائه لفعلت أو نحو هذا (٤). وعزا الباحث/ د. عشاق هذا للُقِيِّه بإمام الحرمين في المشرق وأخذه عنه، وقال: «وهذا ضرب من النقد الذاتي الذي يفرزه التحكك بعلوم الآخرين وآرائهم» (٥). ١٠ - التقصير في تدبّر المسائل والأقوال والأدلة. والتأمل في النص - دليلاً كان أو قولاً - منهج المحققين. فقد كتب ابن أبي مليكة (٦) إلى ابن عباس ﵄ يسأله أن يكتب له كتابًا ويُخفيِ عنه، فقال ابن عباس ﵄: ولدٌ ناصح، أنا أختار له الأمور

стр. 319

اختيارًا وأُخفي عنه. فدعا بقضاء عليّ ﵁، فجعل يكتب منه أشياء، ويمر بالشيء، فيقول: والله ما قضى بهذا عليّ إلا أن يكون ضلَّ (١). وذكر في (الموافقات) أن الخطأ يعرِض للمجتهد إما بخفاء بعض الأدلة حتى يتوهم ما لم يقصد منه، وإما بعدم الاطلاع عليه جملة (٢). قال دراز مُعلِّقًا: «وقد يكون هذان من عدم بذل الوسع، ومن التقصير فيما هو واجب على المجتهد» (٣). وفي هذا - أيضًا - يقول صاحب (الفكر السامي) واصفًا شيخه أبا العباس المعروف بالزرشاني (٤) بأنه سالمٌ من «غلبة الوهم العارضة لأهل الطيش والخفة، الذين يعتمدون أول ما يتلمح لهم، فيخطفون المسائل خطفة، فيُخطئون أكثر مما يصيبون، ويفسدون أكثر مما يصلحون» (٥). ١١ - التصرّف في نقل الأقوال دون مُراعاة لمطابقة المعنى المنقول لمُراد القائلين. ولذلك يستحسن المُحققون نقل نص الكلام دون نقل معناه. والخطأ في هذا السبب قد يكون ناتجًا عن عدم التمكن في معرفة دلالات الألفاظ مما يُولّد التفاوت بين مُراد المُستعمِل ونقل الحامل، أو من المبالغة في الاختصار، أو من عدم التجرّد النفسي للحق. سواء كان التصرف في حكاية القول أو تأويله أو تنزيله.

стр. 320

قال في (الدر المُختار): «هذا وقد أضحت أعراض المصنفين أغراض سهام ألسنة الحساد، ونفائس تصانيفهم معرضة بأيديهم تنتهب فوائدها، ثم ترميها بالكساد: أخا علم لا تعجل بعيب مصنف ... ولم تتيقَّن زلةً منه تُعرفُ فكم أفسد الراوي كلامًا بعقله ... وكم حرّف الأقوال قومٌ وصحّفوا وكم ناسخٍ أضحى لمعنىً مُغيّرًا ... وجاء بشيءٍ لم يُرده المُصنفُ» (١). وفي (حاشية الرهوني) في مسألةٍ في التيمم نقل فيها الحطاب (٢) كلامًا للخمي يُفهم غيرَ مُراد اللخمي: «والعذر لـ (ح) (٣) أنه نقل كلام اللخمي بواسطة (ضيح) (٤) ولم يذكره (ضيح) بلفظه بتمامه، بل اختصره فأجحف به. والله أعلم» (٥). قال الباحث/محمد المصلح في عمل الرهوني في حاشيته: «ومما يتميز به منهج الرهوني في هذه الحاشية أنه يحرص كثيرًا على إيراد نصوص أئمة المذهب

стр. 321

بحروفها، وقد تمكن بذلك من الكشف عن كثير من الأخطاء التي وقع فيها من قبله في اختصار كلام أئمة المذهب المتقدمين» (١). وتعقّب ابن رجب (٢) أبا بكر الخلال في بعض المسائل وقال: «وأبو بكر كثيرًا ما ينقل كلام أحمد بالمعنى الذي يفهمه منه، فيقع فيه تغيير شديد، ووقع له مثل هذا في كتاب (زاد المسافر) كثيرًا» (٣). وأما الأسباب العائدة للطبيعة البشرية: فقد جمعَت جملةً منها عائشة ﵂ في استدراكها على ابن عمر ﵄ في الميت يُعذّب ببكاء أهله، حيث قالت: «وَهِم أبو عبد الرحمن أو أخطأ أو نسي» (٤). وتحصل لي من الأسباب العائدة إلى الطبيعة البشرية ما يلي: ١ - الجهل. ذلك أن الإنسان يعتريه الجهل، فقد يجهل المُستدرَك عليه أدلة المسألة، أو بعض أدلتها: كأن يعلم المنسوخ دون الناسخ، أو العام دون المُخصِّص، أو العزيمة دون الرُّخصة. قال صاحب (الفكر السامي): «وكم من مسألة يُظن بأهل العراق فيها أنهم قد نبذوا النص وأخذوا بحكم العقل والنظر - وحاشاهم أن يعتمدوا ذلك - وإنما سبب ذلك

стр. 322

وجود قادح عندهم في النص لم يطلع عليه الحجازيون، أو لم يصلهم الحديث، أو وصلهم حديث آخر قد عارضه فرجحوه» (١). ٢ - النسيان. وأقصدُ بالنسيان هنا «غيبة الشيء عن القلب بحيث يحتاج إلى تنبيه جديد» (٢). كما في (غمز عيون البصائر) - مثلاً -: «وربما كبا جواد قلمه (٣) في مضمار البيان، والإنسان غير معصوم من الخطأ والنسيان» (٤). وفي (الدر المختار) بعد أن دعا الناظر إلى الاستدراك عليه بعد التأمل: «ولا غرو فإن النسيان من خصائص الإنسانية، والخطأ والزلل من شعائر الآدمية» (٥). ٣ - السهو. وأقصِدُ بالسهو هنا «غفلة القلب عن الشيء بحيث يتنبّه بأدنى تنبيه» (٦). يقول في هذا صاحب (قواعد الأحكام): «وأكثر ما يقع الخطأ من الغفلة عن ملاحظة بعض القواعد، وملاحظةِ بعض الأركان والشروط، أو ملاحظةِ المُعارض، ومطلوب الكلِّ التقرب إلى الله بإصابة الحق، ولكن ... ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تأتي الرياح بما لا تشتهي السفنُ (٧)» (٨).

стр. 323

٤ - الوهم. والوهم هو «الحكم بالشيء مع احتمال نقيضه احتمالاً راجحًا» (١). وفي هذا استدراك عائشة ﵂ على ابن عمر بسبب وهمه في أن النبي ﷺ اعتمر في رجب مع أنه حضر عُمَرَه كلها. ففي (صحيح البخاري): «عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ المَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄، جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ ... قَالَ (٢) لَهُ: كَمُ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَرْبَعًا، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ. فَكَرِهْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ. قَالَ: وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ (٣) عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ فِي الحُجْرَةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ: يَا أُمَّاهُ، يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أَلاَ تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَتْ: مَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرَاتٍ، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ. قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا اعْتَمَرَ عُمْرَةً إِلَّا وَهُوَ شَاهِدُهُ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ» (٤). وقال صاحب (الفكر السامي) في صور من الخلاف بين الصحابة: «ومنها اختلاف الوهم». ومثّل باختلافهم في نوع نسك النبي ﷺ (٥). وبعد هذا المدخل فإن تصحيح الأخطاء غرض مُصرّح به في أعمال المُستدركين الفقهاء. في (غمز عيون البصائر): «وكثيرًا ما يطلق (٦) في محل التقييد، وهذا في التصنيف غير سديد، وكثيرًا ما يُجمل في محل التفصيل، وهذا غير لائق بأولي

стр. 324

التحصيل، وربما كبا جواد قلمه في مضمار البيان، والإنسان غير معصوم من الخطأ والنسيان، فطالما حداني ذلك أن أقيد مطلقاته، وأضبط مرسلاته، وأفصل مجملاته، وأصحح معتلاته» (١). وفي (حاشية الرهوني) بعد أن ذكر عمل ابن سودة وبناني في حاشيتهما على الزرقاني: « ... لكنه بقيت فيه مواضع يحتاج إلى التنبيه عليها، لم تقع منهما إشارة إليها، اعتقدها الطلبة من كلامه (٢) صحيحة؛ لأنه سكت عنها من ميّز سقيمه من صحيحه (٣). كما أنهما ﵄ اعترضا كثيرًا من مسائله الصحاح، ونسباه فيها إلى الخطأ الصّراح» (٤). وفي (منهاج الطالبين): « ... وكذا ما وجدتَه من الأذكار مخالفًا لما في (المحرر) وغيره من كتب الفقه فاعتمدْه؛ فإني حققتُه من كتب الحديث المعتمدة» (٥). وفي (التنقيح المشبع): «وأن أتكلّم على ما قطع به (٦)، أو قدّمه أو صححه، أو ذكر أنه المذهب، وهو غير الراجح في المذهب، وما أخل به من قيد أو شرط صحيح في المذهب، وما حصل في عبارته من خلل أو إبهام أو عموم، أو إطلاق، ويستثنى منه مسألة أو أكثر حكمها مخالف لذلك العموم أو الإطلاق» (٧). من هذه النصوص وغيرها تحصّل لي أن تصحيح الخطأ على جنسين: - تصحيح كلي.

стр. 325

- تصحيح جزئي. فالتصحيح الكلي يكون في قضية ليس في جزء منها جزءٌ صحيح، فيَنقض المستدرِك ذلك، ويتلافاه ببديل صحيح في نظره، كما هو الحال في الأقوال المردودة. أما التصحيح الجزئي فيكون في قضية وقع الخطأ في جزء من أجزائها، كما في تقييد المُطلَقات، وإطلاق المُقيّدات. وبضميمة اعتبار هذين الجنسين - اللذين يؤيدهما التقسيم العقلي المنطقي - مع تأمل جملة من استدراكات الفقهاء في هذا الغرض تحصّل لي بروز هذا الغرض في مظاهر أعرضها في المطالب التالية: المطلب الأول: المظهر الأول: رد قضية وبيان الصحيح فيها فقهيًّا، وتطبيقاته . وهذا المظهر من قبيل التصحيح الكلي. والقضية المُستدرَك عليها تشمل ما إذا كانت فتوى أو دعوى دليل أو حُكم سلطان أو تأصيلاً أو تقعيدًا أو مظهرًا اجتماعيًّا، أو متّصلاً بالأخلاق العامة أو الخاصة بالطلب ... إلى غيره مما سبق مُفصّلاً في مبحث الأنواع. جاء في (تصحيح التنبيه): «فإن فيه (١) ... مسائل جزم بها، أو صحّح فيها خلاف الصحيح عند الأصحاب والمحققين والأكثرين منهم، ومواضع يسيرة جدًّا هي غلط ليس فيها خلاف» (٢). ويُستحضر هنا أنّ المُخطِّئَ قد يُخطّأ، فتكون الصورة من قبيل الاستدراك على المُستدرك، وهذا موجود في الاستدراكات الفقهية؛ لأن الاستدراك الفقهي تلافٍ

стр. 326

في نظر المُتلافي، مُقتضاه أنه قد لا يكون تلافيًا في نظر غير المتلافي، أو في نظر المتلافي في غير وقت استدراكه. من هذا ما في مقدمة (التنقيح في شرح الوسيط) عند تعداد عمله في الكتاب قال: «بيان ما غلّطه (١) فيه كثيرون، وليس هو غلطًا، بل له وجهٌ خفيَ على من غلّطه، وهذا كثيرٌ جدًّا في الأحكام واللغات» (٢). تطبيقاته: النموذج الأول: «عَنْ عِكْرِمَةَ (٣)، أَنَّ عَلِيًّا ﵁ حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ الله. وَلَقَتَلْتُهُمْ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (٤). وهنا يظهر سبب الخطأ من علي ﵁ وهو عدم علمه بدليل المسألة الذي عند ابن عباس ﵄. النموذج الثاني: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ ... سَمُرَةَ (٥) بَاعَ خَمْرًا. فَقَالَ: قَاتَلَ الله سَمُرَةَ! أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ:

стр. 327

«لَعَنَ الله الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ ... الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا»؟ ! » (١). ويظهر هنا سبب الخطأ من سمرة ﵁ هو عدم العلم ببعض نصوص المسألة. في (فتح الباري): «وَقَدْ أَبْدَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي (الْمَدْخَلِ) فِيهِ اِحْتِمَالًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ سَمُرَةَ عَلِمَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَلَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ بَيْعِهَا وَلِذَلِكَ اِقْتَصَرَ عُمَرُ عَلَى ذَمِّهِ دُونَ عُقُوبَتِهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّنُّ بِهِ» (٢). النموذج الثالث: «عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُلَيِّنُ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ، فَقَالَ: مَهْلاً يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَإِنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ» (٣). ويظهر هنا سبب الخطأ من ابن عباس ﵄ وهو عدم العلم بناسخ المُدرَك الذي اعتمد عليه في الاستنباط. النموذج الرابع: في (المجموع): «فرع: نقل أصحابنا عن داود بن علي الظاهري الأصبهاني ﵀ مذهبا عجيبا فقالوا: انفرد داود بأن قال: لو بال رجل في ماء راكد لم يجز أن يتوضأ هو منه لقوله ﷺ : «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ

стр. 328

منه» (١). وهو حديث صحيح سبق بيانه. قال: ويجوز لغيره لأنه ليس بنجس عنده، ولو بال في إناء ثم صبه في ماء أو بال في شط نهر ثم جرى البول إلى النهر قال: يجوز أن يتوضأ هو منه لأنه ما بال فيه بل في غيره، قال: ولو تغوط في ماء جاز أن يتوضأ منه لأنه تغوط ولم يبل، وهذا مذهب عجيب، وفي غاية الفساد، فهو أشنع ما نقل عنه، إن صح عنه ﵀» (٢). وهذا من قبيل التطرف في تطبيق المنهج - وهو هنا التمسك بظاهر النص - دون مراعاة الجزئيات وباقي النصوص، والمقاصد. النموذج الخامس: في (صحيح مسلم): «عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى (٣) عَنْ أَبِيهِ (٤) أَنَّ رَجُلاً أَتَى عُمَرَ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً. فَقَالَ: لاَ تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ (٥): أَمَا

стр. 329

تَذْكُرُ - يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا، فَلَمْ نَجِدْ مَاءً، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الأَرْضَ، ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ». فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ. قَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ» (١). وفي رواية أن عمر قال له: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ (٢). ويظهر هنا سبب الخطأ من عمر ﵁ وهو النسيان. النموذج السادس: في (البيان والتحصيل) في مسألة من قال لامرأته: لأنت أحرم عليّ من أمي. قال: «وحكى اللخمي أن لسحنون في (العتبية) أنه ينوّا في أنه أراد بذلك الظهار، وليس ذلك بموجود له عندنا في (العتبية) فأراه غلطًا، والله أعلم» (٣). وسبب الخطأ من اللخمي هو الوهم في نسبة القول. النموذج السابع: قال عمر بن الخطاب ﵁ للنبي ﷺ لما عقد صُلح الحديبية: «أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ، وَمُطَّوِّفٌ بِهِ». فأتى أبا بكر ﵁، فسأله بمثل ما سأل النبيَّ ﷺ ، فأجابه أبو بكر ﵁ بمثل ما أجابه به النبي ﷺ (٤).

стр. 330

وسبب الخطأ في تنزيل المسألة على الواقع من عمر ﵁ هو عدم الانتباه لمعنى الإطلاق في خبر الوعد بإتيان البيت والطواف به، حيثُ ظنَّ أن ذلك الوعد في عام الحديبية، والنص لم يُحدّد هذا، بل أطلق الوقت. المطلب الثاني: المظهر الثاني: تقييد مطلق، وتطبيقاته . وهذا المظهر من قبيل التصحيح الجزئي. والمطلق هنا يُقصد به الكلام المُرسل العاري من التقييد بشروط أو استثناءات أو تفصيلات بحيثُ يكون حُكم القضية داخلاً على كل مدلول موضوعها. وقد صرّح المستدركون في الفقه باستهداف هذا المظهر. وقد سبقت حكايةُ نص (غمز عيون البصائر) ونص (التنقيح المُشبع) الدالين على استهداف هذا المظهر في المطلب السابق. وفي (مواهب الجليل): «فاستخرت الله تعالى في شرح جميع الكتاب والتكلم على جميع مسائله، مع ذكر ما تحتاج إليه كل مسألة من تقييدات» (١). وفي (عجالة المحتاج): «وتيسر لي فيه بفضل الله وقوته من خلاصة كتب أصحابنا المتقدمين والمتأخرين ما لا تيسر في غيره في حجمه من تقرير مسائله، وحل مشكله ومعضله، وبيان مجمله، وتحرير منقوله، وتصحيح مرسله، وتقييد مطلقه ... » (٢). وفي (تصحيح الفروع): «واعلم أنه قد يكون الوجه المسكوت عنه من الوجهين المطلقين مُقيّدًا بقيد فأذكره، وكذا الرواية» (٣).

стр. 331

تطبيقاته: النموذج الأول: في (مراقي السعود): فَقَولُ: (مَنْ قَلَّدَ عَالِمًا لَقِي ... الله سالمًا) فغيرُ مُطلقِ (١) تحليل الاستدراك: فهنا قيّد عبارة أنّ (من قلد عالمًا لقي الله سالمًا)، بأن هذا لا ينطبق على حال التقليد في القول الضعيف (٢). النموذج الثاني: في (البيان والتحصيل): «وفي (المبسوطة) لابن كنانة (٣) أنه لا يضحي أحد بمنى. ظاهره وإن لم يكن من الحاج، وهو شذوذ» (٤). تحليل الاستدراك: فاستدرك على ابن كنانة إطلاقه موضوع المسألة في قوله (أحد) الشامل للحاج منهم وغير الحاج، إذ إنّ الحاج من أهل منى سُنّته الضحايا كغيره من غير أهل منى، كما قرره من (المدوّنة) (٥).

стр. 332

النموذج الثالث: في (المنثور): «الضرر لا يُزال بالضرر. كذا أطلقوه، واستدرك زين الدين الكتاني فقال: لابد من النظر لأخفهما وأغلظهما. انتهى» (١). تحليل الاستدراك: فالاستدراك هنا على النفي المطلق في إزالة الضرر بالضرر؛ لأنه مقيَّد بقواعد أخرى تسمح بإزالة الضرر الأغلظ بالضرر الأخف، المُناسبة لبعض الحالات كقاعدة «الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف»، وجزءٌ منها قاعدة «يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام» (٢). النموذج الرابع: قول الرهوني في (حاشيته على الزرقاني): «ظاهر كلام غير واحد من أهل المذهب وصريح كلام آخرين منهم أن الخلاف السابق محله إذا انقطع التعامل بالسكة القديمة جملة، وأما إذا تغيرت بزيادة أو نقص فلا، وممن صرح بذلك أبو سعيد بن لب. قلتُ: وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر جدًّا حتى يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه؛ لوجود العلة التي علل بها المخالف. والله أعلم» (٣). تحليل الاستدراك: فهنا بعد أن حكى الرهوني الخلاف في المذهب المالكي في مسألة قضاء ما ثبت في الذمة وكان ثبوته قبل انقطاع التعامل بالسكة وحلّ وقته بعدَ انقطاع التعامل بها، نبّه أن هذا الخلاف لا يمتدّ إلى صورة تغير قيمة السكة بزيادة أو نقص، حيث يقضي ما ثبت في ذمته بنفس السكة بلا زيادة ولا نقصان، ولكنه استدرك على هذا الإطلاق بأنه إنما يكون فيما لو لم يكن نقص القيمة كبيرًا جدًّا؛ فإنها تلحق بمسألة الانقطاع؛ لاشتراكهما في العلة.

стр. 333

المطلب الثالث: المظهر الثالث: إطلاق مُقيّد، وتطبيقاته . وهو من قبيل التصحيح الجزئي. تطبيقاته: النموذج الأول: جاء في (رسالة ابن أبي زيد القيرواني): «وأقل الشفع ركعتان، ويستحب أن يقرأ في الأولى بأم القرآن، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١)، وفي الثانية بأم القرآن، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٢)» (٣). قال صاحب (الفواكه الدواني): «وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اسْتِحْبَابُ الْقِرَاءَةِ بِهَذِهِ السُّوَرِ كَانَ لَهُ حِزْبٌ أَمْ لَا، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، خِلَافًا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ (٤) وَخَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ حَيْثُ قَالَ: إلَّا لِمَنْ لَهُ حِزْبٌ فَمِنْهُ. وَبَحَثَ فِيهِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ غَازِيٍّ قَائِلًا: تَبِعَ خَلِيلٌ فِي تَقْيِيدِهِ بَحْثَ الْمَازِرِيِّ، وَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ الْعُدُولُ عَنْ نَقْلِ الْأَئِمَّةِ مِنْ اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ السُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ فِي الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَلَوْ لِمَنْ لَهُ حِزْبٌ، وَأَيْضًا هُوَ

стр. 334

مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ (١)، فَإِنَّهُ عَامٌّ فِيمَنْ لَهُ حِزْبٌ وَغَيْرُهُ، فَلِلَّهِ دُرُّ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ تَرَكَ التَّقْيِيدَ» (٢). تحليل الاستدراك: فالاستدراك هنا على تخصيص حالة من له حزبٌ من عموم استحباب القراءة بهذه السور في الشفع بدون مخصص، مع مخالفته لعموم الحديث ونقل الأئمة.

стр. 335

النموذج الثاني: في (شرح أبي داود للعيني): «وقال الشيخ محي الدين (١): ودليل الجمهور قوله ﵇: «لا صلاة إلا بأم القرآن» (٢). فإن قالوا: المراد: لا صلاة كاملة. قلنا: هذا خلاف ظاهر اللفظ. ومما يؤيده حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب». رواه أبو بكر بن خزيمة (٣) في (صحيحه) (٤) بإسناد صحيح. وأما حديث: «اقرأ ما تيسر ... » (٥) محمول على الفاتحة؛ فإنها مُتَيسرة، أو على ما زاد على الفاتحة بعدها، أو على من عجز عن الفاتحة. (٦)

стр. 336

قلتُ: كل هذا فيه نظر، فقوله: «هذا خلاف ظاهر اللفظ» يعارضه قوله: «وأما حديث: «اقرأ ما تيسر ... » فمحمول على الفاتحة»؛ لأن هذا أيضاً خلاف ظاهر اللفظ؟ لأن «ما تيسر» وقع مفعولاً لقوله: «لا اقرأ». وهو عام يتناول قراءة الفاتحة، وغيرها، فقوله: «محمول على الفاتحة» تخصيص بلا مخصص، وهو باطل، فليت شعري، كيف جوزوا الحمل هاهنا على خلاف ظاهر اللفظ، ولم يُجَوزوا في قوله: «لا صلاة إلا بأم القرآن»؟ » (١). تحليل الاستدراك: فاستدرك العيني على النووي تخصيصه عموم الحديث «ما تيسر ... » بالفاتحة، مُلزِمًا إيّاه بما التزمه من العمل بظاهر اللفظ في حديث «لا صلاة إلا بأم القرآن».

стр. 337

المبحث الثاني الغرض الثاني: تكميل نقص، وتطبيقاته . وتحته مطلبان: المطلب الأول: تكميل النقص في الكمية، وتطبيقاته. المطلب الثاني: تكميل النقص في الكيفية، وتطبيقاته.

стр. 338

تكميل النقص غرضٌ مُصرّح به لدى المستدركين الفقهاء، وهو واقع ملموس في أعمالهم. في (تهذيب الفروق): «إلا أنه لم يستكمل (١) التصويب والتنقيب، ولم يستعمل التهذيب والترتيب» ثم ذكر عمل صاحب (إدرار الشروق) ثم قال: «عنّ لي (٢) ... أن ألخّصه مع التهذيب والترتيب والتوضيح» (٣). وفي (التنقيح في شرح الوسيط) مما عدّه من أعماله فيه: «بيان الراجح من قولين أو وجهين أو احتمالين أو طريقين أهمل بيانهما، وبيان خلاف أهمله ولم يُبَين أنه قولان أو وجهان أو طريقان أو غير ذلك» (٤). وأيضًا: «بيانُ ألفاظ زائدة وناقصة، فالناقصة هي التي لا يصح الكلام بدونها، وقد حذفها، والزائدة هي التي يفسد الحكم بذكرها، ويتغير بها المعنى، فيجب حذفها، وهذا كثير» (٥). وفي (التنقيح المُشبع): «وربما ذكر (٦) بعض فروع مسألة، فأُكملها لارتباط بعضها ببعض، أو لتعلقها بها» (٧). ومن خلال التأمل في جملة من استدراكات الفقهاء - مع استصحاب التقسيم المنطقي - وجدتُ أن تكميل النقص غرضٌ تعود تطبيقاتُه إلى جنسين: - تكميل نقص في كميّة. - تكميل نقص في كيفيّة.

стр. 339

وأُناقش ذلك في مطلبين: المطلب الأول: تكميل النقص في الكمية، وتطبيقاته . وهذا الجنس يكون في المعدودات، كتعداد شروط أو أركان أو أنواع أو تقسيمات أو صور، أو أعمالٍ من جنس عمل المُستدرك عليه وفاتت عليه: كأن يلتزم المُستدرَك عليه ذكرَ المذهب أو الراجح أو الخلاف ... ولم يذكره في بعض المواضع، فالاستدراك يكون بعدِّ ما ليس بمعدود في العمل المستدرَك عليه. وينبغي التنبيه هنا إلى أن الكمية إذا ادعى المُستدرَك عليه الحصرَ فيها، فإن الاستدراك عليه يجمع بين غرضين: غرض تصحيح الخطأ - وهو الخطأ في ادعاء الحصر -، وغرض تكميل النقص، وهو باستيفاء باقي الكمية غير المذكورة. ومن كلام المُستدركين في هذا الغرض: ما سبق من حكاية كلام النووي - قريبًا - في (التنقيح في شرح الوسيط) (١). وكما في (تصحيح الفروع): «وربما كان في المسألة المطلقة بعض أقوال أو طرق لم يذكرها المصنف، فأذكرها» (٢). وكان هذا من قبيل الاستدراك؛ لأن صاحب الفروع قال: «وأُشير إلى ذكر الوفاق والخلاف» (٣). تطبيقاته: النموذج الأول: في (المنثور): «قال الإمام (٤) ولا يتوالى أذانان إلا في صورة واحدة على قول، وهي ما إذا أذن للفائتة قبل الزوال فلما فرغ زالت الشمس فإنه يؤذن للظهر لا محال. قلت: يضاف إليه صور، إحداها: إذا أخر أذان الوقت إلى آخره ثم أذن وصلى فلما فرغ

стр. 340

دخل وقت صلاة أخرى فإنه يؤذن لها وقد اقتصر النووي ﵀ على استدراك هذه الصورة. الثانية: إذا والى بين فريضة الوقت ومقضيته وقدم المقضية ففي الأذان لها الأقوال، وأما فريضته فالأصح يؤذن لها إذا طال الفصل بينهما. الثالثة: إذا أخر الظهر للجمع في السفر أو بلا نية، ثم أراد تقديم العصر فإنه يؤذن لها فإذا أذن لها أذن للفائتة على ما رجحه العراقيون وتابعهم النووي ﵀» (١). تحليل الاستدراك: فالاستدراك هنا أتى بعدّ صور فات عدها على الإمام وعلى النووي. النموذج الثاني: ما جاء في (المقنع) في مسألة المجني عليه حال إسلامه ثم ارتد بعد الجناية، ثم عاد إلى الإسلام، ثم مات من أثر تلك الجناية: «وإن عاد إلى الإسلام، ثم مات، وجب القصاص في النفس في ظاهر كلامه» (٢). قال صاحب (المبدع): «(وإن عاد إلى الإسلام، ثم مات، وجب القصاص في النفس (مع العمد، أو الدية مع الخطأ) في ظاهر كلامه» (٣). تحليل الاستدراك: فالاستدراك هنا أتى بإكمال صور المسألة، حيث عدّ (المُقنع) صورة القصاص في النفس، ولم يعدّ صورة الدية إن كانت الجناية بالخطأ، فاستدركها (المبدع). النموذج الثالث: لما ذكر صاحب (الفكر السامي) منازل القرآن مع السنة عند ابن القيم، وأنها ثلاث منازل لا رابع لها قال: «قلت فيه: إن هنالك منزلة رابعة، وهي السنة الناسخة للكتاب

стр. 341

المتواترة - على رأي الجمهور - أو الآحاد على القول بها ... وقد استدرك هذا القسم في (إعلام الموقعين) وأطال فيه» (١). تحليل الاستدراك: فالاستدراك هنا أتى لإكمال أحوال السنة مع الكتاب، مما فات عدّه في المرة الأولى. النموذج الرابع: في (الذخيرة): «وأنقّح - إن شاء [الله] (٢) - كتاب الفرائض، وأمهد لقواعده وما عليها من نقوض، وأقرر ما أجده، وأودع فيه من الجبر والمقابلة (٣) ما يُحتاج إليه، فإني لم أجده في كتُبِنا، بل في كتب الشافعية والحنفية، وهو من الأسرار العجيبة التي لا يمكن أن يُخرّج كثير من مسائل الفرائض والوصايا والنكاح والخلع والبيع والإجارة إلا بها» (٤). تحليل الاستدراك: فاستدرك صاحب (الذخيرة) طريقة في الحساب رأى أنها غائبة في كتب المالكية، وأن تقريرها في باب الفرائض يُكمّل النفع من هذا الباب.

стр. 342

المطلب الثاني: تكميل النقص في الكيفية، وتطبيقاته . وهذا الجنس يكون في الهيئات، سواء هيئات المؤلّفات أو هيئات الأشخاص. أما تكميل النقص في هيئات الأشخاص معناه تدارك النقص الذي يعرض للأشخاص في هيئاتهم السلوكية بإرشادهم إلى ما يكمل هذه الهيئات، ولا يختلف الكلام في الاستدراك عليها عما سبق تقريره في المطلب الموسوم بـ (أنواع الاستدراك الفقهي باعتبار متعلّقه الفعلي، وتطبيقاتها) (١) فأكتفي به، وأُناقش هنا: تكميل النقص في الكيفية باعتبار المؤلَّفات. وتحصّل لي من مظاهره: المظهر الأول: الترتيب. وعُدَّ الترتيب من التكميل؛ لأن غير المُرتّب ناقص النفع، ويكتمل نفعه بالترتيب. ويحدّثنا القرافي عن أهميته فيقول: «وأنت تعلم أن الفقه - وإن جل - إذا كان مفترقًا تبددت حكمته، وقلّت طلاوته، وبعدت عن النفوس طلبته، وإذا رتبت الأحكام مخرّجة على قواعد الشرع، مبنية على مآخذها، نهضت الهمم حينئذ لاقتباسها، وأعجبت غاية الإعجاب بتقمص لباسها» (٢). هذه الأهمية التي أبداها القرافي للتهذيب جعلها الدافع لتأليف كتابه (الذخيرة) حيث انتقد على المتقدمين عدم التهذيب فقال: « ... فوجدتُ أخيار علمائنا ﵃ قد أتوا في كتبهم بالحِكم الفائقة، والألفاظ الرائقة، والمعاني الباهرة، والحجج القاهرة، غير أنهم يتبعون الفتاوي في غير مواطنها حيث كانت، ويتكلمون عليها أين وجدت، مع قطع النظر عن معاقد التبويب ونظام التهذيب، كشُراح (المدونة) وغيرها، ومنهم من سلك الترتيب البديع، وأجاد الصنيع، كالإمام العلامة كمال الدين صاحب (الجواهر الثمينة)» ثم قال مُبيّنًا عمله في الكتاب:

стр. 343

«وقد آثرتُ أن أجمع بين الكتب الخمسة ... وهي (المدونة) (١) و (الجواهر) (٢) و (التلقين) (٣) و (الجلاب) (٤) و (الرسالة) (٥)، جمعًا مرتبًا بحيث يستقر كل فرع في مركزه، ولا يوجد في غير حيزه، على قانون المناسبة في تأخير ما يتعين تأخيره، وتقديم ما يتعين تقديمه من الكتب والأبواب والفصول، متميزة الفروع، حتى إذا رأى الإنسان الفرع فإن كان مقصوده طالعه وإلاّ أعرض عنه، فلا يضيع الزمان في غير مقصود» (٦). وفي (منهاج الطالبين) تصريح بهذا المظهر - أيضًا -: «وقد أُقدم بعض مسائل الفصل لمناسبةٍ أو اختصار، وربما قدمتُ فصلاً للمناسبة» (٧). يعني على خلاف ترتيب (المحرّر). من نص القرافي والنووي تبدو فوائد هذا المظهر الاستدراكي، وهي النشاط في مراجعة الفروع، وتسهيل مهمة الباحث عن الفرع، وحفظ الوقت، والحفاظ على التسلسل الفكري المنطقي في تدوين المسائل، وهذا الأخير يظهر في عبارة النووي «لمناسبة ... »، وقول القرافي: «على قانون المناسبة ... ». ويُضيفُ صاحب (عقد الجواهر الثمينة) فائدة لهذا المظهر وهي حفظ المذهب من الضياع، فقال: «أما بعد، فهذا كتاب بعثني على جمعه في مذهب عالم المدينة ... ما رأيت عليه كثيرًا من المنتسبين إليه في زماننا من ترك الاشتغال به والإقبال على غيره، حتى لقد صار ذلك دأب كثير ممن يرى نفسه أو يُرى من المتميزين ... ولم أستمع من أحد منهم، ولا بلغني عنه أنه كره منه سوى تكريره

стр. 344

وعدم ترتيبه ... فصرفهم عدمُ اعتناء أئمة المذهب بترتيبه عن استفادة ما اشتمل عليه من تحقيق المعاني النفيسة الدقيقة، واستنباط الأحكام الجارية على سنن السلف الصالح بأحسن طريقة ... فكانوا كالمعرض عن المعاني النفيسة لمشقة فهمها، والمضرب عن الجواهر الثمينة لتكلف نظمها» (١). تطبيقاته: النموذج الأول: كتب محمد بن الحسن، حيث جمع فيها شتات الفقه الحنفي، وهذّبه ورتبه (٢). النموذج الثاني: ترتيب ابن شاس لمسائل المذهب المالكي في (عقد الجواهر الثمينة)، وقد تقدم كلامه قريبًا. النموذج الثالث: كتاب (خبايا الزوايا)، رتّب فيه بعض مسائل (شرح الرافعي للوجيز) و (الروضة) وقال: «وبعد فهذا كتاب عجيب وضعه، وغريب جمعه، ذكرت فيه المسائل التي ذكرها الإمامان الجليلان: أبو القاسم الرافعي في (شرحه للوجيز) وأبو زكريا النووي في (روضته) - تغمدهما الله برحمته - في غير مظنتها من الأبواب، فقد يعرض للفطن الكشف عن ذلك فلا يجده مذكورا في مظنته، فيظن خلو الكتابين عن ذلك وهو مذكور في مواضع أخر منها، فاعتنيت بتتبع ذلك فرددت كل شكل إلى شكله، وكل فرع إلى أصله، رجاء الثواب، وقصد التسهيل على الطلاب، مع أن الإحاطة بهذه العقود الثمينة متعينة؛ فإنها أحق من غيرها بالذكر كما ستراها - إن شاء الله تعالى - مبينة» (٣).

стр. 345

المظهر الثاني: التبويب. وهو تقسيم المصنَّف على أبواب وفصول، لتتميّز مسائل كل باب؛ ليُهتدى إليها في البحث بسهولة، ووقت أقل. ومن تطبيقاته: تبويب (مسند الإمام أحمد)، فإنه وإن آثر مصنفه ترتيبه على المسانيد - وهذا فيه نفع من الناحية الحديثية -، ولكن يكتمل النفع - فقهيًّا - منه بتبويبه على أبواب الفقه. قال صاحب (الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني): «نعم! إن ترتيب (المسند) على مسانيد الصحابة كان مفيدًا في القديم ... وكان الناس إذ ذاك لهم اعتناء شديد بحفظ الأحاديث، فكان الرجل يحفظ مسند الصحابي كما يحفظ السورة من القرآن ... أما الآن - وقد صار اعتماد الناس على الضبط الكتابي - فقد وقف ذلك حائلاً دون الانتفاع بكتاب عظيم وأصل كبير ... لا يصل إلى جواهر مكوناته إلا الحفاظ الأثبات من رجال الحديث» (١). إلى أن قال: «واستعنت بتوفيق الله - تعالى - ومعونته في تأليفه وتنقيحه وترتيبه» (٢). المظهر الثالث: التلقيب. والتلقيب هو تصيير الباب أو الفصل أو المسألة ذا لقب. والتلقيب من مكملات النفع من المادة العلمية، حيث تُعرَف به رؤوس المسائل لكل مجموعة من المادة العلمية، مما يُسهل مهمة الباحث عن مسألة، فيتوجه إليها مباشرة، بدلاً من مراجعة قدر كبير لا يمُتّ لبحثه بصلة.

стр. 346

ومن تطبيقاته: تلقيب أبواب صحيح مسلم. قال النووي عن (صحيح مسلم): «وقد ترجم جماعة أبوابه بتراجم بعضها جيد، وبعضها ليس بجيد؛ إما لقصور في عبارة الترجمة، وإما لركاكة لفظها، وإما لغير ذلك، وأنا - إن شاء الله - أحرص على التعبير عنها بعبارات تليق بها في مواطنها» (١). فعملُ النووي هنا - ومن ذكر أنهم سبقوه - هو تلقيبُ الأبواب في (صحيح مسلم)، وقد ترك مسلمٌ تلقيب أبواب (صحيحه)، وإن كان قد رتّبه على أبواب، بحيث جمع أحاديث كل باب في موضع واحد. المظهر الرابع: حذف المُكررات. حيث يكتمل النفع من المؤلّف بحذف المُكرّر، لأنه يحفظ وقت الباحث من قراءة ما قد قرأه، فلا يضيع الوقت الكثير في تحصيلٍ قليل. ومن تطبيقاته: عمل ابن شاس في (الجواهر الثمينة) وقد سبق نصه وفيه: «ولم أستمع من أحد منهم، ولا بلغني عنه أنه كره منه سوى تكريره وعدم ترتيبه ... » (٢). المظهر الخامس: حذف الزيادات غير المُتعلقة بالموضوع، أو غير المهمة فيه. بمعنى أن العمل الفقهي السابق اشتمل على زيادات: بالنظر إليها منفردة هي نافعة، ولكن بالنظر إلى تعلقها بموضوع العمل فهي مُنقصة من الانتفاع به؛ لما فيها من تشتيت الذهن، بالانصراف عن مهمّ الموضوع إلى فرعيات لا تهم معرفتها لفهم الموضوع. ومن تطبيقاته: كتاب (تنقيح الفصول في علم الأصول)، أراد منه مؤلفه أن يُقدم أصول الفقه التي يحتاجها الفقيه، بحذف الزيادات الموجودة في كتب الأصول قبله مما لا يحتاجها،

стр. 347

حيث قال: «بحيث إني لم أترك من هذه الكتب الأربعة (١) إلا المآخذ والتقسيم والشيء اليسير من مسائل الأصول، مما لا يكاد الفقيه يحتاجه» (٢). المظهر السادس: اختصارُ المُطوّلات. والفرق بين هذا المظهر والذي قبله، هو أن الاختصار هنا قد يستلزم حذفًا أو إعادة صياغة، وفي كلا الأمرين فإن العمل المُستدرَك عليه لم يخرج عما وضع له، أما في المظهر السابق فهو لا يستلزم إعادة صياغة، بل يكتفي بحذف ما خرج عما وضع له المؤلَّف. وهنا تبرز أهمية عمل منقحي ومهذّبي المذاهب، حيث اختصروا دواوين المذاهب، وجمعوها بعبارات وجيزة، فإنه لما كثرت الدواوين في المذهب الواحد وتشتتت فيها الفروع، احتِيج إلى مراجعة هذه الدواوين وجمعها وتلخيصها في مكان واحد. قال د. محمد إبراهيم علي: «إن أمهات المذهب ودواوينه كثرت فيها التخاريج والآراء، وتعددت الاصطلاحات ... ومن ثم كان لا بد من أن يقوم علماء المذهب (٣) بمهمة الضبط، وتجديد التلخيص، والتهذيب، حتى تتحد الصور، وينسجم التعبير ... » (٤). تطبيقاته: النموذج الأول: كتاب (التفريع) (٥) عند المالكية.

стр. 348

قال د. محمد إبراهيم علي: «فكتاب (التفريع) مثلاً عرف بالمختصر، وهو في الحقيقة من المختصرات الجامعة التي تتناول عددًا ضخمًا من المسائل المندرجة تحت أبواب الفقه كلها بصورة شاملة وبصيغة موجزة. ولعل تسمية مثل هذا التهذيب مع شموله واتساعه اختصارًا إنما هو بالنسبة للدواوين التي سبقته، والتي كانت تضم الكثير والكثير من السماعات والروايات، والأقوال المترادفة والمتعارضة أحيانًا» (١). النموذج الثاني: (الوجيز) للغزالي (٢)، حيث قال الغزالي فيه: «فإن أنت تشمَّرتَ لمطالعتها (٣)، وأدمنت مراجعتها، وتفطنت لرموزها ودقائقها، والمرعيّةِ في ترتيب مسائلها، اجتزأت بها عن مجلدات ثقيلة، فهي على التحقيق إذا تأملتها قصيرة عن طويلة، فكم من كلم كثيرة فضلَتْه كلمٌ قليلة» (٤).

стр. 349

ويصف محمد الفاضل بن عاشور (١) عمل الغزالي في (وجيزه): «فالغزالي درس الفقه الشافعي على هذه الطريقة (٢) في كتبه المبسوطة والمطوّلة ... ثم بدا له بما كان عنده من رأي في النقد المنهجي للطريقة التي يسير عليها الفقه - ولا سيما عند الشافعية وهي الطريقة الجدلية التي كانت روح الجدل فيها غالبة على روح الأصول - رأى بما عنده من نقد للطريقة الجدلية في كتاب (إحياء علوم الدين) أن سعة النقل في الفقه وتعبيد كثرة الأقوال أمر لما تبين أن تلك الأقوال مرتبة ترتيبًا تقديريا، وأن بعضها أولى به من أن يؤخذ به من بعض، فإن الأولى ألا نأخذ إلا بالأولى، وأن نختصر الفقه اختصارًا جديدًا نقتصر فيه على أخذ القول الراجح، أو القول المصحح من بين تلك الأقوال المختلفة في كل مسألة، فأخرج كتابه الذي لخصه من كتبه الأخرى، وهو كتاب (الوجيز)» (٣). النموذج الثالث: كتاب (شرح الوجيز) قال عنه النووي: «وكانت مصنفات أصحابنا ﵏ في نهاية من الكثرة فصارت منتشرات، مع ما هي عليه من الاختلاف في الاختبارات، فصار لا يحقق المذهب من أجل ذلك إلا أفراد من الموفقين الغواصين المطلعين أصحاب الهمم العاليات، فوفق الله وله الحمد - من متأخري أصحابنا

стр. 350

من جمع هذه الطرق المختلفات، ونقح المذهب أحسن تنقيح، وجمع منتشره بعبارات وجيزات، وحوى جميع ما وقع له من الكتب المشهورات، وهو الإمام الجليل المبرز المتضلع من علم المذهب أبو القاسم الرافعي ذو التحقيقات، فأتى في كتاب (شرح الوجيز) بما لا كبير مزيد عليه من الاستيعاب مع الإيجاز والإتقان وإيضاح العبارات» (١). المظهر السابع: تجويد نظم عبارة. بمعنى أن يعرِض للعبارة نقصٌ في جودتها فلا تكون موصلة للمعنى بشكل جيد، إما لنقص وضوحها أو عدمه؛ لإبهام أو إغراب أو إيهام، أو لنقص في منظومها أو زيادة فيه. وهذا المظهر مُصرّحٌ باستهدافه لدى المستدركين، ففي (منهاج الطالبين): «ومنها (٢) إبدال ما كان من ألفاظه (٣) غريبًا أو موهمًا خلاف الصواب بأوضح وأخصر منه بعبارات جليات» (٤). والاعتراض بتعقيد اللفظ وغموضه لا يُسلّمه الفقهاء لكل معترض، بل يقبلونه حينًا، ويرفضونه حينًا آخر، وفي هذا الشأن أحكي كلام ابن دقيق العيد (٥) في ردّه على من اعترض على ابن الحاجب في (مختصره الفقهي) فقال: «فأما

стр. 351

الاعتراض بالتعقيد والإغماض فربما كان سببه بعد الفهم، ويعد الذنب هناك للطرف لا للنجم، وإنما وضعت هذه المختصرات لقرائح غير قرائح وخواطر، إذا استسقيت كانت مواطر، وأذهان يتقد أوارها، وأفكار إذا رامت الغاية قصر مضمارها، فربما أخذها القاصر ذهنًا، فما فك لها لفظا ولا طرق معنى، فإن وقف هناك وسلّم سلم، وإن أنف بالنسبة إلى التقصير فأطلق لسانه أثم، وهو مخطئ في أول سلوك الطريق، وظالم لنفسه حيث حملها مالا تطيق، وسبيل هذه الطبقة أن تطلب المبسوطات التي تفردت في إيضاحها، وأبرزت معانيها سافرة عن نقابها مشهورة بغررها وأوضاحها، والحكيم من يقر الأمور في نصابها، ويعطي كل طبقة مالا يليق إلا بها» (١). تطبيقاته: النموذج الأول: في (الفروق): «الفرق السادس والثلاثون بين قاعدة تصرفه ﵊ بالإمامة ... » إلى قوله: «ونحقق ذلك بأربع مسائل». قال صاحب (إدرار الشروق): «قلتُ لم يجود التعريف بهذه المسائل، ولا أوضحها كل الإيضاح، والقول الذي يوضحها هو أن المتصرف في الحكم الشرعي إما أن يكون تصرفه فيه بتعريفه، وإما أن يكون بتنفيذه ... ». وشرح ذلك (٢). ففي (إدرار الشروق) استدراك على عبارة (الفروق) في التعريف بالفرق بين القاعدتين، ونقدها بأنها ناقصة الوضوح والجودة في توصيل الفرق، وتلافى ذلك النقص بعبارة أخرى.

стр. 352

النموذج الثاني: جاء في (منهاج الطالبين): «ولو غصب أرضًا فنقل ترابَها أجبره المالك على ردّه أو ردّ مثله وإعادة الأرض كما كانت، وللناقل الردّ وإن لم يطالبه المالك إن كان له فيه غرض ... » (١). قال في (تحرير الفتاوي) مُستدركًا على عبارة (المنهاج): «وإن لم يُطالبه المالك» فقال: «لو قال: (وإن منعه المالك) لكان أحسن؛ فإن له الرد أيضًا مع المنع، صرح به في (المطلب) تبعًا للأصحاب، فتبقى حالة السكوت من طريق الأولى» (٢). النموذج الثالث: جاء في (التنبيه): «إذا أراد الصلاة قام إليها بعد فراغ المؤذن من الإقامة» (٣). نكّت في (نكت النبيه) على قوله «بعد فراغ المؤذن» قائلاً: «لو قال: بعد فراغ الإقامة كان أجمع» (٤). المظهر الثامن: تدوين دلائل الفروع. استدراكًا للنقص في تدوينها لدى مُدوّني فروع المذاهب، وهو نقص أدى إلى اتهام المذاهب بعدم المُدرَك لفروعها أو ضعفه، كما أدى إلى الانصراف عن التفقه في المدارك الأصلية للفروع، وبهذا المظهر الاستدراكي - أيضًا - يطمئن المُتبع لمذهب ما أن مذهبه على دليل. ومن تطبيقاته: كتاب (اللباب في الجمع بين السنة والكتاب)، حيث قال مؤلفه: « ... وبعدُ: فإني لما رأيت أناسًا يأخذون منا ويسلبون علم الحديث عنا، ويجعلون ذلك عيبًا وطعنًا ... وينسبون إلينا خاصة العمل بالقياس، ويظهرون ذلك بين الناس، ويصرحون بالرد علينا، ولا يكنون ولا يراقبون الله فيما يقولون، سلكت طريقًا يظهر بها حسدهم وبغيهم ... وذكرت الأحاديث التي تمسك بها أصحابنا في مسائل الخلاف، وسلكت

стр. 353

فيها سبيل الإنصاف، وعزيت الأحاديث إلى من خرجها، وأوردت من طرقها أوضحها وأبهجها؛ ليظهر لمن نظر فيها وأنصف أننا أكثر الناس انقيادًا لكتاب الله تعالى، وأشد اتباعًا لحديث رسول الله ﷺ » (١). المظهر التاسع: تدوين الفقه المقارن. لما اشتغل أهل المذاهب بكتب مذاهبهم، فنقحوها، وخصّوا الفروع بمصنفات تُنتقى فيها الأقوال المُعتمدة والمُصحّحة ويُطّرح ما سواها، واجهَ هذا الأسلوب في التصنيف أسلوبٌ آخر، رأى أن في هذا تضييقًا لمجال الفقه بعد أن كان للناس فيه سعة، فأُلّف في مواجهة هذا المصنفات الحاوية للأقوال مع مداركها. ومن تطبيقاته: يعرض لنا ابن عاشور هذا الأمر، مستثمرًا دوافع التأليف لكل من (بداية المجتهد) لابن رشد في مقابل (الوجيز) للغزالي. قال: «وعلى ما اصطبغ به كتاب الغزالي (الوجيز) من إبداع في التحرير وإتقان في الضبط ودقة في الاختصار، فإن كثيرًا من الفقهاء نظروا بعيدًا، فرأوا أن هذا المنهج الذي سلكه الغزالي - وإن كان مقبولاً بحسب ما رآه من الاعتبارات التي بينها في خطبة (الوجيز) وبيّنها من جهة أخرى في كتاب (إحياء علوم الدين) - فإنه سيكون خطرًا في المستقبل؛ لأنه سيجعل الفقه ملتزمًا التزامًا بصورة تنسي الناس الأقوال المختلفة، وتجعلهم في حرج من قول يطبق بالتزام، مع أن لهم مندوحة عن ذلك القول إلى أقوال أخرى لو أرادوا» (٢). ويذكر أن ابن رشد الحفيد وقف أمام مسلك الغزالي في (الوجيز) فقال: «وجاء ابن رشد يلاحظ أن الطريقة التي درج عليها الغزالي إنما تكون متجهة إلى إعداد شيء كثير من الفقه، وإلى تضييق المجال في تكوين الفقهاء، حتى تقتل فيهم

стр. 354

ملكة النظر، ويضيق الأفق أمام أنظارهم، فلا يتكون منهم الفقيه الذي يستطيع أن يعالج الحوادث بحق، بصورة يمكن أن تأخذ من أقوال المتقدمين، أو من التخريج على أصولهم ما يكون كفيلاً بتحقيق الحكم الشرعي المناسب للمصالح التي أمر الله تعالى بمراعاتها في تلك الجزئيات. فوضع ابن رشد في آخر القرن السادس - تحديًا للغزالي - كتابه المشهور (بداية المجتهد ونهاية المقتصد)» (١).

стр. 355

المبحث الثالث الغرض الثالث: دفع توهم، وتطبيقاته .
следующие страницы →