← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 132414

الاستدراك الفقهي تأصيلا وتطبيقا

مجمول الجدعاني

Полный текст (596 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الاعتراض بالتعقيد والإغماض فربما كان سببه بعد الفهم، ويعد الذنب هناك للطرف لا للنجم، وإنما وضعت هذه المختصرات لقرائح غير قرائح وخواطر، إذا استسقيت كانت مواطر، وأذهان يتقد أوارها، وأفكار إذا رامت الغاية قصر مضمارها، فربما أخذها القاصر ذهنًا، فما فك لها لفظا ولا طرق معنى، فإن وقف هناك وسلّم سلم، وإن أنف بالنسبة إلى التقصير فأطلق لسانه أثم، وهو مخطئ في أول سلوك الطريق، وظالم لنفسه حيث حملها مالا تطيق، وسبيل هذه الطبقة أن تطلب المبسوطات التي تفردت في إيضاحها، وأبرزت معانيها سافرة عن نقابها مشهورة بغررها وأوضاحها، والحكيم من يقر الأمور في نصابها، ويعطي كل طبقة مالا يليق إلا بها» (١). تطبيقاته: النموذج الأول: في (الفروق): «الفرق السادس والثلاثون بين قاعدة تصرفه ﵊ بالإمامة ... » إلى قوله: «ونحقق ذلك بأربع مسائل». قال صاحب (إدرار الشروق): «قلتُ لم يجود التعريف بهذه المسائل، ولا أوضحها كل الإيضاح، والقول الذي يوضحها هو أن المتصرف في الحكم الشرعي إما أن يكون تصرفه فيه بتعريفه، وإما أن يكون بتنفيذه ... ». وشرح ذلك (٢). ففي (إدرار الشروق) استدراك على عبارة (الفروق) في التعريف بالفرق بين القاعدتين، ونقدها بأنها ناقصة الوضوح والجودة في توصيل الفرق، وتلافى ذلك النقص بعبارة أخرى.

стр. 352

النموذج الثاني: جاء في (منهاج الطالبين): «ولو غصب أرضًا فنقل ترابَها أجبره المالك على ردّه أو ردّ مثله وإعادة الأرض كما كانت، وللناقل الردّ وإن لم يطالبه المالك إن كان له فيه غرض ... » (١). قال في (تحرير الفتاوي) مُستدركًا على عبارة (المنهاج): «وإن لم يُطالبه المالك» فقال: «لو قال: (وإن منعه المالك) لكان أحسن؛ فإن له الرد أيضًا مع المنع، صرح به في (المطلب) تبعًا للأصحاب، فتبقى حالة السكوت من طريق الأولى» (٢). النموذج الثالث: جاء في (التنبيه): «إذا أراد الصلاة قام إليها بعد فراغ المؤذن من الإقامة» (٣). نكّت في (نكت النبيه) على قوله «بعد فراغ المؤذن» قائلاً: «لو قال: بعد فراغ الإقامة كان أجمع» (٤). المظهر الثامن: تدوين دلائل الفروع. استدراكًا للنقص في تدوينها لدى مُدوّني فروع المذاهب، وهو نقص أدى إلى اتهام المذاهب بعدم المُدرَك لفروعها أو ضعفه، كما أدى إلى الانصراف عن التفقه في المدارك الأصلية للفروع، وبهذا المظهر الاستدراكي - أيضًا - يطمئن المُتبع لمذهب ما أن مذهبه على دليل. ومن تطبيقاته: كتاب (اللباب في الجمع بين السنة والكتاب)، حيث قال مؤلفه: « ... وبعدُ: فإني لما رأيت أناسًا يأخذون منا ويسلبون علم الحديث عنا، ويجعلون ذلك عيبًا وطعنًا ... وينسبون إلينا خاصة العمل بالقياس، ويظهرون ذلك بين الناس، ويصرحون بالرد علينا، ولا يكنون ولا يراقبون الله فيما يقولون، سلكت طريقًا يظهر بها حسدهم وبغيهم ... وذكرت الأحاديث التي تمسك بها أصحابنا في مسائل الخلاف، وسلكت

стр. 353

فيها سبيل الإنصاف، وعزيت الأحاديث إلى من خرجها، وأوردت من طرقها أوضحها وأبهجها؛ ليظهر لمن نظر فيها وأنصف أننا أكثر الناس انقيادًا لكتاب الله تعالى، وأشد اتباعًا لحديث رسول الله ﷺ » (١). المظهر التاسع: تدوين الفقه المقارن. لما اشتغل أهل المذاهب بكتب مذاهبهم، فنقحوها، وخصّوا الفروع بمصنفات تُنتقى فيها الأقوال المُعتمدة والمُصحّحة ويُطّرح ما سواها، واجهَ هذا الأسلوب في التصنيف أسلوبٌ آخر، رأى أن في هذا تضييقًا لمجال الفقه بعد أن كان للناس فيه سعة، فأُلّف في مواجهة هذا المصنفات الحاوية للأقوال مع مداركها. ومن تطبيقاته: يعرض لنا ابن عاشور هذا الأمر، مستثمرًا دوافع التأليف لكل من (بداية المجتهد) لابن رشد في مقابل (الوجيز) للغزالي. قال: «وعلى ما اصطبغ به كتاب الغزالي (الوجيز) من إبداع في التحرير وإتقان في الضبط ودقة في الاختصار، فإن كثيرًا من الفقهاء نظروا بعيدًا، فرأوا أن هذا المنهج الذي سلكه الغزالي - وإن كان مقبولاً بحسب ما رآه من الاعتبارات التي بينها في خطبة (الوجيز) وبيّنها من جهة أخرى في كتاب (إحياء علوم الدين) - فإنه سيكون خطرًا في المستقبل؛ لأنه سيجعل الفقه ملتزمًا التزامًا بصورة تنسي الناس الأقوال المختلفة، وتجعلهم في حرج من قول يطبق بالتزام، مع أن لهم مندوحة عن ذلك القول إلى أقوال أخرى لو أرادوا» (٢). ويذكر أن ابن رشد الحفيد وقف أمام مسلك الغزالي في (الوجيز) فقال: «وجاء ابن رشد يلاحظ أن الطريقة التي درج عليها الغزالي إنما تكون متجهة إلى إعداد شيء كثير من الفقه، وإلى تضييق المجال في تكوين الفقهاء، حتى تقتل فيهم

стр. 354

ملكة النظر، ويضيق الأفق أمام أنظارهم، فلا يتكون منهم الفقيه الذي يستطيع أن يعالج الحوادث بحق، بصورة يمكن أن تأخذ من أقوال المتقدمين، أو من التخريج على أصولهم ما يكون كفيلاً بتحقيق الحكم الشرعي المناسب للمصالح التي أمر الله تعالى بمراعاتها في تلك الجزئيات. فوضع ابن رشد في آخر القرن السادس - تحديًا للغزالي - كتابه المشهور (بداية المجتهد ونهاية المقتصد)» (١).

стр. 355

المبحث الثالث الغرض الثالث: دفع توهم، وتطبيقاته .

стр. 356

ذلك أن يتوقع الفقيه وقوع خلل في فهم المستفيد للعمل الفقهي، فيستدرك الخلل المتوقع قبل وقوعه تنزيلاً للمتوقع بمنزلة الواقع، أو تظهر له أمارات صريحة أو غير صريحة لهذا التوهم فيستدركه. ويُمكن أن يُطلق على هذا الغرض (إزالة اللبس) أيضًا، فمعناهما متقارب. وفائدته: معالجةُ خلل الفهم المتوقّع هو تدارُكٌ للأمر قبل وقوعه؛ لأنه إذا وقع قد يصعُب إزالته، وهو تهيئةٌ للمستفيد لمواجهة ما قد يرد عليه من إشكالات قد يحارُ في الجواب عنها، فيُعطيه الفقيه من خبرته التي حصّلها من ممارسة النظر والاستدلال والترجيح والفتوى ومعرفته بالواقع ... ما يُعِدّه للتصدي للإيرادات، وحل الإشكالات، ودفع الشبهات، ولإكمال المسيرة فيبدأ من حيث انتهى الآخرون. تطبيقاته: النموذج الأول: جاء في (صحيح مسلم): «قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الله (١): مَا حَجَبَنِي رَسُولُ الله ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلاَ رَآنِي إِلاَّ ضَحِكَ» (٢). قال في (المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم): «ولا يفهم من هذا أن جريرًا كان يدخل على النبي ﷺ بيته من غير إذن؛ فإنَّ ذلك لا يصحُّ لحرمة بيت النبي ﷺ ، ولما يُفضي ذلك إليه من الاطلاع على ما لا يجوز من عورات البيوت» (٣).

стр. 357

فخُشي أن يُفهم من نفي الحجب أنه كان يدخل بدون استئذان؛ حملاً للفظ (الحجب) على المعنى المعهود، فنفيه يقتضي الدخول بلا استئذان، فبيّن أن هذا المعنى غير مراد، بل مراده من نفي الحجب هو المبالغة في إكرام النبي ﷺ له حيث ما إن يعلم باستئذانه إلا ويأذن له ويبادر في ذلك، ويترك ما يكون فيه (١). النموذج الثاني: أن عَلِيَّ بْنَ مُدْرِكٍ (٢) قَالَ: «رَأَيْتُ أَبَا أَيُّوبَ (٣)، فَنَزَعَ خُفَّيْهِ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ. فَقَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا وَلَكِنْ حُبِّبَ إِلَيَّ الْوُضُوءُ» (٤). ففهم أبو أيوب ﵁ معنى نظرهم إليه، وهو نظر استنكار لنزع الخفين مع ثبوت رخصة المسح عليهما، فبادر بالاستدراك؛ لئلا يُظن أنه لا يُثبِتُ هذه الرخصة، أو أن عنده علمًا بنسخها.

стр. 358

النموذج الثالث: جاء في (المجموع): «وأما قوله: (فإن نسي التسمية أتى بها) فهو موافق لنص الشافعي كما سبق، وكذا عبارة كثيرين، وهو يوهم أنه لو ترك التسمية عمدًا لم يأت بها في الأثناء، وليس الحكم كذلك بل من تركها عمدًا استُحب أن يأتي بها في أثنائها كالناسي، كذا صرح به المحاملي (١) في (المجموع) والجرجاني (٢) في (التحرير) وغيرهما» (٣). فهنا خُشي من أن يُفهم مفهوم مُخالفة من الشرط (إن نسي)، فأبان النووي أن الموضع هنا حكاية حال، لا مفهوم له.

стр. 359

الفصل السابع أساليب الاستدراك الفقهي، وتطبيقاتها . وتحته مبحثان: المبحث الأول: الأساليب اللفظية للاستدراك الفقهي، وتطبيقاتها. وتحته سبع مجموعات: المجموعة الأولى: استعمال مصطلح الاستدراك وما يُقاربه من ألفاظ، وتطبيقاتها. المجموعة الثانية: الوصف بذات الخلل، أو الوصف بتوقّعه، وتطبيقاتها. المجموعة الثالثة: التعبير بما يحصل به التلافي، وتطبيقاتها. المجموعة الرابعة: الوصف بسبب الخلل، وتطبيقاتها. المجموعة الخامسة: التعبير بأسلوب التشكيك، وتطبيقاتها. المجموعة السادسة: الأسلوب الجدلي، وتطبيقاتها. المجموعة السابعة: العنونة بتنبيه أو فائدة أو تتمة ونحوها، مفردةً أو مثناةً أو مجموعة، وتطبيقاتها. المجموعة الثامنة: التذييل بالأمر بالتأمل والتدبر والفهم والعلم ونحوها. المبحث الثاني: الأساليب المعنوية للاستدراك الفقهي، وتطبيقاتها.

стр. 360

الاستدراك الفقهي له أساليب تدلّ عليه، وهي ترجع إلى جنسين: - أساليب لفظية. - أساليب معنوية. وليس مقصودي هنا حصر هذه الأساليب، بل حسبي منها ما يُمثّل لها، مما يمكنُ أن يكون دليلاً على غيرها. المبحث الأول: الأساليب اللفظية للاستدراك الفقهي، وتطبيقاتها . بمعنى أنها ألفاظٌ يستعملها المستدرك تدلّ الناظر على أن في الكلام استدراكًا فقهيًّا. وينبغي التنبيه إلى أن دلالة الأساليب اللفظية على الاستدراك لا تُعزل عن حال إيرادها، فمنها ما هو صريح في الاستدراك، ومنها ما يُحتاج معه إلى النظر في حال السياق. والنص الواحد قد يشتمل على أكثر من أسلوب. من جهة أخرى فإن الألفاظ الدالة على الاستدراك الفقهي كثيرة، وبالتأمل في جملة من استدراكات الفقهاء يُمكنني أن أقسمها إلى أجناس ترجعُ إليها الأساليب اللفظية، تمثل هذه الأجناسَ المجموعاتُ التالية: المجموعة الأولى: استعمال مصطلح الاستدراك وما يُقاربه من ألفاظ، وتطبيقاتها . - مادة (استدرك) وما تصرف منها. قال في (طبقات الشافعية) عن الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي: «واستدرك على المهمات في الفقه كتابا سماه تتمات المهمات» (١). وفي (العناية شرح الهداية): عند شرحه لنص الهداية: «مَسَائِلُ شَتَّى مِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ»، قال: «ذَكَرَ فِي آخِرِ كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي مَسَائِلَ مِنْهُ، كَمَا هُوَ دَأْبُ الْمُصَنِّفِينَ؛

стр. 361

أَنْ يَذْكُرُوا فِي آخِرِ الْكِتَابِ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِمَا قَبْلَهَا؛ اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَ مِنْ الْكِتَابِ، وَيُتَرْجِمُونَهُ بِمَسَائِلَ شَتَّى أَوْ مَنْثُورَةٌ أَوْ مُتَفَرِّقَةٌ» (١). وفي (مغني المحتاج): «وهذا الاستدراك مستدرك إذ ليس مع الأخت في هذه الصورة بنت حتى تكون الأخت مع البنت عصبة وإنما الأخت نفسها هي البنت فكيف تعصب نفسها» (٢). - مادة (تعقّب) وما تصرف منها. في (فتح الباري): «وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله: «وَإِنَّهُ لَكَبِير» (٣) فَقَالَ أَبُو عَبْد الْمَلِك الْبَوْنِيّ (٤): يَحْتَمِل أَنَّهُ ﷺ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ غَيْر كَبِير، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ فِي الْحَال بِأَنَّهُ كَبِير، فَاسْتَدْرَكَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِم أَنْ يَكُون نَسْخًا وَالنَّسْخ لَا يَدْخُل الْخَبَر. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحُكْم بِالْخَبَرِ يَجُوز نَسْخه؛ فَقَوْله: «وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِير» إِخْبَار بِالْحُكْمِ، فَإِذَا أُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَبِير فَأَخْبَرَ بِهِ كَانَ نَسْخًا لِذَلِكَ الْحُكْم» (٥). - مادة (نكت) وما تصرف منها.

стр. 362

في (المُفهم لما أشكل من تلخيص مسلم) في رده على الفهم الخاطئ لمعنى العدد في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (١) قال: «ونزيد هنا نكتةً تضمنها الكلام المتقدم، وهي أن قصره (٢) كل صيغة على أقل ما تقتضيه - بزعمه - تحكُّم بما لا يوافقه أهلُ اللسان عليه، ولا معنى الاثنين إليه؛ لأن مقصود الآية إباحة نكاح اثنتين لمن أراد، ونكاح ثلاث لمن أراد، ونكاح أربع لمن أراد، وكلُّ واحد من آحاد كل نوع من هذه الثلاثة لا ينحصر» (٣). - مادة (نقد) وما تصرف منها. في (مواهب الجليل): عن مسألة من صلى فرضًا فذًا أو بصبيٍّ يُندبُ له أن يعيد الصلاة مأمومًا لتحصيل أجر الجماعة، فهل يحصل له ذلك لو صلى مع واحدٍ؟ فقال شارحًا لقول خليل: (وَلَوْ مَعَ وَاحِدٍ): «قَالَ الْجُزُولِيُّ (٤): وَاخْتُلِفَ هَلْ يُعِيدُ مَعَ وَاحِدٍ؟ الْمَشْهُورُ لَا يُعِيدُ مَا لَمْ يَكُنْ إمَامًا رَاتِبًا؛ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَعَادَ بِلَا خِلَافٍ. انْتَهَى. وَصَرَّحَ بِالْإِعَادَةِ مَعَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: عُوِّلَ فِي الْإِعَادَةِ مَعَ الْوَاحِدِ غَيْرِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ عَلَى صَاحِبِ اللُّبَابِ (٥) وَابْنِ عَبْدِ

стр. 363

السَّلَامِ، وَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْحُفَّاظَ لَمْ يَجِدُوهُ فِي الْمَذْهَبِ حَتَّى انْتُقِدَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ جَعْلَهُ مُقَابِلَ الْأَصَحِّ» (١). - مادة (تلافى) وما تصرف منها. في (صحيح مسلم) عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ » (٢). قال في (إكمال المعلم) مبيّنًا مناسبة قوله: «فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ »: «فكأنه ﷺ تلافى بآخر كلامه ما قد يعارض به أوله، بأن يقال: فإنك قلت: «لكل داء دواء» ونحن نجد كثيرًا من المرضى يداوون فلا يبرؤون. فنبه على أن ذلك لفقد العلم بحقيقة المداواة لا لفقد الدواء، وهذا تتميم حسن في الحديث» (٣). - مادة (علق) وما تصرف منها. كما في (تحرير الفتاوي) يقول واصفًا عمله في الكتاب: « ... فهذا تعليق على التنبيه والمنهاج والحاوي محكم ... » (٤). وكثير من تعليقاته هي استدراكات. - مادة (ردّ) وما تصرف منها.

стр. 364

في (صحيح البخاري): عَنْ ابن شهاب (١)، أن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٢)، أخبراه عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ آمِينَ (٣). وأورد في (فتح الباري) ما يحتمله لفظ «إذا أمّن الإمام فأَمنوا» مما قد يصرِف اللفظ عن إرادة معنى أن الإمام ينطق بلفظ (آمين)، مثل أن يكون المراد: دعاؤه في الفاتحة، أو يكون المراد: إذا بلغ موضعًا يستدعي التأمين وهو قوله ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٤). وغيرها من التأويلات المحتملة، ثم قال مُعلّقًا على قول ابن شهاب: «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ آمِينَ»: «وَقَدْ رَدَّهُ اِبْنُ شِهَابٍ بِقَوْلِهِ: «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ آمِينَ». كَأَنَّهُ اِسْتَشْعَرَ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: «إِذَا أَمَّنَ» حَقِيقَةُ التَّأْمِينِ» (٥).

стр. 365

وفي (التمهيد): «وقال عثمان البيتي (١): لا بأس أن تبيع كل شيء قبل أن تقبضه، كان مكيلا أو مأكولا أو غير ذلك من جميع الأشياء. قال أبو عمر (٢): هذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام فقط، وأظنه لم يبلغه الحديث ومثل هذا لا يلتفت إليه وبالله التوفيق» (٣). - مادة (بطل) وما تصرف منها. ساق في (مجموع الفتاوى) أدلة طهارة الأرواث والأبوال من الدواب والطير التي لم تحرم، وقال في الدليل الرابع منها: «مَا ثَبَتَ وَاسْتَفَاضَ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَدْخَلَهَا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، الَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ عَلَى جَمِيعِ بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَبَرَّكَهَا حَتَّى طَافَ أُسْبُوعًا (٤). ... وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَ الدَّوَابِّ مِنْ الْعَقْلِ مَا تَمْتَنِعُ بِهِ مِنْ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ الْمَأْمُورِ بِتَطْهِيرِهِ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، فَلَوْ كَانَتْ أَبْوَالُهَا نَجِسَةً لَكَانَ فِيهِ تَعْرِيضُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِلتَّنْجِيسِ، مَعَ أَنَّ الضَّرُورَةَ مَا دَعَتْ إلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ دَعَتْ إلَيْهِ. وَلِهَذَا اسْتَنْكَرَ بَعْضُ مَنْ يَرَى تَنْجِيسَهَا إدْخَالُ الدَّوَابِّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَحَسْبُك بِقَوْلِهِ بُطْلَانًا رَدُّهُ فِي وَجْهِ السُّنَّةِ الَّتِي ريبَ فِيهَا» (٥). - مادة (نكر) وما تصرف منها.

стр. 366

قال في (الاستذكار): «ولا يختلف العلماء في وجوب الجمعة على من كان بالمصر، بالغًا من الرجال الأحرار، سمع النداء أو لم يسمعه» (١). وذكر ما روي عن ابن الزبير وعطاء (٢) في اجتماع يوم الجمعة مع يوم الفطر أنهما يُجمعان، فيُصلى ركعتان ولا يُصلى بعدهما حتى العصر. وقال عن هذا القول: «وقد روي في هذا الباب عن ابن الزبير وعطاء قول منكر، أنكره فقهاء الأمصار ولم يقل به أحد منهم» (٣). المجموعة الثانية: الوصف بذات الخلل، أو الوصف بتوقّعه، وتطبيقاتها . والوصف بذات الخلل هو أن يصرّح المُستدرك بوصف الكلام المُستدرك عليه بما يدل على رده كليًّا أو جزئيًّا، أو بما يدل على حاجته إلى الإتمام. والوصف بالخلل المتوقع هو أن يصرح المستدرك أن في الكلام مجالاً يدخل منه اللبس في الحمْل، وذلك يكون في الوهم والإيهام. وهذه نماذج تطبيقية: النموذج الأول: الوصف بالخطأ.

стр. 367

في (الأم) قال الشافعي رادّا على مذهب أهل المدينة في جزاء صيد المُحرم: «وقد أخطأ من جعل الصيد من معنى الضحايا والبدن بسبيل، ما نجد أحدًا منكم يعرف عنه في هذا شيء يجوز لأحد أن يحكيه؛ لضعف مذهبكم به، وخروجه من معنى القرآن (١) والأثر عن عمر وعثمان وابن مسعود (٢)، والقياس والمعقول ثم تناقضه» (٣). النموذج الثاني: الوصف بالغلط. وفي (جامع الأمهات): عن صيام يوم الشك: «والمنصوص النهي عن صيامه احتياطاً، وعليه العمل. وخرج اللخمي وجوبه من وجوب الإمساك على من شك في الفجر، ومن الحائض تتجاوز عادتها، وهو غلط؛ لثبوت النهي (٤)» (٥).

стр. 368

النموذج الثالث: الوصف بعدم الصحة. في (المغني): «وذهب مالك إلى أن الفيل إن ذكي فعظمه طاهر، وإلا فهو نجس؛ لأن الفيل مأكول عنده، وهو غير صحيح؛ لأن النبي ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع. متفق عليه (١). والفيل أعظمها نابًا» (٢). النموذج الرابع: الوصف بالنقص. في (مختصر خليل) عرّف التدبير بأنه: «تَعْلِيقُ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ - وَإِنْ زَوْجَةً - فِي زائد الثلث العتق بموته، لَا عَلَى وَصِيَّةٍ: كَإِنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي أو سفري هذا أو حر بعد موتي ما لم يرده ولم يعلقه، أو أنت حر بعد موتي بيوم، بِدَبَّرْتُ وَأَنْتَ مُدَبَّرٌ أَوْ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مني». شرح صاحب (الشرح الصغير) قوله: «بدبرت» فقال: «أَيْ تَعْلِيقٌ إلَخْ أَيْ: دَبَّرْتُكَ أَوْ: دَبَّرْت فُلَانًا». استُدرك على شرحه هذا بالنقص في (حاشية الصاوي على الشرح الصغير): حيث قال: «قَوْلُهُ: (أَيْ تَعْلِيقٌ إلَى آخِرِهِ): كَلَامٌ نَاقِصٌ لَا مَعْنَى لَهُ، وَلَعَلَّ حَقَّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ: تَعْلِيقُ مُكَلَّفٍ إلَخْ مُصَوَّرٌ بِدَبَّرْتُ إلَخْ» (٣). النموذج الخامس: الوصف بالإيهام. في (فتح الباري): «وَقَدْ جَاءَ عَنْ ابْن مَسْعُود شَيْء مُوهِم كَمَا جَاءَ عَنْ ابْن عَبَّاس، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ (٤) مِنْ طَرِيق صَحِيح عَنْ مَسْرُوق عَنْ ابْن مَسْعُود أَنَّهُ قَرَأَ ﴿حَتَّى إِذَا

стр. 369

اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ (١) مُخَفَّفَة، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: هُوَ الَّذِي يُكْرَه. وَلَيْسَ فِي هَذَا أَيْضًا مَا يُقْطَع بِهِ عَلَى أَنَّ ابْن مَسْعُود أَرَادَ أَنَّ الضَّمِير لِلرُّسُلِ، بَلْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الضَّمِير عِنْدَهُ لِمَنْ آمَنَ مِنْ أَتْبَاع الرُّسُل، فَإِنَّ صُدُور ذَلِكَ مِمَّنْ آمَنَ مِمَّا يُكْرَه سَمَاعه، فَلَمْ يَتَعَيَّن أَنَّهُ أَرَادَ الرُّسُل» (٢). النموذج السادس: الوصف بعدم التوجّه. قال في (بداية المجتهد) متحدّثًا عن موقف مالك من حديث ابن عباس ﵄ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْر وَالْعَصْر جميعًا، وَالْمَغْرِب وَالْعِشَاء جميعًا، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ» (٣)، فقال: «وَأَحْسَبُ أَنَّ مَالِكًا ﵀ إِنَّمَا رَدَّ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ (٤)، لِأَنَّهُ عَارَضَهُ الْعَمَلُ، فَأَخَذَ مِنْهُ بِالْبَعْضِ الَّذِي لَمْ يُعَارِضْهُ الْعَمَلُ، وَهُوَ الْجَمْعُ فِي الْحَضَرِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا جَمَعَ الْأُمَرَاءُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمَعَ مَعَهُمْ، لَكِنَّ النَّظَرَ فِي هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْعَمَلُ كَيْفَ يَكُونُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ مُتَقَدِّمِي شُيُوخِ الْمَالِكِيَّةِ كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ لَا وَجْهَ لَهُ، فَإِنَّ إِجْمَاعَ الْبَعْضِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ» (٥).

стр. 370

النموذج السابع: الوصف بالبُعد. في (الإنصاف): «تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ «الذي يَبُلُّ الثِّيَابَ» أَنْ يُوجَدَ معه مَشَقَّةٌ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا لم يَبُلَّ الثِّيَابَ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ، وهو صَحِيحٌ، وهو الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ الْجَمْعُ لِلطَّلِّ. قُلْت: وهو بَعِيدٌ» (١). المجموعة الثالثة: التعبير بما يحصل به التلافي، وتطبيقاتها . وهو أن يصرّح المستدرك بذكر نوع العمل الاستدراكي. نماذج تطبيقية: النموذج الأول: التعبير بما يدل على التصحيح. مثل: والصواب كذا، والصحيح كذا، ... وما شابه. في (الأشباه والنظائر): «وَهَلْ تَتَعَيَّنُ الْأُضْحِيَّةُ بِالنِّيَّةِ؟ قَالُوا: إنْ كَانَ فَقِيرًا وَقَدْ اشْتَرَاهَا بِنِيَّتِهَا تَعَيَّنَتْ، فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهَا، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا لَمْ تَتَعَيَّنْ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ مُطْلَقًا، فَيَتَصَدَّقُ بِهَا الْغَنِيُّ بَعْدَ أَيَّامِهَا حَيَّةً» (٢). وعدد خليل في (مختصره) ما للمكاتب فعلُه من التصرفات وذكر منها عقد النكاح، وعبّر عنه بقوله: «وتزويجٌ»، فاستدرك في (الشرح الكبير) على هذا اللفظ فقال: «والصواب تعبيره بتزوّج دون تزويج؛ لأن التزويج فعله بالغير، والتزوج فعله لنفسه» (٣). النموذج الثاني: التعبير بالزيادة. في (دقائق المنهاج): «قول (المحرر): «وفي معنى الحَجَرِ كلُّ طاهر قالع للنجاسة غير محترم» كان ينبغي أن يزيد (جامد) كما قاله (المنهاج) ليحترز عن ماء الورد والخل ونحوهما» (٤).

стр. 371

النموذج الثالث: التعبير بـ (ينبغي). عدّ في (منهاج الطالبين) شروط المبيع، وعبّر عن الشرط الثالث منها فقال: «إمكان تسليمه» (١). قال في (تحرير الفتاوي) مُستدركًا: «فيه أمران: أحدهما: كان ينبغي التعبير بالقدرة بدل الإمكان ... ؛ فإنه لا يلزم من ثبوت إمكانه القدرة عليه؛ فإن الشيء قد لا يكون مستحيلاً، ومع ذلك فلا يتمكن الشخص منه. ثانيهما: وكان ينبغي أيضًا التعبير بالتسلُّم - بضم اللام - لا بالتسليم، ليشمل مسألة بيع المغصوب ممن يقدر على انتزاعه وتسلمه، والتسليم فعل البائع» (٢). النموذج الرابع: التعبير بـ (لا يُفهم منه كذا ... ونحوه). في (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم): «وقوله: «من كان حالفًا فليحلف بالله» (٣)، لا يفهم منه قَصْرُ اليمين الجائزة على الحلف بهذا الاسم فقط، بل حكم جميع أسماء الله - تعالى - حكم هذا الاسم. فلو قال: والعزيز، والعليم، والقادر، والسميع، والبصير، لكانت يمينًا جائزة، وهذا متفق عليه. وكذلك الحكم في الحلف بصفات الله تعالى، كقوله: وعزة الله، وعلمه، وقدرته، وما أشبه ذلك مما يَتَمَحَّضُ فيه الصفة لله» (٤). النموذج الخامس: التعبير بـ (لكن). في (بدائع الصنائع): «فَإِنْ كان يُصَلِّي على الْأَرْضِ، وَالنَّجَاسَةُ بِقُرْبٍ من مَكَانِ الصَّلَاةِ، جَازَتْ صَلَاتُهُ قَلِيلَةً كانت أو كَثِيرَةً؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْجَوَازِ طَهَارَةُ مَكَانِ الصَّلَاةِ وقد وُجِدَ، لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَبْعُدَ عن مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ؛ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الصَّلَاةِ» (٥). فاستدرك بـ (لكنّ)؛ لئلا يُتوهّم أن القول بالجواز يتضمّن الاستحباب.

стр. 372

النموذج السادس: التعبير باقتراحِ الأفضل: (الأولى كذا، أو الأفضل كذا، أو الأحسن كذا، وما شابه. أو ولو قال كذا لكان أفضل، أو أحسن، أو أولى ... ونحوها). في (البحر الرائق): في كيفية التيمم: «وفي (الْخُلَاصَةِ): وَلَوْ مَسَحَ بِظَاهِرِ كَفِّهِ جَازَ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ بِبَاطِنِ كَفِّهِ. ا. هـ. وكان الْمُرَادُ بِهِ بَاطِنَ الْكَفِّ وَالْأَصَابِعَ، وَلَوْ قال بِبَاطِنِ الْيَدِ لَكَانَ أَوْلَى» (١). وفي (مغني المحتاج): «(و) يسن (أن ينتقل للنفل) أو الفرض (من موضع فرضه) أو نفله؛ لتكثير مواضع السجود؛ فإنها تشهد له. ولو قال: وأن ينتقل لصلاة من محل إلى آخر لكان أشمل وأخصر، واستغنى عن التقدير المذكور» (٢). المجموعة الرابعة: الوصف بسبب الخلل، وتطبيقاتها . هو أن يصف العمل المستدرك عليه بما تسبب عنه الخلل الذي فيه. النموذج الأول: الوصف بالوهم. في (البحر الرائق): «وَلَوْ أَطَالَ الرُّكُوعَ لِإِدْرَاكِ الْجَائِي، لَا تقربًا لله تَعَالَى، فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وفي (الذَّخِيرَةِ) وَ (الْبَدَائِعِ) وَغَيْرِهِمَا: قال أبو يُوسُفَ: سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ عن ذلك فقال: أَخْشَى عليه أَمْرًا عَظِيمًا. يَعْنِي الشِّرْكَ. وقد وَهِمَ بَعْضُهُمْ في فَهْمِ كَلَامِ الْإِمَامِ؛ فَاعْتَقَدَ منه أَنْ يَصِيرَ الْمُنْتَظِرُ مُشْرِكًا يُبَاحُ دَمُهُ، فَأَفْتَى بِإِبَاحَةِ دَمِهِ، وَهَكَذَا ظَنَّ صَاحِبُ (مُنْيَةِ الْمُصَلِّي) (٣)، فقال: يُخْشَى عليه الْكُفْرُ، وَلَا يَكْفُرُ. وَكُلٌّ مِنْهُمَا غَلِطَ، ولم يُرِدْهُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بل أَرَادَ أَنَّهُ يَخَافُ عليه

стр. 373

الشِّرْكَ في عَمَلِهِ الذي هو الرِّيَاءُ، وَإِنَّمَا لم يَقْطَعْ بِالرِّيَاءِ في عَمَلِهِ؛ لِمَا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ لِوُجُودِ الِاخْتِلَافِ» (١). النموذج الثاني: الوصف بالغفلة. في (التاج والإكليل لمختصر خليل): «وَانْظُرْ فِي الْفَرْقِ الْحَادِي وَالسِّتِّينَ وَالْمِائَةِ (٢) أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ فِي الطَّلَاقِ بِالْحَرَامِ بِمَا هُوَ مَسْطُورٌ فِي الْكُتُبِ عَنْ مَالِكٍ، حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَلَدِ ذَلِكَ الْعُرْفِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْفُتْيَا، فَإِنْ كَانَ بَلَدًا آخَرَ أَفْتَاهُ بِاعْتِبَارِ حَالِ بَلَدِهِ. وَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذَا كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ، فَأَفْتَوْا بِمَا لِلْمُتَقَدِّمِينَ وَقَدْ زَالَتْ تِلْكَ الْعَوَائِدُ، فَكَانُوا مُخْطِئِينَ خَارِقِينَ الْإِجْمَاعَ، فَإِنَّ الْمُفْتِيَ بِالْحُكْمِ الْمَبْنِيِّ عَلَى مُدْرك بَعْدَ زَوَالِ مُدْركهِ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ» (٣). النموذج الثالث: الوصف بالذهول. في مسألة لو باعه بألف فقبله بألف وخمسمئة، حكى صاحب (تحرير الفتاوي) جزم الرافعي بالبطلان، وأنه حكى عن (فتاوى القفال) الصحة واستغربه، قال صاحب (تحرير الفتاوي): «والذي في أوائل (فتاوى القفال) الجزم بالبطلان، لكنه أعاد المسألة بعد ذلك بيسير، وقال فيها: جاز أن يوجد البيع مرة أخرى. وكأنه أشار بذلك إلى الاكتفاء بوجود القبول على وفق الإيجاب مرة أخرى من غير إعادة الإيجاب، فلم يقف الرافعي على كلامه الأول، ووقف على أول الثاني ذاهلاً عن تتمته» (٤). المجموعة الخامسة: التعبير بأسلوب التشكيك، وتطبيقاتها . تطبيقاته: النموذج الأول: التعبير بـ (فيه نظر).

стр. 374

في (المجموع): «قال أصحابنا: يكره البول في الماء الراكد قليلًا كان أو كثيرًا؛ لحديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ نهى أن يبال في الماء الراكد. رواه مسلم (١) .... وأما الجاري: فإن كان قليلًا كره وإن كان كثيرًا لا يكره. هكذا قاله جماعة من أصحابنا. وفيه نظر، وينبغي أن يحرم البول في القليل مطلقًا؛ لأنه ينجسه ويتلفه على نفسه وعلى غيره، وأما الكثير الجاري فلا يحرم، لكن الأولى اجتنابه» (٢). النموذج الثاني: التعبير بـ (فيه بحث). في (الفواكه الدواني): بعد أن ذكر أن المشي في الطواف سُنةٌ قال: «وَفِي الْأُجْهُورِيِّ: أَنَّ الْمَشْيَ وَاجِبٌ فِي الطَّوَافِ الْوَاجِبِ؛ بِدَلِيلِ لُزُومِ الدَّمِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ فَسُنَّةٌ، وَلَا يَلْزَمُ الدَّمُ فِي تَرْكِهِ اخْتِيَارًا، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ السُّنَّةَ لَا يَلْزَمُ الدَّمُ بِتَرْكِهَا. وَلَنَا فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ مَنْ تَتَبَّعَ أَفْعَالَ الْحَجِّ يَجِدْ لُزُومَ الدَّمِ فِي تَرْكِ السُّنَّةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، فَتَأَمَّلْهُ» (٣). المجموعة السادسة: الأسلوب الجدلي، وتطبيقاتها . تطبيقاتها: النموذج الأول: أسلوب: (قلتُ: ... ) أو (قلتُ: ... والله أعلم). جاء في (المنهاج) عن المسبوق: «وإن أدركه راكعًا أدرك الركعة. قلتُ: بشرط أن يطمئن قبل ارتفاع الإمام عن أقل الركوع، والله أعلم». فاستدرك شرطًا للمسألة على ما ورد مُطلقًا في (المحرّر). النموذج الثاني: مادة (أجاب) وما تصرف منها. في (إحكام الأحكام) في سياق كلامه على مسألة حكم الجماعة في غير الجمعة: «ومما أجيب به عن حجة أصحاب الوجوب على الأعيان ما قاله القاضي عياض ﵀:

стр. 375

والحديث (١) حجة على داود لا له؛ لأن النبي ﷺ همّ ولم يفعل، ولأنه يخبرهم أن من تخلف عن الجماعة فصلاته غير مجزئة، وهو موضع البيان» (٢). وفي (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم) في أثناء الكلام على حديث قتل أسامة ﵁ للرجل الذي قال: لا إله إلا الله لما رفع عليه أسامةُ السلاح (٣)، فقال: «فإنْ قيل: إذا استحال أن يكونَ قتلُ أسامةَ لذلك الرجلِ عمدًا؛ لِمَا ذكرتم، وثبَتَ أنَّه خطأ، فلِمَ لم يُلْزِمْهُ الكَفَّارةَ، والعاقلةَ الديةَ؟ فالجوابُ: أنَّ ذلك مسكوتٌ عنه، وغيرُ منقولٍ شيءٌ منه في الحديث ولا في شيءٍ من طرقه؛ فيَحْتَمِلُ أن يكونَ النبي ﷺ حكَمَ بلزومِ ذلك على أسامةَ وعاقلتِهِ ولم يُنْقَلْ. وفيه بعد؛ إذْ لو وقَعَ شيءٌ من ذلك لَنُقِلَ في طريقٍ من الطرق، مع أنَّ العادة تقتضي التحدُّثَ بذلك والإشاعةَ. وَيَحْتملُ أن يقال: إنَّ ذلك كان قبل نزولِ حُكْمِ الكفَّارة والدية، والله أعلم» (٤).

стр. 376

النموذج الثالث: التعبير بـ (يُشكل عليه). في (عون المعبود): ««ليس اليوم مسلم غيري وغيرك» (١) يشكل عليه كون لوط ﵇ كان معه كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ (٢). ويمكن أن يجاب بأن مراده ليس مسلم بتلك الأرض التي وقع فيها ما وقع، ولم يكن معه لوط ﵇ إذ ذاك» (٣). فاستدرك على فهم خاطئ مُحتمل، وهو التناقض بين الحديث والآية. النموذج الرابع: أسلوب الفنقلة. والفنقلةُ نحتٌ (٤) من نحو (فإن قيلَ ... قلتُ). وهو أسلوب يُستخدم للجواب عن الاعتراضات الواردة أو المحتملة. في (المغني): «ولنا: أن في الآية (٥) قرينة تدل على أنه أريد بها الترتيب؛ فإنه أدخل ممسوحا بين مغسولين، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، والفائدة

стр. 377

ههنا الترتيب. فإن قيل: فائدته استحباب الترتيب. قلنا: الآية ما سيقت إلا لبيان الواجب ولهذا لم يذكر فيها شيئًا من السنن» (١). المجموعة السابعة: العنونة بتنبيه أو فائدة أو تتمة ونحوها، مفردةً أو مثناةً أو مجموعة، وتطبيقاتها . النموذج الأول: العنونة بـ (تنبيه). جاء في (المنهاج): في مسألة ما يُستنجى به: «وفي معنى الحَجَر كل جامد طاهر قالع غير محترم، وجلد دُبغ دون غيره في الأظهر» (٢). علق في (مغني المحتاج) على قوله: «وجلد دبغ دون غيره». فقال: «تنبيه: كان ينبغي للمصنف تقديم المنع الذي هو من أمثلة المحترم؛ فيقول: «فيمتنع بجلد طاهر غير مدبوغ دون كل مدبوغ طاهر في الأظهر»؛ فإن كلامه الآن غير منتظم؛ لأنه إن كان ابتداء كلام فلا خبر له، وإن كان معطوفًا على «كل» ... وقرئ بالرفع فيكون الجلد المدبوغ قسيمًا لكل جامد طاهر إلخ، فيكون غيره، والفرض أنه بعض منه، وإن كان مجرورًا ... عطفًا على جامد فكان ينبغي أن يقول: «ومنه جلد دبغ». أي من أمثلة هذا الجامد جلد دبغ دون جلد غير مدبوغ طاهر في الأظهر» (٣). وفي (الإنصاف): في مسألة أن النضحَ يُجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، قال: «تنبيهان: ... الثاني: مراده بقوله (٤): «الذي لم يأكل الطعام» يعني بشهوة» (٥). فاستدرك في التنبيه الثاني قيد الشهوة، لما يُفهم من كلام (المُقنع) من الإطلاق.

стр. 378

النموذج الثاني: العنونة بـ (فائدة). في (الإنصاف): «فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (١): «وَيُجَافِي عَضُدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ، وَبَطْنَهُ عن فَخِذَيْهِ». قال الْأَصْحَابُ: وَفَخِذَيْهِ عن سَاقَيْهِ. وَذَلِكَ مُقَيَّدٌ، بِمَا إذَا لم يُؤْذِ جَارَهُ، فَإِنْ آذَى جَارَهُ بِشَيْءٍ من ذلك لم يَفْعَلْهُ» (٢). وفي (مواهب الجليل): «فَائِدَتَانِ: الْأُولَى قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ (٣) الْآيَةَ. فِيهَا سُؤَالٌ، وَهُوَ وَجْهُ تَشْبِيهِ قَتْلِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ بِقَتْلِ جَمِيعِ النَّاسِ، وَإِحْيَائِهَا بِإِحْيَاءِ جَمِيعِ النَّاسِ، وَالتَّشْبِيهُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الْمُتَقَارِبِينَ جِدًّا، وَقَتْلُ جَمِيعِ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ بُعْدًا شَدِيدًا، وَكَذَلِكَ إحْيَاؤُهَا. قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْجَوَابِ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْسِ إمَامٌ مُقْسِطٌ، أَوْ حَاكِمٌ عَدْلٌ، أَوْ وَلِيٌّ تُرْتَجَى بَرَكَتُهُ الْعَامَّةُ، فَلِعُمُومِ مَنْفَعَتِهِ كَأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ، وَهُمْ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ، وَإِلَّا فَالتَّشْبِيهُ مُشْكِلٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَمَّا كَانَ قَتْلُ جَمِيعِ النَّاسِ لَا يَزِيدُ فِي الْعُقُوبَةِ عَلَى عُقُوبَةِ قَاتِلِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ شَبَّهَهُ بِهِ. قَالَ: وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ قَاعِدَةَ الشَّرْعِ تَفَاوُتُ الْعُقُوبَاتِ بِتَفَاوُتِ الْجِنَايَاتِ؛ وَلِذَا تَوَعَّدَ اللَّهُ قَاتِلَ الْوَاحِدِ بِعَذَابٍ عَظِيمٍ وَعِيدُهُ، اعْتَقَدْنَا مُضَاعَفَتَهُ فِي حَقِّ الِاثْنَيْنِ فَكَيْفَ بِجَمِيعِ النَّاسِ. انْتَهَى بِالْمَعْنَى» (٤). وفي (الإنصاف): في مسألة التطهر بالماء المسخّن بنجاسة: «فَوَائِدُ: إحْدَاهُنَّ مَحَلُّ الْخِلَافِ في الْمُسَخَّنِ بِالنَّجَاسَةِ إذَا لم يَحْتَجْ إلَيْهِ، فَإِنْ احْتِيجَ إلَيْهِ زَالَتْ الْكَرَاهَةُ، وَكَذَا الْمُشَمَّسُ إذَا قِيلَ بِالْكَرَاهَةِ» (٥). فاستدرك بذكر قيد عدم الحاجة لتحقيق مناط المسألة.

стр. 379

النموذج الثالث: العنونة بـ (تتمة). جاء في (المنهاج): «قلتُ: ولو أحدث ثم أجنب أو عكسه كفى الغسل على المذهب» (١). فهنا ذكر النووي للحدث مع الغسل والجنابة صورتين: صورة يسبق فيها الحدثُ الجنابةَ والغُسل، وصورة تسبقُه فيه الجنابة وهو يسبق الغُسل، فبقيتْ صورتان يقتضيهما العقل وهما: - أن يكون بعد الجنابة ومع الغسل. - أن يكون بعد الجنابة والغسل. أما الأخيرة فغير مؤثرة فلا حاجة للكلام عنها؛ لتمام طهارة الغُسل، بقيت التي قبلها وهي التي استدركها في (مغني المحتاج) قائلاً: «تتمة: لو أحدث في أثناء غسله جاز أن يتمه، ولا يمنع الحدث صحته، لكن لا يصلي به حتى يتوضأ، كذا في (زوائد الروضة)، وهو محمول - كما قال الإسنوي - على ما إذا أحدث بعد فراغ أعضاء الوضوء، أما قبل الفراغ فيأتي ببقية أعضاء الوضوء مرتبة، ولا يحتاج إلى استئنافه» (٢). المجموعة الثامنة: التذييل بالأمر بالتأمل والتدبر والفهم والعلم ونحوها . النموذج الأول: الأمر بالتأمل. في (الفواكه الدواني): «لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ (٣) مَا يَثْبُتُ بِهِ حَدُّ الْقَذْفِ، وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ عَلَى الْقَذْفِ أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي ثُبُوتِهِ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ. قَالَ الْقَرَافِيّ: يَجْرِي فِيهِ مَا جَرَى فِي شَهَادَتِهِنَّ عَلَى جِرَاحِ الْعَمْدِ، وَفِي الْقِصَاصِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ. وَأَقُولُ: قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْقَذْفِ وَجِرَاحِ الْعَمْدِ بِأَنَّ الْجِرَاحَ قَدْ تَؤولُ إلَى الْمَالِ وَهُوَ مَحَلٌّ لِشَهَادَتِهِنَّ بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ فَتَأَمَّلْهُ» (٤).

стр. 380

النموذج الثاني: الأمر بالتدبر. نقل في (شرح البهجة الوردية) عن (حاشية العبادي على شرح المنهج) كلامَ السبكي: «وَقِيلَ إنَّ الْمُعَامَلَةَ فِي زَمَنِهِ (١) كَانَتْ بِالْبَغْلِيِّ وَبِالطَّبَرِيِّ (٢) عَلَى السَّوَاءِ، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مِئَةٍ مِنْ هَذَا وَمِئَةٍ مِنْ هَذَا، وَذَلِكَ مِئَتَانِ مِنْ وَزْنِ الْيَوْمِ فَلَا اخْتِلَافَ. ا. هـ». ثم قال مستدركًا: «وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ مِنْ أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَرَدَتْ فِي الْحَدِيثِ فَكَيْفَ تَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِ الْمُتَعَامَلِ بِهِ فِي زَمَنِهِ ﷺ ؟ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا عَلَى هَذَا هُوَ الْمُتَعَامَلُ بِهِ، وَالْإِجْمَاعُ وَقَعَ عَلَى أَنَّ الْمِئَتَيْنِ مِنْ الدِّرْهَمِ الَّذِي اتُّفِقَ عَلَيْهِ آخِرًا تُسَاوِي الْمِائَتَيْنِ مِنْ الدِّرْهَمِ الَّذِي كَانَ يُتَعَامَلُ بِهِ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ فَتَدَبَّرْ» (٣). النموذج الثالث: الأمر بالفهم. في (البحر الرائق): «وَاعْلَمْ أَنَّهُ ليس الْمُرَادُ أَنَّ اللِّعَانَ قَائِمٌ مَقَامَ الْحَدَّيْنِ في حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ في حَقِّهِ إنْ كان كَاذِبًا وَهِيَ صَادِقَةٌ، وَقَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الزِّنَا في حَقِّهَا إنْ كانت كَاذِبَةً وهو صَادِقٌ فَافْهَمْ» (٤). النموذج الرابع: الأمر بالعلم. في (الإنصاف): «قَوْلُهُ (٥): «وُجُوبُ الْبَدَنَةِ بِوَطْئِهِ في الْحَجِّ، وَالشَّاةِ بِوَطْئِهِ في الْعُمْرَةِ» إنَّمَا هو من حَيْثُ الْجُمْلَةُ، أَمَّا من حَيْثُ التَّفْصِيلُ فَقَدْ تَقَدَّمَ في آخِرِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، فإنه تَارَةً يَكُونُ قبل التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، وَتَارَةً بَعْدَهُ وما فيه من الْخِلَافِ فَلْيُعْلَمْ ذلك» (٦).

стр. 381

المبحث الثاني: الأساليب المعنوية للاستدراك الفقهي، وتطبيقاتها . وأعني بها ما يدل على استدراك فقهي، ولكن ليس بطريق صريح، بل بطريق ضمني، يُفهم من دلالات خارجة عن النص، ويُساعد في معرفة هذا الأسلوب: - التتبع التاريخي للخلاف الفقهي، من انقسامه إلى فريق أهل الرأي وأهل الحديث، ثم إلى المدارس الفقهية، فلا تخلو كتب كل فئة من استدلال أو تقرير يُستدرَك به ضِمنًا على المُخالف. - معرفة الشخصيات الفقهية التي عُرف بينها الترادّ والاختلاف في الرأي. ودلالة هذا الأسلوب دلالة ظنية، تقوى وتضعُف لدى الباحث حسب قرائن الحال المُحيطة بالنص الفقهي. في (الاتجاهات الفقهية) عن آراء البخاري في (صحيحه): «لكن البخاري في هذه المواضع التي يبدي فيها رأيه، لا يعني بالضرورة أن يقصد الرد على أهل الرأي، وإنما نسبة ذلك إليه اجتهاد وظن، راجع إلى الباحثين، لا نستطيع أن ننسبه صراحة إليه. أما الذي يمكن نسبته إليه، فهو ما صرح فيه بالرد على مخالفيه، الذين أطلق عليهم (بعض الناس) في (صحيحه)، أو ناقشهم في مؤلفات خاصة» (١). وهذه تطبيقات لبعض الأساليب المعنوية: النموذج الأول: تقرير الاستدلال بالنصوص تقريرًا مُشعِرًا بالردّ. روى البخاري في (صحيحه): عن سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِيمَا سَقَت السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» (٢).

стр. 382

ثم روى بعده حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ (١) صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ مِنْ الْإِبِلِ الذَّوْدِ (٢) صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ (٣) مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ» (٤). وقال بعده: «هَذَا تَفْسِيرُ الْأَوَّلِ؛ إِذَا قَالَ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَيُؤْخَذُ أَبَدًا فِي الْعِلْمِ بِمَا زَادَ أَهْلُ الثَّبَتِ أَوْ بَيَّنُوا» (٥). قال السندي (٦) مُعلّقًا: «ومراده الرد على أبي حنيفة حيث أخذ بإطلاق حديث ابن عمر ... ، فأشار إلى أنه حديث مبهم، يفسره حديث أبي سعيد» (٧). النموذج الثاني: إيراد قول من يعتد به في المذهب بعد نصٍّ مما يُشعر بميل سائق القول بمضمون القول المسوق. في (مختصر خليل) في الوقت المختار لصلاة المغرب: «وَلِلْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ تُقَدَّرُ بِفِعْلِهَا بَعْدَ شُرُوطِهَا». بمعنى أنه يجوز تأخيرها بقدر فعلها - وهو الركعات

стр. 383

الثلاث - مضافًا إليه قدر تحصيل شروطها من طهارتي الحدث والخبث واستقبال القبلة وستر العورة، وزِيد الأذان والإقامة (١). قال في (التاج والإكليل): «فِيهَا: وَقْتُ الْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ لَا تُؤَخَّرُ. ابْنُ رُشْدٍ: إلَّا لِعُذْرٍ، مِثْلِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِلْمَرِيضِ، وَالْمَطَرِ، وَالْمُسَافِرِ. ثُمَّ قَالَ: فَحَصَلَ الْإِجْمَاعُ أَنَّ الْمُبَادَرَةَ بِالْمَغْرِبِ عِنْدَ الْغُرُوبِ أَفْضَلُ» (٢). فحكاية قول ابن رشد فيه الإرشاد إلى ما تضمه قوله من الاستدراك بالتقييد بالعذر في التأخير. النموذج الثالث: ذكر لوازم فاسدة للنص مما يُشعر بردّه وأن الصواب خلافه. حكى في (الاستذكار) أن سعيد بن المسيب والحسن البصري يقولان بغسل الشهيد، وقال: «لا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال بقول سعيد بن المسيب والحسن البصري في غسل الشهداء إلا عبيد الله بن الحسن العنبري (٣)، وليس ما قالوه من ذلك بشيء» (٤).

стр. 384

ثم قال: «واحتج بعض من ذهب من المتأخرين مذهب سعيد والحسن في ترك غسل الشهداء (١) بقوله ﵇ في شهداء أحد: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» (٢). قال: وهذا يدل على خصوصهم، وأنهم لا يشركهم في ذلك غيرهم كما لا يشركهم في شهادة النبي ﷺ . قال أبو عمر (٣): يلزمه أن يقول في المحرم الذي وقصته ناقته أن لا يفعل بغيره من المسلمين كما فعل رسول الله ﷺ به؛ لأنه قال فيه: «يبعث يوم القيامة ملبيا» (٤). وهو لا يقول بذلك» (٥).

стр. 385

النموذج الرابع: النفي أو الإثبات المشعران بالخلاف مع اعتبار قرائن الحال؛ ويقوى الظنُّ عند شُهرة القول المُخالف. جاء في (الابتهاج في شرح المنهاج): «وَلاَ فَرْقَ فِيْ تَسْمِيَتِهِ صَدَاقَاً وَمَهْرَاً بَيْنَ أَنْ يَكُوْنَ مُسَمَّىً فِيْ العَقْدِ أَوْ وَاجِبَاً بِالوَطْءِ؛ فَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيْثِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» (١)، وَفِيهِ فِي رِوَايَةٍ: «فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الصَّدَاقُ» (٢)، وَفِيْ رِوَايَةٍ: «فَلَهَا الْمَهْرُ» (٣)» (٤). فالنفي في قوله: «وَلاَ فَرْقَ فِيْ تَسْمِيَتِهِ صَدَاقَاً وَمَهْرَاً بَيْنَ أَنْ يَكُوْنَ مُسَمَّىً فِي العَقْدِ أَوْ وَاجِبَاً بِالوَطْءِ»، ثم استدلاله على صحة هذا النفي يظهَر أنه استدراكٌ على من فرّق بينهما، مما حُكي في كتب الفقه، كما في (أسنى المطالب): «وَقِيلَ الصَّدَاقُ ما وَجَبَ بِتَسْمِيَةٍ في الْعَقْدِ، وَالْمَهْرُ ما وَجَبَ بِغَيْرِ ذلك» (٥).

стр. 386

الفصل الثامن مظان الاستدراكات الفقهية، وتطبيقاتها . وتحته تمهيد وثلاثة مباحث: تمهيد: نظرة تاريخية في الاستدراك الفقهي. المبحث الأول: مظان الاستدراكات الفقهية باعتبار الفقهاء، وتطبيقاتها. المبحث الثاني: مظان الاستدراكات الفقهية باعتبار المسائل الفقهية، وتطبيقاتها. المبحث الثالث: مظان الاستدراكات الفقهية باعتبار الكتب، وتطبيقاتها.

стр. 387

لا يكاد يخلو مصنف فقهي من استدراكات، ولكني هنا أذكر المظان التي تكون فيها الاستدراكات الفقهية أقرب تناولاً. وبالتأمل في طبيعة البحث في استدراكات الفقهاء في النماذج السابقة وغيرها، وفيما تيسر لي الاطلاع عليه من الدراسات المُهتمة بـ (النقد الفقهي) (١) وبتاريخ الفقه وفلسفته (٢)، تحصّل لي أن مظان الاستدراكات الفقهية لها عدة اعتبارات، يُمكن من خلالها لمُّ أجناس المظان، لأكوّن منها مباحث هذا الفصل. تمهيد: نظرة تاريخية في الاستدراك الفقهي . كان النبي ﷺ يستدرك على أصحابه في الفهم والتطبيق، وهذا من طبيعة البلاغ المبين الذي كُلّف به. ونشطت الحركة الاستدراكية بعد وفاة النبي ﷺ ، حيث انقطع الوحي، وحمل بعض الصحابة من النصوص ما ليس عند بعضهم الآخر، ولبعضهم مزيد اجتهاد وفقه في الاستنباط ما ليس عند بعضهم الآخر، فبلّغوا النصوص، وتبادلوا - مع ذلك - وجوه الاستنباط منها، وعانوا استنباط حكم المسائل عند غياب النص أو إجماله، ويحصل من جرّاء ذلك خلاف واستدراك (٣).

стр. 388

ثم لما تفرّق الصحابة في الأمصار - وهم متفاوتون في معرفة النصوص كمًّا وكيفًا -، وظهرت مدرستي أهل العراق وأهل الحجاز كثرت الاستدراكات الفقهية في الاستدلال والأدلة، ولنعتبر في هذا بـ (كتاب الأم) للشافعي، و (الحجة على أهل المدينة) لمحمد بن الحسن، ومراسلات مالك والليث في شأن دليل عمل أهل المدينة. ثم لما استقرّت المذاهب تبادل منتسبوها الاستدراكات الفقهية في صورة الموسوعات الفقهية في كتب الخلاف العالي، وفي صورة مجالس الجدل والمناظرة التي انتشرت من أوائل القرن الرابع الهجري (١) خصوصًا بين الحنفية والشافعية. ثم لما كثرت التصانيف في المذاهب التفت الفقهاء إلى تنقيح مذاهبهم (٢)؛ خوفَ ضياعها، ونسبةِ ما ليس منها إليها، فكثرت الاستدراكات الداخلية فيما يمكن أن نسميه (الاستدراك النازل) تشبيهًا بـ (الخلاف النازل)، بعد أن كان التوجه العام لدى المستدركين الفقهاء إلى ما يمكن أن نسميه (الاستدراك العالي) تشبيهًا بـ (الخلاف العالي). ثم لما استحكم فشو التقليد من حوالي منتصف القرن السابع (٣) قلّ الاستدراك الفقهي بنوعيه: العالي والنازل، وكثرت الاستدراكات على المتون وشروحها بالحواشي والتعليقات مما يتعلق بدلالات ألفاظها غالبًا. وعصرنا الحاضر يشهد نموًّا واهتمامًا بالدراسات النقدية والاستدراكية الفقهية، تأصيلاً وتطبيقًا، وبحسب اطّلاعي فإن الباحثين من المغرب العربي أكثر من غيرهم دراسة لهذا المجال، من ناحية تقعيد النقد الفقهي، مما له علاقة وثيقة بالدراسة الاستدراكية الفقهية. وبعد هذا التمهيد أُناقش الاعتبارات لمظان الاستدراكات الفقهية في المباحث التالية:

стр. 389

المبحث الأول: مظان الاستدراكات الفقهية باعتبار الفقهاء، وتطبيقاتها . حيث برز الجانب الاستدراكي الفقهي لدى ثلة من الفقهاء، ورأيت أن حصرهم بالأوصاف أجمع وأخصر من حصرهم بالأشخاص، كما أن الحصر بالأشخاص لا يؤمنُ معه فَوْت ذكر ثلة منهم، ممن قد يكونون أهم ذكرًا من غيرهم. ويُمكن للباحث أن يهتدي إليهم بأمارات تحصّل لي منها: ١ - من وُصفوا بالتدقيق، أو التحقيق، أو التجديد، أو بشيخ الإسلام، أو الاجتهاد المطلق، وقد يُصرّح بأنهم اشتغلوا بالاستدراك أو النقد أو التعقب وما شابه أحيانًا. لأن هذه الصفات هي صفات المستدركين. ٢ - من عُرف عنه التفنُّن في العلوم مع علم الفقه؛ لأن ذلك يؤهّل للاستدراك؛ للتمكن من عدة معايير (١). ٣ - من عرف عنه الاشتغال بعلمي التفسير والفقه. ٤ - من عُرف عنه الاشتغال بعلمي الحديث والفقه. لأن الجمع في الاشتغال بأحد العلمين مع الفقه يؤهل الفقيه للنظر في الأحكام وتعييرها بالدليل، مما يجعل له - غالبًا - نظرًا مستقلًّا عما نشأ عليه من مذهب، يحصل من جرّائه - غالبًا - النقد والاستدراك. ٥ - من عُرف عنه الاشتغال بعلم الأصول مع الفروع؛ لأن الاشتغال بعلم الأصول يُمكّن من هذا المعيار المهم في الاستدراك الفقهي، وتعيير الفروع عليه. ٦ - من اشتهر بالجدل والمناظرة، والرد على المخالفين. لأن الجدل والمناظرة والرد من مظان الاستدراكات الفقهية، كما سيأتي في المبحث الثالث. ٧ - من تلقى من أكثر من مدرسة، لأن تنوع الشيوخ والمدارس يوسّع

стр. 390

النظر في المُدركات والفروع المبنية عليها، مما له الأثر في تجديد النظر في هذه الفروع، وتعييرها بالدليل بنظر استدراكي. وهذه نماذج لهذه الأوصاف. - الوصف بالاستدراك أو النقد أو التعقب، وما شابه. وهذه الأوصاف ترتفع عن المظنّة إلى المئنّة؛ لأنها صريحة في العمل الاستدراكي. من ذلك ما في (النوادر والزيادات): «ومن لم يكن فيه مَحملُ الاختيار للقول لتقصيره فله في اختيار المُعقّبين من أصحابنا من نُقّادهم مَقنعٌ، مثل سحنون، وأصبغ (١)،
следующие страницы →