لا يكاد يخلو مصنف فقهي من استدراكات، ولكني هنا أذكر المظان التي تكون فيها الاستدراكات الفقهية أقرب تناولاً.
وبالتأمل في طبيعة البحث في استدراكات الفقهاء في النماذج السابقة وغيرها، وفيما تيسر لي الاطلاع عليه من الدراسات المُهتمة بـ (النقد الفقهي) (١) وبتاريخ الفقه وفلسفته (٢)، تحصّل لي أن مظان الاستدراكات الفقهية لها عدة اعتبارات، يُمكن من خلالها لمُّ أجناس المظان، لأكوّن منها مباحث هذا الفصل.
تمهيد: نظرة تاريخية في الاستدراك الفقهي .
كان النبي ﷺ يستدرك على أصحابه في الفهم والتطبيق، وهذا من طبيعة البلاغ المبين الذي كُلّف به.
ونشطت الحركة الاستدراكية بعد وفاة النبي ﷺ ، حيث انقطع الوحي، وحمل بعض الصحابة من النصوص ما ليس عند بعضهم الآخر، ولبعضهم مزيد اجتهاد وفقه في الاستنباط ما ليس عند بعضهم الآخر، فبلّغوا النصوص، وتبادلوا - مع ذلك - وجوه الاستنباط منها، وعانوا استنباط حكم المسائل عند غياب النص أو إجماله، ويحصل من جرّاء ذلك خلاف واستدراك (٣).
стр. 388
ثم لما تفرّق الصحابة في الأمصار - وهم متفاوتون في معرفة النصوص كمًّا وكيفًا -، وظهرت مدرستي أهل العراق وأهل الحجاز كثرت الاستدراكات الفقهية في الاستدلال والأدلة، ولنعتبر في هذا بـ (كتاب الأم) للشافعي، و (الحجة على أهل المدينة) لمحمد بن الحسن، ومراسلات مالك والليث في شأن دليل عمل أهل المدينة.
ثم لما استقرّت المذاهب تبادل منتسبوها الاستدراكات الفقهية في صورة الموسوعات الفقهية في كتب الخلاف العالي، وفي صورة مجالس الجدل والمناظرة التي انتشرت من أوائل القرن الرابع الهجري (١) خصوصًا بين الحنفية والشافعية.
ثم لما كثرت التصانيف في المذاهب التفت الفقهاء إلى تنقيح مذاهبهم (٢)؛ خوفَ ضياعها، ونسبةِ ما ليس منها إليها، فكثرت الاستدراكات الداخلية فيما يمكن أن نسميه (الاستدراك النازل) تشبيهًا بـ (الخلاف النازل)، بعد أن كان التوجه العام لدى المستدركين الفقهاء إلى ما يمكن أن نسميه (الاستدراك العالي) تشبيهًا بـ (الخلاف العالي).
ثم لما استحكم فشو التقليد من حوالي منتصف القرن السابع (٣) قلّ الاستدراك الفقهي بنوعيه: العالي والنازل، وكثرت الاستدراكات على المتون وشروحها بالحواشي والتعليقات مما يتعلق بدلالات ألفاظها غالبًا.
وعصرنا الحاضر يشهد نموًّا واهتمامًا بالدراسات النقدية والاستدراكية الفقهية، تأصيلاً وتطبيقًا، وبحسب اطّلاعي فإن الباحثين من المغرب العربي أكثر من غيرهم دراسة لهذا المجال، من ناحية تقعيد النقد الفقهي، مما له علاقة وثيقة بالدراسة الاستدراكية الفقهية.
وبعد هذا التمهيد أُناقش الاعتبارات لمظان الاستدراكات الفقهية في المباحث التالية:
стр. 389
المبحث الأول: مظان الاستدراكات الفقهية باعتبار الفقهاء، وتطبيقاتها .
حيث برز الجانب الاستدراكي الفقهي لدى ثلة من الفقهاء، ورأيت أن حصرهم بالأوصاف أجمع وأخصر من حصرهم بالأشخاص، كما أن الحصر بالأشخاص لا يؤمنُ معه فَوْت ذكر ثلة منهم، ممن قد يكونون أهم ذكرًا من غيرهم.
ويُمكن للباحث أن يهتدي إليهم بأمارات تحصّل لي منها:
١ - من وُصفوا بالتدقيق، أو التحقيق، أو التجديد، أو بشيخ الإسلام، أو الاجتهاد المطلق، وقد يُصرّح بأنهم اشتغلوا بالاستدراك أو النقد أو التعقب وما شابه أحيانًا.
لأن هذه الصفات هي صفات المستدركين.
٢ - من عُرف عنه التفنُّن في العلوم مع علم الفقه؛ لأن ذلك يؤهّل للاستدراك؛ للتمكن من عدة معايير (١).
٣ - من عرف عنه الاشتغال بعلمي التفسير والفقه.
٤ - من عُرف عنه الاشتغال بعلمي الحديث والفقه.
لأن الجمع في الاشتغال بأحد العلمين مع الفقه يؤهل الفقيه للنظر في الأحكام وتعييرها بالدليل، مما يجعل له - غالبًا - نظرًا مستقلًّا عما نشأ عليه من مذهب، يحصل من جرّائه - غالبًا - النقد والاستدراك.
٥ - من عُرف عنه الاشتغال بعلم الأصول مع الفروع؛ لأن الاشتغال بعلم الأصول يُمكّن من هذا المعيار المهم في الاستدراك الفقهي، وتعيير الفروع عليه.
٦ - من اشتهر بالجدل والمناظرة، والرد على المخالفين.
لأن الجدل والمناظرة والرد من مظان الاستدراكات الفقهية، كما سيأتي في المبحث الثالث.
٧ - من تلقى من أكثر من مدرسة، لأن تنوع الشيوخ والمدارس يوسّع
стр. 390
النظر في المُدركات والفروع المبنية عليها، مما له الأثر في تجديد النظر في هذه الفروع، وتعييرها بالدليل بنظر استدراكي.
وهذه نماذج لهذه الأوصاف.
- الوصف بالاستدراك أو النقد أو التعقب، وما شابه.
وهذه الأوصاف ترتفع عن المظنّة إلى المئنّة؛ لأنها صريحة في العمل الاستدراكي.
من ذلك ما في (النوادر والزيادات): «ومن لم يكن فيه مَحملُ الاختيار للقول لتقصيره فله في اختيار المُعقّبين من أصحابنا من نُقّادهم مَقنعٌ، مثل سحنون، وأصبغ (١)،
стр. 391
وعيسى بن دينار (١)، ... ومن بعدهم، مثل ابن الموّاز (٢)،
وابن عبدوس (٣)، وابن سحنون ... » (٤).
وقال ابن عاشور: «وتكوّن بالإمام اللخمي الإمام أبو عبد الله المازري، فكان مع الحلبة التي عاصرته من الفقهاء الذين نستطيع أن نذكر منهم على سبيل المثال الواضح أربعة: وهم المازري، وابن بشير (٥)، وابن رشد الكبير، والقاضي عياض. فهؤلاء هم
стр. 392
الذين سلكوا طريقة جديدة في خدمة الحكم هي الطريقة النقدية التي أسسها أبو الحسن اللخمي» (١).
وقال الباحث عشاق عن النقد الخارجي (٢) في المذهب المالكي: «وقد تألق في هذه الناحية حذاق مالكية العراق، كبكر بن العلاء القشيري (٣)، وأبي الطاهر الذهلي (٤)، وأبي الحسن بن القصار (٥)،
وأبي بكر الأبهري، وأبي بكر الباقلاني (٦)، والقاضي
стр. 393
إسماعيل (١)، والقاضي عبد الوهاب، وأمثالهم، ممن اشتهروا بدقة النظر ونفوذ النقد في تحرير الدلائل» (٢).
وكالإمامين الرافعي والنووي في جهودهما لتنقيح المذهب الشافعي، ومن بعدهما ابن حجر الهيتمي (٣)
والرملي (٤)(٥)، فهؤلاء وُصفوا بمنقحي المذهب، وقد قام مشروع رسائل علمية بالجامعة الإسلامية على استدراكات الإمام النووي على الإمام الرافعي (٦).
وقال علاء الدين بن عابدين (٧)
عن والده محمد أمين بن عابدين صاحب (رد المحتار): «وكان ﵀ مغرمًا بتصحيح الكتب والكتابة عليها، فلا يدع شيئًا من
стр. 394
قيد أو اعتراض أو تنبيه أو جواب أو تتمة إلا ويكتبه على الهامش ... وكان - رحمه الله تعالى - حريصًا على إصلاح الكتب، لا يمر على موضع منها فيه غلط إلا أصلحه وكتب عليه ما يناسبه» (١).
- الوصف بالتدقيق والتحقيق، وما شابه.
منهم المازري، قال عنه في (شجرة النور الزكية): «خاتمة العلماء المحققين، والأئمة الأعلام المجتهدين» (٢).
وقد اهتم بالاستدراك على شيخه اللخمي، ومن استدراكاته عليه وعلى غيره ما في (كتاب المعلم بفوائد مسلم) و (التعليقة على المدونة) و (شرح التلقين) وله كتاب في الرد على (الإحياء) للغزالي سمّاه (الكشف والإنباء عن المترجم بالإحياء).
ومنهم اللكنوي، قال عنه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: «فخر المتأخرين، ونادرة المحققين المنصفين ... وكان ذا فتوح رباني عظيم في المسائل المعضلة، والمباحث الدقيقة المشكلة» (٣).
واستدراكاته منثورة في كتبه ورسائله وحواشيه وتعليقاته، وأفاد الباحث/ صلاح أبو الحاج أن من مميزات المنهج الفقهي عند اللكنوي: كثرة استدراكه على العلماء الذين ينقل عنهم (٤).
стр. 395
- الوصف بالتجديد:
منهم أبو حامد الإسفراييني (١)، جاء في (سير أعلام النبلاء): «وَكَانَ بَعْضُ العُلَمَاء يعدُّ أَبَا الطَّيِّبِ (٢) المجدِّدَ للأُمَّة دِيْنَهَا عَلَى رَأْسِ الأَرْبَعمئَة، وَبَعْضُهُم عدَّ ابْن البَاقِلاَّنِيّ، وَبَعْضُهُم عدَّ الشَّيْخ أَبَا حَامِدٍ الإِسْفَرَايِيْنِيّ، وَهُوَ أَرجحُ الثَّلاَثَة» (٣).
له تعاليق على شرح المزني، وتعاليق في الأصول (٤). وعُرف بجودة المناظرة (٥)، دّونتها كتب التراجم (٦).
ومنهم: محمد بن محمود بن أبى بكر الونكري السوداني، ... الملقب ببغيع التنبكتي المالكي (٧).
стр. 396
قال في (الأعلام): «وهو عند بعضهم مجدد القرن العاشر» (١).
له تعاليق وطرر فيها الاستدراك على هفوات لشراح خليل وغيره، واستدرك على ما في شرح التتائي الكبير من السهو نقلاً وتقريرًا، جمعها تلميذه أحمد بابا التنبكتي في تأليف مستقل (٢).
- الوصف بشيخ الإسلام:
وممن لقب به:
مُحَمَّدُ بنُ نَصْرِ بنِ الحَجَّاجِ المَرْوَزِيُّ (٣)، ومن استدراكاته ما في كتابه (تعظيم قدر الصلاة).
ومنهم ابْنُ خُزَيْمَةَ (٤)، ومن استدراكاته ما في (صحيحه).
стр. 397
ومنهم ابن الرفعة الشافعي (١)، ومن استدراكاته ما في كتابه (كفاية النبيه) (٢).
стр. 398
- الوصف بالاجتهاد المطلق.
كالإمام الشافعي، وقد أودع الشافعي كثيرًا من استدراكاته في كتابه (الأم).
وكذا ابن جرير الطبري (١)، ومن استدراكاته ما في كتابه (تهذيب الآثار).
стр. 399
كذا تقي الدين ابن تيمية (١)، ... ومن استدراكاته ما في (مجموع الفتاوى) مثلاً (٢).
- من عُرف عنه التفنُّن في العلوم مع علم الفقه:
منهم ابن رشد الحفيد (٣)، قال عنه في (الديباج المذهب): «المعترف له بصحة النظر، وجودة التأليف، ودقة الفقه، وكان إليه المفزع في المشكلات، بصيراً بالأصول والفروع والفرائض والتفنن في العلوم» (٤). ومن استدراكاته ما في (البيان والتحصيل) و (بداية المجتهد)، و (المقدمات الممهدات).
ومنهم ابن القيم، قال عنه في (الذيل على طبقات الحنابلة): «وتفنن في علوم الإسلام، وكان عارفًا بالتفسير لا يُجارى فيه، وبأصول الدين، وإليه فيهما المنتهى، والحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله، وبالعربية، وله فيها اليد الطولى، وبعلم الكلام والنحو وغير ذلك، وكان عالمًا بعلم السلوك، وكلام أهل التصوف، وإشاراتهم ودقائقهم، له في كل فنّ من هذه الفنون اليد الطولى» (٥).
ومن استدراكاته ما في كتابه (إعلام الموقعين).
стр. 400
- من عرف عنه الاشتغال بعلمي التفسير والفقه.
منهم محمد الأمين الشنقيطي كما في (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن).
- من عُرف عنه الاشتغال بعلمي الحديث والفقه.
منهم ابن عبد البر (١)، ومن استدراكاته ما في (الاستذكار).
ومنهم ابن رجب الحنبلي (٢)، ومن استدراكاته ما في كتابه (فتح الباري).
- من عُرف عنه الاشتغال بعلم الأصول مع الفروع.
منهم الغزالي، ومن استدراكاته ما في (المستصفى)، و (شفاء الغليل).
ومنهم القرافي، ومن استدراكاته ما في (شرح التنقيح)، و (نفائس الأصول).
- من اشتهر بالجدل والمناظرة، والرد على المخالفين.
منه ما تُشير إليه كتب التراجم من مناظرات أبي الحسين القدوري الحنفي (٣)(٤)
стр. 401
وأبي إسحاق الشيرازي (١)(٢)، والدامغاني (٣)(٤).
وأن الدبوسي الحنفي يُضرب به المثل في النظر واستخراج الحجج، وله مناظرات في بخارى (٥) وسمرقند (٦). (٧)
стр. 402
وفي (الفكر السامي) في كلامه عن أبي الطيب الطبري (١):
«يُفتي ويستدرك على الفقهاء الخطأ، ويقضي ببغداد ... وله مناظرت مع القدوري والطالقاني (٢) الحنفيين» (٣).
وعدّ الباحث/ عشاق من المالكية النقاد الذين اشتهروا بالذب عن المدنيين والرد على المخالفين: أبو العباس عبد الله بن طالب (٤)، ويحيى بن عمر (٥)،
وسعيد بن
стр. 403
الحداد (١) وكان شديدًا على داود وأبي حنيفة، وابن البرذون (٢)، وتميم بن أحمد أبو علي بن تميم (٣)، والقلانسي (٤)،
وعبد الله بن إسحاق أبو محمد بن التبان (٥)، وخاتمة أئمة
стр. 404
القيروان أبو القاسم ... السيوري (١).
- من تلقى من أكثر من مدرسة:
منهم محمد بن الحسن، سمع من أبي حنيفة، وتلقى عن مالك، وناظر الشافعي (٢)، مما نتج عنه أثر كبير على فكره الفقهي الاستدراكي، ويظهر ذلك في (روايته للموطأ)، و (الحجة على أهل المدينة).
ومنهم الباجي (٣). «قال ... الجياني (٤): وكان مقامه بالمشرق نحو ثلاثة عشر عاماً، وجلّ قدره بالشرق والأندلس،
стр. 405
وسمع منه بالمشرق نحو ثلاثة عشر عاماً وحاز الرئاسة بالأندلس، فأخذ عنه بها علم كثير وسمع منه جماعة» (١).
ومن استدراكاته ما في (المنتقى شرح الموطأ)، وله مناظرات مع ابن حزم الظاهري في الأندلس.
ومنهم ابن دقيق العيد، فقد تفقه على والده وكان والده مالكيًّا، ثم تفقه على العز بن عبد السلام - وهو شافعي - فحقق المذهبين (٢).
ومن استدراكاته ما في (الإحكام في شرح عمدة الأحكام) و (شرح الإلمام).
стр. 406
المبحث الثاني: مظان الاستدراكات الفقهية باعتبار المسائل الفقهية، وتطبيقاتها .
ففي الفقه مسائل كثرت حولها الاستدراكات، وكانت موضع شدّ وجذب بين الفقهاء.
هذه المسائل جمع ابنُ القيم جملةً منها في (إعلام الموقعين) وهي المسائل التي انتقد فيها أهلَ الرأي، وأظهر تناقضهم فيها.
كما انتقد منها قبله الإمام البخاري في (صحيحه) في مواجهته لأهل الرأي، وقد سردها د. عبد المجيد محمود، وأفاد أن بعض علماء الهند عني بالرد والاحتجاج لها في كتاب سماه (رفع الالتباس عن بعض الناس) (١).
وفي مدخله إلى نظرية النقد، سرد د. أبو أمامة بن الشلي رؤوس المسائل والقضايا ذات الصلة بالنقد (٢). ومما ذكره مما يدخل في مبحثنا هنا:
- اختلافات الصحابة وانتقادات عائشة ﵂ لهم.
- شدائد ابن عمر ورخص ابن عباس وشواذ ابن مسعود، ﵃.
- مسألة التعليل ومواقف العلماء من تعليل الأحكام.
- مسألة التحسين والتقبيح.
- مسألة علاقة العقل بالنقل وأيهما يقدم؟
- مسألة المصوبة والمخطئة.
- تناهي النصوص وعدم تناهي الوقائع والحاجة إلى القياس.
- مسألة علاقة اللفظ بالمعنى، أو الظاهر بالباطن.
- مسألة التأويل الصحيح والفاسد.
- نقد المنطق الأرسطي من قبل الفقهاء.
- تأثير البلاط على الفقه والفقهاء.
- مسائل الاستصلاح والاستحسان، وتقديم المصلحة على النص.
стр. 407
- مسائل الحقيقة والشريعة.
- مسألة التقليد، وغلق باب الاجتهاد.
стр. 408
المبحث الثالث: مظان الاستدراكات الفقهية باعتبار الكتب، وتطبيقاتها .
أُسجلها في المجموعات التالية:
- يهديك مسمى الكتاب أنه من مظان الاستدراكات الفقهية، وذلك بأن يحمل اسم الاستدراك، النقد، الرد، النُّكت، التحرير، التنقيح، وما يُشارك هذه الألفاظ في مادتها.
- كتب الحواشي، والتعاليق؛ فإن الاستدراك من مهامّ المُحشّي والمعلّق.
- كتب الحوادث والبدع؛ لأنه مهمتها الاستدراك على ما يظهر بين الناس من مخالفات شرعية، حيثُ تُناقش بتأصيل فقهي.
- كتب التراجم، وأَعْتبر بـ (طبقات الشافعية الكبرى)، فإنه حوى كثيرًا من الردود والمناظرات بين الشافعية والحنفية، وبـ (ترتيب المدارك وتقريب المسالك)، ففيه حكاية لمناظرات المالكية مع غيرهم. والمناظرات مجال واسع للاستدراك الفقهي كما قال المزني: «لا تعدو المناظرة إحدى ثلاث: إما تثبيت لما في يده، أو انتقال عن خطأ كان عليه، أو ارتياب فلا يقدم من الدين على شك» (١). فتثبيت الرأي يكون بالاستدراك على المخالف، والانتقال يكون بقبول استدراك المخالف.
- الموسوعات الإفتائية، فإنها تحوي مناقشات وردودًا، كـ (فتاوى ابن تيمية، وفتاوى الونشريسي، وفتاوى ابن حجر الهيتمي، وفتاوى المازري، وفتاوى عليش، ونوازل البرزلي ... ).
- كتب الخلاف العالي، خصوصًا كتب الحنفية والشافعية، وكتب المالكية في الأندلس في مواجهة الظاهرية.
- كتب الردود، مثل (الحجة على أهل المدينة)، وما حواه (كتاب الأم) للشافعي من كتب كالرد على محمد بن الحسن، وإبطال
стр. 409
الاستحسان ... وغيرها. وكذا (الصارم المنكي في الرد على ابن السبكي) لابن عبد الهادي المقدسي (١).
- الكتب غير المخصصة للرد، ولكنها أُلّفت في زمن تواجُهِ الاتجاهات الفقهية، في بدايات تحكُّكها، كالكتب المؤلفة حين تواجُهِ مدرستي أهل الرأي وأهل الحديث، كآراء البخاري في (صحيحه)، وككتب المالكية بالأندلس التي اهتمت بالرد على الظاهرية، كمؤلفات الباجي وابن العربي وابن عبد البر.
- الكتب المؤلفة في زمن تنقيح المذاهب؛ لأن التنقيح من أعمال المستدرِك، ككُتب الرافعي والنووي عند الشافعية، وكتب المرداوي عند الحنابلة.
стр. 410
الباب الثاني
معايير الاستدراك الفقهي، ومناهجه، وتطبيقاتها .
وتحته فصلان:
الفصل الأول: معايير الاستدراك الفقهي، وتطبيقاتها.
وتحته سبعة مباحث:
المبحث الأول: معيار الأدلة الإجمالية، وتطبيقاته.
المبحث الثاني: معيار القواعد الأصولية، وتطبيقاته.
المبحث الثالث: معيار القواعد الفقهية، وتطبيقاته.
المبحث الرابع: معيار مقاصد الشريعة، وتطبيقاته.
المبحث الخامس: معيار المبادئ العقلية المسلّمة، وتطبيقاته.
المبحث السادس: معيار مُعتمَدات المذاهب، وتطبيقاته.
المبحث السابع: معيار مقررات العلوم الأخرى، وأقوال أهل الخبرة فيها، وتطبيقاته.
الفصل الثاني: مناهج الاستدراك الفقهي، وتطبيقاتها.
وتحته تمهيد وثلاثة مباحث:
تمهيد: تعريف مناهج الاستدراك الفقهي.
المبحث الأول: المنهج النقلي، وتطبيقاته.
المبحث الثاني: المنهج العقلي، وتطبيقاته.
المبحث الثالث: المنهج المتكامل، وتطبيقاته.
بين معايير الاستدراك الفقهي ومناهجه علاقة وثيقة؛ لأن معايير الاستدراك الفقهي هي التي تُحدد طبيعة منهج الاستدراك؛ لذا رأيتُ التعريف بالمعايير قبل المناهج.
تمهيد: تعريف معايير الاستدراك الفقهي .
المعايير جمع معيار.
والمعيار في اللغة من (عايَرَ)، والعِيارُ والمِعيارُ بمعنى واحد، وهو ما عايَرْتَ به المَكَايِيلَ، فالعِيَارُ صَحِيحٌ تامّ وَافٍ. تَقُول: عايَرْتُ به، أَي سَوَّيْتُه، وتقول: عَيَّرْتُ الدنانير، بمعنى أَن تُلْقِي ديناراً ديناراً فتُوازِنَ به ديناراً ديناراً، وكذلك عَيَّرْت تعييراً، إِذا وَزَنْت واحداً واحداً (١).
فحاصل المعنى أنّ المعيار هو ما يُرجع إليه في التقدير.
والمقصود به هنا: أصولٌ يَرجع إليها المُستدرِك لتقييمِ المُستدرَك عليه، والحُكمِ عليه.
لم يكن الفقهاء يستدركون بلا معايير يُحتكم إليها، بل كانت تجري استدراكاتهم - بتنوّع صورها - على أصول. قال ابن خلدون: «وجرت بينهم المناظرات في تصحيح كل منهم مذهب إمامه، تجري على أصول صحيحة، وطرائق قويمة، يحتج بها كل على صحة مذهبه الذي قلّده وتمسك به» (٢).
وكان الفقهاء يرفضون الدعاوى التي تلبس لبوس الاستدراك؛ لأنها غير مبيّنة ولا معيّرة، وفي ذلك يروي الخطيب بسنده عن عبد الله بن الحسن الهسنجاني (٣) أنه قال:
стр. 413
«كنت بمصر، فرأيت قاضيًا لهم في المسجد الجامع، وأنا ممراض، فسمعت القاضي يقول: مساكين أهل الحديث، لا يحسنون الفقه. فحبوْتُ إليه، فقلت له: اختلف أصحاب النبي ﷺ في جراحات الرجال والنساء، فأي شيء قال علي بن أبي طالب؟ وأي شيء قال زيد بن ثابت؟ وأي شيء قال عبد الله بن مسعود؟ فأفحم. قال عبد الله: زعمت أن أصحاب الحديث لا يحسنون الفقه، وأنا من أخس أصحاب الحديث، سألتك عن هذه فلم تحسنها، فكيف تنكر على قوم أنهم لا يحسنون شيئًا وأنت لا تحسنه؟ » (١).
وكان الفقهاء يحرصون على تعليم طلابهم معايير الاستدراك. قال العز بن عبد السلام: «ما علمنا قواعد البحث إلا من سيف الدين الآمدي (٢)» (٣). والاستدراك من قبيل البحث والمباحثة.
فإن قيل: كيف يُستدرَك على المستدرك ما دام يُراعي المعايير في استدراكه؟
فالجواب أن ذلك يأتي من جهتين:
الجهة الأولى: ألاّ يوافق المُستدرَك عليه بالتعيير بما عيّر به المستدرِك.
الجهة الثانية: أن يتفق الطرفان على التعيير بذات المعيار؛ ولكن لا يوافق المستدرَك عليه في إجرائه وكيفية استعماله في المسألة محل النقاش.
стр. 414
وبالتأمل في تصرفات جملة من الفقهاء في الاستدراك، مع استصحاب نتائج الدراسات الكاشفة عن بعض أدواتهم في النقد - وقد سبقت الإشارة إليها - (١)، أستطيع الاستفادة من ذلك لإبراز معايير الاستدراك الفقهي، وقد تحصّل لي منها المعايير التالية:
١ - الأدلة الإجمالية.
٢ - القواعد الأصولية.
٣ - القواعد الفقهية.
٤ - مقاصد الشريعة.
٥ - المبادئ العقلية المسلّمة.
٦ - مُعتمَدات المذاهب.
٧ - مقررات العلوم المكتسبة الأخرى، وأقوال أهل الخبرة فيها.
وهذه المعايير هي التي تكوّن مباحث هذا الفصل.
стр. 415
المبحث الأول: معيار الأدلة الإجمالية، وتطبيقاته .
والأدلة الإجمالية هي الأدلة المعروفة في علم الأصول: القرآن، السنة، الإجماع، القياس، قول الصحابي، عمل أهل المدينة، العرف، المصلحة المرسلة، سد الذرائع، الاستحسان، شرع من قبلنا، الاستصحاب.
فهي معايير احتكم إليها المستدركون الفقهاء في استدراكاتهم، على اختلاف بينهم في اعتبار بعضها معيارًا؛ وهو اختلاف ناشئٌ من الاختلاف في اعتبارها دليلاً.
وهذه تطبيقات للتعيير ببعض هذه المعايير.
- فأول هذه المعايير وأصلها القرآن والسنة.
يقول ابن عبد البر: «واعلم - يا أخي - أن السنن والقرآن هما أصل الرأي، والعيار عليه، وليس الرأي بالعيار على السنة، بل السنة عيار عليه، ومن جهل الأصل لم يصب الفرع أبدًا» (١).
وفي (تفسير ابن أبي حاتم) بسنده عن الربيع في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ (٢) أنه قال: «الْقُرْآنُ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ». وذكر ابن أبي حاتم أنه رُوي عن عددٍ نحو ذلك. (٣) فما دام أنه فرقانٌ يميَّزُ به الحق من الباطل فهو المعيار في الاستدراك.
وكان إلكيا الهراسي (٤) يستعمل الحديث في مناظرته ويقول: «إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح طارت رؤوس المقاييس في مهاب الريح» (٥).
стр. 416
وقال ابن القيم في أثناء الكلام على دليل عمل أهل المدينة: «والسنة هي العيار على العمل، وليس العمل عيارًا على السنة» (١).
ونقل الإمام الشعراني (٢) عن الأئمة الأربعة: «إذا صح الحديث فهو مذهبنا» (٣).
يقول ابن عابدين معلّقًا: «ولا يخفى أن ذلك لمن كان أهلاً للنظر في النصوص، ومعرفة محكمها من منسوخها» (٤). وبهذا التعليق من ابن عابدين يتبيّن أن التعيير بالسنة مفتقرٌ إلى العلم بها، وبما يعتري الأخبار من الضعف والنسخ ... وغير ذلك.
ومن تطبيقات التعيير بنص من القرآن:
جاء في (التبصرة): «وقال مالك فيمن أمر غلامه أن يرسل صيدًا كان في يده، فظن أنه قال: اذبحه. فذبحه، على سيده الجزاء، وعلى العبد إن كان مُحرمًا الجزاء، ولا يضع عنه خطؤه الجزاء ... ». قال اللخمي مستدركًا: «والقياس أن لا شيء على السيد، كان العبد حلالاً أو حرامًا؛ لأن الخطأ من العبد، وليس من السيد، قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٥)» (٦).
стр. 417
ووجه الاستدراك أن ما نقله اللخمي من نص مالك يُعارضُ عموم الآية، فالسيّد في هذه المسألة لا يتحمّل تبِعة عمل العبد؛ لأنه ليس من كسبه.
ومن تطبيقات التعيير بنص من السنة:
في (المختارات الجلية): «قولهم (١): (يستحب للمعتكف أن يخرج إلى المصلى في ثياب اعتكافه) فيه نظر؛ فإنه ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، ويخرج للعيد متجمّلاً» (٢).
فالحكم باستحباب الخروج إلى مصلى العيد بثياب الاعتكاف مُستدرَكٌ عليه؛ لأنه مُخالفٌ لهدي النبي ﷺ في خروجه ليوم العيد، مع أنه كان يعتكف.
أما اعتكافه في العشر الأواخر فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ» (٣).
وأما عن تجمله يوم العيد بالملابس جاء فيه أنه: «كان يلبس برد (٤) حبرة (٥) في كل عيد». (٦)
стр. 418
فالمُستحب هو ما فعله لا ما لم يفعله.
- ومن تطبيقات التعيير بالإجماع:
حكى ابن الجوزي في ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الخروج عن الأموال والتجرد عنها عن الحارث المحاسبي أنه قال: «أيها المَفتون متى زعمت أن جمع المال الحلال أعلى وأفضل من تركه فقد أزريت بمحمد والمرسلين، وزعمت أن محمدا لم ينصح الأمة إذ نهاهم عن جمع المال، وقد علم أن جمعه خير لهم» وأنه استدلَّ لهذا بقوله: «ولقد بلغني أنه لما توفي عبد الرحمن بن عوف (١) قال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : إنا نخاف على عبد الرحمن فيما ترك»، وأن أبا ذر ﵁ أنكر على كعب إنكاره الخوف على عبد الرحمن قائلاً: «هيه يا ابن اليهودية تزعم أنه لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف، لقد خرج رسول الله ﷺ يومًا فقال: الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا» قال المحاسبي: «فهذا عبد الرحمن مع فضله يوقف في عرصة القيامة بسبب مال كسبه من حلال؛ للتعفف ولصنائع المعروف، فيمنع من السعي إلى الجنة مع فقراء المهاجرين، وصار يحبو في آثارهم حبوًا».
فاستدرك عليه ابن الجوزي بضعف ما استند إليه من الأثر، ثم قال: «ثم كيف تقول الصحابة ﵃ إنا نخاف على عبد الرحمن؟ أوليس الإجماع منعقدًا على إباحة جمع المال
стр. 419
من حله؟ ! فما وجه الخوف مع الإباحة؟ ! أو يأذن الشرع في شيء ثم يعاقب عليه؟ ! هذا قلة فهم وفقه» (١).
فخطّأ ابنُ الجوزي الحارثَ في استدلاله بما روى عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ بعد تضعيف الخبر - بمعيار الإجماع الحاكم بأن جمع المال من حِلّه مُباح، ولا يُعاقِب الشرع على مباح.
- ومن تطبيقات التعيير بالقياس:
ذكر ابن عبد البر أن سليمان بن يسار قال في الحامل تلد ولدًا ويبقى في بطنها ولد آخر: إن لزوجها الرجعة عليها. وقال عكرمة: لا رجعة له عليها؛ لأنها قد وضعت. فقال له سليمان: أيحل لها أن تتزوج؟ قال: لا. قال: خصم العبد (٢).
فاستدرك ابن يسار على عكرمة بمعيار القياس، حيث لما سلّم عكرمة بمسألة منع هذه الحامل من الزواج بسبب ما بقي في بطنها، ألزمه بالقول بذات الحكم لوجود ذات السبب في مسألة حل رجوع زوجها إليها قبل وضع الحمل الثاني.
- ومن تطبيقات التعيير بعمل أهل المدينة.
حكى المازري الاختلاف في الأذان لصلاة الصبح قبل وقتها، وأن أبا حنيفة يمنعه، وقال: «وكان صاحبه أبو يوسف يقول بقوله، فلما قدم المدينة وشاهد المؤذنين يؤذنون لصلاة الصبح قبل وقتها، رجع إلى رأي مالك» (٣).
فالمعيار الذي استدرك به أبو يوسف على ما كان عليه من رأي هو عمل أهل المدينة، قال المازري بعدها: «ومما يعتمد عليه أصحابنا (٤) في ترجيح تأويلاتهم هذه
стр. 420
عمل أهل المدينة، واستمرارهم على الأذان للصبح قبل الفجر، وهم أعلم الناس بما كان عليه الأمر في زمن النبي ﷺ » (١).
- ومن تطبيقات التعيير بالعرف.
نقل ابن عابدين عن (الذخيرة) وعن ابن سلام (٢) فيمن قال: إن فعلْت كذا فثلاث تطليقات عليّ، أو قال علي واجباتٌ، أن يعتبر عادة أهل البلد: هل غلب ذلك في أيمانهم؟ ثم ذكر موافقة السروجي (٣) على هذا، ثم قال: «وما أفتى به في (الخيرية) (٤) من عدم الوقوع ... فقد رجع عنه، وأفتى عقبه بخلافه، وقال: أقول الحق الوقوع به في هذا الزمان؛ لاشتهاره في معنى التطليق، فيجب الرجوع إليه والتعويل عليه عملاً بالاحتياط في أمر الفروج» (٥).
فاستدراك صاحب (الخيرية) على نفسه في المسألة كان لأجل عرف الناس وعاداتهم في إطلاق هذه العبارة (إن فعلت كذا فثلاث تطليقات عليّ، أو عليّ واجبات)، حيث ثبت عنده أنها اشتهرت بين الناس أنها للطلاق لا لمجرد الأيمان، فيقع الطلاق بها.
стр. 421
المبحث الثاني: معيار القواعد الأصولية، وتطبيقاته .
والقواعد الأصولية جعلها ابن الحاجب هي أصول الفقه، وقال في تعريفه: «العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية» (١).
ومن تطبيقات التعيير بالقواعد الأصولية:
في (صحيح البخاري) عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ (٢) عَنْ عَمِّهِ (٣): أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ، وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى (٤).
نقل صاحب (فتح الباري) - في شرح هذا الحديث - عن الخطابي (٥) أنه قال: «فيه أن النهي الوارد عن ذلك منسوخ، أو يحمل النهي حيث يخشى أن تبدو العورة، والجواز حيث يؤمن ذلك».
стр. 422
قال في (فتح الباري) مستدركًا: «قلتُ: الثاني أولى من ادعاء النسخ؛ لأنه لا يثبت بالاحتمال» (١).
وحديث النهي المقصود في كلام الخطابي هو ما في (صحيح مسلم): عَنْ جَابِرٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ (٢)، وَالاِحْتِبَاءِ (٣) فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَأَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ» (٤).
فاستدرك ابن حجر على الخطابي في جمعه بين الحديثين بطريقة ادعاء النسخ، فهي طريقة في الجمع لا تصح في حال الاحتمال؛ لأن مقتضى القواعد الأصولية أنّ النسخ لا يُدّعى إلا إذا ثبت المتقدم من المتأخر من النصوص، فمن شروط النسخ أن
стр. 423
يكون الناسخ متأخرًا عن المنسوخ (١)، فإذا لم يُعرف المتقدم من المتأخر كيف يُدّعى النسخ؟ !
стр. 424
المبحث الثالث: معيار القواعد الفقهية، وتطبيقاته .
والقواعد جمع قاعدة، والقاعدة الفقهية هي: «قضية كلية فقهية منطبقة على فروع من أبواب» (١). بمعنى أنها عبارة مشتملة على حكم يدخل تحته فروع متشابهة تنتمي لأبواب مختلفة من أبواب الفقه.
ومن تطبيقات التعيير بالقواعد الفقهية:
قال اللخمي في مسألة الكفارة بالصيام لمن عجز عن العتق أو الكسوة أو الإطعام إذا حنث في يمينه: «قال ابن القاسم: ومن كانت له دار يسكنها، أو خادم تخدمه، لم يجزه الصوم.
فيجوز له أخذ الكفارة، ولا يجزئه الصوم.
قال محمد (٢): لا يصوم حتى لا يجد إلا قوته، ويكون في بلد لا يعطف عليه فيه (٣).
وقال ابن القاسم: في كتاب ابن مزين (٤): إن كان له فضل على قوت يومه أطعم، إلا أن يخاف الجوع، وهو في بلد لا يعطف عليه فيه.
стр. 425
وجميع هذا حرج، والمفهوم من الدين التوسعة فوق هذا، وأن لا يحوجه إلى التكفف؛ لأنه من الحرج» (١).
فاستدرك اللخمي على آراء ابن القاسم ومحمد بقاعدة نفي الحرج، وهي قاعدة لها تعبيرات مختلفة عند الفقهاء مثل: (المشقة تجلب التيسير) و (إذا ضاق الأمر اتسع)، و (الحرج مرفوع) وما شابهها (٢) مما يدخل في دلالة قوله تعالى:
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣) ومن الحرج اضطرار المكلف إلى التكفف، أو إلى الاستغناء عن خادمه وداره التي يسكنها.